تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (22) / فتح مكة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح الأرجوزة المائية للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، أصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية للإامام ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يجهز جيوشه متجهاً نحو مكة المكرمة؛ محمد صلى الله عليه وسلم الذي خرج مهاجراً قبل ثمان سنوات من مكة بعد أن تعرض لأشد أنواع البلاء والاضطهاد، وتعرض أصحابه رضوان الله تعالى عليهم للتضييق والتعذيب والقتل والاضطهاد. خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ونعم وذهب إلى المدينة مؤسساً دولته وجامعاً أصحابه ومرتباً زمرته، ليعود الآن بعد ثمان سنوات فقط؛ ثمان سنوات رقم قياسي أحبتي.

أعد النبي صلى الله عليه وسلم دولة جديدة، ربى أصحابه في طيبة الطيبة على معاني الإيمان، على معاني التضحية، على معاني الثبات. ها هو الآن يعود إلى مكة ليرفع الأذان فوق كعبتها وفي ضواحيها. نعم محمد صلى الله عليه وسلم الذي ابتلي وضيق عليه وحاول المشركون مرات ومرات قتله. محمد صلى الله عليه وسلم الذي خاض مع كفار قريش ومع أهل مكة المعارك والغزوات في بدر وأحد والأحزاب، وغدروا به وحاولوا أن يقتلوه وألبوا الأحزاب عليه. محمد صلى الله عليه وسلم الآن سيدخل على هؤلاء القوم فاتحاً منتصراً بعزة المسلم وشجاعته ورباطته، القائد الأعلى بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.

إذاً جاء وقت الحسم، جاءت النهاية لهذا النزاع بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، ليضع النبي صلى الله عليه وسلم لبنة جديدة لدولته المسلمة هذه المرة في مكة المكرمة، معلناً أن هذا الدين أصبح قوة عظمى في جزيرة العرب لم يعد يستهان بها. محمد صلى الله عليه وسلم سيصبح الآن هو المسؤول عن كعبة العرب، عن الكعبة المشرفة، وهذا يعني أن لا بد للدول العظمى الآن في الفرس وفي الروم وفي مصر وفي غيرها من الدول المحيطة بجزيرة العرب أن يحسبوا حساباً لهذا النبي العظيم الذي استطاع في رقم قياسي كما قلنا أن يعيد ترتيب جيوشه وأصحابه ويعود فاتحاً منتصراً بقوة هذا الدين وباستعانته بالله سبحانه وتعالى.

دعونا أحبتي نعيش هذه اللحظات الرائع من حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لحظات العزة، لحظات الفخر، التي نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن نحياها في حياتنا، وأن نرى هذه الرايات؛ رايات الانتصار ورايات الفتوحات تعود من جديد إلى الحضارة المسلمة وإلى أجواء هذا الدين وإلى أجواء أهله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أعلن النبي صلى الله عليه وسلم للناس أنه الآن سيرسير باتجاه مكة المكرمة، ليجمع الناس عدتهم وعددهم وسلاحهم، ودعا بدعائه: اللهم عمّ عنا أو عمّ عن كفار قريش أخبارنا حتى نباغتهم في ديارهم.

ماذا حدث في هذه الأثناء؟ وفي اثناء تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم للمعركة، ما هو الخطأ الذي ارتكبه أحد الصحابة كما قلنا؟ وكيف عالج النبي عليه الصلاة والسلام هذا الموقف؟ يقول ابن هشام رحمة الله عليه: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وامرهم بالجد والتهيؤ. قال: اللهم خذ العيون والاخبار حتى نباغت قريشاً في بلادها. تجهز الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا سأل ربه عز وجل أن يكتم عن كفار قريش الأخبار والأنباء حتى يحقق النبي صلى الله عليه وسلم عنصر المفاجأة، ولا تستطيع كفار قريش أن تلملم حلفاءها من العرب لقتال النبي صلى الله عليه وسلم. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يرد أن تراق الدماء في البيت الحرام.

لما أجمع النبي صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة، وبدأت الاستعدادات من كل القبائل التي هي في حلف النبي عليه الصلاة والسلام ممن أسلم معه من قبيلة مزينة وبني سليم وغيرها من قبائل العرب ومن أصحابه من المهاجرين والأنصار، في أثناء عملية التجهيز أحد الصحابة الكرام وهو حاطب بن أبي بلتعة، وهو صحابي جليل رضي الله تعالى عنه، ارتكب خطأ في لحظة ضعف. ما هو الخطأ الذي ارتكبه؟

يقول ابن هشام: كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً حاطب بن أبي بلتعة هذا الصحابي الجليل الخطأ الذي وقع فيه أنه حاول أن يفشي سر النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل رسالة لكفار قريش يخبرهم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد حزم أمره بمباغتتهم في ديارهم. وأعطى هذا الكتاب لامرأة وجعل لها جعلاً على أن تبلغه لقريش؛ يعني قال لهذه المرأة: إن وصل كتابي لقريش سأعطيك جعلاً. فهذه المرأة اخذت هذا الكتاب وضعته في رأسها في ضفائرها، ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به ذاهبة باتجاه مكة.

طبعا الله عز وجل استجاب لنبيه صلى الله عليه وسلم دعاءه؛ النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا دعا ربه وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نباغتها. عليه الصلاة والسلام لا يريد أن تراق الدماء أمام كعبة الله، أمام البيت الحرام. فالله عز وجل استجاب لنبيه هذا الدعاء، فوصل الخبر من السماء إلى محمد صلى الله عليه وسلم بما فعل حاطب بن أبي بلتعة، وأنه أعطى المرأة الكتاب، والمرأة الآن في طريقها باتجاه مكة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم مباشرة دعا بفارسين من كبار أصحابه؛ دعا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وأخبرهم بالخبر وقال: أدركا المرأة، فقد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يحذرهم ما أجمعنا له في أمرهم. فخرج بفرسيهما يسابقان الريح حتى وصلا إلى هذه الجارية. النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم المنطقة التي ستصل إليها الجارية وأين هي الآن، فخرج كما قلنا يسابقان الريح يريدان أن يدركا هذه المرأة، فوصل إليها فاستنزلاها؛ وكانت الظاهر أنها على ناقة أو على فرس.

فاستنزلاها، قال لها: انزلي من الفرس أو الراحلة. بدأ يفتشان في الراحلة بامتعتها، ما وجد الكتاب. فهنا علي بن أبي طالب قال لها: إني أحلف بالله أيها المرأة، ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، ولتخرجن الكتاب أو لنكشفنك. يعني هنا الموضوع لا تظني أننا بما أننا لم نجد الكتاب سنعود أدراجنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونخبر أننا ما وجدنا معها كتاباً، كلا. محمد عليه الصلاة والسلام لا يكذب، والوحي الذي أتى إليه لم يكذب. معك الكتاب، أما أن تخرجي الكتاب أو لنضعن الثياب؛ يعني نجردك. وهذا الأمر كما قلنا فيه مصلحة عظمى للإسلام والمسلمين، فهنا لا يوجد مجال للمساومة.

قالت: أو كيف تجردوني؟ ما تجردوني! لا بد. هذا التخويف لينتهي هذا المشهد في أرضه؛ إما الكتاب وإما أن نخلع كل الثياب ونأخذ الكتاب. فهنا المرأة العربية غارت على نفسها، فلما رأت من علي الجد قالت: أعرض؛ يعني لف وجهك. انظروا، يعني هذه المرأة على ما هي عليه، ومع ذلك عندها حياء؛ لا تريد من علي بن أبي طالب أن يرى شعر رأسها. قالت: أعرض. فأعرض، فحلت قرونها أي ضفائرها، وأخرجت الكتاب ودفعته إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

فأتى علي بن أبي طالب بالكتاب ووضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتح النبي عليه الصلاة والسلام الكتاب، قرأ ما فيه، ثم استدعى حاطب بن أبي بلتعة. دعا النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟ شوف النبي عليه الصلاة والسلام لم يستعجل على حاطب، بل يريد أن ينظر في دوافع هذا التصرف؛ تصرف خطأ كبير جداً وقع فيه حاطب بن أبي بلتعة، يوصل أخبار جيش المسلمين إلى جيش الكفار أو إلى أهل مكة. يعني خطأ الحقيقة ليس بالهين، لذلك نزلت سورة كاملة تعالج هذا الخطأ الكبير الذي وقع فيه حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه.

