اطلب العلم أخي، فهو درب به نور، به ترقى، به تحيا عالماً حراً فخور. اطلب العلم رقية، هو درب ذهن، به ترقى، به تحيا عالي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. وبعد؛ أيها الأحبة، فحياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطانا وخطاكم. ونسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، الذي جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك، أن يجمعنا عنده في مستقر رحمته.
نكمل ما شرعنا فيه من شرح هذه المنظومة المباركة. وكنا في الدرس الماضي أخذنا جولة سريعة في المبادئ العشرة لعلم المنطق، وكلفناكم بأن تراجعوا الدورة السابقة التي توجد على قناة المشروع، ونسأل الله أن تكونوا أديتم هذه الوظيفة لمن لم يحضر تلك الدورة. اليوم بإذن الله نبدأ في منظومة عبد الرحمن الأخضري رحمه الله تعالى، ونبدأ في مطلعها، قال رحمه الله تعالى:
الحمد لله الذي قد أخرجاً ... نتائج الفكر لأرباب الحجى وحط عنهم سماء العقل ... كل حجاب من سحاب الجهل حتى بدت لهم شموس المعرفة ... رأوا مخدراتها منكشفة نحمده جلا على الأنعام ... بنعمة الإيمان والإسلام
قال رحمه الله تعالى في البيت الأول: نحن سنقف مع الأبيات بألفاظها، نحاول أن نحلل، نحاول أن نصل إلى حقائق الألفاظ، ولن تكون دراستنا سريعة. في الدورة السابقة كانت الدراسة سريعة، في هذه الدورة بإذن الله سنقوم بعملية التحليل للنص حتى يتعود الطالب قراءة كتب الأقدمين. لذلك كثير من الطلبة راجعوني في كتب في شرح السلم المنورة، قالوا لم نفهمها، لماذا؟ لأن العبارة قوية ومتينة، ويتكلمون بالتحليل خاصة الذين يتكلمون في علم المنطق من الأئمة الذين شرحوا هذه المنظومة يتكلمون بالتحليل عن كل لفظة. فنحن سنحاول أن نتكلم عن بعض الألفاظ بالتحرير، لكن لن ندخل فيها الدخول المعمق الذي يدخلون فيه.
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. بدأ إذاً منظومته بالبسملة، وهذا دأب أهل العلم أنهم يبدأون منظوماتهم، يبدأون مصنفاتهم ببسم الله الرحمن الرحيم اقتداء بكتاب الله عز وجل الذي ابتدأ بـ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، واقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية، حيث كان إذا أرسل إلى ملوك الأرض رسائل يصدرها ببسم الله الرحمن الرحيم. واقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر، الحديث رواه أبو داوود وحسنه ابن الصلاح.
طبعاً تحسين ابن الصلاح أيها الأحبة عند المحدثين له قواعده، لأن ابن الصلاح لا يرى التصحيح والتحسين في الكتب، يراه فقط للأئمة المتقدمين. لذلك إذا قلنا حسنه ابن الصلاح، هذا ينظر فيه؛ أما أن يكون ابن الصلاح حسنه أي أخذ تحسينه من الأئمة المتقدمين، وإما على قواعده في التحسين فيما يتعلق السنن لأبي داوود، له مصطلح معين يدرس عند المحدثين. إذاً هذه السنة القولية، والرابع والأخير هو التيمن والتبرك. هذه المقاصد من أجلها يبدأ الناظمون والمصنفون رسالاتهم ببسم الله الرحمن الرحيم.
وبسم الله الرحمن الرحيم ابتدأت بحرف جر وهو الباء، هذا حرف الجر يحتاج إلى متعلق، هذا معلوم عند طلاب العربية، حرف الجر يحتاج إلى فعل أو إلى عامل يتعلق به. طيب ما هو العامل الذي يتعلق به حرف الجر هنا؟ لا نراه، إذاً هو شيء محذوف مقدر، والخلاف في ذلك طويل، لكن نحن نختصر فنقول: بسم الله الرحمن الرحيم، الباء الجارة تتعلق بفعل محذوف مؤخر مخصص خاص تقديره "أنظم"، فكأنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم أنظم هذه المنظومة. فقدرناه إذاً فعلاً؛ لأن الفعل هو الأصل في العمل، وقدرناه مؤخراً وذلك للتيمن والتبرك بالابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم تكون هي في البداية، وقدرناه خاصاً، أي لم نقدر بعض الشراح يقول نقدر فعلاً عاماً، بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ، نقول لا نقدر فعلاً أخص؛ لأن أخص إلى المقصود، فنقول بسم الله الرحمن الرحيم أنظم، هذا أخص من بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ. إذاً الجار والمجرور متعلقان بفعل مقدر متأخر تقديره أنظم، بسم الله الرحمن الرحيم أنظم هذه المنظومة. وبعد ذلك الشراح عن لفظ الجلالة وعن الرحمن والرحيم بكلام يطول ذكره.
ننتقل إلى أول بيت من أبيات هذه المنظومة، فقال رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي قد أخرجاً. ثنى رحمه الله تعالى بالحمدلة، والحمد أيها الأحبة معناه: الثناء بالجميل على الجميل الاختياري على وجه المحبة والتعظيم. هذا هو الحمد، أنت إذا درست هذه المصطلحات في منظومة واحدة انتهت الأمور في كل المنظومات وفي كل الكتب التي ستقرأها بعد ذلك ستطبق ما درسته هنا، ولن تحتاج إلى تكرار هذه المعلومات مرة أخرى بإذن الله. الحمد في اللغة أيها الأحبة هو الثناء بالجميل على الجميل الاختياري على وجه المحبة والتعظيم.
فقال الحمد والثناء، والثناء أيها الأحبة بماذا يكون؟ ما آلته؟ اللسان، الثناء يكون باللسان، إذاً الحمد آلته اللسان فقط، هو الثناء بالجميل، قولنا بالجميل، هل هذا قيد احترازي أم قيد توضيحي؟ إذا قلنا الثناء أيها الأحبة قد يكون بالخير وقد يكون بالشر، فتقييدنا الثناء بالجميل هذا قيد احترازي عن الثناء بالشر، وهذا الذي عليه كثير من أهل اللغة، كما جاء في الحديث عندما مرت جنازة فالصحابة أثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم مرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، فهذا يدل على أن الثناء كما يكون بالخير كذلك يكون بالشر، وهذا أطال فيه الفيروزآبادي في المصباح المنير، فليرجع إليه، كان الثناء يكون بالخير ويكون بالشر. فقوله الثناء بالجميل هذا قيد احترازي، احترز به عن الثناء بالشر.
الثناء بالجميل على الجميل الاختياري، أي على التصرف الحسن الاختياري، لماذا قيده بالاختيار؟ إذاً هناك أشياء جميلة اضطرارية، فاحترزنا عنها فقلنا الجميل الاختياري، مثل ماذا أشياء جميلة اضطرارية؟ مثلاً يكون إنسان حسن الهيئة، منظره جميل، فأنت عندما تثني عليه على جماله أنت لا تثني عليه على تصرف اختياري صدر منه، لأن خلقته على هذه الصورة من الله سبحانه وتعالى، هو لم يبدر منه شيء يستحق أن يحمد عليه بذاته. لذلك إذا أثنيت على شخص بسبب جميل هو مجبر عليه خلقة فيه أو أكره عليه، ثناؤك عليه لا نسميه حمداً وإنما نسميه مدحاً، لا نسميه حمداً وإنما نسميه مدحاً. فتقول مثلاً: أحمد فلاناً على هيئته، على صورته، على جماله، هذا نوع من أنواع المدح ولا يسمى حمداً. فالحمد إنما يكون على جميل اختياري، أي جميل صدر من الإنسان باختياره وإرادته، مثل الشجاعة، مثل الكرم، مثل التعلم، العلم أو ما شابه ذلك. فتقول مثلاً: أثني على فلان بسبب تعلمه للعلم، بسبب جرأته وشجاعته، بسبب كرمه، فهذه أنواع الجميل الاختياري التي تصدر بالإرادة والاختيار.
قال على وجه المحبة والتعظيم، فهذا قيد آخر، فالحمد يشترط فيه أن يكون صادراً على وجه من المحبة والتعظيم للمحمود. أنتم أيها الأحبة قد تثنون على إنسان ولكنكم تبغضونه، الإنسان قد يثني على عدوه، يقول مثلاً: عندهم علوم، عندهم مثلاً جرأة، عندهم شجاعة أو ما شابه ذلك. الإنسان أيها الأحبة إذا أثنى على عدوه وعلى خصمه، هذا الثناء كذلك لا نسميه حمداً وإنما نسميه مدحاً، فالمدح دائماً أعم من الحمد. الحمد يشترط فيه أن يكون صادراً على وجه المحبة والتعظيم، فإذا أثنيت على شخص بسبب جميل اختياري صدر منه وكنت مع ذلك تحبه وتعظمه فحينئذ نسمي هذا الثناء حمداً، أما ما سوى ذلك وما عدا ذلك فنسميه مدحاً، هذا هو مصطلح الحمد في اللغة. وهذا كثير ما ستجدوه في كتب التراث، وستجدون مناقشات يرجع إليها.
هذا الحمد لغة. طب ما هو الحمد اصطلاحاً؟ أي في اصطلاح المصنفين واصطلاح أهل العلم يقولون الحمد اصطلاحاً تعريفة هو نفس تعريف الشكر لغة. طيب ما هو؟ يقولون هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً. هذا تعريف الحمد اصطلاحاً وهو بذاته تعريف الشكر في اللغة. فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً. صدرنا الشكر بماذا؟ لغة وهو الحمد اصطلاحاً صدرناه بكلمة فعل، ألم نقل ماذا باللغة؟ الثناء. الشكر في اللغة ما هو؟ فعل. الثناء آلته ما هي؟ اللسان. هنا فعل عامة تشمل فعل الجنان وفعل القلب وتشمل فعل اللسان وتشمل فعل الجوارح والأركان، فقولنا الشكر فعل، إذاً الشكر آلته أوسع من آلة الحمد، لأن الحمد في اللغة آلته فقط اللسان، وأما الشكر فآلته الجنان وآلته اللسان وآلته الجوارح والأركان.
فقال: فعل عن تعظيم المنعم. إذاً هو تصرف يصدر من الإنسان يشعر وينبئ بأنه يعظم المشكور. إذاً هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب ماذا؟ بسبب كونه منعماً. إذاً نلاحظ أن الشكر أيها الأحبة سببه مقيد، ما هو؟ يعني أنت ما تشكر إنساناً إلا بسبب نعمة أسداها إليك، لذلك قال بسبب كونه منعماً، فقيد السبب الذي من أجله يشكر الإنسان. بينما في الحمد ماذا قال؟ قال الثناء بالجميل على الجميل الاختياري، عمم. فسبب الحمد عام، أي يصدر من الإنسان يحمد عليه سواء كان نعمة أنعم بها علي، معروف صنعه معي، أو كان صفة في ذاته، صفة في ذاته مثل العلم أو ما شابه ذلك، حتى ولو لم أنتفع بها فإني أحمده عليها، أما الشكر فسببه خاص وهو ماذا؟ الإنعام فقط، فلا أقول شكرت إلا إذا أسدى إلي نعمة. لذلك نخلص بماذا؟ أن الحمد آلته اللسان ولكن سببه عام، يكون مقابل نعمة أسداها إليك الشخص أو مقابل صفاته الاختيارية، حتى وإن لم تعد علي بالخير. أما الشكر فهو أعم من حيث الآلة، القلب واللسان والجوارح، ولكنه أخص من حيث السبب، فسببه فقط الإنعام عليك.
طيب، إذاً هذا هو الحمد اصطلاحاً وهو معنى الشكر لغة، ويبقى علينا الشكر اصطلاحاً، بذلك ننهي التعريفات الأربعة. الشكر اصطلاحاً أيها الأحبة أن يصرف العبد جميع ما أنعم الله عز وجل به عليه في محبة الله ومرضاته، هذا هو شكر الله عز وجل. أن يصرف العبد جميع شكر اصطلاحاً، أي في اصطلاح أهل العلم، الاصطلاح الشرعي، نقول: أن يصرف العبد جميع ما أنعم الله عز وجل به من النعم في ماذا؟ في طاعة الله عز وجل وما يحبه ويرضاه.
الآن فقط من باب التمرس، لا نتكلم عن مسألة منطقية تطبيقية ابتداء، نقول الحمد لغة والشكر لغة، نعود إليه. ما العلاقة بينهما في علم المنطق؟ يقول العلاقة بينهما علاقة العموم والخصوص الوجهي، هذا تطبيق، قبل أن ندخل ونعرف ما هي هذه العلاقات من باب التطبيق السريع. ما هي علاقة العموم والخصوص الوجهي؟ علاقة العموم والخصوص الوجهي تكون هناك مادة اتفاق، وتكون مادتان فيهما افتراق، هذه علاقة تسمى علاقة العموم والخصوص الوجهي؛ شيء يشترك فيه بينهما وشيء ينفرد به هذا وشيء ينفرد به هذا.
فالشكر والحمد علاقتهما علاقة العموم والخصوص الوجهي، إذاً هناك مادة يجتمعان فيها. في ماذا؟ أو أين يجتمع الحمد مع الشكر؟ أين يجتمع الحمد مع الشكر؟ يعني هناك شيء يسمى حمداً ويسمى شكراً، ما هو؟ الثناء باللسان إذا صدر بسبب نعمة أنعمها المحمود عليك، فهذا يسمى حمداً ويسمى شكراً، لأن الشكر كما قلنا يكون باللسان لكنه خاص من حيث السبب، والحمد عام من حيث السبب وخاص من حيث الآلة. فإذا كان الثناء على الشخص لأنه أنعم عليك بنعمة، فهذا نسميه حمداً ونسميه شكراً. ويفترق الحمد في ماذا؟ يفترق الحمد بالثناء على الشخص لكن ليس بسبب نعمة أنعم بها عليك، وإنما بسبب صفاته الذاتية التي يتحلى بها. والشكر يفترق في مادة وهو ما إذا كان الشكر بالقلب أو بالجوارح، فإذا كان الشكر بالقلب أو بالجوارح فهذا لا يكون إلا شكراً ولا يكون حمداً، لأن الحمد اللسان فقط.
