تسجيل الدخول

اطلب العلم أخي فهو درب به نور، به ترقى، به تحيا عالماً حراً فخور. اطلب العلم، رقية هو درب به ترقى به. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. نكمل أيها الأحبة ما شرعنا فيه من شرح هذه المنظومة المباركة السلم المنورق في علم المنطق للعلامة رحمه الله تعالى عبد الرحمن الأخضري. إذاً نؤسس على ما تكلمنا عليه في الدرس السابق.

قلنا أيها الأحبة إن العلم عند المناطقة معناه الإدراك مطلقاً. ومعنى إطلاق هنا كما قلنا أنه يشمل أي نوع من أنواع الإدراك، سواء كان هذا الإدراك جازماً أو غير جازم، سواء كان هذا الإدراك مطابقاً للواقع أو غير مطابق للواقع، سواء كان هذا الإدراك إدراكاً لمفردات أو إدراكاً لنسب. فأي نوع من أنواع الإدراك وأي شكل من أشكال الإدراك يسمى علماً عند المناطقة. إذاً العلم هو الإدراك. طيب ما هو الإدراك؟ ذكرنا الإدراك هو وصول النفس إلى المعنى بتمامه. أن تصل النفس أي القوة العاقلة أي الذهن، وصول النفس إلى معنى بالتمام، هذا يسمى ماذا؟ إدراكاً. ويقابل الإدراك الشعور، أن تصل النفس إلى المعنى ولكن ليس على صورة التمام. الذي يهمنا الإدراك، إذاً العلم هو الإدراك، والإدراك وصول النفس إلى المعنى، هذا هو الإدراك.

إذاً هناك معنى تصل إليه القوة العاقلة، إذا وصلت إليه نقول حدث هناك عملية إدراك. هناك معنى هذا المعنى إذا وصلت القوة العاقلة إليه حدثت عملية إدراك أي حدث هناك علم. وهذا شيء كما نقول أيها الأحبة دائماً مع الإنسان في حياته اليومية، هناك عملية إدراك، هناك عملية وصول إلى معاني وإن كنا لا نشعر بها. جميل، الآن يقول الأخضري رحمه الله تعالى: العلم أو الإدراك ينقسم إلى قسمين: إما تصور وإما تصديق. الآن هذا هو التقسيم الأول له للإدراك أو للعلم، التقسيم الأول للعلم أو للإدراك إلى تصور وإلى تصديق. هذا التقسيم باعتبار ماذا؟ باعتبار طبيعة المعنى المدرك. قلنا الإدراك وصول النفس إلى المعنى، الآن طبيعة المعنى المدرك ستقسم الإدراك إلى قسمين. المعاني المدركة إما أن تكون مفردات وإما أن تكون نسباً، المعاني التي تدركها القوة العاقلة إما أن تكون هذه المعاني مفردات وإما أن تكون نسباً، وبناءً على هذا سيتنوع الإدراك إلى تصور وإلى تصديق. فإذا كان متعلق الإدراك هي المفردات ففي هذه الحالة يسمى هذا الإدراك تصوراً، وإذا كان متعلق الإدراك أي المعنى الذي ستصل إليه القوة العاقلة هو نسبة، يسمى الإدراك في هذه الحالة تصديقاً. وبناءً على هذا كما قلنا انقسم الإدراك أي العلم إلى تصور وإلى تصديق.

إذاً نبدأ في الحالة الأولى، الحالة الأولى أيها الأحبة أن يكون المعنى المدرك مفرداً، فلابد أن نعرف ما هي المفردات. فبدأنا فقلنا ينقسم الإدراك باعتبار طبيعة المعنى الذي تصل القوة العاقلة إليه إلى مفرد وإلى نسبة. نبدأ بالقسم الأول المفرد، نبدأ بالمفرد لنبين كلمة المفرد أيها الأحبة بشكل عام كتأصيل يختلف مدلولها في العلم الواحد. المفرد هنا ليس المفرد كما سيأتي معنا في مباحث الألفاظ، فتحديد معنى المفرد في كل باب مهم، بل تحديد معنى المفرد يختلف باختلاف العلوم. لذلك كما يعني نمثل ابن هشام رحمه الله تعالى بسبب تنوع معاني المفرد، تجدها في علم تدل على شيء وفي علم آخر تدل على شيء آخر، أحياناً يحدث اختلاط على الإنسان فيكون مثلاً في النحو فيفسر المفرد بمعنى ويكون هذا المعنى ليس هو معنى المفرد في النحو وإنما هو معنى المفرد عند المناطقة، لكن لماذا يحدث هذا اللبس ولماذا يحدث هذا الإشكال؟ أما لسهو الإنسان وهذه فطرة، فطر الله عز وجل الإنسان أنه يسهو، وإما لعدم ضبط الفرق بين هذه المصطلحات، وإما لعدم ضبط الفرق فلا يعرف أن المفرد في هذا الباب يدل على شيء وفي باب آخر يدل على شيء آخر فينبغي التنبه.

إذاً المفرد هنا ماذا يشمل المفرد في هذا الباب أيها الأحبة؟ يشمل أربعة أمور. الأمر الأول: الموضوع. أول نوع من أنواع المفردات الموضوع. ما هو الموضوع؟ الموضوع كما تكلمنا في الدرس السابق هو المبتدأ في الجملة الاسمية والفاعل في الجملة الفعلية، هذا بالاختصار المبتدأ في الجملة الاسمية والفاعل في الجملة الفعلية. عند البلاغيين يسمى مسنداً إليه في الجملة الاسمية، المبتدأ عند البلاغيين يسمى ماذا؟ مسنداً إليه، عند المناطقة يسمى موضوعاً. الفاعل في الجملة الفعلية في النحو يسمى ماذا؟ فاعل، في علم البلاغة مسند إليه، في علم المنطق يسمى ماذا؟ موضوعاً. فهذه مصطلحات ألفاظ متعددة ولكن معناها واحد، فسواء قلنا الفاعل أو قلنا المسند إليه أو قلنا الموضوع فالمعنى واحد ولكن اختلفت العلوم.

سواء الآن بدنا ننتقل إلى الشيء الثاني سنعرف كذلك أن الخبر والمحمول والمسند كذلك شيء واحد. إذاً دعونا الآن في النوع الأول من أنواع المفردات وهو ماذا؟ الموضوع. فأي إدراك لموضوع يكون تصوراً لأن الموضوع من قبيل المفردات. فالمثال الذي ترونه أمامكم الزكاة واجبة. الآن الزكاة واجبة هذه جملة اسمية من مبتدأ وخبر، أين هو الموضوع؟ هل أنت الآن حفظت القاعدة؟ الموضوع هو المبتدأ، إذاً لابد أن أبحث عن المبتدأ، المبتدأ هي كلمة الزكاة، إذاً الزكاة مبتدأ فهي موضوع، والموضوع من قبيل المفردات، إذاً إدراك معناها يعتبر من قبيل التصورات، هذا هو التحليل الذهني الذي يفعله الإنسان.

طيب، ننتقل إلى النوع الثاني من أنواع المفردات، قال المحمول. المحمول هذا هو النوع الثاني من أنواع المفردات. ما هو المحمول أيها الأحبة؟ المحمول مقابل الموضوع، المحمول هو الخبر في الجملة الاسمية والفعل في الجملة الفعلية. المحمول هو الخبر في الجملة الاسمية والفعل في الجملة الفعلية، هذه قاعدة ينبغي عليك أن تحفظها لتبني عليها. لماذا سمي محمولاً؟ لأنه يحمل على الموضوع، فعندما يقول محمد نشيط، الآن نشيط هذه حملناها على الموضوع، فحملنا محمد على النشاط، لذلك سمي محمولاً. كذلك في الجملة الفعلية عندما نقول جاء محمد، الآن المحمول هو الفعل جاء، حملناه على محمد الذي هو الموضوع، ومن هنا سمي محمولاً. إذاً هذا هو المحمول والمحمول من قبيل المفردات، إذاً إدراك المحمول يعتبر تصوراً، لأن التصور هو إدراك المفردات. المثال نكرره نقول الزكاة واجبة، الزكاة واجبة، الآن نبحث في هذه الجملة ننظر فيها أين هو الخبر؟ نقول واجبة هو الخبر، إذاً هو المحمول، إذاً إدراك معنى واجبة من قبيل التصورات يكون من قبيل التصورات؛ لأن واجبة هي الخبر، والخبر هو المحمول، والمحمول من قبيل المفردات وإدراك المفردات تصور، إذاً إدراك المحمول يكون تصوراً.

طيب، نذهب إلى النوع الثالث من أنواع المفردات وهو ما يسمى عندهم بالنسبة الداخلية. الآن أيها الأحبة هذا علم جديد، يعني المنطق علم جديد على الإنسان، يعني ربما النحو، الفقه، أصول الفقه المصطلحات قد تأتي معنا في الحياة كثيراً نسمعها فيكون استيعاب الطالب لها سريعاً. الآن هذا علم جديد فيه مصطلحات كثيرة، فلا يصلح للطالب أن يعود إلى منزله بعد الدرس ويأتي في الدرس القادم وقد أغلق الكتاب ولم يفتحه إلا في الدرس القادم، هذا لا يصلح. بما أن المصطلحات جديدة إذاً الأمر يحتاج إلى مراجعة حتى تنضبط، وإلا هناك مئات المصطلحات ستأتي معنا، بعد ثلاثة أربعة دروس تبدأ الأمور تتداخل إذا لم يضبط الطالب المصطلح وعلى ماذا يدل. فالأمر يحتاج إلى جد وإلى مواظبة، تسمع الدرس الآن ثم تعود تسمعه مرة أخرى على التسجيل وتلخص وتحاول أن تحفظ أو تفهم فهماً عاماً متقناً، إذا أردت أن تكون طالب علم. أما الطالب الذي يأتي ثم يأتي في الدرس القادم من دون أن يفتح الكتاب فهذا ليس بطالب علم ابتداءً، ونحن نتكلم مع طلبة العلم.

إذاً نحن الآن في النوع الثالث من أنواع المفردات وهي النسبة الداخلية. الآن أيها الأحبة يقصدون بالنسبة الداخلية العلاقة بين لفظة ركبت مع لفظة أخرى، الآن ماذا يقصد بالنسبة الداخلية؟ عندنا الألفاظ العربية تتركب مع بعضها البعض، فإذا ركبنا لفظة مع لفظة أخرى يحدث بينهما ما يسمى بالنسبة، أي لفظة تركب مع لفظة أخرى يحدث ما يسمى بالنسبة. الآن تحليل هذه النسبة وفهم العلاقة التي حدثت بين هذه اللفظة واللفظة الأخرى التي ركبت معها في داخل الذهن يسمى النسبة الداخلية. عندما تركب الألفاظ مع بعضها البعض يحدث عندنا نسبة بينهما، تحليل هذه النسبة ومحاولة فهمها في داخل الذهن تسمى ماذا؟ النسبة الداخلية. لماذا سميت نسبة داخلية؟ لأن هذه العملية عملية التحليل تتم أين؟ فقط في داخل الذهن في داخل القوة العاقلة، ومن هنا سميت نسبة داخلية.

الآن لابد أن نؤصل لأن النسبة الداخلية على أنواع، وهذه الأنواع تتفرع بحسب طبيعة التركيب. عندما نركب كلمة مع كلمة أخرى أيها الأحبة، فإما أن يفيد هذا التركيب فائدة يحسن السكوت عليها بحيث لا ينتظر السامع شيئاً آخر، في هذه الحالة يسمى هذا التركيب ماذا؟ كلاماً. الآن الطلاب الذين درسوا العربية مباشرة هذا الأمر عندهم واضح؛ لأنهم ما معنى الكلام؟ تركيب لفظة مع لفظة أخرى بحيث يحسن السكوت عليها والسامع لا ينتظر شيئاً، فهذا التركيب يسمى كلاماً. الآن عندما نركب لفظة مع لفظة أخرى، لكن هذا التركيب لم يفد السامع فائدة يحسن السكوت عليها أي ما زال السامع ينتظر شيئاً، في هذه الحالة يسمى هذا التركيب تقييداً فقط، نسميه نسبة تقييدية. إذاً هناك فرق بين حالتين: تركيب يؤدي إلى فائدة يحسن السكوت عليها وتركيب لا يؤدي إلى فائدة يحسن السكوت عليها.

