ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا همام، قال: سمعت أبا عمران الجوني يحدث عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس الأشعري عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ثلاثون ميلا، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون. قال أبو عبد الصمد والحارث بن عبيد عن أبي عمران: ستون ميلا.
هذا الحديث أيضا من جملة الأحاديث التي فيها ذكر تفصيل النعيم، وأن يعني يعيش الإنسان المؤمن مع هذه التفاصيل التي وردت، هذه التفاصيل لم تذكر هكذا، لم تذكر لمجرد الخبر، وإنما ذكرت حتى تكون محركا من محركات العمل الصالح، من محركات العمل الصالح بالنسبة للإنسان المؤمن.
والنعيم الموجود في الجنة لا تقيسه بالقياسات والحسابات الفيزيائية والهندسية الدنيوية، وإنما هو نمط آخر وشيء آخر، أصلا الجنة وحدها كمساحة وسعتها السماوات والأرض، فهي يعني في المساحة والسعة لا تستطيع أن تتخيل، لأنه تعرف مساحة السماء مثلا ليست معلومة كم بالضبط، وإنما تدرك أبعاد كثيرة مما هو مدرك ومعلوم مسافات هائله جدا.
وبالتالي يعني تفهم قول الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا. فالمؤمن له ممتلكات ومساحات في الجنة واسعة جدا وكبيرة، وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن خيمة للمؤمن من درة مجوفة طولها في السماء ثلاثون ميلا، تتخيل مثل هذا، مثل هذا الشيء المبهر.
لذلك يلفت انتباهي كثيرا قول الله سبحانه وتعالى في سورة الزخرف: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، انتبه لتلذ الأعين ها، أنه العين في الجنة تلتذ من رؤية النعيم، من رؤية الخير، من رؤية ما أعد الله سبحانه وتعالى للمؤمنين.
وهنا يعلم كرامة المؤمن عند الله سبحانه وتعالى، وانه ما أصاب المؤمن في الدنيا من ابتلاءات ومن مصاعب ومن هموم ومن كربات ومن أمراض ومن أسقام ومن أذى وكلام واعتداء ومن تسلط الفجار والسفلة والظالمين على عباد الله الصالحين، أن هذا لم يكن إلا فترة مؤقتة، وأن المؤمن لو كشف له أو كشف عنه الحجاب ورأى ما الذي ينتظره في الآخرة من الخيرات والنعيم، لأدرك أن ذلك الخير وذلك النعيم هو الكرامة التي يعدها الله سبحانه وتعالى له، وأما هذا الذي يمر به فليس إلا شيئا يسيرا، إنما هو بوابة ومحطة جسر وعبور.
الشيخ أحمد السيد