طيب، هذا هو تعريف الحمد لغة واصطلاحاً وتعريف الشكر. طيب، الآن مسألة يقولون "الحمد لله"، أل في الحمد على ماذا تدل؟ الحمد لله يقولون هل للاستغراق؟ هذا أشهر الأقوال. طيب الآن الطالب يريد أن يفهم ما معنى الاستغراق؟ يعني استغراق لماذا؟ الاستغراق معناه الشمولي، طب شمول لماذا؟ يقولون أل في الحمد تفيد الاستغراق والشمول لجميع أنواع الحمد، ثم هم بعد ذلك يفصلون في الكتاب الذي معكم، ذكر أنواع الحمد التي يستغرقها، فقال هي أربعة أنواع: حمد أو ثناء القديم على القديم. باختصار القديم يقصدون به الله سبحانه وتعالى، والحادث يقصدون به المخلوق. ننطلق من هذا، طبعاً تسمية الله عز وجل بالقديم هذه حادثة عند المتكلمين وليست على طريقة أهل السنة؛ لأن أهل السنة لا يوجد عندنا من أسماء الله الحسنى القديم، يوجد عندنا الأول، الأول الذي لم يسبقه شيء، هذا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث، أما القديم فهذا اصطلاح كلامي عبروا به عن اسم الله الأول.
فيقولون أنواع الحمد أربعة: حمد قديم لقديم، أي حمد الله أو ثناء الله على نفسه. النوع الثاني من أنواع الحمد: حمد القديم للحادث، أي ثناء الله على المخلوق. النوع الثالث العكس: حمد الحادث للقديم، أي ثناء المخلوق على الخالق سبحانه وتعالى. النوع الرابع من أنواع الحمد: حمد حادث لحادث، حمد مخلوق لمخلوق. الآن إذا قلنا الحمد أيها الأحبة استغراقية، أي لاستغراق هذه الأنواع الأربعة، قد يكون هذا المعنى واضحاً بالنسبة للنوع الأول والثاني والثالث، الحمد القديم لذاته، وحمده القديم للمخلوق، وحمد المخلوق للقديم، ولكن حمد المخلوق للمخلوق أو ما عبر عنه بحمد الحادث للحادث، كيف يكون لله سبحانه وتعالى؟
ومن حادث للحادث، يعني حمد الحادث للحادث؛ مثلا أنا أشكر شخصاً أمامي، أشكره على فعله وأحمده على فعل فعله. الآن هذا كيف يعود لله وكيف يكون لله؟ يقولون: حمد الحادث للحادث، المخلوقات التي تحمد في الحقيقة إنما تستحق وتستمد حمدها من حمد الله سبحانه وتعالى؛ لأنك عندما تحمد شخصاً، هذا الشخص في الحقيقة من الذي وفقه لأن يفعل هذا الفعل الذي يُحمد عليه؟ الله سبحانه وتعالى، فإذا حمدته وأثنيت عليه هو استمد حمده من حمدك لله سبحانه وتعالى، فعاد إذا حمد الحادث إلى الحادث إلى حمد الله عز وجل.
قرر إذاً أن جميع أنواع الحمد إنما تكون لله سبحانه وتعالى. وقيل طبعاً أن الجنس، وقيل أن العهد، والأقوال في ذلك تطول وليس هذا موضع بحثها. طيب السؤال الآن: لماذا المصنفون والناظمون بعد البسملة في العادة يأتون بالحمدلة؟ كذلك لما ذكرناه؛ أن كتاب الله سبحانه وتعالى بعد البسملة بماذا ثنى الله؟ الحمد لله رب العالمين، فهم يقتدون بهذا العمل اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية، حيث كان يبدأ خطبه بماذا؟ بالحمد؛ النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ الخطب بالحمد لله، نحمده ونستعينه، وما شابه ذلك. واقتداءً كذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية، قوله صلى الله عليه وسلم: كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر.
الحديث كذلك متكلم فيه. قال: الحمد لله الذي قد أخرج، الحمد لله الذي قد أخرجه الآن، الذي قد أخرج هذا نعت لله سبحانه وتعالى. قال الحمد لله ثم وصف الله عز وجل بأنه أخرج. والإخراج هنا بمعنى الإظهار، يعني الحمد لله الذي قد أظهره. أظهر ماذا؟ قال: أظهر نتائج الفكر لأرباب الحِجى، أظهر نتائج الفكر. النتائج أيها الأحبة جمع نتيجة، والنتيجة هي الثمرة، والنتيجة هي الثمرة. والنتيجة في علم المنطق هي ما يحصل وما ينتج من المقدمات، عندما تضع المقدمات وتكون كما سيأتي معنا ينتج عندك شيء، أو الثمرة التي تنتج من هذا القياس يسمونها نتيجة، هذا إذاً ما ينتج من المقدمات نسميه نتيجة.
فقال رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي قد أظهر، أي أخرج نتائج الفكر، أي ثمار الفكر. والفكر مر معناه حده: حركة النفس في المعقولات. فحركة النفس في المعقولات التي هي الفكر، هي التي توصل إلى النتائج. فيقول: الحمد لله الذي قد أظهر نتائج الفكر، أي ثمار الفكر، لمن أظهرها؟ قال: لأرباب الحِجى. الأرباب جمع رب وهو المالك للشيء، ولا تطلق رب على المخلوق إلا مضافة إلى الشيء الذي يملكه، أما الرب هكذا بالإطلاق من دون تقييد فلا تطلق إلا على الله سبحانه وتعالى، لذلك قيدها أظهر نتائج الفكر بمن؟ قال: بأرباب الحِجى. الحِجى القصر هم أصعب، معناه ماذا؟ العقل، فمعنى هذا البيت: الحمد لله الذي أخرجه وأظهر نتائج الأفكار لمن؟ قال: لأصحاب العقول، ولِمُلاك العقول.
طيب، الآن هنا في هذا البيت أيها الأحبة يوجد ما يسمى في علم البلاغة ببراعة الاستهلال. يوجد ما يسمى ببراعة الاستهلال. ما هي براعة الاستهلال؟ براعة الاستهلال أن يذكر الناظم أو المصنف في مطلع المنظومة أو في مطلع الكتاب كلمات تدل على العلم الذي فيه؛ لأن هذه الكلمات التي يبدأ بها مشهورة في هذا العلم وتستخدم في هذا العلم. فهنا ماذا قال الناظم؟ الحمد لله الذي قد أخرج نتائج الفكر لأرباب الحِجى. استخدم لفظ أو مصطلح النتيجة، واستخدم مصطلح الفكر، واستخدم مصطلح العقل. الآن هذه المصطلحات الثلاث التي استخدمها إنما توظف في أي علم؟ مثلاً هل هي تتعلق بعلم النحو؟ هل تتعلق بعلم الصرف؟ هل تتعلق بعلم الفقه؟ لا، هي تتعلق بعلم المنطق، فذكره لهذه الألفاظ في بداية المنظومة كأنه يشير من خلالها إلى العلم الذي سينظم فيه. هذا ما يسمى براعة الاستهلال، أن يكون الإنسان بارعاً في الاستهلال أي في الابتداء، أن يذكر ألفاظاً تشير إلى العلم الذي سيصنف فيه.
ثم قال بعد ذلك رحمه الله تعالى: وحط عنهم من سماء العقل كل حجاب من سحاب الجهل. قال رحمه الله تعالى: وحط عنهم، أي أزال عنهم، أزال عنهم ماذا؟ قال: وأزال عنهم من سماء العقل، حط عنهم من سماء العقل. الآن قال: حِطَّ، عرفنا معنى حِطَّ ماذا؟ أزال ورفع. حط عنهم من سماء العقل، مِن أيها الأحبة بمعنى عن هنا، فالتقدير: حط عنهم عن سماء عقولهم. هذا التقدير: مِن بمعنى عن، وهكذا حروف الجر تتناوب على رأي جماعة من النحويين. فقوله حط عنهم من سماء العقل، أي حط عنهم عن سماء عقولهم، الآن هنا يوجد بدل، هنا يوجد بدل بعض من كل أو بدل اشتمال. التقدير حط عنهم عن سماء عقولهم، أصل التقدير حط عن سماء عقولهم، لكنه أولاً ذكرهم بكليتهم حط عنهم، ثم ذكر الجزء المعين الذي حط عنه، ولم يحط عن جميع أجسادهم، وحط عن عقولهم فقط، لكن استخدم أسلوب ماذا؟ أسلوب البدل في النحو، يسمى البدل، وهذا يدل أيها الأحبة عندما تدرس أنت هذه المطالع بهذه الدقة أن تبحث عن اللغة وتبحث عن النحو وتبحث عن علوم الشريعة الأخرى وتربطها مع بعضها البعض، هذا يثمر طالب علم، أما أن الطالب لا يفقه في النحو أبداً يبقى في علم فقط المنطق، أو لا يفقه في المنطق ويفقه في علم آخر، هذا يعني يكون البناء فيه نوع من الركاكة والضعف؛ لأن العلوم الشرعية متكاتفة ومتضافرة كلها يبني بعضها بعضاً.
إذا قلنا وحط عنهم من سماء العقل، أي حط عنهم عن سماء عقولهم، فقلنا هنا يوجد بدل حط عنهم من سماء العقل، سماء العقل هذا ما اسمه؟ هيئة إضافة مضاف مضاف إليه، لكن ما نوعها من الإضافات؟ يقولون هذه إضافة مشبه به إلى مشبه، فهو شبه العقل بأنه سماء، شبه العقل بأنه لماذا؟ يقولون العقل هو الذي تطلع فيه الإدراكات والمعاني، كما أن السماء هي التي تطلع فيها الشموس، يقول العقل هو الذي يطلع منه المعاني والمعارف وتنتج منه، كذلك السماء هي المحل الذي تطلع فيه، لذلك شبه العقل بأنه سماء بجامع أن كليهما يطلع فيه شيء، هذا يطلع منه شموس المعارف المعنوية، والسماء يطلع فيها الشموس الحسية، لذلك قال من سماء العقل، يعني التقدير وحط عن عقولهم التي تشبه هذا معنى البيت، حط عن عقولهم التي تشبه السماء، ماذا حط عنها؟ قال كل حجاب من سحاب الجهل، كل حجاب من سحاب الجهل. إذاً حط عن هذه العقول الحجاب، ما طبيعة هذا الحجاب؟ هذا الحجاب قال من سحاب الجهل، مِنه هنا بيانية، تدل على طبيعة بيان ما هو هذا الحجاب الذي أزاله؟ هل هو حجاب حقيقي من قماش مثلاً؟ لا، الحجاب الذي حطه عن عقولهم هو حجاب الجهل، هو حجاب الجهل، وهنا كذلك يوجد عندنا إضافة مشبه به إلى قال سحاب الجهل، يعني الجهل الذي يشبه السحاب، طيب لماذا نعت الجهل بالسحاب؟ لأن السحاب أيها الأحبة عنا الشموس الحقيقية أو الشمس الحقيقية، كذلك الجهل يغطي على العقل رؤية المعارف أو شموس المعارف المعنوية، كما أن السحاب يغطي عن الإنسان رؤية الشمس الحقيقية، كذلك الجهل يغطي عن العقل رؤية المعاني الحقيقية، لذلك أضاف المشبه به إلى المشبه. فإذاً هو يقول رحمه الله تعالى يعني هو يكمل في مدح الله سبحانه وتعالى، أنه قال الله عز وجل أظهر لنا نتائج الفكر لأرباب العقول وحط عن سماء عقولهم أي عن عقولهم التي كالسماء حجاب الجهل، الجهل الذي كالسحاب.
ثم بعد ذلك انتقل إلى البيت الثالث، فماذا قال؟ حتى بدت لهم شموس المعرفة، رأوا مخدراتها منكشفة. الآن هو بين ثمرة الحِجى، الآن حط عنهم الحجاب الذي هو من الجهل، فثمرة حجاب الجهل عن عقولهم ماذا أنتجت؟ حتى بدت لهم شموس المعرفة. إذاً هذه النتيجة ترتبط بالبيت السابق، لما أزال عن عقولهم فرأوا شموس المعارف، قال حتى بدت لهم شموس المعرفة، طيب قوله شموس المعرفة كذلك من إضافة تشبه به إلى مشبه، وصف المعرفة بأنها أو شبهها بأنها الشمس، لأن الشمس أيها الأحبة بازغة منيرة، كذلك هذه المعارف أصبحت بازغة منيرة كالشمس، فلما حط الله الحجاب عن عقول أرباب الحِجى بزغت لهم شموس المعارف. حتى لهم شموس المعرفة رأوا مخدراتها منكشفة، يعني رأوا مخدراتها، الضمير في مخدراتها يعود على ماذا؟ هو من حيث اللفظ يعود على الشمس، لأنهم يقولون الضمير لا يعود إلا على المضاف، لا يعود على المضاف إليه إلا في أحوال محددة، ولكن من حيث المعنى في حقيقة الضمير في مخدراتها يعود إلى ماذا؟ إلى المعرفة، والمخدرة هي المرأة المستترة، هي المرأة المستترة في خدرها، نقول هذه امرأة مخدرة أي مستترة في خدرها المكان الذي تستتر فيه، فكأنه رحمه الله يقول إن هناك معارف صعبة دقيقة كانت مستترة كالمرأة في خدرها، عندما حط الله عز وجل سحاب الجهل هذه المعارف التي كانت مستترة صعبة ظهرت وبرزت وأصبحت كالشموس، هذا الذي يريد أن يقوله رحمه الله تعالى. حتى بدت لهم شموس المعرفة رأوا مخدراتها، المخدرات هذه المعرفة أصبحت منكشفة وجلية وواضحة بسبب ماذا؟ بسبب أنه حط عنهم سحاب الجهل.
