تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (20) / فتح خيبر وما يتبعه

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمدُه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية. هذه المجالس المباركة التي نعقدها لنتفيأ من ظلال سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وسلمه وحربه وسياسته، فهو بأبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه المعلم الأول، والمربي الأول، والمنهج الذي أنزله الله سبحانه وتعالى لنقيس عليه تصرفاتنا وأقوالنا وأفعالنا، لنعرف هل نحن نسير وفق مراد الله سبحانه وتعالى أم حدنا عن المنهج القويم.

لذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أكرر دائماً في كل مجلس ليست مجرد حكايات، وليست مجرد أحداث، بل هي منهج وصراط مستقيم علينا أن نتعلمه نحن وأن نعلمه لأبنائنا، وأن نورثه للأجيال اللاحقة، لأن أي نهضة لهذه الامة لابد وأن تسير وفق منهج محمد صلى الله عليه وسلم، ولابد أن تستنير بنوره وبهديه وبأخلاقه، وإلا فإننا لن نقوم أبداً. فالله عز وجل إنما جعل عز هذه الأمة في عزة دينها، وعزة دينها هو أن تتبع منهج محمد صلى الله عليه وسلم، وكما قال مالك بن أنس رحمة الله عليه: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

فما أصلح أول هذه الأمة من العودة إلى الكتاب والسنة والاقتفاء لمنهج محمد صلى الله عليه وسلم خطوة خطوة هو الذي يصلح آخر هذه الأمة. ثقوا وتيقنوا بهذه الحقيقة: أي عملية خروج عن السكة، أي عملية ابتعاد عن المنهج، أي عملية اختراع لطرق غير طريق محمد صلى الله عليه وسلم ستعود علينا بالخسران والوبال ولو بعد حين.

المهم، في المحاضرة السابقة أحبتي تكلمنا عن قصة صلح الحديبية وهي أهم حدث وقع في العام السادس من الهجرة، وكيف عاد النبي صلى الله عليه وسلم منتصراً فاتحاً وعد الله عز وجل. هذا الصلح الذي أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش ليأمن فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وليأمن المسلمون، ولتستمر مسيرة الدعوة وإرسال الوفود إلى ملوك الأرض، اعتبر الله عز وجل هذا الصلح شكل من أشكال الفتح والانتصار. وهذا يدل على أن مفهوم الفتح والانتصار في الدين الإسلامي ليس فقط هو الجهاد بالسيف والعنوة، وإنما الصلح والهدنة وكل شيء يجلب الخير للمسلمين، ويحقق الانتصار لهذا الدين بدخول الوافدين الجدد والانتشار الصحيح القويم في المجتمعات، أي شيء يحقق هذا المقصد الإلهي فهو شكل من أشكال الفتح. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1] أي هو الحديبية.

إذاً، انتهى هذا الصلح وعاد النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على شروطه، عاد النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه المدينة ليبدأ مسيرة دعوية عالمية، وليرسل رسله إلى ملوك الأرض لتنتشر هذه الرسالة ولتمتد آفاقها في ربوع الجزيرة وإلى خارج ربوع الجزيرة العربية، وسيعود النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً في العام القادم بناءً على الاتفاق الذي تم بينه وبين كفار قريش. عرفنا أن قبيلة بني خزاعة دخلت في حلف النبي صلى الله عليه وسلم وفي طرفه، بينما بنو بكر دخلوا في طرف كفار قريش. لماذا أركز على هذه الجزئية؟ لأن هذه التحالفات هي التي أثمرت فتح مكة بعد ذلك. إشكالية وقعت في هذه التحالفات هي التي نقضت صلح الحديبية وسببت فتح مكة في العام الثامن الهجري كما سيأتي معنا.

إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم عاد منتصراً إلى المدينة محققا لكثير من المصالح العظمى لهذا الدين من خلال صلح الحديبية. الآن أحبتي دعونا نكمل أهم الأحداث في العام السادس الهجري وننتقل معاً إلى العام السابع الهجري. ابن أبي العز الحنفي في البيت السبعين لما تكلم عن أحداث السنة السادسة قال: ثم بنو لحيان بدء السادسة وبعده استسقاؤه وذو قرد.

قضية استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها مجموعة من علماء السير، منهم ابن القيم في زاد المعاد وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العام خرج ليستسقي بأصحابه لقحط حل به. وابن القيم ذكر أن استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العام لم يكن في المدينة، بل كان في بعض غزواته لقلة ورود الماء عليه. فالمهم في الحقيقة ابن أبي العز الحنفي لم يعطنا التفاصيل، وكتب السيرة جملة تقول إنه في العام السادس الهجري وقع قحط، سواء في المدينة قلنا أو مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه. وقع قحط فالنبي صلى الله عليه وسلم استسقى لأصحابه حتى أنزل الله عز وجل المطر من السماء، وجاءت مشروعية صلاة الاستسقاء، لكننا لا نعرف كما قلنا تفاصيل دقيقة متى بالضبط وقعت صلاة الاستسقاء هذه، ما أسبابها؟ وإنما هو كلام جملي لعلماء السير أنه كانت هناك صلاة استسقاء في العام السادس من الهجرة، لذلك ننتقل إلى الحدث الذي يليه.

قال: وبعده استسقاؤه وذو قرد. تكلمنا عن غزوة ذي قرد. وصد عن عمرته لما قست وبيعة الرضوان أول وبنى فيها بريحانات هذا بين. تكلمنا عن قضية صده عن العمرة وأن هذا سبب عقد الحديبية، وقضية بيعة الرضوان التي وقعت في أثناء أو قبل صلح الحديبية لما بلغ الخبر أو خرجت إشاعة أن قريشاً قتلت عثمان بن عفان، وتفاصيل كلها مررنا عليها في المحاضرة.

المهم ابن أبي العز يجيني إلى قضية زواج أو بناء نقول بناء النبي صلى الله عليه وسلم بريحانة. ريحانة بنت زيد من بني عمرو ذكرنا أنها من سبايا بني قريظة، اصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه فكانت أمة عنده وأسلمت بعد أن تعنتت ابتداء أسلمت. الآن هل تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم أم بقيت ملك يمين؟ كما قلنا أكثر المحققين من علماء السير على أنها بقيت ملك يمين، لكن ابن أبي العز يتجه مع رأي آخر يرى أن ريحانة بنت زيد أعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها، فهو عقد عليها كعقد في العام الخامس من الهجرة، لكنه بنى بها ودخل بها في العام السادس من الهجرة، لأن ابن أبي العز ذكر قضية عقد ريحانة في السنة الخامسة عودوا إلى البيت السبعين. ثم الآن هو في هذا البيت يعني في البيت الثاني والسبعين يذكر الدخول وبناء النبي صلى الله عليه وسلم بريحانة، هذا كله كما قلنا بناء على أنها كانت من أُمَّهات المؤمنين، وهذا رأي لكنه رأي مرجوح والله تعالى أعلم، ومشهور أنها كانت مجرد ملك يمين رضي الله تعالى عنها فقد أسلمت.

ثم في البيت الثالث والسبعين يقول ابن أبي العز: وفرض الحج بخلف فاسمعه. اختلف علماء السير متى كان فرض الحج على هذه الأمة، وابن أبي العز يقر بوجود الاختلاف في هذه المسألة، فهناك من ذكر أن فرض الحج كان في العام السادس من الهجرة، وأكثر علماء السير على أن فرض الحج كان في العام التاسع من الهجرة، هذا هو الخلاف الذي أشار إليه ابن أبي العز في قوله: وفرض الحج بخلف فاسمعه. أي اسمع هذا الكلام أن الحج قد فرض في هذا العام في العام السادس، وقيل فرض في العام التاسع من الهجرة، وهذا ما عليه الأكثر أن فرضية الحج على هذه الأمة كانت في العام التاسع من الهجرة. ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا حجة واحدة في الإسلام وهي حجة الوداع.

طبعا البعض يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر إلى مكة حج حجة، وهو قبل أن يهاجر من مكة إلى المدينة حج حجة وهو في مكة. قيل: ما هذا وقع من النبي صلى الله عليه وسلم؟ لكن هل هناك سند صحيح قويم صريح في ذلك؟ الله تعالى أعلم، والمشهور أن حجة الإسلام التي حجها النبي صلى الله عليه وسلم حجة واحدة وهي حجة الوداع ستأتي معنا بإذن الله. تمام.

إذاً، وفرض الحج بخلف فاسمعه. الآن دعونا ننطلق إلى أحداث السنة السابعة من الهجرة، نقفل صفحة السنة السادسة، وها نحن الآن في العام السابع من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ما هي أشهر الأحداث في العام السابع؟ دعونا ننظر ماذا قال ابن ابي العز الحنفي. قال: وفرض الحج بخلف فاسمعه، وكان فتح خيبر في السابعة.