مثال الأول عندما نقول محمد نشيط، محمد نشيط هذا تركيب ركبنا محمد مع كلمة نشيط، هل السامع استفاد فائدة يحسن السكوت عليها؟ نعم، استفاد فهذه يحسن السكوت عليها، إذاً هذا التركيب يسمى كلاماً. طيب عندما نقول غلام زيد أو عندما نقول باب المسجد، الآن هنا ركبنا كلمة باب مع المسجد، ركبنا كلمة غلام مع زيد، الآن هل السامع استفاد شيئاً يحسن السكوت عليه؟ يعني هذا غلام زيد يقول ما له غلام زيد؟ ذهب، مات، استيقظ، نام، ويحتاج إلى أن تبين له حدثاً حدث معه، فعندما قلت له غلام زيد وسكت لم يستفد فائدة يحسن السكوت عليها. الآن هذا النوع من أنواع التركيب الذي لم يستفد منه السامع فائدة يحسن السكوت عليها نسميه نسبة تقييدية. إذاً هذا هو الفرق بين الكلام وبين النسبة التقييدية.

طيب، الآن نعود إلى الكلام فيه تفصيل، الكلام الذي استفاد منه السامع فائدة يحسن السكوت عليها ينقسم إلى نوعين، ينقسم إلى نوعين إلى إنشاء وإلى خبر. طيب متى ينقسم إلى إنشاء وإلى خبر؟ إذا كان الكلام يمكن توجيه الصدق والكذب إليه يسمى في هذه الحالة خبراً، وإذا كان الكلام لا يمكن توجيه الصدق والكذب إليه يسمى في هذه الحالة إنشاءً. إذاً فالجملة الخبرية هي الجملة التي تحتمل الصدق والكذب لذاتها، ما معنى لذاتها؟ دعوه في محله، المهم أن تتصور المعنى الأساس لهذه الكلمة، الخبر ما هو؟ هو كلام؛ لأنه تقسيم من الكلام، الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء، الخبر هو نوع من الكلام، لكن ما الفرق بينه وبين قسيمه أنه يمكن أن توجه إليه الصدق والكذب، فعندما نقول جاء زيد اليوم، الآن جاء زيد اليوم هل يمكن أن تقول للذي تكلم بها أنت صادق؟ نعم يمكن أن أقول له ذلك، ويمكن أن أقول له أنت كاذب زيد لم يأت اليوم. إذاً هذه الجملة يمكن توجيه الصدق والكذب إليها فنسميها جملة خبرية.

الجمل الكلامية التي لا يمكن توجيه الصدق والكذب إليها هذه تسمى جملة إنشائية، مثل جملة الأمر، جملة النهي، جملة الاستفهام، جملة التمني، جملة الترجي، جملة القسم، هناك كثير من الجمل العربية تسمى جملاً إنشائية، لماذا سميت إنشائية؟ فيها إنشاء شيء ولا يمكن توجيه الصدق والكذب إليها. فعندما نقول مثلاً جملة أمرية اضرب زيداً، الآن هل يمكن للسامع أن يقول كذبت؟ أقول كذبت على ماذا؟ أنا أقول لك اضرب زيداً تقول لي كذبت! عندما أقول هل جاء عمر اليوم؟ هل يمكن للسامع أن يقول كذبت؟ لا يمكن أن يوجه لك الصدق والكذب في هذه الحالة؛ لأن هذه الجملة بطبيعتها لا تتضمن تصديقاً ولا تكذيباً، فهذا النوع من الجملة أو من الكلام يسمى إنشاءً. إذاً عرفنا الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء باعتبار ماذا؟ باعتبار هل يمكن توجيه الصدق والكذب إليه أو لا يمكن توجيه الصدق والكذب إليه؟

الآن الجملة الإنشائية المناطقة يسمونها ماذا؟ فقط يسمونها نسبة كلامية إنشائية، هي نفس المعنى. نحن نسميها في النحو جملة إنشائية، عند المناطقة بالتفصيل ماذا نسبة كلامية إنشائية. الآن الطالب قد يكون يعرف معنى أو مدلول الكلمة في علم آخر، لكن عندما يأتي في علم المنطق يجد الكلمة المصطلح صعب معقد يظن أنه شيء جديد، لا هو نفس المصطلح الذي تدرسونه في النحو، الجملة الإنشائية هي النسبة الكلامية الإنشائية، والنسبة الكلامية الخبرية هي الجملة الخبرية. وبالتالي أيها الأحبة يتلخص عندنا أن النسبة الداخلية ثلاثة أنواع، النسبة الداخلية والتي هي إدراك علاقة بين كلمة وأخرى في داخل الذهن على ثلاثة أنواع، إما أن تكون نسبة تقييدية إذا كان هذا التركيب لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها، وإما أن يكون نسبة كلامية إنشائية إذا أفاد فائدة...

أما أن يفيد نسبة كلامية خبرية إذا أفاد فائدة يحسن السكوت عليها، وكان من قبيل الخبر. جميل، وعرفنا لماذا سميت بالنسبة الداخلية، طبعاً لأنها عملية تحليل، الآن في النسبة الداخلية في جميع الأحوال، سواء نسبة تقييدية أو إنشائية أو خبرية، عملية التحليل تتم داخل الذهن فقط، لذلك سميت نسبة داخلية. الآن نبدأ بالتفصيل الذي ذكرناه أمامكم؛ نبدأ النسبة التقييدية، قلنا تقييد كلمة بكلمة أخرى على وجه لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها.

طبعاً بعض الكلمات فيها خطأ في الإملاء سرعة الطباعة، يحسن السكوت عليها، عدلوا يحسن. وفي هذا النوع لا يوجد عندنا موضوع ومحمول. الآن أيها الأحبة، في النسبة التقييدية، النسبة التقييدية ليست كلاماً، أي ليست لا جملة اسمية ولا جملة خبرية، إذاً لا يوجد عندنا فيها محمول وموضوع؛ لأن المحمول والموضوع إنما فقط في الجمل الكلامية سواء كانت إنشائية أو خبرية، أما النسب التقييدية لا يوجد عندنا فيها موضوع ولا محمول. طيب، ما أنواع النسب التقييدية في لسان العرب؟ لها عدة أنواع، أنا اقتصرت على أهم هذه الأنواع وهي الصفة مع الموصوف، فعندما نقول: جاء محمد العالم، الآن وصفت محمداً بأنه عالم. الآن أنت لا تنظر إلى كلمة جاء، الجملة بالتركيب النهائي جاء محمد العالم، ليس التقييد هل هي إنشائية أو خبرية؟ اختبار خبرية لأنها تحتمل الصدق والكذب. جميل، الآن الكلام عن محمد العالم، هذا التركيب، وصفت محمداً بأنه العالم، إذاً قيدت محمداً بالعلم، هذا يسمى نسبة تقييدية. ولو قلت محمد العالم وسكت، طبعاً أحياناً تصلح أن تكون جملة خبرية إذا أردت الحصر، ولكن لو أردت الوصف بها لغة، محمد العالم تريد أن تقول جاء ذهب قعد، الآن إذا لم تأتِ بالخبر ولم تأتِ بالحكم ولم تقصد بكلمة العالم الحكم، في هذه الحالة تسمى هذه النسبة نسبة تقييدية من قبيل الوصف مع الموصوف، هذا أول نوع من أنواع النسب التقييدية. النوع الثاني المضاف مع المضاف إليه، كما قلنا غلام زيد وباب المسجد وباب المصنع، وعلى ذلك فقس، تقيد المضاف بالمضاف إليه، ولكن هذا التقييد وهذا التركيب لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها، فغلام زيد هذا مركب كلمة ما، لكن المركب يسمى نسبة تقييدية من قبيل المضاف مع المضاف إليه. وذكرنا مثلاً في الدرس الماضي مثلاً محمد بن عمر جاء، قلنا محمد بن عمرو كذلك هذه نسبة الأبوة والبنوة تعتبر عندهم من النسب التقييدية، ولكن أنا استغنيت بذكر هذين المثالين فقط على النسب التقييدية: الصفة مع الموصوف والمضاف مع المضاف إليه.

طيب، ننتقل إلى النوع الثاني النسبة الكلامية الإنشائية. الآن العلاقة بين الموضوع والمحمول في النسبة الكلامية الإنشائية، أو في الجملة الإنشائية كما قلنا تسمى نسبة كلامية إنشائية، وهي تعتبر من قبيل المفردات عند المناطقة، وذكرنا الأمثلة: زيدا، وهل قام عمرو؟ الآن أيها الأحبة الجمل الإنشائية بجميع أنواعها، الجمل الإنشائية بجميع أنواعها من النسب الداخلية، ودائماً الجملة الإنشائية من قبيل المفردات، هذا أريد أن تحفظه؛ لأن هناك فرقاً بين الجملة الإنشائية والخبرية. الجملة الإنشائية دائماً من قبيل المفردات؛ لأنها دائماً تكون ضمن النسبة الداخلية ولا يمكن أن تخرج لتصبح نسبة خارجية، بخلاف الجملة الخبرية على ما سيأتي تفصيله.

النوع الثالث من أنواع النسب الداخلية النسبة الكلامية الخبرية. الآن النسبة الكلامية الخبرية هي التي فصلنا فيها الدرس الماضي وأطلنا فيها الكلام. قلنا النسبة الكلامية الخبرية هي عبارة عن جملة اسمية أو جملة فعلية، لكن المناطقة عن هذا المعنى بمصطلح أدق يقولون إن النسبة الكلامية الخبرية هي العلاقة بين المحمول والموضوع مع اعتبار الإثبات أو النفي، أحياناً يقولون الإيجاب أو السلب ما في إشكال، سنن الإيجاب أو السلب، الإثبات أو النفي المصطلح واحد، أو المدلول واحد عفواً. إذاً نعود، النسبة الكلامية الخبرية، الآن هذا النوع الثالث من أنواع النسب، النسبة الداخلية. النسبة الكلامية الخبرية يعرفها المناطقة بأنها العلاقة بين المحمول والموضوع مع اعتبار الإيجاب أو السلب، أو مع اعتبار الإثبات أو النفي. النسبة الكلامية الخبرية أيها الأحبة لها اسم آخر، تسمى ماذا؟ حكم الجملة، هذا مصطلح مهم؛ لأنكم ستجدونه في كتب الأصول، ستجدونه في كتب البلاغة، فأنا يهمني الطالب أن يعرف تعدد المصطلحات، كلها تعددات ولكن المدلول في النهاية واحد، فالنسبة الكلامية الخبرية هذا النوع الثالث يسمى كذلك حكم الجملة.

الآن لو قيل لك أيها الحبيب عبر عن النسبة الكلامية الخبرية، فسر لي النسبة الكلامية الخبرية. الآن الأصل ذكرنا أن النسبة الكلامية الخبرية الآن هي فقط عملية تحليل ذهني، فليس لها وجود في الخارج، لكن لو قيل لك عبر عنها باللسان، فهم الطالب ما هي النسبة الكلامية الخبرية، فنقول لك اتبع الخطوات الآتية إذا أردت أن تصل إلى النسبة الكلامية الخبرية. الخطوة الأولى حتى يعبر الإنسان عن النسبة الكلامية الخبرية أن يأتي أولاً بما يسمى مضمون الجملة. مضمون تعدد المصطلحات، يأتي في الخطوة الأولى بما يسمى مضمون الجملة. الآن ما مضمون الجملة كما عرفنا؟ هي العلاقة بين المحمول والموضوع بقطع النظر عن الإيجاب أو السلب. ايش الفرق بين النسبة الكلامية الخبرية ومضمون الجملة؟ النسبة الكلامية الخبرية العلاقة بين المحمول والموضوع مع النظر إلى الإيجاب والسلب، مضمون الجملة لا، العلاقة بين المحمول والموضوع بقطع النظر عن الإيجاب والسلب. إذاً الخطوة الأولى حتى نصل أو حتى نعبر عن النسبة الكلامية الخبرية أن نأتي بما يسمى مضمون الجملة.

الآن كيف نأتي بمضمون الجملة؟ نتبع الخطوات الآتية: ننظر في المحمول، الخبر في الجملة الاسمية أو الفعل في الجملة الفعلية، وعليكم السلام. إذا كان الخبر في الجملة، أو كان الفعل، والفعل بطبيعته من المشتقات، إذا كان مشتقاً إذا كان المحمول من المشتقات، اسم فاعل اسم مفعول صفة مشبهة صيغة مبالغة أفعل تفضيل، وكذلك الفعل، الفعل في الجملة الفعلية من المشتقات، إذا كان المحمول من المشتقات فإننا نأتي بمصدر المشتق، هذه الخطوة الأولى، نأتي بالمصدر فنضعه في البداية، ثم نأتي بعد ذلك بالموضوع مضافاً إليه. مثال ذلك هو الأمثلة هي التي توضح، عندما قلنا زيد قائم في الجملة أمامكم، أقول لك بمضمون هذه الجملة، فالخطوة الأولى ماذا تفعل؟ تذهب إلى المحمول، تعين المحمول، تذهب إليه، المحمول ما هو؟ الخبر قائم، قائم تنظر تحدد هل هي مشتقة أو جامدة؟ مشتقة لأنها اسم فاعل، مباشرة تأتي بالمصدر، القيام، نضع القيام في البداية، ثم نأتي بالموضوع فنجعله مضافاً إليه، فنقول: قيام زيد، هذا هو مضمون الجملة، انتهت.