قال بعد ذلك رحمه الله تعالى: نحمده جل وعلا الإنعام بنعمة الإيمان والإسلام. أعاد الحمد مرة أخرى فقال: أحمده جل على الإنعام. وأعاد الحمد رحمه الله كذلك اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: الحمد لله نحمده، فيحمد الله ثم يعيد حمده بالجملة المضارعية، لكن الحمد في مطلع المنظومة كان جملة اسمية، الحمد لله الذي قد أظهر أو الذي قد أخرج، الجملة الاسمية تدل على ماذا عند البلاغيين؟ تدل على الثبوت، تدل على الثبوت والبقاء على حالة واحدة، الجملة عند البلاغيين تدل على التجدد، شيء يتجدد مرة بعد مرة، فهذا الفرق بين الجملة الاسمية وبين الجملة المضارعية. فابتداءً حمد الله عز وجل بالجملة الاسمية التي تدل على الثبوت ليدل على أن حمده لله ثابت مستمر لا ينقطع. وفي هذا البيت حمد الله سبحانه وتعالى بالجملة المضارعية، قال نحمده جل ليدل على أن حمده لله متجدد مرة بعد مرة، فجمع بين المعنيين حتى يكمل حمده لله سبحانه وتعالى. قال نحمده وهنا استخدم نون الجماعة، يعني أليس الأصل أن نقول أحمده هو الذي ينظم؟ قال نحمده، نعم وكأنه استشعر أن كل من سيقرأ هذه المنظومة سيحمد الله معه، فأتى بنون الجمع. فقال نحمده جل على الإنعام، جل بمعنى عظم على الإنعام، هنا كذلك ميز عن البيت الأول، في البيت الأول حمد الله مطلقاً، في هذا البيت حمد الله على شيء محدد، فماذا قال؟ نحمده على بعد جل، قال نحمده على الإنعام، فقيد الحمد هنا على النعمة، على الإنعام بماذا؟ أي نعمة؟ قال بنعمة الإيمان والإسلام، فهنا يحمد الله على نعمة الإيمان والإسلام وكفى بها نعمة، هذه النعمة التي تخرج الإنسان من ظلمات الجهل والحيرة في هذه الحياة الدنيا إلى نور العلم إيمان وطمأنينة القلب، وتخرج الإنسان من عذاب الله عز وجل في الآخرة إلى سعة الجنان وإلى رضوان الله سبحانه وتعالى. نحمده جل وعلا الإنعام بنعمة الإيمان والإسلام.
الآن الإيمان والإسلام أيها الأحبة إذا اجتمعا في سياق واحد، فالإيمان يدل على الأعمال الباطنة، والإسلام تدل على الأعمال الظاهرة، إذا قلنا الإيمان والإسلام في سياق واحد فالإيمان يدل على الأعمال الباطنة، والإسلام يدل على الأعمال الظاهرة، كما جاء في حديث جبريل عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما الإسلام؟ ففسره النبي صلى الله عليه وسلم بالأعمال الظاهرة، أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم وإلى آخره. وعندما سأله عن الإيمان فسره بالأعمال الباطنة، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. إذاً هذا هو الاعتماد الأول، أن يكون الإيمان بمعنى الأعمال الباطنة والإسلام بمعنى الأعمال الظاهرة. الحالة الثانية أو الاحتمال الثاني الذي يمكن أن يفسر به، أن يفسر الإيمان بالمعنى العام الكلي عند أهل السنة وهو التصديق بالجنان والقول باللسان والعمل بالأركان، هذا هو مفهوم الإيمان الكلي، فالايمان بالمعنى العام عند أهل السنة يشمل ثلاثة أمور: تصديقه بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان. والإسلام هو القول باللسان والعمل بالأركان، اللي هو الظاهر، فيكون عطفه حينئذ إذا قلنا الإيمان هنا يشمل الجنان واللسان والأركان، والإسلام يتعلق بالأمور الظاهرة وهي اللسان، إذا يكون عطف الإسلام على الإيمان من باب عطف الجزء على الكل، يكون من باب عطف الجزئي على الكل، فالإيمان هو الكل، والإسلام جزء منه، لأن الإسلام يتعلق بالظاهر وهو اللسان والأركان، وأما الإيمان فيتعلق بالظاهر والباطن على هذا المعنى الثاني الذي ذكرناه، لذلك ما دونه مكتوباً عندكم في مفهوم الإيمان والإسلام فيه نظر على طريقة أهل السنة والجماعة.
نحمده جل وعلا الإنعام بنعمة الإيمان والإسلام. ثم قال بعد ذلك: من خصنا بخير من قد أرسل، وخير من حاز المقامات العلى محمد سيد كل، فالعربي الهاشمي المصطفى صلى عليه الله ما دام يُخاض من بحر من بحر المعاني لُججاً وآله، وبه ذوو الهدى من شُبِّهوا بأنجم في الاهتداء. الآن انتهى من حمد الله سبحانه وتعالى والثناء عليه، انتقل بعد ذلك للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأجمل الصلوات، فقال: من خصنا بخير من قد أرسل، ربط بين الثناء على الله سبحانه وتعالى وبين الثناء على محمد صلى الله عليه وسلم بأن ذكر نعمة كذلك من نعم الله عز وجل علينا، فقال: من خصنا بخير من قد أرسل، ومن هذه اسم موصول الذي، وهي من حيث إعراب هذا البيت بدلاً من الضمير في نحمده، الضمير الهاء في نحمده، مِن هنا بدل منها، كأنه قال نحمد من خصنا، فهذا.
المهم نحمده على ماذا؟ قال: من خصنا بخير من قد أرسل. من خصنا؟ الضمير في خصنا يعود على من؟ على المؤمنين، على ما يسمى أمة الإجابة، الذين استجابوا لمحمد صلى الله عليه وسلم. خصنا بمعنى ميزنا، هذا ابتداء، خصنا بمعنى ميزنا وفضلنا. الآن هل محمد صلى الله عليه وسلم هل هو خاص فقط بمن أسلم به أو من آمن به واتبعه وللثقلين؟ محمد صلى الله عليه وسلم للجن والإنس، ولكن الذي يستحق شرف الخصوصية به وشرف الانتساب إليه هو من آمن به واتبعه.
لذلك هذه ميزة اختصاص وتشريف وليست ميزة أنه فعلاً لم يبعث إلا إلينا، لا، هو بعث للعرب والعجم والجن والإنس. ولكن من يحق الانتساب إليه والاختصاص به هو من آمن به واتبعه. لذلك قال: من خصنا؟ قال: من خصنا بخير من قد أرسل، أي بأفضل نبي أرسله الله سبحانه وتعالى. والألف في أرسلا تسمى ألف الإطلاق، هاي تذكر في الشعر، هي ليست حرفاً من مبنى الكلمات، تسمى ألف الإطلاق من أجل الروي الشعري. إذاً من خصنا بخير من قد أرسل، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بوصف آخر، وصفه أولاً بأنه خير نبي أرسل، ثم قال: وخير من حاز المقامات العلى. وهو كذلك أفضل من حاز المقامات، أي المراتب العلا، والعلا جمع عليا. فهو النبي صلى الله قد أعطاه الله عز وجل المقامات العليا في الدنيا وفي الآخرة، فهو صاحب لواء الحمد، وهو صاحب المقام المحمود والشفاعة العظمى يوم القيامة.
ثم قال: بين من هو خير من قد أرسل ومن هو خير من حاز المقامات العلى؟ من هو؟ قال: محمد. لذلك قال: محمد، محمد، ما إعراب أيها الأحبة؟ بدل من خير، يعني كأنه قال: من خصنا بمحمد، فهذا بدل. محمد سيد كل مقتفى، السيد أيها الأحبة هو المطاع في قومه، الرجل المطاع في قومه يسمى سيداً، فهو إذاً متبع، وقومه يتبعونه، فقال: محمد سيد كل مقتفى، مقتفى اسم مفعول، فتدل على ماذا؟ ما معنى مقتفى؟ متبع، فكأنه قال: محمد هو سيد لكل متبع. طيب المعنى المتبادر للذهن؟ أن يكون محمد هو سيد لكل متبع، هو سيد لكل متبع، اسم فاعل. لماذا قال؟ سيد لكل متبع، طيب من هم المتبعون؟ هم الرسل السابقون، الرسل السابقون هم متبعون، فمحمد صلى الله عليه وسلم هو سيد المتبعين، من باب أولى كما يقولون أن يكون سيد التابعين. إذاً هو سيد المتبعين وهم الرسل، إذاً من باب أولى أن يكون هو سيد التابعين وهم عوام الناس، لذلك يعني دل على أنه سيد لكل البشر من خلال هذه العبارة اللطيفة: محمد سيد كل مقتفى، أي سيد كل متبع العربي الهاشمي المصطفى.
ونلاحظ هنا يعني التنسيق الجيد، قال: العربي الهاشمي، العربي هذه أعم، الهاشمي هذه أخص، بني هاشم هم من العرب، نسب من العرب وليسوا كل العرب، فبدأ بعمي ثم انتقل إلى الأخص، وهذه هي الطريقة عند المصنفين التي يتبعونها. العربي الهاشمي المصطفى، أي اصطفاه الله واختاره، ثم قال: صلى عليه الله ما دام الحجا يخوض من بحر المعاني لججاً. صلى عليه الله، الصلاة في أصل اللغة معناها العطف، والصلاة في الاصطلاح من الله سبحانه وتعالى هي الثناء، وقيل الرحمة، والصلاة من الملائكة الاستغفار، والصلاة من البشر هي الدعاء. فصلاة الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، فأنت تطلب من الله أن يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم أي أن يثني عليه. صلى عليه الله، وعلق الصلاة هنا بماذا؟ وهذا كثير في المنظومة ستجدونه، دائماً أصحاب المنظومات يعلقون الصلاة بشيء أبدي ليدلنا على أن هذه الصلاة التي يطلقها أريدها أبد الآبدات. قد صلى عليه الله ما دام الحجا، ما دام ما هذه ما المصدرية الظرفية، فالتقدير: صلى عليه الله مدة دوام الحجا، ومر معنا العقل، مدة دوام الحجا ماذا يفعل؟ يخوض من بحر المعاني لججاً. البيت فيه تقديم وتأخير، التقدير: يخوض لججاً من بحور.
أولاً قوله: من بحور المعاني، هذا فيه إضافة مشبه به إلى مشبه، نفس الشيء الذي تقدم سابقاً، فشبه المعاني بأنها بحور، وذلك لسعتها ولكثرتها. واللجج هو الموج المضطرب، هذه هي اللجج هي الموج المضطرب. قال رحمه الله تعالى: صلى عليه الله ما دام الحجا يخوض من بحر المعاني لججاً. كأنه يقول: صلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مدة دوام العقول تخوض في المسائل الصعبة، اللجج كما قلنا هي الأمواج المضطربة، فهذا استعارة للمسائل الصعبة الدقيقة لأن هي التي فيها مدافعة وفيها مصارعة حتى يصل الإنسان إلى معانيها. فيقول: صلى الله على محمد مدة دوام العقول تخوض في المسائل الصعبة والدقيقة الموجودة في بحور المعاني، والعقول أيها الأحبة والإنتاج البشري لم يتوقف في هذا الخوض إلى يوم القيامة. الناس إلى يوم القيامة عندهم إدراكات وعندهم خوض في المسائل الدقيقة وفي المسائل الظاهرة.
ثم قال رحمه الله: وآله وصحبه. بعد أن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثنى بالصلاة على آله ثم على صحبه. والآل أيها الأحبة إما مشتق من الأَوَل عند سيبويه وإما مشتق من الأهل. والآل النبي صلى الله عليه وسلم في باب الدعاء يراد بها كل من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، فهنا ليست بالمعنى الاصطلاحي الشرعي آل النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى يعني فاطمة وعلي وابناهما، أو الخلاف الطويل الذي يذكر في هذا الأبواب عند علم العقائد. المراد بالآل في المنظومات العلمية التعميم، كل من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة فهم آله. والصحيح عند النحويين أنه يجوز إضافة الآل إلى الضمير، الذي منع من ذلك الكسائي رحمه الله تعالى، قال: لا يجوز إضافة الآل إلى الضمير، ولكن جمهور النحويين على جواز هذه الإضافة، فيقال: وآله. ثم قال: وصحبه، والصحب أيها الأحبة هذا اسم جمع، اسم جمع لصاحب، وليست جمعاً حقيقياً، لأن فاعل لا تجمع على فعل، صاحب هذا على وزن ماذا؟ فاعل، صحيح؟ لا تجمع على فُعْل قياساً، لذلك قوله هذا يسمى اسم جمع ولا يسمى جمعاً حقيقياً. واسم الجمع لا واحد له من لفظه، يعني صحب ليس لها واحد من لفظها قياساً وإنما لها واحد نقول من معناها وهو صاحب. قالوا: من هو الصحابي؟ هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك ولو تخللت ذلك ردة على الأصح. هذا هو الصحابي، قال: وآله وصحبه.
ثم وصفهم بأن ذوي الهدى من شبهوا بأنجم في الاهتداء، فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شبهوا بأنجم في الاهتداء، هو يشير إلى الحديث المشهور عند المحدثين قوله صلى الله عليه وسلم: بأصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، ولكن هذا الحديث كما هو معلوم عند المحدثين فيه كلام في صحته. قال بعد ذلك رحمه الله تعالى: وبعد، الآن انتقل إلى الكلام، يريد أن يتكلم بتخصص عن هذا العلم، يبدأ يعرف هذه المنظومة. قال: وبعد فالمنطق للجنان نسبته كالنحو للسان. فيعصم الأفكار عن غي الخطأ وعن دقيق الفهم يكشف الغطاء. فهاك من أصوله قواعداً تجمع من فنونه فوائد. سميته بالسلم المنورق، ترقى به سماء علم المنطق، والله أرجو أن يكون خالصاً لوجهه الكريم، ليس خالصاً، وأن يكون نافعاً للمبتدي به إلى المطولات يهتدي.
إذاً هو الآن سيذكر ما المنظومة التي سيصنف فيها؟ ما هو الذي سأتكلم فيه؟ قال: وبعد فالمنطق. وبعد أيها الأحبة هذه الواو تسمى أو نائبة عن أما، التقدير: وأما بعد. فكثيراً تجدون في اللغة العربية وبعده أقول كذا وكذا، الواو هذه نائبة عن أما محذوفة، التقدير: أما بعد. وأما بعد هذا أسلوب انتقالي ينتقل من الكلام عن شيء إلى الكلام عن شيء آخر ويسميها البلاغيون فصل الخطاب كذلك، أن ينتقل من الكلام عن شيء إلى موضوع آخر. فقال: وبعد، والتقدير يعني أما بعد، ما تقديرها في اللغة؟ مهما يكن من شيء فأقول بعد البسملة والحمد لله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. يعني كلمة وبعد هذه اختصر بها كلام كثير جداً، تقدير وبعد أي أقول أو مهما يكن من شيء فأقوله بعد البسملة والحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي تقدمت. فالمنطق للجنان، الجنان أيها الأحبة المنطق تكلمنا عنه في الدرس الماضي عرفناه، ما هو المنطق يا شيخ؟ المنطق آلة قانونية تقي مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير. فهو يقول: المنطق للجنان، ما هو الجنان؟ الجنان في الأصل هو القلب، نعم، ولكنه في الحقيقة في هذا المقام أراد به العقل، أراد به العقل.
