تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (21) / غزوة مؤتة وبداية فتح مكة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح الأرجوزة المائية للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية، ونحن نستعرض سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، ونقف على أيامه وأخلاقه وسياسته ومنهجه، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. موعدنا اليوم أحبتي مع أحداث العام الثامن من هجرته عليه الصلاة والسلام إلى طيبة الطيبة.

هذا العام عام حاسم في تاريخ الدولة المسلمة الناشئة في المدينة النبوية، عام الفتوحات والانتصارات الكبرى، العام الذي رسم فجراً جديداً لهذه الأمة، ووضع لبنة جديدة من لبنات الحضارة الإسلامية التي ملأت بححمد الله أرجاء هذه الأرض. العام الثامن من الهجرة كان فيه غزوة مؤتة، كان فيه فتح مكة، كان فيه غزوة حنين، وكانت فيه كثير من الأحداث العظيمة والانتصارات الكبرى.

دعونا إذا نتعرف على هذه الأحداث وما نستخلص منها من السياسة والحكم والعبر مع ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه، يقول ابن أبي العز في سرده لأحداث العام من الهجرة في البيت الثمانين: وأهديت مارية القبطية فيه، أي في العام السابع، ثم من الان سيُبدأ سرد أحداث العام الثامن. قال: وفي الثامنة السارية لمؤتة سارت وفي الصيام، أي في شهر رمضان، قد كان فتح البلاد الحرام، وبعده قد أوردوا ما كان في يوم حنين، ثم يوم الطائف، وبعد في ذي القعدة إعتماره من الجعرانة واستقراره، وبنته زينب ماتت، ثم مولد إبراهيم فيها حتماً، ووهبت نوبتها لعائشة سوداء ما دامت زماناً عائشة، وعمل المنبار غير مختفي، وحج عتاب بأهل الموقف. ثم بعد ذلك سينتقل لأحداث العام التاسع من الهجرة، وقد قاربت قصتنا من نهايتها.

أحبتي، إذاً أول أحداث هذا العام -العام الثامن من الهجرة- كانت غزوة مؤتة، وغزوة مؤتة كانت باتجاه بلاد الشام؛ هذه أول غزوة فعلية يخوضها الصحابة الكرام في بلاد الشام، غزوة مؤتة. يا ترى ما سبب هذه الغزوة؟ وما الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم ليتخذ قراراً كبيراً مثل هذا القرار العسكري أن يتجه للصحابة الكرام باتجاه الشام والمخاطر ستكون كبيرة؛ مواجهة الروم ومن يشيعهم ويحالفهم، معركة عظيمة جداً وخطيرة جداً؟ ما الذي دفع النبي صلى الله عليه وسلم لاتخاذ هذا القرار؟ إنها عزة الإسلام وعزة المسلم.

بعث النبي صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة الكرام، وهو الحارث بن عمير الأزدي، برسالة إلى ملك بصرى. والحارث بن عمير الأزدي رحمة الله عليه، وهو في طريقه ليسلم هذه الرسالة إلى ملك بصرى، اعترض له رجل يسمى شرحبيل بن عمرو الغساني، وشرحبيل بن عمرو هذا كان أحد أمراء الروم على منطقة البلقاء. هو رجل عربي، لكن كما نعلم أن الدولة الغسانية كانت حالفة للروم؛ فشرحبيل بن عمرو الغساني كان أحد أمراء الروم على منطقة البلقاء في الأردن في ديارنا هذه، فاعترض الحارث بن عمير الأزدي ورفعوه إليه، يعني أجناده وحراسه اعترضوا الحارث في مسيره، لربما وقع في كمين أو يعني لفت أنظار بعض الحراس أو الجواسيس للحارث فالتقطوه وأتوا به إلى شرحبيل.

الآن الحارث بن عمير رضي الله عنه بين يدي شرحبيل بن عمرو، عرف طبيعة الرسالة التي يحملها الحارث وإلى من يوجهها، فأراد أن يتقرب إلى الروم بقتل رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعلاً قدم شرحبيل بن عمرو الغساني سيدنا الحارث بن عمير الأزدي وضرب عنقه. وصلت الأنباء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن رسوله الحارث بن عمير الأزدي الذي كان مبعوثاً برسالة منه صلى الله عليه وسلم إلى ملك بصرى قد تم قتله، وقتل الرسل كان عظيماً عند العرب، عظيماً جداً عند العرب، لأن الرسل في عرف العرب كانت لا تقتل.

فمثل هذا الاعتداء السافر الذي مارسه شرحبيل بن عمرو الغساني على رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتبر انتهاكاً صارخاً واعتداءً على حرمة الدولة المسلمة الناشئة في المدينة النبوية، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يسكت على الضيم؛ لأنه يملك عزة المسلم. من أجل رجل واحد، من أجل رجل واحد قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخوض معركة كبرى مع الروم، وأن يرسل جيشاً من خيرة أصحابه باتجاه تلك الديار ليخوضوا كما قلنا معركة كبيرة جداً، معركة خطيرة النتائج، لكنها في النهاية ستكون معركة ثأرية، معركة تحمل العديد من الرسائل لأكبر دولة في ذاك الوقت، أو من أكبر الدول في ذاك الوقت، دولة الروم؛ أن محمداً صلى الله عليه وسلم وهذه الدولة لا تسكت على الضيم.

هذه الدولة المسلمة الناشئة لا ترضى أن يمس بشعرة من رجالاتها؛ رسالة قوية عسكرية أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يوجهها لبلاد الروم من أول الأمر: إياكم أن تقتربوا من حمى محمد صلى الله عليه وسلم، إياكم أيها الصليبيون أن تقتربوا من حمى الإسلام، فإن هناك أسوداً يدافعون عنه. قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجهز جيشاً من خيرة أصحابه قوامه ثلاثة آلاف رجل متجهين أو اتجهوا باتجاه البلقاء في أرض الأردن، ليخوضوا معركة خلدها التاريخ، حتى إن هذه المعركة على الرغم من عدم حضور النبي صلى الله عليه وسلم فيها، لكن كثير من العلماء سمى هذه المعركة غزوة لعظمها ولخطر نتائجها وكبير أثرها في تاريخ الإسلام.

دعونا مع ابن هشام نستعرض سريعا تفاصيل هذه المعركة، يقول ابن هشام رحمة الله عليه في سيرته في جمادى الأولى من العام الثامن من الهجرة، بعث أو بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية باتجاه الشام -طبعا اضبط الوقت ابتداء الحين أعرِف كم نجلِس-. في جمادى الأولى بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية -وهي في الحقيقة سميت غزوة، لكن كثير من أو بعض علماء السير يقول سرية- بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أو جيشاً أو غزوة باتجاه الشام، واستعمل عليهم القائد الأعلى كان في تلك المعركة زيد بن حارثة، واوصى النبي صلى الله عليه وسلم وصية في البداية: إن استشهد زيد بن حارثة فليحمل الراية جعفر بن أبي طالب، فإن استشهد جعفر بن أبي طالب فالذي يحمل الراية عبد الله بن رواحة. النبي صلى الله عليه وسلم عين ثلاثة أمراء لجيش المسلمين يخلف أحدهم الآخر في حال استشهاده.

فتجهز الناس وتهيؤوا للخروج، وخرج هذا الجيش وهم ثلاثة آلاف مقاتل، فلما حضر خروجهم ودعا الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم. يعني المعركة كانت خطيرة، والناس كانوا يعرفون أن هذا الجيش قد لا يعود، أن هؤلاء الخيرة خيرة الصحابة زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة قد لا نراهم مرة أخرى؛ المعركة شديدة والوضع صعب، فكانت هناك أجواء من الود والحنين.

في أثناء الوداع خرج الناس كلهم يودعون القادة ويودعون هذا الجيش المتجه باتجاه الشام. فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكى عبد الله بن رواحة القائد الثالث لما بدأ الناس يودعونه ويعانقونه عناق المفارق، بكى رضي الله عنه، فقالوا له: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ قال: أما والله ما بي حب للدنيا -أنا لا أبكي أني أخشى على فوات الدنيا، وليس هذا حال الصحابة الكرام- ولا صبابة بكم، ولكنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار.

انظروا أين عقل عبد الله بن رواحة؟ في ماذا كان يفكر؟ أحدنا ينكب على الدنيا ويقاتل عليها ويخشى من فواتها، وإن فاته حظ منها أصابه اليأس والفتور والحزن والكآبة، وهؤلاء القوم خرجوا يطلبون الشهادة في سبيل الله، ويبكون من خشية لقاء الله سبحانه. ما هي الآية التي خاف منها عبد الله بن رواحة؟ يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ آية فيها ذكر النار فبكيت منها، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُها كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ [مريم: 71].