أهم وأشهر حدث في العام السابع الهجري كان فتح خيبر، وسنذكر قصته بعد قليل بإذن الله. قال: وحظر لحم الحُمُر الأهليَّة فيها ومتعة النساء الرَّديَّة. تحريم أكل لحم الحمر الأهليَّة وتحريم متعة النساء التي أباحها النبي صلى الله عليه وسلم إباحة جزئية.

ثم على أم حبيبة عقد ومهرها عند النجاشيين ومهرها عنه النجاشيون قط ثم أتت ومن بقي مهاجراً وعقد ميمونات كان الآخر وسمي في شاة بها هدية ثم اصطفى صفية صفية، وقبل إسلام أبي هريرة وبعد عمرة القضا الشهيرة، والرسل في المحرم أرسلهم إلى الملوك فاعلمي، وأهديت ماريا القبطية فيه وفي الثامنة السارية إلى آخر عبادة السنة الثامنة من الهجرة.

طبعا الأبيات التي بين يدي فيها تقديم وتأخير، يعني قضية ثم على أم حبيبة عقد ومهرها عنهن النجاشيون قط، البيت الذي يليه والله أعلم هو قوله ثم أتت أي أم ومن بقي مهاجراً وعقد ميمونتك عن الآخرة وتقول وسمي في شاة بها هدية ثم اصطفى صفية صفية، أو العكس أنك تقدم هذا البيت لتعلقه بغزوة خيبر وسمي في شاة بها هدية ثم اصطفى صفية صفية، قد يكون هذا الأقرب، ثم تأتي بقوله ثم على أم حبيبة عقد ومهرها عنه النجاشيون قط ثم أتت ومن بقي مهاجراً، ولعل هذا يكون أعدل، أن نقدم بيته سمى في شاة بها هدية ثم نأتي ببيت ثم على أم حبيبة عقد، وأظن أن هناك اختلافاً في النسخ بين أيديكم.

المهم إذاً هناك مجموعة من الأحداث سنمر عليها سريعاً من أحداث السنة السابعة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. أول حدث وأشهر حدث كان هو فتح خيبر وإجلاء اليهود مرة أخرى، ولكن كما سيأتي معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجْلِهم بأكملهم، بل عامل كثيراً منهم على أن يعمروا في أرض خيبر ويكون ثمار خيبر بينهم وبين المسلمين، فدعونا ننظر ما هي قصة فتح خيبر كما قصها ابن هشام رحمة الله عليه.

يقول ابن هشام عليه رحمة الله: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية شهر ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم باتجاه خيبر. يعني النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة شهر ذي الحجة من العام السادس من الهجرة، واستمر في المدينة حتى نصف محرم، في النصف من محرم أو في الآخر من محرم اتجه النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه خيبر لينتهي من قصة اليهود المقيمين فيها والمكائد التي كانوا يحيكونها ضد الإسلام والمسلمين، فإن يهود خيبر هم الذين أثاروا الأحزاب قريش وغطفان ليحاصروا النبي صلى الله عليه وسلم في الخندق، والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينسها، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يغلق الشر الذي يأتي على المسلمين من هذه الحصون من حصون خيبر، فاتجه باتجاه اليهود المتحصنين فيها.

أبو معتب بن عمرو أحد الصحابة الكرام يقص لنا شيئاً من تفاصيل هذا المشهد، كذلك أنس بن مالك ابن إسحاق حتى تكتمل لنا القصة كاملة. المشهد الأول الذي يقصه لنا أبو معتب بن عمرو، يقول أبو معتب: إن الله عليه وسلم خرج من المدينة باتجاه خيبر، فلما دنا من قرية خيبر ومن حصون خيبر دعا بدعاء شهير، هذا الدعاء أصبح الآن يعرف بأنه دعاء دخول القرية، أي إنسان دنا من قرية واقترب من دخولها يدعو بهذا الدعاء الذي دعاه النبي صلى الله عليه وسلم حين اقترب من خيبر وأراد أن يدخلها. ما هو هذا الدعاء؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم حين دنا من خيبر: اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، إنا نسألك خير هذه القرية وخير ما فيها وخير أهلها، ونعوذ بك من شر هذه القرية ومن شر ما فيها ومن شر أهلها. هذا الدعاء يسمى دعاء دخول القرية، أي إنسان دنا من قرية وقارب من الدخول فيها يدعو بهذا الدعاء الذي دعاه النبي صلى الله عليه وسلم حين دنا من حصون خيبر.

المشهد الثاني: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يخبرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يغزو قوماً بلغتهم الحجة ووصلت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، إذا أراد أن يغزو قوماً بلغتهم الحجة ووصلتهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا تعاليم هذا الدين، فإنه كان لا يستعجل أن يغزوهم حتى ينظر هل يسمع من عندهم صوت الأذان أو لا يسمع ذلك، فإذا أحاط بهم وسمع صوت الأذان عرف النبي صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء القوم أو هذه القرية قد استجابت لدعوته فلا يهاجمها.

وأما إذا أحاط بها ولم يسمع صوت الأذان، وكان كما قلنا متأكداً أن الحجة قد بلغتهم، وأرسل إليهم الصحابة ليوصلوا رسالة الدين لهم وهؤلاء أبوا، فكان النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا يحاصرهم. فإذا لم يسمع صوت الأذان منهم عرف أنهم ما زالوا مقيمين على الشرك فيغيرون عليهم. وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر كما يقص علينا أنس بن مالك.

يقول أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوماً لم يغر عليهم حتى يصبح، فإذا سمع أذاناً أمسك عرف أنهم مسلمون، أو أن هناك إسلاماً بالعموم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حول خيبر ليلاً، وبات النبي عليه الصلاة والسلام إلى وقت الصبح لينظر هل سيسمع أذاناً من حصون خيبر أم لم يسمع شيئاً.

فبات النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا أصبح لم يسمع أذاناً، وبالتالي عرف النبي صلى الله عليه وسلم أن اليهود ما زالوا مقيمين على كفرهم. فركب النبي صلى الله عليه وسلم وركبنا معه. قال أنس: وركبت خلف أبي طلحة. أبو طلحة هو زوج أم أنس بن مالك، زوج أم أنس بن مالك رضي الله عنهما.

فركب خلف أبي طلحة، وركبت خلف أبي طلحة، وإن قدمي لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. الظاهر أن أبا طلحة كان قريباً جداً من النبي عليه الصلاة والسلام، لدرجة أن أنس بن مالك أقدامه تمس أقدام النبي صلى الله عليه وسلم لما يحاذي أبو طلحة بناقته أو بفرسه ناقة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال أنس بن مالك: فاستقبلنا عمال خيبر غادين. يعني وصلنا خيبر وقت الصبيحة، عمال خيبر كانوا قاعدين ذاهبين إلى أعمالهم، الذي أخذ فأساً والذي أخذ مجرفة ومتجهين باتجاه الحقول لزراعتها ومنطقة خيبر كانت منطقة زروع أصيلة. فعمال خيبر ويهود خيبر الذين خرجوا للعمل صباحاً تفاجئوا بجيش النبي صلى الله عليه وسلم ماثلاً أمامهم.

فولوا هاربين وهم يصرخون: محمد والخميس. محمد والخميس ينادون على قومهم الذين هم في داخل الحصون. لقد جاءكم محمد والجيش، لقد جاءكم محمد والجيش. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قال بأعلى صوته في صرخة المسلم المعتز بدينه: «الله أكبر، فتحت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين». نعم، هذا هو المسلم بعزته، بقيمه، بشهامته، برجولته: «إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين». نحن الفرسان الشجعان الذين إذا نزلنا بساحة المجرمين المعاندين المحاربين لله ورسوله فيا ويلهم منا.

هنا انتهى المشهد الذي قصه أنس بن مالك، مشهد تفاجؤ يهود خيبر بالنبي صلى الله عليه وسلم وبجيشه أمام الحصون. نذهب الآن إلى ابن إسحاق وهو يقص علينا قصة غزوة خيبر عموماً.

ابن إسحاق بدأ القصة من البداية، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اتجه من المدينة باتجاه خيبر، عسكر في منطقة بين يهود خيبر وبين قبيلة غطفان. لماذا؟ قبيلة غطفان التي حاربها النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من غزوة، والتي شاركت في غزوة الأحزاب كانت محاربة معارضة للنبي صلى الله عليه وسلم.

فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يتخذ قراراً عسكرياً حكيماً، وهو أنه إذا اتجه باتجاه خيبر يعسكر في المنطقة التي تقع بين يهود خيبر وبين قبيلة غطفان، حتى لا تعين هذه القبيلة قبيلة غطفان يهود خيبر على حرب النبي صلى الله عليه وسلم. لأنه كان هناك علاقة وثيقة بين يهود وغطفان في محاربة النبي صلى الله عليه وسلم.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقطع خطوط الإمداد كما يقولون اليوم باللغة العسكرية. أراد أن يقطع خطوط الإمداد يعني يهود خيبر، فعسكر في منطقة بوسط بين قبيلة غطفان وبين معسكرات خيبر، لينهي العلاقة بينهم تماماً.

