غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح الأرجوزة المائية للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله تحفة وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في بذكر حال أشرف البرية للإمام ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه، ونحن نقف على سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى أيامه وسلمه وحربه وأخلاقه وسياسته ومنهجه ودعوته، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.
في المحاضرة السابقة أحبتي انتهينا من غزوة حنين ومن حصار الطائف، ووصلنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل في منطقة الجعرانة بعد أن لم يتمكن من فتح الطائف، ولم يكتب الله عز وجل له هذا الفتح؛ لأن هناك أمراً في قدر الله سبحانه وتعالى قدر أن أهل الطائف سيأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين في السنة التاسعة من الهجرة كما سيأتي معنا بإذن الله.
النبي صلى الله عليه وسلم عاد من حصار الطائف فأقام بالجعرانة وقسم الغنائم، وعرفنا كيف أنه أعطى المؤلفة قلوبهم من الغنائم ما لم يعط غيرهم، وأنه لم يعط الأنصار، فوجد الأنصار في قلوبهم شيئاً. وأم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة العظيمة خطبة الود والمحبة والنصرة، وأخبرهم عليه الصلاة والسلام: «لو سلكتم وادياً أو شعباً وسلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها»، فبيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ما بينه وبينهم من الحب والولاء وعيشة العمر والنصرة لهذا الدين والعيش معاً والموت معاً أعظم بكثير بكثير من كل هذه الأموال، ومن كل هذه النوق والجمال التي أعطاها صلى الله عليه وسلم للمؤلفة قلوبهم.
إذاً، اليوم نكمل باقي الأحداث التي ستأتي أو التي ذكرها ابن أبي العز الحنفي في العام الثامن من الهجرة، وابن أبي العز كما ذكرنا سردنا الأبيات في المجال السابقة. في المجال السابقة ذكرنا أهم الأحداث التي حدثت في هذا العام، نعيد سريعاً كما سردها ابن أبي العز في الأرجوزة. قال رحمة الله عليه وأهديت مارية القبطية هذا في السنة السابعة، وهي في الثامنة السارية لمؤتة سارت وفي الصيام قد كان فتح البلد الحرام.
العام الثامن كما قلنا عام غزير بالأحداث والمشاهد الكبرى في تاريخ الإسلام، كان في مطلعه غزوة مؤتة، ثم بعد ذلك جاء فتح مكة في شهر رمضان، ثم في شوال كانت حنين وحصار الطائف. قال: وبعده قد أوردوا ما كان فيه يوم حنين ثم يوم الطائف؛ غزوة حنين وما تلاها من حصار الطائف، ثم قال: وبعد في ذي القعدة ائتماره من الجعرانة واستقراره، أي عودته إلى المدينة.
دعونا نقف عند هذا المشهد، النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا أقام الآن في الجعرانة، وزع الغنائم وخطب إخوته من الأنصار، قرر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأثناء أن يقوم بالاعتمار، وكانت هذه العمرة عمرة خفية لم يعلم بها كثير من الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم. خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعدد محدود جداً جداً من الصحابة، اعتمر عمرة خفية كما يقولون للبيت الحرام، ثم عاد سريعاً إلى الجيش واتجه باتجاه المدينة النبوية.
يقول ابن هشام رحمة الله تعالى عليه: ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمراً. الآن الذي خرج معتمراً من الجعرانة النبي صلى الله عليه وسلم مع عدد محدود من أصحابه، بدليل أن كثير من الصحابة الكرام نفى أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام اعتمر من الجعرانة. كما ورد عن ابن عمر في صحيح مسلم أنه نفى أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة، والسبب في ذلك أنه رضي الله عنه لم يطلع على هذه العمرة حاله كحال كثير من الصحابة.
كما قلنا لأن هذه العمرة فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بشكل سريع، بشكل سريع بعدد محدود من الصحابة، خرج من الجعرانة معتمراً، ذهب إلى البيت الحرام، عمل عمرة وعاد سريعاً إلى الجيش من دون أن يعرف كثير منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غادر المعسكر. لذلك متى وجدتم في الأحاديث الصحيحة أن بعض الصحابة نفى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة، فاعلموا أن سبب هذا النفي أن هذا الصحابي لم يطلع على هذه العمرة كما وقع مع ابن عمر رضي الله تعالى عنه.
يقول ابن إسحاق كما نقل عنه ابن هشام: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمراً، وامر ببقايا الفيء -يعني الظاهر أنه بقي شيء من فيء حنين معه لم يقسم بعد- أمر به صلى الله عليه وسلم فحبس في منطقة الظهران. فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف راجعاً إلى المدينة كما وعد الأنصار: أني سامكث عندكم في دياركم، فالدم الدم والهدم الهدم. فعاد النبي صلى الله عليه وسلم ليلبي وعده ووفاءه للأنصار رضوان الله تعالى عليهم. واستخلف على إمارة مكة عتاب بن أسيد، عتاب بن أسيد من رجالات مكة الكبار، وهو من مسلمة الفتح.
فالنبي صلى الله عليه وسلم من باب السياسة الشرعية كما قلنا وتطييباً لخاطر أهل مكة استعمل عليهم رجلاً منهم، استعمل عليهم رجلاً منهم ومن أكابرهم في الجاهلية، حتى يستتب الأمن والاستقرار في مكة المكرمة. إذاً، استخلف النبي صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد حاكماً على مكة ونائباً وأميراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، وعاد عليه الصلاة والسلام باتجاه المدينة.
خلف النبي صلى الله عليه وسلم مع عتاب بن أسيد الصحابي الجليل الفقيه معاذ بن جبل تركه في مكة ليعلم الناس أمور دينهم، فإن أكثر أهل مكة دخلوا في الدين حديثاً، يحتاجون إلى معلم وإلى مفقه يعلمهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا ينبهنا على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم المسلمين الجدد قضايا الدين، وهذا أمر مهم أحبتي؛ كل مسلم يحتاج أن يتفقه وأن يتعلم أمور دينه.
نستغرب من أناس يحيون في بلادنا وبين أظهرنا، يعيشون ويكبرون ويموتون وهم لا يعرفون شيئاً من عقيدتهم، وهم لم يفسروا كلام ربهم سبحانه وتعالى، لم يعرفوا ما فيه من الكنوز، وما فيه من العبر، وما فيه من السنن، وما فيه من الهداية والرشاد. يعيش الإنسان منا في مجتمعات مسلمة لكنه يعيش حاضراً بجسده غائباً، لا يتعلم فقه الدين ولا يتعلم فقه الحياة، يمارس المعاملات والمناكحات، ويبيع ويشتري ويؤجر ويشارك من دون أن يسأل: هل هذا الذي أفعله حرام أم حلال؟ هل يرضي الرب سبحانه وتعالى أم لا يرضي الرب سبحانه؟ وهذه قضية خطيرة علينا أن ننتبه إليها أحبتي، على المسلم أن يكون مثقفاً في دينه، هذا أقل شيء.
إذا لم ترغب في طلب العلم وتدخل في هذا الميدان الرائع، أقل أحوالك أن يكون عندك ثقافة عامة بهذا الدين، أقل شيء أن تكون قرأت سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وعرفت نبيك، أقل شيء أن تكون عرفت العقيدة الحقة التي تدين بها لله سبحانه وتعالى حتى تحصن نفسك من الشبهات في زمن الفتن.
إذاً، محمد صلى الله عليه وسلم ترك معاذ بن جبل لوظيفة شريفة مهمة، وهي أن يعلم الناس دين ربهم سبحانه وتعالى. كانت عمرة الجعرانة إذاً في ذي القعدة، كانت هذه العمرة في ذي القعدة أيضاً، وعمرات النبي صلى الله عليه وسلم كانت في ذي القعدة جميعها، باستثناء العمرة التي فعلها مع حجة الوداع باستثناء التي فعلها مع حجة الوداع فإنه صلى الله عليه وسلم حج قارناً جمع بين الحج والعمرة، فهذه العمرة بالتأكيد كانت في شهر ذي الحجة. أما العمرات الثلاثة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم فكانت في شهر ذي القعدة.
ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في أواخر ذي القعدة، واستمر في حتى جاء يعني الحدث الذي يليق عن غزوة تبوك. بقي النبي صلى الله عليه وسلم مقيماً في مدينته حتى جاءت غزوة تبوك في أوائل السنة التاسعة من الهجرة، لكن أثناء هذه الأشهر حدثت بعض الحوادث اللطيفة لعلنا نمر على بعضها، وحدثت بعض الحوادث المؤلمة أيضاً، حدثت حوادث وحدثت حوادث مؤلمة.
من الحوادث اللطيفة التي لم يتطرق إليها ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه: إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى. زهير بن أبي سلمى أظنه شاعر معروف لديكم أحد أصحاب المعلقات: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين دهراً لا أبا لك يسأم. المعلقة الشهيرة لزهير بن أبي سلمى. له ابنان: أحدهما اسمه بجير، والآخر اسمه كعب. بجير كان مقيماً مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة مسلما، وأما كعب بن زهير بن أبي سلمى فلم يكن مقيماً في المدينة، وكان من الشعراء الذين يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقعون فيه.
بجير بن زهير كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما كعب بن زهير فكان لم يكن مقيماً في المدينة، وكان شاعراً معروفاً -كعب بن زهير شاعر معروف والآن ستعرفونه أكثر وأكثر- لم يكن مقيماً في المدينة وكان كافراً يقع في النبي صلى الله عليه وسلم في شعره ويهجوه. فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة ورأى بجير ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالشعراء الذين كانوا يؤذونه ويقعون فيه، وأنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، هنا بجير خاف على شقيقه كعب، فبعث إليه رسالة مفادها أن يا كعب اقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتب وأسلم واعتذر إليه مما فعلت، فوالله إن ظفر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلنك شر قتلة.
بعث هذه الرسالة إلى شقيقه وإلى أخيه كعب. كعب لم يأخذ هذه الرسالة ابتداء بمحمل الجد، وكتب أبياتاً إلى أخيه بجير فيها شيء من الاستهزاء، تعالي بالنفس والاستكبار عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. دعونا ننظر ابن هشام ماذا سرد لنا من تفاصيل هذه الحكاية المختصرة.
لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى المدينة، كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب يخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه بشعره، وأن من بقي من شعراء قريش مثل ابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة -يعني إذا كنت تحب أن تبقى على قيد الحياة- فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أسرع القدوم إلى محمد عليه الصلاة والسلام فانه لا يقتل أحداً جاءه تائباً، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، وإن لم تفعل فانج -ينبغي أن تهرب وأن تدرك نفسك- قبل أن تقع بين يدي رسول الله.
فهناك كعب كما قلنا أرسل أبياتاً من الشعر إلى أخيه بجير يقول فيها: ألا بلغن عني بجيرا رسالة، فهل لك فيما قلت ويحك هل لك؟ فبيّن لنا إن كنت لست بفاعل على أي شيء غير ذلك دلك. على ماذا دلك هذا الرسول الذي تتبعه؟ على خلق لم تلف أماً ولا أبابعليه، ولم تدرك عليه أخاً لك. هذا النبي حرفك عن الأخلاق التي كان عليها آباؤك وأجداك -طبعا الانحراف هو عند كعب، لكن هو صور لأخيه أنه أنت يا اخي عندك مشكلة، وأن محمد صلى الله عليه وسلم تلاعب بفكرك وجعلك تترك دين الآباء والأجداد، وهذه عادة المشركين أنهم كانوا يتفاخرون بابائهم ويقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون.
ثم يكمل كعب فيقول له: فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ولا قائل أما عثرت لعالك. لعالك كلمة تقال لمن يتعثر في الطريق، تفاؤل بأنه سيقوم وينتعش مرة أخرى، بها المأمون كأساً رويّة فانهلك المأمون منها وعلك. انهلك سقاك السقيا الأولى وعلك السقيا الثانية. المهم يعني لست في سياق شرح هذه الأبيات، المهم كعب في هذه الأبيات يقول لأخيه: أنت ماذا استفدت من محمد صلى الله عليه وسلم ومحمد عليه الصلاة والسلام قد غير مفاهيمك وجعلك تترك دين آبائك والمآثر التي كنت عليها؟
فأبو جبير لما وصلت هذه الأبيات من أخيه تحرق قلبه، ولم يستطع أن يكتم هذه الأبيات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شعر أنه إذا كتم هذه الأبيات أخطأ، فأتى أبو جبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما فعل وماذا رد عليه أخوه وقرأ عليه الأبيات، والنبي صلى الله عليه وسلم علق على هذه الأبيات تعليقات ذكرها ابن هشام رحمة الله عليه يطول معنا ذكرها، لكن المهم النبي صلى الله عليه وسلم سكت وغض الطرف عن هذا الموضوع ابتداء.
لكن في الحقيقة دعونا نعود إلى كعب، هل كعب حينما أرسل هذه الأبيات إلى أخيه بجير كان فعلا مقتنعاً غاية الاقتناع بما يفعله؟ أم كان يتساوره الخوف والريب والحيرة والاضطراب ماذا يفعل؟ في الحقيقة هذه كانت حالة كعب؛ كان خائفا مرعوباً يشعر بالحيرة والاضطراب لم يدري ما يفعل في هذه اللحظات، فهو إن أرسل هذه الأبيات إلى أخيه لكن كما يقول علماء
كان رجل مضطربا، خائفا ومحتارا، والذي زاد خوفه واضطرابه أن أعداءه الذين كانوا يتسامرون معه -يعني هناك الشعراء لهم ندماء وأناس يتسامرون معهم ويجلسون معهم في النوادي والمجالس- ندماؤه لم يكونوا على قلب رجل واحد له، فكان بعضهم يحاول أن يزرع الخوف في قلبه ويقول له: يا كعب، محمد صلى الله عليه وسلم إذا ظفر بك سيقتلك.
فهذا الأمر زاد الخوف والاضطراب والتوجس من كعب، وشعر أن الأرض قد ضاقت عليه ولم يعرف ماذا يفعل.
في النهاية قرر كعب أن يتخذ القرار، ابتداء هو كان رافضا أن يذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم تائبا، لكن بعد أن شعر بهذا الخوف وهذا الاضطراب وهذه الحيرة -وندماؤه كما قلنا الذين كانوا أو كثير منهم لم يكن مخلصا له في الحب والوفاء والنصرة- كانوا يخيفونه، يقولون له: إن محمدا صلى الله عليه وسلم سيقتلك وهذه ستكون نهايتك ونهايتك بئيسة.
المهم فشعر كعب بالخوف وقرر أن يفعل أو أن يأخذ بنصيحة أخيه وذهب إلى المدينة النبوية خفية.
دخل في جوار رجل من أصدقائه القدامى، رجل من بني جهينة لم يذكر لنا ابن هشام اسمه.
دخل كعب بن زهير بن أبي سلمى خفية إلى المدينة، بات عند صديقه الجهني وانتظر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح ثم جلس كعادته يذكر ربه سبحانه وتعالى.
النبي عليه الصلاة والسلام لم يصادف في يوم من أيام دهره كعبا، يعني لو رأى وجهه ما عرفه، هو يسمع بكعب ويسمع بهجائه له، لكنه لم يرى في حياته، فبعد أن صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح جاء كعب وسلم على النبي عليه الصلاة والسلام من دون أن يعرفه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فلما سلم عليه النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا غريبا فطره عليه السلام ما عرفه، فقال له هذا الرجل: يا محمد أو يا رسول الله، لو أنني أتيتك بكعب بن زهير بن أبي سلمى مسلما تائبا هل تقبله؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم سأقبله».
فهنا كعب استبشر وقال: أنا كعب يا رسول الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
فانضم كعب إلى قافلة محمد صلى الله عليه وسلم، وقبل منه النبي عليه الصلاة والسلام توبته وقال قصيدته المشهورة التي تسمى البردة، والتي مطلعها كما تعلمون: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم أثرها لم يفد مكبول.