الآن مثال ثانٍ، الآن لاحظوا جملة زيد قائم مثبتة أو منفية؟ مثبتة، لكن عندما أتينا بمضمون الجملة لم ننظر إلى قضية الإثبات ولا إلى قضية السلب. نأخذ المثال الآخر: ليست صلاة الوتر واجبة، الآن ما هو المحمول؟ أين المحمول في هذه الجملة؟ واجبة، لأن المحمول هو مباشرة الخبر، لذلك أيها الأحبة الطالب في علم المنطق ينبغي أن تكون عنده بعض قواعد علم النحو، أما طالب يبدأ في المنطق من دون علم النحو أبداً، ربما لن تسعفه الأمور. الطالب يأخذ بعض الدروس في علم النحو إذا أراد أن يستمر أو أن يفهم المقصود. الآن المحمول هو الخبر واجبة، الخبر هل هو مشتق أو جامد؟ مشتق، واجبة على وزن فاعلة أسماء الفاعل، إذاً نأتي بالمصدر الوجوب نضعه في البداية، ثم نأتي بالموضوع ونجعله مضافاً إليه، الموضوع ما هو؟ صلاة الوتر، مضمون هذه الجملة وجوب صلاة الوتر. الآن الجملة الأصل منفية ليست صلاة الوتر، لكن لما أتينا بالمضمون لا ننظر إلى الإيجاب ولا إلى السلب، فخطأ إذا قال لك عبر عن مضمون الجملة تقول ليست أو تضيف عدم، آه وجوب صلاة الوتر، نقول أخطأت هذا ليس المضمون لأنك أضفت السلب في البداية؛ إذا قلت عدم وجوب صلاة الوتر، عدم هي بدلاً عن كلمة ليس، لو قلت عدم وجوب صلاة الوتر نقول لك أخطأت هذا ليس مضمون الجملة لأنك أضفت السلب في البداية. نقول لك فقط ائتِ بالموضوع والمحمول على الطريقة التي ذكرناها، فمضمون الجملة وجوب صلاة الوتر بقطع النظر عن السلب الذي في مطلعها.

الحالة الثانية أيها الأحبة، أن يكون المحمول جامداً ليس من المشتقات، مثل أسماء الأجناس المال والماء وما شابه ذلك، إذا كان المحمول جامداً في هذه الحالة نتبع الخطوات الآتية إذا أردنا أن نأتي بمضمون الجملة: الخطوة الأولى نضع كلمة الكون في البداية، نضع كلمة الكون مصدر كان يكون كونا، نضع كلمة الكون في البداية، ثم نأتي بالموضوع، فنجعله مضافاً إليه، ثم نأتي بالمحمول فنجعله خبراً للكون. مثال ذلك: ما زيد أسداً، الآن ننظر في المحمول، أين المحمول؟ أسد لأنه الخبر، الآن هل هو مشتق أو جامد؟ جامد اسم على جنس على حيوان، إذا كان جامداً مباشرة يذهب الذهن، نذهب إلى كلمة الكون نضعها في البداية فنقول: كون، ثم نأتي بالموضوع فنجعله مضافاً إليه أين الموضوع؟ زيد، ونأتي بالمحمول فنجعله خبراً للكون، فيصبح: كون زيد أسداً، ولا ننظر إلى الإيجاب ولا إلى السلب. المثال الثاني: الدرهم مال، مال هو المحمول جامد أو مشتق؟ جامد، إذاً مباشرة إذا أردنا أن نأتي بالمضمون نأتي بالكون، فنقول: الكون، ثم نأتي المبتدأ أو الموضوع مضافاً إليه فنقول: مضمون هذه الجملة كون الدرهم مالاً، ولا ننظر كما قلنا لا إلى الإيجاب ولا إلى السلب.

الآن هذه هي الخطوة الأولى الاتيان بمضمون الجملة وعرفنا التفصيل فيها. الخطوة الثانية نحن نريد أن نصل إلى ماذا أيها الأحبة؟ دائماً تذكروا نحن نريد أن نصل إلى النسبة الكلامية الخبرية، أن نعبر عنها، يعني أن نعبر عنها، أن نعبر ماذا يحدث داخل الذهن. والطالب يقول أعبر عن ماذا؟ الآن أعبر عن الجملة أقصد به أن أعبر عن العملية التحليل الذهني، الآن أنت في ذهنك تحدث في في الذهن في ذهن الإنسان تحدث هذه العملية، الإنسان يقوم بالاتيان بمضمون الجملة ويقوم بعد ذلك بالاتيان بالنسبة الكلامية الخبرية إذا أراد أن يفهم الجملة قبل الحكم عليها باعتبار الواقع الخارجي، ربما هذه العملية معك أجزاء من الثانية لكنها عملية موجودة، أنك تأتي بمضمون الجملة وتأتي بالنسبة الكلامية الخبرية ثم تنظر بعد ذلك في مطابقة هذه الجملة للواقع أو لا، عمليات سريعة، المناطقة يتأملون فيها ويخرجوها على كما يقولون بالعرض البطيء، تحدث كذا ثم كذا ثم كذا، فهذا الذي يقصده المناطقة. الخطوة الثانية إذاً حتى نأتي بالنسبة الكلامية الخبرية أولاً أتينا بمضمون الجملة، فقط تأتي بالإيجاب أو السلب الموجود في الجملة الأصلية فتضيفه إلى مضمون الجملة، فتكون أنت الآن أتيت بالنسبة الكلامية الخبرية. مثال ذلك: زيد قائم، دعونا نأتِ بالنسبة الكلامية الخبرية لها، نقول الخطوة الأولى نأتي بمضمون الجملة وأتينا بقيام زيد، الآن إذا أردت أن تأتي بالنسبة الكلامية الخبرية تنظر في الجملة الأصل زيد مثبتة أو منفية؟ مثبتة، فنضيف كلمة ثبوت قيام زيد على كلمة المضمون أو على مضمون الجملة، فتكون أنت الآن أتيت بالنسبة الكلامية الخبرية. إذاً النسبة الكلامية الخبرية زيد قائم ثبوت قيام زيد، هذه العملية تحدث داخل الذهن.

الآن الجملة الثانية التي تكلمنا عنها: ليست صلاة الوتر واجبة، الآن أتينا بمضمون الجملة وجوب صلاة الوتر، إذا أردنا أن نأتي بالنسبة الكلامية الخبرية لها ننظر في الأصل هل هو مثبت أو منفي؟ هنا منفي ليس، إذا نضيف كلمة العدم، عدم إلى مضمون الجملة فنقول: عدم وجوب صلاة الوتر، هذه هي النسبة أو هذه هي النسبة الكلامية الخبرية لجملة ليست صلاة الوتر واجبة. وهذه العملية دائماً تذكروا تحدث أين؟ فقط في داخل الذهن، نحن نعبر عنها باللسان من أجل أن يفهم الطالب ما الذي يحدث، ولكنها تتم فقط داخل الذهن، لذلك هي من أنواع النسب الداخلية الكلامية الخبرية تسمى حكم الجملة.

الآن انظروا إلى التنبيه أيها الأحبة، قلنا تنبيه النسبة الكلامية الخبرية لها مرحلتان، النسبة الكلامية الخبرية التي هي الجملة الخبرية الآن لها مرحلتان: المرحلة الأولى مرحلة التحليل داخل الذهن، وهي في هذه المرحلة تكون من النسب الداخلية وتكون إذاً بالتالي من قبيل المفردات. المرحلة الثانية بالنسبة الكلامية الخبرية هي مرحلة النظر في الواقع الخارجي، الآن هل هذه النسبة الكلامية الخبرية، أي هل الجملة الخبرية مطابقة للواقع الخارجي أو لا؟ وهذا ليس من قبيل المفردات وإنما هو من قبيل التصديقات كما سيأتي معنا، لكن أردت التنبيه على هذه القضية أن أي جملة خبرية بعبارة المناطقة أي نسبة كلامية خبرية لها مرحلتان، المرحلة الأولى مرحلة في داخل الذهن، ففي هذه المرحلة تكون النسبة الكلامية الخبرية من قبيل المفردات لأنها من قبيل النسب الداخلية، المرحلة الثانية مرحلة النظر في الواقع الخارجي، هل هذه النسبة الكلامية الخبرية مطابقة للواقع الخارجي أو ليست بمطابقة؟ في هذه المرحلة لا يكون من قبيل المفردات بل يكون من قبيل النسب التي متعلقها التصديق، ولا تكون تصوراً.

أما الجملة الإنشائية التي سميناها النسبة الكلامية الإنشائية فدائماً هي فقط في مرحلة واحدة لا يوجد لها مرحلة ثانية، لماذا؟ لماذا النسبة الكلامية الإنشائية دائماً من قبيل النسب الداخلية لا يمكن أن يكون لها مرحلة أخرى في الخارج؟ لأن المرحلة الأخرى في الخارج هي مرحلة هل هذه الجملة صادقة أو كاذبة؟ والجملة الإنشائية لا يمكن أن تقول لها في الخارج هل هي صادقة أو كاذبة؟ إذاً دائماً ستبقى ضمن النسبة الداخلية، دائماً ستبقى ضمن النسبة الداخلية ولن تنتقل إلى مرحلة أخرى معنا، الذي سينتقل الآن معنا النسبة الكلامية الخبرية، أما النسبة الإنشائية فودعناها في النسب الداخلية وانتهى الأمر معها جميعاً، إذاً الآن من قبيل المفردات، دعوا الأسئلة في آخر الدرس حاولوا أن حتى يعني نستغل الوقت. إذاً المفردات.

ذكرنا الموضوع من قبيل المفردات، وذكرنا المحمول من قبيل المفردات، وذكرنا النسبة الداخلية من قبيل المفردات. وقسمنا النسبة الداخلية إلى نسبة تقييدية، ونسبة كلامية إنشائية، ونسبة كلامية خبرية، وعرفنا أن النسبة الكلامية الخبرية تسمى كذلك حكم الجملة، ولها كيف نعبر عنها في الواقع الخارجي؟ هذه النسبة الكلامية الخبرية. الآن بقي علينا النوع الرابع والأخير من أنواع المفردات، وهو يتعلق بالنسبة الخبرية. الآن أصلنا قبل قليل أن النسبة الكلامية الخبرية في داخل الذهن عملية تحليلها تكون من النسب الداخلية.

معها الآن إلى مرحلة جديدة، وهي مرحلة النظر في مطابقتها للواقع الخارجي. وقلنا الأصل أننا إذا انتقلنا مع النسبة الخبرية إلى النظر في مطابقتها للواقع الخارجي، أنه ليس من قبيل المفردات، وأن هذا متعلق بالتصديق. لكن هناك حالة واحدة نكون نطابق بين النسبة الكلامية الخبرية والواقع الخارجي، ومع ذلك تكون من قبيل المفردات. ما هي هذه الحالة؟ الآن أيها الأحبة، عندما يدرك الإنسان مطابقة جملة للواقع الخارجي وعدم مطابقتها، يمكن أن يصل إلى مرحلة اليقين مائة بالمائة أن هذه الجملة صادقة أو كاذبة، صحيح؟ يمكن أن يصل إلى مرحلة غلبة الظن أن هذه صادقة أو كاذبة، لم يصل إلى درجة اليقين الكامل. مثل النظريات العلمية، النظريات العلمية هي نسبة كلامية خبرية، صحيح؟ أنت الآن قد تصل إلى درجة اليقين مئة بالمئة أنها صادقة مطابقة للواقع. قد العلماء لا يصلون أحياناً إلى مئة بالمئة، يصلون إلى ثمانين بالمئة أنها مطابقة للواقع الخارجي، إلى سبعين بالمئة أنها مطابقة للواقع الخارجي، في هذه الحالة يكون هذا الإدراك من قبيل الظن.