طيب لماذا عبر بالجنان عن العقل؟ أين العقل في الإنسان؟ العقل على الصحيح من كلام جمهور أهل العلم وجمهور الأطباء، العقل في قلب وله اتصال بالدماغ، هذا هو أقرب الأقوال واختاره جماعة من المحققين، محل العقل ما هو؟ القلب، وله اتصال بالدماغ، قال سبحانه وتعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا. إذاً العقل يكون بالقلب ولكن له اتصال بالدماغ، نعم، له اتصال بالدماغ، لذلك هو أطلق الجنان الذي هو القلب أراد به العقل، وهذا مجاز علاقته الظرفية، علاقته الظرفية لأن العقل إنما يحل في داخل الجنان القلب. فهذا كما في الدرس الماضي عندما تكلمنا أن المنطق تطلق على ماذا؟ تطلق على من حيث كأنها اسم مكان، قلنا هي كاسم مكان هي القوة العاقلة، وتطلق مجازاً على الإدراكات التي تصدر عن القوة العاقلة لعلاقة السببية والمسببية وعلاقة المداومة. هنا نقول الجنان هو القلب، وسمي العقل جناناً في هذا المقام مجازاً، علاقته الظرفية لأن العقل ظرفه المكان الذي يحل فيه ما هو؟ هو الجنان والقلب.
قال رحمه الله: وبعد فالمنطق للجنان نسبته كالنحو للسان. أراد بذلك أن يبين لك فائدة علم المنطق، يقول لك علاقة المنطق بعقل الإنسان كعلاقة النحو بلسانه. طيب ما فائدة النحو للسان؟ أن يمنعه من الخطأ، أن يمنعه من الخطأ، فكذلك المنطق وظيفته لعقل الإنسان أن يمنعه من الخطأ. لذلك عندما عرفنا المنطق قلنا: آلة قانونية تقي مراعاتها الذهن عن الخطأ. لذلك هو أراد أن يشبه علاقة المنطق بالعقل بعلاقة علم النحو باللسان، لذلك قال: وبعد فالمنطق للجنان نسبته، أي علاقته كعلاقة النحو باللسان. فيعصم، وهذه الفاء تفريع، يعني يتفرع عن ذلك، يعني إذا عرفت ذلك فإن المنطق وظيفته يعصم الأفكار، أي يحمي الأفكار عن ماذا؟ قال: عن الخطأ. الغي أيها الأحبة هو الضلال، الغي هو الضلال مطلقاً، أي نوع من أنواع الضلال يسمى غياً.
ثم بعد ذلك الغي الخطأ، أضاف الغي إلى الخطأ، هل هناك فرق بين الغي والخطأ؟ الخطأ هو نوع من الضلال، وهو الضلال الذي يكون عن غير عمد، الخطأ هو ضلال بغير تعمد، ضلال من غير تعمد، فكأنه أضاف الشيء إلى أحد أنواعه أو إلى أحد أفراده، فقال: عن غي الخطأ، يعني عن الضلال الذي نوعه الخطأ، فهذه من إضافة الشيء إلى أحد أنواعه. فقال: فيعصم الأفكار عن غي الخطأ وعن دقيق الفهم يكشف الغطاء. بين فائدة أخرى لعلم المنطق، ما هي؟ قال: وعن دقيق الفهم، أي عن المسائل الدقيقة يكشف ويرفع الغطاء، ولكنه سهلها فحذف الهمزة، الغطاء يقصد الغطاء لكنه أسقط الهمزة من أجل أن يعني يصلح معه البيت.
فقال: فهاك من أصوله قواعداً. هذه الفاء أيها الأحبة تسمى الفاء الفصيحة، لأنها تفصح عن شرط محذوف، التقدير: إذا عرفت ذلك، إذا عرفت المنطق فهاك، هاك اسم فعل أمر بمعنى خذ، والكاف هي حرف خطاب، فقوله: فهاك أي خذ، خذ منها ماذا؟ قال: خذ من أصوله قواعداً، يعني البيت فيه تقديم وتأخير، التقدير: خذ قواعداً من أصوله. طبعاً قواعد ممنوعة من الصرف ولكن هنا نونت من أجل البيت أو الضرورة الشعرية. قال: فهاك قواعد، خذ قواعد من أصول هذا العلم، والقاعدة أيها الأحبة فهي قضية كلية تنطبق على جميع جزئياتها. فكأنه يقول لك: خذ قواعد، هذه القواعد تمثل لك أصول علم المنطق التي إذا درستها وتعلمتها وحفظت هذه القواعد تستطيع أن ترقى بها. فهاك من أصوله قواعداً، هذه القواعد التي سأذكرها تجمع لك من فنونه، أي من أضربه وأشكاله وأنواعه وفروعه، هذا معنى كلمة الفنون، فالفنون هنا أيها الأحبة جمع ماذا؟ جمع فن.
قال: تجمع من فنونه فوائد، الفوائد هي الثمرة التي تحصل من الشيء. قال رحمه الله، قال بعد ذلك سمى منظومته، وهذا من دأب المصنفين يسمون كتبهم، فقال: سميته بالسلم المنورق. المنورق أيها الأحبة ورد في بعض النسخ تقديم الراء، وسميته بالسلم المرونق، وفي نسخ مشهورة سميته بالسلم المنورق بتأخير الراء، وكلاهما بنفس المعنى مزين، هذا معنى المنورق المزين، فكأنه سلم مزين بهي جميل فلترق به. هذه المنظومة سلم إذا تعلمها الطالب يرقى بها حتى يصل إلى علم المنطق الذي شبهه بالسماء، قال: ترقى به سماء علم المنطق، إضافة مشبه به إلى مشبه، كأن علم المنطق شيء مرتفع عال في السماء تحتاج إلى سلم حتى تصل إليه. فكيف ستصل إلى علم المنطق وإلى فهمه؟ من خلال هذه المنظومة المباركة. ثم قال: والله أرجو، أرجو الله، وهذا فيه تقديم وتأخير. تفضل، نعم، إذا قلنا يرقى به سماءه، تكون سماء مفعول به، وإذا قلنا أن يرقى بضم الياء يكون سماؤه على أنها نائب فاعل.
والله ما تتبعت النسخ في الحقيقة، لكن أكثر النسخ على ما ذكره الشيخ: أنه يرقى به سماء علم المنطق. هذا الذي وقفت عليه، لكن كمخطوطات من يحتاج إلى الرجوع إليها؟ قال: والله أرجو أن يكون خالصًا. والله مفعول به مقدم، وقدمها لتدل على أولًا التبرك والتشهد بابتداء باسم الله سبحانه وتعالى، وفيها نوع تخصيص؛ يعني أرجو الله ولا أرجو غيره. والله أرجو أن يكون خالصًا؛ خالصًا أي زالت جميع الشوائب في تصنيفه فهو خالص لوجه الله، ليس من أجل حمد ولا ثناء ولا لأن أذكر بين الناس بالخير، وإنما أريد وجه الله سبحانه وتعالى، إن ذكرت فهذا من باب التبع وليس من باب الأصالة.
والله أرجو أن يكون خالصًا لوجهه الكريم أي لذاته الكريمة؛ فعبر بالوجه وأراد الذات الكريمة. قارصة أي ليس ناقصة، قارصًا بمعنى ناقصًا؛ لا يوجد فيه نقص ولا خلل. قال: وأن يكون نافعًا به إلى المطولات يهتدي. يعني يرجو أن يكون هذا الكتاب أو هذه المنظومة نافعة للمبتدئ في دراسة علم المنطق، يصل من خلالها إلى المطولات. وقد ذكر الشيخ الملوي رحمه الله تعالى في شرحه أن عبد الرحمن الأخضري رحمه الله تعالى كان مستجاب الدعوة، فكل من قرأ هذه المنظومة وتعلمها -ولكن بشرط أن تكون خالصًا لوجه الله هذا التعلم- فإن الله عز وجل نفعه بها، وهذا فعلًا مشاهد.
رجل نظمها وعمره واحد وعشرون عامًا، وهذه المنظومة ترجمت إلى اللغات الفرنسية وإلى لغات العالم، واعتبرت من أعظم كتب التراث الإنساني أو الإسلامي خاصة. فهذا يدل على صدق النية، نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا. ننتقل إلى الفصل الأول في جواز الاشتغال بعلم المنطق. سريعا، لماذا قلت لوجهه الكريم أي لذاته؟ أحيانًا يعبرون الوجه هي صفة ثابتة لله سبحانه وتعالى، ولكن يعبر بالوجه في مقام الدعاء ويراد بها الذات.
كذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى في قوله: وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، ذكر عدة تفاسير من تفاسير السلف رحمهم الله تعالى، أنه أطلق الوجه وأراد به ماذا؟ ذاته المقدسة، وتعالى أي لله عز وجل. وهذا تعبير يدل على تجزؤ أو ما شابه ذلك من الأوهام التي تقولها الفرق الكلامية. طيب، قوله رحمه الله تعالى: فصل في جواز الاشتغال به. الآن نذكر في الدرس الماضي عندما تكلمنا عن المبادئ العشرة، أجلنا مبدأً واحدًا، ما هو؟ والحد، أو عفوا حكم الشارع في تعلم علم المنطق، قلنا هذا سنؤجله لأن الناظم رحمه الله تعالى نص عليه فنذكره في موضعه، وهنا جاء الموضع فقال رحمه الله: فصل في جواز الاشتغال به.
والفصل أيها الأحبة في اللغة هو الحاجز بين شيئين، أو الحجز بين الشيئين، وفي اصطلاح المصنفين هي مجموعة من الألفاظ المخصوصة التي تدل على معانٍ مخصوصة. قال: فصل في جواز الاشتغال بعلم المنطق. فقال رحمه الله تعالى: فانقل، حرم، النووي، وابن الصلاح، هذا ذكرت منظومة أخرى أنا انتقلت إليه، قال: والخلف في جواز الاشتغال به على ثلاثة. فابن الصلاح والنووي حرم، وقال قوم ينبغي أن يعلم، والقولة المشهورة الصحيحة: جوازه لكامل القريحة، ممارس السنة ليهتدي به إلى الصواب.
الناظم رحمه الله تعالى أيها الأحبة في هذه الأبيات أراد أن يتكلم عن حكم دراسة علم المنطق، وذكرنا أيها الأحبة أن المنطق عندما دخل في الفكر الإسلامي ابتداء دخل مشوبًا بكلام الفلاسفة، لم يكن خالصًا. لذلك تأثر كثير من علماء الإسلام في تلك الفترة التي دخل فيها المنطق مشوهًا بكلام الفلاسفة، بطريقة الفلاسفة الإغريقيين في الكلام عن العقائد وعن الوجود المطلق. تأثروا بهذه الطريقة وأصبحوا يبنون العقائد الإسلامية على هذه الطريقة الإغريقية. لذلك علماء الإسلام، أهل السنة والجماعة، عندما رأوا تأثر كثير من العلماء بالطريقة الإغريقية اليونانية في الكلام عن الوجود المطلق وعن علاقة الله عز وجل بهذا الكون وعن سبب الوجود وما شابه ذلك، قالوا بتحريم النظر في كتب المنطق المشوبة بكلام الفلاسفة، لماذا؟ حماية لجناب العقيدة. هذا ذهب إليه كثير من العلماء.
في المقابل كانت هناك طائفة أخرى من العلماء مصرة على هذا المنطق المشوب بكلام الفلاسفة، كابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى وكالإمام الغزالي رحمه الله تعالى. لذلك عندما يتكلم العلماء عن حكم دراسة المنطق في الحقيقة ينبغي علينا أن نتكلم عن مرحلتين: المرحلة الأولى مرحلة المنطق المشوب بكلام الفلاسفة، والمرحلة الثانية مرحلة الذي خلص تمامًا من كلام الفلاسفة وأصبح فقط قضايا عقلية بحتة، ليس لها علاقة أو توجه معين في العقائد أو ما شابه ذلك.
فإذا في المرحلة الأولى أيها الأحبة، عندما كان المنطق مشوبًا بكلام الفلاسفة، ذهب جماهير أهل العلم -كما ذكر ذلك السيوطي نقل قول جماهير أهل العلم من الفقهاء والمحدثين- على حرمة النظر فيه، لأنه يفسد العقول بسبب تأثره كما قلنا واختلاطه بالفلسفة الإغريقية اليونانية. وابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى والغزالي أصروا على القراءة وعلى جواز الاشتغال به، بل يعني ابن حزم الظاهري يجهل من يقول بحرمة النظر في ذاك المنطق المشوب، وكذلك الغزالي شدد رحمه الله القول على من يقول بالحرمة، وقال بالعكس أن يعلم هذا المنطق ويدرس.
ظهر هناك قول ثالث يجمع بين الرأي، محاولة جمع. الرأي الثالث أيها الأحبة يرى أنه يجوز للإنسان أن ينظر في علم المنطق المشوب بكلام الفلاسفة، ولكن بماذا؟ بشروط. الشرط الأول: أن يكون الناظر في هذا المنطق المشوب بكلام الفلاسفة ممن ضبط عقيدة أهل السنة والجماعة ودرسها دراسة جيدة المنطلق والقواعد والمنهج الذي ينتهجه السلف في علم العقيدة، واطلع كذلك على الأقوال الباطلة وعرف مآخذها. هذا الشرط الأول، لا يجوز للإنسان أن يقتحم في كتب الفلاسفة وفي كتب وفي منطقهم الذي يؤلفونه قبل أن يوجد فيه هذا الشرط؛ تضبط عقيدة أهل السنة والجماعة، تعرف البناء والمنهج الذي يبني عليه السلف رحمهم الله تعالى التفكير العقدي، وتعرف كذلك أقوال الفرق الباطلة أو الفرق الكلامية والفرق داخل الإسلام وكيف بنت عقائدها.
الشرط الثاني أيها الأحبة: أن يكون الناظر في هذه الكتب أوتي قريحة، يعني أوتي عقلا وملكة قوية يستطيع من خلالها أن يعرف الصواب من الخطأ؛ لأنا نخشى على الإنسان ضعيف العقل إذا قرأ هذه الكتب ووجد عبارة منمقة جميلة أن يغتر بظاهر هذه العبارة ولا يعرف ما وراءها. لذلك الناظر في هذه الكتب الدقيقة التي تلبس على العقول ينبغي أن يكون صاحب قريحة قوية وملكة متينة، يستطيع أن يصبر من خلالها الصواب من الخطأ.