نبئت أن رسول الله أوعدني * والعفو عند رسول الله مأمول.
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الـ * قرآن فيها مواعيد وتفصيل.
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنـ * ب ولو كثرت في الأقاويل.
مع أن هو في الحقيقة أذنَب وارتكب شيئا عظيما في هجائه لمحمد صلى الله عليه وسلم، لكن هذه عادة الشعراء في استعطافهم.
أظن البردة قصيدة معروفة شهيرة تحفظ وشرحها ابن هشام رحمة الله عليه.
يعني من الأبيات الجميلة: إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول.
في عصبة من قريش قال قائلهم * ببطن مكة لما أسلموا زولوا.
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف * عند اللقاء ولا ميل معازيل.
شم العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل.
بيض سوابق قد شكت لهم حلق * كأنها حلق القفعاء مجدول إلى أو كأنها حلق القفعاء مشدود، إلى آخر الأبيات التي ذكرها، يعني قصيدة طويلة يصعب أن نسردها الآن.
المهم في هذه القصيدة يقولون إن كعب هجا الأنصار في شطر بيت، لما قال: يمشون مشي الجمال الزهري يعصمهم * ضرب إذا عرد السود التنابيل.
يعني إذا فر السود التنابيل وقصد بذلك الأنصار، لماذا هجا الأنصار؟ يقولون لما كعب وضع يده في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلنت توبته وإسلامه، انتدب رجل من الأنصار إلى رسول الله وقال: يا رسول الله دعني أضرب عنقه لأنه كان يؤذيك ويهجوك.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لهذا الأنصاري: «دعك عنه فانه قد جاء تائبا إلى ربه نازعا عما كان عليه».
فهنا كعب لما رأى هذا الرجل من الأنصار وعرف الحي الذي كان منه، حقد كعب على هذا الحي من الأنصار، لذلك هجاهم في بانت سعاد.
ثم قيل يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أن يمدح الأنصار وأن يرفع من شأنهم ليعوض هذا الخطأ، لأن الأنصار لما سمعوا هذا البيت من كعب وهو يقول: يمشون مشي الجمال الزهري يعصمهم ضرب إذا عرد السود التنابيل، لما قال: إذا عرد السود التنابيل، غضب الأنصار وعرفوا أنهم يريد أن يعرض بهم بسبب ما فعله زميلهم به.
فهنا النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أسلم، أمره أن يعطي قصيدة في الفخر بالانصار والرفع من شأنهم وذكر مكارمهم، وفعلا أعطى قصيدة جميلة في ذلك: من سره كرم الحياة فلا يزل * في مقدم من صالح الأنصار.
ورثوا المكارم كابرا عن كابر * إن الخيار هم بنو الأخيار.
قصائده جميلة كعب بن زهير، وهو من شعراء الحوليات كما يقولون، الذين كانوا في العادة إذا نظموا قصيدة يمكثون حولا كاملا في تهذيبها وتنقيحها إذا أراد أن يصدرها ويخرجها للجمهور.
إذاً، هذه كانت قصة لطيفة، قصة إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى.
أما الأحداث الأخرى التي وقعت في هذا العام كما سردها ابن أبي العز الحنبلي، نسرد سريعا باقي الأحداث في العام الثامن من الهجرة، فقال في البيت الرابع: وبنته زينب ماتت ثم مولد ابراهيم فيها حتما.
أي في العام الثامن من الهجرة كانت وفاة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، زينب زوجة أبي العاص بن الربيع المرأة المحبة لزوجها المحبة لأبيها، هذه المرأة العفيفة الطاهرة قال رضي الله تعالى عنها توفاها الله عز وجل في هذا العام، وغسلتها أم عطية الأنصارية.
ودخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم عطية فقال: «اغسلن ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور».
فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقو، وهو: إزاره فأشعرناها به، وظفرنا شعرها ثلاثة قرون.
إذاً، وفاة زينب رضي الله تعالى عنها كانت في هذا العام، وهي بالتالي حادثة مؤلمة وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يفقد بناته تباعا رضي الله عنه، فكل بناته توفين في حياته، وإنما التي بقيت خلفه هي فاطمة، توفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر.
من الأحداث السعيدة في الجانب المقابل كانت ولادة إراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم من أمته مارية القبطية رضي الله عنها، لذلك قال: وبنته زينب ماتت ثم مولد إبراهيم فيها حتما.
ومن غرائب ما وقع أن إبراهيم رضي الله عن الجميع مات صغيرا، ولد في اليوم الذي انكسفت فيه الشمس.
ولادة إبراهيم كانت في يوم وقع فيه كسوف الشمس، فظن الناس أن الشمس انكسفت لموت إبراهيم بولادة إبراهيم، ظن الناس أن الشمس كُسِفت لولادة إبراهيم.
وكانت هذه من الخرافات أو الأساطير المقبولة السائدة عند العرب أن الشمس إنما تنكسف لولادة عظيم من العظماء.
فلما ولد إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام انكسفت الشمس، فظن الناس بناء على قصص الجاهلية أن انكساف الشمس يتعلق بموت أو بولادة عظيم -يعني هم يقولون: إما موت عظيم أو بولادة عظيم- فقالوا: ولد عظيم من العظماء إبراهيم بن محمد صلى الله عليه وسلم.
فالنبي عليه الصلاة والسلام مباشرة صعد وخطب الناس وقال: «أيها الناس، إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته»، يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغير هذه الأفكار السائدة التي ليس لها علاقة بالحقائق، وإنما هي كما قلنا عقائد وخرافات وأساطير جاهلية لا تمت إلى الواقع بصلة.
فالحركات الكونية والأجرام السماوية إنما تتحرك بإرادة الله سبحانه وتعالى، وليس لها علاقة بموت إنسان أو ولادة إنسان، إلى غير ذلك من الربط الذي كانت تحدثه العرب في جاهليتها.
فهذا من الأحداث التي وقعت في يوم ولادة إبراهيم بن محمد صلى الله عليه وسلم.
أيضا من الأحداث التي ذكرها ابن أبي العز في هذا العام قال: ووهبت نوبتها لعائشة سودة ما دامت زمانا عائشة.
سودة بنت زمعة كانت قد كبرت وأصبحت حركتها ثقيلة، وتوهمت سودة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لربما يستغني عنها بسبب أنها أصبحت كبيرة في السن وعجوزا وحركتها ثقيلة -يعني لم تكن حركتها سهلة، يقولون سودة رضي الله عنها كانت ثقيلة جدا في الحركة، كان فيها شيء من السِنّ رضي الله عنها-.
فلما كبرت سودة بنت زمعة وأصبحت عجوزا وأصبحت ثقيلة في التحرك ظنت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يفكر في طلاقها، فسارعت سودة رضي الله تعالى عنها بأن وهبت نوبتها ويومها لعائشة، لأنها تعلم سودة أن عائشة هي أحب زوجات النبي صلى الله عليه وسلم إليه، فحتى تتودد سوداء للنبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، أنا لا أريد منك نوبة -يعني لا أريد يوما خاص بي- فقط دعني أكون من زوجاتك في الجنة، هذا ما أطمح إليه، هذه غاية طموحي في هذه الحياة، رضي الله عن سيدتنا سوداء.
فيا رسول الله، هذا يوم الذي تأتي فيه أنا أهبه لعائشة، فاذهب إلى عائشة وبات عندها، يكفيني أن أبقى زوجة لك في جنات النعيم.
فرضي الله عن سوداء ورضي الله عن عائشة، وصلى الله على نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
إذاً، في هذا العام كانت هبة سوداء لعائشة نوبتها.
وأيضا من أحداث هذا العام في البيت السادس والثمانين: وعمل المنبار غير مختفي وحج كن باهل الموقف.
أيضا صناعة المنبر، النبي صلى الله عليه وسلم أحبتي كان إذا خطب الناس يخطب إلى جذع نخل كان في المسجد.