الآن قبيلة غطفان بلغها أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل بجيشه باتجاه خيبر، فأعدت قبيلة غطفان العدة، وجمعوا السلاح، وجمعوا الأفراد، واتجهوا ليهاجموا النبي عليه الصلاة والسلام. لكن انظروا إلى تدبير الله عز وجل لنبيه.

يقول ابن إسحاق: بلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا له، ثم خرجوا ليظاهروا اليهود عليه، أرادوا أن يعاونوا اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم. حتى إذا ساروا، يعني حتى إذا ساروا وقطعوا شيئاً أو شوطاً في الطريق، سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسّاً. الله عز وجل جعلهم يشعرون بالرعب والخوف على أموالهم وعلى نسائهم وعلى ذراريهم الذين خلفوهم في القبيلة.

فقبيلة غطفان وهي سائرة سمعوا حسّاً، كأنهم إشاعة أول شيء الله تعالى أعلم به، سمعوا حسّاً في قبيلتهم في نسائهم وذراريهم، لربما اتاهم آتٍ وقال لهم: ادركوا قبائلكم. رعب قذفه الله عز وجل في قلوبهم، لكن الله عز وجل المهم دبر لنبيه صلى الله عليه وسلم.

فقبيلة غطفان شعرت بالخوف على نسائها وعلى ذراريها، فعادوا إلى قبائلهم وتحصنوا بها، وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يهود خيبر. انظروا الكفار كيف ينقسمون على دنياهم، يعني الأصل أنكم يا قبيلة غطفان خرجتم لتنصروا اليهود، لكن لما وصل الأمر إلى الأموال والذراري والنساء، خذلت قبيلة غطفان يهود خيبر وتركوهم مع النبي صلى الله عليه وسلم يواجهون مصيرهم.

إذن النبي صلى الله عليه وسلم الآن هو ويهود خيبر فقط في المشهد. بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يهاجم حصون خيبر حصناً حصناً، خيبر كانت عبارة عن مجموعة من الحصون ليست حصناً واحداً، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يفتحها حصناً حصناً، وسنعرف بإذن الله أن هناك بعض الحصون فتحت عنوة، وبعض الحصون نزل اهلها على الصلح مع النبي صلى الله عليه وسلم.

دعونا نكمل مع ابن هشام. يقول ابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق: وتدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال يأخذها مالاً مالاً ويفتحها حصناً حصناً. أي بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يهاجم الحصون، وبدأت هذه الحصون تسقط أمام جيوش المسلمين حصناً حصناً، وكلما فتح حصن، النبي صلى الله عليه وسلم يقسم ما فيه من الأموال وما فيه من الإماء والسبايا على الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم.

فكان أول حصونهم افتتح حصن يسمى حصن ناعم، اسمه حصن ناعم، هذا أول حصن افتتحه النبي صلى الله عليه وسلم. وعنده قتل أحد الصحابة الكرام اسمه محمود بن مسلمة. كيف قتل؟ ألقى اليهود عليه رحى. طبعا الرحى عبارة عن حجر كبير جداً يطحنون به، أظنكم تعرفونه من أعمال أجدادنا.

هذا الرحى حجر كبير يستعمل في الطحن. اليهود ألقوا من فوق الحصن حجر الرحى على أحد الصحابة الكرام اسمه محمود بن مسلمة، فاستشهد رضي الله تعالى عنه. لكن النبي عليه الصلاة والسلام استطاع أن يفتح هذا الحصن، ثم انتقل النبي صلى الله عليه وسلم للحصن الثاني وهو حصن القاموس.

وهذا الحصن هو حصن لرجل من كبار اليهود يسمى أو لرجلين من كبار اليهود هما أبناء أبي الحقيق، فالنبي صلى الله عليه وسلم افتتح هذا الحصن الذي كان رؤساؤه أبناء أبي الحقيق، وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحصن سيدتنا صفية بنت حيي بن أخطب. حيي بن أخطب مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قتله في غزوته على بني قريظة، لما دخل مع يهود بني قريظة لما خانوهم قريش وغطفان، فحيي بن أخطب وفى عهده مع زعيم بني قريظة ودخل معهم في الحصن.

ولما حكم النبي صلى الله عليه وسلم أو لما حكم سعد بن معاذ بقتل يهود بني قريظة، حيي بن أخطب كان من الذين حكم عليهم بالقتل. لكن ابنته صفية بنت حيي كانت في حصون خيبر ولم تكن في حصن بني قريظة. المهم النبي عليه الصلاة والسلام افتتح حصن القاموس، وحظي بصفية بنت حيي سبية له، كانت في سهم النبي صلى الله عليه وسلم.

طبعاً صفية بنت حيي كانت متزوجة من كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، والنبي صلى الله عليه وسلم قتل كنانة بن الربيع في هذه الغزوة، غزوة على هذا الحصن، فبالتالي أصبحت صفية من دون زوج وهي الآن سبية بين يدي المسلمين، واصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه. الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي كان قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم صفية أن تكون في سهمه، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرضاه بابنتي عم لها، أعطاه ابنتي عم لصفية لدحية بن خليفة، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم صفية له.

وهذا كان أمر له أيضاً من السياسة الشرعية ما وراءه، لأنه هذه ابنة زعيم كبير من زعماء اليهود ولها مكانة عندهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد كما قلنا أن يجذب قلب من يمكن جذبه من اليهود أنه عليه الصلاة والسلام نكح منهم، نكح صفية ابنة زعيمهم الأكبر حيي بن أخطب. وهذا لعل يستميل قلوب طائفة من اليهود، وإن كانت قلوب هؤلاء القوم قلوباً قاسية.

طبعاً صفية بنت حيي كانت سبية أولاً في يد النبي صلى الله عليه وسلم، أسلمت ثم أعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها، وجعل عتقه لها هو الصداق، عتق لها كان هو الصداق والمهر الذي أهداه لها رضي الله تعالى عنها.

ثم يكمل بعد ذلك ابن إسحاق في سرد افتتاحي الحصون فيقول: ولما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم من حصونه ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنيهم: الوطيح والسلالم. أحسن حصون اليهود في هذه المنطقة في منطقة خيبر كان حصن يسمى حصن الوطيح وحصن آخر يسمى حصن السلالم، فكل اليهود في النهاية احتشدوا في هذين الحصنين، وأصبحت بالنسبة لهم الآن معركة حياة أو موت بعد أن تساقطت كل الحصون الأخرى.

وكان هذان الحصنان آخر حصون اليهود في خيبر، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم في بضع عشرة ليلة، طال الحصار على هذين الحصنين. وخرج رجل يهودي يسمى مرحب من شجعان اليهود، خرج من الحصن وقد جمع سلاحه وقال قصيدته المشهورة: «لقد علمت خيبر أني مرحب، شاك السلاح بطل مجرب، أطعان أحياناً وحيناً أضرب، إذا الليوث أقبلت تحرب، أنا حماية الحمى لا يقرب».

فالرجل إذاً من كفار اليهود أو من صناديد اليهود خرج بسلاحه مفتخراً أمام المسلمين أنه أنا مرحب الذي تعلمني كل حصون خيبر، من يبارزني؟ خرج يطلب البراز من الصحابة. فمن انتدب له؟ أجابه كعب بن مالك شاعر النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: «قد علمت خيبر أني كعب»، أراد أن يعارضه في شعره: «قد علمت خيبر أني كعب، مفرج الغمة جريء صلب، إذا شبت الحرب لتها الحرب معي، حسام كالعقيق عضواً» أي قاطع.

المهم النبي عليه الصلاة والسلام ما أرسل كعب ليقاتل مرحباً، بل قال: من يبرز لهذا الرجل؟ فمن الذي برز له؟ برز له شخص يقال له محمد بن مسلمة. من محمد بن مسلمة؟ هو شقيق محمود بن مسلمة الذي وقع عليه الرحى في أول حصن من حصون اليهود. لم نقل هناك رجل من الصحابة اسمه محمود بن مسلمة وقعت عليه الرحى أو أسقط اليهود عليه الرحى عند حصن ناعم؟

فمحمد بن مسلمة شقيقه كان قلبه يغلي كالمرجل على اليهود لما فعلوا في أخيه، والنبي صلى الله عليه وسلم لاحظ ذلك فيه، فلما النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يبارز مرحباً؟ مباشرة محمد بن مسلمة شقيق محمود وقال: يا رسول الله أنا أباري مرحباً، قال: ليدرك ثأر أخيه. وفعلاً النبي صلى الله عليه وسلم أعطى محمد بن مسلمة ليثأر لأخيه، وقال يعني النبي صلى الله عليه وسلم دعا له قال: «اللهم أعنه عليه».

