تسجيل الدخول

اطلب العلم أخي فهو درب به نور، به ترقى، به تحيا عالماً حراً فخور. اطلب العلم أخي، هو درب ذهن، به ترقى، به تحيا عالياً.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الحمد لله الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وأصلي وأسلم على خير البرية، وعلى أزكى البشرية، على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها الأحبة، فإن من علامة سعادة العبد وتوفيق الله عز وجل له ورعايته وحفظه أن يشغله بطلب العلم وتحصيله، وبطلب العلم الموصلة إليه. وليس شيء تصرف فيه الساعات، بل اللحظات والأنفاس، أشرفها ولا أجل من طلب العلوم الشرعية المقربة من الله سبحانه وتعالى. فكم أنارت من ظلمة، وكم هدت من ضلال، وكم أنقذت من هلاك، وكم عصمت من بدعة وفتنة. فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ، ومن لم يرد الله به خيراً يشغله بنفسه، ويشغله بحياته ودنياه.

ثم إن طلب العلم من دأب أصحاب النفوس الشريفة والهمم العالية التي زهدت في هذه الدنيا وفي ملذاتها، وأنسَت بربها سبحانه وتعالى واشتاقت إليه. فكلما سمعت بشيء يقربها من الله سبحانه وتعالى طارت شوقاً إليه، مهما كان هذا الشيء تعلقت به وتشبثت به حتى تنال منه حظاً وافراً يدنيها من الله سبحانه وتعالى.

وطلبة العلم أيها الأحبة هم صمام الأمان للمجتمعات، فبصلاحهم صلاح المجتمعات، وبفسادهم فسادها، وبفقدهم ضياعها. بفقد طلبة العلم ضياع هذه المجتمعات، وهم الذين يبينون للناس سلام ورحمة الله، هم الذين يبينون للناس ما يصح أن يكون ديناً يتعبد به لله سبحانه وتعالى وما لا يصح أن يكون كذلك. هم الذين يبينون مواطن الحلال والحرام، ويحافظون على هذه المجتمعات في مرتبة وسطية بين الإفراط والتفريط. فكما قلنا هم صمام الأمان، يحفظ الله عز وجل بهم بيضة هذه الأمة، فحاجة الناس إليهم أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن بفقد الطعام والشراب فساد الأبدان، أما بفقد العلوم الشرعية وفقد العلم وأهله فساد الدين والدنيا والآخرة. فنسأل الله العافية.

ولا يخفى عليكم أيها الأحبة أن العلوم الشرعية تنقسم إلى علوم مقاصد وإلى علوم وسائل. علوم المقاصد: هذا التقسيم مهم لطالب العلم في بداية طلبه للعلم أن يكون قد أحاط به خبراً. إن العلوم على نوعين: علوم مقاصد، وعلوم وسائل. علوم المقاصد ما هي؟ هي العقيدة والفقه والتفسير. التفسير طبعاً على خلاف بينهم، ولكن نحن نذهب إلى أنه من علوم المقاصد. وبسائر العلوم الأخرى كالنحو والصرف والبلاغة والمنطق وأصول الفقه وأصول التفسير ومصطلح الحديث وعلم الرجال، وكل هذه العلوم الأخرى التي ندرسها هي مساعدة للوصول إلى هذه المقاصد فقط، لذلك تسمى ماذا؟ تسمى علوم الوسائل؛ هي وسيلة للوصول إلى المقصد.

لذلك طالب العلم لا يقف مع الوسائل. هل يصلح لطالب العلم أن ينفق ساعات العمر في علوم الوسائل ثم ليس عنده شيء من علوم المقاصد؟ هذا لم يحصل الثمرة المرجوة. نعم، نسأل الله أن يكتب له الأجر في طلبه للعلم وحسن مقصده، ولكن الثمرة المرجوة والوصول إلى المقاصد أن تتعرف على الله سبحانه وتعالى وعلى أسمائه وصفاته في علم العقيدة، وأن تتعرف على الحلال والحرام، وأن تتدبر كتاب الله سبحانه وتعالى، تتعلم الرسائل الإلهية التي بعثها الله عز وجل لنا في كتابه العظيم في علم التفسير. فنحن عندما نطلب النحو، عندما نطلب المنطق، وعندما نطلب أصول الفقه، وعندما نطلب أصول التفسير، نحن نريد أن نستخدم هذه المفاتيح للوصول إلى تلك المقاصد العظيمة.

لذلك، ومن هذا المنطلق أيها الأحبة، قررنا أن نقيم هذه الدورة في شرح كتاب من كتب علوم الوسائل، وهو من علم المنطق. وهذه الدورة في الحقيقة هي بناء لما سبق، عقدنا في الشهر الماضي دورة في أساسيات علم المنطق. وهذه الدورة أيها الأحبة، يعني هذا واجب ينبغي عليكم أو على الإخوة الذين لم يحضروها معنا أن يتابعوا، وهي توجد على القناة التي على اليوتيوب التي ترونها أمامكم بالنسبة لمشروع غراس العلم. هناك ثلاث محاضرات لخصنا فيها أساسيات المنطق، وقلنا هذه المحاضرات الست هي بناء يأخذ فيه الطالب نوع تصور عن علم المنطق قبل أن يلج فيه. إذا عنده همة للطلب يأتينا في هذه الدورة، ما عنده همة لطلب هذا العلم عاد ينشغل في أمور أخرى تعود عليه بالصلاح في دينه ودنياه. نسأل الله أن يعيننا على ذلك.

لذلك كما قلنا، نطلب من الإخوة إذا أرادوا أن يدخلوا معنا في هذه المادة بتمكن أن يحضروا هذه الدورات حتى يساعدونا في الفهم؛ لأننا لن نعيد ما تكلمنا عنه في أساسيات علم المنطق، وهي موجودة بإذن الله سبحانه وتعالى. ولكن سنتكلم فقط عن شيء واحد أسلفنا ذكره في تلك الدور، وهي المبادئ العشرة؛ لأن هذا في الحقيقة أن هناك طلبة جدد، لا ينبغي أن أدخل معهم مباشرة في حدود المنطق وفي مسائله العويصة بعد أن أعطيهم نوع تصور عن هذا العلم الذي سنشرع فيه.

وقضية المبادئ العشرة دائماً نكررها في دروسنا وفي دوراتنا التي تتعلق بالمبتدئين، أن المبادئ العشرة هذه ليست خاصة بعلم المنطق، بل هي شاملة لكل العلوم الشرعية. فأي علم تدرسه ينبغي عليك أن تتصور المبادئ العشرة فيه، وهذه المبادئ العشرة هي مفتاح لك حتى تجد في هذا العلم. أما طالب علم يدخل مباشرة في المسائل ويحرر وينقح، ثم إذا عدت معه إلى بداية أصول هذا العلم ما تعريفه؟ ما حده؟ لا يستطيع أن يعبر عن ذلك، هذا يقبح بطالب العلم. إذا سألته ما موضوع هذا العلم الذي تدرسه؟ لا يستطيع أن يعبر عن ذلك. طيب ما الثمرة المرجوة من هذا العلم؟ أنت شرعت في دراسة علم، ما الذي تريد أن تحققه منه؟ لا يستطيع الجواب. هذا الإبهام خطير في طالب العلم؛ لأنه يعني سيجد أن الوقت يضيع من بين يديه تارة في علم وتارة في علم آخر. هذا الضياع سببه أنه لا يعرف ما الذي يريده من العلوم، وما الذي ينبغي تحصيله، وأين يقف، وأين يذهب إلى علم آخر. كل هذه الأمور الطالب يحيط بها نوع تصور عندما يدرس المبادئ العشرة للعلوم.

هذه المبادئ نظمها العلامة الصبان -رحمه الله تعالى- في قوله: إن مبادئ كل فن عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرفا

فبإذن الله عز وجل نتكلم سريعاً عن المبادئ العشرة لعلم المنطق، ونحيل التفصيل على ما أسلفناه في الدورة السابقة. إذاً هناك عشرة مبادئ نشرح فيها.

المبدأ الأول من مبادئ هذا العلم وهو تعريفه وحده. ما هو هذا العلم الذي نريد أن ندرسه؟ أنت الآن خرجت من هذا المجلس إلى الخارج، جاءك شخص فقلت له: أنا أدرس علم المنطق. فقال لك: أعطني تصوراً عن هذا العلم. ينبغي عليك أن تعطينا تصوراً عاماً، تعريفاً بسيطاً لتسهل فيه للناس طبيعة هذا العلم، وتبين لهم ما هو المقصود منه. فنقول ابتداءً أيها الأحبة، عندما ندخل في التعاريف والحدود هناك دأب لأهل العلم أنهم يذكرون التعريف اللغوي للكلمة، ثم بعد ذلك يتبعونه بالتعريف الاصطلاحي أو بالحد الاصطلاحي لها. وهذا ما الغرض منه؟ لبيان العلاقة بين المعاني الاصطلاحية والمعاني اللغوية؛ لأن المعاني الاصطلاحية لا تأخذ اعتباطاً، يعني يأتي علماء الفن في النحو أو الصرف أو أصول الفقه أو الفقه إلى كلمة في اللغة العربية، يأخذونها ويضعونها عنواناً لفنهم، لا لا يذهبون إلى أي كلمة، يذهبون إلى كلمة لغوية ترتبط بالفن الذي يدرسونه، ويجدونها مناسبة لهذا الفن فيختارونها ويضعونها له. لذلك هناك علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي ينبغي على طالب العلم أن ينتبه إليها.

وعادة ما تكون هذه هي علاقة العموم والخصوص المطلق. يعني نحن الآن سنتكلم في بعض المصطلحات المنطقية، الآن مسألة العموم والخصوص المطلق، العموم والخصوص الوجهي، هذا كله سندرسه وبإذن الله إذا ييسر الله في هذا العلم، فينبغي إذاً أن نتمرس على هذه العبارات. نقول: علاقة المعنى اللغوي بالمعنى الاصطلاحي هي علاقة العموم والخصوص المطلق. ما هذه؟ أن المعنى اللغوي أعم، والمعنى الاصطلاحي أخص، فهو فرد من أفراد المعنى اللغوي. كما يقولون مثلاً: الصيام هو إمساك مطلقاً، عن أي شيء أمسكت صمت. أما في الاصطلاح الشرعي فهو ماذا؟ هو إمساك عن الأكل والشرب بنية مخصوصة في وقت مخصوص، فإذاً هو نوع من أنواع الإمساك، المعنى الشرعي والاصطلاحي هو نوع من أنواع الإمساك اللغوي.

أحياناً، وهذا في الأقل، يكون المعنى الاصطلاحي أعم من المعنى اللغوي، يعني يكون المعنى اللغوي أخص، وهذا مثاله في تعريف الإيمان. الإيمان في اللغة -وعليكم السلام- الإيمان في اللغة ما هو؟ التصديق أو الإقرار. والإيمان في الاصطلاح أعم، فهو تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان، فالمعنى إذاً الشرعي للإيمان أوسع من مدلول المعنى اللغوي.

طيب، نأتي إلى أن المنطق، ما مدلول علم المنطق في اللغة؟ نبدأ باللغة ثم نعود للاصطلاح. فنقول: كلمة المنطق في اللغة أيها الأحبة تحتمل وجهين. الوجه الأول: أن تكون مصدراً ميمياً، والمصدر الميمي أيها الأحبة دلالته هي دلالة المصدر الحقيقي. الآن الأفعال كما تعلمون لها مصادر، أكل يأكل أكلاً، فرح يفرح فرحاً، وقعد يقعد قعوداً. الآن هذا ما يسمى ما يأتي ثابتاً في تصريف الكلمة، أو ما يدل على الحدث مجرداً عن الزمن، هذا ما يسمى عند النحويين المصدر. والمصدر الميمي إذاً دلالته هي دلالة الحقيقي للكلمة، لكن ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أن المصدر الميمي يكون مصدراً بميم زائدة، إذا كان الفعل ثلاثياً فتكون هذه الميم الزائدة في البداية مفتوحة، كما سيأتي معنا منطق الميم مفتوحة، أو مضرب -عفواً-، وإذا كان الفعل الذي سنأتي بمصدره الميمي ما فوق الثلاثي، فإن مصدره الميمي يكون على وزن اسم المفعول، يكون على وزني اسم المفعول واسم الزمان والمكان، ميماً كذلك مضمومة في البداية: مستفعل ومفعل وما شابه ذلك.

إذاً قلنا كلمة المنطق تحتاج أولاً أن تكون مصدراً ميمياً. طيب ماذا يقول صاحب تاج العروس -رحمه الله تعالى- في أصل هذه الكلمة وفي بيان أنها مصدر؟ يقول صاحب تاج العروس -رحمه الله تعالى- الزبيدي: نطق ينطق نطقاً، الآن سيذكر عدة مصادر، وسيذكر منها المصدر الميمي، سيذكر المصادر الحقيقية القياسية، ثم سيذكر بعد ذلك المصدر الميمي. فقال صاحب تاج العروس: نطق ينطق نطقاً بالضم، المصدر الأول نطقاً، ثم قال ومنطقاً وأيش؟ ومنطقاً. ذكر بعض المصدر الحقيقي، ذكر المصدر الميمي منطق، ثم بعد ذلك اتبعها بزيادات، أي بمصادر قياسية وحقيقية أخرى ذكرها علماء آخرون، قالوا وزاد ابن عباد: نطقاً بالفتح ونطوقاً. إذاً نطق ينطق لها مصدر نطقاً، هذا مصدر قياسي، أو مصدر ويسمى المصدر الحقيقي ليس مصدراً ميمياً، ولها كذلك نطقاً بالفتح، ولها نطوقاً. هذه الثلاثة ليست مصادر ميمية؛ لماذا؟ لأنها لم تصدر بميم مفتوحة في البداية. إذاً المصدر الميمي هو ماذا؟ منطق.