فجاءت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن لي ابنا نجارا -عندي ابن نجار محترف- يستطيع أن يصنع منبرا من أخشاب تعلو به حتى يراك الناس.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أعجب بهذه الفكرة وامر بصناعة المنبر، وفعلا صنع المنبر له -ثماني سنوات النبي صلى الله عليه وسلم يخطب متكئا إلى جذع نخلة-.
فلما صنع المنبر وأتي به إلى المسجد وارتقى النبي صلى الله عليه وسلم عليه، سمع الناس في المسجد ضجيجا وصوتا وانينا ونياحة، فتعجب الناس ينظرون فلم يجدوا أحدا.
فنَظَروا إلى الجذع الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم يخطب عليه أو إليه، فسمعوا الصوت ينبعث منه.
أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الجذع الذي اتكأ عليه صلى الله عليه وسلم ثماني سنوات، حن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى على فراقه، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام ابتعد عنه مسافة محدودة، لكن بكى الجذع وحق له أن يبكي على فراق يده الشريفة بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.
بكى الجذع وحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي نبي الرحمة الرؤوف الرؤوم صاحب القلب الحاني، نزل النبي صلى الله عليه وسلم وعانق الجذع وأخذ به حتى هدأ.
هكذا كان أحبتي الجمادات، الأشجار، الحجارة، الجبال، الأنهار، كل شيء كان يعشق محمد صلى الله عليه وسلم، ارتبط به، يتعلق به بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، يسلمون عليه، يسرون بمروره، يسرون بسماع صوته.
فكيف حالنا نحن البشر؟ ألهذه الدرجة قست قلوبنا فما عاد ذكر محمد صلى الله عليه وسلم يحرك مشاعرنا ووجداننا؟ ألهذه الدرجة قست قلوبنا فما عدنا نهتم بقراءة سيرته والاطلاع على هديه وأخلاقه وشمائله وأيامه؟
شجرة أحبتي يبكي ويئن شوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، السنا نحن أحق أصحاب القلوب وأصحاب الحياة الذين نقرأ ونفهم ونسمع ونعيش مع محمد صلى الله عليه وسلم في سنته، السنا أحق أن نشتاق إليه بأبي هو وأمي، أن نتعلق بمنهجه، أن نتمسك بصراطه الذي رسمه لهذه الأمة؟
فعلا أحبتي، إن أنين الجذع هو رسالة لكل صاحب قلب قاس جاف بعيد عن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبهه يقول له: أنا الجذع وقد حننت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما بالك أيها الإنسان تعرض عمن بعث إليك بالسعادة العظمى، عمن نشر بين يديك الهداية الكبرى، عمن رسم لك درب السعادة وهداك إلى جنات النعيم، هداك هداية الإرشاد والدلال وبين لك هذه السبل التي تقود إلى مرضات الله سبحانه وتعالى؟
محمد صلى الله عليه وسلم أعظم إنسان على هذه الأرض، حق للجذع والشجر والجبال ولكل هذا الكون أن يبكي على فراقه بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.
صناعة المنبر وحنين الجذع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم المشهد الأخير، قال: وحج عتاب بأهل الموقف. في هذه السنة الذي حج بالمسلمين عتاب بن أسيد والي رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة. الآن، هل كان الحج مفروضاً على المسلمين في العام الثامن من الهجرة؟ هذه مسألة ذكرنا أن ابن أبي العز ذكر فيها خلافاً.
وابن أبي العز ذكر فرض الحج في العام السادس من الهجرة، لكن هذه مسألة فيها خلاف؛ لأن البعض، وهو الأشهر، يذكر أن فرض الحج كان في العام التاسع من الهجرة. لكن نقول: فرض الحج كان في العام التاسع من الهجرة فرضا كفرض على خلاف في ذلك.
وأما مشروعية الحج عموماً، فالذي يظهر من أحوال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أن مشروعية الحج كانت قائمة، لكن لم يكن فرضاً في العمر مرة إلا في العام التاسع من الهجرة، وإلا كان مشروعاً بدليل أن عتاب حج بالمسلمين في العام الثامن من الهجرة. لكن في هذا العام كان المشركون أيضاً ما زالوا يحجون البيت، ولم يصدر النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأمر العام بمنع المشركين من طواف بالكعبة ومن الصعود إلى المشاعر.
هذا الأمر جاء في العام التاسع من الهجرة. وفي العام الثامن كان الحج فيه مختلطاً كما نقول؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يصدر الأمر بعد بمنعه من الحج، وفيه المسلمون والذي حج بالمسلمين وكان على إمارة الحج سيدنا عتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه، قال عنه: والي مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذا انتهينا من أحداث العام الثامن من الهجرة ننتقل إلى العام التاسع من الهجرة، وها نحن نقترب من النهاية أكثر وأكثر. في العام الثامن من الهجرة ما أهم الأحداث؟ ما هي آخر الغزوات التي خاضها محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن ينتقل إلى جوار ربه؟ دعونا ننظر ماذا سرد لنا ابن أبي العز في أحداث هذا العام. يقول في البيت السابع والثمانين: ثم أتى تبوك قد غزا بالتاسعة، أي غزوة تبوك، وهي آخر غزوات محمد صلى الله عليه وسلم كانت في العام التاسع من الهجرة.
وهد مسجد الضرار رافعاً، وحج بالناس أبو بكر وثم. تلاه أو تلا براءة علي، وحتم أن لا يحج مشرك بعده ولا يطوف عام ذا بأمر فعالا. وجاءت الوفود فيها تترى، هذا ومن نساه الشهراء. ثم النجاشيان عا عليه من طيبة نال الفضل.
إذاً هذه أحداث العام التاسع من الهجرة باختصار طبعا كما يسردها ابن أبي العز الحنفي. وأهم وأشهر وأبرز حدث كان غزوة تبوك التي سنبدأ الآن بسرد أحداثها بإذن الله على ما يسمح به الوقت. غزوة تبوك أحبتي من الغزوات المهمة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله عز وجل كشف فيها بواطن المنافقين وافتضحهم.
غزوة تبوك لم يحدث فيها قتال مع الروم، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام استعد وتأهب وفعل ما بوسعه ليلاقي الروم، لكن الروم هابوه ولم يرغبوا في مقابلته، ما زالوا يتذكرون ما صنع بهم خالد في مؤتة. لكن هذه المرة الذي سيأتي إليهم محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه، فهابه الروم ولم يقابلوه. لكن الأمر الأبرز والأهم والأخطر في هذه الغزوة كيف أن الله عز وجل بين للمجتمع المسلم وللمجتمعات اللاحقة بواطن المنافقين، وكيف أن النفاق يتغلغل في المجتمعات المسلمة، وكيف تصرفات المنافقين تظهر في لحظات الشدة والمحن والبلاء.
والله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم عن المنافقين: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: 30]. غزوة تبوك غزوة عظيمة جداً في مواقفها وعبرها وأحكامها أحبتي، فيها العديد من المشاهد الرائعة الجميلة، وفيها أيضاً مشاهد مؤلمة. غزوة تبوك الله سبحانه وتعالى أعطانا أبرز مشاهدها في سورة التوبة، التي تسمى السورة الفاضحة.
وسميت سورة التوبة السورة الفاضحة لأنها فضحت وكشفت للمجتمع المسلم طبيعة النفاق المتغلغل والموجود، وكيف أن المنافقين على أشكال، والله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم ولاصحابه في هذه السورة المباركة العديد من تصرفات المنافقين وأشكالهم. ومنهم ومنهم ومنهم ومن كثير ما تكررت هذه الكلمة، أنه منهم، أي من المنافقين، من فعل كذا وكذا. من المنافقين يا محمد ويا أصحاب محمد من يفعل كذا وكذا.