جميل، المرحلة الثالثة من مراحل الإدراك. الآن المرحلة الأولى من مراحل الإدراك كانت مرحلة اليقين مئة بالمئة، المرحلة الثانية مرحلة الظن، المرحلة الثالثة أو المرتبة الثالثة من مراتب الإدراك للنسبة الكلامية الخبرية باعتبار الواقع، مرحلة الشك. مرحلة الشك عند وأركز عند المناطقة، لأن الشك عند المناطقة يختلف عن الشك عند الفقهاء؛ الشك عند الفقهاء يشمل غلبة الظن ما لم يصل إلى اليقين. الشك الآن بالاصطلاح المنطقي هو ما استوى فيه الطرفان، يعني إدراكك لهذه النظرية هل هي مطابقة أو ليست بمطابقة؟ خمسين بالمئة خمسين بالمئة، بالضبط خمسين بالمئة خمسين بالمئة، فيقولون تحتمل الشيء وتحتمل نقيضه على التساوي؛ يعني تحتمل أن تكون صادقة خمسين بالمئة وتحتمل أن تكون كاذبة خمسين بالمئة، هذا الإدراك يسمى ماذا؟ شك. هناك مرتبة؟ قال: نعم، بعد الشك يوجد ما يسمى بالوهم، الوهم أن تدرك الشيء ولكن في أغلب الظن أنه ليس على هذه الصورة، فتقول مثلاً هذه جملة صادقة أربعين بالمئة، ثلاثين بالمئة وستين بالمئة وسبعين بالمئة أنها كاذبة، الآن الثلاثين بالمئة والأربعين بالمئة نسمي هذا الإدراك وهماً، هذا أدنى من الشك.

الآن أيها الأحبة لو أن إنساناً نعود إلى الأصل، لو أدرك النسبة الكلامية الخبرية باعتبار مطابقتها للخارج وعدم مطابقتها للخارج بالشك أو بالوهم في الواقع الخارجي فوجدها صادقة، لكن عنده شك أنها كاذبة خمسين بالمئة، هل هذا الإدراك للنسبة الكلامية الخبرية في الخارج من قبيل التصديقات في اصطلاح المناطقة؟ لا، تبقى الجملة في هذه الحالة ضمن دائرة التصورات، وتبقى من قبيل المفردات كذلك، مع أن فيها فقد الواقع الخارجي، ولكن لأن الإنسان بقي في دائرة الشك يقولون إذا إدراكه هذا كأنه لا يعتبر، لا عبرة به.

جميل، وكذلك لو أدرك الإنسان النسبة الكلامية الخبرية باعتبار الواقع الخارجي وهماً؛ يعني أدرك أنها صادقة ثلاثين بالمئة ووقف مع هذا الوهم، هو يقول هذه جملة صادقة ثلاثين بالمئة، أنا هكذا أدركتها. إذاً أنت يغلب على ظنك أنها كاذبة لكن هو وقف مع الوهمي، الآن وقوفه مع الوهم سواء لقرينة، سواء لغلبة الهوى عليه، هناك إنسان يغلبه الهوى، يقول أنا أريد أن أقف مع الوهم، ويعلم أن غلبة الظن ليس هكذا، ولكنه وقف مع الوهم. الآن إدراك النسبة الخبرية باعتبار الواقع الخارجي على صورة الوهم أي فما أدنى من خمسين بالمئة، في هذه الحالة يعتبر النسبة الكلامية مفرداً، ويعتبر إدراكها تصوراً ولا يعتبر تصديقاً، وهذه هي طريقة المناطقة أيها الأحبة؛ المناطقة عندهم الشك والوهم ليس من قبيل التصديقات، وإنما من قبيل التصورات.

طب الآن ننظر إلى هذه اللوحة التي ترونها أمامكم، هذه اللوحة هل تصلح على طريقة المناطقة؟ الآن لاحظوا الشك والوهم أين وضعناه؟ وضعناه ضمن دائرة التصديق، الخطوط كثيرة لكن حاولوا أن تتبعوا التصديق؛ أصلناه إلى نظري وضروري، ونعرف بإذن الله ما هذا التقسيم، النظري قسمناه غير الجازم، غير الجازم هو الظن والشك والوهم. الشك والوهم هنا جعلناه من التصديقات، إذاً هي الطريقة هي طريقة الأصولية، طريقة الرازي ومن تبعه؟ الرازي ومن تبعه بكثير من الأصوليين لا، يذهبون إلى أن الشك والوهم يعتبر من قبيل التصديقات وليس من قبيل التصورات، فلا يعدون النسبة الكلامية الخبرية بالشك أو الوهم مفرداً، ولا يعدون إدراكها تصوراً؛ يقولون لا هو كذلك من قبيل التصديقات. والخلاف أيها الأحبة بين المناطقة وبين هذه الطائفة من الأصوليين دائر على ماذا؟ طبعاً الآن أريحك، أغلب كتب الأصول على هذه الطريقة، يعدون الشك والوهم من قبيل التصديقات. أحياناً أنا أضطر أدخل في بعض الخلافات لأن الطالب قد يدرس علم الأصول، الورقات ما أعلى من الورقات، ينظر يجد الكلام الذي يدرسه في الأصول مبايناً للكلام الذي درسه في المنطق فيظن أن هناك تناقضاً، لا ليس هناك تناقض، لكن كل علم له مصطلحه، فالطالب ينبغي أحياناً أن يقف على بعض أوجه الخلاف حتى لا يقع في التناقض.

الخلاف بين المناطقة وبين الأصوليين في هذه الجزئية هو أن الشك والوهم هل يسمى حكماً أو لا؟ هنا الخلاف بينهم، فالمناطقة لا يرونه حكماً، يقولون هذا ليس حكماً، لم نحكم على هذه، أنت إنما حكمت عليها بالشك، قال هذا لا يسمى حكماً. الحكم عند المناطقة ما كان يقيناً أو بغلبة ظن، وهو ما يسمونه الإذعان والتسليم، فالمراد بالإذعان والتسليم هو ما إدراكه يقيناً أو بغلبة الظن أو بالظن، لا أقول غلبة الظن ده هو عند الفقهاء أو بالظن، الآن الشك والوهم أيها الأحبة عند المناطقة يقولون فهذا ليس حكماً، أنت لم تحكم على الجملة بشيء، أنا لم أستفد منك شيئاً عندما جعلتني في دائرة الشك أو عندما أوقفتني مع الوهم، لم أستفد شيئاً فقالوا هذا ليس حكماً.

الرازي ومن تبعه يقولون لا الشك حكم، هو حكم على الجملة بالصدق مع احتمال النقيض المساوي، ويقول كذلك الوهم حكم، حكم على الشيء مثلاً بالصدق مع احتمال ضد راجح، الوهم أن تحكم على الشيء بصدق أو بالكذب مثلاً مع احتمال الضد الراجح لأن الراجح هو الأعلى، جيد؟ فقال هذا هو حكمه، إذاً الخلاف دائر بينهم، هل يسمى الشك حكماً؟ وهل يسمى الوهم حكماً أو لا يسمى؟ الأصوليون قالوا هو من حكم على الجملة إدراكاً حقيقياً لها باعتبار الواقع الخارجي فنجعله من قبيل التصديقات، أما المناطقة فهذا اصطلاحهم، أنه لا يعتبر من قبيل التصديقات ولا يعتبر إلا من قبيل المفردات التي يكون إدراكها تصوراً. لذلك قلنا في القسم الرابع من أقسام المفردات، النسبة الكلامية الخبرية باعتبار مطابقتها لما في الخارج مع عدم الوصول إلى الإذعان والتسليم، هذا كذلك من قبيل.

ما معنى مع عدم الوصول إلى الإذعان والتسليم؟ أي أننا بقينا في الشك والوهم، لم نصل إلى الظن ولا إلى اليقين، ففي هذه الحالة بقينا في دائرة المفردات، فيكون إدراك الجملة الكلامية الخبرية وبالنسبة للكلام الخبرية في الخارج مع وجود الشك واليقين، وجود الشك أو الوهم يعتبر تصوراً كذلك. انتهينا من هذه الجزئية. إذاً هذه الأنواع الأربعة التي يتشكل منها المفرد، أحد الإخوة لو يخبر الأخ المسؤول عن المكيف، جميل، إذاً هذه الأنواع الأربعة أيها الأحبة؛ المحمول والموضوع والنسبة الداخلية بأنواعها، والنسبة الكلامية الخبرية باعتبار الخارج مع عدم الإذعان والتسليم هي المفردات، وإدراك كل هذه الأمور الأربعة يسمى ماذا؟ إدراك كل هذه الأمور الأربعة يسمى تصوراً، لأن التصور ماذا قال الأخضري في المنظومة؟ إدراك مفرد تصور العِلم، وهذه كلمة المفرد كلمة ليست كلمة صغيرة، البعض من إدراك مفرد هذه سهلة يا شيخ الأمور، لا، كلمة المفرد كلمة كبيرة تسطر فيها أقلام وتسطر فيها الصفحات، نعم، إذاً إدراك هذه الأمور الأربعة كما قلنا يسمى تصوراً.

لماذا سمي تصوراً؟ وهذا ذكرناه كثيراً، لأنه كما يقولون، أنت عندما مثلاً تدرك معنى الزكاة أو تدرك معنى واجبة، هذا الإدراك هو إحداث صورة في الذهن. كيف الآن الصورة التي تأخذها، الصورة الفوتوغرافية تضعها أمامك، الآن عندما تتصور معنى الموضوع أو عندما تتصور معنى المحمول، تتصور معنى الزكاة، أنت تضع لها صورة في داخل القوة العاقلة، عندما تتصور معنى واجبة أنت تضع لكلمة الوجوب صورة في القوة العاقلة، فلأنها هي عملية إحداث صورة للشيء في الذهن أو في القوة العاقلة سُمي هذا تصوراً، ومن هنا أُخذت التسمية. طيب نطبق الأمثلة التي ترونها أمامكم. مثال الأول: زيدٌ قائمٌ. الآن أيها الأحبة، أين هو الموضوع؟ زيدٌ، إذاً الموضوع من قبيل المفردات، إدراك زيد، إدراك معنى زيد يعتبر تصوراً لأنه إدراك لمفرد. قائم أيها الأحبة هي المحمول، والمحمول كذلك من قبيل المفردات فإدراكه، معنى قائم يعتبر كذلك تصوراً. الآن إدراك النسبة الكلامية الخبرية، ما هي النسبة الكلامية الخبرية في داخل الذهن؟ من يعبر عن النسبة الكلامية الخبرية؟ لا، قيام زيد ليست نسبة كلامية أيها، ثبوت قيام زيد، قيام زيد بدون الثبوت هذا المضمون، جميل، إذاً النسبة الكلامية الخبرية ثبوت قيام زيد. إدراك النسبة الكلامية الخبرية في داخل الذهن كذلك من قبيل التصورات. المرحلة الرابعة والأخيرة هي مرحلة النظر في الواقع الخارجي. الآن أيها الأحبة، النسبة الكلامية الخبرية إذا تم إدراكها في داخل الذهن لم يبقَ إلا المرحلة الأخيرة، وهي النظر هل هي مطابقة للواقع الخارجي أو لا، لكن إذا كانت المطابقة أو عدم المطابقة كما قلنا ضمن دائرة الشك والوهم فإنها كذلك تعتبر من قبيل التصورات، لذلك كما قلنا ثبوت قيام زيد في الخارج، مع عدم الإذعان والتسليم، المراد من عدم الإذعان قلنا ماذا؟ الشك والوهم باختصار، كذلك يعتبر من قبيل التصورات.

إذاً أي جملة أيها الأحبة خبرية الذهن تقوم فيها بممارسة هذه العمليات، وإن قلنا كما ذكرنا أيها الأحبة إدراك هذه العمليات يتم في أجزاء من الثانية، هذه العمليات؛ عملية تصور الموضوع والمحمول وتحليل النسبة الكلامية الخبرية في داخل الذهن، ثم نظر في مطابقتها للواقع، ربما لا تأخذ معك أقل من عشر ثوانٍ، لكن هذه العملية بما أنها، لكن المناطقة يفصلونها بالتفصيل الدقيق حتى يعرف الطالب كيف تتم عملية التحليل الذهني للمعلومات ليبني على ذلك الأمور الأخرى. مثلاً ما جاء المثال الثاني: زيدٌ هو الموضوع، صحيح، إذاً إدراكه يسمى تصوراً. جاء المحمول إدراكه يسمى تصوراً. النسبة الكلامية الخبرية في داخل الذهن عدم ثبوت قيام زيد أو عدم ثبوت مجيء زيد، وهذه كما قلنا داخل الذهن. الحالة الرابعة والأخيرة، إذا أدركت هذه النسبة في الخارج ضمن دائرة الوهم أو الشك يكون كذلك من قبيل التصورات.