الآن حاطب بن أبي بلتعة عرف المأزق الذي هو فيه، فقال: أما والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله، والله يا رسول الله ما غيرت ولا بدلت. ولكنني الآن... أنظر في الدافع الذي دفعه ولحظة الضعف التي مر بها. قال: ولكنني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة؛ يعني أنا صحيح من أهل مكة ولكنني لست من صلبهم ولست من قبائلهم العريضة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل. يعني أولاد حاطب بن أبي بلتعة وأهل حاطب بن أبي بلتعة هم في مكة المكرمة. ولكنني يا رسول الله أنا لست من أصل أهل مكة ومن قبائلهم الشهيرة، فصانعتهم عليه؛ يعني أردت أن أجعل لي يداً عندهم حتى يحموا لي ابنائي وعيالي وأهلي، أردت من خلال إرسال هذا الكتاب إليهم أن يحفظوا لي هذا الجميل فلا يعتدوا على أبنائي وعيالي. خاف على أبنائه وعلى عياله في مكة المكرمة.

الآن عمر بن الخطاب كان حاضراً في هذا المجلس؛ مجلس استجواب حاطب بن أبي بلتعة. وتعرفون شخصية سيدنا عمر رضي الله عنه، قال: يا رسول الله، دعني لأضرب عنقه، فانه رجل منافق. طبعا الفعل في ظاهره مشكلة كبيرة، وتدل في الظاهر الآن لو لم يفعلوا حاطب تدل على نفاق، وأن هناك خيانة للصف المسلم. لكن النبي عليه الصلاة والسلام أدرك صدق حاطب بن أبي بلتعة. النبي عليه الصلاة والسلام المؤيد من السماء أدرك صدق حاطب وأنه فعلا حاطب لم يبدل؛ لم يرد حاطب خيانة هذا الدين وأن ينصر الكفار على المسلمين، بل هو محب للنبي عليه الصلاة والسلام، محب لدينه ولدعوته.

لكن في لحظة الضعف الإنساني كما نقول شعر بالشفقة على أهله وذويه في مكة، فأراد أن يتخذ يداً عند كفار قريش لحمايتهم فقط. وإلا هو قلبه وروحه وعقله مع الإسلام والمسلمين. حاطب بن أبي بلتعة شارك في المواقف العظمى أحبتي؛ حاطب لم يتخلف عن غزوة بدر الكبرى، حاطب لم يتخلف عن أحد، لم يتخلف عن الأحزاب. حاطب الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم برسائل إلى ملوك الأرض، حاطب رجل ثقة من خيرة الصحابة، لكن كما قلنا لحظة ضعف إنساني أوقعته في هذا الخطأ.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: يا عمر، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. إنه يا عمر ما يدريك، هذا الرجل يا عمر من أهل بدر، من أهل السبق، ممن قاتل معنا وصمد معنا في المواقف؛ ما عهدنا عنه نفاقاً ولا خيانة لله ورسوله. هناك قرائن قوية تشهد على أن هذا الرجل من أهل الخيرة ومن الصفوة، لكنها مرحلة الضعف يا عمر. الخطأ الإنساني، الخطأ البشري، أو نقول الضعف البشري الذي ساور حاطب بن أبي بلتعة فوقع في هذا الإثم. وفي النهاية إثم معصية ومعصية وجرم جرم كبير، لكن في النهاية كما قلنا الصحابة الكرام أحبتي أخطاؤهم تغوص وتغرق في بحار فضلهم وبذلهم وعطائهم لهذا الدين.

فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا أثبت لأهل الفضيلة العظمى أن الله عز وجل يتجاوز عن أخطائهم لعظيم ما بذلوه في تلك اللحظات الصعبة؛ لحظات غزوة بدر لحظات كانت عصيبة وفيها عسر ومشقة لا يثبت فيها إلا أهل الإيمان الصادق، وحاطب كان ممن ثبت في ذلك المشهد. لكن كما قلنا ثبات الإنسان في المشاهد وحضوره في مجالس الصالحين وبقاؤه مع أهل الفضل والخير لا يعني هذا أنه لا يمكن أن يخطئ، بل يمكن أن يخطئ، تقع منه الذنوب والمعاصي والآتام، لكنه يستيقظ وتنبه سريعاً. وهذا ما حصل مع سيدنا حاطب بن أبي بلتعة؛ ندم أشد الندامة بالفعلي الذي فعله، وأنزل الله عز وجل آيات تتلى إلى يوم القيامة في واقعة حاطب بن أبي بلتعة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: 1-3].

إذاً هذه الآيات التي تتلى إلى يوم القيامة؛ آيات عتاب شديد، تأنيب شديد لحاطب بن أبي بلتعة على هذا الخطأ الكبير. الله عز وجل يوجه هذه الآيات للمؤمنين إلى يوم القيامة: إياكم أن تسروا وتليّنوا وتودّوا أعداء الأمة بشكل من الاشكال، حتى ولو كان هذا في مصلحة أهليكم وأبنائكم وذراريكم. الإسلام والدين أعلى من كل هذه الروابط؛ حماية بيضة الدين، حماية لا إله إلا الله، الحفاظ على المجتمع المسلم تنصهر فيه كل هذه الأنساب، كل هذه الروابط لتبقى رابطة الإسلام وحماية بيضة الإسلام هو المقصد الأعظم الذي لا نساوم عليه لو ذهب أهلينا ولو ذهب مالنا ولو ذهبت الدنيا بأسرها من أجل لا إله إلا الله فهذا هو الهدف الأسمى الذي نقاتل عليه.

جاءت الآيات لتغرس هذه الفكرة في أذهان الصحابة: ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: 3]. لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير. لا تنظروا الآن فيما يأتي وقت نصرة.

ديننا وحمايته هي أعظم غاية، فلا تنظروا إلى أي حسابات أخرى، انظروا إلى لا إله إلا الله. كيف نحميها؟ كيف نفديها بأرواحنا ودمائنا، وكيف نحمي هذه الدعوة من أعدائها من المعتدين عليها؟ هذا هو الهدف الذي ينبغي أن يكون حاضراً، حتى ولو أريقت الدماء وذهبت الارواح وفقدنا ما فقدنا.

فإن هذا الدين هو أعز شيء نملكه في حياتنا، أعز علينا من أنفسنا، ومن أبنائنا، ومن نسائنا، ومن ذرارينا. هذه الفكرة التي أراد القرآن أن يوصلها للصحابة وللأمة بعد ذلك من خلال معالجة قضية حاطب بن أبي بلتعة. المهم ننتهي من قصة حاطب بن أبي بلتعة.

ننتقل الآن إلى بدء المسير؛ مضى النبي صلى الله عليه وسلم لسفره، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري رضي الله تعالى عنه، أحد الصحابة الكرام، وخرج لعشر مضين من رمضان؛ يعني في عشر رمضان من العام الثامن الهجري. بدأت الجيوش النبوية تتحرك باتجاه الفتح العظيم إلى مكة المكرمة. فصام النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رمضان مفروض صيامه، فصام النبي عليه الصلاة والسلام أثناء المسير، وصام الناس معه حتى بلغ النبي صلى الله عليه وسلم منطقة يقال لها الكديد.

لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذه المنطقة، منطقة الكديد، أتى بقدح من ماء فرفعه أمام الناس في النهار وشرب، حتى يشرب الناس ليتقووا على السير. إذاً أفطر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه مسافر، والمسافر له أن يفطر؛ فما بالك إذا كان مسافراً ويريد أن يغزو، ويريد أن يقوي هذا الجيش؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم أفطر وأمر أصحابه بالفطر في هذه الغزوة.

مضى النبي صلى الله عليه وسلم بجيوشه حتى نزل منطقة الظهران، وهي منطقة معروفة الآن في بلاد الحرمين، في عشرة آلاف من المسلمين. تصوروا العدد! محمد عليه الصلاة والسلام الذي هاجر معه من مكة عدد لا يزيد عن أربعين أو عن خمسين صحابياً، الآن يعود بعشرة آلاف مقاتل ليحقق الفتح العظيم. طبعاً فشبعت سليم، وبعضهم يقول ألفت سليم، وألفت مزينة؛ يعني سبعمائة من قبيلة سليم، وقيل ألف من قبيلة سليم وحدها وألف من قبيلة مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، والباقي من المهاجرين والأنصار.