فالله عز وجل كثف الحديث في هذه السورة عن المنافقين، عن طبائعهم، عن أخلاقهم، عن مسيرتهم، عن دورهم في فتّ أعضاد المسلمين، في تهبيط الروح المعنوية، في زرع البلبلة، في التنقص من محمد صلى الله عليه وسلم والتنقص من ثوابت الدين، وكيف أن المنافقين دائماً يتظاهرون أنهم أبرياء مساكين، ويحاولون تقديم التبريرات بكل الأخطاء الشنيعة التي يفعلونها.
الله عز وجل أراد بذلك أن تنتبه الأمة إلى يوم القيامة لظاهرة النفاق. ظاهرة النفاق أحبتي أخطر على المجتمعات من ظاهرة الكفر؛ لأن الكافر واضح، نحن نشترك جميعاً في محاربته، لكن المنافق يعيش بيننا ويتظاهر أنه من أهل الصلاح، ويتظاهر أنه عنده حرص على هذا الدين، ولكنه في الواقع يهدم هذا الدين من الأسفل. ولتعرفنهم في لحن القول.
يقولون: دعوكم من التراث، دعوكم من كلام الأئمة من كلام العلماء، دعونا نجدد في هذا الدين، دعونا نأتي بأفكار جديدة، لن تتقدم هذه الأمة إذا بقيت رأى مكبلة بحجابها وجلبابها، دعونا ندعو إلى تحرير المرأة. فهؤلاء هم أشكال من أشكال النفاق في مجتمعاتنا: الدعوة إلى تحرير المرأة، الدعوة إلى نبذ كتب التراث، كتب علمائنا رحمة الله تعالى عليهم عبر القرون، الدعوة إلى نبذ الكتاب والسنة، الدعوة إلى الدخول في أمر الدين بالعقول الأهواء، وأن الإنسان عليه أن يفهم القرآن بما يتناسب هذا العصر، وليس كما فهمه الصحابة والسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، ونسبية النص، إلى غير ذلك من الأفكار التي يثيرها المنافقون الذين يحيون بيننا وبين أظهرنا: علمانيون، ليبراليون، حداثيون، سمهم بأسمائهم وأشكالهم، يحيون بين أظهرنا ويتكلمون بألسنتنا ويتظاهرون أنهم من أبناء ديننا، ولكنهم في الحقيقة السم الناقع، يسعون لهدم الإسلام من داخله، يسعون لزعزعة ثقة الناس بربهم سبحانه وتعالى وبأصولهم ومنطلقاتهم الحضارية.
فلذلك غزوة تبوك وسورة التوبة بالتحديد أدعو كل طالب علم وطالبة علم إلى أن تقف معها وقفة متأمل متدبر متبصر، ليعرف حال المنافقين وأشكال النفاق التي تتشكل في كل زمن على شكل ربما يختلف في الأسلوب، لكنه يتفق في المضمون. يعني النفاق في مضمونه يتفق عبر العصور، لكنه يختلف فقط في شكله الذي برز فيه، يختلف في الشكل والهيئة التي ظهر فيها، وإلا المضمون واحد، ويشتركون جميعاً في الحقد والعداء لهذا الدين، العداء المبطن الذي لا يستطيعون أن يظهروه إلا في لحظات الضعف.
يعني النفاق متى يبرز ويرفع رأسه ويتكلم أنه منافق ويظهر عداؤه للدين؟ لما يكون الإسلام في مرحلة، أو المسلمون، نقول الإسلام دائماً عزيز، لما يكون المسلمون في مرحلة ضعف هنا يظهر النفاق يشتد ويبرز، لكن لما يكون الإسلام ويكون المسلمون في عزة ورفعة النفاق يخنس ويختفي. فإذاً لا بد أن نقف على مشهد النفاق في غزوة تبوك وأن نحلل هذا المشهد ونلحظ كيف كان دور المنافقين واضحاً جداً، سواء في تخذير الناس عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمنافقون الذين خرجوا مع رسول الله كيف كانوا في طوال الطريق يثبطون، يتململون، ينشرون الإشاعات، يرجفون الناس، تصرفاتهم يستهزؤون برسول الله صلى الله عليه وسلم، يحاولون قتله.
كثير من المشاهد دعونا نقف عليها رويداً رويداً في هذه الغزوة المباركة. أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب، ثم أمر الناس بالتهيئي لغزوة الروم أو لغزو الروم. غزوة الروم، وهو يقول هنا غزوة الروم، أي صح أن تقول غزو الروم.
النبي صلى الله عليه وسلم أحبتي كان من عادته إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها، لا يصرح ابتداءً بمسيره، يصرح في أثناء المسير، لكن ابتداء لا يصرح لأصحابه بالجهة، حتى يعم الإخبار عن العدو قدر الإمكان إلا في غزوة تبوك. ابتداءً وهم في المدينة النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ولاهل المدينة: استعدوا أننا سنخرج إلى غزو الروم، أعطاهم الخبر ابتداءً، استعدوا فإننا سنخرج إلى غزو الروم.
لماذا النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة صرح بوجهته؟ السبب في ذلك أحبتي، كما سيذكر ابن هشام، أن الأجواء التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم أجواء الحر الشديد، أجواء طيب الثمار، أجواء يميل فيها الناس عادة إلى أن يقيموا في بلادهم وديارهم ولا يرغبون فيها السفر، أجواء صعبة من حيث الناحية الجوية والظروف المناخية كانت صعبة. فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يكون الصحابة على بصيرة من طبيعة السير، أن المعركة في هذه المرة ليست لمكان قريب أو غارة حوالين المدينة وما يقاربها. لا لا، هذه الغزوة سنتجه فيها باتجاه تبوك والوجهة أن نقاتل الروم.
طبعاً تبوك أحبتي في التاريخ، تبوك وما بعدها، كانت تعتبر من بلاد الشام؛ تبوك والتيمة وما بعدها كانت تعتبر من بلاد الشام، يعني من أطرف بلاد الشام المتاخمة لأراضي الحجاز، ولم تكن تحسب من أراضي الحجاز. الآن اختلفت ربما معالم الدول المعاصرة، لكن قديماً هكذا كان الواقع.
إذاً النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيئي لغزو الروم. يسرد ابن هشام تفاصيل هذه الغزوة ونبدأ معه رويداً رويداً في تحليلها. النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيئي للغزو ولغزو الروم خصوصاً، ذكر أنه يريد غزو الروم، وذلك في زمن عسرة من الناس. كان الوقت شديد الحر وشدة من الحر وجدب من البلاد، كان هناك قلة في المطر وقحط، وحين طابت الثمار وجاء وقت قطف الثمار والنخيل، وهذا الموسم ينتظره الصحابة بغاية الصبر، ينتظره أهل المدينة ليخطفوا يجنوا ثمارهم، والناس يحبون المقام في ثمارهم وفي ظلالهم، ويكون الشخص في ظل وراحة في بيته مع زوجته ومع أبنائه، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه، يعني يكرهون بشكل عام السفر في هذا الوقت من العام.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قلَّ ما يخرج في غزوة إلا كنا بغيرها، وأخبر أنه يريد غير الوجهة التي يصمد إليها إلا ما كان من غزوة تبوك أنه بينها للناس لبعد الشقة، أن المسافة طويلة، السفر طويل ومحتاج لاستعداد جيد، وشدة الزمان حر وتغيب وجذب إلى آخر العوامل الجوية التي ذكرناها، وكثرة العدو، أنه هذه المرة سنقاتل الروم، والروم جربهم الصحابة في غزوة مؤتة، جاءوا بمائتي ألف رجل، فبالتالي الصحابة في أذهانهم خلفية عن مقاتلة الروم بعد غزوة مؤتة، وأن هؤلاء قوم أشداء، ليسوا حال قريش يأتي ألفين ثلاثة أربعة خمسة ستة بالكثير، لا، أنت تتكلم الآن عن آلاف مؤلفة، هؤلاء يحشدون لك، فالمعركة صعبة وتحتاج إلى همة وعزيمة وإلى قلب مؤمن.
إذاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا صرح الغزوة ليتأهب الناس لذلك، وامر الناس بالتجهز وأخبرهم أنه يريد الروم فقال صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهاز. النبي صلى الله عليه وسلم إذا بدأ يجهز وبدأ الصحابة الصادقون يجهزون أنفسهم لهذه الغزوة المباركة. الصادق أحبتي مع ربي سبحانه وتعالى يأتيه الأمر مباشرة ينفذ من دون نقاش، هذا الإيمان لما يلامس القلوب ويدخل فيها ويعيش الإنسان في أجواءها، لا يصبح يختلف عنده الحر من البرد، الخريف من الربيع، هو ينتظر الأمر ليعمل، ينتظر الأمر ليعمل من دون نقاش. نعم، بالتأكيد الإنسان يعيش في صراع داخلي، لكن المؤمن الصادق ينتصر في هذه المعركة ولا يدع للشيطان مجالاً لأن يثبته ولأن يتكاسل عن نصرة هذا الدين.
فالنبي صلى الله عليه وسلم الآن بدأ معه أول مشهد مع المنافقين من البداية، من لحظات التجهيز، النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يواجه مواقف من المنافقين. الموقف الأول: النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز لهذه المعركة، كان في طريق من طرقات المدينة سائراً، فوجد رجلاً من المنافقين يقال له الجد بن قيس، يقال له الجد بن قيس رجل معروف من المنافقين، وهذا مرمى أن الرجل هو الوحيد الذي لم يبايع في صلح الحديبية. احسنتم. هو الوحيد الذي لم يبايع في صلح الحديبية، كما قلنا اختبأ وراء ناقته، والصحابة كلهم، هو الوحيد. هذا الرجل فيه نفاق. النبي صلى الله عليه وسلم مر الجد بن قيس وهو من بني سلمة من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا جد بن قيس، هل لك في هذا العام أن تجالد بني الأصفر؟ بنو الأصفر هو لقب معروف للروم؛ لأن كان شعرهم أشقر كما يقال وعيونهم شقراء، كانوا يلقبون عند العرب ويسمون بني الأصفر.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الجد بن قيس ويقول: يا جد، يعني هل لك أن تجالد معنا وأن تقاتل معنا الروم؟ فقال: يا رسول الله، لو تأذن لي ولا تفتني. يعني: يا رسول الله، أنا أخشى على نفسي الفتنة. الفتنة من ماذا يا جد؟ قال: والله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجباً بالنساء مني، يعني أنا رجل إذا رأيت امرأة جميلة حسناء أفتن.
وإنّي أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر، وإنّي أخشى يا رسول الله أني أرى نساء الروم فتفتنني المرأة فأقع في مصيبة، فيا رسول الله سامحني واعذرني. فالنبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه وتركه؛ لأنه يعلم أنه لا يريد الاعتذار بهذا حقاً، وإنما هو منافق يريد التخلف عن رسول الله.
ولذلك الله عز وجل ذكر لنا وخلد لنا موقف الجد بن قيس في كتابه، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49]. أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الرجل كاذب في اعتذاره، كاذب في اعتذاره، وإنما هو رجل متباطئ عن نصرة الله، خذول لدين الله، لا يريد أن ينصر هذا الدين. فالنبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه كما أمره سبحانه وتعالى وتركه وشأنه. والله عز وجل يقول: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 49]. وعيد شديد، أو وعيد نقول وعيد شديد من الله سبحانه وتعالى للجد بن قيس وكل من كان على شاكلته ممن يتثبطون ويثبطون الناس عن نصرة هذا الدين، ويرغبون بانتصار الأعداء على المسلمين، ويفرحون حينما تصيب المسلمين كارثة أو العدو ينال منهم، ويغضبون إذا انتصر الإسلام على الأعداء. هؤلاء المنافقون أحبتي كما قلنا في كل زمان وفي كل مكان، ستعرفونهم في لحن القول، في كتاباتهم، في تغريداتهم، في خطاباتهم، في إعلامهم، في أماكنهم التي تعلمونها أنتم أكثر مما أعلمها.
إذن النبي صلى الله عليه وسلم واجه هذا الموقف من الجد بن قيس فأعرض عنه وقال: قم.
المنافقون بعضهم لبعض؛ الآن المنافقون كانوا يجلسون مع بعضهم البعض، ويتحاورون ويتكلمون عن الموقف الذي سيتخذونه تجاه هذه الغزوة، ماذا نفعل تجاه هذه الغزوة؟ فماذا كان يقول المنافقون في مجالسهم؟ يقول ابن هشام: وقد قال المنافقون بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحرب، دعوكم من محمد صلى الله عليه وسلم، لا تنفروا في الحر، ويزهدون بعضهم في الجهاد شكاً في الحق وإرجافاً برسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله عز وجل المطلع على هذه المجالس، الذي يعلم ما يبيت أهل النفاق وما يمكرون به في مجالسهم، وما يكيدونه في أماكنهم وغرفهم المغلقة، الله سبحانه وتعالى ماذا قال؟ كشف لنا عوارهم وأظهر ذلك للصحابة الكرام: ﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: 81-82]. اضحكوا من المسلمين، واضحكوا وتضاحكوا على الإسلاميين، واستهزئوا بشعائر الدين؛ فليضحكوا قليلًا -تهديد ووعيد- وليبكوا كثيراً في نار جهنم جزاءً بما كانوا يكسبون.
فنسأل الله العظيم أن يشافي قلوبنا من النفاق، وألا يجعلنا عرضة له؛ لانه أحبتي النفاق ليس مجرد قرار شخصي، قد يعاقبك الله بالنفاق، قد يعاقبك الله بالنفاق لإصرارك على معصية وذنب. ليس كل أشكال النفاق قرار شخصي، يختار الإنسان أن يكون منافقاً فيكون منافقاً، هذا شكل من أشكال النفاق، لكن هناك أشكال أخرى من النفاق الله سردها في غزوة تبوك، أناس هم لم يقصدوا النفاق ابتداء، لكنهم كانوا يستهزئون بالدين، يتضاحكون عليه، يتلاعبون بالمصطلحات الشرعية، يصرون على ذنوب ومعاصي، لم يقصدوا النفاق، لكن لاستهتارهم بالدين واستهتارهم بحرمة الله سبحانه وتعالى عاقبهم الله بالنفاق في قلوبهم: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُمْ﴾ [التوبة: 75-77]. يعني عاقبهم الله بنفاق قلوبهم، جعل العقوق أن جعلهم منافقين، فهم إذن لم يريدوا النفاق ابتداء، لكن استهتارهم بهذا الدين، تلاعبهم بثوابته، إسرافهم بالذنوب والمعاصي وعدم التوبة إلى الله؛ جعلت الله يعاقبهم بنفاق القلب، وارتدوا على أعقابهم، فنسأل الله السلامة والعافية.
ولذلك كان عمر بن الخطاب يخشى على نفسه النفاق، وهو عمر بن الخطاب صاحب المواقف، عمر لم يكن يخشى على نفسه أنه مكذب لله سبحانه وتعالى وأنه مكذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يعلم من نفسه الصدق في حبه لله ولرسوله، لكنه كان يخشى أن يعاقبه الله بالنفاق لمعصية من المعاصي، أو لكلمة خرجت لم يحسب لها الإنسان حساباً. ووالله كم من كلمة يتكلم بها الإنسان لا يحسب لها حساباً يعاقبها الله عز وجل بسببها، ويهوي بها في النار سبعين خريفا، ويعاقبها الله عز وجل بنفاق القلب ويجعله يرتد على عقبيه. الموضوع خطير أحبتي، النفاق ليس شيئاً نحن برءاء منه، ليس شيئاً نحن سليمون منه، شيء نخاف منه حتى تخرج الأنفاس والله، النفاق شيء نخاف منه، نخشى أن نسقط فيه وأن نكون في حفرة من حفرة، فسلوا الله العافية.