طيب هنا ملاحظة قبل أن ننتقل إلى التصديقات، هذه الملاحظة أيها الأحبة، يعني المناطقة لماذا عندما يتكلمون عن المفردات يتكلمون عنها باعتبارها أجزاء في جملة؟ يعني ألا توجد السماء؟ يعني كلمة السماء وحدها ألا تعتبر من قبيل المفردات؟ لماذا نحتاج أن نقول المحمول والموضوع؟ أنا أريد الطالب أولاً يفهم الإشكال حتى يفهم الجواب. نقول المناطقة لماذا يبحثون في المفردات باعتبارها أجزاء في جمل؟ الآن قلنا ما هي المفردات؟ الموضوع والمحمول والنسبة الكلامية الخبرية، لماذا قالوا الموضوع والمحمول؟ الموضوع هو جزء من جملة، المحمول كذلك هو جزء من جملة، لماذا يعبرون عن المفردات باعتبارها أجزاء في جمل؟ لماذا لا يقولون المفرد هي أسماء الذوات وانتهينا؛ السماء والأرض والفلك والجوال والهاتف والطاولة والكرسي، لماذا يقولون بهذه المصطلحات موضوع محمول؟ نسبة كلامية، كأنهم دائماً يحومون حول الجملة. عرفنا الإشكال أين هو؟ لا يقولون المفرد هو أسماء الذوات، لا، بدل أن يقولوا أسماء الذوات يقولون ماذا؟ محمول وموضوع. عرفت، يقول المفرد هو المحمول والموضوع، فيعبرون عن أسماء باعتبارها أجزاء في جمل وليس باعتبارها أشياء مستقلة. يعبرون عن أسماء الذوات؛ يعني السماء والأرض، هم يتصورونها أجزاء في جملة ثم بعد ذلك ينبغي أن ندركها باعتبارها أجزاء في جملة وليس باعتبارها أسماء مستقلة لذوات موجودة في الواقع الخارجي.

هذا هو الإشكال، حل هذا الإشكال أيها الأحبة أن تفهم أن المناطقة وبشكل عام، حتى في اللغة، الأسماء المفردات أو الألفاظ التي تدل على مفردات ليست مقصودة لذاتها وإنما هي مقصودة لغيرها، فعندما وضعنا مثلاً الجرم الأزرق الذي نراه أو القبة التي نراها الزرقاء، لفظة السماء، وعندما وضعنا لذلك الجرم السماوي الذي يظهر في الليل اسم القمر، وعندما نضع للجرم الذي يخرج في النهار اسم الشمس، وعندما نضع اسم الهاتف والطاولة والكرسي والحاسب وما شابه ذلك، الآن هذه أسماء مفردات صحيح؟ هل هي مقصودة لذاتها؟ هي ليست مقصودة لذاتها، هي مقصودة لغيرها؛ بعبارة أخرى هي مقصودة كي توضع داخل جمل، أنا كلمة السماء وحدها ماذا أستفيد منها إذا لم أستخدمها في جملة؟ أنت تريد بكلمة السماء أن تضعها داخل جملة مفيدة يستفيد منها السامع شيئاً فأقول مثلاً: أمطرت السماء، والسماء غائمة، صحيح، هنا أستفيد أنا من أسماء المفردات، أما اسم المفرد وحده؛ الهاتف، حفظت اسم الهاتف مئة مرة، إذا لم أستخدمه في داخل جملة مفيدة لا فائدة من معرفة اسم المفرد، فالأسماء المفردة أو.

الكلمات التي تدل على أسماء الذوات أيها الأحبة، هذه الكلمات أيها الأحبة لا فائدة لها إلا في داخل الجمل. لذلك المناطقة يعبرون عنها باعتبارها أجزاء في جمل ولا يعبرون عنها باعتبارها أشياء مستقلة؛ لأن فائدتها المقصودة في ضمن الجمل. أما لو كانت أسماء ذوات كما قلنا في الواقع الخارجي، سميت هذا هاتفاً وسميت هذا سيارة، ولم تستفد من هذه الأسماء أو لم توظف هذه الأسماء في جمل، فإن فائدتها محدودة فقط أن تعرفت اسم شيء ولم تستخدمه، إذاً لا فائدة منه. لذلك هم ينظرون إلى المفردات باعتبارها أجزاء في جمل.

انظر يا الغزالي رحمه الله تعالى في معيار العلم ماذا يقول؟ يعبر عن هذه الفكرة بأسلوب آخر. نقلت هذا النص من كتاب معيار العلم، يقول المطلب الأقصى أي عند المناطقة هو البرهان أيها الأحبة. سيأتي معنا كما قلنا عندنا تصور وتصديق؛ التصديقات يستفيد منها المناطقة أو يوصل إليها عن طريق الحجج، والحجج هي الأقيسة، ومن أنواع الأقيسة البرهان. فالبرهان هو نوع من أنواع الأقيسة العقلية، وهو أهم أنواع الأقيسة العقلية عند المناطقة، ماذا؟ خاصة المناطقة الإسلاميين؛ لأنهم يبنون عقائدهم عليه. الآن العقائد الكلامية تبنى على البرهان، يثبتون أصول العقائد عن طريق البرهان. فغاية علم المنطق عند علماء الكلام الذين يتكلمون في العقيدة، غاية علم المنطق الوصول إلى البرهان. كيف أستطيع أن أكون برهاناً؟ أهمية البرهان أين عندهم؟ في بناء العقائد. لذلك الغزالي من كونه أحد علماء المنطق وأحد علماء الكلام الذين يبنون عقائدهم باستخدام الأقيسة والبراهين، يؤكد هذا المعنى؛ يقول المطلب الأقصى هو البرهان المحصل للعلم اليقيني؛ لأن البرهان هو القياس القطعي، فهو للإنسان العلم اليقيني.

قال: والبرهان نوع من أنواع القياس، إذ القياس اسم عام، والبرهان اسم خاص لنوع منه. الآن يقول لك هذا الذي يفيد، قال: والقياس لا ينتظم إلا بمقدمتيه؛ لأن كل قياس لا بد فيه من مقدمات. ثم قال: وكل مقدمة تنتظم إلا بمخبر عنه يسمى موضوعاً. الآن كل مقدمة، الآن مقدمات الأقيسة ما هي؟ هي إما هي الجمل الاسمية، هي الجمل الاسمية التي نتعامل معها: العالم حادث، والكون مخلوق، والله الصانع، وما شابه ذلك. فالمقدمات هي جمل. الآن قال: أي جملة لا تنتظم، أي أي مقدمة لا تنتظم إلا بمخبر عنه الذي هو المبتدأ يسمى موضوعاً، وخبر يسمى محمولاً. وكل موضوع أو محمول يذكر في قضية فهو لفظ، ويدل لا محالة على معنى. إذاً هذه الطريقة العقلية التي يفكر بها المناطقة، أننا نريد الوصول إلى البرهان، والبرهان مما يتألف؟ هو قياس، إذاً يتألف من مقدمات، والمقدمات هي جمل، والجمل مما تتركب؟ من موضوع ومحمول. لذلك نحن نحتاج إلى إدراك الموضوع والمحمول للوصول إلى الأقيسة، فنظرهم متعلق بالأقيسة وليس بالمفردات بحد ذاتها.

انظروا إلى الآن يعبر عن هذه الفكرة بصيغة أخرى، يقول: قال إذاً فالقياس مركب، مركب من مقدمات، وكل ناظر في شيء مركب فطريقه، أي الطريقة العقلية حتى يفهم هذا المركب، أن يحلل المركب إلى المفردات. يقول: أي شيء مركب حتى تفهمه لا بد أولاً أن تحلله إلى أجزائه. قال: ويبدأ بالنظر في الآحاد، أما في المركب هكذا الإنسان في عقله ينظر في المفردات ثم ينتقل إلى المركبات. قال: فلزم من النظر في القياس النظر فيما ينحل إليه القياس من المقدمات. عاد نفس الفكرة؛ إذاً إذا أردنا أن ننظر في القياس المنطقي، البرهان كأهم أنواعه أو غيره من الأقيسة، إذاً لا بد أن نحلله إلى مقدماته، ثم المقدمات هي بذاتها مركبة من موضوع ومحمول. قال: ومن النظر في ثم في ثم في المركبات، قال: فلزم من النظر في القياس النظر فيما ينحل إليه القياس من المقدمات، ومن النظر في المقدمات النظر في المحمول والموضوع اللذين منهما تتألف المقدمات، ومن النظر في المحمول والموضوع النظر في الألفاظ المفردة. إذاً فالوصول إلى الألفاظ والمعاني المفردة، فالنظر في الألفاظ والمعاني المفردة هو باعتبارها موضوعات تتألف منها المقدمات، والمقدمات تتألف منها الأقيسة.

لذلك المتكلمون وعلماء الكلام والمناطقة منهم يرون أن علم المنطق كله، أهم شيء فيه القياس، المقصد الأساسي من القياس، فحتى إدراك المفردات بل حتى التعاريف كما سيأتي معنا ليست مقصودة لذاتها، إنما هي مقصودة فقط للوصول إلى القياس وإلى البرهان خاصة، فهو المقصد الأسمى عند المناطقة وعند المتكلمين. إذاً انتهينا من المفرد، ويسمى إدراكه تصوراً، وعرفنا أنواعه. انتهت الساعة الأولى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبيه رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إذاً أيها الأحبة انتهينا من القسم الأول من أقسام المدرك. المدرك أيها الأحبة كما قلنا ينقسم باعتبار المعنى الذي يدرك، أو قلنا إدراك هو وصول النفس إلى المعنى بتمامه. إذاً هناك معنى ستصل القوة العاقلة إليه، وصول القوة العاقلة إلى المعنى يسمى إدراكاً، جميل. وعرفنا إذاً أن الشيء المدرك سيكون على نوعين، إما أن يكون مفرداً، وتقدمت أقسام المفرد الأربعة، وسمينا إدراك المفرد تصوراً.

الآن سنبدأ في القسم الثاني من أنواع الإدراك، وهو التصديق. إذاً النوع الثاني أيها الأحبة من أنواع الإدراك يسمى التصديق، وتسميته تصديقاً باعتبار ماذا؟ باعتبار الشيء الذي سيتم إدراكه في هذه الحالة. ما هو المعنى الذي سيتم إدراكه في هذه الحالة؟ في حالة التصديقات المعنى الذي سيتم إدراكه يسمى نسبة. الآن في حالة التصورات كان مفرداً، في حالة التصديقات يسمى نسبة. الآن مصطلح النسبة قد سبق معنا في النسبة الداخلية، يعني هذا المصطلح الظاهر أنه يتكرر عند المناطقة في أكثر من موضع، لأنه سمينا النسبة الداخلية قبل قليل. إذاً النسبة هنا قطعاً لها مصطلح خاص ليست على إطلاقها. فما المراد بالنسبة التي هي متعلق التصديق؟ المراد بالنسبة هنا أيها الأحبة هي النسبة الكلامية الخبرية باعتبار الواقع الخارجي.

لكن اشترطنا شرطاً: إذا توصل إلى هذه العلاقة، أو إذا توصل إلى إدراكها للواقع الخارجي على الإذعان والتسليم. نعم؛ لأنها إذا كانت النسبة الكلامية الخبرية باعتبار الواقع الخارجي لكن لم يتوصل إلى إدراكها على وجه الإذعان والتسليم، أي ليست على وجه اليقين والجزم، فإنها تبقى من ضمن المفردات. جميل، إذاً متعلق التصديق هو النسب. قال الأخضري رحمه الله: ودرك نسبة بتصديق وسم، إدراك مفرد تصوراً علم، ودرك نسبة بتصديق وسم. فعلق التصديق بالنسبة. ما هي النسبة؟ لا بد أن تبين المراد بالنسبة هنا: النسبة الكلامية الخبرية باعتبار الواقع الخارجي، طبعاً ضمن دائرة الإذعان والتسليم. تسمى كذلك النسبة الخارجية، لها اسم آخر ما هو؟ النسبة الخارجية. تسمى النسبة الخارجية. جميل، الآن إدراك النسبة الخارجية يسمى ماذا؟ إدراك النسبة الخارجية يسمى تصديقاً. إدراك النسبة الخارجية يسمى تصديقاً. وله اسم آخر أيها الأحبة يسمى كذلك حكم الجملة. يسمى كذلك حكم الجملة. لذلك مصطلح حكم الجملة سبق معنا، أين سبق معنا؟ بالنسبة الكلامية الخبرية في داخل الذهن سميناه حكم الجملة، وهذا أيضاً موضع آخر يسمى عند المناطقة بحكم الجملة. الآن استخدام مصطلح حكم الجملة هذا يكثر في استعمال الأصوليين، الأصوليون قد يستخدمون تصور وتصديق، لكن بدل التصديق كثيراً ما يستخدمون حكم الجملة. يقولون حكم.

