تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (23) / غزة حنين وحصار الطائف

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح الأرجوزة المائية للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على رحمة للعالمين ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً فيه إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية؛ سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا وقائدنا ومعلمنا ومربينا وموجهنا سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. هذا النظم المبارك الذي نعيش في أفيائه وظلاله منذ شهور، ونحن نقف على سيرة محمد صلى الله عليه وسلم حدثاً حدثاً، ونحاول أن نستقي من ذلك المنهل، ونقف على أخلاقه وشمائله وهديه وسننه وأيامه وسياسته ومنهجه؛ لعلنا نقتفي ذاك الأثر ونستضيء بذاك النور في حياتنا.

في المحاضرة السابقة أحبتي، وصلنا إلى فتح مكة وعرفنا تفاصيل ذاك الفتح العظيم، الذي وضع فيه محمد صلى الله عليه وسلم لبنة أخرى جوهرية في بناء الدولة المسلمة، بعد اللبنة الأولى التي كانت في طيابة الطيبة؛ ها هي الآن مكة بعظمتها في جزيرة العرب تنضم إلى ركاب ورحاب هذا الدين العظيم. عرفنا ما حدث في فتح مكة، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهلها بكرمه وجميل صفاته وعفوه صلوات ربي وسلامه عليه، وعفا عنهم أو عن جلهم. وبدأ الناس في مكة يدخلون في دين الله أفواجا، وبدأ صناديد مكة الكبار المعاندون المحاربون ينضمون إلى افواج هذا الدين.

وإن كان كثير ممن أسلم في تلك الفترة أي ما يسمون تاريخياً بمسلمة الفتح، هؤلاء الذين أسلموا من أهل مكة في يوم فتح مكة، يسمون المؤلفة قلوبهم وكان اسلامهم غضا طريا. ورسخ إسلام كثير منهم مع مرور الأيام والمشاهد والمواقف. كان إسلامهم غضا طريا أكثرهم كان إسلامه من هذا النوع، وسنلحظ أثر هذا الإسلام الغض الطري في الموقف الذي سنشرحه اليوم بإذن الله؛ غزوة حنين. كيف أن السابقين للإسلام أصحاب السبق الذين تربوا وأخذوا فترة ممتدة في التربية على أيدي محمد صلى الله عليه وسلم، هم الذين ثبتوا في المشاهد الصعبة، وأما من كان اسلامه غضا طريا فانه تقلبت به الامور وتزحزحت به الافكار عند لحظات البلاء والشدة، لولا أن الله عز وجل ستر وكتب الثبات لهم.

فدعونا يا أحبتي ننظر اليوم في هذا المشهد، مشهد جديد وغزوة جديدة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تبعاً لفتح مكة مباشرة. وسبب هذه الغزوة غزوة حنين، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ذاك المشهد المهيب، وسمعت العرب كلها أن محمد صلى الله عليه وسلم الآن هو الذي يحكم مكة بقدسيتها وما لها من مكانة وحظوة في جزيرة العرب، بدأ رجل يسمى مالك بن عوف، رجل يسمى مالك بن عوف من قادات قبيلة هوازن، بدأ يجمع الصفوف ويجمع الأحلاف لمواجهة محمد صلى الله عليه وسلم. أدرك مالك بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يكتفي بالوقوف عند حد مكة، وأن هذا النبي العظيم يريد أن ينشر هذا الدين في أنحاء جزيرة العرب كلها، فلابد وأن الخطوة القادمة ستكون منه أن يغزو على هوازن ومنطقة ثقيف الطائف وما حولها، فهذا الرجل أراد أن يستبق الأمور ويجهز الأحلاف ويستعد هو ويبادر هو لمحاربة النبي العظيم.

إذا مالك بن عوف كما قلنا أخذ يجمع الأحلاف ويجهز الجيوش ويجمع من يستطيع أن يجمعه من العرب لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يدرك أن هذا النبي العظيم لن يقف عند حدود مكة، صاحب رسالة صاحب فكرة صاحب منهج صاحب دعوة، يريد أن يظلل هذه الجزيرة بل يريد أن يظلل بدعوته أرجاء الأرض. إذا دعونا ننظر ابن هشام كيف سرد لنا هذه القصة؛ قصة حنين قصة عجيبة وفيها العديد من العبر، وما يتبعها من محاصرة الطائف، قصة أحبتي مليئة بالعبر والأحكام والفوائد، وقد قصها الله عز وجل علينا في كتابه أو قص علينا طرفاً منها في كتابه في سورة التوبة: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 25-27].

يقول ابن هشام في سرده لأحداث هذه الغزوة التي هي من أحداث العام الثامن من الهجرة بعد فتح مكة بأيام كانت في شهر شوال: لما سمعت هوازن، قبيلة مشهورة في العرب قبيلة هوازن، برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة معها مالك بن عوف النصري، بدأ كما قلنا مالك بن عوف يجمع هذه القبيلة وما حولها من الأحلاف. فاجتمع إليه بالإضافة إلى قبيلة هوازن قبيلة ثقيف التي كانت تسكن الطائف، واجتمعت إليه قبيلة نصر وجشم، واجتمع إليه أيضاً بنو سعد بن بكر، وناس من بني هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء؛ يعني قيس عيلان عدة أفخاذ، بعض أفخاذها انضم إلى مالك بن عوف، البعض لم ينضم إليه.

وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن؛ هناك فخذان من قبيلة هوازن لم يشهدا هذه الحرب، وهو فخذ ينسب إلى رجل منهم قديم يسمى كعب، وفخذ لرجل قديم منهم يسمى كلاب. هذان الفخذان أبناء كعب وأبناء كلاب من قبيلة هوازن لكنهما لم يشهدا الحرب، ولم ينضما إلى مالك بن عوف. إذا مالك بن عوف جمع ما استطاع أن يجمعه: ثقيف، قبيلة نصر، قبيلة جشم، أبناء كما قلنا سعد بن بكر، أبناء من بني هلال، وأيضاً غاب عنه كثير. المهم كان هناك عدد كبير في النهاية، يعني مع كل هذه الجموع في النهاية استطاع مالك بن عوف أن يجمع عدداً كبيراً من المحاربين من المقاتلين.

وساق معه النساء والاطفال والبهائم بأنواعها الإبل والغنم، حتى يثبت المقاتلين في المعركة ويحفزهم للقتال لآخر لحظة ليحموا أعراضهم وأموالهم؛ هذا كان قصد مالك بن عوف: النساء والذراري والاطفال والبهائم معه، حتى يثبت محاربيه في المعركة لئلا يفر الرجل. هو ظن مالك بن عوف أن الإنسان إذا أصابه خوف أراد أن يهرب فتتذكر نساؤه وأطفاله وماله سيثبت ويبقى يقاتل إلى آخر رمق. لكن هذه الفكرة والتي بين له خطأها رجل معه من حكماء العرب يقال له دريد بن الصمة.

دريد بن الصمة هذا رجل من بني جشم، هذا رجل من قبيلة جشم التي شاركت مع مالك بن عوف في المعركة. دريد بن الصمة أو ابن الصمة البعض يقول كان أو أتى في هذه الحرب مع مالك بن عوف وحضرها معه. أثناء التجهيزات مالك بن عوف للمعركة كان دريد بن الصمة حاضراً، وكان هذا الرجل من حكماء العرب ورجل كبير مسن، وكان ضريراً؛ يعني جمع أنه ضرير، وهو كبير مسن لا يستطيع القتال، أصالة منه من الحكماء الذين تبرك بهم العرب. وكان حاضراً كما قلنا أتى مع قبيلة ليشارك مع مالك بن عوف ويشهد هذا المشهد المهيب.

يقولون لما أجمع مالك بن عوف السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بمنطقة تسمى أوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد، دريد كان على هودج يقاد به؛ يعني الناس تقود رجل أعمى كبير مسن، وفقط كما قلنا حاضر ليثبت الناس ليرفع معنويات الجيش. المهم فلما نزل، قال دريد بن الصمة لمن حوله ممن يبصرون: بأي واد أنتم نزلتم؟ فقالوا: نحن الآن نزلنا بأوطاس. دريد بن الصمة يعلم هذه المنطقة ويعلم تفاصيلها فقال: نعم مجال الخيل؛ يعني منطقة مميزة، لا حزن ضرس ولا سهل دهس؛ يعني هذه المنطقة ليست حزن، منطقة ثقيلة صعبة وعرة راس المسلك ذات هضاب وعرة، وليست أيضاً منطقة سهلية تنزلق فيها الخيول، وإنما هي منطقة متوسطة التضاريس، لا هي حزن ضرس ولا سهل دهس تثبت فيه الخيول لكنها ليست وعرة.

ثم يقول لهم دريد: ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء؟ كما قلنا دريد حاسة الإحساس عنده هي السما؛ لأنه لا يبصر، فيقول للقوم: لماذا أسمع صوت البهائم والأطفال والنساء في الجيش؟ ماذا يحدث؟ فقال له قومه: لقد ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبنائهم. هنا دريد غضب وقال: أين مالك؟ قيل: هذا هو مالك. فدعي له مالك فأتى فقال: يا مالك، انك قد أصبحت رئيس قومك، وأن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام؛ يعني يا مالك هذه المعركة التي ستقودها معركة حاسمة لها ما بعدها من الأيام سواء انتصرت أو هزمت، هي ستكون حاسمة في تاريخك وفي تاريخ قومك.

فما لي أسمع يا مالك رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء؟ فقال مالك: سقت مع الناس أموالهم ونساءهم. فقال له دريد: ولم ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم؛ يعني أردت أن كل محارب يعرف أنه خلفه نساؤه وذراريه وماله، يعرف أنه إذا انهزم ستسبى النساء والذراري وستذهب الأموال، فيكون وجود الذراري والنساء سبب مثبت لهم للقتال للحظات أخيرة. هنا انقض عليه دريد؛ يعني بدأ يتهجم عليه ويغضب ويصرخ عليه وقال: راعي ضأن والله؛ يعني أنتم مجرد راعي ضأن، فكرتك قائد محنك، وإنما أنت رجل فيك سذاجة! راعي ضأن والله. وهل يرد المنهزم شيء؟ يعني الإنسان إذا خاف ووصل الرعب وبلغت القوة إلى قلبه وبلغت القلوب الحناجر، هل تظن أنه سيحمي نساءه وأطفاله ولا سيفكر في نجاة روحه؟ ما في انسان يحمي نساءه وأطفاله إذا بلغت القلوب الحناجر، الكل يفر.

وحينئذ تسبى النساء والذراري وذهب العرض والشرف إن كانت لك، يعني إن انتصرت في المعركة يا مالك لم ينفعك إلا رجل بسيفه وبرمحه، الذي ينفعك السيف والرمح، وإن كانت عليه، يعني إن انهزمت في المعركة فضحت في أهلك ومالك؛ دخلت عليك الفضيحة لأن أهلك ومالك أصبحوا في السبي. ثم قال ثم بدأ دريد يخاطبهم ويقول: ما فعلت كعب وكلاب؟ كعب وكلاب كما قلنا هما فخذان من قبيلة هوازن، فخذان من قبيلة هوازن لم يشاركا في هذه المعركة. فدريد يسأل عن هذين الفخذين فيقول: ما فعلت كعب وكلاب؟ فقالوا له: لم يشهدوا معنا المعركة.

فقال: غاب الحد والجد؛ يعني هؤلاء أصحاب الحزم والقتال غابوا عنكم، ولو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب. لو كان هذا اليوم يوم علاء ورفعة لشاركوكم، لكن كعب وكلاب كانوا أذكى منكم، عرفوا أنه لا مجال لمواجهة هذا الرجل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه الآن في نشوة الانتصار ومعه عدد ضخم كبير، كما سيأتي معنا مع النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر ألف مقاتل الآن عدد ضخم كبير مجهز. فهذه القبائل أو هذه الافخاذ غابت لأنها تدرك أنه لا مجال لمواجهة هذا الرجل في هذه اللحظة.

ثم قال لهم دريد: وددت أنكم فعلتم كما فعلت كعب وكلاب؛ يعني كنت أتمنى أنكم كنتم عقلاء فلم تخوضوا أصالة هذه المعركة. كأن دريد بن الصمة كان يستشعر أن هذه المعركة نهايتها الهزيمة لهوازن، وستكون هناك فضيحة كبيرة، وهو لا يريد لقومه أن يصابوا بهذا العار. ثم قال بدأ يقول لهم: من شهدها منكم؟ طب من الذي حضر؟ بما أن كعب وكلاب غابت، من الذي حضر؟ فقالوا: حضر عمرو بن عامر وأبناء عوف بن عامر. فقال: كذلك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران؛ يعني هذان الرجلان لا ينفعان ولا يضران بمن معهم، ما فيهم فائدة.

يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة، بيضة هوازن، إلى نحور الخيل شيئاً. عاد ليعاتبه في قضية تقديم النساء والاطفال: يا مالك أعد النساء والاطفال إلى البيوت وإلى الحصون، لا تقدمهم في المعركة، ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثم ألق الصبا، الصبا يقصد بها الصابئة وهذا اسم كان يطلاه الكفار على المسلمين؛ دريد يقول لمالك: ألق الصبا؛ يعني الصابئة اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، على متون الخيل. فإن كانت لك لحق بك من وراؤك؛ يعني إن انتصرت لحقك الجميع، وإن كانت عليك وهزمت الفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك؛ يعني هربت ولم يضيع عليك أهلك ولا مالك.