وأوعب مع النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار، ولم يتخلف عنه منهم أحد؛ ما تخلف رجل من المهاجرين ولا من الأنصار عن هذه الغزوة المباركة، إلا من استخلفهم النبي صلى الله عليه وسلم لحماية المدينة طبعاً. فلما نزل النبي عليه الصلاة والسلام منطقة الظهران، وقد عميت الأخبار فعلاً عن قريش، فلم يصل لها أي خبر عن مسير النبي عليه الصلاة والسلام، خرج في تلك الليالي كفار قريش. وكما قلنا، لما نرجع لأبي سفيان وأخواره؛ كيف قابله النبي عليه الصلاة والسلام وأنه رفض أن يحاوره، ثم ذهب أبو سفيان إلى أبي بكر فرفض أن يحاوره، ثم إلى عمر، ثم علي بن أبي طالب، ومقترح علي بن أبي طالب أن يخرج في المسجد فيبادي: أجرت بين الناس. ولما عاد أبو سفيان إلى مكة فأخبر كفار قريش بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم معه.

علي بن أبي طالب هو الوحيد الذي تفاهم معه أبو سفيان، ونصحه علي أن يخرج في المسجد فيقول: أجرت بين الناس. مع أن علي بن أبي طالب قال لأبي سفيان: أنا لا أظن أن هذا سيغني عنك. الآن كفار قريش تعيش بترقب، وهي تشعر بشعور شبه يقيني أن محمداً عليه الصلاة والسلام لن يترك هذه الخيانة التي فعلتها كفار قريش تمر مرور الكرام. فهي تترقب حصون شيء الآن، ولكن هناك سبحان الله تأييد إلهي لنبيه عليه الصلاة والسلام، كفار قريش لا يعلمون بمسير النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كما قلنا: عنصر الترقب، التوجس، ماذا يحدث الآن في لحظات صعبة؟

من الذي خرج ليحاول أن يحصل شيئاً من الأخبار؟ أبو سفيان بن حرب، لأنه كما قلنا كان زعيماً من زعماء قريش الكبار. خرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب، ومعه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، هؤلاء الثلاثة خرجوا يتحسسون الأخبار، يحاولون الوصول إلى معلومة: ماذا يحدث الآن في المدينة؟ هل خرج منها النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل هو متجه نحونا؟ ما في عندهم أي اخبار يملكونها عن هذا الموضوع، فخرجوا يتحسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون حساً؟

وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق، وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً بنيق العقاب. يعني العباس بن عبد المطلب خرج من مكة وانضم إلى صف المسلمين في هذه الساعات. العباس بن عبد المطلب، كما قلنا، هو ممن أصلاً شارك مع كفار قريش في غزوة بدر مستكهاً، لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقتل. ثم بعد ذلك بقي العباس بن عبد المطلب في مكة حتى هذه اللحظات، وفي السويعات الأخيرة قرر أن يترك مكة المكرمة ويلتحق بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإذا به يلاقي النبي عليه الصلاة والسلام في الطريق وهو متجه باتجاه مكة فاتحاً، هاي هي اللحظة التي ذهب فيها العباس بن عبد المطلب وانضم فيها إلى جيش المسلمين.

أيضاً من الذين لقيهم النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق وقد جاؤوا مريدين للإسلام، رجل كما قلنا يسمى أبو سفيان بن الحارث، ومعه عبد الله بن أبي أمية. أبو سفيان بن الحارث هذا غير أبي سفيان بن حرب الزعيم المشهور، أبو سفيان بن الحارث هذا رجل أيضاً كبير من رجالات مكة، وكانت مشكلته أنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه للأسف كان كثيراً ما يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويؤذيه بلسانه، فأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً في الطريق، خرجا يريدان الإسلام فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه.

حاول أبو سفيان بن الحارث وهو صديقه أن يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلب الإذن بلقائه، فلما النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء رفض أن يقابلهما؛ لأنه يعلم كم آذى أبو سفيان بن الحارث بلسانه طوال هذه الفترة. فكلمته أم سلمة فيهما؛ جاءت زوجته أم سلمة إلى النبي عليه الصلاة والسلام قالت: يا رسول الله، إن ابن عمك وابن عمتك -عبد الله بن أبي أمية الظاهر أنه كان ابن عمة النبي عليه الصلاة والسلام- يريدان أن يقابلاك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو حزين: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي أبو سفيان بن الحارث فهتك عرضي، كان يؤذيني ويهجوني بلسانه بأشعار تصلني، وأاما ابن عمتي فهو الذي قال بمكة ما قال. أيضاً الظاهر أن عبد الله بن أبي أمية كان لسانه سليطاً على النبي صلى الله عليه وسلم.

إذاً، ابتداءً النبي عليه الصلاة والسلام رفض مقابلة هذين الرجلين. فلما خرج الخبر إليهما أن النبي عليه الصلاة والسلام يرفض مقابلتهما، كان مع أبي سفيان بن الحارث ابن له، فقال أبو سفيان بن الحارث: والله ليأذنن لي رسول الله أو لأخذن بني هذا ثم لأذهبن في الأرض حتى أموت جوعاً. يعني أبو سفيان بن الحارث خلص، لابد أقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوصلوا الكلام إلى رسول الله، إذا لم يقابلني ساذهب وانتحر أنا وابني؛ يعني نسير في الأرض وفي الصحاري حتى نموت جوعاً وعطشاً. هو يريد أن يستعطف النبي عليه الصلاة والسلام.

وفعلاً النبي عليه الصلاة والسلام الرحيم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم كما وصفه الله عز وجل، صاحب القلب الطيب بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، حن لهذا الرجل على شدة أذيته له؛ كم آذى أبو سفيان بشعره! لكن النبي عليه الصلاة والسلام بقلبه الواسع الرؤوم صلوات ربي وسلامه عليه، حن لما سمع بمقولة أبي سفيان بن الحارث ورقى لهما، ثم أذن لهما فدخوا عليه فاسلما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحينئذ أبو سفيان بن الحارث أنشد قصيدة شهيرة في اعتزازه بهذا الدين وفي انضمامه لركب المسلمين، وأبو سفيان بن الحارث ممن حسن إسلامه وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مشهد لربما يأتي معنا اليوم أو في المحاضرة القادمة بإذن الله.

لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا بمنطقة الظهران كل هذه المشاهد: والنبي عليه الصلاة والسلام بمنطقة الظهران، العباس بن عبد المطلب التحق بالركب، أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية التحقا أيضاً بالركب. في هذه اللحظات العباس بن عبد المطلب يراقب المشهد؛ النبي صلى الله عليه وسلم الآن على قاب قوسين أو أدنى من مكة المكرمة، انتهى الموضوع، كفار مكة لن يستطيعوا الآن أن يصنعوا شيئاً لأن النبي عليه الصلاة والسلام قريب جداً من مكة وهو شبه محاصر لها، وإن كانت الأخبار بعد لم تصل إلى قريش.

بتأييد الله سبحانه ما زالت الأخبار لم تصل إلى قريش، فالعباس بن عبد المطلب لما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصبحوا قريبين جداً من مكة، وأن كفار قريش ما عاد لهم الآن خيار المواجهة أبداً، حاصل ماذا قال؟ قال: لابد أن أرسل رسالة لقريش أن تخرج لتصالح النبي صلى الله عليه وسلم وتستسلم بين يديه، حتى لا يدخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم عنوة ويقتلهم. وهذه طبعاً هي ليست خيانة، كلا، هو العباس بن عبد المطلب أدرك هدف النبي عليه الصلاة والسلام من تعمية الأخبار عن قريش: أن كفار قريش لا يستطيعون مواجهة النبي عليه الصلاة والسلام ويقلبوا الأحزاب مرة أخرى. فالنبي عليه الصلاة والسلام الآن حقق غرضه، هو الآن بمنطقة الظهران وهو قريب جداً من مكة، كفار قريش لا يوجد لديهم فرصة أصلاً لأن يقلبوا الأحزاب ولا لأن يجمعوا صفوفهم، انتهت القضية.

فالعباس يقول: أخذت أفكر كيف أرسل لكفار قريش أن يخرجوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم ليطلبوا منه السلامة، وإلا سفكت دماؤهم في بطن الكعبة. العباس كان متصوراً أن النبي صلى الله عليه وسلم سيدخل مكة ويبدأ يقتل في كفار قريش في بطن الكعبة. فيقول أبو سفيان -لما، عفواً، العباس بن عبد المطلب-: أنا ذهبت إلى أبي سفيان. العباس بن عبد المطلب يقول: لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في منطقة الظهران، أخذت أقول: وصباح قريش! والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة، قبل أن يأتوه فيستأمنوه على أنفسهم، إنه لهلاك قريش؛ يعني ستكون إبادة لكفار قريش.