طب الآن نأتي إلى قواعد علم الصرف سريعاً. نقول: هل منطق هي مصدر ميمي قياسي لنطق؟ عند علماء الصرف: فَعَلَ يَفْعُلُ، إذا كان هذا الوزن فَعَلَ، إذا كان صحيحاً في جميع حروفه، أي لا يوجد بحرف من حروفه حرف من حروف العلة الفاء والعين واللام، ليست حرفاً من حروف العلة التي هي الألف والواو والياء، هذا يسمى صحيحاً. فإذا كان فَعَلَ صحيحاً لا يوجد فيه حرف من حروف العلة، فإن مصدره الميمي القياسي أن يكون على وزن مَفْعَل. مثل لأخيه: إن يكن من أجوف صحيح، أو مضعف، أتاك مَفْعَل بفتحتين، وشذ منهما بكسر العين. فإذا كان فَعَلَ صحيحاً لا يوجد فيه حرف علة، فإن مصدره الميمي يكون على وزن مَفْعَل.

طب نطبق الآن نطق. الآن نطق هل نفحصها ابتداءً؟ الفاء والعين واللام، هل فيها حرف من حروف العلة؟ لا يوجد. إذاً المصدر القياسي الميمي أن يكون ماذا؟ القياس مَفْعَل. لكن نراه ماذا؟ مِفْعَل. إذاً هذا صحيح ولكنه شاذ. فنقول: هذا ورد سماعاً عن العرب. ورد سماعاً عن العرب بكسر الميم، وإن القياس أن يكون بفتحها. ولكن هكذا ورد عن العرب مكسوراً فنبقيه على الكسر؛ لأن مبدأ اللغة ابتداءً ما هو؟ السماع، فلا نحكم بالقواعد. اللغة هي الحاكمة في النهاية، نحن نحاول أن نستخلص القواعد اللغوية. إذا وجدنا شيئاً مسموعاً وثابتاً عن العرب غير موافق للقواعد التي ذكرناها، نثبته ولكنه نقول مثلاً: على خلاف القاعدة الصرفية أو النحوية أو ما شابه ذلك.

إذاً ممتاز، قلنا منطق مصدر ميمي، وقلنا المصدر الميمي دلالته دلالة المصدر الحقيقي. طب ما دلالة المصدر الحقيقي؟ على ماذا يدل المصدر الحقيقي؟ يدل كما قلنا على الحدث مجرداً من الزمن. فمثلاً: أكل يأكل أكلاً، الأكل هذا مصدر يدل على ماذا؟ على حدث، ما هو؟ عملية تناول الطعام. ضرب يضرب ضرباً، الضرب مصدر يدل على ماذا؟ على الحدث فقط، ما هي عملية الضرب؟ هل يدل على زمن؟ لا يدل على زمن الماضي أو المضارع أو المستقبل. وكذلك الآن المصدر الميمي، المصدر الميمي يدل على الحدث. إذاً كلمة منطق مصدر ميمي إذاً هي تدل على حدث. ما هو الحدث الذي تدل عليه؟ الحدث لا نريد أن نفسر.

بكلمة الآن إذا قلنا الحدث والنطق ما استفدنا شيئاً. أعدنا ما ذكره صاحب تاج العروس، ماذا تكلمنا؟ ماذا قال؟ قال: هو التكلم بصوت، التكلم بصوت، فالمنطق إذا أردنا أن نفسرها بأنها مصدر ميمي كما ترون أمامكم في الشاشة، المعنى الحقيقي لها أنها التكلم بالصوت، هذا هو الحدث الذي تدل عليه. فعملية التكلم، عملية التكلم تسمى ماذا؟ منطقاً، عملية التكلم. وركز حتى نفهم المعنى المجازي. إذاً المعنى الحقيقي لكلمة منطق باعتبارها مصدراً ميمياً ما هو؟ التكلم بالصوت.

الآن هذا هو المعنى الحقيقي، هناك معنى مجازي لها إذا كانت مصدراً ميمياً. ودائماً هذا في اللغة كثير؛ المجاز، الحقيقة والمجاز سريعاً هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له على وجه يصح بقرينة. هذا هو المجاز، أن تستعمل اللفظة في ماذا؟ أن تكون اللفظة مستعملة في غير ما وضعت له ابتداءً في لسان العرب. فمنطق ابتداءً في لسان العرب وضعت للتكلم، لعملية التكلم بالصوت. ثم بعد ذلك استخدمت في معنى مجازي، ما هو؟ هو نفس الصوت المتكلم به. الكلام الذي يخرج أصبح هو يسمى منطقاً.

نلاحظ الفرق بين المعنى الأول والثاني، المعنى الحقيقي ما هو؟ عملية التكلم، عملية التكلم هذه تسمى منطقاً على الحقيقة. الآن الكلام المتكلم به المنطوق به هذا كذلك يسمى منطقاً، وهذا في هذه الحالة يكون معنى مجازياً. وهذا كثير عند العرب أن يطلق المصدر ويراد اسم المفعول، لذلك كثيراً ما نستخدم نحن مثلاً كلمة كتاب، نقول: هذا كتاب في كذا، هذا كتاب في كذا. كتاب لو أتينا إلى يعني ما هي ما نوعها من المشتقات وما نوعها في الصرف؟ هي ليست مشتقة لأن هذا مصدر. كلمة كتاب هي مصدر كتب يكتب كتاباً وكتابةً لها ثلاثة مصادر.

إذاً كتاب هذا مصدر لـ كتب، لكننا في الاستعمال الشائع نستخدمها في ماذا؟ لا نستخدمها بالمعنى المصدري، الكتاب إذا كانت بالمعنى المصدري الحقيقي ما هو؟ هي عملية الكتابة، لكننا نحن في الاستعمال الشائع نستخدمها بمعنى اسم المفعول المكتوب. فنقول: هذا كتاب كذا، أي مكتوب كذا، لهذا كثير في لسان العرب. لذلك يبقى كلمة منطق معناها المجازي الكلام المتكلم به. وكما ذكر صاحب لسان العرب استخدام كلمة منطق بالمعنى الثاني المجازي، الكلام المتكلم به هذا أشهر في لسان العرب. ومنه قوله تعالى عن سيدنا سليمان عليه السلام ماذا قال؟ قال: وَعُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ، أي كلام الطير، فهو يستطيع أن يفهم الكلام الذي يتكلم به الطير. طيب، هذا دلالة كلمة منطق إذا اعتبرناها مصدراً ميمياً.

طبعاً نحن الآن المعنى اللغوي فقط سنقف فيه عند كلمة المنطق، في السلم المنورق لن نقف عند المعاني اللغوية كثيراً. لكن هذه الكلمة هي أساس العلم، فينبغي للطالب أن يكون أحاط بها لغةً واصطلاحاً. أما المنطق بالمعنى الآخر أو بالاشتقاق الآخر، قلنا الحالة الأولى أن يكون مصدراً ميمياً، هذا فرغنا منه. الحال الثاني أن يكون اسم مكان، أن يكون اسم مكان. إذا كان اسم مكان نقول جاء اسم مكان على القاعدة، نعم يكون اسم مكان حقيقي وليس قياسياً وليس شاذاً.

الآن منطق مصدر ميمي كانت شاذة على خلاف القاعدة، أما منطق باعتبارها اسم مكان لا تكون دلالة حقيقية لأن نطق مضارعها ماذا؟ ينطق. إذا كان المضارع ينطق أي على وزن يفعل، فإن اسم المكان منه يكون على وزن مفعل. إذا كان المضارع من الثلاثي على وزن يفعل، فإن اسم المكان منه على وزن مفعل، ومنطق على وزن مفعل جاءت إذاً على القاعدة وليس فيها شذوذ والحمد لله. طيب، إذا كانت منطقة اسم مكان، إذاً لا بد من مكان تدل عليه، أنت تقول هي اسم مكان، أنا المسجد اسم مكان يدل على مكان معروف، مدرسة اسم مكان يدل على المكان المعروف، طيب منطق اسم مكان تدل على ماذا؟

هناك إذاً مكان تدل عليه، يقولون المنطق تدل على مكان، هذا المكان هو القوة العاقلة الموجودة في الإنسان، القوة العاقلة التي تصدر منها الإدراكات وتصدر منها عملية التفكير ويقوم الإنسان فيها بالتحاليل للمعلومات في حياته، هذه القوة العاقلة الموجودة في الإنسان تسمى ماذا؟ منطقاً. إذاً المكان الذي تدل عليه كلمة المنطق ما هو؟ القوة العاقلة. وأيُّها الأحبة، إذا سمعتم كلمة القوة العاقلة عند المناطقة، أو سمعتم كلمة الذهن، أو سمعتم كلمة النفس، فهذه الثلاثة مختلفة الألفاظ متحدة المعنى، كلها بمعنى القوة العاقلة.

هذا تقييد هذه قاعدة، إذا قلنا القوة العاقلة، أو سمعت كلمة الذهن مرت معك في الكتاب الذي معك، أو سمعت كلمة النفس، هذه ثلاث مصطلحات دلالتها واحدة وهي القوة العاقلة في الإنسان التي تصدر منها الإدراكات وتتم منها عملية التفكير. إذاً منطق اسم مكان تدل حقيقةً بالمعنى الحقيقي على ماذا؟ على القوة العاقلة، هذا هو المكان الذي تدل عليه. ثم كذلك استخدمت في معنى مجازي، استخدمت في معنى مجازي. كما أنها إذا كانت مصدراً ميمياً لها معنى حقيقي ولها معنى مجازي، كذلك عند استخدامها اسم مكان لها معنى حقيقي وضعت له ابتداءً ولها معنى اصطلاحي، أو معنى مجازي.

إذا كانت بالمعنى المجازي ما الذي تدل عليه؟ يقولون المنطق اسم مكان مجازاً يدل على نفس الإدراكات التي تصدر عن القوة العاقلة. الأمر يحتاج إلى استيعاب والذهن يكون متقداً. باعتبارها اسم مكان حقيقةً هي القوة العاقلة. القوة العاقلة قلنا ماذا يصدر منها؟ تصدر منها الإدراكات العامة في حياتنا اليومية، إدراك هذه الأشياء وإدراك الجمل وإدراك المفردات التي سيأتي معنا. الآن نفس الإدراكات التي تصدر من القوة العاقلة تسمى كذلك ماذا؟ منطقاً، لكن تسميتها منطقاً هو حقيقة أو مجاز؟ مجاز. الحقيقة أن القوة العاقلة نفسها هي المنطق، وتسمية الإدراكات الصادرة منطقاً هذا على سبيل التجوز.

ودائماً يقولون في المجاز لا بد من علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. الآن لم تستخدم اللفظة في أي معنى مجازي، فلما العقل الآن لماذا أطلقوا المنطق اسم مكان على نفس الإدراكات؟ عند البلاغيين يكون هناك علاقة تسمى علاقة السببية، أن الإدراكات هي مسببة وناتجة عن ماذا؟ عن القوة العاقلة. فنقلنا اسم المنطق من المكان الذي تصدر منه الإدراكات إلى نفس الإدراكات، علاقة تسمى علاقة السببية. ويجوز أن تكون علاقة كذلك مثلاً علاقة مجاورة.

كما أن العرب الآن، العرب أيُّها الأحبة، كانوا إذا أرادوا أن يقضوا الحاجة يذهبون إلى الأماكن المنخفضة التي يستترون فيها عن أعين الناس فيقضون الحاجة فيها. الآن في أصل لسان العرب الأماكن المنخفضة المطمئنة من الأرض تسمى ماذا؟ تسمى غائطاً. فكلمة غائط هي في الأصل اللغة للمكان المطمئن من الأرض المنخفض، الذي لا يرى فيه الناس. ثم لما كثر تردد العرب على هذه الأماكن المنخفضة لقضاء حاجاتهم نقلوا كلمة الغائط من المكان المنخفض وأصبحت تطلق على نفس الخارج من الإنسان.

لذلك في كتب الفقه يقولون يعني وينقض الوضوء البول والغائط. هل يقصدون بالغائط المكان المنخفض؟ لا، هم يقصدون بالغائط ما يخرج من الإنسان. طيب لماذا سمي ما يخرج من الإنسان غائطاً؟ لأن العرب كان في عادتها إذا ذهبت إلى قضاء حاجاتهم يذهبون إلى الأماكن المنخفضة التي تسمى غائطاً، فنقلت كلمة الغائط، عملنا لها زحف من المكان إلى الخارج، وهذه تسمى علاقة المجاورة، والعلاقات البلاغية كثيرة.

إذاً هذا هو معنى المنطق لغةً. عرفنا إذاً بالخلاصة أنها إما أن تكون مصدراً ميمياً وإما أن تكون اسم مكان. إذا كانت مصدراً ميمياً لها معنى حقيقي ولها معنى مجازي، المعنى الحقيقي لها هو التكلم بالصوت، المعنى المجازي لها هو نفس الكلام المتكلم به. إذا كانت اسم مكان لها معنى حقيقي ولها معنى مجازي، المعنى الحقيقي لها هو القوة العاقلة، المعنى المجازي لها ماذا؟ هي الإدراكات التي تصدر عن القوة العاقلة.