الشرط الثالث: أن يكون مقصده من النظر ماذا؟ هو الدفاع عن العقائد الحقة، وإظهار ميزة عقيدة أهل السنة والجماعة عن سائر العقائد الأخرى؛ فلا يكون نظره فقط للترف الفكري. يعني لا توقع نفسك في، حتى لو كنت صاحب قريحة قوية، إذا لم تنتصب للدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة لا تضع نفسك في هذه المآزق تقرأ هذه الكتب، ثم بعد ذلك تبدأ هذه الأفكار والعقائد تتسرب إليك من حيث لا تشعر. إذا كان علماء كبار في الإسلام تأثروا بهذه العقائد وبهذه الطرق، فما بالنا في الضعيفة العاجزة المقصرة؟
لذلك الإنسان لا ينظر في هذه الكتب إلا بوجود هذه الشروط الثلاثة: الضبط لعقيدة أهل السنة والجماعة، وجود القريحة القوية، وأن يكون هدفه من النظر هو الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة ودحض العقائد الباطلة وبيان زيفها. هذا كله في ماذا؟ في المنطق المشوه بكلام الفلاسفة، وهذا هو الذي ذكره الناظم رحمه الله تعالى. الناظر في كلام الناظم يعني يجد خلافًا كبيرًا ذكره، فابن الصلاح والنووي حرم، وقال قوم ينبغي أن يعلم، إذا هناك خلاف.
نقول الخلاف الذي ذكره الناظم وكل ما يتكلم عنه هو الكلام عن المنطق المشوب بكلام الفلاسفة. فذكر رحمه الله تعالى ثلاثة أقوال: القول الأول قول ابن الصلاح، أبو عمرو عثمان ابن الصلاح رحمه الله تعالى المتوفى سنة 643 للهجرة، وذكر قول الإمام النووي رحمه الله تعالى المتوفى سنة 676 للهجرة، وهو قول كما ذكرنا عن السيوطي جمهور الفقهاء والمحدثين، رأوا ماذا؟ حرمة النظر بهذا المنطق المشوب بكلام الفلاسفة. القول الثاني: وقال قوم ينبغي أن يعلم، من هم هؤلاء القوم؟ الغزالي وابن حزم ومن ذهب إلى مذهبهما؛ فقال الغزالي رحمه الله بذاته قال ينبغي أن يعلم هذا العلم. واختلف العلماء في فهم قوله ينبغي، ما معنى ينبغي؟ يعني يجب أو يستحب؟ عبارة عامة موهمة، لذلك هي تحتمل، يعني نحملها على الاستحباب في رأي الغزالي. وقال قوم ينبغي أن يعلم.
ثم انتقل إلى المشهورة الصحيحة: جوازه لمن؟ لكامل القريحة، أي لصاحب العقل الكامل المتين. طبعًا الكمال لله سبحانه وتعالى، لكن المراد الكمال النسبي، أن يكون إنسان صاحب عقل، صاحب قريحة قوية، صاحب ملكة وإدراك وتميز فكري. هذا الإنسان يشترط فيه شرط آخر، ما هو؟ قال: ممارس السنة والكتاب، أي أن يكون ضابطًا لعقيدة أهل السنة والجماعة، عارفا لمبناها ومأخذها، ثم بعد ذلك ينتقلون إلى غيرها، ممارس السنة والكتاب.
قال المقصد الثالث أو العنصر الثالث، قال: ليهتدي به إلى الصواب، هذا هو الشرط الثالث، أن يكون نظره في هذه الكتب لماذا؟ للاهتداء إلى الصواب وبيان ميزة عقيدة أهل السنة والجماعة عن غيرها من العقائد. فقوله إذا: جواز لكامل القريحة هذا هو الشرط الأول، وقوله: ممارس السنة والكتاب هذا هو الشرط الثاني، وقوله: ليهتدي به إلى الصواب هذا هو الشرط الثالث. فجمع رحمه الله تعالى هذه الشروط الثلاثة التي ذكرناها في هذا البيت.
أما المنطق الذي خلص من كلام، يعني المنطق الخالص، فهذا أيها الأحبة لا خلاف بين أهل العلم في دراسته، بل لو قلنا إن هناك خلاف في درجة الجواز لكان هذا القول حريًا. هناك من يرى أن المنطق الذي خلص من كلام الفلاسفة يباح دراسته فقط، وهناك من يرى أنه يستحب، وهناك من يرى الوجوب. لماذا؟ نقول ابتداء، أعدل الأقوال أيها الأحبة للصواب أن الإنسان إذا كان أوتي ملكة قوية وملكات عقلية متينة جدًا يستطيع النقاش والجدال، وكانت القواعد العقلية لم تشب بشوائب العصر، فهذا لا حاجة له للنظر في هذا العلم. وهذا كان دأب الصحابة والتابعين رحمهم الله تعالى، كانت القرائح قوية.
يعني هو الذي يعترض على دراسة علم المنطق الذي خلص من كلام الفلاسفة، ماذا يقول؟ يقول: هل تكلم الصحابة في قواعد علم المنطق؟ هل تكلم التابعون فيها؟ هل وجدنا في كلام الشافعي وفي كلام أحمد وأبي حنيفة ومالك شيء من هذا الكلام؟ لا نجد. ماذا نقول أيها الأحبة؟ نقول: هؤلاء الأئمة الكبار أيها الأحبة بسبب قرائحهم القوية وملكاتهم التي لم تفسد، لم يحتاجوا إلى دراسة هذا العلم، لأن علم المنطق هذا قواعده هي قواعد مركوزة في الطباع سابقًا، ملكات نفسية موجودة ومركوزة في داخل عقل الإنسان وفي قوته المفكرة.
لكن ما الذي يحدث عندما يختلط الإنسان كما قلنا بأصحاب الملكات الفاسدة وعندما تكثر الكتب الفاسدة؟ الملكات العقلية تبدأ تختل، يحدث فيها نوع من الخلل وتبدأ القضايا العقلية عند الإنسان تتزعزع؛ لأنه يسمع عالمًا يقول كذا وعالمًا آخر يخالف، ويسمع عالمًا يقرر هذه المسألة على طريقة إغريقية وعالمًا على طريقة أفلاطونية، وعارفًا الآن بسبب كثرة القراءة في الأقوال الفاسدة تبدأ القضايا العقلية تتخلخل من محلها، يدخل فيها الخلل. وذكرنا إحنا ابتداء في الدرس الماضي لماذا وضع علم المنطق؟ بسبب ظهور الخلل في التفكير. إذا هذه الفائدة، إذا لم يكن هناك خلل في التفكير نحن لا نحتاج إلى وضع قواعد علم المنطق.
وهذا كما قلنا حال السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، القواعد العقلية كانت متينة. السلف رحمهم الله تعالى كانوا دائمًا يقولون الناس أبعدوا عن ابتعدوا عن قراءة كتب أهل البدع، فما بالكم بقراءة كتب الفلسفة وما شابه ذلك؟ لأنهم يعلمون أثر القراءة في هذه الكتب أنها تتغلغل لتفسد عقله. لذلك كما قلنا الصحابة والتابعون ومن كان على طريقتهم صاحب قريحة قوية نشأ بعيدًا عن كل المؤثرات، فهذا لا يحتاج إلى دراسة هذا العلم. وأين هذا في عصرنا؟ يعني من منا لا يعيش في مجتمع وسائل التواصل الاجتماعي؟ الإعلام، الثقافة، الصحف، المدرسة، كل أساليب التوجيه وكل قنوات التوجيه كلها تؤثر عليك بأنماط تأثير مختلفة؛ منها ما هو مقصده حسن ومنها ما هو مقصده فاسد، والطالب والطفل الصغير ينشأ هذه التنشئة ولا يعلم القواعد العقلية السليمة.
لذلك المرتبة الثانية أو القول الثاني، إذا كان الإنسان قد اختلت عنده القواعد العقلية، فإذا أراد أن يطلب العلم ويشرع فيه نقول له: يستحب لك أن تدرس هذا العلم؛ لأن هذا العلم أولًا سيقوم لك هذه القواعد العقلية، ثانيًا سيساعدك على فهم كتب السلف وكتب التراث الإسلامي. كتب التراث أيها الأحبة بعد ترجمة المنطق اليوناني كلها مشوبة بعلم المنطق. كتب التراث التي تتكلم في البلاغة والتي تتكلم في أصول الفقه والتي تتكلم في العقائد، بل حتى التي تتكلم في النحو والصرف، كلها أيها الأحبة مشوبة بكلام المناطقة، فكيف سيفهمها الطالب إذا لم يدرس هذه المصطلحات؟ خاصة أن هذا العلم -لو هذا العلم ستصرف فيه الأعمار- ويحتاج إلى سنوات طويلة يعني ربما لا تدرس، ولكن هذا العلم يعني يحصله الطالب ربما في دورة أو في دورتين وانتهى الأمر، لكن بشيء من الجد والتحصيل والمتابعة ينتهي هذا الأمر ويحصنه الطالب ولا يحتاج بعد ذلك إلى التعمق فيه.
إذا يستحب دراسته لمن أراد الشروع في طلب العلم، ويجب دراسته لمن أراد أن ينصب نفسه للدفاع عن
من العقائد الحقة. إنسان أراد أن ينصب نفسه للمناظرة وللدفاع عن العقائد الحقة، ويريد أن يبين فساد العقائد الأخرى، إذا كان هذا الشخص ملكاته العقلية وقواعده غير متينة سيخرج على التلفاز ويفضح عقيدة أهل السنة بدلا من أن ينصرها؛ لأنه لا توجد عنده يعني قواعد عقلية سليمة يستطيع من خلالها أن يفحم الخصم، وأن يسبر كلامه، وأن يعرف مواطن الفساد في الشبه والحجج التي يأتي بها. فالإنسان إذا أراد أن ينصب نفسه لهذه المرتبة، ومرتبة المناظرة والدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، ولم يكن من أصحاب القرائح مثل الصحابة والتابعين -وهذا حال المجتمع الآن- فهذا يجب عليه أن يدرس هذه القواعد حتى يضبط وحتى يحافظ ويحمي جناب هذه العقيدة المباركة.
إذاً هذا هو الخلاف في ماذا؟ في دراسة علم المنطق المشوب الذي خلط من كلامه الفلاسفة. قلنا لا يوجد أحد يقوم بتحريمه، بل الملوي يقول: من يمنعه فهذا لا معقول؛ لا إنسان عاقل يمنع دراسة علم المنطق بهذا الأسلوب. والخلاف فيه ما بين مبيح ومستحب وموجب. أما المنطق الذي شيب بكلام الفلاسفة فهذا فيه خلاف طويل ذكرناه بين أهل العلم. تفضل يا شيخ. أنت الساعة الأولى؟ طيب، نكمل بعد الصلاة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. يعني أحد الإخوة يسألني عن كلمة النووي، فأنت قلت حرمه النووي؛ المشهورة أنه النووي رحمه الله تعالى. هذا نقول إشباع للواو؛ نوى هي قرية من قرى الشام معروفة، المشهور في نسبته النووي، ولكن يجوز إشباع الفتحة الواقع، فيقال: النووي. فإن قلت حرمه النووي، وابن الصلاح حرمه النووي، وابن الصلاح والسيوطي الراوي. طبعا أنا سبحان الله البيت معلق ما هو على منظومة أخرى: والنووي حرم، وقال قوم ينبغي أن يعلم. القولة المشهورة الصحيحة جوازه لكامل ممارس السنة والكتاب ليهتدي به إلى الصواب.
الآن ننتقل إلى أول باب من أبواب هذه المنظومة. الآن يعني ينبغي علينا أن نربط كما يقولون، ستبدأ المعلومات تنضغط قليلا، تحتاج إلى إعمال ذهن وإعمال عقل. لكن قبل ذلك من باب يعني الممارسة ومن باب أن الطالب يعرف المصطلحات العلمية في المنظومات، قد يقولون الإنسان إذا نظم منظومة أو صنف كتابا ينبغي عليه أن يأتي بأربعة أمور واجبة؛ واجبة صناعة، واجبة من الحديث الصناعي يعني ليس واجبا شرعا، ثم واجب من حيث الصناعة الكتابية أو في النظم، وهناك أمور مستحبة من حيث الصناعة. فيقولون الأمور الواجبة من حيث الصناعة إذا صنف الإنسان منظومة أو ألف كتابا أن يأتي بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتشهد؛ هذه أمور واجبة من حيث الصناعة. الآن المصنف أتى بالبسملة وأتى بالحمدلة وأتى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأغفل التشهد، فلم يأتي به.
الأمور المستحبة من حيث الصناعة ليست واجبة لكنها مستحبة: أن يسمي الإنسان، وأن يسمي كتابه، وأن يأتي بأسلوب انتقال مثل "أما بعد" هذا، وأن يأتي ببراعة الاستهلال. الناظم رحمه الله تعالى كما مر معنا في المقدمة، هل سمى نفسه؟ لا. هل سمى كتابه؟ نعم. هل أتى بأما بعد أو ما ينوب منابه؟ نعم، قال: وبعد. وهل أتى ببراعة الاستهلال؟ عرفنا براعة الاستهلال أن يأتي بكلمات في مطلع المنظومة أو الكتاب تشير إلى الفن الذي يريد أن يصنف فيه؛ أتى بكثير من هذه الأمور، لذلك يعني نعطيه علامة ثمانين بالمئة، فقط أغفل التشهد وأغفل تسمية نفسه. ننتقل الآن إلى الباب الأول من أبواب هذه المنظومة. قال رحمه الله تعالى: فصل أنواع العلم الحادث.
أولا أريد أن أحلل العنوان: أنواع العلم الحادث. العلم أيها الأحبة هذه كلمة مهمة، مبنى علم المنطق على هذه الكلمة. العلم ما هو العلم أيها الأحبة عند المناطقة؟ العلم عند المناطقة هو العلم عند أهل اللغة وهو الإدراك مطلقا. ومعنى الإطلاق أي نوع من أنواع الإدراك، سواء كان هذا الإدراك لمفردات أو لجمل التي هي النسب، وسواء كان هذا الإدراك جازما يقينيا قطعيا أو كان هذا الإدراك غير جازم. الإدراك غير الجازم يشمل الظن والشك والوهم. وسواء كان هذا الإدراك مطابقا للواقع أو كان إدراكا غير مطابق للواقع وهو الذي يسمى الجهل المركب. فعملية الإدراك مهما كانت على أي شكل كانت تسمى علما عند من؟ عند المناطقة. أي نوع من أنواع الإدراك نسميه علما. وهذا كذلك تجدونه في المعاجم اللغوية، فعندما تفتح المعجم فيقول مثلا تقول العلم، هو يقول الإدراك، فهذا هو الموافق للغة والموافق للعقل.
