ثم قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين.
طيب، هذا الحديث الكلام عليه أيضاً من وجوه. الوجه الأول في الصنعة الحديثية والإسنادية، هذا الإسناد من الأسانيد المثالية، الحميدي عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، سفيان هنا من هو؟ ابن عيينة ولا الثوري؟ جميل، لأنه بينه وبين البخاري واحد، ويروي عن... طيب، هو حتى سفيان الثوري أحياناً يكون بينه وبين البخاري واحد بس، الأكثر أن يكون سفيان بن عيينة هو الذي بينه وبين البخاري واحد، لكن حتى الثوري أحياناً البخاري يصل إليه عن طريق واحد. جميل، لأنه الراوي عنه الحميدي، والحميدي معروف من أخص وأثبت تلاميذ سفيان، ولو تتذكرون أول حديث في صحيح البخاري، حديث إنما الأعمال بالنيات هو من رواية الحميدي عن سفيان، الحميدي عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري. طيب، وأيضاً جيد هو، وأيضاً هو سفيان بن عيينة مكثر عن أبي الزناد، واحنا لو تذكرون اخذنا حتى في صحيح مسلم الرواة عن أبي الزناد، أن سفيان بن عيينة، شعيب بن أبي حمزة، المغيرة بن أبي عبد الرحمن، هؤلاء من أكثر الناس رواية عن أبي الزناد، ومالك أيضاً الإمام مالك.
طيب، إذاً هذا الإسناد مثالي جداً؛ الحميدي عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وكأنه من الأسانيد يعني المتشابكة أو المصاغة بالذهب.
الوجه الثاني في بيان ما قد يشكل من الحديث؛ هو الحديث أيضاً واضح المعنى، واضح الدلالة والألفاظ، فأتجاوز الحديث عن بيانه، إلا أنه يمكن الإنسان أن يشير إلى أن هناك قصة قد تدل على أن هذه المنزلة هي المنزلة العليا بالنسبة لأهل الجنة؛ لأن موسى عليه السلام حين سأل ربه عن أدنى أهل الجنة منزلة، فالله سبحانه وتعالى ذكر له أن رجلاً يدخل الجنة ويقال له: أَتَمَنَّى. فيقال: أتمنى أن يكون لي مثل ملك من ملوك الدنيا، أو هل ترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: نعم. فيقول: لك مثله ومثله ومثله إلى آخره، لكن قال: يا ربي فأعلاهم منزلة، موسى عليه السلام فيقول: يا ربي فأعلاهم منزلة؟ فقال الله سبحانه وتعالى: أولئك الذين أردت غَرَسْتُ كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر.
ويمكن أن يقال: حتى أدنى أهل الجنة منزلة قد يكون لهم من النعيم ما لا يخطر على قلب بشر، لأنه مر معنا قبل قليل في تفسير الآيات أنه أنها قال مختلفة الطعوم، لأنه في قول الله سبحانه وتعالى: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا في سورة البقرة، وأتوا به متشابهة من التفاسير المعروفة عند العلماء أنه إيه، أنه يشبه ما يعرفونه في الدنيا من ناحية الفواكه مثلاً، فاكهة التفاح، فاكهة الموز، فاكهة، وتختلف في الطعم ها، وأتوا به متشابهًا، لذلك قال بعضهم: ليس في الجنة من الدنيا إلا الأسماء، أنه اسمها هكذا، أما الطعم والحقائق فهي مختلفة، فيمكن أن يقال أيضاً في هذا المعنى ربما الله أعلم، لكن حديث موسى عليه السلام يبين أن هناك تفاوت تفاوتاً كبيراً في مثل هذه الحقائق.
الفائدة الثانية هي في فائدة منهجية، يعني ليست مرتبطة بالجنة تحديداً، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستدل بالقرآن لتاييد الحديث، كان يستدل بالقرآن لتاييد الحديث، وذلك أنه قال عليه الصلاة والسلام: فاقرؤوا إن شئتم: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ. والذي قبله هو كلام من الحديث النبوي، وإن كان حديثاً قدسياً لكنه في الأخير من الحديث النبوي، وهذا قد ناخذ منه فائدة، فائدة منهجية في العلم وفي التبليغ، وهي الفائدة التي سار عليها الإمام البخاري في صحيحه وهي أهمية عضد أو أن يكون هناك استدلال بالوحيين بالكتاب وبالسنة وتأييد هذا بهذا، فإن تذكر الحديث وتذكر ما يشهد له من القرآن فهذا تقوية للحديث، وأن تذكر القرآن وتذكر ما يبينه من الحديث فهذا تفسير وتبيين وتقييد وما إلى ذلك.
فهذا غير الذين جعلوا القرآن عِضِينَ، وغير الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، غير الذين يعارضون بين القرآن والحديث ويجعلون كأن أحد الوحيين جاء خصيماً للآخر، بينما خلينا نقول الطريقة النبوية التي يمكن أن تؤخذ من هذا الحديث ومن غيره، ثم الطريقة التي سار عليها الأئمة وعلماء المسلمين هي أن يعضد الحديث بالقران، وأن يبين القرآن بالحديث، وهذا له شواهد كثيرة، يعني ليس هذا مقام بسطها.
الشيخ أحمد السيد