لكن هنا يعني وقفة سريعة أيُّها الأحبة، الآن هل لو فتح الإنسان فينا معجماً من معاجم اللغة العربية على كلمة منطق هل سيجد اللغويين يقولون المنطق هي القوة العاقلة؟ لن يجد ذلك. وهل سيجدهم يتكلمون بقضية الإدراكات وعدم الإدراكات؟ طيب من أين يعني قلنا أن في اللغة هو القوة العاقلة؟ ومن أين قلنا أنه يطلق مجازاً كذلك على نفس الإدراكات؟ وهذا يقودنا إلى مبحث شريف ذكره الإمام تقي الدين السبكي رحمة الله تعالى في الإبهاج في شرح المنهاج البيضاوي، يقول هو كان يتكلم عن دلالة كلمة أصل، هو كان يعرف أصول الفقه في ابتداء كان يعرف أصول الفقه، فبدأ التعريف في كلمة الأصول. فقال الأصول مفرد أصل، ثم يذكر الأصوليون في تعريف كلمة الأصل لغةً يذكرون عشرين معنى، منهم من يزيد ومنهم من ينقص، يذكرون عشرين معنى لكلمة أصل في اللغة.

طيب الآن لو فتحنا معجماً من معاجم اللغة العربية لن نجد لكلمة أصل إلا يعني نجد معنيين، نجد ثلاثة معانٍ لا يزيدون على هذا. من أين أتى الأصوليون بتلك المعاني الكثيرة لكلمة أصل؟ آه يقول تقي الدين السبكي رحمة الله تعالى يعني الأصوليون يغوصون في معانٍ في اللغة دقيقة لا يغوص فيها اللغويون. لماذا؟ لأن صاحب المعاجم اللغوية أيُّها الأحبة هو لو يريد أن ينظر في كل كلمة ويبحث عن كل المعاني المحتملة لها سيجلس ثلاثين عاماً وهو يؤلف معجمه، ويأتي للكلمة العربية يذكر أشهر المعاني استعمل فيها ثم ينتقل إلى غيرها، فهو لا يهمه الاستقصاء.

أما الأصولي والمنطقي والنحوي والفقيه عندما يبحث عن الدلالة اللغوية للمصطلح التي تخص علمه وكم مصطلح عنده؟ كم لفظة؟ هي ربما عشرون، خمسون، سبعون، ثمانون لفظاً عندنا هذه الألفاظ فهي محصورة العدد، تجده يغوص في المعاني اللغوية التي تحتملها هذه الكلمة غوصاً دقيقاً، فيصيرون إلى معانٍ دقيقة لم يذكرها أصحاب المعاجم، وهذا من هذا القبيل. فكلمة منطق أيُّها الأحبة أصحاب المعاجم يقتصرون على كونها مصدراً ميمياً أنها التكلم بالصوت، وأنها تطلق مجازاً على الكلام، ولا يدخل كونها قوة عاقلة وعدم قوة عاقلة، الذي يدخل في هذا المناطقة؛ لأنه كما قلنا يبحثون عن المعاني الدقيقة التي تحتملها كلمة منطق في اللغة وإن كان هذا المبحث لم يتطرق إليه أصحاب المعاجم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

الآن ننطلق أيُّها الأحبة إلى تعريف المنطق اصطلاحاً، وهذا الذي يهمنا أكثر في موضوعنا. ما هو المنطق؟ نحن أتينا لدورة شرح السلم المنورق في علم المنطق. ما هو علم المنطق؟ هذا كلام تكلمنا فيه سابقاً، لكن سريعاً نقول المنطق أيُّها الأحبة له تعريفان أو يعني يذكرون في كتب الحدود والمصطلحات له تعريفان، هذان التعريفان كل واحد منهما نظر بزاوية تختلف عن الآخر، كلاهما صحيح ولكن كل واحد نظر من زاوية ومن جهة تختلف عن الجهة الأخرى.

فنبدأ بالتعريف الأول الشهير الذي ذكره الأخضري رحمة الله تعالى في شرحه على منظومته فقال: المنطق آلة قانونية تقي مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير. آلة قانونية تقي مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير. نشرح هذا التعريف، عبر عن المنطق بكونه آلة، قال المنطق آلة، وما معنى الآلة هنا؟ الآلة هنا أيُّها الأحبة يقصدون بها واسطة. إذاً المنطق واسطة، واسطة بين ماذا وماذا؟ يقولون أيُّها الأحبة المنطق هو واسطة تصل أو توصل القوة العاقلة إلى المطالب المجهولة. المنطق كجهاز كآلة، هذه الآلة ماذا تفعل؟ هذه الآلة واسطة تعين توصل القوة العاقلة إلى ماذا؟ إلى المطالب المجهولة. المطالب المجهولة هي التي سنتكلم عنها، المجهولات التصورية والمجهولات التصديقية.

لكن أنا لا يهمني الآن أن تعرف هذا المصطلح، يهمني أن تعرف ما هو المنطق؟ المنطق إذاً آلة وضعها العلماء كمعيار كميزان كآلة في مصنع، هذه الآلة في المصنع يستخدمها العقل، يضع فيها المواد الخام حتى توصله إلى المطالب المجهولة التي يريد الوصول إليها. فهذا معنى أن المنطق آلة أو واسطة تربط القوة العاقلة بالمطالب المجهولة المراد الوصول إليها. طيب، قلنا آلة ثانية، آلة قانونية، ما معنى قانونية؟ يعني آلة لها قانون، لها قواعد تسير عليها. هل هذه الآلة آلة عشواء تشتغل على حالها؟ هذه آلة ككل آلات المصانع الآن، آلات المصانع ما يأتي معها كتالوج يقول لك هذه الآلة تضع فيها كذا وتشغلها من كذا وهنا تطفئها، كذلك المنطق آلة لها قانون ولها قواعد تسير عليه، لا بد للطالب أن يعرف هذه القواعد والقوانين، وهذا الذي سندرس في هذه المنظومة. نعرف القواعد والقوانين. إذاً قانونية لها قواعد وقوانين تسير عليها.

طيب، هذه الآلة ما وظيفة ما ثمرتها؟ انظر الآن تكلم عن ماذا؟ في الثمرة الآن، هو عرّف لكنه اهتم في هذا التعريف أن يبرز ثمرة علم المنطق أو الغاية المرجوة منه. فقال: آلة قانونية تقي مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير. تقي من وقى، هذه الأصل كلمة تقي من وقى وقلبت الواو تاء، نعم. الآن تقي قلنا مراعاتها، انظر هذا التعبير الدقيق، قال تقي مراعاتها ولم يقل تقي درايتها؛ لأن المراعاة درجة أعلى من الدراية. الآن يقولون علم التجويد مثلاً والقراءات، ألا يوجد فيه دراية ورعاية؟ الدراية ما هي؟ تحفظ الشاطبية وتحفظ المنظومات، كذلك النحو تحفظ ألفية ابن مالك. لكن يمكن شخص يحفظ ألفية ابن مالك درايةً ما شاء الله، لكن لا يستطيع أن يعرب كلمة واحدة، فنقول هذا درى ولكنه لم يرعَ هذا العلم.

فالرعاية هي التطبيق وهي الثمرة المرجوة من العلم، في هاي الرعاية. أما الدراية هي أمور نظرية مهمة، لكنها إذا لم تترجم بعد ذلك برعاية لم يحصل الفائدة المقصودة من العلم، لذلك قال تقي مراعاة؛ حتى يبين أن المنطق لو درست السلم المنورق ولو درست الشمسية وكل المنظومات والمنثورات لأني المنطق ثم لم تستطع أن تطبق.

أنت تقول عندك دراية وليس عندك رعاية، فلن تستفيد إذاً من هذا العلم. إذاً الطالب ينبغي له أن يعرف أنه ينبغي عليه أن يصل إلى درجة الرعاية ولا يقف عند حد الدراية. تقي مراعاتها ماذا؟ الذهن، ما هو الذهن؟ القوى العاقلة، قبل قليل قلنا ذهن، قوة عاقلة، نفس، كلها تدل على شيء واحد، القوة العاقلة هي الذهن. فإذاً هي آلة قانونية تقي مراعاتها الذهن، يعني تقي مراعاتها القوة العاقلة عن ماذا؟ تقيها وتحميها من ماذا؟ عن الخطأ، عن الزلل، في ماذا؟ في عملية التفكير.

طيب، ما هو التفكير؟ سامعين المنطق أيها الأحبة مشحون بماذا؟ بالمصطلحات والحدود والتعاريف، يعني هو علم يحتاج إلى إعمال ذهن، لا يحتاج إلى إنسان نائم، وإنسان ينبغي أن يكون الشيطان ويكتب ويضبط. الآن علم المنطق أيها الأحبة بشكل عام يعلم الإنسان الدقة حتى في دراسته للعلوم الشرعية، يعرف الطالب أن القضية ليست هكذا، تعاريف وهناك حدود وهناك مصطلحات، ينبغي أن يوضع الشيء في محله حتى يفهم كلام الأئمة وحتى يفهم لسان الشرع.

فقلنا ما هو الفكر؟ الفكر في اللغة أيها الأحبة هو حركة النفس في المعقولات. ويقابل الفكر عندهم ماذا؟ الخيال، الخيال يقولون أو التخييل هو حركة النفس في المحسوسات. ما هي النفس؟ والعاقلة، أحسنت. الآن أحياناً أستخدم النفس وأحياناً أستخدم الذهن في التعريف، وأحياناً نستخدم القوة العاقلة، كلها شيء واحد لا فرق بينها من حيث المدلول، كلها تدل على شيء واحد، إذاً الفكر حركة النفس أي حركة القوة العاقلة في المعقولات. المعقولات هي الأمور التي مجال بحثها في الذهن، مثل مثلاً المسائل الرياضية، المسائل التي تحتاج لاستنباط فقهي، هذه تسمى ماذا؟ معقولات. حركة القوة العاقلة فيها ومحاولة الوصول إليها التي تجدها أنت داخل ذهنك، هذه عملية التفكير التي تحدث داخل ذهنك.

هذا مصطلح كثير، مش أقول لك فكر، استخدم عقلك في التفكير أو التفكير كما قلنا في اللغة هو حركة النفس، النفس تشتغل، القوة العاقلة تشتغل، تحاول أن تصل إلى حل المسائل الرياضية، تحاول أن تستنبط المسائل الفقهية والنوازل، حركة النفس في هذه المعقولات تسمى ماذا؟ فكراً. يقابل ذلك حركة النفس في المحسوسات، المحسوسات هي الأمور التي تدرك بالحواس الخمس، السمع والبصر والذوق واللسان واليد وما شابه ذلك، فالأمور التي طبيعتها أنها محسوسة ليست عقلية. الآن مسائل الرياضيات عقلية، مثل الاستنباط الفقهي عقلي، علم الفلسفة عقلي.

أما مثلاً فكر الإنسان في الأشياء المحسوسة، مثلاً الإنسان يجلس ويشغل قوته العاقلة في تخيل طير يطير أمامه، لا يوجد طير لكن هو يشغل القوة العاقلة، يتخيل طيراً له جناحان ويطير أمامه، الآن هذه حركة كذلك للقوة العاقلة، لكنها حركة في ماذا؟ في أشياء محسوسة، لأن الطير لو كان أمامه كان محسوساً لأنه يدرك بحاسة البصر. كذلك يفكر الإنسان مثلاً شيء سمعه، يفكر الإنسان بشيء سمعه بصوت سمعه، الآن هذا التفكير في الأصوات المسموعة كذلك يسمى تخييلاً كمصطلح علمي، يسمى تخييلاً لأنه هو حركة النفس في شيء ماذا؟ محسوس، محسوس بماذا؟ عن طريق السمع، وعلى ذلك فقس. فكل شيء يدرك بالحواس إذا أشغلت عقلك أو نفسك أو في التفكير فيه فيسمى هذا الإشغال ماذا؟ تخييلاً. نحن ربما يعني في عرفنا الخيال نتكلم فيه عن أمور يعني إنسان نقول يتخيل، يحلم، لا، الآن في اللغة ليس هذا هو المقصود بالتخييل أو بالخيال، التخييل عندهم كما قلنا حركة النفس في الأشياء المحسوسة يحاول أن يفكر فيها في تركيبها، يتصور لها أجساماً وأشكالاً، وأما حركة النفس في المعقولات فهذا الذي يسمى فكراً. هذا مدلول الفكر في اللغة.

طيب، ما مدلول الفكر في الاصطلاح؟ يعني في اصطلاح المناطقة الفكر في الاصطلاح أيها الأحبة هو الانتقال من أمور حاصلة في الذهن مسبقاً إلى أمور مستحصلة، نريد أن تحصل. الانتقال، راح نعيد، الفكر في الاصطلاح هو الانتقال من أمور حاصلة في الذهن مسبقاً إلى أمور مستحصلة. ما هو الآن عملية التفكير أيها الأحبة؟ تتطلب وجود أشياء مسبقة، هذه الأشياء نحاول أن نركب بعضها، فنصل إلى أشياء جديدة، هكذا طبيعة حياة الإنسان، أنه عنده أشياء مسبقة، هذه الأشياء المسبقة عندما يركبها بتأليف معين يصل إلى أشياء جديدة ونتائج جديدة.