أحياناً يسمونه الوقوع أو اللاحوقوع كذلك، هي مصطلحات عديدة لكن معنى واحد. الوقوع أو اللاحوقوع، حكم الجملة، النسبة، إدراك النسبة الكلامية الخبرية باعتبار الواقع الخارجي، التصديق، كلها مصطلحات متعددة والمعنى واحد. إذاً هناك مصطلح التصديق وهناك مصطلح حكم الجملة. نأخذ مثالاً، لو قلنا: جاء زيد. الآن جاء زيد، النسبة الكلامية الخبرية نأتي إلى النهاية خلاص، مرة معنا في التصورات ثبوت قيام زيد، هذه النسبة الكلامية الخبرية في داخل الذهن. عندما ننظر إلى مطابقتها للواقع الخارجي، إذا رأيناها أو أدركنا مطابقتها للواقع الخارجي يقيناً أو ظناً، نقول هذا الإدراك هو التصديق. فنقول مثلاً: هذه صادقة قطعاً، أو صادقة ظناً، أو كاذبة قطعاً، أو كاذبة ظناً. فالتصديق هنا يشترط أن يكون صدقاً، قد يكون كذباً، وإنما كما قلنا في السابق سمي تصديقاً باعتبار أشرف الاحتمالين، الأشرف هو الصدق فسمي تصديقاً مع احتمال أن يكون تكذيباً. فإذا كان هذا الإدراك على وجه الجزم أو على وجه الظن في هذه الحالة يكون من قبيل التصديقات، يسمى تصديقاً. قال ويسمى كذلك حكم الجملة. نعم. يعني حكمنا، لماذا سمي حكم الجملة؟ لأن حكمنا على الجملة بأنها صادقة أو كاذبة، من هنا أخذ مصطلح حكم الجملة.

وضعنا فائدة أن مصطلح حكم الجملة إذاً يطلق على أمرين: على النسبة الكلامية الخبرية باعتبار الذهن، إحدى أنواع النسبة الداخلية، وكذلك تطلق على إدراك النسبة الكلامية الخبرية باعتبار الواقع الخارجي. جميل، الآن ننطلق إلى مسألة مهمة وهي أن المناطقة أيها الأحبة هناك بينهم خلاف قوي جداً، يرحمك الله، هناك خلاف قوي جداً بين المناطقة في مفهوم التصديق. طب ألم نقل إن التصديق هو إدراك النسبة الكلامية الخبرية في الخارج على وجه الإذعان؟ إذاً ما هو الخلاف؟ نعم، الذي قررناه والذي قرره الأخضري هذا قول لطائفة من المناطقة، هناك قول آخر للمناطقة في مفهوم التصديق، ونحن لا نذكر الخلاف إلا إذا كان خلافه قوياً وعليه تنبني مسائل وأحكام.

الآن قبل أن نعرف الخلاف الدائر بين المناطقة في مفهوم التصديق، ينبغي علينا أن نقرر، ألا وهي عملية ذهنية تمر في عقل كل إنسان، أن أي عملية تصديق فإنها مسبوقة بثلاث عمليات تصورية. أي عملية آلية تصديق لا بد أن تسبق بثلاث تصورات. ما هي هذه التصورات؟ الآن التصديق يتعرض لمن؟ للجملة الخبرية. الآن الجملة الخبرية تتكون من ماذا؟ من موضوع ومحمول. الآن إدراك مطابقة الجملة الخبرية، أو النسبة الكلامية الخبرية لما في الخارج، لا بد أن يسبق بثلاث تصورات داخل الذهن: تصور الموضوع، وتصور المحمول، وتصور النسبة الكلامية الخبرية في داخل الذهن. إذا انتهينا إلى هذا التصور الثالث، ننتقل بعد ذلك إلى المرحلة الأخيرة وهي النظر إلى ما في الواقع الخارجي، وهذا هو التصديق على الاصطلاح الذي ذكرناه سابقاً.

إذاً أراد ذلك أيها الأحبة، هناك خلاف بين المناطقة في إدراك مفهوم التصديق. الطائفة الأولى وهي ما يسمى مذهب الحكماء، السعد التفتازاني، جرى مجراه من الجرجاني وغير هؤلاء الأئمة الكبار من المناطقة، يرون أن التصديق هو فقط إدراك النسبة الكلامية الخارجية على وجه ما تقدم ذكره. يقولون: هذا هو التصديق، والتصورات الثلاث السابقة، تصور الموضوع والمحمول والنسبة الكلامية الخبرية في الداخل، هذه للوصول إلى التصديق وليست من مفهوم التصديق. هذه شروط حتى نصل إلى التصديق. وكما يعلم من يدرس الفقه: ما الفرق بين الشرط والركن؟ الشرط ما كان خارج ماهية الشيء ولكن الشيء لا يكون إلا به، والركن ما كان في داخل الماهية. على مذهب الحكماء، مذهب السعد التفتازاني والقطب الشيرازي والشريف الجرجاني وغيرهم من المناطقة الذين نحوا هذا المنحى، يقولون التصورات الثلاث السابقة هذه شرط للوصول إلى التصديق وليست ضمن مفهوم التصديق، وعليها مشى الأخضري رحمه الله في السلم المنورق.

المذهب الثاني مذهب الإمام، إذا أطلق الإمام خاصة في علم أصول الفقه فالمراد به الرازي. المراد به الإمام الرازي، يقولون هو، يعني مصطلحات الأستاذ إذا أطلق، الأستاذ الإسفراييني أبو إسحاق، الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. جيد، الآن هذه مصطلحاته عندهم، الإمام هو العلامة الرازي رحمه الله تعالى. الرازي ومن نحى منحاه يقول: لا، التصديق هو مجموع كل هذه العمليات، التصديق عند الرازي مركب من مجموع هذه العمليات. فالتصديق عنده تصور الموضوع ثم المحمول ثم النسبة الخبرية في الذهن ثم النسبة الكلامية الخبرية في الخارج. هذه العمليات الأربع هي التي تسمى تصديقاً، فليس التصديق فقط عنده إدراك النسبة الكلامية في الخارج لا، التصديق هو تصور الموضوع والمحمول والنسبة الكلامية الخبرية في الذهن ثم بعد ذلك تصورها في الخارج، هذه الأربعة تصديق. لذلك التصورات الثلاثة السابقة عنده أركان في التصديق، جزء من التصديق وليست شروطاً له بخلاف مذهب الحكماء. إذاً عندنا مذهب، وعندنا مذهب الإمام. لذلك عندهم قاعدة: هذه الجملة إذا حفظتها تسهل عليك، يقولون: التصديق بسيط عند الحكماء، مركب على مذهب الإمام. التصديق بسيط عند الحكماء لماذا؟ لأنه من شيء واحد، هو إدراك النسبة الكلامية الخبرية في الخارج. مركب على مذهب الإمام، يعني مذهب الرازي؛ لأنه مركب من إدراك الموضوع والمحمول والنسبة الكلامية الخبرية في الذهن والنسبة الكلامية الخبرية في الخارج.

طيب، ننتقل إلى البيت الثاني، قال رحمه الله: "وقدم الأول عند الوضع، لأنه مقدم بالطبع". هذا البيت سهل المعنى بإذن الله، هو يقول عند التصنيف في الكتب وعند التعليم وعند التعلم ينبغي للمدرس وللطالب أن يبدأ بتعلم ماذا؟ بتعلم التصور قبل أن يدخل في تعلم، لماذا؟ لأن التصور عملية ذهنية في طبيعة الإنسان سابقة على عملية التصديق. فعندما تتعلم يجب عليك أن تتعلم التصور قبل أن تتعلم التصديق. فقوله: "وقدم الأول عند الوضع"، أي عند وضع المصنفات والكتب، هذا المراد بالوضع، أي عند وضع المصنفات والكتب يجب النص وشرح وتفسير التصور قبل شرح وتفسير التصديق. لماذا؟ بين علة ذلك، قال: "لأنه مقدم بالطبع"، أي لأن التصور في طبيعة الإنسان وفي العمليات الذهنية العقلية هو مقدم على التصديق، فإذا كان مقدماً في العقل فيجب أن يكون مقدماً في الدرس، وهذا الذي فعلناه، شرحنا التصور قبل أن نشرح التصديق، وهذا المعنى البيت واضح، وقوله "وقدم الأول".

الأول المراد به التصور. أحياناً بعض الشباب يحتاجون لفك بعض العبارات، وقدم الأول أي التصور عند الوضع، أي عند الوضع في المصنفات، لأنه مقدم طبيعي في طبيعة الإنسان وفي عقله وفي التحليل الذهني. ثم قال: والنظري ما احتاج للتأمل، وعكسه هو الضروري الجلي. هذا تقسيم آخر للإدراك.

التقسيم الأول للإدراك كان باعتبار المعنى المدرك؛ إذا كان مفرداً يسمى هذا الإدراك تصوراً، وإذا كان المعنى المدرك نسبة يسمى تصديقاً. التقسيم الثاني للإدراك باعتبار الطريق الموصل إلى الإدراك. هذا التقسيم باعتبار ماذا؟ باعتبار الطريق الموصل إلى الإدراك. هناك ما يسمى الإدراك النظري وما يسمى بالإدراك الضروري. إذاً هناك طريقان للإدراك لا ثالث لهما: إما إدراك نظري وإما إدراك ضروري. طيب، نبدأ في هذا التقسيم، تقسيم الإدراك باعتبار الطريق الموصل إليه.

القسم الأول، نبدأ بالإدراك النظري. الإدراك النظري أيها الأحبة هو كل إدراك يحتاج فيه إلى نظر وتأمل وبحث وتحليل. هذا يسمى إدراكاً نظرياً، سواء كان هذا في التصورات أو في التصديقات، سواء كان في التصورات أو في التصديقات. فإذا أردت أن تدرك معنى مفرداً، إذا احتجت لإدراك المعنى المفرد إلى نظر وتأمل وتحليل، إلى تفسير وتعريف، في هذه الحالة نسمي إدراك المفرد تصوراً، والوصول إلى إدراكه يكون بطريق النظر، فيسمى نظرياً.

طيب الآن، هل النظري يختص فقط بالتصورات؟ لا، قد يكون كذلك النظري في التصديقات. فإذا كان النظر في مطابقة الجملة للواقع الخارجي وعدم مطابقتها يحتاج إلى نظر وإقامة أدلة وحجاج وأقيسة وأخذ وعطاء، في هذه المسائل يكون إدراك النسبة في هذه الحالة يسمى نظرياً، هو تصديق نظري يحتاج إلى نظر وتأمل.

مثلاً المثال الأول: إدراك معنى الفقه. الآن الفقه من قبيل المفردات لأنها إما أن تكون موضوعاً وإما أن تكون محمولاً في جملة. الآن الفقه أيها الأحبة هذا المفهوم إدراكه يختص، يعني من يعرف معنى الفقه؟ هم علماء الشريعة. عوام الناس هل يعرفون معنى الفقه؟ لا، معنى الفقه. فإذا جاء عامي يريد أن يدرك هذا المفرد وهو الفقه، الآن هذه عملية تصور لأنه إدراك لمفرد. إدراكه لهذا المفرد يحتاج فيه العامي إلى بحث وإلى نظر وإلى تأمل حتى يعرف ما هو الفقه، فيأتي يسأل ويبحث وينظر في الكتب، فنقول له: نعم، إذاً هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. إذاً احتاج العامي، والذي ليس من أصحاب الدراسات الشرعية، إلى بحث حتى وصل إلى إدراك هذا المفرد. هذا مثال في التصورات.

نأتي إلى التصديقات، إدراك مثلاً: الأرض كروية. الآن هذه قاعدة علمية، هي الأرض كروية بيضاوية حتى ما يزعل علينا بعض الناس. الأرض كروية أو بيضاوية. الآن إدراك هذه الجملة باعتبار الواقع الخارجي يسمى تصديقاً. الوصول إلى هذا الإدراك إن احتاج إلى حجاج وأدلة وإثباتات علمية ومجاهر والبحث وما شابه ذلك، الآن يسمى هذا الوصول إلى هذا التصديق ماذا؟ يسمى نظرياً، يسمى الوصول هذا الإدراك نظرياً لأنه احتاج إلى نظر وإلى بحث وإلى تأمل. فهذا النوع الأول من أنواع الإدراك باعتبار هذه القسمة، الإدراك النظري الذي يحتاج إلى بحث وتأمل وإقامة أدلة وإقامة تحاليل، وهذا كما ذكرنا يكون في التصورات ويكون في التصديق.