طيب ما هو الإدراك؟ قلنا العلم هو الإدراك مطلقا. ما هو الإدراك؟ الإدراك أيها الأحبة وصول النفس -وقلنا في الدرس الماضي النفس، القوة العاقلة، الذهن كلها أسماء لمسمى واحد- القوة العاقلة إلى المعنى بالتمام. إذا وصلت القوة العاقلة إلى المعنى الذي تطلبه بالتمام هذا يسمى ماذا؟ إدراكا. ويقابل الإدراك ما يسمى الشعور. الشعور أيها الأحبة وصول النفس إلى المعنى ولكن على غير تمام. يعني كيف نقول المعلومة ما زالت في طور النضوج، ما زال الإنسان يعني لم يصل إلى الاستقرار فيها، هي تنضج قليلا قليلا، قبل أن تنضج المعلومة وتستقر تماما عند الإنسان نسمي هذا شعورا. إذا نضج هذا الوصول إلى المعنى أو نضجت القوة العاقلة ووصلت إلى المعنى بالتمام نسمي هذا الوصول ماذا؟ إدراكا.
إذاً العلم هو الإدراك مطلقا، والإدراك وصول النفس أو القوة العاقلة إلى المعنى الذي تطلبه بالتمام. طبعا سيأتي معنا المعاني المراد بها إما المفردات وإما النسب، وهذه قاعدة وصول النفس إلى المعنى. ما المراد بالمعنى؟ المعنى إما المفرد وإما النسبة التي هي الجملة، وعلم المنطق يقوم على هذا. إذاً أيها الأحبة هناك في الحقيقة فرق بين مفهوم العلم عند المناطقة وبين مفهوم العلم عند الأصوليين. هناك فرق، لذلك عندما تقرأ كتابا في أصول الفقه ستجدهم يعرفون العلم بمعنى آخر. الطالب عندما يفتح كتاب الأصول يقول: نحن أخذنا في المنطق اليوم أن العلم هو الإدراك مطلقا، ونجدهم في كتب الأصول يقولون لا، العلم عندهم ماذا؟ هو إدراك محدد، إدراك الجمل الجازم المطابق للواقع بدليل.
الآن هذه الخارطة التي ترونها أمامكم؛ الإدراك هو على رأس الهرم، وهذا هو معنى العلم المنطقي، العلم المنطقي هو ماذا؟ الإدراك. الإدراك أيها الأحبة إذا كان يتعلق بالمفردات كما سيأتي معنا هو تصور، وإذا كان الإدراك يتعلق بالجمل والنسب فيسمى تصديقا. والتصور كما سيأتي معنا ينقسم إلى ضروري ونظري، والتصديق إلى نظري وضروري. النظري أيها الأحبة هو ما يحتاج إلى دليل. هذا كله سيأتي معنا تفصيله، لكن على سرعة نقول: النظري دائما ما يحتاج إلى نظر وتأمل، الضروري لا يحتاج إلى نظر وتأمل تدركه مباشرة. فنلاحظ أن الإدراك ينقسم إلى تصور وتصديق، والتصور ينقسم إلى ضروري ونظري، وكذلك التصديق ينقسم إلى نظري وضروري. قلنا النظري يحتاج إلى تأمل وفكر وأدلة، الضروري لا يحتاج إلى نظر وتأمل وفكر.
الآن النظري الإدراك التصديقي النظري منه ما هو جازم ومنه ما هو غير جازم. الظن هو أن تدرك الشيء إدراكا راجحا مع احتمال ضد مرجوح. الشك أن تدرك الشيء إدراكا مع اعتبار ضد مساو. الوهم أن تدرك الشيء إدراكا مرجوحا مع احتمال ضد راجح. فهذه كلها أنواع الإدراك التصديقي النظري غير الجازم. والنوع الثاني هو النظر الجازم، والجازم ينقسم إلى ماذا؟ إلى اعتقاد وإلى علم. وما الفرق بين الاعتقاد والعلم؟ طبعا هذا مرور سريع، أنا لا يهمني الطالب أن يفهم المصطلحات الآن، لكن يهمني أن يعرف الفرق بين العلم الأصولي والعلم المنطقي؛ لأن هذا أساس القراءة في الكتب.
الإدراك التصديقي النظري قلنا ينقسم إلى جازم وغير جازم، الجازم ينقسم إلى علم وإلى اعتقاد. الفرق بين العلم والاعتقاد هو فرق لطيف. الاعتقاد أيها الأحبة شيء يقبل التشكيك. الاعتقاد يقبل التشكيك، يعني أنت اعتقدت شيئا لو أتى واحد وألقى عليك شبهة تشك، ما وصل إلى درجة اليقين التام، فهذا يسمى جازما لكنه بما أنه يمكن التشكيك لهذا الإنسان -وهذا حال أكثر العوام، يمكن أن تشككهم في العقائد بأسهل شبهة- فهذا يسمى اعتقاد، لم يصل إلى درجة العلم اليقيني. فالجازم إذا كان إما أن يكون علما وإما أن يكون اعتقادا. الاعتقاد كما قلنا إذا لم يصل إلى درجة اليقين، والاعتقاد صحيح وفاسد، يكون صحيحا إذا كان مطابقا للواقع، ويكون الاعتقاد فاسدا إذا كان مخالفا للواقع وهو ما يسمى بالجهل المركب.
الآن الإدراك التصديقي النظري الجازم إذا لم يقبل التشكيك هذا هو العلم عند الأصوليين. فالعلم عند الأصوليين ما تجدونه في كتبهم هو نوع دقيق من أنواع العلم المنطقي. العلم المنطقي هو أي إدراك. العلم الأصولي هو نوع فقط من أنواع العلم المنطقي، وهو الإدراك الذي يتعلق بالجمل إذا كان نظريا -يعني يحتاج إلى أدلة واستدلال ونظر وتأمل- وكان جازما ولا يقبل التشكيك، فهذا هو العلم عند الأصوليين، وكل عبارات الأصوليين تحوم عليه وإن اختلف الطريق في التعبير. نعم، إذاً نعود إلى ما يهمنا وهو العلم المنطقي، فقلنا العلم هو الإدراك مطلقا، وعرفنا ما معنى الإدراك.
طيب الكلمة الثانية قال: فصل بأنواع العلم الحادث. ما معنى الحادث؟ الحادث أيها الأحبة هو كون الشيء أو الحدوث كون الشيء بعد أن لم يكن. نقول حدث، حدث الشيء حصل الشيء بعد أن لم يكن كان مسبوقا بالعدم. طيب السؤال الآن لماذا قيد العلم هنا بالحادث؟ كأنه يريد أن يخرج شيئا، يريد أن يخرج العلم الأزلي أو ما يسمونه العلم القديم. العلم القديم هو علم من؟ هو علم الله، علم الله سبحانه وتعالى؛ فهو أراد أن ينبه أن العلم الذي نتكلم به وسنقسمه إلى تصور وتصديق، وإلى ضروري ونظري، وكل كلام المناطقة عليه، هذا علم الحادث، يعني علم المخلوق وليس علم الخالق. علم الله سبحانه لا يوصف بأنه تصور ولا تصديق.
لماذا؟ لأن العلم أيها الأحبة الذي يتكلم عنه المناطقة قلنا ما هو؟ ما معنى العلم عند المناطقة؟ الإدراك. الإدراك ما هو؟ وصول النفس إلى المعنى. معنى هذه العبارة أن هناك شيئا لم يكن موجودا ووصلت النفس إليه، هناك شيء لم يكن موجودا عندها ووصلت النفس إليه، فكأنك تقول العلم هو وصول النفس إلى المعنى بعد أن لم يكن موجودا. هذا معنى العلم عند المناطقة، وهل علم الله عز وجل يدخل في هذا العلم؟ لا. هل الله عز وجل حاشاه أن يكون علمه مسبوقا بالعدم أو بالجهل؟ حاشاه سبحانه وتعالى.
لذلك لو قلنا أن كلمة الحادث هنا ليست قيد احتراز، وإنما هي قيد توضيحي لكان أفضل. لماذا؟ لأن علم الله، متى تكون كلمة قيد احتراز إذا كانت كلمة علم تشمل علم الله وعلم المخلوق، أردنا أن نخرج علم الله فوصفنا العلم بأنه حادث. لكن في الحقيقة علم الله ابتداء لم يدخل في كلمة العلم؛ لأن العلم هنا ما هو؟ هو العلم المنطقي الإدراك، وعلم الله لا يسمى إدراكا بهذا المعنى. لا يسمى إدراكا، الله تقول لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، فاستخدام لفظة الإدراك في حقه تستخدم لكن ليست بهذا المعنى الذي هو وصول النفس إلى المعنى بتمامه. فعلم الله عز وجل ابتداء لم يدخل في كلمة العلم.
فقوله العلم الحادث، وصفه بأنه حادث هذا من باب التأكيد والتوضيح، وليس من باب الاحتراز. هي تكون كما قلنا من باب الاحتراز لو أن كلمة العلم شملت العلمين، فأخرجنا بالحادث علم الله. ولكن علم الله لم يدخل ابتداء معنا، فقوله الحادث من باب التأكيد والتوضيح، أن ما أقوله وما سأقسمه هذا علم المخلوق وليس علم الله سبحانه وتعالى.
طيب قال رحمه الله تعالى: أنواع العلم الحادث. إدراك مفرد تصورا علم، ودرك نسبة بتصديق وسم، وقدم الأول عند الوضع، لأنه مقدم بالطبع. الآن رحمه الله تعالى يبين لنا أن الإدراك وهو العلم ينقسم إلى ماذا؟ إلى نوعين: تصور وتصديق. العلم وهو الإدراك المنطقي ينقسم إلى تصور وإلى تصديق. متى ينقسم إلى تصور؟ متى يكون تصورا؟ إذا كان إدراك مفردات. ومتى يسمى تصديقا؟ إذا كان إدراك نسب. الآن نحن جملة، هذا تعبير نحوي أنا أستخدمه لأنه يسهل على الطالب، لكن عند المناطقة يسمونها نسبة، وأحيانا يسمونها قضية، وهذا هو الأشهر. الجملة النحوية سواء كانت اسمية أو فعلية عند المناطقة ماذا تسمى؟ نسبة أو قضية، وقضية هو الأشهر.
نعم إذا الإدراك أيها الأحبة قلنا -أنسه ما قلنا- الإدراك هو وصول النفس إلى المعنى. قلنا العلم هو الإدراك، والإدراك وصول النفس إلى المعنى بتمامه. ما هي المعاني التي تصل إليها النفس؟ المعاني التي تصل إليها النفس إما مفردات وإما نسب أو قضايا. فنبدأ بالقسم الأول أيها الأحبة وهو المفردات. فنقول ما هو المفرد عند المناطقة؟ نحن ربما في المقدمات كنا نسهل الموضوع، نقول المفرد ما هو الطاولة والسماء. الآن ستكتشف أن المفرد لا أعمم، هذا ويشمل عدة أمور. المفرد أيها الأحبة عند المناطقة يشمل مجموعة من الأشياء. يشمل مجموعة من الأشياء، نحن عرفناه ابتداء تعريف سريع لكن الطالب لن يتصور هذا التعريف إلا إذا عرف الأنواع. فنقول الكلمة التي يسمى إدراكها تصورا تشمل أربعة أمور: الأمر الأول إدراك الموضوع. الآن أيها الأحبة ينبغي علينا أن نؤصل ونؤسس، الجملة سواء كانت جملة اسمية أو جملة فعلية، زيد قائم وذهب خالد، فيها عند المناطقة ما يسمى بالموضوع والمحمول. الموضوع ما هو؟ الموضوع هو المبتدأ في الجملة.
والفاعل في الجملة الفعلية، هذا هو الموضوع. المحمول ما هو؟ هو الخبر في الجملة الاسمية، أو الفعل في الجملة الفعلية. فعندما نقول: زيد قائم، زيد مبتدأ وخبر. الآن المبتدأ عند المناطق يسمى ماذا؟ موضوعاً، والخبر يسمى عندهم محمولاً. عندما نقول: ذهب بكر، ذهب هذا فعل يسمى عند المناطق ماذا؟ محمولاً. ذهب من؟ قلنا بكر ولا خالد؟ ذهب بكر، هذا الفاعل يسمى عند المناطق ماذا؟ موضوعاً.
ممتاز. إذاً ننطلق من هذا المعنى أن الجملة العربية سواء كانت جملة من مبتدأ وخبر أو من فعل وفاعل فيها موضوع ومحمول. المحمول من هو؟ هو الحكم. الحكم في الجملة الاسمية هو الخبر، والحكم في الجملة الفعلية هو ماذا؟ هو الفعل، والفاعل محكوم عليه، والمبتدأ محكوم عليه. فزيد نشيط، حكمنا على زيد بأنه نشيط، وذهب محمد، حكمنا على محمد بأنه ذهب.
الآن المناطق رحمهم الله تعالى يقولون كلمة المفرد عندما نقول إدراك المفرد تشمل إدراك المفرد، وهم ابتداء يقسمون إلى تصور وتصديق، يتكلمون عن التصور باعتباره طريقاً إلى التصديق؛ لأن إدراك المفردات وحدها خارجة عن سياق الجمل، هذا في النهاية فائدته محدودة. يعني إدراك معنى الجوال ومعنى السماء ومعنى الأرض، معاني كل هذه الأشياء نحن إنما نحتاج إلى إدراكها حتى نستخدمها في التعبير في حياتنا، أريد جوالاً، وأرى السماء والمطر نزل. فإدراك معنى، وإدراك معنى السماء، وإدراك كل هذه المفردات إنما نوظفها في ماذا؟ في داخل جمل نعبر بها عما في وجداننا.
فإدراك هذه الأشياء مفردة واحدة ما يفيده إذا لم تنظمها في داخل جمل لأنها ستبقى في النهاية هي داخل الذهن، لن تعبر بها عن الأشياء. لذلك عندما يأتوا لبيان ما هي، يقولون، يعبرون عنها باعتبارها في داخل جملة اسمية أو فعلية. فيقولون: إدراك الموضوع يسمى مفردة، أول نوع من أنواع المفردات الموضوع. ما هو الموضوع؟ هو المبتدأ في الجملة الاسمية، والفاعل في الجملة الفعلية. فعندما أقول: زيد خالد، زيد موجود أو زيد ذهب. الآن زيد المبتدأ، إدراك معنى زيد هذا يسمى إدراكاً للموضوع، وهذا نوع من أنواع المفردات. عندما نقول: القرآن معجز، القرآن مبتدأ فيسمى موضوعاً عند المناطق، إدراك معنى القرآن وحده هذا يسمى إدراكاً لماذا؟ لموضوع.