كيف تحدث المخترعات؟ وكيف يستطيع أن يصل الإنسان إلى النظريات العلمية؟ وكيف يستطيع الفقهاء أن يتكلموا في النوازل؟ لا بد إذاً من مسبقات يركبها، في الفيزياء أشياء مسبقة تعلمها يركبها فوق بعضها، يأتي بهذا فوق هذا فوق هذا، يصل إلى الشيء الجديد. وكذلك الفقه، يأتي إلى الدليل الشرعي ويأتي بمسائل أصولية تعلمها ويأتي بقواعد لغوية يأتي بها يدمجها مع بعضها، فينتج ماذا؟ ينتج حكماً شرعياً. فهذا كله يسمى عملية التفكير، الانتقال من أمور مسبقة في الذهن، تركيبها مع بعضها البعض على هيئة معينة فننتقل بعد ذلك إلى الأمور المطلوبة لدينا أو نصل من خلالها إلى الأمور المطلوبة لدينا.

لذلك ننتقل من خلال تعريف الفكر سننطلق إلى الحد الثاني، أنا ربما لم أذكره لأني أريدك أن تركز على الحد الأول وتحفظه، آلة قانونية تقي مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير. سأذكر الحد الثاني لأنه كذلك شهير وكثير الورود في كتب المناطقة حتى يحيط الطالب بالمادة العلمية، فنقول له المنطق كذلك منهم من عرفه على أنه قال: علم يعرف به كيفية الانتقال من أمور حاصلة في الذهن إلى أمور مستحصلة، اللي هي المراد تحصيلها. نعيد، المنطق يعرف أيضاً بتعريف آخر، ما هو؟ علم يعرف به كيفية الانتقال من أمور حاصلة مسبقة في الذهن إلى ماذا؟ إلى الأمور المستحصلة.

نحن نقول المنطق اصطلاحه بتعريف آخر، إن قلت هناك التعريف الذي ذكرته أمامكم في الشاشة، هذا الذي نريد التركيز عليه، آلة قانونية تقي مراعاة الخطأ في التفكير. هناك مصطلح آخر شهير كثير الورود عندهم ذكرته لأهميته، لأن هذا المصطلح الجديد، لماذا ذكرته؟ لأن المصطلح الأول هو ركز على ثمرة علم المنطق، الآن المصطلح الثاني هذا يركز على طبيعة علم المنطق، على الطبيعة وعلى الآلية التي يعمل بها، فقال المنطق هو علم يعرف به كيفية الانتقال من أمور حاصلة في الذهن مسبقاً إلى أمور مستحصلة.

في هذا التعريف لم يقل المنطق أنا، ماذا قال المنطق؟ علم، استخدم لفظة علم، وكلمة علم أيها الأحبة إذا رأيتها في بداية التعريف تفسرها بماذا؟ إما أن تفسرها بالقواعد والمسائل، وإما أن تفسرها بالإدراك الذي هو قريب من الفهم، وإما أن تفسرها بمعنى الملكة، تنظر ما هو الكلمة الأنسب فتأتي بها. إذاً العلم إذا بدأ بها في أي تعريف، إما أن نفسرها بمعنى القواعد والمسائل، وإما أن تفسرها بمعنى الإدراك، وإما أن تفسرها بمعنى الملكة. طيب، الآن هنا ما المناسب لتفسير كلمة العلم؟ قلنا علم يعرف به، يعني كلمة ملكة يمكن أن توظف في السياق، لكن الأظهر والأنسب أن نقول هي قواعد ومسائل يعرف بها كيفية الانتقال من أمور حاصلة إلى أمور مستحصلة.

طيب، أنا الآن من باب إعمال الذهن، هل يستطيع شخص من خلال ما ذكرته سابقاً أن يختصر هذا التعريف في ثلاث كلمات أو الكلمات أربعة؟ يعني الآن هناك جملة طويلة ذكرتها، ما هي؟ علم يعرف به كيفية الانتقال من أمور حاصلة إلى أمور مستحصلة، يمكن نختصر هذا التعريف فنقول به علم يعرف به ماذا؟ كيفية التفكير، لأن التفكير قبل قليل لما ذكرنا حده اصطلاحاً، ما هو التفكير؟ هو الانتقال من أمور حاصلة في الذهن إلى أمور مستحصلة، فعندما عرفنا المنطق علم يعرف به كيفية الانتقال من أمور حاصلة إلى أمور مستحصلة، نعم هذا تعريف طويل، نستطيع أن نختصره فنحذف كلمة الانتقال من أمور حاصلة إلى أمور مستحصلة، نعوض عنها بكلمة التفكير، فنقول: علم يعرف به كيفية التفكير، انتهى.

وهذا تعريف كذلك سهل على طالب العلم، ولو سألك شخص ما هو المنطق؟ تقول علم يعرف به كيفية التفكير، ما هو التفكير؟ هو الانتقال من الأمور الحاصلة إلى الأمور المستحصلة. الآن لو نظرنا كما قلنا هل هناك يعني خطأ في أحد التعريفين؟ لا، كلاهما صحيح، لكن التعريف الأول نظر إلى زاوية ماذا؟ زاوية ثمرة العلم، أنه يتقي مراعاته الذهن عن الخطأ في التفكير، أما التعريف الثاني فنظر إلى طبيعة هذا العلم وهو أنه ينتقل من أمور حاصلة إلى أمور مستحصلة.

الآن ننطلق إلى المبدأ الثاني من المبادئ العشرة، انتهينا الآن من المنطق لغة واصطلاحاً، إن مبادئ كل فن عشرة، الحد والموضوع ثم الثمرة. الآن هل يجوز التجوز في التعاريف والمصطلحات؟ الآن سيأتي معنا أنه لا يجوز في الحدود أن نستخدم الألفاظ المجازية إلا إذا وجدت قرينة يفهم منها أن اللفظ مجاز، وهذا من هذا، أن كلمة آلة نعم في الحقيقة هو على الشيء المحسوس ولكن مجازاً يطلق على الأمور العقلية، والأصل أن إدخال المجاز في الحدود كما سيأتي معنا معيب عند المناطقة، ولكن يجوزونه متى؟ إذا كان هناك قرينة في السياق تدل على أنك استخدمت هذه الكلمة بالمعنى المجازي وليس بالمعنى الحقيقي لها، فهذا من هذا كلمة آلة.

ننتقل إلى المبدأ الثاني من المبادئ العشرة، فقال الصبان إن مبادئ كل فن عشرة الحد والموضوع. ننتقل إلى الموضوع، ما موضوع علم المنطق؟ وابتداءً دائماً يحب للطالب أن يفرق بين موضوع العلم وبين العلم. موضوع العلم أيها الأحبة ليس هو العلم، الموضوع يعني إذا أردنا أن نأخذ تعريفه بالنجار هو ما يبحث فيه عن العوارض الذاتية، لكن هذا سيكون مقفلاً، فنأتي إلى معنى سهل علينا فنقول موضوع العلم هو المحور الذي يدور حوله العلم فقط، المحور الذي يدور حوله العلم. لذلك لو جئنا إلى علم الطب، دائماً هذا المثال الشهير الذي يذكره أهل العلم، علم الطب ما محوره؟ ما موضوعه؟ بدن الإنسان.

الآن لو قيل لك ما علم، عرّف علم المنطق، إذا قلت علم المنطق بدن الإنسان، أخطأت، خطأ، تقول هل علم المنطق بدن الإنسان؟ ليس بصحيح. موضوع علم، عفواً، علم الطب أنا أتكلم، هل علم الطب هو بدن الإنسان؟ ليس بصحيح. هل علم الطب بدن الإنسان؟ لا، علم الطب هي المسائل والقواعد التي تدرس حول بدن الإنسان، هي المسائل، فندرس في علم الطب الصحة والمرض وما أسباب المرض والأدوية وما شابه ذلك من القضايا، الآن هذه قواعد علم ومسائل علم الطب كلها تدور حول محور واحد، ما هو؟ بدن الإنسان. فبدن الإنسان هو الموضوع الذي يقصده علم الطب. فموضوع الشيء هو الذي أو موضوع العلم هو الذي يقصده العلم بالبحث، هو الذي يقصده العلم بالبحث، أو بعبارة أخرى المحور الذي يدور حوله العلم.

طيب، الآن نريد أن نطبق على علم المنطق، ما هو موضوع علم المنطق؟ إذاً علم المنطق يستهدف شيئاً، عنده محور يدور حوله كل علم المنطق ينبغي أن يدور على محور، ما هو هذا المحور؟ لا، علم المنطق المحور الذي يقصده هو المعلومات التصورية المسبقة والمعلومات التصديقية المسبقة، هذا هو موضوع علم المنطق، المعلومات التصورية المسبقة ولدينا والمعلومات التصديقية المسبقة لدينا. أنا لم أكن لا أحب أن أدخل في هذا التعريف إلا على كله سيأتي في معنى في العلم ستعرف ما معنى تصور وما معنى تصديق؟ وما معنى معلوم تصوري؟ وما معنى مجهول؟ لكن حتى الطالب يستفيد.

نقول أيها الأحبة الإنسان في حياته اليومية في حياته اليومية يقوم بعملية إدراك مستمر، هناك عملية ماذا؟ إدراك مستمر، هذا من منذ أن خلقنا الله سبحانه وتعالى إلى أن نموت ونحن في عملية إدراك مستمر، حتى ولو لم نشعر بها، نحن بها. الأشياء التي ندركها في حياتنا، الأمور التي ندركها، إما أن تكون مفردة، شيء مفرد، مثل الجوال، الطاولة، الجهاز، السماء، الأرض، هذه مفردات فتدرك ما معنى السماء؟ الآن السماء هذا يسمى عندهم ماذا؟ تصوراً. لماذا؟ لأنك أدركت شيئاً مفرداً فكأنك أخذت صورة فوتوغرافية عن السماء ووضعتها في ماذا في ذهنك، فسمي هذا ماذا؟ تصوراً. إذاً عملية الإدراك للمفردات تسمى ماذا؟ تصوراً. لماذا سمي تصوراً؟ لأنه فقط يأخذ صورة عنها كأنها صورة فوتوغرافية ويضعها في داخل الذهن فتصبح في ذاكرة الإنسان.

الآن هناك نوع آخر من الإدراك، طبعاً التصور هل هو فقط إدراك المفردات بهذا المعنى السهل؟ المعنى أعمق، والعمق سنتكلم فيه عندما نتكلم عن شرح المنظومة، لكن الآن فقط أريد أن أعطيك نوع تصور، ما معناه كلمة التصور والتصديق. إذاً فالتصور هي عملية إدراك للإنسان للأمور المفردة في حياته، جوال وطاولة وسماء وأرض وما شابه ذلك. الآن النوع الثاني من أنواع الإدراكات التي نمر بها، إدراك الجمل. إدراك الجمل، فمثلاً زيد قائم، هذه جملة تحتاج إلى هذا إلى إدراك، مثلاً أي نظرية علمية هي جملة تحتاج إلى ماذا؟ إلى إدراك، أي حكم شرعي مسألة هي جملة تحتاج إلى ماذا؟ إلى إدراك.

لكن هنا شيء ينبغي عليك أن تحفظه ابتداءً حتى لا تخطئ في هذا العلم، عندما نقول إدراك الجمل هم لا يقصدون بهذا أن تفهم معناها. إذا قلنا إدراك الجمل لا نعني بهذا أن نفهم معناها في عقولنا، فعندما جاء زيد، والسماء فوقنا، والقرآن معجز، والصلاة واجبة، هذه كلها جمل. هل نقول إدراك الجمل معناه أن نفهم معنى هذه الجملة؟ لا، إدراك الجمل يقصد به أن ندرك هل هذه الجملة مطابقة للواقع الخارجي أو ليست بمطابقة للواقع الخارجي، هل هي مطابقة أم لا؟ فمثلاً أنا قلت لك جاء زيد. الآن إدراكك لهذه الجملة الذي يسمى تصديقاً، الذي نسميه تصديقاً، هو أن تنظر في الواقع الخارجي، فعلاً هل جاء زيد للدرس؟ أو لم يجئ؟ فإذا جاء زيد للدرس فعلاً وحضر، تكون مثلاً هذه الجملة صادقة.

واذا لم يأتي زيد فتقول مثلا هذه الجملة ماذا؟ كاذبة. صحيح؟ الان هذه عملية الحكم على الجملة بانها صادقة او كاذبة باعتبار مطابقتها للواقع فعل خارجي او عدم مطابقتها نسميه ماذا؟ تصديقا. وهذا هو الذي يقصدونه بادراك الجمل. فاذا اذا قيل لك ادراك الجمل الذي يسمى تصديقا يراد به ماذا؟ ادراك مطابقة الجمل للواقع الخارجي. هل هذه الجملة التي تكلم بها فلان؟ هذه النظرية العلمية التي يتكلمون بها صباح مساء. هذا المسألة الفقهية والحكم الشرعي الذي اتى به هذا الشيخ. هل هو مطابق للواقع الخارجي او ليس بمطابق؟ ادراكك لهذه المطابقة وعدم مطابقتها نسميه ماذا؟ تصديقا.

طب من باب شحن الذهن لماذا سمي تصديقا؟ الا يمكن ان يكون تكذيبا؟ الا انك المسألة قد تكون صادقة فتسمى تصديق. واذا لم تكن صادقة الكلام الذي تكلم به اذا لم يكن صادق ستسميه ماذا؟ كذب. ستسميه تكذيبا. فلماذا ما سميناها مثلا ادراك الجمل تكذيبا لماذا اخترنا التصديق؟ السعي للصوت اصلا. يعني لانه اشرف يعني يعني قريب لان ايها الاحبة اشرف من الكذب. فهذا تسمية للشيء باشرف احتمالين. الان ادراك الجملة قد يكون بالصدق او بالكذب. اذا وقعت في الخارج صادقة. اذا لم تقع في الخارج كاذبة. اذا هي تحتمل الصدق والكذب. فسموا ادراك الجمل جملة بشكل عام قالوا نسميه تصديقا. وان كان يحتمل التكذيب. ولكننا نسميه تصديقا باعتبار اشرف الاحتمالين ولحتى يحثون الانسان على الصدق ومطابقة الواقع في كلامه.