وانظروا ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، الآن محمد بن مسلمة بدأ يقترب من مرحب، فلما دنا أحدهما من صاحبه، دخلت بينهما شجرة عمرية، يعني الشجرة الشجرة العمرية الشجرة القديمة والشجرة القديمة بتكون جذوعها متفرعة وأغصانها كثيرة. فيقول: حالت بين محمد بن مسلم وبين مرحب شجرة عمرية، فجعل أحدهما يلوذ بها عن صاحبه، كل واحد منهم يتغطى بهذه الشجرة عن صاحبه، وكلما لاذ به أحدهما اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها.

أحياناً يختبئ مرحب فيقوم محمد بن مسلمة بقطع أغصان من هذه الشجرة، وأحياناً يلوذ بها محمد بن مسلمة فيقوم مرحب بقطع أغصان من هذه الشجرة، قالوا: حتى قضيا على كل الأغصان من هذه الشجرة، وما بقيت إلا جذعان تكشفت تماماً الأمور بينهما، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما إثارة هذه الشجرة بينهما كالرجل القائم، انتهت كل الأفنان ما فيها فنن أي غصن.

قال ابن إسحاق: ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فضربه، فاتقاه محمد بن مسلمة بدرعه، فوقع سيف مرحب عليها فعضت بها فأمسكته. يعني الآن مرحب أراد أن يضرب محمد بن مسلمة ضربة قاضية، محمد بن مسلمة اتقاه بدرعه فعلق سيف مرحب في هذا الدرع وما استطاع أن ينزعه، فباغته محمد بن مسلمة بطعنة حتى قتله وأوقعه صريعاً، فانتصر محمد بن مسلم وأدرك ثأره لأخيه.

ثم خرج بعد مرحب رجل آخر من اليهود، هو أخو مرحب شقيق مرحب اسمه ياسر، فخرج يقول: من يبارز؟ فهشام بن عروة أحد الصحابة الكرام زعم أن الذي بارزه هو الزبير بن العوام، أن الذي بارزه هو الزبير بن العوام، ويقول هشام بن عروة إن الزبير بن العوام طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بقتال ياسر.

فصفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام قالت: يا رسول الله، لا تدع ابني يقاتل ياسراً، أخشى أن يقتل. أم تخشى على ابنها، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لعمته صفية والدة الزبير: «بل الزبير يقتله بإذن الله». وفعلاً خرج الزبير إلى ياسر، فقتل الزبير ياسراً وأرداه صريعاً.

الآن ماذا حدث بعد ذلك؟ ما زال الحصار مطبقاً على هذين الحصنين آخر معاقل اليهود في خيبر، والظاهر أن هذين الحصنين كانا محصنين بدرجة عالية تعسر على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة فتحهما، وتعذر عليهم ذلك. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الصحابة ليفتحوهما.

أرسل النبي عليه الصلاة والسلام ابتداء أبا بكر الصديق بالراية، فاتجه باتجاه هذين الحصنين وحدث قتال وترام بالنبال، لكن لم يستطع أبو بكر أن يفتحهما فعاد إلى معسكر المسلمين. في اليوم التالي النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عمر بن الخطاب ومعه الراية باتجاه هذين الحصنين، نفس الشيء وقع ترامي بالنبال لكن في النهاية لم يستطع عمر أن يفتحهما، فعاد عمر إلى معسكر المسلمين.

حينئذ النبي صلى الله عليه وسلم قام في الصحابة خطيباً، خطبة أراد بها أن يرفع المعنويات وأن يبين فضيلة أحد الصحابة الكرام. فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ انظروا كيف القائد الناجح يحمس جنوده، قال عليه الصلاة والسلام: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه». انظروا الخطبة المشوقة: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه».

قال الصحابة: فبتنا تلك الليلة كل منا يريد أن يكون ذاك الرجل، يعني هذه تزكية عظمى من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل الذي سيختار غداً. فكل صحابي بات ونفسه أن يكون هو هذا الرجل الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم. فلما جاء اليوم التالي وفي صباحه استدعى النبي صلى الله عليه وسلم من استدعى؟ علي بن أبي طالب.

فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم أين علي؟ الصحابة كلهم قالوا: يا رسول الله، علي يشتكي من عينيه، كان به رمد في عينيه، يعني خلاص يا رسول الله شف غيره اللي بعديه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادعوه لي». فأتى علي رضي الله عنه وفي عينيه رمد، فتفل النبي صلى الله عليه وسلم في عينيه فبرئت ببركة بصاق النبي عليه الصلاة والسلام.

وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم الراية لعلي بن أبي طالب وأمره أن ينطلق فاتحاً باتجاه هذه الحصون. يقول سلمة بن الأكوع الصحابي الجليل فارس معراء غضى التي مرت معنا، يقول سلمة بن الأكوع: فخرج علي رضي الله عنه بالراية والله يأنح ويهرول هرولة. أي خرج بها والله يأنح، يعني نفسه عالي وصوته عالي وهو يريد أن يهرول هرولة ليدرك القوم ليغزوهم في عقر حصونهم.

قال: وأنا لخلفه نتبع أثره. يعني علي بن أبي طالب مستعجل يهرول هرولة، ونفسه كيف الإنسان لما يكون يركض ألا تسمعون صوت النفس يكون عالي؟ هذا الصوت العالي للنفس عندما تكون تركض وتهرول. ابن الأكوع يصف لنا كيف أن علي بن أبي طالب ما تكاسل ما تقاعس، مباشرة استلم الراية من النبي صلى الله عليه وسلم وخرج يعدو ويهرول هرولة باتجاه حصون خيبر.

قال سلمة: ونحن نتبع على أثره. يعني وكلنا يركض خلفه حتى ركز رايته في ردم من حجارة الحصن، وضع الراية وركزها في مجموعة من الحجارة التي كانت حول هذه الحصون. فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن، يهودي مد رأسه لينظر من الذي يقود المسلمين في هذه الجولة، فمد يهودي رأسه فقال: من أنت؟ فقال علي بن أبي طالب: أنا علي بن أبي طالب.

فقال اليهودي: علوتم اليوم، وما أنزل على موسى، وما أنزل على موسى. هذا يمين، يعني والذي أنزل على موسى لقد علوتم اليوم، اليوم تنتصرون. فذكر بعض أهل العلم أنه كان في الكتب السماوية وفي كتب التوراة التي بين أيديهم أنها خيبر ستفتح على يد رجل من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم يقال إن اسمه علي، قيل هذا والله تعالى أعلم.

فاليهودي لما سمع أن هذا الرجل هو علي بن أبي طالب قال: انتهى الأمر، علوتم اليوم والذي أنزل التوراة على موسى. فما رجع علي عن هذين الحصنين حتى فتحهما الله سبحانه وتعالى على يديه. حصل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم. إذا علي بن أبي طالب استطاع أن يفتح جزءاً كبيراً من هذين الحصنين.

بقي الأبون الأخيرة كما يقولون، بقيت الثلة الأخيرة من اليهود متحصنة في آخر المعاقل. أدرك اليهود أن الأمور انتهت، النبي صلى الله عليه وسلم قاب قوسين أو أدنى من أن يظفر بهم، فأرسلوا مباشرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: نريد أن نعقد صلحاً أن تجلينا من هذه الديار بما معنى من الدواب والرواحل ولا تقتلنا.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كيف قابل هذا العرض من اليهود؟ انظروا ماذا قال ابن إسحاق: حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم، يعني أن يجليهم من الحصون مقابل حقن الدماء ففعل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها الشق ومطاة والكتيبة وجميع الحصون إلا ما بقي من هذين الحصنين.

فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدك أيضاً معسكر من معسكرات اليهود، بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً مقابل حقن الدماء ويخلوا له الأموال. إذا الاتفاقية الأخيرة مع بقية اليهود الذين كانوا متحصنين في هذين الحصنين وفي منطقة فدك أنهم أرسلوا للنبي صلى الله عليه وسلم: دعنا نذهب ونغادر وخذ أنت الأموال وما شئت من هذه الأرض.

فالنبي صلى الله عليه وسلم حقناً لدماء أصحابه رضي بهذا العرض، وكان في من مشى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك، يعني الواسطة التي كانت تقوم بإجراء الصلح بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين اليهود هو الصحابي الجليل محيصة بن مسعود. فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الأموال على النصف.

يعني بعد أن تم الصلح: يا رسول الله، ننتهي خلص من هذه المناطق ونذهب إلى الشام وأنت تأخذ الحصون. لما نزل اليهود وقابلوا النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة عرضوا عليه عرضاً آخر، قالوا: يا رسول الله، سنعرض عليك عرضاً وأنت لك الخيار، هذه مناطق زراعية وأنت وأصحابك ما عندكم وقت للإشراف عليها ولا على حرثها وزراعتها، فما رأيك أن نبقى نحن في هذه الأراضي نزرعها لكم ونحرثها لكم ونصف ثمارها لكم والنصف الآخر لنا نتعيش منه؟

فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى فعلاً أن هذه فكرة جيدة وتحقق مصلحة المسلمين، أن المسلمين لو أخذوا كل مزارع خيبر الواسعة من سيشرف على هذه المزارع؟ من يقوم بحراثتها؟ الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم مشغولون بالقتال والغزو وتحقيق مصالحهم في المدينة وما حولها، من أين نذهب إلى خيبر نخوض ونزرع؟ وجد الأمور صعبة.

فالنبي عليه الصلاة والسلام وجد هذا حلاً، قال: طيب، إذا نبقيكم في هذه الأراضي على ما شئنا، على ما شئنا يعني في الوقت الذي نشاء أن نجليكم إلى الشام سنجليكم، لكن الآن المصلحة تقتضي أن نبقيكم في هذه الأراضي والثمار بيننا وبينكم على النصف، لكن كان هذا بشرط أنكم تبقون في هذه الأراضي إلى الوقت الذي نشاء نحن، ما عندنا اتفاقية بينكم على ذلك، في الوقت الذي نشاء أن نهجركم باتجاه الشام سنهجركم. وفعلاً تم الصلح على هذا وبقي اليهود يزرعون هذه الأراضي لصالح المسلمين حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب، حينئذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرر أن ينهي المعاهدة معهم وأجلاهم باتجاه الشام.

تمام ونفس الشيء كما قلنا منطقة فدك صالحت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه من حصون اليهود أيضاً على نفس العرض: أننا ننزل يا رسول الله ونزرع لك هذه الأراضي والثمار بيننا وبينك إلى ما شئت. فلما اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم وهدأت أو هدأ وطيس المعركة وافتتح الله عز وجل خيبر على صحابته، طبعا خيبر أحبتي بالتالي هناك فتحت عنوة وهناك حصون فتحت بالصلح والسلام، نقول.

فيقول ابن إسحاق: لما اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم وهدأ وطيس المعركة أهدت زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية للنبي صلى الله عليه وسلم. يعني النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن انتهت أمور المعركة وأراد أن يستريح ويأخذ قسطاً من الراحة، جاءت امرأة يهودية تسمى زينب بنت الحارث لزوجة من؟ قالوا: هذه زوجة سلام بن مشكم، وقتل زوجها في فتوح خيبر، أتت وقدمت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة مشوية، وقد سألت قبل أن تقدم الشاة: أي الأعضاء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني إيش أكثر عضو بحبه النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة؟ فاخبروه أنه عليه الصلاة والسلام يحب الذراع.

فوضعت السم في كل هذه الشاة وزادت السم في الذراع، أرادت أن تقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه محاولة أخرى من محاولات اليهود لاغتيال النبي عليه الصلاة والسلام. فلما وضعت هذه الشاة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلاً تناول النبي عليه الصلاة والسلام الذراع ليأكلها، فأخذ لقمة من الذراع فلاكها فلم يسغها فبصقها، وكان معه الصحابي الجليل بشر بن البراء، وكان بشر بن البراء أيضاً قد نهش نهشة من هذه الشاة وأكلها، فأما بشر فابتلع هذه اللقمة وساغها مع أنها مسمومة، وأما النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا فلفظ هذه اللقمة لم يكملها.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم». الشاة بمعجزة من الله أو هذا الذراع بمعجزة من الله أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله لا تأكلني فاني مسموم. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرأة زينب بنت الحارث وسألها عما صنعت فاعترفت هذه المرأة بذلك.

فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «ما حملك على ذلك؟ لماذا أردت أن تقتليني؟» فقالت: بلغت من قومي ما لم يخفى عليك، يعني قتلت زوجي. وذكر بعض علماء السيرة أنه قتل أباها وقتل أخاها، يعني يا رسول الله أنت فعلت بقوم ما أنت أعلم به فأردت أن أثأر. فقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم تركها ابتداء لكونه لم يحدث موت، يعني لم يمت النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء ولم يمت بشر بن البراء.

لكن في طريق العودة إلى المدينة الصحابة عائدون المدينة مات بشر بن البراء، فذكر بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قتلها في ذلك الوقت قصاصاً ببشر بن البراء، لكن ابن حجر في الإصابة يذكر أن هذه المرأة أسلمت قبل أن تقتل، لذلك بعض أهل العلم يقولون: لا يجوز أن تسب زينب بنت الحارث على ما فعلت بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأن هناك قول قوي لبعض علماء السير أنها أسلمت.

فهذه المرأة ذهب كثير من علماء السير إلى أنها أسلمت، هل قتلها النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يقتلها أيضاً هناك خلاف؟ البعض يقول: تركها النبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً، والبعض يقول: لا، تركها النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء لأنه لم يمت لا هو ولا بشر، لكن لما عاد المسلمون إلى المدينة وفي طريق مات بشر، حينئذ النبي صلى الله عليه وسلم قتله قصاصاً مقابل بشر وإن كانت قد أسلمت.

لكن القصاص هذا لا يبطله إسلام أو كفر، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم إذن من خيبر، طبعا قضية هذا السم الذي ذاقه النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر سيأتي معنا في لحظات احتضار النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لعائشة: «يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهر من ذلك السم». لذلك يرى كثير من علماء السير أن النبي عليه الصلاة والسلام مات شهيداً، لأن المرض الذي أصابه توفي منه بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، كان بسبب السم الذي وضعته هذه المرأة في الشاة. صحيح النبي عليه الصلاة والسلام لم يأكل وتلفظ اللقمة، لكن لعل شيئاً من هذا السم نزل مع الريق وأثر على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا عده كثير من العلماء مات شهيداً بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.

لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف إلى وادي القرى فحاصر أهله ليالي، ثم انصرف راجعاً إلى المدينة. يعني هذه المنطقة أظن فيها كان قوم معادين للنبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم غزاهم تخويفاً وإرعاباً لهم، ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم منصرفاً باتجاه المدينة.

لما أعرس النبي صلى الله عليه وسلم بصفية، نحن عرفنا أن النبي عليه الصلاة والسلام اصطفى صفية لنفسه وكانت فأسلمت وأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وجعل عتقها هو صداقها، ثم أعرس النبي صلى الله عليه وسلم بها أي بنى بها ودخل بها عليه الصلاة والسلام وهو عائد باتجاه المدينة، يعني قبل أن يصل إلى المدينة وفي الطريق بنى بها في خيمة.

وكانت التي جملت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومشطتها وأصلحت من شأنها أم سليم، أم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنها. فبات بها النبي صلى الله عليه وسلم، يعني النبي صلى الله عليه وسلم دخل بها في قبة له أي في خيمة له صغيرة، وكان أبو أيوب الأنصاري من عنده من تلقاء نفسه يقف على باب الخيمة. ماذا كان يفعل أبو أيوب الأنصاري على باب الخيمة مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يطلب منه ذلك؟ أبو أيوب الأنصاري، كما سيأتي معنا، خشي أن صفية بنت حيي تنفرد بالنبي صلى الله عليه وسلم وتقتله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل زوجها في خيبر.

فأبو أيوب هذا الرجل الفاضل العظيم الذي نزل عنده النبي صلى الله عليه وسلم في أول مقدمه إلى المدينة، مسك سلاحه وتوشح وبقي قائماً على الخيمة التي دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم ليبني بصفية. يقص علينا ابن إسحاق هذا المشهد، وبات أبو أيوب الأنصاري متوشحاً سيفه يحرس النبي صلى الله عليه وسلم ويطوف بالخيمة، حتى أصبح النبي صلى الله عليه وسلم.

فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الصباح أبا أيوب الأنصاري، قال: ما لك يا أبا أيوب؟ يعني ماذا تفعل هنا؟ فقالوا: يا رسول الله، خفت عليك من هذه المرأة. وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، يعني صحيح أسلمت لكن شديدة الإسلام، وأخشى أن تثأر لأهلها وقومها، فخفتها عليك يا رسول الله. فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني». وإذا ثبت هذا الدعاء فأنعم به وأكرم من بشارة لأبي أيوب الأنصاري؛ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له بحفظ الله سبحانه وتعالى.

لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ببعض الطريق قال من آخر الليل: من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام؟ المهم، النبي صلى الله عليه وسلم الآن في مرحلة من مراحل عودته باتجاه المدينة، أعياه التعب، أعياه المسير، فقال: نريد أن ننام، نريد رجلاً أيها الصحابة يحرسنا هذه الليلة حتى لا تفوتنا صلاة الفجر. انظروا، هم النبي صلى الله عليه وسلم أين؟ في الصلاة، حتى لا تفوتنا صلاة الفجر. نريد رجلاً يحرسنا الليلة، من الذي يحرسنا؟ فانتدب لذلك سيدنا بلال بن رباح رضي الله تعالى عنه، وقال: يا رسول الله، أنا حراسته في هذه الليلة.