قال العباس: فجلست على بغلة رسول الله البيضاء، وخرجت عليها حتى جئت الأراك؛ يعني منطقة قريبة من الظهران. قال: لعلجي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو حاجة، المهم أرييد أن أرى رجلاً يعمل في مكة خارجاً لهذه المنطقة ليقتطع خشب ويعود إلى مكة ليعطيه الخبر. قال: المهم أردت أن أجد بعض الذين يحتطبون من هذه المنطقة ويعودون إلى مكة لأعطيهم رسالة لأهل مكة أن يخرجوا ويستأمنوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم عنوة، فيبيت كفار قريش عن بكرة أبيهم.

قال العباس بن عبد المطلب: فوالله إني لأسير على بغلة النبي صلى الله عليه وسلم والتمس رجلاً أبعثه، عن أي رجل متجهاً باتجاه مكة، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان. احنا قلنا إن أبو سفيان بن حرب خرج متخفياً مع حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء ليتحسسوا الأخبار ويعرفوا ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فالعباس وهو على بغلته البيضاء، إذ هو يسمع صوت أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتحاوران ويتراجعان، وأبو سفيان طبعاً.

هذا المشهد كان بالليل، هذا مشهد كان ليلاً، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم معسكرات المسلمين قد أشعلت النيران، وكل مجموعة وكل راكب حولهم موقد أو مجموعة من الأخشاب أوغدت عليها النيران. فأبو سفيان ماذا يقول لبديل بن ورقاء؟ يقول: ما رأيت الليلة نيراناً قط ولا عسكراً! يعني أبو سفيان شايف جيشاً عرمرماً كبيراً ونيران مولعة على جميع المناطق ومشعلة في جميع المناطق. فأبو سفيان يقول لبديل بن ورقاء: يا بديل، والله لم أرح مثل اليوم نيراناً! من الذي سمع الخطاب والحوار بينهما؟ العباس بن عبد المطلب الذي كان يحاول أن يبحث عن رجل كما قلنا ليرسله إلى أهل مكة.

فبديل إيش يقول؟ هذه والله خزاعة حمشتها الحرب! بديل ظن أن هذه النيران نيران قضية خزاعة، أن خزاعة جمعت حلفاءها واتت الآن لتثأر من قبيلة بني بكر ومن كفار قريش. يعني بديل بن ورقاء ما عرف أن هذه ليست خزاعة، بل هذا محمد صلى الله عليه وسلم. أبو سفيان إيش يقول لبديل؟ يقول: خزاعة يا بديل أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها! هذه يا بديل، هذه ليست نيران خزاعة.

هذه يا بديل ليست نيران خزاعة، خزاعة أقل من أن تكون هذه نيران، وهذه نيران ضخمة جداً. قال العباس: فسمعت صوت أبي سفيان فعرفته، ظلام دامس وهناك نيران في معسكرات المسلمين، والعباس بعيد عن هذه النيران ويسمع صوت هذين الرجلين.

قال العباس: فناديت فقلت يا أبا حنظلة. فعرف أبو سفيان صوته فقال من؟ أبو الفضل، هذه كنية العباس. قال: نعم. قال: ما لك فداك أبي وأمي؟ قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله في الناس، وصباح قريش، والله انتهت القضية يا أبا سفيان. فابو سفيان يقول للعباس: الحيلة فداك أبي وأمي. قلت: والله لإن ظفر بك ليضربن عنقك.

يعني أبو سفيان أنت صاحب الحروب، أنت الذي قاتلت محمد صلى الله عليه وسلم وقلت جيوش وقلبت الأحزاب، النبي عليه الصلاة والسلام بالتأكيد يظفر بك، سيضرب عنقك مباشرة. فاركب معي خلف هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتستأمن على نفسك. فركب أبو سفيان خلف العباس بن عبد المطلب، وعاد حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء باتجاه مكة ليعلوا الخبر أنه القضية انتهت يا جماعة وهذا محمد عليه الصلاة والسلام الآن شبه محاصر لنا.

فركب خلفي ورجع صاحبه، هذا يقول العباس بن عبد المطلب إن أبا سفيان ركب خلفه وأما صاحبه فعاد إلى مكة. فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فيبدأوا ينظروا لأنه كما قلنا ليل دامس، هناك نيران موقدة، لكن كما قلنا نيران هذه لا تكشف كل شيء حولها. فأخذوا ينظرون: من هذا الذي يركب؟ فإذا وجدوا عباس ووجدوا بغلة النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: هذا العباس ومعه بغلة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

قال حتى مررنا يقول العباس: حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب رضي الله عنه. بقي العباس يسير بين المعسكرات قال: حتى مررنا بالنار التي عليها عمر بن الخطاب، فقام عمر بن الخطاب وثب قال: من هذا؟ وقام إليه. فلما رأى، طبعا عمر بن الخطاب اقترب من بغلة النبي عليه الصلاة والسلام، فجأة إذا هو بأبي سفيان بن حرب. فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال عمر بن الخطاب: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير قيد ولا عهد. ثم خرج يشتد، خرج عمر يركض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخبر الخبر: يا رسول الله، أبو سفيان وقع بين أيدينا.

قال العباس: فركضت ببغلة النبي صلى الله عليه وسلم، أريد أن أسبق عمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى أستأمن لأبي سفيان؛ لانه كان العباس مدرك أن النبي عليه الصلاة والسلام لن يرحم أبا سفيان إذا وقع بيديه، رجل كان له إثخام في المسلمين وكان سببا في مقتل عدد كبير منهم رضي الله تعالى عنه أسلم بعد ذلك. قال العباس: فركضت بالبغلة فسبقته، فاقتحمت بالبغلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر يتبعني.

فقلت يا عمر بن الخطاب كان خلف أبا سفيان، أي كان خلف العباس مباشرة، يعني دخل العباس من هنا دخل عمر بن الخطاب من هنا، ما بينهم إلا فترات أو يعني كما نقول دقائق معدودة. فدخل عمر بن الخطاب خلفي يصرخ: يا رسول الله هذا أبو سفيان، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني لأضرب عنقه. قلت يا رسول الله، هنا العباس مباشرة، قلت يا رسول الله إني قد أجرت هذا الرجل.

ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل. فلما اخذ عمر في شأنه، يعني العباس بدأ يتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ويتحاوران فيما يفعلان في أبي سفيان الآن. عمر جالس: يا رسول الله دعني أضرب وأنا أبو سفيان، يا رسول الله هذا الرجل مسكنا، هذا الرجل الذي فعل ما فعل. فعمر بن الخطاب بقي يكرر ويطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بضرب عنق أبي سفيان، والعباس بن عبد المطلب يتكلم مع النبي عليه الصلاة والسلام ويحاول ويتناجى معه: ماذا نفعل؟ ما هو التصرف؟

إذا حوار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين العباس، حوار خاص، وعمر حاول كل شوية يتدخل: يا رسول الله دعني أضرب عنقه هذا يا رسول أبو سفيان. فالمشهد هذا أغاظ من؟ أغاظ العباس. فلما أكثر عمر في شأن أبي سفيان قلت، أي العباس: مهلا يا عمر، فوالله لو أنه كان رجلا من بني عدي بن كعب، أي من قومك ومن عشيرتك، ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف لذلك تريد أن تقتله.

طبعا هذه كلمة ليست دقيقة من العباس، لأن عمر بن الخطاب يريد أن يقتله ثأرا للدين وليس لأنه والله من قبيلة عبد مناف، لو كان أباه لقاتله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فقال عمر: مهلا يا عباس، فإسلامك اليوم أوفر، إسلامك يوم أسلمت عفوا كان أحب إلي من إسلام الخطاب. هل تعلم يا عباس أن إسلامك أنت أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به». النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخفف الأجواء وهناك ضغط وكلام وحوار ونقاش، عمر يريد أن يثأر، طبعا عمر بن الخطاب يعني يحقد على أبي سفيان لكثرة ما أوقع في المسلمين في الغزوات التي شارك فيها عمر. والعباس بن عبد المطلب كما قلنا جديد التحق بركب المسلمين، يعني بالصف الإسلامي، وإن كان هو أسلم قبل ذلك، هو كان مسلما قبل ذلك، لكن التحاقه بجيش محمد صلى الله عليه وسلم وبالصحابة الكرام كان في فتح مكة، في شدة حقده على أبي سفيان أخفى كثير من حقد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عليه، والعباس يريد أن يساعد أبا سفيان حتى يتخلص من هذه القضية.