هنا مالك أخذته العزة بالإثم وقال لدريج: والله لا أفعال ذلك، إنك قد كبرت وكبر عقلك؛ يعني أنت أصبحت شيخاً كبيراً عجوزاً ولا تدرك تفاصيل الحروب وكيف تستثير الناس وكيف تقود الناس؛ كبرت وكبر عقلك فدعنا منك ومن نصائحك ومن حكمتك، والله يا هوازن لا تطيعونني لأتكلن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري؛ أو بينتحر، هو الآن يريد أن يقنع قومه باتباعه. هو الآن يريد أن يقنع قومه باتباعه بهذه المقولة، فقال لهم: أما أن تتبعوني أما أن أنتحر وأضع هذا السيف على صدري فيخرج من ظهري.

الآن القوم أفقوا عليه وهذا زعيمهم وقائدهم في هذه المعركة، فقالوا: يا مالك سنتبعك ونرضى بحكمك يا مالك سنتبعك ونرضى بحكمك. فاتبعوا هذا الرجل في رأيه فجلب لهم الوبال، كما سيظهر معنا في تفاصيل المعركة.

ولو أنهم ردوا على دريد كان دريد حكيما مصيبا غاية الإصابة في رأيه، لكنهم اتبعوا هذا الشاب الأهوج ابتداء، فهذا الذي حدث له. ثم أصبح مالك بن عوف رضي الله عنه صحابيا بعد ذلك كما سيأتي معنا في التفاصيل.

فقال دريد بن الصمة لما رأى القوم أرادوا أن يتبعوا مالكا على رأيه: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني؛ يعني أنا هذا اليوم ما لي علاقة به، أنا أديت رأي، أبديت وجهتي في هذا الموضوع وبينت الصواب، فأنا لم أشهد ما بأعتبر نفسي معكم في هذه القضية، لكنه في نفس الوقت لم يفتني لأني ساعلم في النهاية ما الذي سيحدث من الأحداث.

ثم قال مالك للناس الآن مالك بن عوف ده مع الناس جمع القوم معه وقال لهم: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد. مالك يعطي توجيهاته العسكرية لقومه: إذا رأيتم محمدا صلى الله عليه وسلم وصحبه، اكسروا جفون السيوف. يعني القتال سيكون للنهاية، لا مجال لإعادة السيوف مرة أخرى. اكسروا جفون السيوف ثم شدة رجل واحد، نكسر محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه وينتهي الأمر.

الآن كل هذه التجهيزات في معسكر هوازن بقيادة مالك بن عوف، النبي صلى الله عليه وسلم سمع بمسيرهم وأنهم اجتمعوا وتألبوا عليه، فأرسل رجلا من أصحابه يسمى عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي. أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الرجل الصحابي الجليل رضي الله عنه أن يدخل عينا على جيش هوازن، أمره أن يدخل في جيش هوازن وينظر التفاصيل والأعداد ومن القادة وكيف هم يسيرون في هذه المعركة وأين سيعسكرون، ثم يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره الأخبار.

فعلا ذهب ابن أبي حدرد فدخل فيهم فأقام معهم حتى علم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع من مالك ومن أمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل وعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر. الآن النبي عليه الصلاة والسلام وصلت له الأخبار أن هناك معركة يجهز لها هوازن وأنهم بدأوا المسير، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف عليه الصلاة والسلام الكسل ولا الراحة.

مباشرة أمر أصحابه أن يستعدوا لجولة أخرى من القتال، وانظروا الصحابة كيف دائما منقادين لأوامر محمد صلى الله عليه وسلم؛ الاستجابة المطلقة الانقياد الكامل لأوامر القائد الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه. ما قالوا يا رسول الله نحن حديثا انتهينا من فتح مكة ونريد أن نستريح، ودع المعركة لجولة أخرى. مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم أوامر تجهيزات عسكرية، هناك معركة قادمة الكل يتجهز، الكل يستعد، الكل يتبع هذا القائد الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه.

انظروا الاتباع انظروا الانقياد ما في مناقشة ما في تذبذب، ما هناك إنسان من الصحابة الكرام ممن رباهم محمد صلى الله عليه وسلم تضعف إيمانياته عن القتال ويقول يا رسول الله دعنا نستريح. الكل يتبع محمد صلى الله عليه وسلم ولو خاض بهم البحر لخاضوه معه رضي الله تعالى عنهم. النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن عدوا للمعركة وامرهم بالتجمع والتجهز.

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك رجل من صناديد مكة الذين لم يسلموا بعد وهو صفوان بن أمية، صفوان بن أمية لم يسلم بعد في تلك اللحظات، لكنه أسلم بعد أشهر قليلة منها. صفوان بن أمية أحد صناديد مكة ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا الرجل عنده أسلحة وعتاد، فدعنا يا رسول الله نأخذ منه الدروع.

فالنبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى صفوان بن أمية ليستعير منه الدروع والأسلحة، الظاهر كان هناك قلة في السلاح أو هناك عدد الكبير من المنضمين للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة فيحتاج إلى أن يتزود لهم بالسلاح والدروع. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك فقال: يا صفوان، أعرنا سلاحك هذا حتى نلحق به عدونا. فقال صفوان: أغصبا يا محمد صلى الله عليه وسلم؟ يعني هل تجبرني إجبارا على أن أعطيك السلاح؟

فالنبي عليه الصلاة والسلام كان قادر أن يأخذه منه بالغصب، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم كيف يداري الرجال، إن هو هدفه في النهاية أن يدخل هذا الرجل في الإسلام، ليس هدفه مناكفات جانبية؛ نعم خذه غصبا عنك لم يكن هذا هدف محمد صلى الله عليه وسلم. عليه الصلاة والسلام يعرف كيف يدخل على القلوب، فقال: بل عارية مضمونة يا أبا أمية، يعني هي عارية سنردها عليك وليس غصبا. اشترى قلب النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك بعد أشهر أسلم هذا الرجل وانضم إلى ركب الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنه، فأعطاه مائة درع بما فيها من السلاح، فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها ففعل.

يعني النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أيضا أن يأتي بدواب تحمل هذه الدروع وهذه الأسلحة إلى أرض المعركة، ففعل صفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه. خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه المعركة معه ألفان من المسلمين الجدد وعشرة آلاف من الصحابة الكرام الجيل القديم الذي أسلم قبل الفتح تربى على أيدي محمد صلى الله عليه وسلم.

وانظروا هذا التفصيل لأن هذا التفصيل مهم؛ ألفان من مسلمة الفتح هؤلاء كما قلنا كان إيمانهم غضا طريا، يعني أسلموا من مهابة الموقف من جلالة محمد صلى الله عليه وسلم، بعضهم أسلم خوفا على نفسه، فلم يكن الكل إسلامه قوي من مسلمة الفتح، وإنما قوي إسلامه مع مرور الأوقات، ولما صارعوا وقارعوا في النوازل ذاقوا لذة الإيمان ولامس هذا الإيمان بشاشة القلوب، حينئذ يتمكن ويستحكم الإيمان في القلوب، وليس مجرد الإيمان الأول الذي كان بدهشة أو خوف هو الذي يحكم الإيمان في القلب.

لا بد من تربية، وأنا لذلك أركز على هذه القضية، قضية التربية؛ كيف الجيل الذي تربى مع محمد صلى الله عليه وسلم في مكة وفي دار الأرقم وعاشوا الصعاب والتعذيب والمحن، أسلموا في فترات البلاء الشديد والضيق؟ هذا الجيل هو الذي صبر في أحلك اللحظات مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى النهاية.

لكن من يسلم في النعيم والحياة المترفة ولا يشعر ببلاء الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى ولا يتعب ولا ينصب من أجل هذا، هذا وإن كان إيمانه صحيحا لكن يبقى غضا طريا لم تعركه التجارب ولم تحكمه صروف الحياة الدعوية، فينبغي للإنسان المسلم أن يثبت الإيمان في قلبه وأن يعرف وسائل التثبيت لهذا الإيمان، كيف بيكون بتدبر القرآن، بمصارعة الهوى والشيطان في الخلوة مع الله سبحانه وتعالى.

إياك أن تركن على أنك مؤمن وتقف، يعني أنا الحمد لله مسلم عشت مع أب مسلم وأم مسلمة إذا الحمد لله الإيمان قد أحكم في قلبي، لا إياك أن تستعجل في هذا الحكم على نفسك، عليك أن تراقب هذه الخطرات وأن تراقب النفس وأن تسعى إلى تثبيت الإيمان وزيادة الهدى وزيادة الاتباع وأن يكون هناك محاسبة مستمرة للنفس.

عمر بن الخطاب يحاسب نفسه وهو في خلافته بعد أن عاش مع النبي صلى الله عليه وسلم أحلك اللحظات وخاض الغزوات واستمر يقاتل إلى آخر أنفاس حياته وهو خليفة، لعل المسلمين هو يحاسب نفسه وهو يخشى على نفسه النفاق، فمن نحن أحبتي حتى نشعر بأننا قد تم إيماننا وبلغنا الغاية العليا وانه لا يمكن أن نتعرض للفتن وأن تزل الأقدام؟ إياكم أن تصلوا إلى الاطمئنان والركون.

الإنسان المؤمن يبقى خائفا على نفسه من أن تزل قدمه، ودعاؤه دائما: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].

إذا نعود إلى أجواء المعركة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله عز وجل بهم مكة، فكان عداد الجيش اثني عشر ألفا، عدد ضخم كبير، أول مرة النبي صلى الله عليه وسلم يدخل المعركة بهذا العدد.

هنا دخل العجب على قلوب بعض الصحابة وقالوا: لن نهزم اليوم من قلة. بعض الصحابة لما رأوا العدد الكبير الضخم اثنا عشر ألفا تتكلم أنت من المحاربين الأشداء مع محمد صلى الله عليه وسلم، بعض الصحابة دخل في قلبه العجب وقال: لن نهزم اليوم، يعني اليوم سيكون نصر حاسم لأن عددنا كثير.

علقوا النصر على العدد، فمن هنا جاءت الهزيمة ابتداء لولا أن الله عز وجل رحمهم وأنزل السكينة على رسوله وعلى المؤمنين لكانت نتائج المعركة وخيمة. دعونا ننظر في التفاصيل.

النبي صلى الله عليه وسلم غادر مكة الآن واستعمل عليها رجلا من مسلمة الفتح، انظروا الدهاء الكبير من محمد صلى الله عليه وسلم حتى في اختيار القادة. الآن النبي عليه الصلاة والسلام فتح مكة لم يستعمل على مكة، لأن هو خرج بجيشه باتجاه هوازن باتجاه الطائف، فلما أراد أن يخرج الآن مكة تحت حكم النبي عليه الصلاة والسلام، لابد وأن يخلف عليها أميرا يقضي شؤون الناس.

هل استعمل النبي عليه الصلاة والسلام رجلا من الأنصار أو من الخزرج من الأوس من أهل المدينة على مكة؟ ما فعل ذلك، لأنه يدرك عليه الصلاة والسلام أن أهل مكة سيانفون من ذلك، حتى وإن كانوا أسلموا لكن إسلامهم غض طري، ما في مجال استخدام رجل الآن من مدينة أخرى أو من بلد آخر ليطون حاكما عليهم، استعمل عليهم رجلا من قادتهم ممن أسلموا يوم الفتح، رأى رجلا يسمى رضي الله عنه عتاب بن أسيد.

هدم مسلمة الفتح وكان من سادات قريش ومن صناديدها، فعتاب بن أسيد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم، ما انتبهوا على اسمه عتاب بن أسيد، احنا عادة أسيد أسيد نقول، لكن هذا اسمه عتاب بن أسيد. استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مكة قائدا عليها وذهب بمن معه باتجاه هوازن باتجاه منطقة الطائف.

الحارث بن مالك أحد الذين شهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الغزوة وكان من مسلمة الفتح أيضا أسلم حديثا، يخبر عن أثر الإيمان الضعيف الذي كان في مسلمة الفتح كيف تجسد ذلك في بدايات غزوة حنين. يعني من بدايات غزوة حنين الإيمان الضعيف تجلى في عدة مواقف.

أول موقف يقول الحارث بن مالك: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديث عهد بجاهلية، يعني أسلمنا حديثا في فتح مكة، فسرنا معه إلى حنين، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط. هناك شجرة كان كفار قريش يعظمونها ويتقربون إليها تسمى ذات أنواط ويتبركون بها، شجرة يعظمونها ويتبركون بها يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها.

انظروا الإشكاليات؛ الذبح عند هذه الشجرة والاعتكاف عندها وقارنوا بين هؤلاء الذين يذبحون اليوم للقبور وللأولياء وللسادات كما يزعمون، هو فعل كفار قريش بالضبط، هم كانوا يأتون إلى شيء لم يعظمه الله سبحانه وتعالى ولم يأمر بالذبح عنده فيتخذونه مكانا معظما يذبحون له ويعكفون عنده ويتعبدون له.

فيقول الحارث بن مالك: ونحن سائرون مع النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه الطائف مررنا على هذه الشجرة التي تسمى ذات أنواط، وكان كفار قريش وقبائل عديدة من العرب يعظمون هذه الشجرة كما قلنا ويتقربون عندها وإليها. فلما مررنا بها، مسلمة الفتح الذين كانوا حديث عهد بجاهلية كما قال الحارث بن مالك، حنوا إلى تلك الأيام، حنوا إلى مثل هذه الأفعال الشركية الخاطئة، فماذا قالوا؟

فقلنا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. يعني يا رسول الله نحن نحب أن يكون عندنا شجرة أنت تحددها لنا نسميها ذات أنواط نتقرب إليها كما تفعل قريش وكثير من قبائل العرب لهذه الشجرة التي مررنا بها.

فالنبي صلى الله عليه وسلم تعجب من قولهم وقال: «الله أكبر، والذي نفسي بيده لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138]».

بنو إسرائيل لما نجاهم الله عز وجل من فرعون وموسى قطع بهم البحر مروا في مسيرهم على قوم يعبدون الأصنام. يعني انظروا الآن بنو إسرائيل خرجوا من فتنة فرعون ونجاهم الله عز وجل من كل هذه الفتن ومن كل هذه الظلمات، وهم سائرون مروا بقوم يعبدون الأصنام، فقالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلة، يا موسى اتخذ لنا صنما نعبده ونتقرب إلى الله كمال هؤلاء القوم، أصنام يتقربون بها إلى الله، فقال لهم موسى: إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون.

فالنبي صلى الله عليه وسلم تفاجأ من هؤلاء القوم حينما طلبوا منه هذا الطلب وقال: «والله لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل». الآن أنتم أسلمتم ودخلتم في دين الله والله نجاكم من الشرك، فإذا أنتم تطلبون مني أن أفعلك أفعالا من الشرك وأن أتخذ لكم شجرا تذبحون لها وتتبركون بها وتعلقون أسلحتكم عليها وتعكفون عندها سجدا وقياما! هذا والله أشرك بعينه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله انها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم»؛ يعني ستتبعون سنن من كان قبلكم اليهود والنصارى، فما دخلوا جحر ضب إلا ودخلتموه. وهذا هو حالنا اليوم للأسف، نتبع اليهود والنصارى في كل ما يحدثونه من تحريفات وموضات ومفاسد وانحرافات وتعري وفجور. ولنا أن نظهر تميزنا بديننا وقيمنا وأفكارنا وحضارتنا. هذا ما تطلعه النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه بخبر الله عز وجل له أن هذه الأمة ستحذو حذو الأمم السابقة. قالوا: اليهود النصارى يا رسول الله؟ قال: «فمن». بالتأكيد ستتبعون اليهود والنصارى وتنحرفون عن منهج محمد صلى الله عليه وسلم، إلا تلك الثلة الصابرة المتمسكة بالعلم الشرعي المواظبة عليه، التي تحرى حكم الله عز وجل وتعض عليه بالنواجذ.

إذاً، هذا المشهد يدل كما قلنا على أن مسلمة الفتح ما زال إيمانهم غضا طريا وما زال عندهم بعض الجاهليات التي لا تنتفي إلا بمرور الأيام وأن يدعكوا بالمحن والبلاء. جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه كان ممن شهد معركة حنين، يخبرنا عن التفاصيل وإلى أين آلت: يقول تحرك جيش النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصلنا إلى وادي يسمى وادي قنين، حتى إذا انحدرنا في هذا الوادي. الآن هوازن بقيادة مالك بن عوف كانت سبقت النبي صلى الله عليه وسلم إلى وادي حنين، تمركزت تخبأت خلف الصخور وخلف الجبال، وكان الوقت في آخر الليل. كان الوقت في آخر الليل، الليل دامس.

مالك بن عوف قائد عسكري محنك، صحيح هو أخطأ الخطأ الكبير بجلب النساء والأطفال معه، لكنه رجل حرب؛ فانتظر مالك بن عوف حتى يدخل جيش المسلمين في وادي حنين في آخر الليل والدنيا ظلماء، ليطلق إشارة البدء لجنوده ليبدأ إطلاق السهام والنبال، وتكون شدة رجل واحد على الجيش الإسلامي. جابر بن عبدالله يعطينا هذه اللحظات الأولى وكيف عاشها الصحابة، لحظات خوف شديد. يقول جابر: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا ما في هذا الوادي وفي عماية الصبح، يعني ما زلنا قبل أن يشرق الصبح بدقائق أو بنقول السويعات الأخيرة قبل أن يشرق الصباح في آخر الليل، وهذه كما قلنا لحظات عتمة وجيش المسلمين لم يكن منتبها إلى تمركز قوات مالك بن عوف خلف الصخور وخلف الجبال في تلك المعركة. وقال: وفي عماية الصبح وكان القوم أي قوم مالك بن عوف قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه.

كانوا متخفيين في أرجاء هذا الوادي وفي مضايقه وفي زواياه، مستعدون تمام الاستعداد للانقضاض على جيش المسلمين وقد أجمعوا وتهيأوا وأعدوا. يعني القوم كانوا مستعدين تماما للمعركة. جيش الصحابة كما قلنا كان هناك زهو بالعدد الكبير، ما كان هناك حسابات دقيقة فكانت المفاجأة. قال: فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، تمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد. يعني ما تفاجأنا إلا وكتائب جيش هوازن تنقض علينا من اليمين والشمال، النبال السهام والكتائب بدأت تجول في صفوف المسلمين بالسيوف.

فحدثت بلبلة كبيرة جدا في داخل الصف الإسلامي وبدأ الهروب، وبدأ الناس يذهبون هنا وهناك، والكل يحاول أن ينجو بنفسه. انظروا إذاً، إعجاب النفس إلى أين قاد؟ لم يعد إلى انتصار؛ في البداية كان العدو متمركز متمكن أحكم تفاصيل المعركة، فاستطاع أن ينقض على جيش المسلمين في بداية الأمر وأن يحدث شرخا كبيرا. كيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقلب موازين المعركة لصالحه؟ ابن هشام سيكمل السرد: انحاز النبي صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ثم بدأ يصرخ: أين أيها الناس؟ هلموا إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله. بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعزز الثقة في قلوب المسلمين، يذكرهم بالله سبحانه وتعالى، يرفع الإيمانيات ليعودوا إلى أجواء المعركة ويستيقظوا من هذه الضوضاء ومن هذه الدهشة.

فانطلق الناس والناس ما زالوا يهربون، إلا أنه قد بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين ومن الأنصار ومن أهل بيت الرعيل الأول، طائفة من الرعيل الأول من المهاجرين من الأنصار من أهل بيته الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم على عينه، اعتنى بصناعة قلوبهم وأفئدتهم وأرواحهم، ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الضوضاء ووقفوا معه يحرسونه. قال ابن إسحاق: لما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن.

يقول ابن إسحاق يسرد لنا: لما بدأت بوادر الهزيمة على الجيش الإسلامي تظهر، مسلمة الفتح ومن كان إيماناهم غضا طريا الذين أسلموا في يوم الفتح، هؤلاء في تلك اللحظات تزعزعت نياتهم وبدأوا يتحدثون بما في قلوبهم؛ لأنه كما قلنا لم يكن الإيمان قد رسخ في قلب فريق منهم، وإنما بعضهم أسلم خوفا من قتل النبي صلى الله عليه وسلم له أو أن وضع في الأمر الواقع أو استحياء أو ما شابه ذلك، وليس رسوخا في الإيمان. هذه هي التي بدأت أو يظهر منها كلمات من هنا وهناك تدل على أن الإيمان لم يستحكم في قلوبهم بعد.

منهم مثلا سيدنا أبو سفيان بن حرب، كما قلنا ما زال على الرغم من كل تلك المشاهد التي شاهد جحافل المسلمين وهي تدخل مكة، ما زال كسيد من سادات مكة ما زال في تلك اللحظات في قلبه شيء. فقال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. أبو سفيان بن حرب يقول: هذه المعركة انتهت وجيش محمد صلى الله عليه وسلم سيبقى يلوي ويطارد ويهرب حتى يصل البحر. معركة محسومة واضحة هزيمة! انظر كيف يعني فيها إشارة إلى أن أبا سفيان بن حرب كما قلنا ما زالت ثقته بالنبي صلى الله عليه وسلم في تلك اللحظات لم تصل إلى أعلى الدرجات.

رجل آخر من مسلمة الفتح يقال له جبلة بن الحنبل قال: ألا بطل السحر اليوم. رجل آخر اسمه شيبة بن عثمان يقول اليوم، انظر هذا الرجل من مسلمة الفتح لكن ما زال قلبه فيه إشكال. فانظروا كيف ثبت الله الإيمان في قلبه، هذا الرجل شيبة بن عثمان بن مسلمة لما رأى البلبلة قال: اليوم أدرك ثأري من محمد. يعني هو مسلم لكن أو أسلم نقول يوم الفتح لكن قلبه مليء على النبي عليه الصلاة والسلام، يريد أن يقتله، له أن ينقض عليه. فهو ضمن هذه البلبلة قال: الآن سأدرك ثأري من محمد وأنقض عليه.

قال: فادرت برأسي إلى محمد صلى الله عليه وسلم لأقتله. أراد أن يستغل الفرصة والبلبلة يريد أن يقترب من النبي عليه الصلاة والسلام وهو مسلم وفي صف المسلمين يريد أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك، يعني لما اقتربت من النبي صلى الله عليه وسلم شعرت أن هناك شيء عظيم جدا يجثم على فؤادي وعلى قلبي، لا أقدر على أن أقترب منه، لا أقدر على أن أرفع السلاح دونه. فقال: فعلمت أنه ممنوع مني، علمت أن هذا الرجل لا ليس بالوضع الطبيعي الذي يكون مع أي رجل من رجالات العرب، هذا رجل ممنوع من السماء محفوظ. وهذا كان سببا في تثبيت الإيمان في قلبه.

إذاً، مسلمة الفتح هذا مشهد آخر ظهر فيه الزعزعة في قلوبهم وكيف أصبحت هناك بلبلة. مباشرة مع هذه البلبلة بدأ أو بدأت الألفاظ والكلمات التي تدل على ضعف الإيمان تخرج من أفواههم. العباس بن عبد المطلب كان حاضرا هذا المشهد يخبر ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم أيضا في تلك اللحظات، يقول: إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة بغلته البيضاء. العباس كان ثابتا في تلك المعركة، كان بقرب النبي عليه الصلاة والسلام وكان يأخذ بحكمة بغلته البيضاء، يعني يأخذ بالحبل الذي لبغلة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: وكنت امرأ جسيما شديد الصوت، رجل ضخم العباس وكان صوته مرتفع جدا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟ أين تذهبون؟ يتكلم مع الصحابة. فلم أر الناس يلوون على شيء، بيضاء مخيفة، قتل كبير وقع في تلك اللحظات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عباس. صرخ النبي صلى الله عليه وسلم، عرف كيف يجلب أصحابه الذين هربوا أو أصابهم الرعب في تلك اللحظات، كيف يعيد تثبيت الإيمان في قلوبهم؟ وكان يركز على الأنصار والمهاجرين، يعني بعض الأنصار وبعض المهاجرين أيضا كان في بلبلة وكان في هروب يمين وشمال.

فالنبي صلى الله عليه وسلم عرف كيف يأتي بهؤلاء القوم ويعيدهم ليلتفوا حوله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عباس اصرخ به: يا معشر الأنصار! كلمة الأنصار كانت كلمة محفزة للأوس والخزرج. النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس: يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب بيعة الرضوان، يا أصحاب سورة البقرة. انظروا ينادي بالقرآن، ببيعة الرضوان، بالأنصار الذين ناصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه كلمات بالنسبة للرعيل الأول كلمات فخمة جدا عالية جدا، يناديهم بأشرف الأشياء، المواقف العظيمة ويذكرهم بالله سبحانه وتعالى ويذكرهم بكتاب الله، بالشهادة في سبيل الله، بالثبات على هذا الدين.

الآن هذه الكلمات أصبح العباس ينادي بها في تلك اللحظات بصوته الجهوري بصوت عال، وبدأت هذه الكلمات تذهب إلى آذان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وصلت هذه الكلمات ولامست إسماع الأنصار وإسماع المهاجرين الأوائل، فبدأت المشاهد العظيمة تظهر الآن. انظروا ماذا يقول ابن هشام حينما وصلت هذه الألفاظ إلى أسماع الصحابة الكرام: قال فذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك، وهم ينادون: لبيك، لبيك يا رسول الله! الكل الآن لما لامست آذانهم هذه الكلمات يصرخ: لبيك، لبيك يا رسول الله. النداء، الاستجابة، تلبية هذا النداء العظيم، الكل أصبح يحاول أن يلوي فرسه أو ناقته لتعود إلى ميدان النزال وإلى مقارعة الأبطال.

الكل يحاول أن يعود بفرسه بناقته، لكن الخيول تأبى ذلك من الخوف، النوق تحاول الفرار. فالصحابة الكرام لما أو أن النوق والخيول تأبى أن تعود، أصبحوا يقفزون عن هذه الخيول ويمسكون أسلحتهم ويعودون على أرجلهم إلى ساحة القتال. انظروا الإيمان لما يلامس بشاشة القلوب أحبتي، والله كيف يصنع البطولات والملاحم؟ يعني تخيلوا هذا المشهد، هذا صحابي الآن على فرسه يحاول أن يلوي فرسه وناقته لتعود به إلى ميدان المعركة وهذه الفرس تعانده، فيتخذ قرارا حاسما، ما في مجال للتردد؛ يقفز عن هذا الفرس ويأخذ سلاحه ودرعه ويعود إلى أجواء المعركة ليلبي نداء محمد صلى الله عليه وسلم. قال: لا أريد الفرس ولا أريد الخير ولا أريد الناقة، أريد ما عند الله سبحانه وتعالى.

فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله، فيؤم السوط حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة فقط، النبي صلى الله عليه وسلم من اثني عشر ألفا كم يريد؟ مئة! تخيلوا اثنا عشر ألفا في ضوضاء، النبي صلى الله عليه وسلم حاول أن يجمع أن يجمع وأن ينادي، اجتمع مئة من الثلة النفيسة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، مئة غيروا مجرى المعركة.

أصحاب السبق، أصحاب الإيمان الراسخ، أصحاب البطولات غيروا مجرى المعركة، وكانت الدعوة أول ما كانت يا للانصار، يعني أول دعوة اطلقها العباس الدعاء للانصار، ثم بعد ذلك بدأ يخصص ويقول: يا للخزرج! والخزرج أحبتي كانوا ينادون لأنهم كانوا كما يقولون صبرا عند اللقاء، يعني أشد على في القتال من الأوس. بشكل عام قبيلة الخزرج يقولون كانوا أشد في القتال من قبيلة الأوس، فكان نداء خاص لقبيلة الخزرج الذين شهدوا بدرا وأحدا والخندق ومؤتة وشهدوا المشاهد والملاحم رضي الله تعالى عن ذاك الجيل، وكانوا صبرا عند الحرب.

فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه، فنظر إلى مشتلد القوم وهم يشتردون، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن حمي الوطيس. رأى النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء المئة وبدأوا يزيدون رويدا رويدا، بدأ يروهم أو يراهم عليه الصلاة والسلام كيف دخلوا في أجواء المعركة من جديد وانقضوا على أعدائهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم سر بهذا المشهد وقال: الآن بدأت المعركة، الآن سننقض على أعدائنا.

عن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه قال: بينما ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله يصنع ما يصنع، إذ هوى له. الآن هؤلاء المئة كما قلنا ومن بدأ يلحق بهم، بدأوا يفكرون كيف يضعفون معنويات العدو، دائما تريد أن تهزم عدوا ابدأ بصاحب الراية، إذا سقطت العدو ينهزم وتبدأ فيه البلبلة. فعلي بن أبي طالب أحد الفرسان الشجعان الكبار بدأ يترصد لصاحب الراية، هو ورجل من الأنصار، هوى له علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ورجل من الأنصار يريدانه، فيأتيه علي بن أبي طالب من خلفه. علي بن أبي طالب يريد أن يفاجئه من الخلف، أتى إليه من خلفه فضرب عرقوبي الجمل، فوقع الرجل على عجزه، الرجل سقط من جمله. فوثب عليه الأنصاري فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله وسقطت الراية واشتلذ الناس. فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأصارى مكثفين عند

الله صلى الله عليه وسلم. يعني هؤلاء المئة بمجرد أن عادوا ودخلوا أجواء المعركة ساعات محدودة إذا هم يأتون بكل قبيلة هوازن أو بكثير من قبيلة هوازن مكتفين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرى. يعني المشهد انتهى خلال ساعات.

المعركة انتهت خلال ساعات محدودة فقط مائة ومن تبعهم بعد ذلك انقضوا على عدوهم شدة رجل واحد، كانت هوازن مكتفة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتم سبي النساء والذراري وأخذت الأموال.

فلول هوازن وثقيف تعود إلى ديارها وتهرب هنا وهناك، وانقلب المشهد تماماً؛ الذي يهرب الآن قبيلة هوازن، من استطاع من رجاله أن يهرب ويلحق قبيلة ثقيف، قبيلة ثقيف هربت بمن بقي منها وذهبت إلى الطائف منطقتها وتحصنت بالحصون، وتركوا نساءهم وذراريهم وأموالهم بين يدي محمد صلى الله عليه وسلم.

ساعات محدودة كانت كفيلة بأن ينقلب المشهد تماماً لصالح الصف الإسلامي، والذي نصرهم في تلك اللحظات الإيمان الحق. لم ينتصروا بالعدد، العدد رأينا النتيجة أكثرهم أصبح في بلبلة، كثير من الصحابة ذهب يميناً وشمالاً، الذي عاد وقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في تلك اللحظات هم الثلة الصابرة المؤمنة عليت القوم الذين لبوا نداء سورة البقرة، لبوا نداء بيعة الرضوان، هؤلاء هم الذين غيروا التاريخ وغيروا مجاري تلك الأحداث.

خاصة في غزوة هوازن من المشاهد الجميلة في هذه الغزوة الرقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بداية البلبلة أو في أثناء البلبلة التي وقعت في صف المسلمين كان يلتفت يميناً وشمالاً يحاول أن ينظر من بقي حوله من الصحابة الكرام، فإذا هو يجد رجلاً أسلم قبل فتح مكة بسويعات هو ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، هل تتذكرون أبا سفيان بن الحارث الذي كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مكة ثم خرج إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الطريق إلى فتح مكة فرفض النبي صلى الله عليه وسلم مقابلته ابتداء ثم قابله النبي عليه الصلاة والسلام وأسلم على يدي النبي عليه الصلاة والسلام.

هذا الرجل دون إسلامه مبكراً وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المعركة، وكان أيضاً ممن يأخذ برجام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بغرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام التفت حوله فإذا هو بأبي سفيان بن الحارث وكان ممن صبر يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حسن الإسلام حين أسلم.

وهو آخذ ببغلة النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يثبتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟» الظاهر ربما كان مستتراً أو ملثماً فقال: أنا أمك يا رسول الله أنا أبو سفيان بن الحارث، فسر النبي صلى الله عليه وسلم برؤيته بقبره في تلك المشاهد.

أيضاً من المواقف الجميلة موقف امرأة عظيمة من الأنصار وهي أم سليم رضي الله تعالى عنها أم أنس بن مالك. النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في لحظات البلبلة التفت حوله ليرى من بقي معه من الصحابة، فإذا هو يرى أم سليم رضي الله عنها، رجال هربت، زعماء من صناديد مكة ممن أسلم هربوا، أم سليم المرأة الصالحة الطيبة المربية والدة أنس بن مالك صبرت في تلك اللحظات.

النبي صلى الله عليه وسلم التفت فرأى أم سليم بنت ملحان وكانت مع زوجها أبي طلحة، أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه أيضاً كان ممن ثبت في تلك اللحظات، كانت مع زوجها أبي طلحة وهي حازمة وسطها ببرد لها، انظروا أيضاً النساء كيف كن شجعاناً مع النبي صلى الله عليه وسلم عند اللقاء صدقاً له، يحملون السلاح ويشاركون في تلك اللحظات، النساء لم يغبن عن مشاهد محمد صلى الله عليه وسلم وإن كن عادة في خدمة الجيش وفي الماء وفي الطعام من الجهاز يعني المونة كما يقولون والعلاج إلا أن بعض النساء كن يشاركن في المعارك ويقارعن مقارعة الرجال.

إذاً أم سليم كانت حاضرة وقد حزمت وسطها ببرد، قالت: واني لحامل بعبدالله بن أبي طلحة، ومعها جمل أبي طلحة، يعني كانت حامل يعني حاضرة وكانت حامل بابنها عبدالله أو بابنها عبدالله، كانت امرأة حامل تشهد معركة مثل هذه المشاهد. اليوم أحبتي يعني بعض النساء لو أصيبت يسير في منزلها يسقط الحمل من بطنها، هذه المرأة حامل وتشاهد مقارعة الرجال وتطاير الرؤوس والأعناق، رجال يهربون من هنا وهناك وبلبلة وهي حامل وثابتة مع النبي صلى الله عليه وسلم، لم تسقط جنينها لم تهرب لم تشعر خوف، ثبتت لأن إيمانها كان إيماناً صادقاً رضي الله تعالى عنها.

فخشيت أم سليم أن يعزها الجمل، يعني أن الجمل يهرب، لم تخف على نفسها ولم تخف على زوجها، خافت أن الجمل هو الذي يهرب، كانت هي الجمل ماشية على الأرض وقد امسكت بخطام الجمل، فخشيت أن يعزها الجمل فأدنت رأسه منها أتت برأس الجمل فأدنته منها وأدخلت يدها في خزامته مع الخطام، يعني ثبتت يدها في عنق الجمل وفي الحبال الموجودة على عنق الجمل حتى يثبت معها في تلك اللحظات ولا يهرب من يديها.

فالنبي صلى الله عليه وسلم التفت إلى هذه المرأة الشجاعة فقال لها رسول الله: من؟ أم سليم؟ قالت: نعم يا رسول الله بابي أنت وأمي، ثم قالت له أم سليم: يا رسول الله اقتل هؤلاء الذين ينهزمون ويفرون عنك كما تقتل هؤلاء الكفار. أم سليم تقول: يا رسول الله هؤلاء الجبناء الذين فروا في هذه اللحظات اقتلهم لا تدعهم أحياء لا يستحقون الحياة، انظروا المرأة القوية الشجاعة، كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك فإنهم والله لذلك أهل، أهل لأن كيف تفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أو يكفي الله يا أم سليم؟» يعني نتوكل على الله والله عز وجل خير ناصر، دعيكي من هؤلاء الذين فروا.

معها خنجر أم سليم رضي الله عنها قد وضعته في خصرها فقال لها أبو طلحة ما هذا؟ زوجها كان بقرب منها، قال: يا أم سليم ما هذا الخنجر الذي معك؟ فقالت أم سليم: هذا خنجر أخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعثته به. امرأة محاربة شجاعة جريئة قوية في ذاك المشهد رضي الله عنها، يعني أنا مستعدة للقتال وإذا اقترب مني رجل مشرك فإني بهذا الخنجر سأطعنه.

فأبو طلحة يقول: يا رسول الله ألا تسمع ما تقول هذه الرميصاء؟ يعني إيش علاقتك بالحروب ومعاركة الرجال يا أم سليم؟ يعني زوجها يقول لها دعيكي من هذا وعودي إلى خلف الجيش والنبي، وهو يريد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيدها وأن يطلب منها أن تنكف عن هذه الأمور، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بالتأكيد سر وأعجب بهذه المرأة التي ثبتت في موقف فر فيه الرجال.

إذاً انهزمت هوازن مستحرة القتل في قبيلة ثقيف وفي قبيلة هوازن ومن كان معهم من الحلفاء، فقتل من قبيلة ثقيف وحدها سبعون رجلاً، وهذه مقتلة كبيرة بالنسبة للعرب، وكان ممن قتل رجل يقاتل وأيضاً عثمان بن عبدالله، وكان ممن حمل الراية في تلك المعركة قتل وقتله الصحابة الكرام.

لما سقطت الراية ولما انهزم المشرعون أتوا الطائف، الآن بدأت فلول المشركين تهرب وعلى رأسهم مالك بن عوف زعيم القبائل المتحالفة، مالك بن عوف هرب مع قبيلة ثقيف باتجاه الحصون في الطائف، قبيلة ثقيف كانت تسكن الطائف وكان عندها حصون منيعة، الطائف منطقة جبلية فتحصنوا في حصونهم في أعلى الطائف ودخل معهم مالك بن عوف، طبعا مالك بن عوف ليس من ثقيف ومن هوازن لكنه دخل معهم في حصونهم.

وعسكر بعض فلول هوازن فر إلى منطقة أوطاس، بعض الفلول فر إلى منطقة تسمى نخلة هادي معنا كثيراً، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف يعني فخذ من قبيلة ثقيف هو الذي توجه إلى نخلة، إذاً فلول توزع, البعض ذهب إلى الطائف وعلى رأسهم مالك بن عوف وتحصنوا في حصونها، البعض ذهب إلى منطقة أوطاس فر إليها، البعض ذهب إلى منطقة نخلة، بلاد طبيعية للمنهزمين وهم يفرون من أرض المعركة.

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس، يعني النبي عليه الصلاة والسلام بعث الصحابة تواجه ابتداء الذين فروا نحو منطقة أوطاس، الذين فروا نحو منطقة أوطاس ابتداء وجه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة إليهم بقيادة أبي عامر الأشعري رضي الله عنه أحد الأشعريين، والأشعريون هم الذين قدموا من اليمن.

الأشعريون أحبتي استقلوا سفينة في السنة السابعة من الهجرة وأرادوا أن يأتوا أو قبلها قبل السنة السابعة من الهجرة استقلوا سفينة قبل ذلك وأرادوا أن يأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذه السفينة التي ركبها الأشعريون من اليمن لم تلقهم باتجاه البحر الأحمر عند النبي عليه الصلاة والسلام، بل لربما الأعوام الجوية هذه ألقتهم باتجاه الحبشة، فالأشعريون ومن كان معهم من أهل اليمن انضموا إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في الحبشة.

وحينما أتى جعفر بن أبي طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة من الهجرة لحق الأشعريون بالنبي عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء الأشعريون وهم كانوا أصحاب قرآن أصحاب قيام ليل أصحاب عبادة لله سبحانه وتعالى، وفيهم كثير من الأحاديث التي تدل على أنهم كانوا أهلاً لكتاب الله عز وجل ومن أهل القرآن، فالأشعريون إذاً هذه قصتهم هاجروا من اليمن أرادوا أن يأتوا باتجاه النبي عليه الصلاة والسلام السفينة الأعوام الجوية ألقتهم إلى الحبشة فصادفوا جعفر بن أبي طالب في تلك المنطقة في الحبشة فبقوا مع جعفر بن أبي طالب حتى قدموا معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة من الهجرة.

أبو عامر الأشعري أحد الأشعريين، طبعا هنا الأشعريون هذه قبيلة من قبائل اليمن ليست فرقة عقدية، هذه قبيلة من قبائل اليمن، المهم أبو عامر الأشعري هو الذي وجهه النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه منطقة أوطاس التي فر إليها بعض فلول المشركين، فذهب بالمسلمين يدرك هذه الفلول ويقتل منها من يقتل، لكن للأسف جاء سهم من أحد الأعداء أو من رجل من المشركين فأصاب هذا السهم أبابا عامر الأشعري فخر شهيداً في منطقة أوطاس.

فاخذ الراية استلم زمام المعركة عنه الصحابي الجليل شقيقه أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، أبو موسى الأشعري استلم الراية عن أبي عامر بعد أن أجري بسهم ألقاه أحد المشركين واستطاع أبو موسى الأشعري أن يقضي على تلك الفلول التي توجهت باتجاه منطقة أوطاس.

من المشاهد أيضاً في تلك اللحظات أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مقتولة من جيوش المشركين فقال: «من الذي قتلها؟» فقالوا: قتلها خالد بن الوليد، خالد بن الوليد ما كان حاضراً في تلك اللحظة، كان يحاول اللحاق بفلول المشركين، فالنبي عليه الصلاة والسلام انظروا النبي عليه الصلاة والسلام الموجه المربي، مباشرة أرسل أحد الصحابة قال: «أدرك خالدا وقل له: لا تقتل امرأة».

رحمة النبي عليه الصلاة والسلام قانون الحرب في الإسلام قانون راقي جداً، نحن لا نقاتل إلا من قاتلنا، أما النساء العزل الذين أخرجوا قهراً أخرجهم مالك بن عوف هؤلاء لا نقتلهم ما دامت المرأة لا تحمل السلاح ولا تقلب على المسلمين، امرأة عامية حتى لو كانت من المشركين فإن المسلمين لا يقتلونها قصداً ولا يوجهون إليها السلاح قصداً، وأما قضية التبع فهذه مسألة ذكرها أهل العلم والنبي صلى الله عليه وسلم أجاز يعني أن تقصف المناطق بالمنجنيق وحتى لو أدى ذلك إلى موت النساء والذراري تبعاً لا حرج فيه، كما جاء في حديث الصعب بن جثامة الليثي سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الديار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال: «هم منهم».

يعني لو أننا صبنا مجانيق ورميت هذه المجانيق على أماكن محصنة للكفار وفيها نساء وأطفال هل يجوز؟ هذا يجوز، وهذا القتل للنساء والأطفال يكون تبعاً ليس مقصوداً أصالة، أما تقصد النساء والأطفال غير المحاربين وغير المشاركين برأيهم وبمالهم ومددهم في المعارك امرأة عامية هكذا وحدها ضمن صفوف المشركين فإنها لا تقتل قصداً وكذلك الأطفال لا يقتلون قصداً، وهذا القانون هو الذي كرسه محمد صلى الله عليه وسلم في معاركه.

النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً من المواقف الجميلة التي تفاجأ بها النبي عليه الصلاة والسلام أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: «إن قدرتم على رجل يقال له بوبيجات من قبيلة سعد بن بكر فلا يفلتنكم». هذا الرجل في الحقيقة لم يتبين لي ما هو الفعل الذي أحدثه جعل النبي صلى الله عليه وسلم يترصد له، ابن هشام يقول: هذا الرجل أحدث حدثاً، هل هجى النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل كانت منه خيانة خاصة؟ الله تعالى أعلم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن

وإذا استطاعوا أن يظفروا به فليأتوا به ولا يتركوه يفلت. المسلمون ظفروا به، لما ظفر به المسلمون ساقوه مع أهله، وساقوا معه امرأة تسمى الشيماء بنت الحارث.

هذه المرأة كانت اخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا استرضع في بني سعد بن بكر، وهذه المرأة من هذه القبيلة، وكانت اخت النبي صلى الله عليه وسلم في رضاعته. الآن الصحابة لما اقتادوا شيماء بنت الحارث ما كانوا يعرفون أنها اخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، قادوها قوداً عنيفاً، يعني هي وقعت من ضمن أسرى هوازن وثقيف، ولما أرادوا أن يأخذوا بجاد هذا ظفروا به وظفروا بهذه المرأة فاقتادوها قوداً عنيفاً وساقوها سوقاً عنيفاً.

فالشيماء بنت الحارث وهي تقاد هذا القود العنيف، تقول للصهاة الذين يقتادونها إنني أخت نبيكم من الرضاعة، تريد من الصحابة أن يتلطفوا بها، فقالت: ماذا أفعَلُ؟ أخبرهم أني اخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، إنني لأخت صاحبكم من الرضاعة. فلم يصدقها الصحابة، قالوا: لا، هذه المرأة تكذب، تريد أن نخفف عنها ما هي فيه، فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبي صلى الله عليه وسلم.

فلما انتهي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: يا رسول الله. الآن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يظهر من السياق أنه لم يتذكرها؛ يعني ما راها إلا وهو طفل صغير، ثم غابت الأحداث والسنوات ووقعت النبوة والمعارك والهجرة، يعني ما راها النبي صلى الله عليه منذ طفولته. فالشيماء لما أتت وجلست بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، إني أختك من الرضاعة.

النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا لم يكن متذكراً لها حقيقة، فقال: ما علامة ذلك؟ يعني ما علامة أنك أختي من الرضاعة؟ فقالت: عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك، تذكر لما كنا أطفال نلعب في قبيلة بني سعد بن بكر، لقد قامت عضتن عضة شديدة في ظهري ما زالت موجودة. فالنبي صلى الله عليه وسلم تذكر تلك العضة، وقال: صدقتي. قال لها: صدقتي، فعرف أنها أخته من الرضاعة مباشرة.

انظروا احترام النبي صلى الله عليه وسلم لهذه المشاهد؛ مباشرة النبي عليه الصلاة والسلام بسط لها الرداء وأجلسها عليه واحترمها، امرأة شاركت في حياته وفي طفولته فلابد وأن ينالها شيء من بركته. وقال: يا شيماء، إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك -يعني أن أعطيك متاعاً ومالاً- وتعودين إلى قومك معززة مكرمة. فشيماء قالت: بل يا رسول الله، تعطيني المتاع وتعيدني إلى أهلي معززة مكرمة. فاختارت هذا، والنبي صلى الله عليه وسلم لبى لها طلبها وفاءً لهذه الصحبة القديمة التي كانت منذ الطفولة.

فيقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها غلاماً له يقال له مكحول وجارية، فزوجت الشيماء الجارية الأمة لهذا العبد، ولم يزل فيه من نسلهما بقية، يعني ما زال إلى اليوم من نسل هذا العبد الذي زوجته الشيماء لهذه الجارية ما زال هناك نسل قائم في منطقة الطائف إلى أيام ابن هشام. طبعا هو يقول إلى هذا اليوم إلى أيام ابن هشام، أم إلى يومنا هذا فالله تعالى أعلم.

الآن ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل ترك ثقيف التي تحصنت في الطائف وحدها؟ هل ترك مالك بن عوف الذي جمع القبائل لحرب النبي صلى الله عليه وسلم وحده وعاد إلى مكة بعد أن استطاع أن يطفئ بالسبي والنساء والاطفال والذراري؟ كلا.

النبي صلى الله عليه وسلم في الحقيقة توجه باتجاه الطائف وحاصر قبيلة ثقيف التي تحصنت في حصونها وأبراجها. يقول ابن هشام: لما قدم فل ثقيف الطائف -يعني الذين هربوا من قبيلة ثقيف- لما وصلوا إلى ديارهم في الطائف أغلقوا عليهم أبواب المدينة، وصنعوا الصنائع للقتال، وتحصنوا جيداً، ووضعوا الحراس. المهم استعدوا لمواجهة طويلة الأمد وحصار طويل. ولم يشهد حنين ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة، وكان بجرش منطقة يتعلمان فيها صناعة الدبابات والمجانيق. ولا الدبابات لاحقاً مستعملة قديماً، يعني من أيام ابن هشام وهي مستعملة كلمة الدبابات، وطبعا الدبابات في أيامهم وإن كانت هي شيء يتحصن به ويدخل به إلى داخل جدار الحصن يشبه الدبابة اليوم في أصل الفكرة، لكنه بالتأكيد ليس كصنعة الدبابة اليوم، والمجانيق معروفة لديكم.

المهم صار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف مباشرة حين فرغ من منطقة أو من غزوة حنين. الآن بدأ ابن هشام يسرد لنا الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى منطقة الطائف، أنا لا يهمي الطريق، المهم مضى النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل قريبا من الطائف، فضرب بها عسكره، فقتل به ناس من أصحابه بالنبل. يعني النبي عليه الصلاة والسلام ابتداء نزل في منطقة حول الطائف.

لما عسكر في تلك المنطقة، كما قلنا، قبيلة ثقيف كانت في أعلى الطائف، منطقة جبلية وكانت في الأعلى، وكان عندهم رماة النبال وكانوا مهرة. فبدأوا رماة النبال يلقون السهام على جيش النبي صلى الله عليه وسلم وقتلوا منهم بضعة من الصحابة. وذلك أن العسكر اقترب من حائط ثقيف، فكانت النبل تنالهم ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، وقد أغلقوه دونهم.

فلما أصيب أولئك النفر من الصحابة الكرام بالنبل، وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم، فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة. يعني المهم النبي عليه الصلاة والسلام عسكر ابتداء في منطقة قريبة من باب الطائف، من باب حصن الطائف. فكان هذا المعسكر ليس جيداً، كان هذا التمركز ابتداءً لم يكن جيداً؛ لأنه كان في متناول سهام قبيلة ثقيف، فقتل عدد من الصحابة. فالنبي صلى الله عليه وسلم مباشرة قرر أن يغير التكتيك العسكري، فذهب إلى منطقة أخرى لا تنالها سهام قبيلة ثقيف، ففرض عليهم حصاراً بضعاً وعشرين ليلة، يعني من ثلاثة وعشرين إلى سبعة وعشرين أو تسعة وعشرين يوماً، والنبي صلى الله عليه وسلم محاصر لقبيلة ثقيف.

وهذا يدل على أن المنطقة كان تحصينها جيداً جداً، عالياً جداً، وهناك كمية كبيرة من الغذاء داخل هذه الحصون، وإلا كيف يستمر الحصار في هذه الفترة ولم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم أن يفتح عليهم حصنهم؟ الظاهر إذن هذه المنطقة كانت هناك مدد جيد من الغذاء والشراب في داخلها مجهزة، وكانت حصون عالية منيعة لم يستطع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أن يخترقوها طوال هذه المدة، وهذا ما وقع، لم تنته بحسم عسكري كما سيتضح لنا بعد قليل.

إذن حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم بضعاً وعشرين ليلة ومعه امرأتان من نسائه إحداهما أم سلمة، وأما الأخرى فلم يذكرها ابن هشام. يعني من كان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة الله تعالى أعلم، فقط عندنا علم بأم سلمة، وهناك زوجة أخرى لم ينص عليها. فضربا لهما -أي لزوجتيه- قبتين، أي خيمتين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم خلال هذه الأيام يصلي بين القبتين.

المهم في يوم من الأيام حاول نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، استطاعوا أن يصنعوا دبابة من الدبابات هذه، والظاهر يعني أن الدبابة قطعة خشبية يضعونها فوق رؤوسهم، ويكون الصحابة تحتها ويقتربون رويداً رويداً يزحفون بها باتجاه الحصن. لماذا يصنعون هذه الدبابة فوق رؤوسهم؟ حتى إذا رميت النبال والسهام تقع في الخشب ولا تنزل على الصحابة. المهم في يوم من أيام الحصار دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة، ثم زحفوا من خلالها إلى جدار الطائف -يعني إلى جدار الحصن الذي في الطائف- ليخرقوه.

فأرسلت عليهم قبيلة ثقيف من أعالي الحصن سكك من الحديد وحماة النار، كلاليب حديدية محماة بالنار، إذا مسكت هذه الكلاليب جسد شخص أو رجل فإنها تحرقه تماماً. استطاع الصحابة من خلال هذه الدبابات أن يتقوا هذه الكلاليب، ثم رمتهم قبيلة الطائف بالنبال، فالنبال في الحقيقة استطاعت أن تنال بعض الصحابة، يعني الظاهر هذه الدبابة ما استطاعت أن تحميهم حماية كاملة، فوصلت بعض النبال إلى بعض الصحابة وقتل عدد منهم.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم -لما وصلت الأنباء إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن بعض الصحابة الذين حاولوا أن يدخلوا أو أن يتسلقوا أو يخرقوا جدار حصن أصيب وقتل- أمر بقطع أعناب ثقيف حتى يقلل من المؤونة لديهم. منطقة ثقيف إلى منطقة الطائف إلى اليوم أحبتي، وأذكر أنني زرتها في أيام إقامتي في المدينة النبوية، منطقة الطائف منطقة مليئة بهذه أشجار العنب وما شابهها من الأشجار؛ لأن تضاريسها قريبة من تضاريس بلادنا هنا في الأردن، تضاريسها قريبة من تضاريس بلادنا وأجواؤها متقاربة، فينبُت فيها العنب بكثرة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يحارب جهاز المؤنة عندهم أو الغذاء، فقرر أن يحرق وأن يقطع كل أشجار العنب التي كانت حول الحصن أو تمتد من الحصن ليقلل كما قلنا المؤنة لديهم. فوقع الناس فيها يقطعون، وهذا قطع جائز للشجر، وليس هو القطع المنهي عنه. القطع الذي لا يحقق مصلحة؟ نعم هذا قطع للأشجار منهي عنه، لكن القطع الذي يقلل امدادات العدو هذا قطع مطلوب ولابد منه.

المهم النبي صلى الله عليه وسلم كان في يوم من الأيام حصار الطائف كان جالساً مع أبو بكر الصديق، وكان قد رأى عليه الصلاة والسلام رؤيا مفاد هذه الرؤيا أنه عليه الصلاة والسلام لن تفتح له الطائف، يعني لن يدخل الطائف بالفتح العسكري. فكان جالساً مع أبي بكر الصديق ويحدثه بهذه الرؤيا، طبعا تفاصيل الرؤيا يعني صارت عند ابن هشام لكنها غير واضحة في سرده. يقول: يا أبا بكر، إني رأيت أني أهديت لي قعبَة مملوءة أو قعبة زبد، فنقرها ديك فهراق ما فيها.

المهم يعني كأنه وعاء مملوء بالزبد، فديك نقر هذا الوعاء فنزل ما فيه. هذه التفاصيل عموماً أبو بكر قال: ما أظن يا رسول الله من هذه الرؤيا إلا أنك لن تفتح هذا الحصن اليوم. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: وأنا مثلك لا أرى ذلك، لا أرى أني سأفتح هذه الحصون، يعني لم يكتب لي أن أفتح هذه الحصون فتحاً عسكرياً.

ثم خولة بنت حكيم وهي امرأة عثمان قالت: يا رسول الله، أعطني إن فتح الله عليك الطائف. هذه امرأة من المسلمين وهي امرأة عثمان رضي الله تعالى عنه، وظهر أنه تزوجها بعد وفاة أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. المهم قالت هذه المرأة: يا رسول الله، أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية بنت غيلان أو حلي الفارغة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف. يعني خولة بنت حكيم طلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طلباً أن يعزها فيه كما يقولون، أنه يا رسول الله إذا دخلت الطائف وفتحتها أريد منك أن كلمني بالحلي الذي لامرأة من نساء الطائف الجميلات ممن كثر عندهن الحلي تسمى بادية بنت غيلان.

هذه بادية بنت غيلان الظاهر كانت معروفة عند العرب أن لها حلياً كثيراً، من أحلى نساء ثقيف، يعني من أكثر نساء ثقيف حلياً. فخولة بنت حكيم متعشمة أنه يفتح النبي صلى الله عليه وسلم الطائف ويغنم ما فيها، فطلبت منه الآن قبل الفتح: يا رسول الله من الآن بدي أنا تعطيني حلي هذه المرأة.

فذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: يا خولة، وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف فما العمل؟ النبي صلى الله عليه وسلم بهذه العبارة التي أعطاها لخولة أعطاها مؤشراً أنه فيما يظهر يا خولة أن الله عز وجل لم يكتب لي أو لم يكتب لي أن أفتح ثقيف عنوة فاغتنمها، لم يكتب لي ذلك كحكمة أرادها سبحانه وتعالى، وثقيف جاءت بعد ذلك وأسلمت أحبتي وحدها، حتى تعرفوا أن حكم الله عز وجل عظيمة وأن الله عز وجل رحيم بعباده.

وخولة، أو خويلة -عفوًا- هي خويلة بنت حكيم، خويلة بنت حكيم لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها ذلك خرجت مسرعة فواجهت عمر بن الخطاب فذكرت له ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها إنه وإن لم يؤذن لي في فتح ثقيف فالظاهر يا عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يستطيع أن يفتح الطائف. فدخل عمر مسرعاً على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ما حديث حدثتنيه خويلة؟ زعمت أنك قلته.

قال: قد قلته يا عمر، نعم فيما يظهر يا عمر أن الله عز وجل لم يكتب لي؛ لأن رؤيا الأنبياء حق، وهذه رؤيا فهمها النبي صلى الله عليه وسلم أنها تدل على أن الله عز وجل لن يكتب لك يا محمد صلى الله عليه وسلم أن تفتح الطائف عنوة، وإنما سيأتي أهلها مسلمين لك بأنفسهم. فعمر بن الخطاب يقول: يا رسول الله، أوما أذن لك فيهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، لم يأذن الله عز وجل. وانظروا كيف النبي عليه الصلاة والسلام بكل أريحية.

وفي النهاية، عَبْدٌ لله سبحانه وتعالى، وهو في أعلى مقامات العُبُودِيَّة صلوات ربي وسلامه عليه، لكنه يتعامل مع الصحابة بكل هدوء بكل سلاسة. نعم، لم يأذن الله عز وجل، انتهى الأمر. والصحابة يعلمون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم في النهاية مأمور من ربه سبحانه وتعالى، يقف حيث أمره الله عز وجل.

فهنا عمر قال: إذا يا رسول الله، بما أن الله لم ولن يكتب لك أن تفتح هذه المنطقة عنوةً، إذا دعنا نؤذن بالرحيل. خلاص نقول للجيش ننسى. النبي صلى الله عليه وسلم وافق عمر بن الخطاب على ذلك، وقال: يا عمر، إذن للناس بالرحيل، إذن دعنا ننسحب. وأذن بالقوم لينسحبوا. فلما استقل يعني بدأ الناس يجهزونها، جيش المسلمين لما بدأ يعود أدراجه، خلاص الحصون محصنة والله عز وجل قضى أن هذه المنطقة لن تفتح عنوةً، فما عاد هناك أي هدف من الإقامة هنا. فالنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا قرر أن يعود إلى الأدراج.

في تلك اللحظة أحبتي، بعض مسلمة الفتح أيضًا ظهرت منهم إشكاليات. بعض مسلمة الفتح ظهرت منه إشكاليات، وهو أنه حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يفتح منطقة، ماذا قال؟ وهذا قاله عيينة بن حصن، وهو ممن أسلم أيضًا حديثًا. وعيينة بن حصن لما رأى النبي كان في جيش المسلمين، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يفتح الطائف، قال: أجل والله، مَجَدَةً كرامًا. يعني يقول إن أهل الطائف كانوا رجالًا مَجَدَةً كرامًا، ثبتوا في وجه محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن عيينة بن حصن مسلم. أنتم متخيلين الواقع؟

لأن عيينة بن حصن إقليم جديد، إيمان مغطىً لِيّ، وكما قلنا خاصة الزعامات القيادات لما تكون أسلمت حديثًا، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم سلب الزعامة منها، عملية تطهير نفوسها تحتاج إلى أوقات أحبتي. يعني انظروا عبد الله بن أبي بن سلول كيف نافق وعاش منافقًا ومات منافقًا، والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سلب منه الملك الذي كان يجهزه الأوس والخزرج له، سلب منه الملك فبقي حاقدًا على النبي صلى الله عليه وسلم، عاش منافقًا ومات منافقًا. الزعامة والملك مشكلة، فإذا سلبت يبقى صاحبها حاقنًا مليئًا على الذي سلبها منه، إلا أن يطهر الله عز وجل قلبه. فهؤلاء الزعامات الكبرى في العرب التي أسلمت في فتح مكة كما قلنا، هي شعرت أن النبي صلى الله عليه وسلم سلبها زعامتها وانتصر عليهم جميعًا. فبعضهم كما قلنا كان يعاني من هذه الإشكالية، إشكالية أنه ما زال يجد على النبي عليه الصلاة والسلام، ويحتاج الأمر إلى فترة ليتم التطهير.

فعيينة بن حصن لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم عجز على أن يفتح الحصن، قال، يعني يمدح قبيلة ثقيف، يقول: والله هؤلاء القوم مَجَدَةً كرامًا، يعني ما شاء الله عليهم، ثابتين، شجعان على المعارك. فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة، أتتمدح المشركين بالامتناع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئت لتنصر رسول الله؟ يعني أنت مشارك معنا في المعركة لتنصر النبي صلى الله عليه وسلم وعم تمدح المشركين؟ فقال: إني والله ما جئت لأقاتل قبيلة ثقيف. طب لماذا أتيت يا عيينة؟ قال: ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف، فأصيب من ثقيف جارية أطؤها لعلها تلد لي رجلًا. يعني كان متتعشي عيينة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يفتح الطائف ليظفر بسبي وجارية أطؤها وتلد له رجلًا، فإن نساء ثقيف إذا ولدت رجلًا فإنه يكون قويًا. هكذا كانت وجهة نظر عيينة بن حصن رضي الله تعالى عنه.

ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامته ممن كان محاصرًا بالطائف عبيدٌ فأسلموا، فأعتقهم النبي عليه الصلاة والسلام. يعني فكرة سريعة يقولها ابن هشام، أن النبي عليه الصلاة والسلام أثناء محاصرته للطائف أصدر يعني عفوًا عامًا، قال: أي عبد؟ أي عبد من عبيد الطائف يهرب إلى المسلمين هو حر لوجه الله. انظر كيف التحفيز! أصدر النبي صلى الله عليه وسلم أوامر بعفو أي عبد يأتيكم من قبيلة الطائف ويتسلل ويأتينا هو حر لوجه الله. فبدأ العبيد، ها، بدأ العبيد الذين كانوا في الطائف يتسلقون جدار الحصن ويأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويسلمون ويعتقون مباشرة، وكان منهم سيدنا أبو بكرة رضي الله تعالى عنه. قيل إنه كُني بأبي بكرة لأنه استعمل بكرة في النزول من الحصن، كان عبدًا لرجالات ثقيف، فأتى ببكرة علقها على رأس الحصن ووضع حبلًا ونزل به، فكُني بأبي بكرة، وأُعْتِقَ وأُصْبِحَ حُرًّا لوجه الله.

الآن طبعا بعد فترة، كما قلنا بعد أن عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، أهل الطائف أتوا النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين، قبيلة ثقيف وأهل الطائف. لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم عاد وانتهت الأمور، فكروا في الإسلام وعادوا وأسلموا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذوا يطلبون عبيدهم: أنه يا محمد، اردد إلينا عبيدنا الذين أخذتهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هم عتقاء لله سبحانه وتعالى.

خرج النبي صلى الله عليه وسلم حين انصرف عن الطائف حتى نزل بالجعرانة فيمن معه من الناس. عاد النبي صلى الله عليه وسلم، عسكر في منطقة تسمى منطقة الجعرانة، وضع الجيش في تلك المنطقة، ومعه سبي هوازن. فبهوازن ما زال بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، لم يوزع النبي أو لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم بعد غنيمة هوازن الثقيلة، ومعه من هوازن سبي كثير.

قد قال رجل من أصحابه يوم ظعَنوا عن ثقيف: يا رسول الله، ادعُ عليهم. يعني انظروا إلى هذه المواقف السريعة، لكنها والله مهمة. رجل من الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم منسحب عن محاصرة ثقيف، يقول: يا رسول الله، ادعُ على ثقيف أن ربنا يهلكها. انظر النبي صلى الله عليه وسلم الرؤوف الرحيم، وكانه شعر أن الله عز وجل يريد أن يأتي بهؤلاء القوم المسلمين. ماذا دعا؟ هل قال اللهم اسخط ثقيف؟ قال لا. قال: ﴿اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَأْتِ بِهِمْ﴾. ما أجمل هذه الرحمة!

يعني النبي صلى الله عليه وسلم أحبتي من الجماليات في شخصيته أنه يجمع بين كل المشاهد، الشجاعة، القوة، الثبات، الذود عن دماء أصحابه، لكنه في نفس الوقت رحيم رؤوف، يعفو، يصفح، يتمنى الهداية للناس، لا يقتل إلا حينما يقتضي الأمر ذلك، ويريد الناس أن تدخل في هذا الدين، فالقتل ليس مقصدًا، وإنما هو وسيلة. فمتى استطعنا أن نحقق المقصد بنشر الإسلام، ما عاد هناك حاجة للقتل. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: اللهم اهد ثقيفًا وأتِ بها.

النبي صلى الله عليه وسلم الآن كما قلنا معسكر في الجعرانة، ومعه كل السبي من النساء والذراري لقبيلة هوازن. من الذي جاءه؟ جاءه وفد من رجالات قبيلة هوازن، وفد يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يسامحهم وأن يرد إليهم نساءهم وأموالهم. أتاه وفد من هوازن وهو مقيم بالجعرانة، وكان مع النبي صلى الله عليه من سبيهم ستة آلاف على الضخم من الذراري والنساء، يعني القبيلة كلياتها أُبيدت تقريبًا، ومن الإبل والشاة ما لا يدرى من عدة، غنيمة ضخمة جدا.

فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخفَ عليك، فامنُن علينا مَنَّ الله عليك يا رسول الله. يعني احنا في هاي أقارب وأصولنا واحدة وأجدادنا واحد، فمنّ علينا يا رسول الله وسامحنا ورد إلينا نساءنا. طب ما أنت تتخيل أنه لو الشخص منا كان في ذاك الموقف، ماذا يرد على هذا الوفد؟ يعني أنتم قلبتم القبائل علينا واجتمعتم على حربنا وكدتم أن تقضوا علينا وقتلتم وسفكتم من دماء أصحابنا ما سفكتم، والان تقولون نحن أصل وأبناء عشيرة وولاد عمة، دعونا نحل القضية بعد كل هذا الذي فعلتموه. لكن النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا، إن نبي الإنسانية بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه هو في النهاية يريد أن يشتري وُدّ هذه القبيلة، يريد أن يدخل الإيمان في صفوفهم، هذا هو في النهاية مقصدنا.

فكيف سيسهم النبي عليه الصلاة والسلام، في نفس الوقت يعني النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يسايس هؤلاء، وفي نفس الوقت النبي عليه الصلاة والسلام يحسب حساب أن معه من مسلمة الفتح عدد كبير، ومسلمة الفتح إيمانهم غَطْرِيّ، وهؤلاء ينتظرون مني تقسيم الغنائم عليهم. فكيف سأرضي هؤلاء الزعامات، وفي نفس الوقت أريد ود هذه القبيلة التي أبيدت؟ فما هو الموقف الحكيم؟ انظروا كيف تصرف النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المشهد. مشهد عظيم جدا.

قام رجل من هوازن أيضًا يستعطف النبي صلى الله عليه وسلم، يقال له زهير ويُكَنَّى بأبي صُرَد. قال: يا رسول الله، إنما في الحظائر -يعني هؤلاء النساء والذراري الذين جمعتهم- إنما هم عماتك وخالاتك. لأن قبيلة هوازن هي قبيلة من أفخاذ سعد بن بكر، وكما قلنا حليمة السعدية هي من بني سعد بن بكر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما كان صغيرًا ألم نقل إنه أرضعته حليمة السعدية من بني سعد بن بكر؟ وهوازن من هذه القبيلة، من قبيلة سعد بن بكر، قبيلة كبيرة جدا. فالآن هذا زهير يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: يا رسول الله، هؤلاء النساء الذين أسرتهم هم عماتك من الرضاعة وخالاتك من الرضاعة. يريد أن يستعطف النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء حواضنك اللاتي كن يكفلنك وأنت طفل، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به رجونا عطفه، وأنت خير المكفولين.

الآن الحارث بن أبي شمر والنعمان بن المنذر من زعماء العرب من الغساسنة والمناذرة. فزهير يريد يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يستعطف -هذا زهير واضح أنه رجل محنك في الكلام- قال: يا رسول الله، هؤلاء أولًا عماتك وخالاتك من الرضاعة، ثانيًا لو أن الحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ومن زعماء العرب فعلوا بنا ما فعلوا واستاقوا نساءنا وذرارينا ثم طلبنا منهم العفو لربما عفوا عنا. فأنت يا محمد صلى الله عليه وسلم أولى بالعفو منهم، أنت خيرك فيه وأنت من أقاربنا ومن صلبنا، فاعفُ عن نسائنا وذرارينا وعن أموالنا واصفح عن كل شيء ودعنا نفتح صفحة جديدة باختصار.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم -الآن النبي عليه الصلاة والسلام انظر كيف يحاورهم ويداريهم-: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ يعني ماذا تفضلون؟ طبعا هو بداية الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم إنه يا هوازن أولًا أنتم فعلتم فعلًا كبيرًا -بمفهوم كلام النبي صلى الله عليه وسلم- وقد بَغَوْتُم وغدرتم بنا وقتلتم وتحصنتم في الطائف أيضًا مع قبيلة ثقيف، واستأنينا بكم، ثم الآن تأتون لتطلبوا منا كل الغنائم؟ لا، أن أعطيكم كل الغنائم لن يكون هذا -مجمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم معهم-. يعني بعد كل ما فعلتم لا يعقل أن أرد كل الغنائم إليكم وأترك جيشي الذي حارب وصبر وثبت من دون غنائم. أن أرد كل الغنائم هذا لا يكون، لكن سأصل معكم إلى حل: أيهما أحب إليكم؟ الابناء والنساء أم الأموال؟

طبعا العربي يغار على شرفه وعرضه، فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وبين أحسابنا، بل ترد إلينا أموالنا -عفوًا بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا- فهم أحب إلينا. فقال لهم: أما ما كان لي -النبي صلى الله عليه وسلم انظروا كيف خطاب السياسي العالي-: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب -يعني أنا أَمُونُ على نفسي وعلى بني عبد المطلب في ذلك- فهذا أنا أقول إنه لكم، سأرد عليكم من النساء والذراري. وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس، فقوموا، قوموا، أنا لن أتكلم ابتداءً، أنتم قوموا أيها الوفد فقولوا أمام المسلمين جميعًا، أمام المعسكر جميعًا: أنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم.

يعني النبي صلى الله عليه وسلم عَالٍ عليه الصلاة والسلام في سياساته، يقول لقبيلة هوازن: هذه النساء والذراري في النهاية في حكم الإسلام هي من حق الغانمين، لكن أنا أستطيع أن أساعدكم، ما يتعلق ببني عبد المطلب أنا أَمُونُ على عبد المطلب، أقاربي، أبناء عمي، هذا لكم سأرده لكم. أما ما يتعلق بحق باقي المسلمين لا أستطيع أن أعطيكم إياه من دون أن أستأذنهم؛ لأن هذا حقهم الذي جعله الله عز وجل لهم. فماذا تفعلون؟ إذا انتهيت من صلاة الظهر، قوموا واصرخوا بصوت عالٍ: نستشفع برسول الله للمسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله. يعني داخلين على رسول الله، عنا عند المسلمين يتوسط لنا حتى يردوا علينا نساءنا، وإلى المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستشفعوا عند النبي ويتوسطوا لنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرد علينا نساءنا.

الآن الجيش لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بهذا الأمر. صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقام هذا الوفد من قبيلة هوازن وصرخ بهذه الصرخة بين المسلمين. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قام فأعطى خطبة. ماذا قال فيها؟ لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، قاموا أي قبيلة هوازن، فتكلموا بالذي أمرهم به النبي عليه الصلاة والسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال...

خطيبا في أصحابه فقال: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. بالنسبة لما عشيرتي أنا وعشيرة أمن عليها فهو لكم، أرد عليكم نساءكم وذراريكم الذي في سهم عشيرتي.

فالآن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال هذا أمام الصحابة، المهاجرون الأوائل أصحاب الإيمان الراسخ قالوا: ونحن ما كان لنا فهو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني ما سيكون في سهمنا من النساء والذراري فلك يا رسول الله، ردوا عليهم.

ثم تبعهم الأنصار فقالوا: وما كان في سهامنا يا رسول الله فهو إليك اصنع به ما شئت. من الذي بقي؟ بقي كما قلنا بعض سادات العرب الذين أسلموا بعد فتح مكة يعني مسلمة الفتح. فقام الأقرع بن حابس وهو من يعني كما يقولون من كان من الأعراب أسلم رضي الله عنه، وكان من الأعراب وكان فيه جفوة، كان فيه جفوة وشد الأقرع بن حابس. وهذا واضح في كل، قال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم يعني قبيلتي فلا، نحن لن نعفو عن نصيبنا، نريد نصيبنا من الغنائم يا رسول الله. وعيينة بن حصن قال: أما أنا وابن فزارة فلا، عيينة بن حصن اللي كان يشارك مع النبي صلى الله عليه وسلم في محاصرة الطائف حتى يوطأ جارية، يعني شيء طبيعي أن يكون هذا موقفه أنه يا رسول الله أنا أريد نصيبي من النساء والذراري.

العباس بن مرداس أيضا من جفاة الأعراب، نفس الشيء قال: أما أنا وبنو سليم فأيضا نريد نصيبنا. العباس بن مرداس لما قال: أما أنا وقبيلتي بنو سليم نريد نصيبنا، قبيلته ردت عليه فقالت: لا لا لا، نريد نصيبنا بل ما كان لنا فهو إلى رسول الله. فهنا العباس بن مرداس أتى إلى قبيلته وقال يعني هكذا تفشلون أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذه من الطرف الجميلة، يعني هو عباس بن مرداس لما شاف الأقرع بن حابس قال: أما أنا وبنو تميم فلا نرضى، وعيينة بن حصن قال: أما أنا وابن فزارة فلا نرضى، العباس بن مرداس أخذته الحمية فقال: أما أنا وبنو سليم فلا نرضى، فقبيلة بني سليم قالوا: لا، أو قبيلة بني سليم قالوا: لا نحن نرضى، قد يا رسول الله ما شئت فهو. فغضب العباس بن مرداس من قبيلتي، يعني ماذا ما وقفتم معي؟ لماذا فشلتموني أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فالنبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يحل المشكلة، يعني أيضا قبيلة هوازن صعب عليها أن نساءها تتوزع، بعضها يرد وبعضها لا يرد، سيكون الأمر صعبا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الذين أصروا أن يبقوا على نصيبهم من الغنائم لهؤلاء مسلمة الفتح الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ومن تبعهم، قال من بقي على نصيبه وتمسك به، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل كل إنسان ست فرائض، يعني كم سيخرج في سهمك من النساء والذراري؟ أنا أعطيك على كل إنسان على كل إنسان ستة من الإبل مقابل كل إنسان ستة من الإبل. وهذا عرض كبير جدا أنه يعوضهم مقابل كل إنسان من السبي امرأة أو طفل أعطيك مقابله ستة من الإبل. فهنا الأقرع بن حابس وعيينة وغيرهم قبلوا أن هذا عرض جدا مغري، يعني ضاعف لهم نصيبهم من الغنائم بشكل كبير مقابل أن يعفوا عن النساء والذراري. وفعلا رضيت القبائل جميعا بهذا العرض.

فكل والذراري أعادهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبيلة هوازن. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد من هوازن: انظروا استغلال النبي صلى الله عليه وسلم للحظات. النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا الآن رد النساء والذراري لقبيلة هوازن، وققبل أن يذهب هذا الوفد ويعود بالنساء والذراري قال لهم: أين زعيمكم؟ عيينة مالك بن عوف. فقالوا: زعيمنا مالك بن عوف متحصن مع قبيلة ثقيف في الطائف، هو دخل مع قبيلة ثقيف في حصون الطائف ليس معنا. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: انظروا كيف يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشتري مال كيف نعوف أيضا؟ قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أخبروا مالكا -يعني وصلوا رسالة لمالك بن عوف- أنه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيت مئة من الإبل.

يعني انظر النبي صلى الله عليه وسلم كيف يقدم هذه العروض مئة من الإبل آلاف مؤلفة ويأخذ أهله وماله معه وبس يأتي مسلما ونعفو عنه مقابل كل هاي المعركة التي سببها ضدنا، وهذا زعيم النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يأتي به إلى صفه. فوصلت الرسالة إلى مالك، فمالك كما قلنا مالك ليس من قبيلة ثقيف ومن قبيلة هوازن لكنه دخل مع قبيلة ثقيف في الحصون، فأتي مالك بن عوف بذلك فخرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان مالك خاف ثقيفا على نفسه، مالك لأنه من قبيلة هوازن خاف أن قبيلة ثقيف لما تسمع أنه سيهرب من الحصن ويلحق محمد صلى الله عليه وسلم ويسلم، خاف مالك أن قبيلة ثقيف تقتله قبل أن يفعل فعلته. وقد كان مالك خاف ثقيفا على أن يعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما قاله فيحبسونه عندهم أو يقتلون. فأمر براحلته، كان متواعدا مع شخص أن يأتي له أو براحلته في منطقة معينة، وأمر بفرس له فأتي به إلى الطائف، فخرج ليلا من الحصن فجلس على فرسه وركض سريعا حتى أتَى حيلته حيث أمر بها أن تحبس، يعني كان عنده راحلة أمر به أن تحبس في منطقة معينة ووجد أو أمر رجلا من رجالات ثقيف أن يأتي له بفرس في الليل، فأول ما جلس على هذا الفرس ركض سريعا به، يعني ركضه أي زجره فركض بهذا الفرس سريعا إلى المكان الذي خبئت فيه راحلته ثم امتطى ظهر راحلته وأتى بها إلى جيش محمد صلى الله عليه وسلم فلحق بالنبي عليه الصلاة والسلام فأدركه بمنطقة الجعرانة فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ماله وأعطاه مائة من الإبل وأسلم فحسن إسلامه.

عجيب مالك بن عوف نتكلم عنه قبل قليل على أنه رجل شديد حاول أن يخوض معركة ضد محمد صلى الله عليه وسلم ليقضي على هذه الدعوة، إذا هو خلال أشهر ينقلب أمره ليسلم وليصبح من فرسان الإسلام الصادقين، هذا هو الإيمان. والله أحبتي حينما ينظر الإنسان في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم كيف استطاع أن يغير قلوب الناس وأن يغير المفاهيم وأن يصنع عقولهم وأن يشتري ودهم ووفاءهم له، يجد سياسة حكيمة عالية جدا منه صلوات ربي وسلامه عليه. كيف النبي عليه الصلاة والسلام استطاع أن يأتي بمالك بن عوف إلى حضن الإسلام ليصبح رجلا من صناديد الإسلام المدافعين عنه؟ اقرؤوا وتعلموا هذه السير لتستنبطوا منها فكر فقه الدعوة وفكر هذا الدين وسياسة النبي صلى الله عليه وسلم. كم يحتاج شبابنا ودعاتنا اليوم لأن يستقوا من هذا المنبع وليعرفوا كيف كان يسيس النبي صلى الله عليه وسلم الناس، يفرق بين الزعيم وبين العامي، بين القائد وبين الجندي، كل شخص له طبيعة في التعامل تختلف عن غيره من الناس.

وهنا كما قلنا أسلم مالك بن عوف وقال قصيدة مشهورة جميلة يقول فيها: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله في كلهم بمثل محمد. أنا ما رأيت ولا سمعت الناس مثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اشتدى، ومتى تشاء يخبرك عما في غدي ويخبرك يعني بأمور الغيب لأنه أوحي إليه من الله. وإذا الكتيبة عرضت أنيابها بالسهمارية وضرب لكل مهند، هو يتكلم الآن عن أجواء غزوة حنين، كيف أن الصحابة أكثرهم فر في بداية المعركة، فيريد أن يصور كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام لما فر الصحابة بقي ثابتا شامخا أسدا في وسط النزال ولم يتحرك ولم يخف ولم يخش من مواجهة، فيقول: وإذا الكتيبة يعني الجيوش التي معه مع محمد صلى الله عليه وسلم ما عرضت أي فرت، لما عرضت أي فرت وهربت، وإذا الكتيبة تعرضت أنيابها أنيابها يعني صناديدها قادة محمد صلى الله عليه وسلم الكبار لما هربوا في بداية المعركة لما رأوا السمهري أي الرماح والسيوف تنقض عليهم لما هربوا، ماذا فعل محمد؟ كيف كان موقفه؟ فكأنه ليث على أشباله وسط خادر في مرصدي، يعني وجدت محمد صلى الله عليه وسلم كاليث كالأسد الهصور ثابت في وسط النزال وكالأسد شامخ في الهباءة هي غبار المعركة خادر في مرصده يعني كالأسد في عرينه يترصد لعدوه. فهو يمدح النبي صلى الله عليه وسلم على ثباته في تلك اللحظات الصعبة بأبي وامه صلوات ربي وسلامه عليه.