وكلمة الكذب ايها الاحبة هنا يعني لا يشترط ان تكون كذبا عمدا يعني قد يكذب الانسان. فكذبة الكذب قد تكون بالخطأ لكن نسميها كذبا في النهاية. انا ظننت ان زيد جاء. فقلت هذه الجملة تبين ان زيد لم يجيء. نقول الجملة كاذبة ولكن هذا لا يقدح في الشخص. لانه قد لا يكون تعمد الكذب اخطأ ظن شيئا. فهو من حيث اللغة نسميه كذب. ولكن احذر هذا الكذب ليس هو المعيب المذموم. لذلك جاء في الحديث من كذب علي ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم متعمدا هذا قيد لانه قد يكذب الانسان على النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه ليس متعمدا لن يخطئ في الحديث فهذا من حيث اللغة يسمى كذبا. ولكنه ليس بالكذب المذموم لدينا. اما الكذب المذموم المنهي يعني شرع شرعا هو الكذب المتعمد على خلاف الحقيقة والواقع.

ممتاز. اذا عرفنا ان ادراك المفردات نسميه ماذا؟ تصورا وادراك الجمل بمعنى ادراك مطابقتها للواقع وعدم ادراك نسميه تصديقا. الان اذا في حياتنا اليومية نحن بشكل مستمر نمر في عملية ادراك لمفردات وفي عملية ادراك جمل بشكل يومي ومستمر في الدراسة في الحياة في العمل انت تدرك اشياء جديدة. فالقوة العاقلة النفس الذهن يكون فيها خزينة جدا من ماذا؟ من المعلومات التصورية المسبقة ومن المعلومات التصديقية المسبقة عندك خزينة جدا ادركت مفردات كثيرة في حياتك وأدركت جمل كثيرة في حياتك كلها موجودة داخل القوة العاقلة وفي داخل الذهن. الآن في الحياة تصدف معك مواقف تصل الى شيء تسمع كلمة تسمع مثلا كلمة جديدة مخترع جديد خرج مثلا شخص عامي من اجدادنا يسمع كلمة جوال من الاجداد عمره ما شاف جوال في حياته يسمع كلمة جوال الان الجوال هو ماذا مفرد صحيح؟ فادراكه يسمى ماذا؟ تصورا.

الان هذا العم وهذا المسن عندما يسمع كلمة جوال يحاول ان يدركها يحاول ان يدركها لم يستطع ان يدركها. لم يستطع لم تستطع قوته العاقلة ان ماذا؟ ان ترتب شيئا تفهم فيه طبيعة الجوال. فيأتي انسان مثلا انا اكون ابنه فاتي اليه. انا اعرف ان هذا المسن عنده معلومات تصورية مسبقة في اشياء. اقوم انا بترتيب هذه المعلومات التصورية المسبقة لديه انا ابنه اتي اليه حتى اعرف ما هو الجوال حتى اعرفه ما هو الجوال. انا اعلم ان هذا المسن عنده معلومات تصورية مسبقة في اشياء في الحياة. هو يعرف مثلا كلمة التكلم بالصوت التكلم عن بعد ما شابه ذلك هو يعرفها. لكن ما استطاع ان يوظفها للجوال. فاتي انا لمعلومات تصورية مسبقة موجودة عند هذا المسن ارتبها ترتيبا معينا من خلال هذا الترتيب المعين اوصل هذا المسن لنوع تصور عن الجوال. هذي عملية ترتيب المعلومات التصورية المسبقة ماذا تسمى؟ لا شيء معروف لدينا. لا ترتيب المعلومات المسبقة بهيئة معينة حتى نبين بها شيئا مفردا نسميه تعريفا.

الان التعريف ما هو التعريف؟ انت عندما تعرف الفقه المنطق الجوال السماء طبعا ان كانت السماء معلومة بالضرورة لا تحتاج الى تعريف. اي شيء تعرفه في المخترعات اي مصطلح علمي في اي علم من العلوم. انت كيف تقوم بتعريفه؟ انت توظف معلومات تصورية مسبقة عند الشخص الذي يسمعك. توظف هذه المعلومات التصورية ترتبها بترتيب معين. عندما ترتبها ترتيب معين يصل هذا الشخص السامع الى ادراك شيء جديد. لذلك جاء شخص لك فقال لك يا شيخ ما الفقه؟ انا لم استطع ان اتصوره. تنظر الى هذا الشخص الذي امامك ترى ان هذا الشخص يعرف ما معنى الحكم. ويعرف مثلا ما معنى العمليات. ويعرف ما معنى الادلة التفصيلية يعرفها لكنه لا يعرف معنى الفقه. فاقوم انا بماذا؟ بتوظيف هذه المعلومات التصورية المسبقة لديه ارتبها ترتيبا معينا حتى اوصل اليه معنى هذا التصور الجديد وهو مدلول كلمة الفقه. فاقول له الفقه هو العلم بالاحكام الشرعية العملية من ادلتها التفصيلية. الان كل هذه الامور التي ذكرتها لابد ان تكون عند من؟ عند المخاطب مسبقا. حتى استطيع ان اوظفها بهذا الترتيب فاوصل اليه تصور لمعنى كلمة الفقه. هذه عملية الترتيب تسمى ماذا؟ تعريفا.

طيب. الان كذلك يأتيك شخص لا يدرك جملا عرفنا هذا في باب التصورات. الان في باب التصديقات قد يأتي شخص لا يدرك جملا. يقول لك يا شيخ القرآن انت تقول القرآن معجز. تقول القرآن معجز صحيح؟ الان انا هذه الجملة لم استطع ادراكها. هل ما معنى انك تستطيع ادراكها؟ لا ان احنا في دور التصديقات. اه هل المراد لم استطع ادراكه يعني لم افهم مفرداته؟ لا. ويفهم مفرداته. لكنه لم يستطع ادراك هل هي مطابقة للواقع ام لا؟ انتم تقولون القرآن معجز. انا اريد ان ادرك هذه الجملة بمعنى اريد ان ادرك هل هذه الجملة مطابقة للواقع او ليست بمطابقة من الواقع هنا اتي بماذا؟ اتي بجمل مسبقة بجمل مسبقة عند هذا الشخص ارتبها له ترتيبا معينا يلزمه من خلالها بان يقول ان القرآن معجز.

فاقول له مثلا القرآن هل استطاع احد ان يأتي به؟ بمثله يقول لك لا اذا هذه عندما قال لها اذا هذه الجملة موجودة عنده مسبقا. وادراكها موجود مسبقا لديه. طيب. فتقول له اليس كل شيء لم يستطع البشر الاتيان بمثله يكون معجزا؟ فيقول لك صحيح اي شيء لا يستطيع البشر يكونوا اذا وافق هذا المقدم الثانية اذا هذه المقدمة الثانية موجودة مسبقا لديه. الان هنا الزم اذا القرآن معجز. لانك قلت القرآن لم يستطع احد ان يأتي بمثله. وكل ما لا يستطيع واحد ان يأتي بمثله فهو معجز بحذف الحد الاوسط كما سيأتي معنا ينتج عندنا ان القرآن معجز. اذا استطاع لهذا الشخص او استطيع ان الزمه بان يقول ان القرآن معجز. الان هذه العملية ماذا تسمى؟ عملية ترتيب المقدمات وحذف الحد الاوسط. ماذا تسمى؟ تسمى؟ لا. حجة. هذا هي قياس لكن بالمسمى العام حجة.

وعلم المنطق ايها الاحبة يدور على هذين الامرين. فقط نكمل هذه العبارة علم المنطق ايها الاحبة يعني خذها من الان هو فقط كيف اكون تعريفا صحيحا؟ استطيع به تصور المفردات؟ وكيف اكون حجة صحيحة استطيع بها تصديق الجمل او ادراك الجمل. هذا هو علم المنطق. سنتعلم فيه كيف نصنع الحدود والتعاريف الصحيحة؟ ما هي شروطها؟ ما هي ضوابطها وسنتعلم فيه باذن الله كيف نستطيع ان نركب قياسا او حجة صحيحة نلزم فيها المخالف او نقنع فيها الشخص السائل. هذا هو كل علم المنطق ليس له علاقة بالفلسفة ولا الميتافيزيقيا وما يسمى ما وراء الطبيعة وليس له علاقة بالالهيات او علم الوجود المطلق لا لا ان المنطق ايها الاحبة فقط امور عقلية في اعادة ترتيب للذهن اعادة ترتيب للذهن وحسن اداء في العبارة حتى يستطيع الانسان ان يفكر بشكل صحيح في حياته هذا هو علم المنطق.

لذلك هذا كله فقط حتى نبين لكم ما هو موضوع علم المنطق. اذا موضوع علم المنطق نعود هو المعلومات المعلومات التصورية المسبقة والمعلومات التصديقية المسبقة من حيث انها موصلة الى مجهولات تصورية او مجهولات تصديقية. طبعا هذه الحيثية مهمة اكتبوها اذا لم تكتبوها. الحيثية مهمة دائما عندما تتكلم عن موضوع اي علم ينبغي ان تبين فيه الحيثية الذي يبحث فيها هذا الموضوع. فعندما قلنا مثلا ان علم النحو يدرس احوال اواخر الكلمات العربية اه الان هل لابد تبين الحيثية نقول موضوع علم النحو احوال اواخر الكلمات العربية من حيث الاعراب والبناء لابد تذكر الحيثية لانه احوال اواخر الكلمات العربية يبحثها كذلك علم الصرف. لا يبحثها فقط علم النحو. فينبغي عليك ان تبين ان هذا الموضوع يبحث من هذه الحيثية.

وهنا في علم المنطق نقول علم المنطق موضوعه المعلومات التصورية المسبقة والمعلومات التصديقية من حيث هادي تسمى الحيثية. انها موصلة الى مجهولات تصورية والى مجهولات تصديقية. فالمعلومات التصورية المسبقة نوظفها حتى نصل الى المجهولات التصورية والمعلومات التصديقية المسبقة نوظفها حتى نصل الى المجهولات التصديقية كما ترون امامكم هذا علم المنطق عندك تعريف وعندك حجة تدخل معلومات تصورية مسبقة داخل قالب التعريف في هذه الالة ماذا ينتج ينتج عندك معلومات تصورية جديدة. وعندنا معلومات تصديقية مسبقة ندخلها في الحجة او ما يسمى قياس عند المناطقة يقوم باعادة تهيئة هذا الشيء يخرج لك معلومات تصديقية جديدة.

فنحن نريد ان نعرف ماذا كيف تشتغل هذه الالة. هذه الالة التي ترونها امامكم نريد ان نعرف كيف تعمل هذه التعاريف كيف تصاغ ما شروطها ما ضوابطها؟ ما هي الامور المؤثرة فيها؟ وما يجوز ما لا يجوز؟ كذلك الحجج والاقيسة. كيف نكون حجة صحيحة نلزم بها وطبعا حتى لو لم يعني تدخل انت في هذا المجال اقل شيء عندما تقرأ كتب التراث الاسلامي تستطيع ان تفهم ماذا يتكلم به العلماء؟ يقولون قياس منطقي هذا قياس شمولي هذا قياس استثنائي هذا برهان وهذا فيه جدل وهذا فيه خطاب. طب هذي مصطلحات لابد ان الطالب ان يفهمها حتى يفهم كتب التراث. اما ان يبقى الطالب مع كتب المعاصرين التي في اغلبها تبتعد عن الدقة العلمية هذا يكون في بنائه العلمي نوع من الخلل. الطالب يدخل في كتب السلف وفي كتب التراث الاسلامي اذا استطاع ان يبني اذا اراد ان يبني نفسه بناء علميا صحيحا.

بعد ذلك ننتقل الى المبدأ الثالث وهو ثمرة علم المنطق. طيب ثمرة علم المنطق ايها الاحبة قال رحمه الله تعالى ان مبادئ كل فن عشرة الحد والموضوع ثم الثمرة. طيب ما ثمرة علم المنطق؟ ايها الاحبة في الحقيقة يعني ادراك ثمار العلوم من اهم الاشياء لان بها تدرك قيمة العلم. انت اذا عرفت ثمرة العلم ادركت قيمته. فاذا رأيت هذه الثمرة مناسبة لك تحتاجها فانك تطلب هذا العلم؟ واذا رأيت هذه الثمرة لا تصلح لك او وجدت كسلا عن طلبها فانك ستنصرف عنه. لذلك ادراك ثمار العلم مهمة جدا في بداية طلبك للعلم. حتى كما قلنا اذا وجدت شيئا يدفعك الى طلبه تنطلق الى الطلب. طبعا وشتان بين من يعني تحثه ليما بطلب هذه العلوم ومن يهتم بمعرفة ثمارها وبعد ذلك يبني عليها. قد يعرف الانسان الثمرة ويعلم انه يحتاج اليها ومع ذلك يتكاسل في طلبها نسأل الله ان يعيننا.

الان ثمرة هذا العلم ايها الاحبة اني سانقل كلاما لابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى في التقريب لحد المنطق. من خلاله نتكلم فيه عن ثمرة هذا العلم يقول العلامة ابن حزم الظاهري في كتاب التقريب لحد المنطق ليعلم العالمون ان من لم يفهم هذا القدر اي علم المنطق فقد بعد عن الفهم عن ربه تعالى وعن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجز له ان يفتي بين اثنين لجهله بحدود الكلام وبناء بعضه على بعض وتقديم المقدمات وانتاجها النتائج التي يقوم بها البرهان وتصدق ابدا او يميزها من المقدمات التي تصدق مرة وتكذب مرة واما علم النظر بالاراء والديانات والاهواء والمقالات فلا غنى لصاحبه عن الوقوف على معاني هذه الكتب.

اذا هذا النص ايها الاحبة سنستخلص منه هذه الفوائد التي ترونها امامكم تبين ثمرة علم المنطق. من خلال كلام ابن حزم. ابن حزم يقول من لم يفهم هذا القدر في علم المنطق لم يجز له ان يفتي بين اثنين. لم يجز له يعني يحرم عليه ان يفتي بين اثنين لجهله بطرق ترتيب الكلام والحداد وما شابه ذلك. طيب وكذلك يبين ان علم النظر في الاراء والديانات ما يسمى علم الفرق والاديان لا يمكن للطالب ان يستوعب الفرق بين هذه الطائفة وهذه الطائفة طبعا بعد ان اصبح كل كلام الطوائف الا من نذر مبني على علم المنطق وعلى قواعد الكلام. لا يمكن ان تدرك الفرق بينهم في تأصيلاتهم وتقعيداتهم الا بعد ادراك علم المنطق. لذلك ان علم المنطق ايها الاحبة باختصار فائدته وثمرته فهم مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز وهذا مهم جدا ايها الاحبة. كذلك التأهل لمنصب الافتاء في الشريعة. التأهل لمنصب الافتاء في الشريعة يعني الانسان يقول ان الصحابة كانوا يفتون في دين الله والسلف والامام احمد وهل كان احد منهم يعرف هذه الامور؟ هل درسوا علم المنطق وهل درسوا تكوين الحجج والاقيسة؟ نقول له.

فرق أيها الأحبة هذا تكلمنا عنه في المجالس السابقة، أن هؤلاء كانت قرائحهم نقية، فكانت القواعد المنطقية، الآن القواعد المنطقية كما سيأتي هي قواعد عقلية موجودة في الفطر ومركوزة في الملكات، لكن هذه القواعد تفسد عندما يخالط الإنسان أصحاب الملكات الفاسدة. عندما تخالط مجتمعاً فيه الملكات العقلية فاسدة وتكثر فيه المغالطات والسفسطات ملكتك العقلية تفسد.

لذلك مثلاً من نشأ في بيئة عند فرقة من الفرق، هذه الفرقة غير موافقة مثلاً أهل السنة والجماعة، عندما ينشأ عندها سيبدأون إثارة المغالطات ويأتون بمقدمات عقلية، الآن بكثرة سماعه ومعايشته بينهم القضايا العقلية الصحيحة عندهم ستفسد، ويصبح يقول بقولهم. هو لو ترك على نشأته ربما لم تفسد هذه، لأن الإنسان نشأ على الفطرة الصحيحة. لكن متى تفسد الملكات؟ بمخالطة أصحاب الملكات الفاسدة. فكما أن إنساناً فصيحاً لو وضع في بيئة تلحن في الكلام يترك شهر شهرين، يصبح يلحن يتسرب إليهم اللحن رويداً رويداً ويخطئ في اللسان. كذلك علوم العقول، علوم العقول تفسد إذا أكثر الإنسان من مخالطة أصحاب الفاسدة.

لذلك نجد الأئمة الكبار الذين انكبوا على دراسة كتب الفلاسفة وقراءتها والاهتمام بها تأثروا في عقولهم؛ لأنهم أشغلوا في أربعة وعشرين ساعة يقرأ علم الفلسفة علم الكلام، هذه فقط تقول هذه فرقة تقول، الآن إذا لم تكن هناك حصانة متينة قبل الولوج في هذه الكتب سيتأثر الإنسان من حيث لا يشعر بأصحاب الملكات العقلية الفاسدة أو القضايا العقلية الفاسدة.

لذلك الصحابة عندما كانت قرائحهم نقية وملكاتهم سوية لم يحتاجوا إلى مثل هذه الأمور، كانوا العرب يعيشون في الصحراء وفي البوادي، أصحاب ملكات متينة وقرائح نقية. والسلف رحمهم الله تعالى لماذا كانوا ينهون عن مخالطة أصحاب البدع؟ حتى لا تتأثر الملكات العقلية؛ هم يدركون أن الإنسان بكثرة مخالطته لأرباب البدع وأصحاب الانحرافات تتأثر قوته العقلية رويداً رويداً، لذلك كانت القرائح نقية. بعدهم انتشرت الفتن في هذه الأمة والافتراق والكتب والتصنيف، وأصبح علم المنطق حاجة ملحة لمن أراد أن يعرف ويرد ويتكلم ويعرف كيف يفتي في دين الله سبحانه وتعالى.

إذاً الفائدة الثالثة هي فهم الطالب لأقوال الطوائف والنحل والفرق. أي كتاب كتاب ابن حزم شهور، يعني كل كتب الملل والنحل إذا أردت أن تفهمها لابد أن يكون عندك آلة بسيطة في علم المنطق. ونكمل بإذن الله عز وجل بعد الصلاة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. ما شرعنا فيه وانتهينا إلى المبدأ الرابع من المبادئ العشرة، إن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع ثم الثمرة، ونسبة المبادئ بالنسبة، ما نسبة هذا العلم إلى العلوم الأخرى؟ وعندما نتكلم أيها الأحبة عن النسبة، نقصد بها ما علاقة هذا العلم بالعلوم الأخرى؛ فمثلاً هل هو من علوم الوسائل أو من علوم المقاصد؟ وهل يحتاج إلى شيء قبله أن ندرسه أم لا يحتاج إلى شيء قبله أن ندرسه؟

فمعرفة الطالب نسبة هذا العلم، أي علاقة هذا العلم بالعلوم الأخرى، تعينه على ماذا؟ على اختيار الوقت المناسب في طلبه. إذا عرفت أن هذا العلم هناك أمور أخرى ينبغي أن تدركها أولاً قبل أن تدخل فيه، إذاً ينبغي علي أن أطلب تلك العلوم قبل أن أدخل فيها. العلم أما يعني كما في الدراسات الأكاديمية يختار الطالب أي ساعة في أي مادة في أي وقت كما يحتاج ويدخل ويقرأ ويدرس، طيب كيف تضبط هذا العلم؟ هناك أمور مسبقة ينبغي عليك أن تتدرج فيها قبل أن تصل مثلاً إلى هذا العلم.

فمثلاً هل يصلح للطالب أن يتعمق في علم أصول الفقه من غير دراية بعلم المنطق؟ لا يصلح له ذلك؛ لأن الكتب انتهت، الكتب كلها الآن التي كتبها أهل التراث فيها لغة المناطقة. كذلك مثلاً لا يصلح للطالب أن يدخل في تفسير قرآن وهو لا يحسن في النحو، لا يحسن في الصرف، ولا يحسن في البلاغة. وكذلك لا يجوز للإنسان أن يتصدر للاجتهاد ولا يوجد عنده أصول الفقه وعلوم الآلات التي تعينه على الاستنباط. إذاً العلوم أيها الأحبة ترتبط مع بعضها، فهي كقطع التركيب، علم يتركب على علم، ثم على علم، ثم على علم.

من أحسن هذا التركيب للعلوم فدرس كل علم في مكانه المناسب من خلال معرفة العلاقات التي تربط العلوم مع بعضها، استطاع أن يكون شخصية علمية لنفسه. أما من لا يحسن اختيار العلوم، يوم تجده هنا، ويوم يحلق في ذاك العلم، ويوم في علم ثالث، وهذا العلم لا يدركه لأن له إحاطة بعلم آخر وما شابه ذلك، يكون البناء فيه خلل واضح، ولا يستطيع الإنسان أن يعرف ما الذي يتكلم به؛ لأنه هو لا يعرف المصطلح الذي يستخدمه ولا يعرف دلالته ولا يعرف أن هذا المصطلح له علاقة بعلم آخر كان ينبغي أن يدرسه. إذاً معرفة نسبة العلوم وعلاقتها مع بعضها البعض مهمة جداً للطالب.

فمثلاً لو أتينا الآن علم المنطق، ما نسبة هذا العلم إلى العلوم الأخرى؟ ما علاقته؟ ابتداء نقول أيها الأحبة علم المنطق كمفهوم وكعلم له قواعده هو مباين لسائر العلوم، علم يدرس وحده؛ لأنه علم له قواعده له بناؤه الشخصي، لذلك هو علم يدرس وحده. أما من الناحية العملية التطبيقية فعلم المنطق هو أساس كل العلوم في هذا الوجود. كل العلوم في هذا الوجود تقوم على علم المنطق؛ لأنه أي علم ستدرسه، سواء من علوم شرعية، سواء علوم لغوية، سواء علوم هندسة، رياضيات، فيزياء، أي علم ستدرسه هو إما عفواً إما مفردات تحتاج إلى تصورها، وإما جمل تحتاج إلى إدراك تصديقها.

أي علم مش هو نظريات علمية ما يسمى؟ يسمى الآن تعريف العلوم تعريف المخترعات أو ما شابه ذلك، أي علم في الوجود هو متكون أو يتكون من مفردات ومن جمل، وإدراك المفردات يسمى تصوراً، وإدراك الجمل يسمى تصديقاً. فكل علوم الدنيا تقوم على علم المنطق علم العقول، هذا من الناحية التطبيقية من حيث الناحية العملية. أما علم المنطق كمفهوم وكقواعد وكمسائل فهو علم مباين، له منطقه، له مؤلفاته، له مصنفاته التي نفهمها ونعقلها، ثم بعد ذلك نستطيع أن نطبقها على سائر العلوم الأخرى، لذلك كما ترون أمامكم المنطق تجدوه في الفقه، وتجدوه في الطب، وتجدوه في الفلك، وتجدوه في النحو، هذا كله من الناحية العملية التطبيقية، هذه إحدى نسبه أنه من الآلات، هذا أولاً. ثانياً هو علاقته في العلوم الشرعية، فهم علوم الشريعة جملة ينبني على إدراك الإنسان للملكات العقلية، أي إدراكه لعلم المنطق، ثم هو كعلم مباين لسائر العلوم من حيث القواعد والتأصيل، وأما من حيث التطبيق فهو موجود في كل العلوم.

أما المبدأ الذي يليه وهو فضل العلم، وفضل العلم أيها الأحبة هو قريب من ثمرته، لذلك كثير ممن يتكلم في المبادئ العشرة يستغنون بذكر الثمرة عن ذكر الفضل، لكن الثمرة أقرب إلى الناحية المحسوسة الموجودة كما يقول الناحية الوجودية التي يحتاجها الطالب، والفضل أقرب إلى الناحية الروحانية الإيمانية. يعني ما فضله؟ ما الذي يترتب على طلبه؟ مثل هذه الأمور هي التي ربما تدخل في باب الفضل، أما في باب الثمرة فيتكلمون عن الثمار المقصودة مباشرة من طلب العلم. وسريعاً نقول مثلاً لو أردنا أن نفهم ما فضل هذا العلم؟ نأخذ من ثمرته شيئاً فنقول: فهم مراد الله ومراد رسوله، وكفى بذلك فضلاً. الإنسان إذا كان طلبه لهذا العلم أن يدرك وأن يفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، هذه إذاً منقبة عظيمة لهذا العلم أن يعينك على الفهم عن الله ورسوله.

كذلك الدفاع عن العقائد الحقة، الآن الإنسان عندما يدافع عن عقيدة أهل السنة والجماعة ويقيم لواءها ويناظر عليها ويدافع، يحتاج إلى أسلوبه، إلى معرفة كيف تكون الحجج وكيف تكون الحدود والتعاريف حتى لا يسقط أمام المناظرين إذا تأهل لمنصب المناظرة أو تأهل لمنصب الكتابة في العلم والدفاع، فإذاً الدفاع عن العقائد الحق وبيان بطلان العقائد الفاسدة كذلك ينبني على التمكن في علم المنطق. لذلك علم المنطق هذا منقبة أخرى له أنه يعينك أن تصل إلى هذه المرتبة.

ثالثاً تحصين المسلم نفسه من الشبهات، الآن أيها الأحبة نحن في عصر العولمة أمام الفضاء الواسع، وسائل التواصل الاجتماعي مفتوحة أمام الإنسان، يسمع الدعاة الجدد الذين يرفعون شعار الإصلاح وما شابه ذلك، هذا الشيء يتكلم بشيء يناقض هذا الآخر وهذا يتكلم وهذا في باب آخر، فكيف يستطيع طالب العلم والمسلم أن يحصن نفسه من هذه الشبهات ومن هذا العالم الذي كله يريد أن ينزع منك دينك؟ العالم كله بوسائل تواصله هو يريد أن يسلب المسلم دينه، يريد أن يأتيه بالشبهات ويلقي تلك البذور في عقول الشباب. الشاب عندما يستقبل هذه البذور من غير حصانة فكرية سيسمع لا يوجد عنده مقياس، لا يوجد عنده معيار يحكم به على الصحة وعلى البطلان وعلى هذا القياس صحيح أم حجة صحيحة، وهل هذا التعريف؟

الآن هذه الأمور كلها ندرسها في علم المنطق، تكون لك حصانة علمية، معيار تستطيع أن تحكم به على كل ما نستقبله في هذا العالم وكل ما يبثه لك الآخرون، لذلك ضعف الشباب اليوم في عدم وجود هذه الحصانة، تأتي عليه الشبهات تهجم عليه هجوماً وهو كما قلنا لا يوجد عنده بناء علمي ولا يوجد عنده خلفية تعينه على وضع معيار عام، ما الذي يقبله؟ وما الذي يرده؟ فيقع للأسف في هذه المتاهات من حيث لا يشعر ونسأل الله السلامة والعافية.

المبدأ الذي يليه هو الواضع ونسبته وفضله والواضع، من هو واضع علم المنطق؟ دراسة الظروف التاريخية التي تنشأ فيها العلوم أيها الأحبة مهم جداً لمعرفة مقاصد الواضعين الأوائل، إذا عرفت مقصد الأوائل تستطيع أن تفهم حقيقة هذا العلم وتتصوره على الوجه الصحيح، وخاصة أن كثيراً من العلوم صنف فيها ابتداء لمقصد ووضعت لغاية، ثم بعد ذلك بدأ التصنيف فيها ينحرف عن الغاية التي وضع لها ابتداء. لذلك كما قلنا دراسة الظروف التاريخية التي تنشأ فيها العلوم تعين على إدراك التسلسل والأطوار التي مر بها هذا العلم، ثم يعرف لماذا وضع العلماء هذا العلم، خاصة في العلوم الشرعية؛ لأن التصنيف في العلوم الشرعية عامة تأخر عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة، ظهر فيه منتصف القرن الثالث وما بعد ذلك ظهر هناك التصنيف الحقيقي، ولم يصنف في العلوم الشرعية إلا بعد أن ظهرت دواعي وحاجات محددة.

فصنف في علم أصول الفقه لما فسدت الملكات في الاستنباط، وصنف في مثلاً النحو لما فسد اللسان، فهناك أسباب وظروف تاريخية هي التي جعلت العلماء ينكبون على التصنيف والوضع حماية لجناب الشريعة، إذاً ففي علوم الشريعة خاصة وفي العلوم عامة ينبغي على الطالب أن يكون عنده ولو دراية صغيرة في الأسباب التي أنشأت هذا العلم، وما هي الطبيعة التي ترعرع فيها ابتداء؟ فلو قلنا عن المنطق أيها الأحبة أين نشأ ابتداء كعلم له قواعد ومسائل ويتكلم فيه؟

الآن الإغريقيون القدامى أيها الأحبة كانوا يتكلمون في علم ما يسمى علم ما وراء الطبيعة، يسمى في علم المعاصرين الميتافيزيقيا، الآن هذه الميتافيزيقيا أو ما وراء الطبيعة التي يتكلمون فيها عن الوجود المطلق، تأثر فيها كثير من العلماء المسلمون في العصور السابقة، كذلك علم الطبيعة وعلم الرياضيات وما شابه ذلك، هذه العلوم أيها الأحبة الإغريقيون القدامى كانوا يتكلمون فيها من منطلقات عقلية بحتة، لا يوجد عندهم كتب سماوية ولا يوجد عندهم إثارة من علم نبوي إلهي، يتكلمون فيها من أين؟ بعقولهم المجردة، يتكلمون في الوجود المطلق وعلاقة هل هناك يوجد إله ولا لا يوجد إله؟ وما هو طبيعة هذا الإله والروح وما شابه ذلك، وباقي أقسام علوم الفلسفة التي تكلمنا عنها سابقاً.

الآن هم لما بدأوا يتكلموا فيها بعقولهم والعقول متباينة وهي عاجزة، أصالة أن تتصور ضخامة الوجود من دون يعني إثارة من علم إلهي، بدأوا يصلون إلى نتائج متناقضة، هذا العالم الإغريقي يتكلم في جهة وذاك يخالفه في جهة أخرى في أمور تتعلق بالإله يعني ليست أموراً هينة يعني خلاف فقهي، ويتكلمون عن الوجود عن الكون كيف نشأ الإنسان؟ هذا يعطي تصوراً وذاك يعطي تصوراً، أحياناً يجد العالم نفسه يتناقض اليوم يتكلم بشيء ثم بعد شهر شهرين يتكلم بشيء آخر يناقض كلامه السابق. الآن علماء الإغريقيون القدامى لاحظوا أن هناك في النتائج التي نصل إليها فيما يتعلق بالإلهيات وبالطبيعيات وما شابه ذلك، عرفوا أن السبب في ذلك ما هو؟ أنه لا يوجد معيار للعقول؛ لأن العقول متفاوتة أيها الأحبة، هذا العالم له عقلية وبناء عقلي محدد، وذاك له بناء عقلي آخر، كل إنسان ينطلق من منطقه ومن منظوره العقلي الخاص، ولا يوجد هناك ما يلزم الجميع بأمور محددة. ما الذي سيدلنا أن ذاك العالم تكلم بشكل غير صحيح أو استدل بقواعد خاطئة؟ لم تكن هذه القواعد المنطقية مدونة آنذاك.

كذلك هناك داع آخر مهم أيها الأحبة يعني سبب وضع علم المنطق، وهو نشوء طائفة من السفسطائيين، طائفة من السفسطائيين الذين يشككون في ماذا؟ يشككون في القضايا المسلمة، هناك قضايا بديهية عقلية مسلمة تسمى الضروريات وكذلك المحسوسات، هذه القضايا مسلمة ظهرت بعض الطوائف الشاذة عند الإغريقيين القدامى ينكرونها، فيقول مثلاً أنت وضعت يدك على النار أمامك، لا لا هذه ليست نار، يشككون الإنسان في الأمور التي يحس بها ويراها، أنت ترى الشمس يقول لا هذه ليست شمس، أثبت أنها الشمس، فأصبح الجدال ينتقل كما يقول الجدال بيزنطي يعني لا يوجد.

شيء يمكن أن تقنعه، لأن الأمور البديهية الضرورية لا يناقش بها العقلاء. فعندما ظهرت كذلك هذه الطائفة، لاحظ علماء الإغريق أنه لا بد إذاً من علم نضبط فيه قواعد التفكير، نسميه علم معيار العقول، ميزان للعقول نحاكم عليه بعضنا بعضاً؛ حتى نستطيع أن نعرف النتائج الصحيحة من النتائج المتناقضة، وما هو الحجاج الصحيح وما هو الحجاج الفاسد؟ ونستطيع من خلاله أن نلزم هذه الطائفة السفسطائية بإلزامات تجعلها تنكف عما هي فيه من هذه السفسطات والمغالطات. فجاء يعني أصبحوا يتكلمون في بعض قضايا العقول، تكلموا في علم المنطق، لكن ابتداء كان الكلام متفرقاً، يعني عالم يتكلم في بعض قضايا العقول ويحدد لها معياراً، ثم يأتي عالم آخر يتكلم كذلك في مباحث منطقية، بقي أمره كذلك حتى جاء أرسطو طاليس.

أرسطو طاليس الذي توفي ثلاثمئة وثلاثة وعشرين قبل الميلاد، هذا الرجل جاء إلى ذاك الكلام المبعثر من كلام علماء المنطق اليوناني جمعه في كتاب سماه كتاب النص. هذا الكتاب قسمه إلى ثمانية أبواب، يعني هذه الأبواب يقول: باب المقولات، والعبارة، والقياس، والبرهان، والجدل، والخطابة، والشعر. لا يهمني أن تعرف يعني عناوين هذه المقالات، المهم جاء إلى كتاب النص هذا، قسمه إلى ثمانية أبواب، تكلم فيه عن أهم المسائل المنطقية، سواء أهو وصل إليه أو ما جمعه من التراث السابق. ثم بعد ذلك سار الأمر، وله تلاميذ وله مدرسة، أصبح أرسطو طاليس. بعد ذلك رأوا أنه لا بد من كتابة مقدمة في علم المنطق، يعني أنت أرسطو طاليس وضعت لنا كتاباً جيداً لكن نحتاج إلى مدخل، كيف نقول مثلاً نحن مقدمة أهل المنطق احتجنا إلى مدخل؟

حتى في هذا العلم كذلك قالوا: لا بد إذاً من مدخل لكتاب أرسطو طاليس. فجاء رجل يوناني اسمه فرفوريوس، هذا رجل كذلك من علماء الإغريق، المنطق الإغريقي، قال: ألّف كتاباً سماه إيساغوجي. ألّف كتاباً سماه ماذا؟ إيساغوجي، عندهم اختلف العلماء في تفسير هذه الكلمة المنطقية اليونانية، معناها المدخل، كأنها مدخل إلى العلم، وقيل معناها الكليات الخمس التي سنأتي عليها، الجنس والفصل والنوع والعرض العام والخاصة، وقيل إن هي كلمة مركبة من مجموع كلمات. المهم هذه كلمة يونانية جاء هذا العالم اليوناني، وضع كتاباً سماه إيساغوجي، نسميه المدخل، مدخلاً إلى كتب أرسطو.

سار الأمر على ذلك، الآن الذي يهمنا الآن في الجانب الإسلامي، عندما بدأت حركة الترجمة في عهد هارون الرشيد وفي عهد المأمون خاصة، يترجم جميع ما عند الأمم الأخرى من الكتب، ومنها ما هو المنطق اليوناني والفلسفة اليونانية. ترجمت الفلسفة اليونانية مع علم المنطق كانت متداخلة، وهذا في الحقيقة أيها الأحبة كان له أثر من المترجمين؛ المترجمون الذين كانوا عند السلاطين الخلافة العباسية كانوا كثير منهم من المجوس من اليهود وبعض المتأثرين بأفكار الفلسفة اليونانية من المسلمين، أو من الذين ينتسبون إلى الإسلام، هؤلاء هم الذين اهتموا بجلب الفلسفة اليونانية إلى ساحة الفكر الإسلامي، وهذا كان أمراً خطيراً جداً، ومنهم بدأ ظهور الخلاف والطوائف الإسلامية، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

بدخول فلسفة اليونان، هم لو ترجموا فقط علم المنطق قضايا العقول لم ينشأ ما نشأ، ولكن هم لم يترجموا فقط علم المنطق، هم ترجموا كذلك كلام الإغريقيين في الفلسفة وفي الإلهيات وما وراء الطبيعة وما يسمونه الوجود المطلق. هذه الكتب عندما ترجمت باللسان العربي وقرأها كثير من علماء الإسلام تأثروا بهذه المنهجية وبهذه العقلية في التفكير، وبدأ ظهور الفرق المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة. إذاً بدأت ترجمة الكتب كما ذكرنا، تصدى لهذه الترجمة؟ يقول ابن المقفع المشهور الأديب هو من بداية أو من أول من بدأ بعملية الترجمة، فترجم ثلاث رسائل لأرسطو طاليس، ثم ترجمت بعد ذلك كتاب إيساغوجي، هذا الكتاب الذي وضع في الفهرس كذلك ترجم إلى اللغة العربية.

لكن الترجمات في البداية كانت ركيكة ضعيفة، لأنها تترجم عن اليونانية، كانت الترجمات ضعيفة لم تكن قوية، فلم يكن الكلام واضحاً، خاصة مثل علم المنطق، العبارة مهمة، لا يمكن للإنسان أن يقول: خلاص أنا، أي عبارة، التعبير مهم، فكانت ابتداء الترجمات ضعيفة وركيكة. جاء مجموعة من المترجمين ومنهم مترجمون وكذلك في نفس الوقت مفكرون، وأغلبهم للأسف لم يكن على منهج مرتضى. أغلب هؤلاء المترجمين الإسلاميين أو الذين ينتسبون للإسلام لم يكن على منهج مرتضى وكثير منهم كان عنده نوع زندقة أو نوع إلحاد، فهم الذين انكبوا على ترجمة هذه الكتب؛ كتب الفلسفة والمنطق اليوناني.

أمثال يعقوب بن إسحاق الكندي من أشهر علماء المنطق والجغرافيا، كذلك تلميذه أحمد بن الطيب الذي اختصر مجموعة من كتب أرسطو، ثابت بن قرة وكذلك كان مهتماً بهذه الكتب، ومتى بن يونس الذي قام بشرحه، انتهت رئاسة المنطق في المشرق الإسلامي. هؤلاء الأربعة كانوا من أبرز العلماء الذين اهتموا بترجمة كتب الفلسفة والمنطق اليوناني. بعدهم جاء رجل اسمه الفارابي، إسحاق بن إبراهيم الفارابي. الآن الفارابي جمع شتات تلك الكتب التي ترجمها هؤلاء، وأحسن ترتيبها، الفارابي جمع تلك الكتب له إضافات لكنه أحسن ترتيبها ووضعها بشكل منظم، عندما وضعها بشكل منظم استطاع أن يوصل الأفكار التي دورها إلى الآخرين.

لذلك عندما تقرأ في بداية الكتب المعاصرة يقول: إن واضع علم المنطق يكون هو الفارابي، لكنه في الحقيقة هو ليس الواضع المباشر، لأن المنطق قبله كان كثير من العلماء الذين ترجموا كتب المنطق، الفارابي أتى لتلك الكتب أعاد ترتيبها وصياغتها بشكل واضح، وقلبها بقوالب صحيحة على فكرهم، ثم بعد ذلك انكب العلماء على كتب الفارابي، طبعاً الفارابي له كتاب آراء المدينة الفاضلة وله عدة كتب، هذا الرجل كان عنده مشاكل في العقيدة، هذا الرجل لم يكن رجلاً سوياً في العقيدة، فمثلاً كان يقول: إن مرتبة الفيلسوف أعظم من مرتبة النبي، لأن الفيلسوف يصل إلى الحقائق، أما النبي فوظيفته يعني تسهيل الأمور على الناس، ترغيبهم في الجنة وفي النار، فكانت عنده مجموعة من الآراء التي يوجد فيها خلل عقدي، يعني نسأل الله السلامة والعافية وأن يكون تاب منها.