فذهب عباس بن عبد المطلب بأبي سفيان إلى رحله، ذهب العباس بأبي سفيان إلى رحله فبات عنده الليلة. فلما أصبح، قال العباس: غدوت بأبي سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما أمره النبي عليه الصلاة والسلام. دخل أبو سفيان على النبي عليه الصلاة والسلام، لكن في هذه المرة الدخول، الإنسان الذي يطلب الأمان والصفح والعفو، ليس دخول القائد، دخول من يطلب الصفحة والعفو. النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى أبي سفيان وقال: «ويحك يا أبا سفيان، الم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟».

فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وما أكرمك وما أوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد. فقال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم تعلم أني رسول الله؟». قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه والله فإن في نفسي منها شيئا حتى الآن. إيش معنى هذا الكلام من أبي سفيان؟ لما النبي صلى الله عليه وسلم قال له: الم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله، ماذا كان رد أبي سفيان؟

قال: والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا بعده. يعني يقول أبو سفيان: فعلا لا إله إلا الله، يقول أبو سفيان: لو كان في هناك إله غير الله معه من هذه الأصنام التي يعبدها لكانت أفادتنا، لكنها لم تفدنا شيئا، فأنا الآن متيقن أنه لا إله إلا الله، هذه كل هذه الآلهة التي عبدناها ما منها أي شيء نفعنا ولا وقانا ولا ساعدنا، ففعلا لا يوجد إلا الإله الحق، ولا يجوز لنا أن نشرك به شيئا.

انتهينا من المقطع الأول، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم يأن لك أن تشهد أن محمدا رسول الله؟». فأبو سفيان قال: أما هذه ففي القلب منها شك. انظروا إلى جرأة أبي سفيان، يعني أبو سفيان أنت فعلت ما فعلت، والآن أمام محمد صلى الله عليه وسلم يقول لك قل محمد رسول الله وما زلت تكابر؟ فقال: أما هذه ففي النفس منها شك. فهناه العباس مسكه وقال: ويحك، أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله قبل أن يضرب عنقه.

يعني ما زلت أناقش يا أبا سفيان؟ أسلم قبل أن نضرب عنقك، خلص انتهت الأمور، ماذا تناقش؟ على ماذا يعني تجاهد وتجاذب؟ يعني ماذا بقي لك يا أبا سفيان؟ هذا محمد صلى الله عليه وسلم الآن سيدخل، ماذا بقي لك؟ هل نفعتك آلهتك؟ سنقتلك سنضرب عنقك. فهنا أبو سفيان شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لكن كان إيمانه غضا طريا وسنلاحظ كيف النبي صلى الله عليه وسلم مع الوقت سعى في تثبيت الإيمان في قلب أبي سفيان أكثر وأكثر. قال: فشهد شهادة الحق وأسلم.

قال العباس هنا: قلت يا رسول الله إن هذا الرجل، أن أبا سفيان رجل يحب الافتخار، فاجعل له شيئا في هذا اليوم يفتخر به لعل يكون سببا في تعزيز الإيمان في قلبه. فالنبي عليه الصلاة والسلام فعلا اقتنع بكلام العباس بن عبد المطلب، فقال عليه الصلاة والسلام لأبي سفيان: «اذهب تصرخ في أهل مكة أنه من دخل دار أبي سفيان فهو آمن». وهذا فخر أنه هذا الرجل من دخل في داره فهو آمن، دلالة على أنه له ثقل وله وزن، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم له هذا الاعتبار.

قل يا أبا سفيان لأهل مكة: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. اصرخ بهذه الثلاث لأهل مكة. لكن قبل أن يذهب أبو سفيان ليصرخ بهذه الكلمات في مكة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم العباس بأمر مهم جدا يدل على ذكائه عليه الصلاة والسلام، أنه يعلم أن أبا سفيان هذا رجل لابد أن يدخل الإيمان إلى قلبه بطريقة وبمشهد قوي عظيم يريه هيبة هذا الدين وهيبة هذا الإسلام العظيم.

فلما ذهب أبو سفيان لينصرف، يعني لما أراد أن ينصرف، النبي صلى الله عليه وسلم دعا للعباس على جنب وقال: «يا عباس، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجمل، عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله عز وجل فيراها». يعني النبي صلى الله عليه وسلم ناجى العباس وقال: يا عباس احبس أبا سفيان، يعني أوقف أبا سفيان عند منطقة في الجبل حتى يرى جيوش وجحافل الإسلام والكتائب تمر عليه كتيبة بعد كتيبة، لعل هذا يكون سببا في تثبيت الإيمان في قلبه.

وفعلا قال العباس بن عبد المطلب: خرجت بأبي سفيان فحبسته عند الوادي وعند خطم الجبل الذي سيمر به كتائب الإسلام العظيمة. فهنا أبو سفيان الآن واقف، تخيلوا المشهد معي، أبو سفيان واقف عند المنطقة والطريق في أسفل الجبل الذي تمر به كتائب الإسلام، وبدأت الكتائب تمر على أبي سفيان كتيبة تلو الكتيبة وتصرخ بالتوحيد والتلبية وشهادة أن لا إله إلا الله والتكبير لله عز وجل.

فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال أبو سفيان للعباس: يا عباس، من هذه القبيلة؟ قال العباس: هذه قبيلة سليم. فيقول أبو سفيان: ما لي وسليم! ما لي وسليم. ثم تمر القبيلة الأخرى، يا عباس من هؤلاء؟ فيقول: هذه قبيلة مزينة. فيقول: ما لي ومزينة. حتى مرت عليه الكتائب، كلما مرت القبيلة يسأل أبو سفيان ويجيب العباس بن عبد المطلب.

حتى مرت الكتيبة الخضراء، الكتيبة الخضراء هي كتيبة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن في هذه القبيلة؟ محمد عليه الصلاة والسلام ومعه الركب الكرام والأنصار. هذه الكتيبة الخضراء سميت الكتيبة الخضراء لأنها كلها كانت تلبس الدروع على أجسادها ولا يرى منها إلا حدق أععين فقط، وهذه عزة وافتخار، يعني معهم الأسلحة والعتاد، لبسوا الدروع، لبسوا المغفر على الرأس، كتيبة مسلحة إلى أعلى درجات التسليح، لا يرى منهم إلا الأعين فقط، كتيبة خضراء كتيبة محمد صلى الله عليه وسلم.

حتى مر به رسول الله في كتيبته الخضراء ومعه المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق، يعني حدق الأععين من كثرة الحديد الذي على هذه على هؤلاء الفرسان. فقال: سبحان الله يا عباس. الآن أبو سفيان رأى هذه الكتيبة مميزة، طيبة، مسلحة أعلى درجات التسليح، لا ترى منها إلا الأعين، فقال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟

فقال: هذا رسول الله ومعه المهاجرون والأنصار صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هنا أبو سفيان قال: ما لأحد بهؤلاء طاقة يا عباس، يعني من يستطيع أن يواجه هذه الجحافل؟ والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. يعني ابن أخوك يا عباس أصبح الآن ملك من الملوك، لا طاقة لنا أن نواجهه. فقلت، العباس الآن يريد أن يوصل الفكرة إلى أبي سفيان، الفكرة التي أرادها النبي عليه الصلاة والسلام أن تصل إلى أبي سفيان. فقال العباس: يا أبا سفيان، إنها النبوة، هذا الرجل يا أبا سفيان لم يأخذ هذا الملك بدنيا ولا بتعصب لقبائل ولا بتحالفات، أخذ هذا الملك العظيم بالنبوة والوحي الإلهي أنه الدين يا أبا سفيان. وأبو سفيان وصلت له الرسالة؟ قال: نعم.

هنا العباس بعد أن انتهى مرور القبائل. العباس قال لأبي سفيان: اذهب سريعا إلى قومك واصرخ بالكلمات الثلاث التي أمرك النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرخ بها، فوصل أبو سفيان إلى مكة فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، انتهى الأمر.

فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه وقالت: اقتلوا الحاميت الدسم الأحمس، قبح من طليعة القوم، يعني هذا الرجل، اقتلوا، إيش بدنا في دارك يا أبا سفيان؟ وإيش هادا التثبيط؟ كيف الآن تثبتنا وتمنعنا من قتال محمد صلى الله عليه وسلم؟

إلى هذه الدرجة دخل الضعف والخوف في قلبك. طبعا هند عتبة هي لا تعرف كل ما رآه أبو سفيان أو كل ما رآه أبو سفيان، هي لو رأت ما رآه أبو سفيان لعرفت صدقه، هي لم تر هذا المشهد فغضبت من زوجها كيف يتكلم بهذا النفس، قائد من قادات مكة أنت يا أبا سفيان، كيف تكلم بنفس الخائف الفزع وتطلب من الناس أن يدخلوا إلى دارك طلبا للأمان؟

وأبو سفيان قال لهم: ويلكم، لا تغرنكم هذه، يعني دعوكم من هذه المرأة، هذه امرأة مسكينة ما رأت ما رأيت، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، هذا شيء رآه بأم عينيه، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. أبو سفيان: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، هو يريد هذا الفخر، الذي فعلا النبي صلى الله عليه وسلم أدركه منه وأخذ بنصيحة العباس لما منحه إياه.

فقال له كفار قريش: قاتلك الله يا أبا سفيان وما تغني عنا دارك؟ فقال لهم أبو سفيان: طيب، من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، اللي حابب يدخل على داره يدخل، ومن أحب أن يذهب إلى المسجد فهو آمن، ومن أغلق باب بيته فهو آمن آمن، فتفرقت الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

عن عبد الله بن أبي بكر الصديق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى هذه طوى، وقف على راحلته معتجرا بشقة بردي حبرة حمراء، وإن النبي صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن عذنونه ليكاد يمس واسطة الرحل. النبي عليه الصلاة والسلام الآن أشرف على مكة والجيوش حوله عشرة آلاف مقاتل من خيرة الناس ملتفين محيطين بمكة المكرمة.

هنا النبي صلى الله عليه وسلم طأطأ رأسه تواضعا لربه سبحانه وتعالى وتعظيما شكرا لهذا الإله العظيم الذي منحه هذا الفتح، الذي منحه هذا النصر بعد ثمان سنوات من الخروج من مكة، الله عز وجل يعيدني إلى مكة فاتحا بجحافل بجيوش عرمرمة تهز الأرض. النبي صلى الله عليه وسلم إذا طأطأ رأسه إجلالا وإعظاما ومهابة وشكرا وثناء لله سبحانه وتعالى على هذا النصر المبين الذي منحه إياه.

عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها قالت - وأبناء أبو بكر الصديق كانوا حاضرين في هذه المشاهد رضي الله عنهم - أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها قالت: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى، نفس هذا الجبل الذي وقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم وطأطأ رأسه كما قلنا عظيما وإجلالا وثناء لربه سبحانه وتعالى، قال أبو قحافة لابنة من أصغر ولده.

أبو قحافة هو والد أبي بكر الصديق، أبو قحافة والد أبي بكر الصديق وكان لم يسلم بعد، وكان لم يسلم بعد، فأبو قحافة كان رجلا كبيرا في السن وكان أيضا ضريرا أعمى لا يرى. فقال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: يا بنيتي، أظهري بي على جبل أبي قبيس، جبل مشهور في مكة يعني، أصعدي بي على هذا الجبل.

فأشرفت به عليه، فقال: يا بني، ماذا ترين في الأفق؟ فقالت البنت: أرى سوادا مجتمعا، فقال أبو قحافة بخبرته مع أنه لم ير: إذا تلك الخيل، قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك مقبلا ومدبرا، يعني أرى رجلا على فرس يركض بين هذا السواد المجتمع، فقال: يا بني، ذلك الوازع، مسؤول الخيالة يرتب الجيش.

ثم قالت: قد والله انتشر السواد يا أبي، فقال أبو قحافة: إذا والله قد دفعت الخيل، يعني الآن البنت تصرخ: يا أبي، السواد عم يتوزع أكثر وأكثر، فأبو قحافة قال: إذا الخيل بدأت الهجوم، أسرعي بي إلى بيتي. فأسرعت به إلى البيت يريد أن يغلق على نفسه الباب، لم يستطع أن يصل إلى البيت، لم يستطع أن يصل إلى البيت لكبر سنه كان مشيه بطيئا، ما نزل عن جبل أبي قبيس وهو يريد أو متجها باتجاه بيته إلا وجيوش المسلمين أصبحت في قلب مكة، إلا وجيوش المسلمين هي الآن في قلب مكة.

فتلقوه واعتقلوه، فتلقته الخيل قبل أن يصل إلى بيته، وفي عنق الجارية طوق من ورق، فلقيها رجل من المسلمين فأخذ منها الطوق الذي كان معها. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة - طبعا هناك قفز في بعض المشاهد حتى نكمل ماذا حدث مع أبي قحافة - النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل مكة فاتحا، أبو بكر الصديق مباشرة ذهب إلى أبيه، أبو بكر الصديق ذهب إلى أبيه إلى أبي قحافة، فأتى به يقوده ليجعله يسلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني أبو بكر الصديق يأتي بابيه الكبير المسن - انظروا إلى أدب محمد عليه الصلاة والسلام، ما أجمل هذا الأدب من السيد العظيم صلوات ربي وسلامه عليه، قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتي؟ أنا يا أبا بكر دع الشيخ في بيته، أنا آتيه.

فقال أبو بكر: لا يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه، أنت النبي العظيم، صحيح هذا أبي لكنك أعظم منه يا رسول الله، هو الذي سيمشي إليك. أسلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.

في تلك اللحظة كان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم فتح مكة - وهذا أيضا سيكون شعارهم في حنين وفي الطائف - شعار المهاجرين كان: يا بني عبد الرحمن، شعار الخزرج كان: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله، يعني كان هناك أكثر من شعار، كل طائفة أخذت شعارها الخاص، المهاجرون: يا بني عبد الرحمن هذا شعارهم، وقبيلة الخزرج أخذت شعارا خاصا بها: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا، إذا النبي صلى الله عليه وسلم وجه تعليماته لكل قادته على الجوانب الأربعة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة من أربع جوانب أطبق عليها الحصار، فوجه الأمر إلى جميع القيادات ألا تقتلوا أحدا إلا أناسا معينين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم، أناسا معينين نص النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتلوا ولو تعلقوا بأستار الكعبة، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة.

منهم عبد الله بن سعد أخو عامر بن لؤي، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه كان أسلم، يعني هنا سيعدد ابن هشام من الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم حتى ولو رآهم الصحابة متعلقين بأستار الكعبة يقتلوا يقتلوا أمر من النبي عليه الصلاة والسلام. أول شخص كان هو عبد الله بن سعد، لماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هذا الرجل؟ بالتأكيد فعل مصيبة عظمى جعلت النبي صلى الله عليه وسلم لا يغفرها له أبدا.

وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه كان أسلم، وكان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد مشركا راجعا إلى قريش، ففر إلى عثمان بن عفان وكان أخاه للرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني المهم يعني عبد الله بن سعد هذا الرجل كان يكتب الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام في المدينة ثم ارتد وعاد إلى مكة مشركا، ويروي علماء السير أنه كان يستهزئ بالنبي عليه الصلاة والسلام في مكة ويقول: هذا الرجل أي محمد عليه الصلاة والسلام كنا نكتب له الوحي وما يدري ما كتبنا صوابا أو خطأ، ويبدأ يتضاحك ويستهزئ بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا أغاض النبي عليه الصلاة والسلام فأراد أن يلقنه درسا قاسيا فظفر به في مكة وامر الصحابة أنه أي شخص يدرك هذا الرجل يقتل ولو كان هذا الرجل متعلقا بأستار الكعبة.

الآن هذا الرجل لجأ إلى سيدنا عثمان بن عفان وكان عثمان أخاه من الرضاعة فغيبه عثمان وخبأه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمئن الناس وأهل مكة، يعني بعد أن انتهت الأمور وارتاحت وانتهت القضية - قفز في السياق لكن حتى نعرف ماذا وقع لهذا الرجل - لما انتهت الأمور وانتهى الفتح العظيم، عثمان بن عفان أتى بهذا الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستأمن له، يعني طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أنه يا رسول الله خلص اعف عن هذا الرجل وآمنه على دمه.