إذن المنافقون قالوا لبعضهم البعض: لا تنفروا في الحر. فالله عز وجل قال لهم في كتابه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: 82]. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم جدَّ في سفره وامر الناس بالتجهز والانكماش؛ يعني التجمع أنه الآن بدأ وقت المسير، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا. وأنفق عثمان بن عفان في هذه الغزوة نفقاً عظيماً، لم ينفق أحد مثل هذه النفقة، حتى روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يضر عثمان ما فعل بعد اليوم». لأنه رضي الله عنه أنفق مالاً كثيراً، حتى قيل إن عثمان هو المجهز لجيش العسرة، هذا الجيش سمي جيش العسرة؛ لأنه كما قلنا كان وقت شدة في الحر، شدة في الجدب، الإمكانيات ما زالت المدينة ليست إمكانيات عالية حتى يواجه محمد صلى الله عليه وسلم دولة عظمى على الأرض كدولة الروم، فالتجهيزات كانت صعبة، وكثير من الصحابة لم يجد ظهراً يركب، ولم يجد ناقة ولا فرساً.
فالنبي صلى الله عليه وسلم انتدب الأغنياء أن يجودوا بأموالهم على الفقراء، وأن يجهزوا الخيول والنوق والجمال لتحمل هؤلاء الفقراء معهم. وعثمان بن عفان دفع الآلاف المؤلفة من الذهب والحلي والاموال والنوق والجمال والخيل من أجل أن يجهز هذا الجيش، هذا هو سيدنا عثمان بن عفان بكل فخر، ودعوكم من الأطافيل الذين يتجرؤون على مقامه، واحدهم لا يستطيع أن ينفق ديناراً خالصاً لوجه الله سبحانه، يأتي شخص يتطاول على مقام سيدنا عثمان بن عفان ويلمز فيه وماذا فعل في خلافته، وهو عثمان من زوجه النبي صلى الله عليه وسلم بابنتيه، عثمان الذي اشترى بئر روما، عثمان الذي جهز جيش العسرة، صاحب المفاخر وصاحب المآثر، صاحب الفضل على هذه الأمة، هذا هو سيدنا عثمان الذي نفتخر به وبحبنا له رضي الله تعالى عنه، وهو أفضل الصحابة بعد الاثنين، بعد أبي بكر وعمر، أفضل الصحابة عثمان بن عفان رضوان الله تعالى عليهم جميعاً.
ثم إن رجالاً من المسلمين -الآن كما قلنا في اللحظات الأخيرة من تجهيزات الجيش، يريد يتحرك الجيش يريد أن يتحرك- أتى رجال من المسلمين أطلق عليهم في كتب السير اسم البكاؤون، اسمهم البكاؤون. هؤلاء أناس صادقون في حبهم لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الصادقون المؤمنون المحبون يعشقون الجهاد في سبيل الله، يرغبون اللحاق بمحمد صلى الله عليه وسلم، لكن أعوزهم الفقر، لم يجدوا ما يشترون به ركوباً، فاتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكون: يا رسول الله لا نجد شيئاً نركبه، احملني معك يا رسول الله، لا نريد أن نكون مع المنافقين، لا نريد أن نتخلف مع هؤلاء القوم، نريد أن نكون في صفوف المجاهدين، في صفوف المصلحين، في صفوف طلبة العون، في صفوف طلبة العلم، لا نريد أن نكون يا رسول الله مع المتكاسلين المثبطين المخذولين، احملنا معك يا رسول الله.
النبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من كثرة الأموال التي دفعها عثمان وغيره من أغنياء الصحابة إلا أنها لم تستوعب جميع الجيش، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يملك كنوز الأرض ليجهز هذا الجيش، كان صلى الله عليه وسلم لا يملك شيئاً من حطام هذه الحياة، يملك ما يستر به نفسه وزوجاته، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «لا أجد ما أحملكم عليه». ما عندي مال، وما عندي إبل، وما عندي ركاب، ما عندي خيل، ما عندي شيء أحملكم عليه. فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون. هؤلاء عذرهم الله سبحانه وتعالى في تخلفهم، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع يبكون أحبتي حرقة على فوات هذا المشهد عليهم، لم يقولوا الحمد لله خلص إذا ما في ناقة نركبها وما في جمل، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لنا: «لا أجد ما أحملكم عليه». معناها جاء الفرج دعونا نعود ونستريح في بيوتنا، لا والله ما كان هذا حالهم، يبكون على تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء أهل الإيمان الحق أحبتي.
لو كان إنسان منا والله أحبتي لا يعرف ماذا سيفعل في تلك اللحظات، نحن نتكالب على الدنيا ونحب الراحة والرخاء، يعني نحن أحبتي لا نقاتل من أجل طلب العلم، نتكاسل عن حضور مجالس العلم وتعلم علوم الشريعة وحفظ المصنفات العلمية، إذا أطال الشيخ في محاضرته مللنا، إذا طالت الدورة مللنا، إذا شعرنا أن طريق العلم طريق يحتاج إلى جهد وبذل وأوقات مللنا ونتكاسل ونحب الدعة. هؤلاء قوم أحبتي عذرهم الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك ذهبوا وهم يبكون على فوات تلك المواقف والمشاهد، يدركون أن تلك المواقف، مواقف الجهاد، مواقف المثابرة، مواقف الثبات، هي المواقف التي تدنيهم من ربهم سبحانه وتعالى ومن حبيبهم صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم.
يقول ابن هشام: فبلغني أن ابن يامين بن عمير النضري -هذا رجل من اليهود أسلم، من قبيلة بني النضير كان مسلما اسمه ابن يامين النضري- لقي أبا ليلى عبدالرحمن بن كعب، ولقي عبدالله بن المغفل، وهما يبكيان، إذن هذا الرجل اسمه ابن يامين يهودي أسلم كما قلنا، لقي هذين الرجلين من الصحابة عبدالرحمن بن كعب وعبدالله بن المغفل، وجدهما يبكيان، فقال لهما ابن يامين: ما يبكيكما؟ فقال: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده شيئاً يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج. فهذا الرجل رق لحالهما فأعطاهما ناضحاً له أي دابة وناقة، الناضح يطلق على الناقة، وإن كان أصل النضح هو حملان الماء، لكن لما كانت العرب تحمي من الماء قديماً على النوق -يعني تأتي تعبأ الماء في الجرار ثم تحمل هذه الجرار على النوق- فأصبح الناضح إسم للنوق، انتقل الناضح حتى أصبح يلقب أو يطلق على النوق والجمال، يعني فأعطاهما ناضحاً أي جملاً يرتحلان عليه، وزودهما أيضاً بشيء من التمر، فخرج مع نبي مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
إذن يعني هذان رجلان من البكائين حالفتهما الاقدار كما يقولون وجاءهما القدر الإلهي أن الله ييسر لهما ابن يمين حتى يعينهما راحلة يلحقان بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
في المقابل جاء المنافقون، طبعا كثر النفاق في الأعراب، النفاق كان ظاهراً في الأعراب، جاء المنافقون من الأعراب وبدأوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه يا رسول الله يصعب علينا أن نلحقك في هذه الغزوة والأمور صعبة وعندنا مشاغل، وسامحنا يا رسول الله. ويطلب منه العذر فاعتذروا إليه، النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنهم يعني ما ناقشهم كثيراً لأنه لا يحتاج إلى أمثال هذه الشخصيات في جيشه، هؤلاء المنافقون المثبطون لا نحتاجهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم تركهم وجافاهم، لكن الله عز وجل لم يعذرهم، لذلك الله عز وجل عقد مقارنتين في سورة التوبة، مقارنة بين الصادقين وبين المنافقين، فقال سبحانه: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: 44-45].
المجاهدون المؤمنون الصادقون لا يستأذنون رسول الله في التخلف بل هم في الصف الأول، من الذي يستأذن ويعتذر؟ ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 45]. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 46-47]. إذا الله سبحانه وتعالى هو الذي صرف المنافقين عن الجيش المحمدي حتى تتم الغزوة، وإن كان بعض المنافقين عدد محدود منهم كان موجوداً مع هذا الجيش في أثناء مسيره، لكن جلهم صرفهم الله سبحانه وتعالى حتى لا يفت في عضد هذا الجيش بكثرتهم.