إذا النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا رد النساء والأطفال إلى قبيلة هوازن، اشترى أيضا مالك بن عوف لصفه من خلال هذا العرض الذي قدمه له. الغنائم ما زالت لم تقسم بعد، الغنائم ما زالت لم تقسم بعد. يخبرنا هنا ابن هشام الآن النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر قسمة الغنائم والناس تشتد عليه، خاصة مسلمة الفتح والأعراب الذين كانوا معه كانوا يشدون على النبي صلى الله عليه وسلم أنه يا رسول الله اقسم فينا الغنائم اقسم فينا الغنائم، ألحوا عليه في ذلك حتى سحبوا رداءه، انظر ماذا يقول ابن هشام: واتبعه الناس يقولون يا رسول الله اقسم علينا فينا من الإبل والغنم حتى أن هنا في في الحقيقة هناك مشهد أريد أن أسوقه لمالك بن عوف أنه كيف النبي صلى الله عليه وسلم وظفه يعني جعله يسلم ووظفه أيضا. يقول ابن هشام: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف على قبيلته على قبيلة هوازن على الأفخاذ التي بقيت منها وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم ليقاتل ثقيفا ويستمر في حصاره لأنه لسه ثقيف ما أسلمت بعد، فكان يقاتل بهم لا يخرج لهم صرح إلا أغار عليه. يعني النبي عليه الصلاة والسلام قال لمالك بن عوف بعدما أسلم: هيا مالك، أريد أن أبعثك في مهمة، اذهب بجنودك وبمن معك من هوازن حاصروا أنتم الآن ثقيف، انظروا السياسة العليا، حاصروا أنتم الآن قبيلة ثقيف. ففعلا مالك بن عوف أسلم وحسن إسلامه وذهب بمن معه من هوازن حاصروا قبيلة ثقيف، كلما خرج يعني أنااس من ثقيف لحاجة لهم يغير عليهم مالك بن عوف حتى تأذى الثقيف جدا من مالك بن عوف، يعني البارحة كنا معك في القتال اليوم أصبحت أنت الذي تحاصرنا وتحاربنا وتقاتلنا! هذا من عجيب حاله رضي الله تعالى عنه.

المهم كما قلنا اتبع الناس النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: يا رسول الله اقسم علينا من الإبل والغنم حتى لجؤوه إلى شجرة. يعني الناس ألحّت على النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا حتى ألجؤوه إلى شجرة وضيقوا عليه، انظروا المشهد طبعا هذا كما قلنا مشهد الأعراب ومسلمة الفتح، الصحابة الأوائل ليسوا بهذا النفس وليس هذه الطريقة في التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم ربتهم سورة الأنفال، أما هؤلاء الذين لم يتربوا على سورة الأنفال احتاجوا إلى علاج. فبقي الأعراب يلحقون النبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ويلحون علي ونريد الغنائم واقسم لنا، حتى ضيقوا على النبي صلى الله عليه وسلم في شجرة وسحبوا عنه عباءته ورداءه. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما سحبوا عنه رداءه قال: يا أيها الناس ردوا علي ردائي ردوا علي ردائي. وهو في يعني حزن عليه الصلاة والسلام على هذا المشهد قال: يا أيها الناس، والله لو أنه كان لي بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما الفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا. يعني أيها الناس أنا لو كان معي كل شجر تهامة نعما وأموال لقسمتها، أنا لا أرید شيئا من هذه الدنيا، لا تظنوني أؤخر قسمة الغنائم لشيء، لكن حتى يستتب الأمر وننظر للوقت المناسب نقسمه، فردوا علي ردائي وانتظروا ما يسركم بإذن الله.

ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنب بعير، فأخذ وبْرة من سنام البعير ورفعها وقال: يا أيها الناس، والله ما من فيئكم ولا هذه الَوْبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم. يعني لا تظن أني أؤخر قسمة الغنائم لأني أريد أن آخذ نصيبا منها أو لي فيها مصلحة شخصية، هذه الغنائم ليس لي منها ولا شيء إلا الخمس الذي أمر الله عز وجل به، وهذا الخمس أصالة هو مردوده، يعني الخمس قسمه الله على الفقراء المساكين اليتامى أبناء السبيل، وإنما ليكون لآل محمد صلى الله عليه وسلم سهم واحد، يعني ليس ذاك الأمر العظيم حتى تظنوا أني أؤخر الغنائم من أجل مصالح شخصية أو دوافع نفسية.

ثم أمر الناس أن يجمعوا الغنائم وأن يحصوها وأمر الصحابة أن يجمعوا كل ما بين أيديهم من البهائم ومن الأموال، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الناس فأعطى المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافا من أشراف الناس. يعني المؤلفة قلوبهم قادة العرب قادة الأعراب الذين أسلموا كما قلنا بدأ بعد فتح مكة، كانوا أشرافا فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يثبت الإيمان في قلوبهم من خلال المال، يعني فعلا هناك أناس لا يثبت الإيمان في قلوبهم إلا بالمال.

هناك أناس وكلهم النبي صلى الله عليه وسلم لما في قلوبهم من الخير. أعطى النبي صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافاً من أشراف الناس يتألفهم لتألف بهم أقوامهم الذين يتبعونهم، فأعطى مثلاً أبا سفيان بن حرب وكان من المؤلفة قلوبهم، وهذا واقع؛ أعطاه مئة من البعير. وأعطى ابنه معاوية بن أبي سفيان الخليفة رضي الله تعالى عنه أعطاه أيضاً مئة من البعير، وأعطى حكيم بن حزام وكان ممن أسلم يوم الفتح أيضاً مئة بعير، وأعطى الحارث بن الحارث مئة بعير، وأعطى سهيل بن عمرو مئة، وأعطى لعلاء بن جارية مئة، وأعطى عيينة بن حصن الفزاري -عيينة بن حصن الفزاري مر معنا كثيراً، كان عنده يعني ما زال ضعف في الإيمان- فأعطاه مئة بعير، والأقرع بن حابس أعطاه مئة بعير، مالك بن عوف النصري الذي زعيم هوازن الذي أسلم أعطاه مئة بعير، صفوان بن أمية أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مئة بعير أيضاً.

فهؤلاء هم أصحاب المئة. صفوان بن أمية؛ لأنه كما قلنا أسلم بعد شهور فقط من غزوة حنين، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستميل قلبه بالغنائم. وكما قلنا المؤلفة قلوبهم هؤلاء يعطى منهم المسلم ويعطى منهم الكافر الذي يرجى إسلامه، فلذلك النبي أعطى صفوان بن أمية مع أنه كان كافراً في تلك اللحظات؛ هو أسلم كما قلنا بعد ذلك بشهور، لكنه كان كافراً في تلك اللحظات فأعطاه النبي؛ لأن هذا الرجل أولاً ساعد النبي صلى الله عليه وسلم بالدروع، والنبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يشتري هذا الرجل. انظروا سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع هؤلاء، بس أعطاه مئة من الإبل بعد كم شهر هذا الرجل دخل في دين الله. وأعطى مثلاً أناساً ورجالات أقل مرتبة يعني ليسوا من القادة الكبار، أقل مرتبة لكن لهم حضور، أعطوهم مثلاً خمسين من الإبل، مثل: مخرمة بن نوفل، عمير بن وهب الجمحي، هشام بن عمرو.

إذاً النبي عليه الصلاة والسلام بدأ يعطي مسلمة الفتح والأعراب. لما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ماذا حدث؟ النبي صلى الله عليه وسلم لم يعطِ الأنصار شيئاً، يعني حتى المهاجرين الأوائل النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم لأنهم كانوا فقراء، لكن الأنصار لم يصبهم شيء. غنائم كبرى وزعت في مسلمة الفتح والأعراب والمهاجرين الأوائل، والأنصار تفاجأوا أنهم لم ينالوا شيئاً من تلك الغنائم، بالتأكيد دخل في قلوبهم شيء من الحزن؛ لماذا النبي صلى الله عليه وسلم أعطى كل هؤلاء وتركنا مع أننا أهل النصرة الذين آويناه ووقفنا معه؟

فانظروا كيف هذا المشهد الأخير سأسرده اليوم؛ كيف حل النبي صلى الله عليه وسلم فوجد حي من الأنصار في أنفسهم حتى كثر القول، يعني بدأ الكلام ينتشر بين الأنصار حتى قال قائلهم: لقد عاد محمد صلى الله عليه وسلم إلى قومه، خلص ما عاد لنا دور في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام رجع إلى مكة ونسينا وتركنا وانتهت قصتنا معه. يعني كلام محزن، حزن هذا الرجل وحزنت الأنصار لما حدث. سعد بن عبادة زعيم من زعماء الأنصار حاضر معنا دائماً تدارك الموقف، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً لقبائل من العرب ولزعمائها، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء.

قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟». يعني أنت يا سعد هل تجد في نفسك أيضاً شيئاً من ذلك؟ حزيناً أنت يا سعد على ذلك؟ سعد كان صريحاً، قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي، يعني أنا في الحقيقة أقول لك إني لست حزيناً لوحدي، حزين مثلي مثل قومي. فالنبي صلى الله عليه وسلم تدارك الموقف سريعا، قال: «اجمع لي قومك في هذه الساحة». فخرج سعد فجمع الأنصار مباشرة، عرفوا أن هناك خطاباً سيوجه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم. يعني كان هذا اجتماع خاص بالأنصار لا أحد يأتي غير الأنصار؛ جاء ابتداء جماعة من المهاجرين تركهم النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون، جاء أيضاً طائفة أخرى من المهاجرين منعهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هذا اجتماع خاص بالأنصار.

فلما اجتمعوا له، آتاه سعد فقال: يا رسول الله اجتمعوا لك فتكلم. فاتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «يا معشر الأنصار، مقالة بلغني عنكم وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم عالة فقراء فأغناكم الله بي، وكنتم أعداء فألف بين قلوبكم؟». بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعدد النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليهم، ما هو أجمل وابهى وأغلى وأنفس من كل هذه الأموال التي قسمها النبي صلى الله عليه وسلم على قبائل العرب. بدأ يذكرهم بنعمة الإسلام ونعمة الألفة ونعمة غنى النفس واجتماع القلوب، هذه هي النعم العظيمة. فقالوا: بلى والله يا رسول الله، أنت أمن وأفضل، يعني لا ننكر ذلك يا رسول الله.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قال له الأنصار: الله ورسوله أمن وأفضل، قال لهم: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ أريد جواباً منكم، ردوا علي على هذا الكلام». يعني النبي عليه الصلاة والسلام يريد منهم أن يردوا عليه. ماذا فقالوا؟ ماذا نرد عليه يا رسول الله؟ الله ورسوله أمن وأفضل لا نرد غير ذلك. فقال: «أما والله أيها الأنصار، أنا أعلم أن قلوبكم نقية، يعني بهذا المعنى: لو شئتم لردتم علي ولقلتم ولصدقتم فيما قلتم: أتيناك مكذباً فصدقناك، وكنت مخذولاً فنصرناك، وكنت طريداً فأويناك، وكنت عائلاً فآسيناك». أنتم تستطيعون أن تردوا علي في المقابلة. أنا ذكرت بهذه النعم؛ نعمة الإسلام نعمة تآلف القلوب، لكنكم أيضاً تستطيعون أن تردوا علي في الجانب المقابل، فتقولوا لي ولو قلتم لصدقتم.

النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تستطيعون أن تردوا علي ولو قلتم لصدقتم، وهذا الرد منكم ليس كذباً بل هذا الواقع: أتيناك مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فأويناك»، يعني نحن آويناك ونصرناك وفتحنا لك مدينتنا وقبيلتنا وأرضنا وأهلنا، تفعل فينا ما تشاء وخضنا معك المعارك، تستطيعون أن تردوا علي بهذا الرد. ثم قال: «يا أيها الأنصار، أوَجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار؟» الكلام هنا الجميل الراقي العالي من محمد صلى الله عليه وسلم.

اسمعوا ماذا قال لهم، قال: «ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير إلى بيوتهم، وتعودون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ والذي نفسي بیده، لولا الهجرة لكنت امراً من الأنصار، ولو سلك الناس شعْباً وسلكت الأنصار شعْباً لسلكت شعْب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار».

في تلك اللحظات لم يتمالك القوم دموعهم، فنزلت وهطلت هذه الدموع على وجناتهم، عرفوا الحب الكبير الذي يملكه النبي صلى الله عليه وسلم لهم، عرفوا أن ذاك الحب حب مستدام لن يتغير ولن يتبدل. نعم، فتحت مكة، عدنا إلى قومنا وأهلينا وديارنا، لكن لا تظن أني أقيم في بلدي، أنتم أنا سلمي سلمكم وحربي حربكم، أقف معكم لأنكم وقفتم معي، نحيا معاً ونقضي معاً، لن نترككم إلى آخر اللحظات. هذه الكلمات التي وجهها النبي صلى الله عليه وسلم للانصار فأبكتهم؛ فرحة ليست دموع الحزن، هي دموع الفرحة، دموع السرور بالحب الكبير الذي يملكه النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وحق للانصار أن يظفروا بهذا الحب. رحم الله الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ونلتقي بكم في مجلس آخر من مجالس غراس العلم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.