ثم بعد الفارابي جاء ابن سينا، وابن سينا كذلك لم يكن مرتضى في عقيدته كما ذكرنا في ترجمة الزركلي له، وما نقل عنه أنه كان من أصحاب دعوة الحاكم، وأن أهل بيته من الملحدين، فابن سينا هذا الرجل مشهور بالطب، جاء إلى كتب الفارابي التي ضاع طلبها، أعاد صياغتها وترتيبها وجمع ما تفرق منها، ويسمى وأصبح يسمى ماذا؟ الرئيس. فلقب ابن سينا عندهم في علم المنطق ماذا؟ أو في علم الفلسفة بشكل عام يسمى الرئيس. هذا هو حال يعني المنطق في الفكر الإسلامي. الآن هذا حاله في المشرق، الآن في المغرب الإسلامي وفي الأندلس تأخر ظهور علم المنطق أيها الأحبة، كان العلماء ابتداء هناك يعني أشد صرامة في التعامل معه في رفضه، حتى جاء أحد الخليفة، في عهد الخليفة المستنصر بدأ ظهور علم المنطق على يد مجموعة من الأئمة كابن عبدون الجبلي وعمر الحراني، ثم جاءت الطبقة الثانية طبقة ابن التاني، والطبقة الثالثة طبقة ابن حزم وأقرانه.

الآن كان موقف العلماء ابتداء من علم المنطق، وهذا ربما نتكلم عنه في الحكم الشرعي، ابتداء كان العلماء يحرمون النظر في علم الفلسفة والمنطق اليوناني، وكان هذا الأمر حقيقة له يعني مجاله وله حظه من النظر، لأنهم بدأوا يعني يجدون بكلام المناطقة وبكلام الإغريقيين القدامى، ووجدوا الأمر يتسرب إلى العقيدة، فقالوا: إذاً هنا خلل يجب علينا أن نحمي حمى الشريعة، فمنعوا وحرموا النظر. لكن هناك مجموعة من العلماء أصروا على النظر، كالغزالي وابن حزم الظاهري، قالوا: لا بد من النظر، بل ابن حزم الظاهري كعادة عبارته يرى أن من الجهل القول بعدم جواز النظر في تلك الكتب، بل ينبغي أن ننظر فيها حتى نستطيع أن نرد على العقائد الفاسدة وما شابه ذلك.

لكن في الحقيقة نجد العلماء الذين تصدروا لقراءتها دخل عندهم بعض اللوثات العقدية، وهذا كل من يقرأ كتبهم يراها، التأثر بالمنهج الإغريقي والمنهج الفلسفي اليوناني في التأصيل العقائد، بل حتى التأصيل في المسائل جملة، انتهى مآل الأمر في الفكر الإسلامي بالنسبة للمنطق إلى مدرستين: مدرسة رفضت المنطق اليوناني لم ترفض أصل مسائل العقول، لكنها رفضت المنطق الأرسطي اليوناني وحاولت أن تدون وتصنف قواعد منطقية عليها السيمة الإسلامية، ما يسمى عند كثير منهم منطق المتكلمين، كمثل هناك أبي بكر الباقلاني رحمه الله تعالى، كذلك مثلاً ابن تيمية رحمه الله تعالى كان له منهجه الخاص وذوقه الخاص في نقد الحد الأرسطي.

وفي الحقيقة يعني الحد الأرسطي لم ينقضه فقط العلماء المسلمون، بل حتى في الفكر المعاصر نجد العلماء في الغرب ينقضون الحد الأرسطي ويرون أن عنده بعض المنطق الأرسطي بشكل عام وخاصة نظرية الحد، وعنده بعض المخالفة لقضايا العقول، وهذا شيء طبيعي أن ينقد، فليس كل ما يتكلم به أرسطو طاليس كان صحيحاً، وليس كل ما تكلم به كان خاطئاً. طيب، ننتقل إلى المبدأ الذي يليه، المبدأ الذي يليه قلنا: هذا هو واضع المنطق، أو وضع علم المنطق، الاسم ونسبته وفضله والواضع، بعد ذلك الاسم، الاستمداد، حكم الشارع.

ما اسم هذا العلم؟ هذا أسهل مبدأ، اسمه المنطق. هذا ينبغي على الطالب، الطالب يطلب علماً ما يعرف اسمه وهذا يذهب. الاسم الاستمداد، مما يستمد علم المنطق أيها الأحبة؟ إذاً أيها الأحبة، عندما نتكلم عن استمداد العلم أولاً نتكلم عن استمداد العلم في هذا المبدأ. استمداد العلم أيها الأحبة يعني كثير من العلوم أخذت من علوم أخرى، وترتبط بعلوم أخرى، لم هكذا فجأة، لذلك من أصول الفقه يرتبط بماذا؟ يرتبط بعلم الكلام ويرتبط بعلوم اللغة العربية، فإن جله كما قال القرافي رحمه الله تعالى يقوم على المسائل اللغوية، لذلك العلوم كما قلنا في أغلبها لا تنشأ هكذا مجردة ابتداء تلجأ من العقول، لا، أغلبها يقوم على شيء تستمد منه.

أما علم المنطق أيها الأحبة فقد ذكر العلماء أن استمداده كان من العقل مباشرة، كان استمداده من ماذا؟ من العقل مباشرة، وإن كان وظف علوماً أخرى كالنحو، يعني ابن سينا في الشفاء ينص على أن علم المنطق أساس فهمه علم النحو، لكن هذه استفادة وليس استمداداً حقيقياً. أما إمداد المنطق كعلم حقيقي أخذ من ماذا؟ من قضايا العقول، لذلك لما كان علماً عقلياً بحثاً كان يمكن تفاوت العقول فيه، فهذا العالم يقرر قاعدة قد تنقض، لأن هذه القواعد المنطقية منها ما هو بديهي ومنها ما هو مجاله للاجتهاد، فمنطق فلان فيه يخالف منطق فلان، يقول لك مثل هذا الكلام مثلاً ليس منطقياً، نعم هو ليس منطقياً في منظوري أنا قلت ليس منطقياً، لكن قد يكون في منظور غيري منطقياً، فالمنطقية أحياناً منها ما هو مسلم ومنها ما هو اجتهاد، وأصل هذا العلم واستمداده من ماذا؟ من العقول، وإن كان استفاد من علوم أخرى. نحن لا ننكر أنه استفاد، بل كثير من مباحثه لا علاقة كما سيأتي معنا بعلم النحو وعلم اللغة، ولكن أصل هذا العلم عقلي.

ثم قال: وحكم الشارع. حكم الشارع في تعلم هذا العلم أيها الأحبة سنؤخره إلى ما سنذكره في النظر، لأن الأخضري رحمه الله تعالى عبد الرحمن الأخضري رحمه الله نص على حكم الشريعة في تعلم هذا العلم. مسائل والبعض بالبعض اكتفى، أي مسائل هذا العلم. والمسائل هذا هو المبدأ العاشر والأخير، وهو في الحقيقة كل العلم، لأن مسائل العلم هو كل ما ستدرسه فيه من القواعد والأحكام والأمور التي نثبتها أو نتكلم عنها أو نناقشها، فهذا المبدأ ليس شيئاً منصوصاً عليه، وإنما هو كل العلم.

الآن هذه هي المبادئ العشرة أنهيناها، والحمد لله، قبل أن ننهي هذا المجلس، حتى نؤسس المجلس القادم، نقرأ سريعاً سيرة الإمام عبد الرحمن الأخضري رحمه الله تعالى، لأنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يحفظ نظماً لرجل ولعالم من العلماء أو يحفظ كتاباً ويدرسه، ما ماذا؟ أن يعرف سيرة هذا العالم، يعرف طلبه للعلم ويعرف اشتغاله به، تنشط الهمم وحتى نترحم على هؤلاء الأئمة الكبار الذين خدمونا وأبقوا لنا هذه العلوم. لذلك يعني هذه سيرة سريعة من سيرة الإمام عبد الرحمن الأخضري رحمه الله تعالى، بل هو الشيخ العلامة عبد الرحمن الأخضري، من أبرز علماء الجزائر في القرن العاشر الهجري، لقد أطبقت شهرته الآفاق، وغدت التآليف تدرس في شتى حواضر العلم والمعرفة، فتآليف الإمام أصبحت منشورة في كل أرجاء العالم الإسلامي، من بغداد إلى الأزهر بالقاهرة وإلى الزيتونة في تونس.

ولد الشيخ عبد الرحمن الأخضري رحمه الله تعالى سنة تسعمئة وعشرين للهجرة، في إحدى البلدان أو إحدى قرى الجزائر، من عائلة شريفة عرفت بالعلم والتقوى، والده العالم المدرس محمد الصغير وأخوه الأكبر أحمد الأخضري كان عالماً ومدرساً أيضاً، أخذ الإمام عبد الرحمن الأخضري عن كليهما الفقه وعلوم اللغة وعلم المواريث، بعد أن حفظ القرآن وأتقن رسمه وتلاوته، ثم واصل تعلمه بجامع الزيتونة، تعلم على يد الإمام أبي يحيى بن عقبة من سنة ثمان وعشرين، وأخذ بها على أبي عبد الله القلقاني ثم عن ولده عمر، وكذلك القباني، وتقدم في الفقه والأصلين، يعني كان بروزهُ رحمه الله تعالى في الفقه، وخاصة الفقه المالكي والأصلين؛ أصول الدين وأصول الفقه والمنطق وغيرها، وشارك في الفضائل وتصدر للتدريس والإفتاء، وانتفع به الفضلاء، وكان متين الديانة، زاهداً ورعاً، تام العقل، مهاباً مع حسن العشرة.

والتقنع باليسير، لا يخاف في الله لومة لائم، وأعرض عن الفتيا حين اختلفت الكلمة، دفن عبد الرحمن بمسقط رأسه في الجزائر، نقل عن أجدادنا وشيوخنا ومنهم الشيخ القرشي المدني رحمه الله تعالى مشافهةً. يعني هذا صاحب السيرة يكتب أن الشيخ عبدالرحمن الأخضري كان عالماً عاملاً تقياً ورعاً.

عابداً صوفياً، يقضي نهاره في التدريس، فإذا ما أقبل الليل أوى إلى خلوته يتعبد ويتحنث ويصلي أغلب الليل وقبل الفجر؛ يعني انظروا الجمع بين العلم والعمل، ليست قضية حفظ منظومات ولا كتابة وانتهى العمل. يجمع بين العلم والعمل، يعود إلى المسجد ليستأنف نشاطه اليومي في التدريس أو بالتأليف. وقد تناقل طلبة قجال -هذه منطقة الظاهر من مناطق الجزائر- خلفهم عن سلفهم أبياتاً له كثيرة دُونت. يعني وهذا الرجل صاحب يعني كتابة، وله قصائد كثيرة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وله قصيدة مشهورة بأنها القصيدة القدسية.

هذه القصيدة هو كان صوفياً لكنه كان يذم أصحاب الطرق الذين يهتمون بالبدع المخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة، يذمها جداً. فكان جيداً في هذا الباب، وهذه القصيدة القدسية له من أشهر ما صنف له في ذم البدع المنشورة عند غلاة الصوفية. مؤلفات، ألف الشيخ الأخضري رحمه الله في شتى المعارف العقلية والشرعية والفقهية واللغوية والرياضية. ان انظر، يتكلم في الرياضيات والفلكية، ومن أشهر مؤلفاته السلم المرونق في علم المنطق. هذا الكتاب الذي ندرسه من أشهر المؤلفات في الحقيقة لهذا الرجل.

ألف وترجم إلى عدة، ومنها ترجمة المستشرق الفرنسي لوسيان له في عام ألف وتسعمائة وواحد وعشرين. ترجم هذا الكتاب إلى اللغة الفرنسية، وقد عده من أعظم الكتب. انظر هذه المنظومة الصغيرة على بركتها، متى نظمها رحمه الله تعالى؟ كم كان عمره؟ عشرين. كان عمره واحداً وعشرين عاماً فقط، وكتب الله عز وجل القبول، وهذا في أغلب الأحيان يعود سبحان الله إلى صدق نية المصنف، نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً. وله عدة كتب: مختصر الأخضري في العبادات، ونظم جوهر المكنون وهذا أيضاً مشهور جداً عند طلبة العلم، وأرجوزة الدرة البيضاء، وشرح السلم المرونق، وصنف كتاباً في شرح سلمه، وإن كان كتابه ليس جداً ولكنه كتاب جيد فك ألفاظ منظومته، ونظم السراج، ونظم الدرة البهية على نظم الآجرومية.

توفي الإمام الشيخ عبدالرحمن الأخضري بقرية قجال وقد اختلف في تاريخ وفاته، والمشهور أنه في تسعمائة وثلاثة وخمسين للهجرة، وهو يعني ابن ثلاث وثلاثين عاماً. نسأل الله أن يرحمه وأن يتغمده بواسع رحمته إنه ولي ذلك والقادر عليه. ونذكر الإخوة أيها الأحبة بموعد الدرس هو الرابعة والنصف وليس الخامسة، حتى نحافظ على الدرس مستمر بهذه الكيفية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.