قالوا فالنبي صلى الله عليه وسلم صمت قليلا، ما رد على عثمان، ما قال هو وافقنا على تأمينه، صمت النبي صلى الله عليه وسلم قليلا ثم قال: نعم، فخلص النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عبد الله بن سعد الأمان. فلما انصرف عنه عثمان بعبد الله بن سعد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن حوله من الصحابة: لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.

يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول للصحة الذين كانوا حوله في ذاك المشهد: يعني هل تعرفون لماذا صمت؟ كنت أنتظر أنه أي رجل منكم يضرب عنق هذا الرجل وينهينا من موضوعه. فقال رجل من الأنصار: هلا أومأت يا رسول الله؟ إنه والله يا رسول الله ما فهمنا عليك، ما عرفنا أن صمتك كنت تريد منا أن نقتله، والله يا رسول الله فقط لو أعطيتنا إشارة لضربنا عنقه.

فقال عليه الصلاة والسلام: إن النبي لا يقتل بالإشارة. يعني لست ممن يفعل هذه التصرفات، الأنبياء لا يليق منهم أن يعطوا إشارات الغدر من هنا وهناك، نقتل نقتل مباشرة، أما أن نعطيكم إشارة ونلمح إليكم أن تقتلوا فهذا لا يكون من أفعال الأنبياء.

إذا هذا عبد الله بن سعد مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله لكنه نجا من القتل، لأن عثمان بن عفان استطاع أن يحصل له الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني انظروا عثمان بن عفان هو أمسكه وأتى به النبي عليه الصلاة والسلام محاولا لأن يؤمنه، لو النبي عليه الصلاة والسلام ما أعطاه الأمان لقتل وانتهى، فعثمان حاول وسعى فيه سعيا، والنبي عليه الصلاة والسلام خلص مشى الأمور لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.

أيضا لمن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم؟ عبد الله بن خطل، رجل يقال عبد الله بن خطل، وإنما أيضا أمر بقتله لأنه كان مسلما، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم ليجمع الصدقة من طائفة من قبائل العرب، وبعث معه رجلا، وكان معه مولى له يخدمه وكان مسلما، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع طعاما فنام.

فاستيقظ ولم يصنع له هذا الغلام طعاما فغدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركا. يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان مرسلا عبد الله بن خطل إلى قبيلة من القبائل ليجمع منها صدقة، وكان مع عبد الله بن خطل خادم له، وهذا الخادم أيضا كان مسلما، ففي الطريق الظاهر أرادوا أن يستريحوا، فعبد الله بن خطل يقول للخادم الذي معه: أيها الخادم، هذا تيس اذبحه واشوه على النار حتى استيقظ من النوم فأكل منه.

فنام ابن خطل فلما استيقظ وجد الغلام لم يصنع ما أمر به، فأتى بالغلام فقتله ثم ارتد مشركا إلى مكة، وهذا يدل على أن هذا الرجل كان قلبه فاسدا وقتل هذا الرجل، يعني هذا الرجل لم يستطع أن يهرب من القتل، قتل في صحن الكعبة.

وكانت له قينتان، مغنيتان لهذا الرجل في مكة عبد الله بن خطل، وكانت له مغنيتان وكانتتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتلهما أيضا. وممن أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتله الحويرث بن نقيث، وهذا رجل كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ويهجوه.

ومن أمر بقتله النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أمر بقتل مقياس بن صبابا، وهذا مقياس بن صبابا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه قتل الأنصاري الذي كان قد قتل أخاه خطأ، يعني في رجل أنصاري قتل شقيق مقياس بن صبابا بالخطأ، فمقياس بن صبابا قتل هذا الأنصاري وعاد إلى مكة مرتدا.

إذا كان هو مسلم، لاحظوا كيف النبي عليه الصلاة والسلام كان يطبق، كم عدد المرتدين؟ كان يطبق الأحكام على أهل الردة، يعني كفار قريش الذين ما ارتدوا وإنما كانوا على كفرهم مقيمين، النبي عليه الصلاة والسلام عفا عن أكثرهم، لكن هؤلاء الذين أسلموا ثم ارتدوا، لا تظن الأمر فيه لعب، من دخل في هذا الدين ليس له أن يرتد عنه.

فهؤلاء ارتدوا وعادوا إلى ديارهم. طبعا بعضهم ارتد وبعضهم كما قلنا ما كانت مشكلة الردة وإنما كانت مشكلته شدة الأذى وهجاء النبي صلى الله عليه وسلم على لسانه جعلت النبي عليه الصلاة والسلام يأمر بقتلهم. وانظروا إذا أذية النبي عليه الصلاة والسلام أو شتمه تسفك الدم.

وليس الذي يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام يخرج بصفح وبعفو وخلص مشوها يا جماعة الخير والرجل تاب وأصلح شتم محمد صلى الله عليه وسلم اجمع فقهاؤنا وعلماؤنا على أن من سبه لا يستتاب بل يقتل وهذا حكم الله سبحانه وتعالى في من يؤذي حبيبه صلوات ربي وسلامه عليه. أيضا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتل امرأة كانت تهجوه ما هي سارة وكانت مولاة لبني عبد المطلب. وممن أهدر النبي عليه الصلاة والسلام أيضا دماءهم عكرمة بن أبي جهل.

عكرمة ما الذي حدث معه؟ عكرمة بن أبي جهل كما قلنا هذا رجل لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وإهدار دمه هرب إلى اليمن زوجته أم حكيم بنت الحارث أسلمت في فتح مكة وطلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمن عكرمة بن أبي جهل. فالنبي عليه الصلاة والسلام جبرا لخاطرها آمن لها زوجها فذهبت أم حكيم باتجاه اليمن وعرضت على زوجها الأمان وأخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم قد آمنك فعاد عكرمة بن أبي جهل وأسلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبح من فرسان الإسلام ومن شجعانهم الكبار واستشهد في معركة اليرموك وكان عكرمة بن أبي جهل دائما أمسك المصحف كتاب الله سبحانه وتعالى يقبله ويبكي ويقول كلام ربي كلام ربي.

انظر الإيمان لما تلامس بشاشته القلوب كيف يغير من هذه النفسيات من هذه الشخصيات. رجل معاند محارب لله ورسوله إلى رجل مؤمن، صاحب إيمانيات ورقائق وبكاء. فعلا هذا الإيمان أحبتي عجيب حينما يخالط القلب، يغير من الشخص تماما.

عبد الله بن خطل لمن قتله قتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه. مقياس بن صبابة قتل أيضا قتله نميلة بن عبد الله. رجل من قومه، المغنيتان اللتان كانتا تغنيان عند ابن خطل كما قلنا بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم قتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنها بعد ذلك وصفح عنها، وأما سارة أيضا فاستؤمن لها فأمنها النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت حتى زمن عمر بن الخطاب أي لحتّى خلافة عمر بن الخطاب ماتت تحت فرس يعني رجل وطئها بفرسه بالخطأ فماتت. الحويرث ولا أدري هل أسلمت أو لم تسلم يعني لم يذكر هنا شيئا عن ذلك ابن هشام رحمة الله عليه، الحويرث بن نقيد قتله علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

صفية بنت شيبة الآن تكمل لنا مشاهد فتح مكة وتقول عن صفية بنت شيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة واطمأن الناس انتهى الآن النبي عليه الصلاة والسلام بجحافله دخل مكة من الجهات الأربع لم يحدث قتال إلا في جهة واحدة، كان صفوان بن أمية ومجموعة من كفار قريش حاولوا أن يواجهوا الكتائب التي أتى بها خالد بن الوليد من إحدى الجهات الأربع. أحد قادة الجهات كان خالد بن الوليد، خالد بن الوليد لما أتى بكتائبه يريد أن يدخل مكة من إحدى الجهات خرج له صفوان بن أمية مع مجموعة من شباب قريش ومن كفار قريش ليواجهوه فحدث ترامي بالنبال وقتل البعض من كفار قريش لم يقتل من المسلمين وإنما قتل البعض من كفار قريش وانتهى المشهد سريعا يعني ما كان هناك قتال عنيف، تراشق بالنبال تلاحم يسير بالسيوف.

ثم بعد ذلك انتهى المشهد لأنهم في قضية الموضوع كان منتهي عند كفار قريش المسلمون أطبقوا على مكة تماما ودخلوا من جميع جهاتها، فانتهت هذه المناوشة سريعا. صفية بنت شيبة تخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام الآن خلاص استقرت أمور أهل مكة الآن ينتظرون ماذا سيفعل النبي عليه الصلاة والسلام. أهل مكة الذين حاربوا محمد عليه الصلاة والسلام قلبوا عليه الأحزاب، جمعوا الأموال، قاتلوه في بدر وأحد والمعارك، الآن ينتظرون ماذا سيحكم محمد صلى الله عليه وسلم فيهم، ها هو محمد عليه الصلاة والسلام يدخل فاتحا بجيوشه.

الجيوش محيطة بمكة كفار قريش جميعهم الآن أما في البيت الحرام واما شخص أغلق عليه باب بيته وينتظرون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم بعد كل هذا الاضطهاد والتعذيب والأذى كل هذه السنوات نحن أخرجنا محمد صلى الله عليه وسلم نحن الذين أذيناه نحن الذين حاربناه ماذا سيحكم فينا؟ انظروا ماذا تقص علينا صفية. النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل مكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت، أولا النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى البيت الحرام فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن أي الحجر الأسود بمحجن أي بعصاة في يده. فلما قضى طوافه دعا النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة لأنه كان معه مفتاح الكعبة وكان هذا الرجل قد أسلم، فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخل الكعبة.

فوجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم حمامة من عيدان يعني كأنهم صنعوا حمامة من عيدان من خشبة وضعوها في نصف الكعبة فكسرها النبي صلى الله عليه وسلم بيده وطرحها. ثم وقف على باب الكعبة قد اجتمع كفار قريش واجتمع الناس في مشهد تاريخي مهيب، النبي عليه الصلاة والسلام الآن واقف على باب الكعبة القائد الأعلى السيد الشجاع نبي هذه الأمة واقف على باب الكعبة وكل الناس اجتمعت عند قدمه صلوات ربي وسلامه عليه.

فهنا خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة وقال أمام الناس جميعا وهو يسمعهم هذا الكلام قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده». يذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهزيمة الأحزاب في يوم الخندق: «وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج».

كل ما سبق من أوضاع مكة ما بينكم من دماء وأموال وثأر كل هذه الأمور الآن انتهت نلغيها تماما ونفتح صفحة جديدة عهد جديد وهو العهد الإسلامي الذي سيحكم مكة المكرمة إلى قيام الساعة بإذن الله، والأمور التي أبقى النبي صلى الله عليه وسلم على أوضاعها القديمة موضوع سدانة البيت خدمة البيت وسقاية الحجاج هي التي ستتبقى على أوضاعها القديمة أمور خدماتية، أما ما يتعلق بالدماء والأموال وما كان بينكم يا أهل مكة انتهى الآن كل شيء ونبدأ صفحة جديدة تماما فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يركز على وضع القانون العام الذي سيحكم مكة من الآن فصاعدا.

يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء الناس من آدم وادم من تراب. في الحقيقة خطبة عظيمة جدا، تأصيل وتغيير في الأفكار وفي النفسيات، النبي صلى الله عليه وسلم جاء ليبين لجميع العرب ولجميع الأمم الناس من آدم وادم من تراب. في هذا الفتح في هذا المشهد في هذا الموقف نريد أن نرسخ قاعدة هذا الدين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]. عالمية هذا الدين عالمية هذه الرسالة يرسخها النبي صلى الله عليه وسلم في أول خطبة يخطبها وهو فاتح لمكة المكرمة، ما في فرق بين قرشي خزرجي أوسي هوازن غطفان الذي يجمعنا جميعا هو الدين.

لأن جزيرة العرب أحبتي كان النظام السائد فيها النظام القبلي وكل إنسان يسأل لقبيلته ويتعصب لها، النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المشهد المهيب يريد أن يكسر يفك كل هذه الأغلال التي كانت تغل العقل العربي والفكر السائد في جزيرة العرب أنه كل هذه الأغلال كل هذه الجاهليات كل الافتخار بالقبائل هذا كله الآن ينتهي وإنما يجمعنا رابطة واحدة رابطة الإسلام العظيم. هنا أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرابطة التي تحكم كل القبائل كل مسلم من شرق الأرض إلى مغربها ومن شمالها إلى جنوبها هي رابطة الإسلام كلكم من آدم وادم من تراب.

ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ هذا هو السؤال الذي ينتظره كفار قريش ينتظرون الإجابة عنه، ما ترون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيرا أنت أخ كريم وابن أخ كريم، يعني نحن لا نظن فيك إلا أن تفعل بنا خيرا فأنت أخ كريم وأباؤك وأجدادك كانوا كراما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم مقولته المشهورة وإن كان بعض أهل السير يضعف هذه الرواية بحد ذاتها لكنها اشتهرت وعرفت عند الناس، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم في هذا المشهد: اذهبوا فانتم الطلقاء.

وهذا إن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند ثابت فانه يدل على عظمة هذا النبي العظيم، هو عظيم عليه الصلاة والسلام في كل أحواله، لكن هذه العبارة إن ثبت سندها يدل على عظمة ومهابة وجلال في أخلاقه بأبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. كيف استطاع في تلك اللحظة أن يغض الطرف وأن يعض على الجرح وأن يتناسى تلك الجراحات تلك السنوات الطوال من التعذيب والاضطهاد له ولأصحابه ومحاولة قتله والمحاصرة في الشعاب والمقاتلة في بدر وأحد والأحزاب كل محاولات الغدر والخيانة، كل تلك الساعات الصعبة واللحظات المريرة، يغض عنها النبي صلى الله عليه وسلم الآن الطرف ليعلن أن هذا الدين لم يأت ليثأر لم يأت ليقتل وإنما أتى لينشر دينا لينشر الخير ويرسي قواعد الصلاح ويرسي قواعد السعادة للبشرية.

غض النبي صلى الله عليه وسلم الطرف عن كل هذه الأخطاء وقال فيما نسب إليه: اذهبوا فانتم الطلقاء. صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله كم كنت رحيما رؤوفا واسعا في قلبك واسعا في رحمتك رحيما بهذه الأمة تغض الطرف عن الأخطاء وتتجاوز وتصفح وتعفو حتى وأنت تملك وتستطيع أن تفعل، فصلى الله عليك يا رسول الله وزادنا حبا وشوقا وتعلقا وتأسيا وتشبت بمدرستك وبنهجك وبطريقك الذي رسمته لهذه الأمة.

ثم جلس النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب قال: يا رسول الله أعطنا مفتاح الكعبة. يريد علي بن أبي طالب أن يصبح أبناء أبي طالب هم الذين بيدهم حجابة الكعبة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: أين عثمان بن طلحة؟ يعني علي بن أبي طالب قال: يا رسول الله أعطنا مفتاح الكعبة. مفتاح الكعبة ممن أخذه النبي صلى الله عليه وسلم؟ أخذه من عثمان بن طلحة، فعلي يريد أن يدرك هذا الشرف له لأقاربه. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: يا علي أين عثمان بن طلحة؟ نادوا عثمان بن طلحة، فدعي له عثمان بن طلحة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء، لا يمكن يا علي بن أبي طالب أن نننقض عن هؤلاء القوم خدمة الكعبة هؤلاء ورثوها كابرا عن كابر واليوم يوم بر ووفاء أنا أخذت منه المفتاح أعيذه إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما جاء في حديث أنه لا ينزعه منكم إلا ظالم.

هذا المفتاح لا يجوز أن ينزع من هذه القبيلة، لذلك هو إلى هذه اللحظة في أيدي أبناء هذه القبيلة يتوارثونه جيلا بعد جيل. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة فطمس كل ما كان فيها من الصور من الأصنام ألقاها أزالها، كان هناك ثلاثمائة وستون صنما هدمها النبي صلى الله عليه وسلم أمام أعين كفار قريش وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].

إذا هذه أهم وأشهر المشاهد التي كانت في فتح مكة هذا الفتح المهيب العظيم الذي كان له ما بعده في تاريخ الإسلام. لا أريد طبعا هناك تفاصيل أخرى دقيقة في بعض الجزئيات لكن حتى نقتصر على أنفسنا الأوقات، لعلنا في المحاضرة القادمة نبدأ بذكر ما بعد فتح مكة من غزوة حنين وغزوة ثقيف وحصار الطائف. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيد علينا نسمات الانتصار والفتوحات وأن يجعلنا من أهل الثبات من أهل الجهاد من أهل الصبر إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.