قال عبد الله: فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود، أي لا أدري إذا مررنا. الآن هذه الآية أحبتي هي في الصراط، كل إنسان سيمر على الصراط، هذا الصراط المنصوب فوق جهنم، من كتب من أهل النار سيسقط من عن هذا الصراط باتجاه النار والعياذ بالله، ومن كان من أهل النجاة يمر على هذا الصراط باتجاه جنة الخلد. فعبد الله بن رواحة يقول: ولا أدري إذا مررت على الصراط ماذا سيكون حالي؟ قال: لست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود، أي حينما أرد على هذا الصراط لا أدري كيف سأصدر، كيف ساخرج منه؟ هل سأخرج إلى جنة الخلد؟ أم سأسقط في النار؟ انظروا أين كانت عقول القوم رحمة الله عليهم.

فقال المسلمون -إذاً بعد كل هذه الأجواء من حنين والوداع والبكاء؛ الأب يودع ابنه والزوج يودع زوجته، فالامر خطير، ومعركة جليلة، والمسافة بعيدة، والعدو جديد الروم الآن بثقلهم-: صاحبكم الله، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة وهو يودع الناس -لكنني، هم الناس يقولون لهذا الجيش ردكم الله إلينا صالحين، عبد الله بن رواحة ذهنه في الشهادة، يقول وهو من شعراء النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا قال؟-: لكني أسأل الرحمن مغفرةً وضربة ذات فرع تقذف الزبد أو طعنة بيدي حرانة مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبد أو تأتيني ضربة تدخل في أحشائي وتخرج حتى يُقال إذا مروا على جدثي، أي على قبري: أرشده الله من غازٍ وقد رشد. حتى يمر الناس بعد ذلك الأجيال اللاحقة تمر على قبري وتتذكرني، رحمة الله على هذا الغازي.

وفعلاً قبر عبد الله بن رواحة ما زال قائماً عندنا في ديارنا، كل من يراه يترحم على هؤلاء الرهط الكرام الذين بذلوا الغالي والنفيس، وأتوا من طيبة الطيبة ليقاتلوا ويدافعوا عن حرمة هذا الدين، وليضعوا لبنة أساسية في نشر دعوة الإسلام إلى آفاق الأرض كلها، رحمة الله تعالى عليهم.

ثم خرج القوم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعهم، وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. النبي عليه الصلاة والسلام كان ينبغي أن يبقى في المدينة في تلك المرحلة ليكمل تجهيز الدولة المسلمة، خاصة أننا ما زلنا نحيا في ثنايا صلح الحديبية والامر مستتب مع كفار قريش، فكانت هناك عدة مصالح منعت خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك الجيش.

هذا الجيش المبارك مضى حتى نزل مدينة معان وهي من مدن الأردن المشهورة من أرض الشام، فبلغ الناس أنه يرقل، بلغ الناس -يعني بلغ هذا الجيش- أن هرقل زعيم الروم بعث مائة ألف مقاتل من الروم. جيش الصحابة كم أحبتي؟ ثلاثة آلاف، وهرقل أرسل مائة ألف مقاتل من الروم، وهؤلاء المائة ألف انضم إليهم من قبائل العرب المتحالفة معهم أيضاً مائة ألف أخرى، فأصبح تعداد جيش الروم مائتي ألف! مائتي ألف هؤلاء سيواجهون ثلاثة آلاف من الصحابة الكرام.

وصلت الأنباء إلى الصحابة أن الروم والعرب الذين حالفوهم جمعوا كل هذا العدد الضخم، عدد مهول أحبتي سيواجه فقط ثلاثة آلاف. فعقدوا مشورة سريعة بقيادة زيد بن حارثة، وجلسوا ليلتين في معان -مدينة معان- يفكرون في أمرهم، ماذا نفعل؟

الرأي الأول كان للصحابة الكرام: دعونا نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال ويبعث مدداً لنا، وإما أن يأمرنا بالرجوع إلى المدينة؛ هذا كان رأي حاضر في الساحة.

هناك رأي آخر كان لعبد الله بن رواحة؛ عبد الله بن رواحة رجل حاضر معنا كثيراً في هذه الغزوة، هذا الرجل الشجاع الفذ رحمة الله تعالى عليه، عبد الله بن رواحة لما سمع الناس يتلكؤون ويتحاورون، وبعضهم أصبح يفكر في الرجوع فعلياً أنهم قالوا عدد مهول لا يمكن أن نلقاه، قام عبد الله بن رواحة في الناس فقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون! يعني الشيء الذي تفرون منه وتكرهونه هو الشيء الذي خرجنا في طلبه، ألا وهي الشهادة، وما نقاتل الناس اليوم بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به.

يعني قتالنا اليوم ليس قتالاً بالعدد، ونحن في كل غزواتنا لم نعتمد على العدد، لم نعتمد على القوة ولا على الكثرة، وإنما اعتمدنا على إيماننا بالله سبحانه وتعالى، وعلى نبل الهدف والعقيدة التي نقاتل من أجلها. فقال: يا قوم، انطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين؛ إما النصر وإما الشهادة.

كلمة حماسية فخمة من عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، حمست الناس، رفعت الروح المعنوية، وقرر هؤلاء الثلاثة آلاف أن يخوضوا معركة خالدة ضد مائتي ألف من المشركين. فقال الناس جميعاً: صدق والله ابن رواحة. فمضى الناس -أي الصحابة- حتى إذا كانوا بتخم البلقاء -الآن تحرك جيش المسلمين من معان باتجاه البلقاء- حتى إذا كانوا قوم البلقاء، لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو، الآن المسلمون إذاً التقوا في قرية مشارف بجيش الروم، لكن السياسة العسكرية التي اتبعها الصحابة الكرام وهي سياسة رشيدة.

قالوا لا يجوز أن نلقى جيش الروم، أو لا يصح من الناحية العسكرية أن نلقى جيش الروم في منطقة مفتوحة، لأننا ثلاثة آلاف وهم عبارة عن مائتي ألف. فاللقاء في صحراء مفتوحة سيجعل هذا العدد الضخم كله يحتشد علينا مرة واحدة وينهوا أمرنا. فالخطة العسكرية، الصحابة وزيد بن حارثة قرروا أن يدخلوا إلى قرية محصورة، وهي قرية مؤتة من أراضي البلقاء. قرروا أن يدخلوا إلى قرية محصورة قرية مؤتة؛ يعني يحتشد جيش المسلمين فيها والروم لا يستطيعون أن يدخلوا بكل ثقلهم وأعدادهم الضخمة الهائلة إلى هذه القرية، بالتالي الذي سيدخل طائفة محددة من الروم.

ثم المسلمون يواجهون هذه الطائفة انتهى أمرهم، عادت طائفة أخرى من الروم ودخلت القرية. فالمهم هذه القرية لم تكن تستوعب كل أعداد الروم الهائلة، فكان من الحكمة أن يدخل الصحابة فيها حتى يحصروا عدد الروم الذين سيواجهونهم في المعركة.

إذاً انحاز المسلمون إلى قرية يققال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها فتعبأ لهم المسلمون. بدأ جيش المسلمين بالتعبئة العسكرية؛ تجهيز الميمنة، أيسر، الخيالة، الخلف، المشاة، كل الأسلحة العسكرية الآن أو الأجهزة العسكرية تنظم أمرها. بدأت التعبئة، عن الميمنة تم تعيين رجل يققال له قطبة بن قتادة، وعلى الميسرة تم تعيين رجل يقال له عباية بن مالك، ثم بدأت المعركة الصعبة. دخل الروم إلى هذه القرية بعدد كبير بالتأكيد، وبدأت معركة صعبة التقى فيها أبطال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بكل ما يحملونه من عقيدة وإيمان وثبات على المبادئ وحب وعشق للشهادة ولقاء الله سبحانه وتعالى. التقوا بالصليبيين لتدور معركة خالدة على أراضي مؤتة، سطر فيها صحابتنا الكرام رضوان الله تعالى عليهم أروع البطولات وأجمل الملاحم التي يذكرها علماء السير وما حفظها الأجيال جيلاً بعد جيل.

ما زلنا إلى اليوم نترحم على ذاك الرهط المبارك الذي سطر كما قلنا أو روى بدمائه الطاهرة هذه البلاد الطاهرة ناشراً هذا الدين ومعلناً أن الإسلام لا يهضم حقه، أننا فرسان شجعان أقاتل من أجل إعلاء كلمة الله، وإن قل عددنا وقلت عدتنا لكننا نقاتل بهذا الدين. كما قال عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه؛ التقى الناس واقتتلوا فبدأ القتال، وزيد بن حارثة قائد جيش المسلمين في أوائل الصفوف يقاتل ويدافع حتى شاط في القوم، يعني دخلت فيه رماح الروم فخر شهيداً، نسأل الله عز وجل أن يرحمه وأن يغفر له.

ثم فلما خر زيد بن حارثة في أرض المعركة مباشرة حمل الراية القائد الثاني جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. أخذ الراية واتجه في مواجهة العدو صوب العدو مباشرة، ما أدبر، ما عاد خطوات إلى الوراء، ما تلكأ، مباشرة حمل الراية في نصف جيش الروم يقاتل ويصارع دفاعاً عن راية الإسلام. يقولون: أخذ الراية جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألجمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، يعني لما رأى الأمور وجيش الروم أعداد ضخمة يا أحبتي، نتكلم عن آلاف مؤلفة داخل هذه القرية من جيش الروم، وهناك مدد لهم في الخارج ينتظر الدخول، العدد ضخم جداً. لما رأى جعفر بن أبي طالب أن الأمور شبه منتهية عقر فرسه وقام حاملاً لهذه الراية وقال قصيدته المشهورة: يا حبذا الجنة واقترابها، طيبة وبارداً شرابها.

طبعا هذا كله أحبتي من التحميس، أن البعض يقول الصحابة في تلك الآونة هو الشخص عنده مجال من الوقت لينظم هذه القصائد وليبدأ يقول هذه الأشعار والسيوف تلمع من فوق رأسه والرماح عن جنبه؟ يا أحبتي هذه أبيات عفوية، يعني كيف الإنسان وهو يفعل الفعل؟ يحمس نفسه بكلام عفوي. هذا الشعر كان سليقة لهم، وهو في نصف المعركة تأتي هذه الكلمات على خاطره ليحمس يرفع الروح المعنوية وليقتحم إلى آخر لحظة. يقول جعفر بن أبي طالب في اللحظات الأخيرة: يا حبذا الجنة واقترابها، طيبة وبارداً شرابها، والروم روم قد دنا عذابها، كافرة بعيدة أنسابها، عليّ إذ لاقيتها ضرابُ. ثم دخل في جيش الروم حتى خر صريعاً.

يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: وقفت على جعفر بن أبي طالب حين استشهد، عبد الله بن عمر كان في هذه المعركة حاضراً، فوجدت فيه خمسين طعنة وضربة سيف ما فيها ضربة في ظهره، يعني كل الضربات تلقاها في مقدمته، وهذا يدل أحبتي على أنه بقي مقبلاً بجسده، متقدماً، بائعاً لروحه لله سبحانه وتعالى، ما هرب. الضربات متى تأتي في خلف المقاتل؟ إذا كان هو يريد الفرار تأتي الضربات من خلفه، فكل الضربات كانت في مقدمة جعفر بن أبي طالب، هذا يدل على أنه كان مقبلاً على جيوش الروم ولم يكن فاراً منهم. ويقول ابن هشام: وحدثني بعض من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، ثم تناوله بشماله فقطعت، فاحتضنه بين عضديه حتى قتل رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

الله عز وجل بيديه جناحين في جنات النعيم يطير بهما حيث شاء، النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرح كثيراً بقدوم جعفر بن أبي طالب. جعفر كما ذكرنا في المحاضرة السابقة قدم بعد فتوح خيبر في السنة السابعة، في السنة الثامنة مباشرة في غزوة مؤتة يخر صريعاً شهيداً رضي الله تعالى عنه. فتأسف النبي صلى الله عليه وسلم على قتله وحزن حزناً شديداً، كما قلنا إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب جعفر بن أبي طالب حباً عظيماً. جعفر قائد المسلمين في أرض الحبشة، الرجل المحنك، صاحب العقل وصاحب المنطق، وكان من أكثر الصحابة شبهاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، لم يهنأ به النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً، فخر صريعاً جعفر. رضي الله عنك يا جعفر في غزوة لتنتقل الراية إلى القائد الثالث إلى عبد الله بن رواحة.

وما زالت أجواء المعركة الحماسية قائمة، والصحابة يكرون ثم يكرون على جيوش الروم، وجيوش الروم أيضا تضرب، والقتلى من الطرفين، الكل يتساقط من الطرفين، وكان قتل الروم بعدد كبير جداً، يعني الصحابة ثلاثة آلاف يصمدون هذا الصمود الأسطوري أمام ترسانة عسكرية ضخمة من جيوش الروم، ينزلون بهم أشد القتل، آلاف مؤلفة قتلت من الروم أحبتي في تلك المعارك، لكن أكيد في النهاية حجم الصحابة كان محدوداً فسقط منهم أيضاً عدد كبير رضي الله عن هؤلاء الركب.

لما قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة، ثم تقدم بي وهو على فرسه فجعل يتردد بعض التردد. عبد الله بن رواحة الذي بكى حين ودعه الصحابة وحين تذكر قول الله عز وجل: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُها﴾ [مريم: 71]، عبد الله بن رواحة الذي نفخ الروح المعنوية في جيش وحمسهم على القتال. الآن بعد أن حمل الراية ورأى قيس المعركة ورأى الرماح ورأى السيوف، الآن تناول الراية من جعفر وبدأ يقود جيش المسلمين. تسجل كتب التاريخ، وهذا كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن رواحة تلكأ أو تردد تردداً هنيهة فقط، تردد هنيهة يعني أصابه الخوف للحظات، حتى نقول: أصابه الخوف للحظات فتلكأ هنيهة تردد يسير جداً، خلده التاريخ.

سجل في التاريخ تلكؤ هنيهة عبد الله بن رواحة الذي حمّس المسلمين، يعني هو الذي كان سبب الروح المعنوية بعد الله عز وجل لخوض الصحابة هذه المعركة، وهو صاحب بالإيمانيات العليا، لكن أحبتي الأمر ليس بالسهل والله. يعني أحدنا وهو متكئ على أريكته يتكلم بهذا الكلام ويقول: عبد الله بن رواحة تلكأته بنيهة لماذا لم تفعل كصاحبيك؟ أحبتي الأمر والله ليس بالسهل، يعني الإنسان منا لا يعرف لو كان في تلك اللحظات أين مقامه وماذا يكون فاعلاً، وهذا القلب أين يكون؟ هل هو في الدنيا أم هو في الآخرة؟ هل نفر أم نثبت؟ الأمر شديد جداً، ولمعان وبريق السيوف فوق رأس المجاهد هذا أمر صعب، نسأل الله أن يجعلنا من المجاهدين الثابتين الصابرين وأن يرزقنا ثباتاً على هذا الدين حتى نلقاه.

عبد الله بن رواحة تلكأ هنيهة فسجلها التاريخ، فما أنا وأنت؟ كم تلكأنا في صلاة الفجر؟ ولا أقول في الجهاد في سبيل الله، كم تلكأنا في طلب العلم وتراجعنا وترددنا وخطر على خاطرنا أن نترك هذا الدرب ونعود إلى دنيانا؟ كم تلكأنا عن قيام الليل؟ كم تلكأنا عن ترك المعاصي؟ عبد الله بن رواحة هنيهة في ساحة معركة وفي سجال أسطوري سجلت هذه الهنيهة عليه، وهذا التردد اللحظي عليه. فماذا سجل علينا أحبتي من وتيرة والترددات والتباطؤ عن نصرة الله سبحانه وتعالى وعن القيام بالواجبات والمندوبات؟ دعونا نفتش في أنفسنا لعلنا نتخفف من هذه الآثام ومن هذه الأخطاء والمعاصي والذنوب.

إذاً عبد الله بن رواحة تلكأ هنيهة، لما تلكأ هنيهة نفسه حمس هذه النفس بأبيات قالها سجلها أيضا التاريخ. الآن عبد الله بن رواحة رأى في نفسه تلكؤاً فقال لهذه النفس مخاطباً لها: أقسمت يا نفس لتنزلن لتنزلن أو لتكرهن، يعني سانزلك بالغصب والإكراه، أن أجلب الناس وشدوا الرنة، ما لي أراك تكرهين الجنة؟ يعني لماذا هذا التلكؤ أيتها النفس ونحن الآن نطلب الجنة، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قد طال ما قد كنت مطمئنة، هل أنت إلا نطفة في جنة؟ وقال أيضا: يا نفس إلا تقتلي تموتي، هذا أمام الموت قد صليتي، وما تمنيت فقد أعطيت، ألم تمنيتي الشهادة ها هي الآن؟ وما تمنيت فقد أعطيت، إن تفعل فعليهما هديتي، يعني أن تفعل كما فعل صاحباي جعفر وزيد فإنك ستهتدين إلى الصواب والرشد.

وفعلاً ثبت عبد الله بن رواحة إلى اللحظات الأخيرة وخر صريعاً ليلتحق بصاحبيه، فرضي الله تعالى عن هؤلاء الركب. ثم نزل عبد الله بن رواحة، لما نزل أتاه ابن عم له -يعني هاي اللحظات الأخيرة من حياته- أتاه ابن عم له بعرق من لحم، يعني بقطعة لحم مشوية، لأنه بالتأكيد هناك طعام وإمداد من الطعام، هناك جهاز عسكري خاص بإعداد الطعام للمسلمين وهذا شيء طبيعي في أي معركة. فاتاه ابن عم له بقطعة لحم فقال: شد بها صلبك بها عن المعركة فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت.