القسم الثاني أيها الأحبة هو الإدراك الضروري. الإدراك الضروري لكل عملية إدراك لا تحتاج أبداً إلى نظر ولا إلى تأمل. أي عملية إدراك لا تحتاج إلى نظر ولا إلى تأمل يسمى في هذه الحالة إدراكاً ضرورياً، سواء كان في التصورات أو كان في التصديقات. لذلك كما ترون أمامكم: العلم تصور وتصديق، وكلاهما ينقسم إلى ضروري ونظري، والتصديق ينقسم إلى ضروري ونظري.

سنأتي لهذه الإدراك الضروري الذي لا يحتاج إلى نظر ولا إلى تأمل، نأخذ مثالاً عليه في التصورات. الآن كلمة الماء، هذه من المفردات لأنها إما أن تكون موضوعاً وإما أن تكون محمولاً في جملة، إدراكها يسمى تصوراً. الآن هل هذا التصور يحتاج إلى نظر وبحث؟ نفحص ما هو الماء ونبدأ نفكر ونتحلل ونذهب ونعود ونسأل؟ لا. لماذا؟ لأن الماء هذا شيء نباشره جميعنا في حياتنا اليومية. لأننا نباشره جميعاً نتعامل معه في جميع الأوقات أصبح تصوره لا يحتاج إلى نظر ولا إلى تأمل ولا إلى إثباتات وما شابه ذلك، فيسمى إدراك الماء إدراكاً تصورياً ضرورياً، أو علماً تصورياً ضرورياً.

المثال الثاني مثلاً نأتي إلى التصديقات: الواحد نصف الاثنين. هذه نسبة نريد أن نرى هل هي مطابقة للواقع الخارجي أو ليست بمطابقة؟ هذا يسمى تصديقاً. الآن عملية التصديق هذه، إدراك مطابقتها للواقع الخارجي، هل تحتاج إلى حجاج وأدلة كيف الواحد نصف الاثنين مشايخ؟ ونقيم الأدلة؟ لا تحتاج؛ لأنه هذا يسمى ببديهيات العقول، مسألة واضحة أو من أوليات العقول، كل الناس يدركونها إذا كانوا أصحاب عقول سليمة. جميل؟ فإدراكها باعتبار الواقع الخارجي يسمى إدراكاً تصديقياً ضرورياً، أو علماً تصديقياً ضرورياً.

الآن هناك شيء أريد أن أنبه عليه في الإدراك الضروري. نحن قلنا الإدراك الضروري هو الذي لا يحتاج إلى نظر ولا إلى تأمل. لكن هل معنى هذا الكلام أن الضروري لا يتوقف على شيء أبداً؟ يعني بمجرد أن سمع الإنسان الجملة مباشرة يحصل له إدراكها، هل هذا معنى الضروري؟ يقول المناطقة: لا. أحياناً الضروري نعم، قد يحصل مباشرة إدراكه من غير التوقف على شيء مثل القضايا الأولية عند الإنسان، مثل واحد نصف الاثنين، هذه لا يحتاج فيها إلى شيء أو لا تتوقف على شيء.

هناك بعض القضايا تسمى أو يسمى إدراكاً تصديقياً ضرورياً ولكنها تتوقف على شيء، مثل تتوقف على التجربة أو تتوقف على مثلاً التواتر. الآن نأخذ مثالاً: لو قلنا النار محرقة، هذه جملة نسبة كلامية خبرية، نريد أن ننظر هل هي مطابقة للواقع الخارجي أو ليست بمطابقة؟ جاء رجل فوضع يده على النار فاحترقت، الآن أدرك، فقال: النار محرقة، إذاً هذه جملة صادقة. الآن هذا الرجل أدرك صدق هذه الجملة، إدراكه لصدق هذه الجملة لم يكن ابتداءً بعقله، سمع هذه الجملة فعرف أنها صادقة، لا، توقف على شيء وهو التجربة، ففي هذه الحالة وضع يده فاحترقت إذاً انجزم الآن أن النار محرقة.

نقول كذلك هذا النوع من الإدراك التصديقي يكون إدراكاً تصديقياً ضرورياً، لماذا؟ لأنه بمجرد التجربة أثبت يقيناً أن النار محرقة من غير حاجة إلى تحليل هذه التجربة والتأمل والنظر فيها، إن الآن هو جرب ثم بعد ذلك عاد إلى المختبر وبدأ يفكر، بمجرد أن وضع يده على النار عرف أن النار محرقة. فهنا التجربة أثمرت مباشرة إدراكاً تصديقياً ضرورياً لا يحتاج إلى نظر ولا إلى تأمل. وكذلك عند المناطقة مثلاً يقولون الحدسيات، بعضهم مثلاً وقف على الحدس لكن أنا لم نذكر الحدس لأن الحدس فيه خلاف أصلاً، هل هو يعتبر من قبيل الضروري أو ليس من الضروري؟ الآن نقف على التجربة. إذاً الضروري أيها الأحبة ليس معناه عندما نقول لا يحتاج إلى نظر وتأمل أنه لا يتوقف على شيء، لا، في بعض الأحيان قد يتوقف على شيء، ولكن توقفه على هذا الشيء لا يحتاج بعده إلى نظر وتأمل. مباشرة إن حدث هذا الشيء ولاحظه عرف صدق هذه الجملة أو كذبها من غير حاجة إلى النظر والتأمل والتدقيق والبحث. إذاً ليس الضروري هو الذي لا يتوقف على شيء، وإنما الضروري الذي لا يحتاج إلى نظر وتأمل وتحليل، حتى ولو توقف على شيء.

الآن أختم بها هذا المبحث، هي قضية أن الضروري، وهذه فائدة أنبه عليها لاختلاف المصطلحات، الضروري أحياناً أيها الأحبة لا يطلق بهذا المعنى عند العلماء. يطلق الضروري أحياناً على كل إدراك لا يستطيع الإنسان أن يدفعه عن نفسه. كل إدراك لا يستطيع الإنسان أن يدفعه عن نفسه يسمى ضرورياً، وهذا المصطلح في الحقيقة أعم من المصطلح السابق. لماذا؟ لأنه يشمل كذلك الإدراك النظري. إذا الإنسان نظر وتأمل وبحث فوصل بالأدلة، وصل بالأدلة وبالتأمل إلى قرار قطعي يقيني لا يمكن دفعه عن نفسه أن هذا الشيء صادق، ففي هذه الحالة يسمى كذلك هذا إدراكاً ضرورياً.

نبهت عليه لأن الأصوليين، خاصة الأصوليين أيها الأحبة، يستخدمون الضروري أحياناً بهذا المعنى وأحياناً يستخدمونه بهذا المعنى. الضروري بالمعنى الثاني الذي قررته الآن ليس هو المقصود عند المناطقة. المقصود بالضرورة عند المناطقة هو كل إدراك لا يحتاج إلى نظر وتأمل. أما المصطلح الثاني ننبه عليه مرة أخرى: الضروري هو كل إدراك لا يمكن للإنسان أن يدفعه عن نفسه، سواء كان بنظر وتأمل أو كان بغير نظر وتأمل. فحياناً قد تنظر في شيء وتتأمل به وتأتي بالأدلة، عندما وقفت إلى الأدلة وحللت وصلت إلى نتيجة قطعية لا يمكن أن تدفعها عن نفسك بأن هذه الجملة صادقة. نعم أخذت وقتاً في النظر والتحليل والتأمل، ولكنك في النهاية وصلت إلى ماذا؟ إلى علم لا يمكن أن تدفعه عن نفسك أن هذه الجملة صادقة أو هذه الجملة كاذبة. فهذا النوع يسمى كذلك ضرورياً ويسمى علماً ضرورياً، لكن الضروري هنا ليس هو الضروري بمعنى الذي لا يحتاج إلى نظر وتأمل.

فينبغي على الطالب أن يفرق بين المصطلحين، لذلك أحياناً الجويني أبو معاذ الجويني رحمه الله يقول: كل العلوم يعني كل القطعيات تقصد كل القطعيات ضرورية. فعندما تناقش يظن الطالب كيف يقول أبو المعاذ، هذا العالم الكبير، يقول: كل العلوم ضرورية؟ يعني كل القطعيات يقصد ضرورية. كيف كل القطعيات ضرورية؟ ألم نأخذ في المنطق أن منها ما هو نظري يحتاج إلى تأمل ثم بعد ذلك يوصل إلى القطع أو قد يوصل إلى الظن، ومنها ما لا يحتاج إلى نظر وتأمل، والأول سميناه نظرياً والثاني ضروري، كيف يقول أبو المعالي الجويني كل العلوم أو يعني القطعيات ضرورية؟

يقول: يقصد بالضروري المعنى الثاني وليس المعنى المنطقي. يقصد بالضروري كل ما لا يمكن للإنسان أن يدفعه عن نفسه؛ لأن كل الأمور القطعية التي ثبتت قطعيتها عند الإنسان بمجرد أن ثبتت قطعيتها الآن انتهى الأمر عنده، لا يمكن أن يدفع هذا عن نفسه أو يشك فيه لأنه وصل إلى مرحلة القطع الذي لا يقبل التشكيك. فكل القطعيات إذاً هي ضرورية بهذا المصطلح الثاني، سواء توصل إليها بالنظر والتأمل أو ببديهيات العقول من غير نظر ولا تأمل كلها ضرورية. ولكن كما قلنا هذا المصطلح ليس هو المصطلح المعتمد عند المناطقة، والمراد عند المناطقة بالضروري الإدراك الذي لا يحتاج إلى نظر وتأمل. أما النظر فهو الإدراك الذي يحتاج إلى نظر وتأمل. والنظر أيها الأحبة قد يوصل إلى القطع. يعني أنت قد تنظر وتتأمل، بعض الطلاب قد يظن أن النظري لا يوصل إلى القطع لأنه يحتاج إلى نظر وتأمل، لا، النظري كذلك قد يوصل إلى القطع مثل الضروري، ولكن أحياناً يوصل إلى القطع وأحياناً يوصل إلى الظن بحسب درجة الدليل وبحسب مقدار التأمل.

طيب، قال الناظم رحمه الله بعد ذلك: الآن أيها الأحبة كل هذا التدرج الذي نتدرج به حتى نصل إلى ما هو علم المنطق، حتى الطالب يدرك بالضبط أين يصيب علم المنطق وأين نحتاج علم المنطق. الآن قال: وما إلى تصور وصل يدعى بقول شارح فلتبتهل، وما لتصديق به توصلا بحجة يعرف عند العقلاء.

الآن أيها الأحبة عرفنا إذاً أن الإدراك ينقسم إلى تصور وتصديق، وكل من التصور والتصديق ينقسم إلى ضروري ونظري بحسب الطريق الموصل إليه. الآن التصورات النظرية التي تحتاج إلى نظر وتأمل، كيف نصل إليها؟ هذا الذي يريد أن يتكلم عنه الآن؛ لأن عرفنا أن التصورات النظرية هي التي تحتاج إلى ماذا؟ إلى نظر وتأمل. وكذلك التصديقات النظرية هي التي تحتاج إلى ماذا؟ إلى نظر وتأمل. الآن يريد أن يبين لك ما هو طبيعة النظر والتأمل هنا؟ وما هو طبيعة النظر والتأمل هنا؟ كيف يكون التأمل في التصورات؟ ما هو التأمل وما هو التأمل في التصديقات النظرية؟

لذلك قال: وما به إلى تصور وصل. نقيد، قال: وما به إلى تصور نظرياً، هو لم يذكر الأخضري كلمة نظري من أجل البيت، ولكن المراد بالتصور هنا في هذا البيت التصور النظري، فنقيد البيت: وما به إلى تصور، نقول: أي وصل، يدعى بقول شارح فلتبتهل. وما لتصديق نظري، نقيدها كذلك: وما لتصديق به توصلا بحجة يعرف عند العقلاء. يقول رحمه الله تعالى: التصور النظري الآلة التي توصل إليه هي المعرفات. الحدود بالمعنى الأصولي، الحدود عند الأصوليين ترادف المعرفات، لكن عند المناطقة الحدود قسم من أقسام المعرفات، فنقول الذي يوصل إلى التصور النظري هي القول الشارح ما سماه القول الشارح والمراد به المعرفات. فالتعريف هو الآلة التي توصل إلى التصورات النظرية التي تحتاج إلى نظر وتأمل.

فمثلاً مر معنا كلمة الفقه، هذا تصور نظري للعوام. كيف العامي يصل إلى تصور الفقه؟ الآن هذا تصور نظري، عرفنا الآن التصور النظري يوصل إليه عن طريق التعاريف. إذاً العامي لن يصل إلى معنى الفقه إلا بتعريف، فنعرف له الفقه فنقول له: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية بدليل تفصيلي. نأتي إلى القسم الثاني، التصديق النظري. التصديق النظري قلنا يحتاج إلى نظر وتأمل، ما هو النظر والتأمل هنا؟ الإتيان بالحجج، فالحجج هي الطريقة الموصلة، لا، التصديقات النظرية هي الطريق الموصل إلى التصديقات النظرية. أنت الآن عندك نظرية الأرض كروية، القرآن معجز، أي جملة من قبيل التصديقات. الآن إذا كانت هذه التصديقات نظرية إذاً تحتاج إلى نظر وتأمل. ما المراد بالنظر والتأمل؟ أي إلى إقامة حجج، والحجج أساساً هي الأقيسة المنطقية. لدرجة قلنا: ما يتوصل به إلى التصور النظري هو القول الشارح التعريف.

وما يتوصل به إلى التصديق النظري هو الحجة. أما التصورات الضرورية والتصديقات الضرورية، فذكرنا أنها لا تحتاج إلى نظر وتأمل. لذلك أي شيء حكمنا عليه بأنه تصوري ضروري لا يُعرّف، وأي شيء حكمنا عليه أنه تصديق ضروري لا يُعلّل.

الآن هذا أين تستفيد منه؟ تستفيد منه في مقام الجدال والمناظرة. إذا أنت الآن كنت في مقام جدال ومناظرة، تناظر شخصاً عن عقيدة، أو مسألة، أو أي شيء، جميل؟ وفي هذه المناظرة قال لك الشخص: أنت استخدمت هذه الكلمة، هذه الكلمة عرّفها لي. فأولاً تنظر هل هذه الكلمة التي طلب تعريفها من قبيل الضروريات؟ لأن التعريف في التصورات. تنظر هل هذه الكلمة التي طلب تعريفها نظرية أو ضرورية؟ إذا كانت هذه الكلمة تصورها ضروري تقول له: أنا لا أحتاج إلى أن أعرفها لك لأن هذه الكلمة ضرورية. لو قال لك مثلاً المناظر الذي يجادلك: عرّف الماء، أنا لا أعرف، استخدمت هذه الكلمة في حجتك، عرّفني الماء. تقول له: أنا غير مُجبر؛ لأن يقولون في المناظرة هناك أدبيات تُدرس في علم الجدل. أدبيات المناظرة: متى يلزمني أن أدافع، ومتى لا يلزمني، ومتى أقول، ومتى أتوقف، ومتى يُفحم الخصم. الآن من الأدبيات إذا كانت الكلمة تصورها ضروري لا يحتاج إلى نظر وتأمل، أنا غير مُجبر أن أعرفها له.

فإن أصر هو الذي ينقطع، أنا لا أنقطع لأن العلم يقول هذه الكلمة ضرورية، فأنا لن أنقطع إذا لم أعرفها. نعم إذا استخدمت كلمة مثل العولمة، هذه الكلمة ربما تخفى، مدى الليبرالية، هذه الكلمات تخفى، فلو طلب الخصم: عرّف الليبرالية حتى أعرف ما الذي تريده، عرّف العولمة. نعم، الآن أنا كمستدل أو مقيم للحجة أضطر أني أعرف له ماذا؟ الليبرالية أو العولمة؛ لأن تصورها نظري، والتصور النظري يُوصل إليه بطريق التعريف. كذلك في التصديقات. فلو قال لي مثلاً، يعني ما المثال الذي أتينا به؟ الكون له صانع. هذه أتيت بهذا المثال لأنه مثال على المحك كما يقول بين علماء الكلام وبين الذين لا يقرونهم على هذه الطريقة. الآن الكون له صانع، ما يسمى إثبات الصانع، هل أنا مُجبر في مقام المناظرة أن أثبت هذه الجملة أن الكون له صانع؟ الآن إذا قلنا الكون له صانع، أو إثبات الصانع لهذا الكون، هذه الجملة، الكون له صانع، إذا قلنا أنها من قبيل التصديقات النظرية التي تحتاج إلى نظر وتأمل وتحليل، في هذه الحالة نعم أنا مضطر أن أقيم عليها الأدلة. إذا قلت أن الكون له صانع ضرورية تدرك بفطرة الإنسان ولا تحتاج إلى إقامة الأدلة والبراهين، إذاً أنا غير محتاج أن أثبتها للخصم، إذا أثبتها للخصم بأدلة هذا من باب التفضل.

جميل، لكن أصالةً أنا غير مُجبر، وهذا هو الصحيح، أن الصانع، إثبات صانع لهذا الكون، هذه مسألة ضرورية، تصديقية ضرورية، لا تحتاج إلى إقامة الأدلة عليها، وصرف الوقت في إثبات الأدلة عليها فيه مضيعة للوقت. والقرآن عندما أقام الأدلة على وجود الله سبحانه وتعالى، هو لم يُقم الأدلة من أجل إثبات وجود الصانع ابتداءً أصالةً، هو يريد أن يوصل من توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية، وكأنه يلزم كفار قريش؛ كفار قريش كانوا في الربوبية يقرون أن الكون له صانع، ولكن كانوا يشركون أين؟ في الألوهية. فالقرآن يريد أن يلزمهم، أي إذا أقررتم بالربوبية، عرفتم أن الله هو الخالق الرازق الذي يفعل ويفعل، يلزمكم أن تقروا بالألوهية. فإثبات الصانع في القرآن بالأدلة، الآن يقول المخالف في هذه المسألة: الله سبحانه وتعالى دلّل كثيراً على إثبات أنه الرب الصانع لهذا الكون، عندما تكلم عن خلق السماوات والأرض وفعل وفعل وآياته في هذا. ونقول: الاستدلال بالآيات ليس لإثبات الصانع ابتداءً، هو ليس مراداً لهذه القضية، هو مراد لأمر آخر، وهي إثبات الألوهية وأن الله هو المستحق للعبادة، يعني كما أنكم أثبتم الصانع بأنه خالق ورازق وكنتم تقرون بهذا فيلزمكم إذاً أن تثبتوا الألوهية له وحده. لذلك الكون له صانع وإثبات الصانع هذه مسألة ضرورية.

فإذاً هنا نستفيد من هذا العلم، أنك في مقام الجدال والمناظرة تنظر في الجملة التصديقية، هل هي نظرية؟ نعم نظرية، إذاً نقيم الأدلة عليها، وإذا لم أقم الأدلة عليها أنا الذي سأنقطع ويُعتبر قولي ضعيفاً. إذا كانت التصديقية ضرورية أنا لن أنقطع ولا أحتاج إلى أن أثبتها ولن أكون منقطعاً إذا لم أكمل أدلة عليها. الآن أختم بهذه الفكرة في هذه الجزئية، وهي أن هل كلمة تصوري ضروري أو تصديقي ضروري هل هو شيء ثابت؟ يعني الأشياء الضرورية التي لا تحتاج إلى نظر وتأمل، قلنا هناك أشياء نظرية وهناك أشياء ضرورية. الأشياء الثابتة، هل هناك أشياء ضرورية ثابتة محددة نقول هذه الأشياء فقط هي الضرورية وما عدا ذلك نظري؟ أو الضروري والنظري شيء نسبي؟ الآن هناك بعض الأمور قد نقول أنها ثابتة دائماً أنها ضرورية، مثل بديهيات العقول، البديهيات العقلية المسماة الأولية التي تدركها كل العقول في جميع الأزمنة وفي جميع الأمكنة، والتي فطر الله الناس عليها، هذه تكون نعم ضرورية ثابتة لا تختلف باختلاف العقول ولا باختلاف الأزمنة؛ لأنها تشترك فيها الفطر.

لكن هناك كثير من الضروريات هي ضروريات نسبية، يعني تكون في مجتمع ضرورية وفي مجتمع آخر نظرية، ففي هذا المجتمع لا تحتاج إلى نظر وتأمل، وفي ذاك المجتمع تحتاج إلى نظر وتأمل. لذلك كلمة الضروري أو النظري أحياناً تكون، في أغلب الأحيان في أغلب الأحيان، هي مسألة نسبية؛ لأن ما الذي يحدد نظرية الشيء وضروريته أيها الأحبة؟ في الواقع الذي حدد هذه المسألة مقدار تعامل الناس مع هذا الشيء. الآن الماء لما كنا نتعامل معه في حياتنا اليومية بجميع الأحوال بشكل مستمر أصبح إدراكه ضرورياً، لكن الفقه عندما كان يتعامل معه طائفة محددة، علماء الشريعة، بالنسبة لمن لم يتعامل مع هذا المصطلح يكون نظرياً. جميل، لذلك مصطلح الفقه نظري؛ لأن ليس كل الناس يتعاملون معه، بينما مصطلح الماء ضروري. وهكذا مثلاً لو فرضنا خرج مجتمع، هذا المجتمع لا يوجد فيه ماء أبداً، هذا من باب التصور، لا يوجد في هذا المجتمع ماء، الآن لو ذهبنا إلى هذا المجتمع واستخدمنا كلمة الماء فطلب مني رجل منهم أن أُعرّف، هل أقول له هذا تصوري ضروري؟ خطأ؛ لأن الماء في هذا المجتمع غير معروف، فيكون في ذاك المجتمع تصوري نظري، فأحتاج فعلاً أن أُعرّفه.

الآن بعض الأئمة يقولون: الرازي حكم على العلم بأنه ضروري ثم بعد ذلك عرّفه. الفخر حكم الذهن أي للجزم لموجب طابقه العلم كما يقول السيوطي نقلاً عن الرازي، فالرازي حكم على العلم بأنه ضروري وعرّفه، كيف نحل هذا الإشكال؟ نقول الرازي نعم يرى العلم ضروري لا يحتاج إلى تعريف ولكن عرّفه عند من يراه نظرياً. يعني إذا كنت أنت ممن تراه نظرياً فخذ هذا التعريف للعلم، أما أنا فلا أراه نظرياً وأراه ضرورياً فلا تحتاج إلى تعريف، وهذا يدل على هذه القضية، أن قضية الضروري والنظري هي مسألة نسبية قد تختلف من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان، ومن بقعة إلى بقعة. إذاً خلاصة هذا المبحث الأول أو الباب الأول الذي عقده الأخضري رحمه الله تعالى، أراد فيه أن يوصلك إلى أين علم المنطق يبحث؟ علم المنطق الآن الذي سندرسه أيها الأحبة سيبحث: كيف أكون تعريفاً صحيحاً أوصل به التصورات النظرية إلى الآخرين؟ وكيف أكون حجة صحيحة أوزن بها التصديقات النظرية إلى الآخرين؟

والتصور والتصديق النظري في هذه الحالة، يعني بخلاصة الكلام، أن الأبواب التي سندرسها أربعة أقسام. القسم الأول ما يسمى عندهم بمبادئ التصورات، والقسم الثاني مقاصد التصورات، والقسم الثالث مبادئ التصديقات، والقسم الرابع مقاصد التصديقات. مبادئ التصورات هي المواد الخام، دعونا نسميها، هي التي ستُستخدم في صناعة التعاريف. ففي مبادئ التصورات سنتعرف ما هي المواد التي تُستخدم في صناعة التعاريف، وفي مقاصد التصورات سنتعلم كيف نركب هذه المواد مع بعضها البعض حتى نصل إلى المقصد، المقصد هو ماذا؟ كيف أكون تعريفاً صحيحاً؟ ففي مقاصد التصورات سنتعلم كيف نركب هذه المواد، ما هي شروط التركيب؟ وما هي صور هذا التركيب؟

نعود إلى مبادئ التصديقات. مبادئ التصديقات سنتكلم فيها عن المواد الخام، المواد الأولية، ما هي المواد التي تتكون منها الحجج؟ فسنتكلم عن القضايا وعن أنواع القضايا، ثم ننتقل في النهاية إلى مقاصد التصديقات، مقاصد التصديقات ما هي؟ كيف أكون حجة صحيحة، هذا هو المقصد. فسنتكلم في مقاصد التصديقات بعون الله عن هذه المبادئ، عن هذه القضايا كيف نركبها مع بعضها البعض حتى ننتج قياساً صحيحاً أو حجة صحيحة. إذاً فالتصور له مبادئ هي المواد، وله مقاصد وهي شروط التركيب، والتصديق كذلك له مبادئ وهي المواد الأولية القضايا، وله مقاصد وهو كيف نكون هذه المواد ونركبها مع بعضها البعض.

على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.