ففعلا نام المعسكر بأكمله، وبقي بلال بن رباح مستيقظاً يصلي ركيعات لله سبحانه وتعالى قيام ليل. وبعد أن فرغ بلال بن رباح من هذه الركيعات أراد أن يسند ظهره ليرتاح قليلاً، فإذا بعينه تذهب أيضاً مع النائمين. ونام الصحابة والمعسكر تلك الليلة، ولم يوقظهم جميعاً إلا حر الشمس، بالتالي ذهب وخرج وقت صلاة الفجر. دعونا ننظر كيف أكمل النبي صلى الله عليه وسلم المشهد: قام بلال يصلي، فصلى ما شاء الله عز وجل له أن يصلي، ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه، يعني هو مستند إلى البعير ينتظر الفجر لكن ذهبت عينه، فغلبته عينه فنام.

فلم يوقظهم إلا مس الشمس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من هب من الصحابة الكرام، يعني أول من هب من المعسكر النبي صلى الله عليه وسلم وجد أن الفجر قد ذهبت وقد خرج وقتها، فقال: ماذا صنعت يا بلال؟ فقال: يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يعني نمت يا رسول الله، وذهبت أو يعني اصابتني سنة أخذت بعيني ونفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت يا بلال، يعني أنا أدرك أن هذا الذي حدث معك.

ثم النبي صلى الله عليه وسلم اقتاد بعيره غيره كثير؛ النبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه أن ينتقلوا من موضعهم الذي ناموا فيه إلى منطقة أخرى ليصلوا فيها صلاة الفجر. وذكر كما في بعض الأحاديث أن ذاك الموضع موضع حضرنا فيه الشيطان، يعني الموطن الذي ذهبت علينا فيه صلاة الفجر موطن حضرنا فيه الشيطان فنريد أن ننقلب عنه. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بالمعسكر باتجاه ثقة أخرى، وحينئذ قضى صلاة الفجر، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموطن أناخ وتوضأ وتوضأ الناس معه، ثم أمر فأقام الصلاة فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس.

فلما سلم أقبل على الناس فقال: إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها؛ فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].

إذن، الحمد لله، هذا هو مشهد غزوة خيبر التي كانت في العام السابع من الهجرة، وهي أهم أحداث هذا العام. مما يتعلق أيضاً بغزوة -طبعاً هو لا يتعلق بها مباشرة، لكنه حدث كان مقارناً لها- رجوع بعض الصحابة الكرام، أو رجوع كل الصحابة الكرام الذين تبقوا في أرض الحبشة، عادوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. جعفر بن أبي طالب ومن بقي معه من المسلمين في أرض الحبشة عند النجاشي عادوا باتجاه المدينة النبوية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رسالة إلى النجاشي المسلم ملك الحبش -النجاشي هذا كان مسلما- النبي عليه الصلاة والسلام أرسل له رسالة وقال له: أرسل لي من بقي من المسلمين عندك.

ففعلا، رحمه الله تعالى، جهز سفينتين وضع فيهما الصحابة الكرام الذين كانوا عنده، وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب وعادوا باتجاه المدينة. فما أن وصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة من رحلة خيبر إلا وجد جعفر بن أبي طالب ومن معه من الصحابة قد وصلوا هم أيضاً إلى المدينة، فالنبي عليه الصلاة والسلام سر بقدوم ابن عمه جعفر بن أبي طالب، وقال: «والوالله ما أدري بأيهما أنا أفرح: أفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟»، وقبل جعفر بين عينيه. كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب جعفر بن أبي طالب حبّاً شديداً.

من الصحابة الذين عادوا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة كانت أم المؤمنين أم حبيبة. الآن قبل أن يعود هؤلاء الرهط من الحبشة باتجاه المدينة ويركبوا في السفينة، النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أرسل إلى النجاشي ليخطب له أم حبيبة. أم حبيبة رضي الله عنها رملة بنت أبي سفيان، أي بنت أبي سفيان بن حرب الذي واجه النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات ثم أسلم بعد ذلك. أم حبيبة بنت أبي سفيان كانت زوجة لعبيد الله بن جحش. عبيد الله بن جحش هذا رجل كان هاجر من مكة باتجاه أرض الحبشة، لكنه للأسف في أرض الحبشة تنصر وارتد عن الإسلام، فبقيت أم حبيبة وحدها.

فالنبي صلى الله عليه وسلم، مكافأة لهذه المرأة الصابرة -طبعاً أم حبيبة لها بنت اسمها حبيبة من هذا الزوج الذي لذلك تكنى بأم حبيبة- فالنبي صلى الله عليه وسلم مكافأة لهذه المرأة الصابرة التي اقتربت من أجل هذا الدين، ثم ابتليت بردة زوجها، بعث إلى النجاشي يطلب منه أن يخطبها له. وفعلا النجاشي هذا الحاكم المسلم رضي الله عنه بعث إلى أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم يخطبك، فوافقت أم حبيبة رضي الله عنها.

والنجاشي هو الذي جهز أم حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم، جهزها بالثياب والحلي، والنجاشي أمهَرها عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار. النجاشي أمهَرها أربعمائة دينار ذهب عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني اعتبرها مثل هدية للنبي عليه الصلاة والسلام أنه هو من عنده بذل المهر لأم حبيبة، وأرسل أم حبيبة وما معها من الثياب والهدايا والجهاز مع الصحابة الذين عادوا بالسفن باتجاه المدينة. وفعلا وصلت أم حبيبة إلى المدينة وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في هذا العام.

إذن، في هذا العام تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حيي بن أخطب، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة، وسيأتي أيضاً زواج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها.

من أحداث هذا العام أيضاً أحبتي، تكلمنا عن موضوع فتح خيبر وموضوع زواج النبي صلى الله عليه وسلم من صفية، وموضوع قدوم من بقي من المهاجرين في الحبشة باتجاه المدينة، وزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أم حبيبة. مما بقي من أحداث العام السابع الهجري أيضاً، عمرة القضاء، كما قلنا: النبي صلى الله عليه وسلم صالح كفار قريش في العام السادس من الهجرة في صلح الحديبية على ألا يعتمر في عام الحديبية ويعتمر في العام القادم. وحينما جاء الموعد من العام القادم في ذي القعدة من العام السابع من الهجرة، النبي صلى الله عليه وسلم استنفر الصحابة الذين شاركوا معه في عمرة الحديبية وفي سرية الحديبية، استنفرهم للخروج إلى عمرة القضاء.

دعونا ننظر كيف سرد علينا ابن هشام هذا المشهد: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من خيبر، أقام بها شهري ربيع الأول وربيع الآخر، وجمادى الأولى وجمادى الآخرة، ورجب وشعبان ورمضان وشوال، كل هذه الأشهر فقيل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة يبعث فيها الغزوات والسرايا والأمراء، ويببعث رسائل إلى ملوك الأرض، وسنأتي إلى هذا المشهد كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم استغل فترة صلح الحديبية وهدوء الأمور بينه وبين كفار قريش ليرسل صحابته إلى ملوك الأرض، إلى كسرى، إلى قيصر، إلى المقوقس ملك الإسكندرية.

المهم، استغل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفترة من الرخاء أو الهدوء نقول، وأرسل صحابته دعاة مصلحين إلى المناطق التي حول المدينة، ويسري السرايا هنا وهناك، ويعقد الألوية إلى آخر الأمور العسكرية والدعوية. ثم في ذي القعدة من هذا العام، النبي صلى الله عليه وسلم قرر أن يخرج باتجاه مكة المكرمة لأداء عمرة القضاء مكان عمرته التي صد عنها في العام السابق. وخرج وجمعه المسلمون ممن كان صُد معه في عمرته تلك وهي سنة سبع.

فلما سمع به أهل مكة خرجوا، وتحدثت قريش بينها أن محمداً وأصحابه في عُسرة وجهد وشدة. الآن أهل مكة استعدوا لقدوم النبي صلى الله عليه وسلم فخرجوا من مكة، أي من منطقة الحرم خرجوا من منطقة الحرم، والبعض يقول: لا، هم بقوا في الحرم في باتجاه دار الندوة يراقبون النبي صلى الله عليه وسلم. هناك رأي يقول هكذا، وهناك رأي يقول ولم يخرجوا من الحرم، لكنهم فضوا المشهد للنبي صلى الله عليه وسلم.

المهم، قريش تحدثوا بينهم أن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد قدموا مجهدين متعبين من هذا السفر، وقد أكلتهم الحمى التي كانت منتشرة في يثرب هذا العام، فلن يستطيعوا أن يؤدوا المناسك بقوة. يقول ابن عباس رضي الله عنه وهو ينقل هذا المشهد عن غيره من الصحابة: يقول كفار قريش صفوا عند دار الندوة، وهذا يدل على أنه لم يخرج من مكة كما ذكر البعض، لكن هي مسألة خلافية. كفار قريش وقفوا عند دار الندوة وأخذوا يراقبون المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم كيف سيؤدون مناسك العمرة، لينظروا إليه وإلى أصحابه.

فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد أطبع بردائه، والاضطباع هو أن يخرج المحرم كتفه الأيمن، وهذا يفعله الرجال حينما يطوفون حول البيت، فأخرج عضده الأيمن، ثم قال: «رحم الله امرءاً أراهم اليوم من نفسه قوة». يعني النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى المشركين كيف ينظرون إلى الصحابة أن الصحابة متعبون، فالنبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يلقي الرعب في قلب كفار قريش وأن يريهم عزة الإسلام، فأرسل رسالة في أصحابه وقال: «رحم الله امرءاً أراهم اليوم من نفسه قوة»، أي إنسان منكم يري المشركين قوة أسأل الله أن يرحمهم. وهذا دعاء يبعث على النشاط والتحفيز للصحابة الكرام أنه دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم وليس من أي رجل.

فالصحابة الكرام أظهروا من أنفسهم قوة، وامرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، يعني أول ثلاث أشواط يكون فيها رمل، مشي سريع أقرب إلى الركض، وما بين الركن اليماني والحجر الأسود النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: امشوا هذه المنطقة امشوها، لكن أغلب الطواف يكون رملاً ركضاً خفيفاً، باستثناء منطقة الركن اليماني إلى الحجر الأسود الواجهة الأخيرة.

لماذا الواجهة الأخيرة؟ يقول ابن عباس: الواجهة الأخيرة هذه كانت مخفية عن كفار قريش. ابن عباس يقول: كفار قريش وقفوا عند دار الندوة يراقبون، فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سيؤدون العمرة فكان كل البيت مكشوفاً لهم إلا المنطقة الأخيرة ما بين الركن اليماني والحجر الأسود. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يرملوا، يعني أن يركضوا ركضاً خفيفاً في كل هذه المنطقة منطقة الطواف حول الكعبة إلا المنطقة الأخيرة أذن لهم أن يمشوا فيها وهي ما بين الركن اليماني والحجر الأسود لأنها كانت مخفية عن أعين المشركين. لكن بعد ذلك في حجة الوداع النبي صلى الله عليه وسلم شرع الرمل في كل الطواف، عذراً في الأشواط الثلاثة الأولى، لكن في كل مساحة الطواف من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود في حجة الوداع كما ذكر ابن عمر، النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وهذا هو الذي يثبت عليه الآن أن الرمل يكون من الحجر إلى الحجر.

الحجر في الأشواط الثلاثة الأولى. لكن النبي صلى الله عليه وسلم لماذا أمر أصحابه في الحديبية أن يرملوا في الأشواط الثلاثة لكن في المنطقة الأخيرة منطقة الركن اليماني إلى الحجر الأسود يمشون؟ لأنهم فعلاً كانوا مرهقين.

هم كانوا مرهقين من السفر وفي إعياء وتعب، وكان هناك كما يقول بعض علماء السير حمى في يثرب، فكان هناك إرهاق. لكن النبي عليه الصلاة والسلام يريد من الصحابة أن يتجاوزوا هذا الإرهاق، وأن يظهروا لكفار قريش القوة والعزة. لكن في نفس الوقت لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجهدهم وأن ينهكهم، فأذن لهم في السير في الأخيرة، كما يقص علينا ابن عباس فيقول: حتى إذا من البداية لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه، ثم قال: «رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة».

ثم استلم الركن أي الحجر الأسود وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتى إذا واروه البيت منهم واستلموا الركن اليماني حتى يستلم الركن الأسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشقى سائرها. إذا انتهت هذه العمرة، عمرة القضاء، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بقوة، بعزة، بشموخ. والنبي صلى الله عليه وسلم في هذه العمرة وهو عائد تزوج إحدى أم المؤمنين.

لكن هنا قصة قبل أن نتكلم عن قضية زواج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث، هناك قصة يذكرها ابن هشام والله أعلم بصحتها، لكن أسردها لجماليتها، لكن كما قلنا تحتاج إلى تثبت أكثر من سنديها. يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم قام في مكة ثلاثة أيام بناء على الاتفاق، لأن كفار قريش لما اتفقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية اتفقوا على أن إقامة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة تكون ثلاثة أيام.

فأقام النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة أيام، فأتاه حويطب بن عبد العزى في اليوم الثالث مندوباً عن كفار قريش ليطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يغادر: يا محمد، احنا اتفقنا على ثلاثة أيام، انتهت مدة الثلاثة أيام، نرجو منك أن تغادر. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم الآن، حويطب بن عبد العزى مبعوث من قبل كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم في آخر اليوم الثالث يطلب منه المغادرة بناء على الاتفاق، فالنبي صلى الله عليه وسلم يمزح مع حويطب بن عبد العزى ويقول: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعت لكم طعاماً فحضرتموه؟ فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك يا محمد.

يعني النبي عليه الصلاة والسلام يقول لحويطب: أنت ليش مستعجل؟ ليش ما نعمل لك طعام ونعمل جلسة عامة وتحضر معنا في هذا الطعام؟ فحويطب بن عبد العزى قال له: لا نريد طعامك يا محمد، اخرج من مكة. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يتهكم بكفار قريش، دعوة تهكمية وليست دعوة حقيقية فيما يظهر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم يتهكم بهم إن صحت هذه الرواية.

خرج النبي صلى الله عليه وسلم بناء على الاتفاق، فعلاً النبي صلى الله عليه وسلم كان يفي بعهده، خرج من مكة في اليوم الثالث متجهاً باتجاه المدينة، وأرسل مولاه أبا رافع لهذه المرأة ميمونة بنت الحارث ليخطبها له. فذهب أبو رافع إلى ميمونة بنت الحارث وعرض عليها زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها، فوافقت ميمونة بنت الحارث على هذا الزواج المبارك.

والنبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق باتجاه المدينة عرس بها في منطقة تسمى سرف، هذه منطقة عرس بها يعني تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها ميمونة بنت الحارث ودخل بها في قبة في خيمة بنيت له فيها. ودفنت ميمونة بنت الحارث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المنطقة أيضاً، دفنها الصحابة فيها لتنال بركتها كما يقولون، لأن هذه المنطقة هي التي بنى وتزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم، فأرادوا أن يدفنوها في نفس هذه المنطقة لتنال بركتها.

وزواج النبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة بنت الحارث كان وهو حلال، بعد أن فرغ من عمرته وأصبح حلالاً، وليس وهو محرم كما وهم ابن عباس. ابن عباس كما هو في البخاري توهم أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو في إحرامه، ومعلوم أن المحرم لا ينكح ولا يعقد عليه، كما جاء في حديث عثمان عند مسلم، فعلماء السير بل ميمونة بنت الحارث نفسها وأبو رافع نفسه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال. وميمونة هي أعلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها، وأبو رافع الذي باشر القصة أعلم قال النبي صلى الله عليه وسلم من ابن عباس، فلذلك الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال، وعقد عليه وهو حلال بعد أن فرغ من عمرة القضاء.

فهذا الزواج الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا العام: كان زواجه من صفية بنت حيي، وزواجه من أم حبيبة التي عادت من عند النجاشي، وزواجه من ميمونة بنت الحارث وهو عائد من عمرة القضاء. إذاً دعونا سريعاً نقرأ أهم الأحداث التي قصها علينا ابن أبي العز في هذا العام، أظن أنني استوعبت أكثرها، يقول ابن أبي العز: وكان فتح خيبر في السابعة، هذا أول حاجة تكلمنا عنه ففتح خيبر في هذا العام. قال: وحظر لحم الحمر الأهلية فيها، ومتعة النساء الردية.

في العام السابع من الهجرة حرم النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة أن يأكلوا لحوم الحمر الأهلية. الحمر الأهلية هي الحمر الإنسية التي تحيا بيننا، هذه حرمها النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز إلى يوم القيامة أن يأخذ الإنسان لحم الحمار الأهلي. أما الحمار الوحشي المخطط فهذا يجوز أكله، الذي يعيش في الأدغال، وهذا ما رأيناه ربما على التلفاز، لكن واقعاً في الحقيقة ما رأيتم؟ واما الحمار الأهلي الذي يحيا بيننا فهذا حرم النبي صلى الله عليه وسلم أكله في يوم خيبر.

وجاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا طلحة في يوم خيبر ينادي في الصحابة أن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس أي نجسة اللحوم، ولذلك لا يجوز أكل لحوم الحمر الأهلية. ومما حرم أيضاً في يوم خيبر أو في عام خيبر متعة النساء. متعة النساء أن يتزوج الرجل المرأة على أمد محدد، يقول لها: أتزوجك لخمسة أيام أو لشهر، هذان نكاح متعة أو المتعة الذي يؤمن به الروافض إلى اليوم ويتسترون به للزنا والفواحش. هذا الزواج أباحه النبي صلى الله عليه وسلم في فترة محدودة في عام أوطاس لظروف معينة مر بها الصحابة، ثم حرمها في عام خيبر.