هي بطبيعة المعركة أحبتي يعني فيها لحظات هدوء، ما نسميه أن هناك لحظات هدوء وهذا الجيش يعود وهذا الجيش يعود ثم يبدأ القتال ويحتدم مرة أخرى. فكأن في لحظات الهدوء أُتي عبد الله بن رواحة بقطعة لحم من ابن عمه، فقال له ابن عمه: شد بها صلبك فإنك قد لقيت في أيامك ما لقيت يعني تعبت. فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة، أخذ منها شيئاً، ثم سمع الحطمة؛ أي سمع تدافع الجيوش مرة أخرى للقتال في ناحية من الجيش. فقال: وأنت في الدنيا؟ ثم ألقاها من يده، يعني ما زلت أنا في الدنيا؟ ألقى قطعة اللحم من يده وأخذ سيفه مقداماً ثابتاً شجاعاً رضي الله تعالى عنه فقاتل حتى قتل.

ثم أخذ الراية، الآن النبي محدد ثلاث قادة فقط، فلما سقطت الراية من يد عبد الله بن رواحة مباشرة تناولها رجل من القوم يقال له ثابت بن أقرم، ثابت بن أقرم تناول الراية وهو أحد الصحابة الكرام. مقرّ: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، يعني أنا لا أصلح للقيادة فهذه رأيي أنا الآن التقطها، لكن اصطلحوا على رجل يقود هذا الركب بعد استشهاد القادة الثلاثة. فالمسلمون قالوا له: وأنت قدرك بما أنك التقطت الراية قد المعركة. فقال: والله لا أفعله، يعني لا أصلح للقيادة. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، وكان خالد بن الوليد قد أسلم حديثاً. خالد بن الوليد وعمرو بن العاص كانا قد أسلما حديثاً في بعد صلح الحديبية، فكان إسلام خالد بن الوليد حديثاً، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن يسلم خالد بن الوليد القيادة في تلك المعركة حتى يثبت الإيمان ويرسخ الإيمان في قلبه.

وإن سماه النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه المعركة سيف الله المسلول، لكن في النهاية النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يعرف خالد بن الوليد نعم نحن نعرف شجاعتك وأنك قائد عسكري محنك، كيف وأنت قُدْتَ معارك الكبرى مع جيوش المشركين ضد المسلمين؟ لكن في النهاية قيادة جيش عرمرم للإسلام والمسلمين ينبغي أن يقوده أهل السبق، أهل الإيمان من المتقدمين الثابتين، يريد أن يعرفه الفضل لأولي الفضل، يرسل رسالة لخالد بن الوليد أن يعرف الفضل لأولي الفضل من السابقين إلى الإسلام؛ مثل زيد، مثل جعفر، مثل عبد الله بن رواحة. فكان خالد بن الوليد حاضراً في الجيش، لكنه لم يكن قائداً للمعركة. ولكن الأمور دالت إلى أن يصبح هو القائد بعد استشهاد القادة الثلاثة، وكان أهلاً لذلك، لأنه الآن قائد عسكري والأمور الآن صعبة جداً وتحتاج إلى قيادة محنكة، فاصطلح الناس على أن خالد بن الوليد هو الذي يستلم القيادة.

فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم، ثم انحاز وانحاز عنه حتى انصرف الناس. الآن ابن هشام اختصر المشهد، كتب السير تروي لنا أن خالد بن الوليد في الحقيقة قام بخطة عسكرية عالية جداً في التكتيك العسكري إلى الآن تدرس في الجامعات الغربية، إلى الآن تدرس في الجامعات الغربية كيف استطاع خالد بن الوليد أن ينجو ببقية جيش المسلمين وينسحب من قرية مؤتة من دون أن يلاحقهم الروم. يعني أنتم انظروا السياسة العالية أنه استطاع أن ينحاز بمن بقي من المسلمين وينسحب من أرض مؤتة من دون أن يلاحقه الروم مع أن عددهم ضخم!

ماذا فعل خالد بن الوليد كما تروي كتب السير؟ خالد بن الوليد -طبعا قبل ذلك نقول عادة في قوانين الحرب أو طبيعة الحرب نشقو قوانين الحربي- طبيعة الحرب أنه إذا دخل الليل...

كل جيش يعود إلى معسكره، وغزوة مؤتة استمرت من ستة إلى سبعة أيام، عادة كلما يأتي الليل كل جيش يذهب إلى معسكره ليبتدأ القتال في الصباح. المهم في آخر يوم خالد بن الوليد قرر أن يتخذ قراراً عسكرياً مهمّاً، قال: هذه الليلة لا نريد أن نستريح. هكذا أخبر الصحابة. العادة في هذه الأيام الست أنه كلما أتى الليل كل جيش كما قلنا يعود إلى معسكر.

في هذه الليلة الأخيرة خالد بن الوليد قال للصحابة: هذه الليلة لن نستريح. ماذا فعل خالد بن الوليد؟ أمر الصحابة الكرام بالبقاء على خيولهم، وأن يثيروا أصواتاً بهذه الخيول ويذهبوا بها ويأتوا، حتى يوهموا الروم أن هناك مدداً لحق بجيش الصحابة ليدخل الرعب في قلوبهم. يعني أصلاً الرعب في قلوبهم داخل، ثلاثة آلاف نخوض معهم معركة من ستة أيام إذاقونا الويل. فالخوف أصلاً في قلوبهم، خالد بن الوليد أمر الصحابة خاصة الخيالة بأن يثيروا أصواتاً في الليل من خلال الذهاب والاتيان وضوضاء وضجيج، حتى الروم يشعروا أن هناك مدداً استطاع أن يلتحق بجيش المسلمين.

ثم أمر الصحابة الكرام بأن يغيروا مواقعهم. أمر خالد بن الوليد قال: في الصباح الكل يغير موقعه، الميمنة تذهب إلى الميسرة، الفرسان الذين كانوا في الميسرة يذهبون إلى الميمنة، المقدمة تذهب إلى الخلف، ومن كان في الخلف يذهب إلى الأمام، كل مواقع الجيش. لماذا؟ حتى إذا أتى الصباح ميمنة الروم ترى وجوهاً جديدة ما رأتها في الأيام السابقة، وكذلك ميسرتها ترى وجوهاً جديدة، فيظنون أن هناك مدداً كبيراً استطاع أن يلحق بجيش المسلمين، وهذا يكسر الروح المعنوية للروم.

ثم أمر خالد بن الوليد مجموعة من الصحابة أن يبقوا في مؤخرة الجيش على جبال وتلال معينة، وظيفتهم إثارة الغبار على هذه التلال، حتى يشعروا الروم بأن هناك أيضاً مدداً تلو المدد عم يتقدم ويلتحق بجيش المسلمين، عصفاً للروح المعنوية. وفعلاً نجح خالد بن الوليد بعد توفيق الله عز وجل في تحقيق هذا المقصد. فالروم لما أتى الصباح وجدوا وجوهاً جديدة، كل شخص يقابل شخصاً ما عرفه في الأيام السابقة، ستة أيام ونحن نقاتل فلاناً، تغير الوجه الآن. فالروم لما جاء الصبح ورأوا تلك أو سمعوا تلك الضوضاء، ثم رأوا الغبار من خلف جيش المسلمين، ثم رأوا وجوهاً جديدة، دخل عليهم الخوف والجبن، وشعروا أن هؤلاء القوم ليسوا باعتياديين، يعني هناك أمور غريبة تحدث في هذا الجيش، هناك مدد، هناك قوات هائلة الآن تلتحق بهم مع أنهم هم هم.

لكن الله عز وجل أرشد خالد بن الوليد إلى هذه الخطة، وفعلاً دخل الرعب في قلوب الروم. خالد بن الوليد قال للصحابة: سأعطي كلمة واحدة، أقول: بسم الله والله أكبر، إذا سمعتم الكلمة تنتقَلون مباشرة إلى قلب الروم. يعني الآن خالد بن الوليد أدرك أن الدهشة والصدمة ستكون في بداية الأمر، الروم سيدهشون في بداية الأمر من اختلاف الوجوه، فخالد يريد أن يستغل هذه الفرصة، فرصة الصدمة والرعب الذي يعيشه الروم، فقال: إذا قلت: بسم الله والله أكبر، نحمل حملة رجل واحد على جيش الروم.

فالصحابة فعلاً التزموا الأوامر العسكرية، لما قال خالد بن الوليد: بسم الله والله أكبر، جيش المسلمين بضربة واحدة كان في قلب الروم، فأوقعوا فيهم في تلك الحملة عشرات الآلاف من القتلى. عشرات الآلاف من القتلى قتلوا في تلك الحملة التي حملها خالد بن الوليد، والروم ما زالوا في كما نقول عنصر الصدمة، ما الذي يحدث؟ فكانت تلك الضربة قاضية، هبطت الروح المعنوية لجيش الروم إلى آخر اللحظات أو إلى آخر الأنفاس. هنا خالد بن الوليد أدرك أن الوضع أصبح مهيأ لعملية الانسحاب، أدرك أن الأمر لن يدوم على هذه الحالة، هذول يعني فوق المائتي ألف، عم تتكلم عن مائتي ألف مقاتل، الأمر ليس بالسهل، يعني لو قتلنا خمسين، ستين، سبعين ألف، هناك مائة وعشرين ألف، والصحابة اصابهم الاعياء والتعب، ستة أيام معركة مع فرسان الروم وهؤلاء عندهم صلابة في القتال.