طيب النوع الثاني من أنواع المدركات، مثلاً: الزكاة واجبة أمامكم قلنا. الزكاة هذا هو الموضوع، إدراك معنى الزكاة تصورها في الذهن هذا يسمى تصور المفرد، اللي هو تصور للموضوع. النوع الثاني من أنواع المفردات إدراك المحمول أو يدخل من ضمن المفردات المحمول. المحمول كما قلنا هو الخبر في الجملة الاسمية والفعل في الجملة الفعلية. فإدراكك في جملة الزكاة واجبة، إدراكك لمعنى كلمة واجبة، كلمة واجبة هذا يسمى إدراكاً لمحمول، فهو نوع من أنواع الإدراكات التي تتعلق بالمفرد.
طيب ننتقل إلى أي شيء ثالث يدخل ضمن مفهوم المفرد. إذاً المفرد الآن يشمل عندنا الموضوع، ويشمل عندنا المحمول، ويشمل عندنا شيئاً ثالثاً ما هو؟ قال: إدراك النسبة بين كلمة وأخرى. إدراك النسبة بين كلمة وأخرى، أي تصور العلاقة بين كلمة وأخرى، ويسمى هذا الإدراك إدراك النسبة بين كلمة وأخرى، إدراك النسبة في الداخل أو النسبة الداخلية. لماذا سمي في الداخل؟ لأن هذا الإدراك الذي تكلم عنه في هذا السياق هو إدراك يوجد في داخل الذهن، يتعلق بعملية تحليل ذهني، وليس له علاقة بما في الخارج.
والعلاقة بين كلمة وأخرى أيها الأحبة على ثلاثة أنواع. النوع الأول: النسبة التقييدية. الآن الألفاظ في الجمل العربية أو الألفاظ عندما تجتمع مع غيرها هناك ثلاثة احتمالات، إما أن تكون العلاقة بينها هي علاقة النسبة التقييدية، وذلك إذا كانت هذه الألفاظ لا تفيد فائدة يحسن السكوت عليها. الآن إذا أفادت الألفاظ مع بعضها البعض فائدة يحسن السكوت عليها، ففي هذه الحالة تسمى ماذا عند النحويين؟ كلاماً. والكلام أيها الأحبة ينقسم إلى خبر وإنشاء. دائماً أي كلمة تجتمع وتركب مع كلمة أخرى إما أن يحسن السكوت على هذه الكلمة أو على هذا التركيب، وإما ألا يحسن السكوت. مثلاً: غلام زيد، الآن زيداً السامع ينتظر منك شيئاً ما له؟ هل ذهب؟ هل قدم؟ أو ما شابه ذلك؟ فهذا التركيب نقول لا يحسن السكوت عليه عند اللغويين؛ لأنه لم يفد فائدة يحسن السكوت عليها، فهذا يسمى تقييداً أو يسمى مركباً تقييداً أو مركباً.
الآن إذا ركبنا كلمتين فصاعداً، فنشأ من هذا التركيب جملة مفيدة يحسن السكوت عليها، يسمى هذا ماذا؟ كلاماً. فهنا إذاً الكلام هو نوع من أنواع التركيب، تركيب يفيد فائدة يحسن السكوت عليها. الآن الكلام أيها الأحبة ينقسم إلى نوعين، إما خبر، إما إنشاء. الخبر سيأتي معنا هو الذي يحتمل الصدق والكذب لذاته، يمكن أن توجه إليه أن هذا صادق أو كاذب. الإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب. إذاً هذه القسمة ننطلق منها في بيان مفهوم إدراك النسبة بين كلمة وأخرى. إذاً إدراك النسبة بين كلمة وأخرى سيكون في ثلاثة مسائل، إما في النسب التقييدية التي هي كما قلنا المركبات التي لا يحسن السكوت عليها، وإما في النسب التي يحسن السكوت عليها، الكلام، وسينقسم إلى نوعين: خبر وإنشاء.
فنبدأ أولاً بالنسبة التقييدية، لفظة تقيدها بلفظة أخرى فقط لكنها لا تفيد فائدة يحسن السكوت عليها، وأنواع النسب التقييدية ثلاثة: الصفة مع موصوفها. فعندما نقول: جاء خالد العالم، الآن العالم هذه قيدت خالداً بأنه عالم، احترازاً مثلاً من خالد الجاهل، أو من خالد المؤذن، أو من خالد، هناك أنواع كثيرة من خالد في الواقع. فقولنا: خالد العالم، هذا ماذا؟ قيد. ولكن هل كلمة خالد العالم وحدها دون كلمة جاء تفيد فائدة يحسن السكوت عليها؟ تقول: خالد العالم، السامع ينتظر شيئاً ما له؟ هل قدم؟ هل درس؟ هل أعطى؟ هل ذهب؟ فالعالم وحدها لا تفيد فائدة يحسن السكوت عليها. عندما أدخلنا الفعل جاء: جاء خالد العالم. نعم هنا أفادت فائدة يحسن السكوت عليها.
فإذاً علاقة الصفة مع الموصوف تسمى نسبة تقييدية، أو أحد أنواع النسب التقييدية ولا يحسن السكوت عليها. الآن إدراك أو تصور العلاقة بين كلمة خالد والعالم هذا يعتبر كذلك من قبيل المفردات، لذلك قلنا: المفردات تشمل إدراك الموضوع، وإدراك المحمول، وإدراك النسب بين كلمة وأخرى، وإدراك النسب بين كلمة وأخرى على أنواع. النوع الأول: النسب التقييدية، فيتصور ما معنى خالد، ما معنى خالد العالم، أنه نسب خالداً إلى العلم، هذه عملية ذهنية. أنت تمر معك سريعاً لكن هي عملية ذهنية تحليلية، أنه فلان الفلاني المتكلم نسب خالداً إلى العلم، فهذه تسمى نسبة تقييدية وهي تعتبر من قبيل المفردات.
فكلمة مفرد إذاً بدأنا نتصور أنها ليست فقط شيئاً واحداً، قد تكون مركبة من عدة أشياء، ولكنها في مصطلح المناطق تسمى كذلك مفرداً. النوع الثاني من أنواع النسب التقييدية: المضاف مع المضاف إليه. فمثلاً: غلام زيد، باب المسجد. المضاف والمضاف إليه أيها الأحبة كذلك لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها. غلام زيد، السامع ينتظر ماذا؟ هل مات؟ هل عاش؟ هل صلى؟ هل فعل؟ ينتظر منك شيئاً تخبره عنه. فغلام زيد تسمى مضاف ومضاف إليه. إدراك العلاقة بين المضاف والمضاف إليه، أو تصور العلاقة بين المضاف والمضاف إليه، كذلك هذا يعتبر من قبيل المفردات.
النوع الثالث كذلك من النسب التقييدية: النسبة الإضافية. النسبة الإضافية ويقصدون بالنسبة الإضافية نسبة مثلاً شخص إلى شخص، وعندما نقول: محمد بن خالد، ذهب اليوم إلى كذا وكذا. محمد بن خالد، هذا في النهاية تسمى عندهم نسبة إضافية، يعني أضفت محمداً إلى خالد، مثل إضافة الأبوة وإضافة الأمومة وما شابه ذلك، والبنوة وعلى ذلك فقس. فالنسب الإضافية إضافة شخص إلى شخص كذلك تعتبر من النسب التقييدية؛ لأنه محمد بن خالد كذلك لا تفيد فائدة يحسن السكوت عليها، ما زال السامع ينتظر شيئاً. فهذه الأنواع الثلاث، الصفة مع الموصوف، والمضاف والمضاف إليه، والنسبة الإضافية، كلها تعتبر من النسب التقييدية، والنسب التقييدية تعتبر من قبيل المفردات.
الآن النوع الثاني من أنواع إدراك النسب بين كلمة وأخرى هو إدراك النسبة الكلامية الإنشائية. نحن قبل قليل قعدنا، قلنا: تركيب لفظة مع أخرى، إما أن يفيد فائدة يحسن السكوت عليها أو لا؟ إذا أفاد فائدة يحسن السكوت عليها يسمى في هذه الحالة كلاماً، والكلام ينقسم إلى إنشاء وإلى خبر. فهنا عن الإنشاء. فنقول أيها الأحبة: ما هو الإنشاء؟ متى يكون الكلام إنشاء؟ الإنشاء هو كل جملة أو كل كلام لا يحتمل الصدق والكذب. ما معنى لا يحتمل الصدق والكذب؟ أي لا يمكن للسامع أن يقول عنك: صادق أو كاذب. مثل ماذا؟ مثل الأمر، جملة الأمر، جملة النهي، جملة الاستفهام، جملة القسم، جملة التمني. فمثلاً عندما أقول لك: اضرب زيداً، هل يمكن للسامع أن يقول عنك ماذا؟ الكذب؟ أن تقول لك: اضرب زيداً. أقول لك: لا تقم من مقعدك، هل يمكن أن يوجه لي الصدق أو الكذب؟ يقول: هذه جملة كاذبة أو صادقة؟ لا يمكن. أنا أنهاك أن تفعل هذا الشيء فقط. كذلك الاستفهام: هل أقول لك: هل حدث درس اليوم؟ الآن تقول: هذا كذب، هذا لا يصح؛ لأن هذه الجملة أصلاً لا تحتمل التصديق والتكذيب. إذاً الإنشاء هي الجملة العربية التي لا تحتمل التصديق والتكذيب.
يقابل الإنشاء كما قلنا الخبر. الخبر يحتمل التصديق والتكذيب، لذلك تسمى جملة خبرية، أخبرت بشيء عن شيء. الآن يهمنا الإنشاء. إدراك النسبة الكلامية الإنشائية، المراد بهذا الإدراك إدراك أو تصور العلاقة بين المحمول والموضوع في داخل الجملة الإنشائية. تصور هذه العلاقة يسمى كذلك أو يعتبر من قبيل المفردات، ويسمى إدراك هذا المفرد تصوراً. مثاله يتضح المقال: عندما أقول لك: اضرب زيداً. الآن اضرب هذا فعل، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت. اضرب، إذاً كان الفعل هذا يعتبر موضوعاً أو محمولاً؟ محمول. جميل. والفاعل يعتبر ماذا؟ موضوعاً. إذاً الجملة الإنشائية يوجد فيها موضوع ومحمول، ما عندنا إشكال. إدراك العلاقة وتصور العلاقة بين الموضوع والمحمول في الجملة الإنشائية يسمى ماذا؟ أو يعتبر من قبيل المفردات ويسمى إدراكه تصوراً. لماذا أيها الأحبة؟ الجملة الإنشائية لا يمكن أن تكون ضمن التصديقات؛ لأن الجملة الإنشائية لا يوجد لها مدلول في الخارج تحكم عليه بالصدق أو الكذب.
نحن في الدرس الماضي بينا ما معنى إدراك الجمل الذي يسمى تصديقاً؟ إدراك الوقوع أو اللا وقوع في الخارج، هل وقعت في الخارج أو لم تقع. الجملة الإنشائية ليس لها مدلول في الخارج؛ فأنا عندما أقول لك: اضرب زيداً، هذا شيء لم يوجد في الخارج بعد، أنا أطلب منك أن تنشئه. وعندما أقول لك: لا تفعل كذا، لا تشرب العصير، لا تعمل كذا، لا يوجد هناك شيء في الخارج أنظر هل هذه الجملة مطابقة له أو ليست مطابقة له في الخارج. لذلك الجملة الكلامية الإنشائية لا يمكن أن تكون أبداً من قبيل التصديقات، كلها من قبيل التصورات، لذلك هي جملة ولكنهم يعدونها من قبيل المفرد. إذاً فأصبح المفرد عندنا يشمل دائماً نعود ونربط: إدراك الموضوع فقط، إدراك المحمول فقط، النسبة بين كلمة وأخرى، وذكرنا أول نوع من أنواع النسب النسب التقييدية، وذكرنا النوع الثاني النسبة الكلامية الإنشائية، وعرفنا أن الجملة الإنشائية بجميع أنواعها كلها تعتبر عند المناطق من قبيل المفردات، ولا يمكن أن تكون تصديقاً؛ لأنها لا يوجد فيها حكم يمكن أن يحكم عليه في الخارج.
طيب، النوع الثالث من أنواع النسب بين جملة وأخرى، ما سيأتي معنا الأصل أنكم عرفتموه الآن، سيكون النسبة الكلامية الخبرية. طيب النسبة الكلامية الخبرية أيها الأحبة لها نظرتان، نظرة باعتبار الذهن، ونظرة باعتبار الوقوع الخارجي، إدراك المطابقة للخارج أو عدم مطابقتها للواقع الخارجي. الآن تحليل الجملة في داخل الذهن كذلك يعتبر من قبيل المفردات. الآن النسبة الكلامية الخبرية كما ترون أمامكم أيها الأحبة تسمى ماذا؟ تسمى حكم الجملة. فإذا قيل لك حكم الجملة، هذا المصطلح هو نفس مصطلح النسبة الكلامية الخبرية، إذا قلنا النسبة الكلامية الخبرية أو حكم الجملة فهما مصطلحان لمعنى واحد، وهي تصور العلاقة أو هي العلاقة بين المحمول والموضوع، أو سلباً في الذهن.
مثال ذلك دائماً المصطلحات المنطقية فيها نوع إغلاق، الأمثلة هي التي تصور للطالب هذه القضايا. عندما أقول لك: جاء محمد، الآن هذه جملة خبرية وإنشائية؟ خبرية؛ لأنها يمكن أن تصدق أو تكذب باعتبار الواقع. جميل، جملة مثبتة أو منفية؟ مثبتة، لم أقل: لم يجيء محمد، قلت: جاء محمد. إذاً هي جملة مثبتة خبرية. الآن إدراك العلاقة بين الموضوع فيها والمحمول مع إدراك الإيجاب والسلب، هذا يسمى ماذا؟ يسمى نسبة خبرية إذا كان هذا الإدراك فقط داخل الذهن. بمعنى أنا أريد فقط قبل أن أرى هذه الجملة مطابقة للواقع أو ليست بمطابقة، أريد فقط أن أحللها في داخل الذهن، أن هذا الرجل عندما قال: لم يجئ محمد أو عندما قال: جاء محمد، في جاء محمد هو يثبت القيام لمحمد. هذه عملية تحليل ذهني، أثبت القيام لمحمد. طيب عندما أقول: لم يجئ بكر، أو هذه الجملة ماذا؟ دول في التحليل الذهني، هذا الرجل ينفي القيام عن بكر، أو ينفي الذهاب عن بكر. الآن عملية العلاقة بين المحمول والموضوع باعتبار الإيجاب والسلب داخل الذهن، التي هي فقط عملية تحليل للجملة من غير النظر إلى ما في الواقع الخارجي، هذا أيضاً يعتبر من قبيل المفردات، وإدراكه يسمى تصوراً. الآن كيف يعبر الطالب عن النسبة الكلامية؟ يعني عند المناطق تجدهم يبحثون هذا المبحث، كيف أعبر بلساني عن النسبة الكلامية الخبرية؟ الأصل أن النسبة الكلامية الخبرية هذا موجود في داخل الذهن، هي عملية ذهنية فقط، عملية تحليل الجملة، فهم مفرداتها والعلاقة بين مفرداتها. لو قيل لك عبر عن هذا.