والصحيح أنه أباحه في عام فتح مكة ثم حرمه مرة أخرى إلى الأبد، فيقولون نكاح المتعة أباحه النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات أوطاس، ثم حرمه في خيبر، ثم عاد ففتحه في عام فتح مكة ثم حرمه في نهاية فتح مكة إلى يوم القيامة، وأخبر أنه محرم إلى يوم القيامة، بالتالي لا يجوز لأحد أن ينكح نكاح متعة وهذا بإجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وما روي عن ابن عباس أنه خالف في ذلك فقد قيل إنه خالف ثم عاد إلى رأي الصحابة فكان إجماعاً مطبقاً إلى يوم القيامة، فلا يجوز لأحد أن يقوم بهذا الشكل من أشكال الأنكحة.

إذاً تحريم الحمر الأهلية، وتحريم نكاح المتعة كان في العام السابع من الهجرة الذي يسمى عام خيبر. قال: ووسم في شاة بها هدية، أي في هذا العام وسم النبي صلى الله عليه وسلم بالشاة التي أهدتها زينب بنت الحارث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها سمتها وأرادت أن تقتل النبي صلى الله عليه وسلم ثأراً لأبيها ولزوجها. وإذا وسم في شاة أي في هذا العام هدية أهدت له.

ثم اصطفى صفية صفية. هذا البيت جميل: ثم اصطفى صفية صفية، أي اصطفى النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب لنفسه. طبعا النبي صلى الله عليه وسلم كما يذكر علماء السير كان له في الحروب والمغازي التي يشارك فيها كان له سهم يسمى سهم الصفي، والصفي هذا سهم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم جعله الله له، إيش هو الصفي؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ من الغنيمة سبياً أو فرس أو ناقة النبي صلى الله عليه وسلم أعجب بها، وهذا يسمى سهم الصفي، اصطفاء النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه من الغنائم سبية أو خيلاً أو ناقة يعجب بها فيأخذها له، وهذا غير الغنائم، سهم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم خصه الله به.

وسفية كانت من هذا السهم، قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم اصطفاها له بسهم الصفي، اصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم من سبايا خيبر لنفسه وتزوجها في هذا العام بعد أن أعتقها. قال: ثم على أم حبيبة عقدت ومهرها عنه النجاشي نقد، أي في هذا العام عقد النبي صلى الله عليه وسلم على أم حبيبة بنت أبي سفيان، والذي دفع المهر عن النبي صلى الله عليه وسلم هو النجاشي رضي الله عنه ورحمة الله عليه. ثم أتت أي أم حبيبة ومن بقي مهاجراً في الحبشة أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب.

قال: وعقد ميمونة كان الآخرة، وعقد النبي صلى الله عليه وسلم على ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها أيضاً في هذا العام وهو العقد الأخير، يعني هي المرأة الأخيرة التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث، بناء على القول الراجح أن ماريا القبطية لم تكن زوجة للنبي عليه الصلاة والسلام وإنما كانت أيضاً ملك يمين. إذاً الزوجة الأخيرة التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم هي ميمونة بنت الحارث، تزوجها وهو عائد من عمرة القضاء وقبل إسلام أبي هريرة وبعد عمرة القضاء الشهيرة، وقبله يقصد به قبل فتح خيبر.

أسلم سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه أشهر راوي للحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أكثر الصحابة رواية للحديث هو سيدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. إسلام أبي هريرة كان قبل فتح خيبر، كان قبل فتح خيبر لكن لم يشارك أبو هريرة في غزوة خيبر لأنه وصل إلى المدينة بعد أن تم الفتح، فأبو هريرة أسلم قبل فتح خيبر ولكنه لم يشارك في غزوة خيبر لأنه ما وصل إلى المدينة إلا وكانت غزوة خيبر قد انتهت، فهذا معنى وقبل أي قبل فتح خيبر كان إسلام أبي هريرة. قال: وبعد عمرة القضاء الشهيرة، أي بعد فتح خيبر، في المقابل بعد فتح خيبر كانت عمرة القضاء، هذه عمرة تسمى عمرة القضاء قضى بها النبي صلى الله عليه وسلم العمرة التي لم يستطع أن ينفذها في عام الحديبية.

قال: والرسل في المحرم المحرم أرسلهم إلى الملوك فأعلمي، وأهديت ماريا القبطية، أي النبي صلى الله عليه وسلم أرسل الرسل والمبعوثين من قبله باتجاه ملوك الأرض، فأرسل مجموعة من الصحابة باتجاه النجاشي، باتجاه قيصر ملك الروم، باتجاه كسرى ملك الفرس، باتجاه مقوقس ملك الإسكندرية. هنا يقص علينا ابن القيم في زاد المعاد يقول: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي. وفي الحقيقة هل إرسال النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي هل هو نجاشي آخر غير النجاشي الذي كان مسلماً ولا هو نفس النجاشي؟ أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل إليه عمرو بن أمية الضمري ليؤكد على إسلامه وليبلغه أركان هذا الدين، والذي يظهر أنه هو نفس النجاشي، أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري ليتأكد من إسلامه ويتوثق منه مائة بالمائة بشعائر هذا الدين.

كذلك أرسل النبي صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبي، وهذا كان أجمل الصحابة، وكان جبريل كثيراً ما يأتي على صورته لجماله، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم. وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس، ويقال إن كسرى لما أخذ الكتاب من عبد الله بن حذافة السهمي مزق الكتاب، فالنبي صلى الله عليه وسلم بلغه ذلك فقال: «مزق الله ملكه». وفعلاً تمزق ملكه في عهد الخلفاء الراشدين.

وبعث أيضاً حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك مصر أو ملك الإسكندرية بالتحديد، طبعا المقوقس ملك الإسكندرية لم يفعل كما فعل كسرى بل استقبل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بالترحيب وقرأها وتعامل معها باحترام لكنه لم يؤمن، في مقابل ذلك أرسل هدية للنبي صلى الله عليه وسلم وهي سيدتنا ماريا القبطية. سيدتنا ماريا القبطية لم يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم على الراجح، لكنها كانت امرأة فاضلة أسلمت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأنجب النبي صلى الله عليه وسلم منها ابنه إبراهيم.

أنجبه من ماريا القبطية، التي كانت ملك يمين عند النبي صلى الله عليه وسلم. وماريا القبطية أهداها المقوقس ملك الإسكندرية للنبي صلى الله عليه وسلم مع حاطب بن أبي بلتعة.

كما قلنا، النبي صلى الله عليه وسلم استفاد من فترة الرخاء، من فترة الأمان التي قضاها بينه وبين كفار قريش، استغلها في إرسال الصحابة الكرام إلى ملوك الأرض لتنتشر هذه الدعوة أكثر وأكثر حتى تصل إلى ملوك العالم. أرسل كسرى ملك الفرس، أرسل إلى قيصر ملك الروم، أرسل النجاشي ملك الحبشة، أرسل إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية، هؤلاء هم القوة العظمى في ذلك الزمن.

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم رسالة الإسلام ليحاجهم بها. وطبعا هناك قصص كثيرة تتعلق بهذه الأمور؛ يعني هرقل ملك الروم لما وصلته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم استدعى وفداً من كفار قريش كان يتاجر في الشام على رأسهم أبو سفيان، استدعاهم هرقل ملك الروم إليه، وأخبرهم أن وصلت الرسالة من النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يريد أن يسأل عن حاله.

والقصة الشهيرة كيف أن هرقل ملك الروم قال لأبي سفيان: أريدك أن تحدثني عن هذا الرجل لكن من دون أن تكذب. فأبو سفيان بدأ يخبر عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، فكان هرقل يسأله: إنه كيف كان هذا الرجل فيكم؟ وما هو نسبه؟ وكيف أيامكم معه؟ وإلى ماذا يدعو؟

فلما أجابه أبو سفيان بالإجابات الواضحة الصادقة قال: إن صدقتني فإن هذا الرجل سيملك موضع قدمي، إلى آخر القصة المشهورة. فإذاً النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا أرسل المبعوثين والرسل باتجاه ملوك الأرض في العام السابع من الهجرة مستفيداً من هذه الفترة، وكان فيه إهداء أيضاً ماريا القبطية من المقوقس ملك الإسكندرية إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

لن أطيل عليكم أكثر من ذلك في هذه المحاضرة؛ إن شاء الله في الدرس القادم أحبتي نقف على أحداث العام الثامن من الهجرة، عام مليء جداً جداً بالمواقف المهمة والخطيرة التي أسست لدولة إسلامية عظمى في جزيرة العرب. إذاً نلقاكم بإذن الله في مجلس قادم من مدارسة الأرجوزة المائية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.