فخالد بن الوليد يدرك أن الأمر لن يتم بهذه الطريقة، وانه لابد من انسحاب عسكري، وهذا الانسحاب ليس هزيمة كلا، والنبي صلى الله عليه وسلم ثمن ما فعله خالد بن الوليد بل هو عين الحكمة في تلك المرحلة ليحافظ على من بقي من الصحابة معه. بعد كما قلنا تلك الحملة التي شنها خالد بن الوليد وقتل فيها عشرات الآلاف من جيش الروم، أدرك خالد بن الوليد أن الروم الآن في رعب، في خوف، يشعرون أن هؤلاء القوم عندهم مدد تلو المدد، فقرر خالد الانسحاب السريع من أرض مؤتة والعودة بجيش المسلمين، وأدرك أن الروم لن يتجرأوا على اللحاق بجيش المسلمين، أدرك يا خالد أن الروم بسبب الخوف والرعب وعدد القتلى فيهم لن يجرؤوا على أن يلحقوا بجيش المسلمين. وفعلاً انسحب خالد بن الوليد وعاد باتجاه المدينة الطيبة.

طبعا النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من الله سبحانه وتعالى وهو في المدينة كان يقص على أصحابه مجريات معركة دائرة الآن في أرض مؤتة. النبي عليه الصلاة والسلام وهو المؤيد من السماء بالوحي الإلهي وهو في المدينة كان يقص على أصحابه المجريات والأحداث التي تحدث الآن على أرض مؤتة من لما استشهد زيد إلى استشهاد جعفر إلى آخره. يقول ابن هشام: لما أصيب القوم أي الصحابة الكرام في غزوة مؤتة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبا في الناس فقال عليه الصلاة والسلام: «أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا».

ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار، يعني زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب من المهاجرين فاستشهدوا، فرح الصحابة بشهادتهم وحزنوا على فقدهم، لكن لما جاء ذكر عبد الله بن رواحة سكت النبي صلى الله عليه وسلم. من الذي تغير وجهه؟ الأنصار، لأن عبد الله بن رواحة من الأنصار، إذن قائدان من المهاجرين وقائد من الأنصار، فخاف الأنصار أن يكون عبد الله بن رواحة سود وجوههم كما يقولون. صمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، أنه يعني فعل شيئاً خاطئاً.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صمت: «ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا». ثم قال صلى الله عليه وسلم: «لقد رفعوا إلي في الجنة»، يعني الآن أنا أتشاهدهم الثلاثة في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب. رؤيا تشبه رؤيا، يرى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة هؤلاء الثلاثة على سرر من ذهب، فرأيت، لاحظوا فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ميلاً أو نقصاناً يسيراً عن سرير صاحبيه.

فقلت: عم هذا؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم، يعني سألت الملك: لماذا سرير عبد الله بن رواحة أنزل بقليل من سرير جعفر وزيد؟ فقال: مضيا وترددت، أي هذان جعفر وزيد مضيا من دون أي هنية أي تلكؤ، عبد الله بن رواحة سجل عليه تلكؤ واحد. عجب العجاب أحبتي، نسأل الله أن يرحم ضعفنا، تلكؤ واحد أنزلوا درجة عن صاحبيه، فما تلكؤنا وكم أخطأنا وكم عصينا وكم انهزمنا في مواقف طلب العلم، وكم انهزمت هذه الأمة في مواقف الجهاد، وكم خذلنا هذا الدين، وكم ابتعدنا عن المنهج القويم، فماذا سيسجل لنا عند الله سبحانه وتعالى يوم نلقاه؟ أسأل الله السلامة والعافية.

لما انصرف خالد، المهم خالد بن الوليد استطاع أن ينسحب كما قلنا ووصل المدينة، لما دنوا من المدينة تلقاهم رسول الله والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدون أي يركضون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة فقال: «خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر». نعم النبي صلى الله عليه وسلم بكل ألم بكل حزن رأى الأطفال الكل يحاول يبحث عن أبيه عائداً أو عن أخيه، إلا أبناء جعفر، عاد أبناء جعفر أو خرج أبناء جعفر يبحثون عن أبيهم فلم يجدوا أباه. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطوني أبناء جعفر» الذين خرجوا ليبحثوا عن أبيهم، فأتي بعبد الله بن جعفر فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فحمله بين يديه.

وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، لاحظوا كيف الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله! الناس ظنوا أن خالد بن الوليد أخطأ في عملية الانسحاب، لكن خالد بن الوليد كان مصيباً وكان عين العقلانية في تلك اللحظات. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله»، يعني لنا كرة أخرى لكن ليست الآن أو ليس الآن موعدها في المستقبل. وفعلاً خالد بن الوليد عاد في المستقبل مع الصحابة الكرام ليفتحوا بلاد الشام وليصلوا إلى أقاصي الأرض مجاهدين حاملين هذه الدعوة المباركة.

بكى الصحابة كثيراً على فقد جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة، وكان الحزن مخيماً كما قلنا، هناك فرح الشهادة لكن في الوقت كان في نفس الوقت كان الحزن مخيماً خاصة على جعفر بن أبي طالب الذي ما فرح به المسلمون كثيراً، اقبل في السنة السابعة من الحبشة إذن هو يستشهد في السنة الثامنة. وكان ممن بكى هؤلاء الرهط الكرام حسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال في قصيدة طويلة له، مطلعها: تأوبني ليل بيثرب أسر وهمٌّ إذا ما نوم الناس مسهروا لذكرى حبيب هيجت لي عبرة سفحاً وأسباب البكاء التذكر بلى إن فقدان الحبيب بلية وكم من كريم يبتلى ثم يصبر

إلى قصيدة محزنة مؤلمة يذكر فيها مشاهد هؤلاء القوم. فرحمة الله تعالى على هذا الرهط الكريم، رحمة الله على زيد، رحمة الله على جعفر، رحمة الله على عبد الله بن رواحة، رحمة الله على كل من استشهد وروى أراضي المسلمين بدمائه الطاهرة من الصحابة الكرام ومن شهداء الأمة إلى يوم القيامة، رضي الله عنهم أجمعين.

هذه إذاً هي قصة غزوة مؤتة بما فيها من أحداث، بما فيها من آمال، بما فيها من بشريات، وبما فيها من آلام وأحزان، تطوي هذه الصفحة لننطلق إلى الحدث الأعظم الحاضر في هذا العام هو حادثة فتح مكة، لنعرف أسبابها ولنشرع اليوم في بيان خطواتها الأولى وإلى أين انتهى النبي صلى الله عليه وسلم فيها. لا أظن يعني أن الوقت يسعفني لأن أكملها كاملة، لكننا نسير إلى حين أو إلى حيث تقف قراءتنا وليس أقدامنا.

أقام النبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثته إلى مؤتة جمادى الآخرة ورجباً، ثم حدثت حادثة هي التي سببت قرار النبي صلى الله عليه وسلم بغزو مكة. هذه الحادثة كانت أحبتي تتعلق بأحد بنود المعاهدة التي وقعها النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش، أحد بنود معاهدة صلح الحديبية أن من أراد أن يدخل في حلف النبي صلى الله عليه وسلم في حماية محمد صلى الله عليه وسلم فليدخل، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش وفي محالفة قريش فليدخل. بنو بكر دخلوا في حلف قريش، بينما بنو خزاعة دخلوا في حلف النبي صلى الله عليه وسلم.

الآن في العام الثامن من الهجرة كان هناك إشكالية ثأر تطلبه بني بكر من قبيلة خزاعة لمشاكل كانت بينهم في الجاهلية. هناك مشاكل وقضايا ثأر بين قبيلة بني بكر وقبيلة خزاعة، قبيلة بني بكر كانت تطلب ثأراً في قبيلة خزاعة، لكن ليس لهم الآن أن يأخذوا ثأرهم، لأن الآن قبيلة خزاعة في حلف وحماية النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على بنود معاهدة صلح الحديبية. لكن بنو بكر لم يوفوا ببنود المعاهدة وقريش أيضاً خانوا في هذه المعاهدة.

دعونا ننظر ما الذي وقع؟ يقول ابن هشام: إن بني بكر عدت على خزاعة أي اعتدت على قبيلة خزاعة، وكان الذي هيج الموضوع بين بني بكر وبني خزاعة أن رجلاً من بني الحضرمي واسمه مالك بن عباد خرج تاجراً فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله. هذه قصة كانت أيام الجاهلية قبل ما يأتي الإسلام ويبعث النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدين، كان هناك رجل اسمه مالك بن عباد وهذا رجل من بني بكر خرج تاجراً فلما توسط في قبيلة خزاعة، قبيلة خزاعة قامت بقتله وأخذت ماله.

فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه، الآن وصل الأمر إلى قبيلة بني بكر، هذه كلها قصة في الجاهلية كانت، قبيلة بني بكر وصل الأمر إليها أن خزاعة قتلت مالك بن عباد وهو من ساداتها، فبنو بكر اعتدوا على رجل من خزاعة قتلوه. فهنا عدت خزاعة على بني بكر مرة أخرى وقتلوا منهم جماعة من قادتهم ومن رؤسائهم، فقبيلة بني بكر بقيت تحقد وتحقن على قبيلة خزاعة وتريد أن تدرك ثأرها. يعني القصة أن خزاعة أولاً قتلت رجلاً من بني بكر، قبيلة بني بكر رجعت قتلت رجلاً من خزاعة، قبيلة خزاعة ثأراً لهذا الرجل قتلت مجموعة من قادة بني بكر، فالآن بنو بكر يريدون أن يردوا الصاع، قضية الثأر الجاهلي الذي سفك وحصد كثيراً من الأرواح وجاء الإسلام ليبطله.

كما قلنا قبيلة بني بكر بقيت تترصد وتحاول أن تقتل طائفة من بني خزاعة ثأراً لقتلاها. فبينما بنو بكر وخزاعة على ذلك يعني المشاكل بينهم قائمة على ذلك، جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام وبدأت قضية الإسلام تفشو في مكة، ومشاكل كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم هذا خلى الأمور تهدأ قليلاً.

ما انتهت لكن هدأت الأمور بين هاتين القبيلتين قليلاً وتشغل الناس بموضوع الدين الجديد. فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، كان في شرطوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط لهم يعني شرط متبادل: أن من أحب أن يدخل في عقد النبي صلى الله عليه وسلم فليدخل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش فليدخل. فدخلت بني بكر في عقد قريش، بينما دخلت خزاعة في عقد النبي صلى الله عليه وسلم.

الآن أثناء صلح الحديبية يعني بعد كما قلنا مضمون الحديبية في العام السادس، في العام الثامن يعني بعد سنتين فقط من الصلح لما كانت الهدنة، اغتنمها فخذ من أفخاذ بني بكر يسمى هذا الفخذ بنو الديل. بنو الديل فخذ من أفخاذ قبيلة بني بكر، هذا الفخذ هو الذي قتل رؤساؤه من طرف خزاعة في الجاهلية، هذا الفخذ هو الذي قتل رؤساؤه وقادته من قبيلة خزاعة في الجاهلية.

فهذا الفخذ أراد أن يثأر من خزاعة وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأر النفر الذين أصابوه أو أصابوا منهم في الجاهلية. فخرج رجل من بني الديل من بني بكر اسمه نوفل بن معاوية الديلي، خرج بعدد كبير من فرسان هذه القبيلة، ولم تخرج كل قبيلة بني بكر لا، الذي خرج كما قلنا هذا الرجل هذا فخذ من أفخاذ قبيلة بني بكر، خرج ومعه عدد كبير من فرسانه حتى يبيتوا قبيلة خزاعة.

ما معنى بيتوهم؟ يعني أصابوهم على حين غرة في الليل وهم بائتون في منازلهم في ديارهم ومناطقهم. هجم هذا الرجل نوفل الديلي على مناطق خزاعة بشكل مباغت. الأصل إحنا في مرحلة أمان وصلح، فكانت قبيلة بني خزاعة يعني غير مستعدة لحادث مثل هذا وظنوا أنهم في مأمن من الغدر بسبب وجود صلح الحديبية، لكن كما قلنا وقع الغدر، فهذا الرجل نوفل بن معاوية الديلي بيت قبيلة خزاعة ليلاً على ماء لهم يعني كانوا يقيمون على بئر يقال له الوتير.

الآن ابتداءً أصابوا رجلاً من قبيلة بني خزاعة يعني أول قتيل كان رجل من بني خزاعة، ثم قبيلة خزاعة مباشرة لما رأوا هناك غارة عليهم ليلية وبدأ القتل يحدث، حملوا سلاحهم وبدأت هناك معارك بين الطرفين أو يعني مناوشات بين الطرفين. قبيلة قريش كفار قريش ساعدوا قبيلة بني بكر وهذا الفخذ بالتحديد فخذ الديلي، ساعدوهم وعاونوهم على قتل قبيلة خزاعة، وقريش تعلم أن خزاعة هي من حلف النبي صلى الله عليه وسلم فساعدت قريش هذا الفخذ من قبيلة بني بكر على مقاتلة خزاعة أمدوهم بالسلاح وبالرجال.

وكان رجال قريش يقاتلون مع قبيلة الديل وهم متلثمون حتى لا يُعرفوا. إذًا، رفضت بني بكر قريش بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل ليلاً مستخفياً لأنه كانت الغارة ليلية والكل مستخفٍ ويضع على فمه شيئاً. قريش استغلت الوضع وساعدت بني الديل على قتال بني خزاعة وعلى قتال خزاعة.

الآن خزاعة كما قلنا في عنصر المفاجأة ما كانت تتوقع هذا الأمر وقع قتل في هذه القبيلة، قبيلة خزاعة حليفة النبي صلى الله عليه وسلم. خزاعة كانت تعرف أن عليها الآن أن تنسحب مباشرة داخل الحرم؛ لأن قوانين العرب كانت تحرم القتل داخل الحرم، فقبيلة خزاعة وهي في عنصر المفاجأة قررت مباشرة أن تدخل إلى الحرم لأنها تعرف قوانين العرب أنه لا يجوز القتال داخل الحرم مهما كان السبب.

فدخلت قبيلة خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه الآن بدأت بنو بكر تصرخ على قائدها نوفل بن معاوية الديلي تقول له: يا نوفل، إن خزاعة قد دخلت الحرم، آلهك آلهك يعني خلص دعنا نتوقف عن القتال. هنا قال نوفل كلمة عظيمة تدل على الكفر الذي وقر في قلبه وعلى أن هذا الرجل لا يحترم لا إلهاً ولا ديانة ولا عظمة حرم ولا شيئاً. فقال نوفل بكل تبجح وبكل غطرسة: لا إله اليوم، يعني خلص اليوم سأقتل لن ألتفت إلى قضية دين ولا إله ولا شيء من هذه الأمور.

وهذا يدل على أن هذا الرجل رجل ظالم عاتٍ متكبر متجبر، يصل به الأمر إلى أن يتكلم بهذا الكلام القبيح قال: لا إله اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم في الحرم؟ يعني يا بني بكر أنتم تسرقون في داخل الحرم، ألا تصيبون ثاركم في الحرم؟ فدعوقم من قضية الإله واذهبوا إلى القتال وأدركوا ثأركم.

هنا قبيلة خزاعة مباشرة دخلت إلى دار رجل كبير في مكة وهو بديل بن ورقاء، رجل كبير جداً في مكة وله وزن وثقل، دخلوا إليه أو دخلوا عليه ولجأوا إليه وطلبوا منه أن يحميهم. فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، الآن باختصار هنا انتهى المشهد لما دخلت قبيلة خزاعة كما يقولون دخولية على بديل بن ورقاء، بديل بن ورقاء أمن هذه القبيلة ودائماً القادة الكبار في مكة إذا أمنوا قبيلة أو شخصاً الكل يقف ولا يستطيعون أن يتجرأوا على نقض عهده وأمانه.

فأمنهم بديل بن ورقاء، انتهى المشهد إذًا غارة ليلية مفاجئة قادها بنو الديل باتجاه قبيلة خزاعة قتلوا منهم وأصابوا عدداً من الرجال، عاونهم كفار قريش على هذه الغارة الليلية. الآن وصل الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا، هذا بالتالي نقض للعهد؛ لأننا اتفقنا يا كفار قريش مدة عشر سنوات أمان، وكل انسان أو كل طائفة منا أو كل طرف منا ليدخل في حلفه من شاء، وبالتالي كل حليف يجب أن يحمي حلفاءه.

رجل من قبيلة خزاعة اسمه عمرو بن سالم الخزاعي انتقل مباشرة باتجاه المدينة باتجاه النبي صلى الله عليه وسلم حتى يخبر النبي صلى الله عليه وسلم تفاصيل ما وقع والغدر الذي فعلته قبيلة بني بكر وكفار قريش بخزاعة بتبيتهم ليلاً. خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد مع أصحابه.

فقال عمرو بن سالم قصيدته المشهورة التي خلدها التاريخ مباشرة أول ما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا هذه هي طريقة العرب في تخاطبها، لماذا الشعر دائماً حاضر؟ لأن الشعر هو إعلام العرب. كيف اليوم عندنا الآن قنوات تلفزيونية وسائل تواصل هذه وسائل إعلام، الشعر كان هو طريقة العرب في الإعلام وفي الخطاب وفي تجييش المشاعر وفي توجيه الرأي العام.

فعمرو بن سالم الخزاعي كما قلنا وصل المدينة دخل المسجد النبوي وجد النبي صلى الله عليه وسلم جالساً فأطلق قصيدته المشهورة: يا رب إني ناشداً محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولداً وكنا والدا ثم أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصراً عيادا وادعُ عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا إن سيم خسفاً وجهه تربدا أي يغضب النبي صلى الله عليه وسلم من أحد آذاه في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا الآن هو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدْ وجعلوا لي فيك دءاً رَصدا وزعموا أن لست أدعوا أحداً يعني كفار قريش زعمت أن لن ينصركم يا خزاعة وهم أذل وأقل عدداً، وقريش هم الأذل والأقل، هم بيتونا بالوتير، الوتير هو الماء الذي قتلتي عليه قبيلة، هم بيتونا أي قتلونا بالوتير ليلاً هم بيتونا بالوتير هجداً وقتلونا ركعاً وسجداً.