إذا لاحظوا البكاؤون يسألون النبي صلى الله عليه وسلم يرجونه يتوسلون إليه أن يحملهم في المعركة، والمنافقون يسارعون للاعتذار والتخلف عن المعركة، هذا مشهد وهذا مشهد، فمع أي المشهدين أنت؟ هل أنت من البكائين يا اخي الكريم؟ ممن تبكي على فوات صلاة الفجر، ممن تبكي على فوات الطاعة، ممن تبكي على فوات مجلس العلم؟ أم أنت من الذين يبادرون إلى الاعتذار والاستئذان والهروب والتملص؟ الدعوة إلى الكسل والفتور أحبتي هذه مواقف يجب أن نعيد النظر فيها في حياتنا، فرق بين البكائين وبين الأعراب المنافقين، وهذا في كل زمان وفي كل مكان.
ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره وأجمع السير، وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتياب. الآن هناك عدد محدد من المسلمين من الصحابة الكرام الاجلاء ليسوا منافقين بل صحابة كرام أفاضل أصحاب خير وسبق، لكن دخلتهم أو جاءتهم لحظة ضعف، جاءتهم لحظة ضعف إيماني.
وهذا يصيب حتى الصحابة؟ نعم، يمكن أن يصيب الصحابة، لحظة ضعف دخل عليهم الضعف من غير شك ولا ارتياب. يعني ليسوا منافقين ولا شاكين ولا محبين لأعداء الدين، أناس صادقون محبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن جاءتهم لحظة ضعف فتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من هم هؤلاء؟ كعب بن مالك شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرارة بن الربيع، هلال بن أمية، والرابع هو أبو خيثمة. لكن أبو خيثمة سيتدارك الموقف كما سيأتي معنا، لكن كعب بن مالك، هلال بن أمية، مرارة بن الربيع هؤلاء لم يتداركوا الموقف، فعاد النبي صلى الله عليه وسلم من الغزو وجدهم مع المتخلفين.
وسنسرد قصتهم لأن الله سبحانه خلد هذه القصة في القرآن تتلى إلى يوم القيامة؛ كيف أن المؤمن قد يصاب في لحظة ضعف، وماذا عليه أن يفعل حينما يصاب بالضعف فيصيب معصية ويقترف كبيرة؟ ماذا يفعل في تلك اللحظات حتى يعود إلى صراط الله سبحانه وتعالى؟
عبد الله بن أبي بن سلول المنافق المشهور ورأس النفاق، ابتداء حاول أن يوهِم أنه وصحبه يريدون اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم ويريدون الخروج للمعركة، فماذا فعل؟ يقول ابن هشام رحمة الله تعالى عليه: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخلف المنافقون، تخلف الأعراب، تخلف البكاؤون الذين لم يجدوا شيئا يحملونهم إلى الغزو، وتخلف أربعة من الصحابة: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وأبو خيثمة. الجيش بدأ المسير، والنبي صلى الله عليه وسلم أول استراحة له كانت في ثنية الوداع، ضرب هناك المعسكر.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم، وأول منزل نزل في منطقة ثنية الوداع، لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في ثنية الوداع، عبد الله بن أبي بن سلول هو وجماعة من المنافقين ضربوا معسكراً آخر لهم أسفل معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. دائماً عبد الله حوله مجموعة من المنافقين يحاولون صناعة كيان لهم خاص ووجود مختص بهم يختلف عن وجود سائر المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمتازون ويتميزون عنهم. فعبد الله بن أبي كما قلنا جمع صحبه من المنافقين وعسْكَر في منطقة أسفل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكريين، يعني عبد الله بن أبي كان معه جماعة.
وهذا يدل على أن النفاق كان حاضراً حتى في مجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، على فضله وعلى خير ذلك المجتمع، ومن النفاق مشهد حاضر. فلما سار النبي صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب. عبد الله بن أبي خرج متصنعاً متظاهراً أنه يريد اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع المعسكر أسفل معسكر رسول الله، ثم لما تحرك النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى وأكمل مسيره، عبد الله بن أبي لف بمن معه وعاد إلى المدينة. فهو كما قلنا تظاهر وتصنع أنه يريد اللحاق ثم بعد ذلك عاد إلى المدينة وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو النفاق أحبتي.
إن مشاهد النفاق ستجدونها كثيرة في هذه الغزوة، وهي مشاهد مؤلمة، مشاهد مؤلمة وتتكرر في كل زمن كما قلنا. النبي صلى الله عليه وسلم من استعمل على المدينة؟ بالتأكيد لن يدع النبي صلى الله عليه وسلم المدينة من دون قائد يحميها ويقودها حتى عودته بهذه الغزوة، استعمل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على مدينته. لاحظوا، هذه أول مرة النبي صلى الله عليه وسلم يترك علي بن أبي طالب في عادة علي بن أبي طالب مشارك في كل الغزوات، في هذه الغزوة النبي صلى الله عليه وسلم ترك علي بن أبي طالب على المدينة.
وفي الحقيقة المدينة في هذه الأجواء كانت تحتاج لرجل بشجاعة وقوة علي بن أبي طالب، لأن المنافقين كانوا جالسين ماكثين فيها، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يترك رجلاً قوياً يرهب النفاق حتى لا يحاول المنافقون القيام بعملية انقلاب عسكري والإحاطة بالمدينة أو إغارة على نساء المهاجرين والأنصار ويفعلوا بهم ما يفعلون. النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا أراد أن يدع رجلاً قوياً يحرس المدينة بسبب تخلف كثير من المنافقين، ليحمي المدينة ابتداء، ويحمي أقارب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل النبي عليه الصلاة والسلام والنساء عموماً. خلف النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب على المدينة وأمره بالإقامة فيها.
هنا المنافقون بدأوا يلمزون بعلي بن أبي طالب ويرجفون به، ويقولون له: ما خلفك رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي إلا استثقالاً منك. فهذه الكلمات المنافقون يكررونها على مسامع علي بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب فعلاً أول غزوة يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشارك معه. فتأذى علي بن أبي طالب من كلام المنافقين، فمسك سلاحه وعدته وانطلق بفرسه يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أحد منازل مسيره، فالنبي عليه الصلاة والسلام رآه فسأله: ما الذي أتى بك؟ ألم أتركك على المدينة؟ فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني استثقالاً مني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذبوا يا علي، ولكنني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي؟» شف النبي صلى الله عليه وسلم كيف سياسته حتى في الخطاب؟ «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟» يعني كما كان هارون لموسى يشد من عضده فانت يا علي مني بمنزلة هارون من موسى، لولا أنك لست نبي فإنه لا نبي بعدي.
فرجع علي إلى المدينة بعد ما سمع هذا الكلام الرائع من النبي صلى الله عليه وسلم، ارتفعت معنوياته، وأدرك حساسية موقفه والمشهد الذي سيقوم به في المدينة، فالتزم بأوامر النبي عليه الصلاة والسلام غاية الالتزام. وأكمل النبي صلى الله عليه وسلم سيره في سفره.
أظن أنني ساقف هنا أحبتي اليوم حتى لا أطيل ولا أطيل المجلس أكثر من ذلك، في المحاضرة القادمة بإذن الله لعلنا ننهي الحديث عن غزوة تبوك في المشهد العظيم. وسنلاحظ العديد من المشاهد التي تمثل شخصية النفاق في المجتمع المسلم، سنلاحظ العديد من المشاهد التي تمثل شخصية النفاق في المجتمع المسلم. المشاهد حقيقة تسترعي الانتباه، تسترعي التدبر، التأمل، وإسقاطها على واقعنا المعاصر لننظر كيف أن النفاق يتحد في مضمونه، ولكن الاختلاف فقط في شكله وفي وسائله وأدواته.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا من الصادقين الثابتين المحبين لهذا الدين الناصرين له. نسأل الله أن يقينا من النفاق من الرياء. نسأل الله ألا نكون في مشهد من مشاهد خذلان الدين، وأن نكون دائماً في الصفوف الأولى لخدمة هذا الدين والتقديم والبذل له، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل