حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن جريج عن عطاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر، ودخل وخرج، وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سري عنه، فعرفته عائشة ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أدري لعله كما قال قوم فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ الآية.
الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول: في الصنعة الحديثية والإسنادية، هذا الحديث من طريق عطاء عن عائشة، ابن جريج عن عطاء عن عائشة، وتقدم قبل قليل ذكر عطاء وذكر ابن جريج وأنهم من رؤوس المدرسة الحديثية المكية، المدرسة العلمية المكية بشكل عام.
وعائشة رضي الله تعالى عنها من الصحابيات المكثرات جدا من الرواية، وقد أخذ عنها المسلمون من مختلف المدارس، فأخذ عنها المدنيون الذين كانت تعيش بينهم، ومن أبرز المدنيين الذين أخذوا عنها عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعمرة بنت عبد الرحمن.
ومن أبرز العراقيين الذين أخذوا عنها الأسود بن يزيد، وعلقمة بن عبد الله، ومن أبرز المكيين الذين أخذوا عنها عطاء بن أبي رباح، وهكذا ترون أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت مصدرا لنشر العلم الكبير الواسع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك يعني معلومة أرجعها إن شاء الله لحديث آخر مرتبطة بتأثير عائشة على المدرسة الحديثية على نقل السنة والرواية، لأنه في إحصاء رقمي لطبقات الرواة وكيف كان تأثير عائشة رضي الله تعالى عنها ونساء النبي صلى الله عليه وسلم على رواية الحديث، وكيف أنه بتوقف الرواية المباشرة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بوفاتهن كيف المدرسة الحديثية بدأت تفقد النسائية مدرسة حديث النسائية بدأت تفقد كثيرا من قوتها، ويأتي الحديث إن شاء الله في مقام آخر.
الوجه الثاني من الكلام على الحديث في بيان ما قد يشكل، قول عائشة كان إذا رأى مخيلة في السماء، المقصود سحاب، سحاب في السماء يعني مليء بالمطر أو متوقع فيه المطر، يتخيل أو يخيل يخيل للناظر فيه أن فيه مطرا، ولأجل ذلك سمي مخيلة، إلى الآن في اليمن، آه، تسموها مخيلة إلى الآن عجيب سبحان الله.
باقي الحديث ممكن نبين وجه وجه هذا، نقول القلق من النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا رأى مخيلة يقبل ويتحرك ويدبر حتى إذا أمطرت سري عنه، ويقول: أخشى أن يكون كما قال قوم فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا.
النبي صلى الله عليه وسلم نظرا لمسؤوليته الكبيرة على الأمة وعلى الناس، ونظرا لحرصه الشديد على من يدعوهم، ونظرا لخوفه على حتى على المشركين أن يستأصلوا بعذاب قبل أن قبل أن يسلم منهم من أراد الله به الخير، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى هذا السحاب بهذه الهيئة يقلق أن يكون محملا بعذاب، وذلك أن الله سبحانه وتعالى ذكر نوعا من العذاب يكون عبر هذه الوسيلة، هذا بالنسبة لوجه الحديث ومعناه.
الوجه الثالث من كلام الحديث هو في فوائد الحديث، أو عفوا الفوائد المنهجية والتربوية وما قد يستنبط من المعاني والعبارة.
هذا الحديث فيه فوائد متعددة: الفائده الأولى هي في أن الإنسان مهما بلغ من الصلاح، مهما بلغ من الصلاح والمكانة عند الله سبحانه وتعالى لا ينبغي له أن ينسى جانب الخوف وجانب الرهبة، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد وصف في كتابه سادات خلقه الصالحين بانهم يخافون، وهذا المعنى من المعاني التي تغيب أحيانا في التصورات التصورات الايمانية بالنسبة للانسان، الله سبحانه وتعالى حين ذكر الملائكة قال يخافون ربهم من فوقهم وهم الملائكة.
وحين ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون قال ذكر يعني صفات أناس من عباده الصالحين، من خيار عباده الصالحين، قال: إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ، هذا يذكركم بكلام أهل الجنة الذي ذكره الله في سورة الطور: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ.
وهنا أو في سورة المؤمنون إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، قالت عائشة: هؤلاء الذين يأتون يعني الذنوب والمعاصي والفواحش وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون يخافون من ذنوبهم؟
كان الجواب هو أن أولئك الذين يؤتون ما أتوا من الصالحات والخيرات وقلوبهم وجلة أنهم لا يقبل منهم، وهذا كان من يعني نقول من سمات الصالحين أنهم لا يغترون بأعمالهم اغترار الذي يعني كأنه قدم شيئا وهو ضامن ضمانا تاما أن هذا العمل الذي قدمه هو كرت دخوله إلى الجنة بدون أي أ خلينا نقول مفاجات، بينما الصالحون كانوا يخافون ويحسبون حسابات، كانوا يحسبون حساب يعني أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، إنما يتقبل الله من المتقين المتقين أي متقين في ذلك العمل، فيخافون أن يكونوا قد قصروا في التقوى، قد يعني دخل قلوبهم شيء من الرياء، قد إلى أخره من هذه التخوفات.
وعموما الانسان المؤمن مهما بلغ من الصلاح لا ينبغي أبدا أن ينفك عن عبادة الخوف، فالخوف من أجل العبادات، وهو عبادة يقتضيها مقام الرهبة من الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى قال في سورة آل عمران: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، والمؤمن الكامل يعني الكامل فيما يمكن من الكمال الإيماني هو الذي يستطيع الجمع بين مقام الرهبة والرغبة وبين مقام الخوف ومقام الرجاء، والذي يغلب أحد الجانبين على الأقل تغليبا زائدا قد يقع في قد يقع في انحرافات، قد يقع في انحرافات في تعبده.
الشاهد من هذا الحديث كله هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في في داخل نفسه وطبعا هذه كل من مؤشرات خلنا نقول الحياة الداخلية، أنه النبي صلى الله عليه وسلم ينتبه لهذه الأشياء ويخاف أن أن يكون هناك شيء، مع أن يعني الناس لم يكونوا ينتبهوا إلى مثل هذا المعنى.
الفائدة الثانية هي في أهمية استحضار خلينا نقول الأمثله أو القصص التي ذكرها الله في القرآن وتفعيلها في داخل النفس وعلى أرض الواقع، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حصل له هذا بناء على ما ذكر الله في القرآن عن قومه عاد، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ هذه الآية وأنزلها على تلك الحال وذاك الواقع.
وطبعا من العلماء من قال أن هذا كان قبل قول الله سبحانه وتعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وهناك نقاش حول هذا المعنى.
الشيخ أحمد السيد