الآن هذه أثارت النبي صلى الله عليه وسلم، هذا رجل من قبيلة خزاعة أتى ليقول لمحمد صلى الله عليه وسلم نحن يا محمد في حلفك، واعلم أن كفار قريش وأن بني بكر قد خانوا الحلف ونقضوه، ونحن الآن ننتظر الفزعة كما يقولون وننتظر النصرة منك. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال كلمة واحدة كلمة واحدة وانتهى عندها الأمر: نصرت يا عمرو بن سالم، يعني خلص وصلت الرسالة نصرت يا عمرو بن سالم إياك أن تظن أننا سنخذلك.

وهذا المشهد أحبتي ألاحظه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم دائماً حاضراً، أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسكت عن إراقة دماء أصحابه، لا يسكت عن إراقة دماء حلفائه، النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الضيم حتى ولو قتل وجميع أصحابه، النبي صلى الله عليه وسلم بشجاعته وجرأته بأبي هو وأمي مستعد للقتال. بيعة الرضوان ألف وأربعمائة رجل بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الموت على قتال كفار قريش من أجل عثمان بن عفان حتى تبين نجاة عثمان رضي الله عنه.

هذا مشهد حاضر، مشهد أن المسلم نعم نحن ندخل في عقود صلح عقود هدنة نحاول أن نمارس السياسة الشرعية بأرقى صورها لكن في النهاية لا نقبل الظلم ولا نقبل الضيم ولا أن يُعتدى على حرماتنا وعلى نسائنا وعلى مقدساتنا ونستقبل ذلك بالورود، هذا لا يكون أحبتي لأهل الإسلام الحق للذين يحملون منهج محمد صلى الله عليه وسلم.

أما اليوم لما تبدل حال الناس وتغيرت المنظورات الحق للإسلام ودخلوا للانحراف والتشوه ودخل أناس يزعمون أنهم إسلاميون لكنهم بعيدون جداً كل البعد عن منهج الإسلام الحق، نعم أصبحنا نعرف التنازلات والتشوهات وتبديل الشريعة والتنازل عن ثوابت الدين. الآن أنظروا كيف بعض الإسلاميين يتنازلون عن أحكام الشريعة لأنهم وصلوا لسدة حكم، تنازلوا عن أحكام الشريعة وبدلوا كل المنظومة الشرعية وأباحوا الخمور وأدخلوا الراقصات والمغنيات والفاجرات وسمحوا بكل ما يحارب دين الله سبحانه وتعالى بحجة السياسة الشرعية.

وهذا لن يكون طريقاً إلى نصرة الأمة، نقول لهؤلاء الذين يمارسون اليوم هذه الممارسات في بعض البلدان ويزعمون أن لهم علاقة بالاسلام، نقول لهم إنكم حين تبيحون الخمور وتبدلون المواريث وتفتون أن المرأة لها أن تتساوى مع الرجل في الميراث بإباحة الاختلاط والمراقص وتجعلون هذا هو النهضة والفكر والحركة، نقول لكم خبتم وخاب مسعاكم والله لن تقدموا هذه الأمة خطوة واحدة إلى الأمام وليرينكم الله عز وجل قبيح صنعكم، لأنكم نسبتم أنفسكم إلى الإسلام وشوهتم دعوة الإسلام، نسبتم أنفسكم إلى الإسلام ودمرتم وشوهتم وأفسدتم في هذا الدين.

لن يكون التساوي في الميراث حقاً في يوم من الأيام، الحق هو ما حققه الله في الميراث، لن يكون فتح أبواب الخمور والمراقص والفجور باباً من أبواب نصرة هذا الدين أو شكلاً من أشكال السياسة الشرعية، لن يكون هذا الدين إلا كما أنزله الله سبحانه وتعالى بسياسة شرعية حكيمة راشدة تفرق بين الثوابت وبين المتغيرات ما يمكن أن يؤخر وما لا يمكن أن يؤخر بعلم رصين، وليس بالهوى والتكالب على إرضاء الغرب.

إذاً أحبتي، النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن سالم كلمة واحدة قال: «نصرت يا عمرو بن سالم».

الآن بديل بن ورقاء الذي دخلت خزاعة عليه ليحميهم وليؤمنهم، خرج أبو بديل بن ورقاء وأخذ معه نفراً من خزاعة وقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة. خرج بديل بن ورقاء ومعه نفر من خزاعة باتجاه المدينة النبوية، وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بكل التفاصيل التي وقعت أنها بني بكر وبالخصوص بنو الديل هاجموا ليلاً قبيلة خزاعة وقتلوا منها رجالاً وعاونتهم كفار قريش بالمال والرجال، وانصرفوا راجعين إلى مكة، يعني وضعوا النبي صلى الله عليه وسلم في صورة المشهد وعادوا قافلين باتجاه مكة.

مضى أبو بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان. الآن النبي صلى الله عليه وسلم قبل يعني هذا مشهد يذكره ابن هشام، النبي صلى الله عليه وسلم قال لصحابته بعد أن عاد أبو بديل بن ورقاء ومن معه، النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال للصحابة؟ قال: «انتظروا أبا سفيان يأتي ليشد العقد ويزيد في المدة».

النبي عليه الصلاة والسلام بحنكته وتجربته ومعرفته يقول للصحابة انتظروا بعد قليل سيأتينا أبو سفيان بن حرب حتى يجدد صلح الحديبية ويزيد المدة ويؤكد أن كفار قريش ما زالت ملتزمة بهذه الوثيقة مع أنهم خانوا فعلاً. وفعلاً حدث كما توقع النبي صلى الله عليه وسلم، أبو سفيان خرج باتجاه المدينة ليعيد تثبيت عقد صلح الحديبية لأنه يدرك حجم الخيانة وعظيم وقبح الصنعة التي فعلتها كفار قريش في ليلة خزاعة.

بديل بن ورقاء وأصحابه وهم عائدون إلى مكة التقوا مع أبي سفيان في الطريق، وأبو سفيان بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا الذي صنعوه، يعني كفار قريش أدركوا الخطأ وفضاحة ما صنعوا من الغدر مع محمد صلى الله عليه وسلم. فلما لقي أبو سفيان بديل بن ورقاء قال أبو سفيان لبديل: من أين أقبلت يا بديل؟ وطبعا أبو سفيان برضو رجل ذكي جداً أحبتي أدرك أن هذا بديل بن ورقاء وراءه ما وراءه فقال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال بديل: ما بده يحكي لأبي سفيان إنه ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال بديل: تسيرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي؛ يعني كنا نتمشى مع قبيلة بني خزاعة في هذا الوادي وعلى الساحل. فقال له أبو سفيان: أوما جئت محمدا يا بديل؟ يعني لا تضحك علي يا بديل، أوما جئت محمدا؟ فقال: لا.

فلما راح بديل إلى مكة، قال أبو سفيان -وأبو سفيان رجل ذكي جدا صاحب تجربة وحنكة-: بده يكتشف هل فعلا بديل وصل النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ فماذا يقول أبو سفيان؟ قال: لئن جاء بديل المدينة لقد علف بها النوى؛ يعني لو كان بديل راح على المدينة بالتأكيد إنه ناقته أكلت من تمر المدينة، وهذا النوى الذي تأكله النوق والابل تخرجه. فيقول أبو سفيان: لئن كان بديل قد جاء المدينة لقد علف بها النوى.

فأتى أبو سفيان إلى مبرك راحلة؛ المكان الذي كانت فيه ناقة بديل، فأخذ من بعرها ففتته بيديه فوجد فيه نوى المدينة. فقال أبو سفيان: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا! فخرج أبو سفيان مسرعا باتجاه المدينة؛ يريد أن يدرك النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتخذ عليه الصلاة والسلام القرار العسكري الحاسم.

دخل المدينة خفية. عند من دخل برأيكم؟ من الذي هو قريب لأبي سفيان في المدينة وقريب جدا أيضا من النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم حبيبة ابنة أبي سفيان زوجة النبي صلى الله عليه وسلم. فدخل أبو سفيان على ابنته أم حبيبة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. فلما جلس أبو سفيان احبتي على فراش النبي صلى الله عليه وسلم، قامت أم حبيبة مباشرة سحبت الفراش من تحت أبي سفيان.

قامت أم حبيبة بسحب الفراش من تحت أبي سفيان، فأبو سفيان تفاجأ واندهش، وقال لابنته: يعني أنت كرهت أن أجلس على هذا الفراش من أجلي أم من أجل الفراش؟ لأنه فراش النبي عليه الصلاة والسلام. أكرهت أن أجلس على هذا الفراش من أجلي يعني لاني أنا أعلى أو أجل مني أني أجلس على فراش محمد صلى الله عليه وسلم، أو من أجل الفراش أن هذا الفراش بالنسبة لك أعز وأطهر مني؟ بيريد أن يعرف ما سر هذا التصرف.

فقالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس. انظروا هذه البنت كيف تخاطب أباها لتعرفوا أن الدين الإسلامي وضع فواصل ووضع فواصل وخطوط عريضة في العلاقات. ما دمت أيها الأب تقاتل محمد صلى الله عليه وسلم وتحارب هذه الدعوة فلا مقام لك عندي، لا مقام لك عندي. أبو سفيان، قاتلت محمد صلى الله عليه وسلم في أحد، قتلت محمد صلى الله عليه وسلم في الخندق، كل هذه المشاهد وتريدني الآن أن استلطف معك وأن أعاملك بتقدير واحترام؟ لن يكون هذا، أنت رجل مشرك نجس.

هذا الإسلام لما يغير المفاهيم والتصورات فيبقى عنصر الإسلام هو العنصر الذي يربط العلاقات بين الناس؛ ليست الأبوة أو البنوة أو الأنساب، الإسلام هو المقدم، ثم بعد ذلك تأتي هذه العلاقات. قالت: وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر؛ يعني يا بنيتي تغيرت أحوالك وأمورك بعد ما تزوجتي وبعد ما أسلمت.

المهم، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه. الآن أبو سفيان بده يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يصلح الأمور. دخل النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئا. ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم. لما رأى أبو سفيان النبي عليه الصلاة والسلام ما رد عليه شيئا وأبى أن يحاوره، ذهب أبو سفيان إلى أبي بكر الصديق، قال: يا أبا بكر، ادخل على محمد صلى الله عليه وسلم وقل له فليحاورني. فقال أبو بكر: ما أنا بفاعل، اذهب.

ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، عرف على من يذهب! فقال: أأنا أشفع لك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أتظن أن أنا أشفع لك يا أبا سفيان عند محمد عليه الصلاة والسلام؟ والله لو لم أجد إلا الذر يعني إلا النمل لقاتلتكم به. ثم خرج أبو سفيان ما عرف أين يذهب.

قرر أن يذهب إلى علي بن ابي طالب، قال: فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهما الحسن بن علي يلاعبانه. فقال أبو سفيان: يا علي، إنك أمس القوم بي رحما، واني قد جئت في حاجة فلا أرجعن خائبا يا علي، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال علي: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه؛ يعني هناك أمر قادم انتهى الأمر يا أبا سفيان.

فالتفت أبو سفيان إلى فاطمة وقال: يا ابنة محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس؟ يعني هو الآن يقول له: خلي الحسن ابنك الصغير الذي تلاعبينه خليه هو الذي يجير بين الناس ويكون سببا في الصلح فيصبح سيد العرب في المستقبل. فقالت فاطمة: والله ما بلغ بني ذاك، ما زال طفلي صغيرا أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني كم كان عمر الحسن؟ الحسن كان عمره في ذاك الوقت خمس أو ست سنوات فقط.

فقال أبو سفيان لعلي بن أبي طالب: يا علي، إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني؛ يعني أرى أن الأمور يعني عم تشتد وعم بتضيق علينا، انصحني ماذا أفعله يا علي؟ فقال علي: والله ما أعلم لك شيئا يغني عنك شيئا؛ يعني ما أدري، لا أظن أن هناك شيئا سينفع الآن، ولكنك سيد من سادات بني كنانة، فقم في المسجد فاجر بين الناس؛ يعني حاول أن تعيد الجوار وتصرخ أنه آه أنا سأجير بين الناس ولا نريد اقتتالا ولا نريد حربا والناس كلهم في جوارنا، ثم الحق بأرضك؛ يعني خلص اطلع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قل: أنا أجرت بين الناس معناها أنني خلص أحجز بين الناس وإن شاء الله الأمور تعود إلى الهدوء وتعود الأمور إلى مجاريها. قل هذه الكلمة وعد إلى أرضك، بس هذا الذي تفعله يا أبا سفيان، ما في حل آخر.

فأبو سفيان قال: يعني يا علي أترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ يعني خرجت في المسجد وصرخت إني خلاص أريد أن أهدئ الأمور وأن أجير بين الناس وأمنع اندلاع حرب، هل تظن أن كلامي هذا في المسجد سينفع شيئا؟ فقال علي: لا والله ما أظن؛ يعني انتهت الأمور؛ يعني علي بن أبي طالب هو باختصار يريد أن يصرف أبا سفيان: اذهب دبر نفسك، ولكني لا أجد لك غير ذلك، كان هذا حل يعني فقط أطرحه عليك وأنت تنظر في أمرك.

قام أبو سفيان في المسجد فصرخ: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره وانطلق باتجاه مكة. لما قدم على قريش وصل مكة قالوا آه لأبي سفيان، الكل يتلهف، ما الخبر الذي يحمله أبو سفيان لمكة؟ قالوا له: ما ورائك يا أبا سفيان؟ فقال أبو سفيان: جئت محمدا فكلمته فوالله ما رد علي شيئا، ثم جئت إلى أبي بكر فلم أجد عنده خيرا، ثم جئت إلى ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم؛ يعني الوحيد الذي عرض تفاهمه علي بن أبي طالب. وقد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عني ذلك شيئا أم لا.

فقالوا له: وبما أمرك يا أبا سفيان؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس؛ يعني أن أصرخ في المسجد أنني أجير بين الناس وأريد الهدوء وأن تعود الأمور إلى مجاريها. ففعلت وخرجت وصرخت بين الناس في هذا. فقالوا له: فهل أجاز لك ذلك محمد؟ يعني محمد صلى الله عليه وسلم وافق إجارتك بين الناس؟ قال: لا. فقالوا: هي لك يا أبا سفيان! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك؛ يعني علي بن أبي طالب فقط لعب بك واستهزأ بك، فما يغني عنك ما قلت. فقال: لا والله ما وجدت غير ذلك؛ يعني هذا كان الحل الوحيد الذي بين يدي وما أستطيع أن أفعل غير ذلك، ماذا أفعل الآن؟

نعود إلى أجواء المدينة. النبي صلى الله عليه وسلم أمر صحابته الكرام أن يستعدوا للمعركة وللفتح المبين، وجهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشا عرمرما قوامه عشرة آلاف مقاتل. محمد صلى الله عليه وسلم الذي خرج فردا مع أبي بكر الصديق من مكة لما ضاقت به الدنيا، ها هو الآن يعود بعشرة آلاف مقاتل من خيرة الصحابة الكرام ليدخل فاتحا.

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز وأمر أهله أن يجهزوا سلاحه ومتاعه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهي تحرك بعض جهاز النبي صلى الله عليه وسلم وتصلح أموره فقال: يا بنية، أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه؟ قالت: نعم. فتجهز. قال أبو بكر: أفترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري.

النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء كما قلنا أولا يعني نقول: عتم النبي صلى الله عليه وسلم الخبر؛ يعني لم يعطي الخبر ابتداء أنه سيسير باتجاه مكة، لأنه كان يريد أن يحقق عنصر المفاجأة ولا يريد أن تصل الأخبار إلى قريش، لا يريد أن تصل الأخبار إلى قريش حتى يحقق عنصر المفاجأة، لأنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أن كفار قريش لو كان لهم ساعة من الوقت ربما يجهزوا ويعملوا تحالفات مع غطفان ومع غيرها من قبائل العرب.

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم تكتم غاية التكتم عن هذا الموضوع، اه لكن الصحابة كان لديهم مؤشرات عامة؛ يعني الصحابة كان لديهم مؤشرات وعارفين الموضوع عموما. لكن النبي عليه الصلاة والسلام تكتم حتى أعراب؛ اه ضعاف النفوس، أصحاب القلوب المريضة اللي كانوا حول المدينة، لا يرسلوا خطابات إلى قريش تخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. وإلا كما قلنا الصحابة كان في قلوبهم وقع؛ في قلوبهم أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الآن يريد مكة المكرمة.

النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن حاول أن يتكتم ابتداء على مسيره، أعلم الناس بعد ذلك لما بدأ المسير، أعلم الناس أنه سائر باتجاه مكة، وآآ قال دعاءه المشهور: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها». يريد أن يحقق عنصر المفاجأة لتحصل ربكة في الصف القرشي، وبالتالي يكون ما في أمام فش مجال إلا الاستسلام والخضوع. وهذا كله انتصارا لقبيلة بني خزاعة وإعلاء لشأن الإسلام، وهذه من الأسباب التي قدرها الله عز وجل.

يعود محمد صلى الله عليه وسلم فاتحا مرة أخرى باتجاه مكة. لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة، هنا وقع خطأ تاريخي في من أحد الصحابة الكرام وهو سيدنا حاطب بن أبي بلتعة. ما هو الخطأ الذي فعله حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه؟ وكيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الخطأ؟ هذه أمور نتكلم عنها بإذن الله في مجلس قادم من مجالس غراس العلم من دراسة العلوم الشرعية. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.