أما الحكومة وهذه النسبة الكلامية الخبرية باللسان فماذا نقول؟ نقول اتبعوا الخطوات الآتية. الخطوة الأولى عليك أن تأتي بما يسمى بمضمون الجملة. مضمون الجملة أيها الحبيب ما هو؟ هو العلاقة بين الموضوع والمحمول مع قطع النظر عن الإيجاب والسلب الذي في الجملة. شف، النسبة الكلامية الخبرية هي العلاقة بين الموضوع والمحمول مع اعتبار الإيجاب والسلب؛ يعني هل هذه جملة مثبتة أو منفية؟ مضمون الجملة قريب ولكنه من غير اعتبار الإيجاب والسلب، فهو تصور العلاقة بين الموضوع والمحمول مع قطع النظر عن الإيجاب والسلب.
طيب، ما هي الخطوات التي يجب عليّ أن أتبعها؟ إذا أردت كما قلنا نأتي بالنسبة الكلامية الخبرية علينا أولاً أن نأتي بما يسمى بمضمون الجملة. مضمون الجملة أيها الأحبة نصل إليه بأن ننظر في المحمول. الآن عندك جملة خبرية؛ مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل. انظر مباشرة إلى المحمول، إن كان المحمول فعلاً أو كان مشتقاً من المشتقات. ما هي المشتقات؟ اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، صيغة المبالغة. مثلاً: مضروب اسم مفعول، ضرّاب صيغة مبالغة، كريم صفة مشبهة، أفضل أفعل تفضيل. فإذا كان المحمول فعلاً أو كان مشتقاً من المشتقات، فإن عليك أن تأتي بالمصدر الذي أُخذ منه هذا الفعل أو هذا المشتق، تأتي بهذا المصدر وتضعه في بداية الجملة، ثم بعد ذلك تأتي بالموضوع فتجعله مضافاً إليه هكذا، ولا تأتي بالإيجاب والسلب، كانت مثبتةً كانت منفيةً ليس لنا علاقة في مضمون الجملة.
نحن الآن في الخطوة الأولى؛ الخطوة الأولى نريد أن نأتي بماذا؟ بمضمون الجملة. ماذا نفعل؟ ننظر مباشرة إلى المحمول. المحمول إما سيكون فعلاً وإما سيكون خبراً. إذا كان المحمول فعلاً أو كان خبراً وكان الخبر هذا من المشتقات التي ذكرناها؛ اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، فإننا نأتي بمصدر الفعل أو مصدر المشتق ونضعه في البداية، ثم نأتي بالموضوع فنجعله مضافاً إليه. مثال ذلك: زيد قائم. الآن ائتِ بمضمون الجملة، الآن حل عمل تطبيقي، ائتِ بمضمون الجملة؛ نفعل الخطوات التي ذكرناها، ننظر ابتداءً إلى المحمول، أين المحمول؟ قائم. هل هو من المشتقات أو هو اسم جامد؟ نجده مشتقاً لأنه من أسماء الفاعل، نأتي بمصدره، ما مصدر القيام؟ القيام، نضعه في البداية، ثم نأتي بالموضوع فنجعله مضافاً إليه فيصبح مضمون الجملة: قيام زيد.
طيب، ليست صلاة الوتر واجبة. لو قيل لك ائتِ بمضمون هذه الجملة، فننظر مباشرة إلى الخبر، خبر ليس الآن ما هو؟ واجبة. واجبة، هل هي من المشتقات؟ نعم، من المشتقات اسم فاعل. نأتي بمصدرها، ما هو؟ الوجوب أو الإيجاب، نأتي بوجوب فنقول هذا الوجوب نضعه في البداية، ثم ننظر في الموضوع، ما هو الموضوع؟ صلاة الوتر، نجعله مضافاً إليه، فيكون الجملة ما هو؟ وجوب صلاة الوتر. انظروا، الجملة الأولى مثبتة: زيد قائم، والجملة الثانية منفية: ليست صلاة الوتر واجبة، ومع ذلك لم نتطرق أبداً عند الإتيان بمضمون الجملة للإيجاب ولا للسلب. فيخطئ الإنسان إذا قال مضمون الجملة ليست أو وجوب صلاة الوتر أو وضع النفي في البداية أصلاً لا يصلح، وكذلك يكون خطأ علمياً؛ لأن مضمون الجملة هو الإتيان أو إيضاح العلاقة بين الموضوع والمحمول بقطع النظر عن الإيجاب، فليس لنا علاقة بالإيجاب والسلب الذي هو في أصل الجملة.
الآن إذا أتينا بمضمون الجملة نحن، لاحظوا، نحن نريد أن نصل إلى ماذا؟ إلى النسبة الكلامية الخبرية، فنتبع خطوات معينة. الخطوة الأولى: الإتيان بمضمون الجملة. الآن بعد الإتيان بمضمون الجملة إذا أردنا النسبة الكلامية الخبرية ماذا نفعل؟ فقط أيها الأحبة نضيف الإيجاب أو السلب إلى مطلعها. مثلاً جملة، طيب قبل أن ندخل إلى النسبة الكلامية الخبرية أنا ربما أغفلت مسألة: إذا كان المحمول ماذا؟ جامداً. هذه ربما قفزنا عنها، نعود إلى مضمون الجملة. نحن قلنا إذا كان المحمول مشتقاً نأتي بالمصدر ونضعه في البداية ثم نأتي بالموضوع فنجعله مضافاً إليه. إذا كان المحمول جامداً، يعني ليس من المشتقات، مثل أسماء الأجناس، أسماء الحيوانات: محمد أسد، أو هذا أسد. الآن أسد أيها الأحبة يعتبر اسماً جامداً يدل على اسم حيوان، ليس من المشتقات، فليس له مصدر.
فكيف نأتي بمضمون الجملة في هذه الحالة؟ في هذه الحالة يقولون: تأتي بكلمة كون، تضعها في البداية، ثم تأتي بالموضوع فتجعله مضافاً إلى الكون، ثم تأتي بالمحمول فتجعله خبراً للكون، لأن الكون مصدر كان، وكان لها اسم وخبر. فنأتي بالموضوع نجعله مضافاً إلى الكون، ونأتي بالمحمول فنجعله خبراً للكون. فزيد أسد، لو قيل لك ائتِ بمضمونها ماذا تقول؟ نقول ستنظر في المحمول، نعم المحمول جامد، مباشرة إذاً لا بد أن نأتي بالكون، كلمة الكون ابتداءً، فنقول: كونه، ثم نأتي بالموضوع ما هو الموضوع؟ محمد، فنجعله مضافاً إليه، نقول: كون محمد أسداً. هذا هو ما يسمى مضمون الجملة، يعني الجملة مضمونها أو تدور على ماذا؟ على هذا المعنى، بقطع النظر هل هي موجبة أو سالبة.
الآن الخطوة الثانية بعد الإتيان بمضمون الجملة إذا أردنا أن نصل إلى النسبة الكلامية الخبرية، أننا نضيف الإيجاب أو السلب الموجود في الجملة الأصلية إلى مضمون الجملة. فتأتي بمضمون الجملة ثم تنظر في الأصل؛ هذه الأصل مثبت؟ نعم الأصل مثبت، إذاً نضيف الإثبات إلى المضمون. فمثلاً الجملة السابقة زيد قائم، أتينا بالمضمون: قيام زيد. الخطوة الثانية هل ننظر في الجملة الأصل هل هي مثبتة أو منفية؟ مثبتة، إذاً نقول النسبة الكلامية الخبرية: ثبوت قيام زيد. طيب لو كانت منفية، الجملة الثانية: ليست صلاة الوتر واجبة، لو قيل لك ائتِ بالنسبة الكلامية الخبرية لها، تأتي أولاً بمضمون الجملة وهو وجوب صلاة الوتر، ثم بعد ذلك تنظر في الأصل هل هو مثبت أو منفي؟ منفي، فنضيف كلمة العدم في البداية، فتكون النسبة الكلامية الخبرية: عدم وجوب صلاة الوتر.
فهذا الكلام هو تعبير باللسان، ولكنه في الحقيقة هي عملية ذهنية؛ أنت عندما تسمع جملة ليست صلاة الوتر واجبة، أنت تقوم، كل واحد منا يقوم بهذه العملية، يحلل الجملة ابتداءً، تحليل الجملة بالإيجاب أو بالسلب هذا يسمى في الاصطلاح المنطقي النسبة الكلامية الخبرية. وله اصطلاح آخر، نعم، يسمى ماذا؟ حكم الجملة. فلو قيل لك ما حكم الجملة فيما زيد أسد؟ هذا من باب الاختبار. ما حكم الجملة فيما زيد أسد؟ من يأتي بها؟ يعبر عنها: عدم كون زيد أسداً، أيوا، الكون أو الثبات في الكون لأن المحمول جامد، أو نأتي بمضمون الجملة كون زيد أسداً ثم ننظر في الأصل هل الأصل مثبت أو منفي؟ منفي، إذاً عدم كون زيد أسداً. فهذا يسمى إذاً النسبة الكلامية الخبرية، ويسمى كذلك مضمون الجملة أو عفواً يسمى حكم الجملة.
وهذا كما قلنا عملية توجد داخل الذهن. الآن النسبة الكلامية الخبرية أو مضمون أو حكم الجملة هذا يعتبر كذلك من قبيل ماذا؟ المفردات. لماذا؟ لأن هذه الجملة الخبرية ما زلنا لم ننظر بعد هل هي مطابقة للواقع الخارجي أو ليست بمطابقة، ما وصلنا إلى هذه المرحلة؛ هذه المرحلة هي مرحلة التصديق كما مر معنا. فإذا لم نصل بعد إلى هذه المرحلة نبقى ضمن دائرة ماذا؟ المفردات. لذلك المفرد أيها الأحبة مر معنا أنه يشمل الموضوع ويشمل المحمول، يشمل النسبة أو العلاقة بين كلمة وأخرى، وعرفنا أن هذه النسب ثلاثة، إما نسبة تقييدية إذا كان التركيب لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها، وإما أن يكون يحسن السكوت عليها، ففي هذه الحالة ستكون نسبة إما إنشائية وإما خبرية.
النسبة الإنشائية في جميع صورها ستبقى ضمن المفردات أو من قبيل المفردات لأنها لا وجود لها في الخارج. أما النسبة الكلامية الخبرية إذا كانت ضمن داخل الذهن، ما زال الذهن وهو ما عبرنا عنه بحكم الجملة كذلك تعتبر من قبيل المفردات، وتعلمنا كيف نعبر عنها. نختم بهذه المعلومة الأخيرة، النوع الرابع من أنواع المفردات. الآن ذكرنا إدراك الموضوع وإدراك المحمول وإدراك النسب، يرحمك الله. النوع الرابع والأخير الذي يدخل ضمن المفردات أو كلمة مفرد عند المناطقة هو النسبة الكلامية الخبرية باعتبار الخارج، ولكن مع عدم الإذعان والقبول والتسليم لها. ما معنى هذا الكلام؟ الآن مر معنا النسبة الكلامية الخبرية في داخل الذهن، انتهينا منه. الآن إذا انتقلنا مرحلة أعلى، الآن حللنا النسبة الكلامية الخبرية في الذهن، نريد أن ننظر في الواقع، هل هذه النسبة الكلامية الخبرية أو هذه الجملة الخبرية مطابقة للواقع أو ليست بمطابقة للواقع؟
نظر الإنسان في الواقع وجدها مثلاً مطابقة للواقع، الآن الأصل ماذا يفعل؟ أن يذعن لهذه التي وصل إليها أن هذه الجملة ماذا؟ صادقة. مثلاً رآها غير مطابقة للواقع، إذاً هي كاذبة، فعليه أن يذعن ويقبل ويسلم هذه النتيجة التي وصل إليها أن هذه الجملة كاذبة. الآن إذا أدرك الإنسان شيئاً باعتبار الواقع، سواء كان على الصدق أو الكذب ولكنه لم يذعن ولم يسلم للنتيجة التي توصل إليها، كذلك يعتبر هذا من قبيل المفرد عند المناطقة. فأنا قلت لك جاء زيد، نظرنا ففعلاً جاء زيد، قلت لك نعم ها هو الآن أمامك، فقلت: لا لا لم يأتِ. يا رجل أقول لك هو أمامك، تقول: لا لم يأتِ. الآن هذا الذي نفعله إدراك النسبة الكلامية الخبرية وإدراك للجملة الخبرية باعتبار الواقع الخارجي ولكنك لم تذعن للواقع.
فإذا لم تذعن للواقع وعاندته أنه ظهر إليك، فيسمى كذلك إدراكك أنت لهذه النسبة مع عدم إذعاني لك يعتبر من قبيل المفردات، ويسمى إدراكه كذلك تصوراً؛ لأن التصديق شيء علمي، يعني المقياس هو العلم، ثبت ثبت، لم يثبت لم يثبت. أما منازعة الأهواء وإنسان لا يريد أن يسلم بالوقائع على الرغم من ثبوتها فهذا لا يرقى إدراكه لأن يسمى تصديقاً، بل نجعله ضمن دائرة المفردات. إذاً المفردات أربعة: الموضوع والمحمول والنسبة بين كلمة وأخرى على أنواعها النسبة التقييدية والكلامية الإنشائية والكلامية الخبرية داخل الذهن. النوع الرابع من أنواع المفردات إدراك النسبة الكلامية الخبرية في الواقع الخارجي مع عدم الإذعان لها، كل هذا يسمى مفرداً وإدراكه يسمى تصوراً؛ يسمى تصوراً لأنك تقوم بعملية إدخال صورة في داخل الذهن تحليلية لم تترجم بعد إلى الواقع الخارجي.
وفي الدرس القادم بإذن الله ننتقل للكلام عن التصديقات. هذا وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل