غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح الأرجوزة المائية للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية للإامابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه.
وصل بنا المسير أحبتي ونحن نتدارس سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، ونقف على أيامه وحربه وغزوه وسلمه وشمائله وهديه وأخلاقه. وقفنا في هذه السيرة الخصبة الممتعة الرائعة، التي هي منهج وصراط ونور نقتبس منه الهدي في هذه الحياة. وصلنا إلى غزوة تبوك، العام التاسع من الهجرة، وعرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يورّ في هذه الغزوة، بل صرح ابتداء لأصحابه أنه يريد أن يغزو الروم، ولم يورّ عليه الصلاة والسلام حتى يأخذ القوم أهبتهم واستعدادهم؛ لأن الرحلة طويلة، المناخ صعب، كان الجو حاراً في منتصف الصيف، الثمار طابت للصحابة رضوان الله تعالى عليهم، الشقة فيها طول، فالأمر كان يستدعي أن يصرح النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بمساره والوجهة التي سيتجه إليها، حتى يكون الجميع على حيطة من أمره وعلى أتم الاستعداد لهذه الغزوة المباركة.
عرفنا أن غزوة تبوك أحبتي فضح الله عز وجل بها أحوال المنافقين الذين كانوا يقيمون بين صفوف المسلمين في المدينة النبوية، ونزلت في غزوة تبوك أو في كثير من أحداثها سورة التوبة التي نص الله عز وجل فيها على حال المنافقين، وكيف فعلوا في هذه الغزوة، سواء المنافقين الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو المنافقين الذين كانوا في صفوف المسلمين في أثناء مسيرهم. إن بعض المنافقين سار مع النبي عليه الصلاة والسلام وإن كان أكثرهم تخلف، لكن بعضهم سار مع النبي عليه الصلاة والسلام وهو في أثناء الغزوة كان يمارس النفاق. فجاءت سورة التوبة التي تسمى الفاضحة لتفضح هؤلاء القوم ولتفضح هذه الأشكال التي ظهروا عليها، فالنفاق لم يكن شكلاً واحداً، كان يتعدد شكله باختلاف أصحابه، وهذا النفاق مستمر إلى يومنا هذا كما ذكرنا.
فمضمون النفاق واحد؛ أن يُظهر الإسلام ويبطن في داخله العداء له ويكيد له، ويوالي أعداء الأمة ويحارب هذا الدين وينفق الأموال للصد عن سبيل الله. هذا هو النفاق؛ تظهر الإسلام وتأكل من داخلك وتكفر به في باطنك. فجاءت سورة التوبة لتفضح أحوال المنافقين في غزوة تبوك، سواء المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لبعضهم البعض لا تنفروا في الحر فجاءتهم الآية: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾، والمنافقون الذين كانوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كالجد بن قيس الذي تحدثنا عنه في المجلس السابق لما طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يجهز له فقال يا رسول الله أخشى أن أفتن بنساء بني الأصفر فاعذرني، فالله عز وجل انزل فيه آية تتلى إلى يوم القيامة: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49].
وكذلك المنافقون الذين توالوا على الاعتذار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الله عز وجل أنزل فيهم في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهِ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 45-46]. إذاً سورة التوبة تحدثت عن كثير من مشاهد النفاق التي مارسها أهل النفاق في غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم. دعونا أحبتي نكمل المسير مع النبي عليه الصلاة والسلام في ثنايا هذه الغزوة؛ لأن فيها الكثير من العبر والمواقف الجميلة والرائعة للصحابة، وفي نفس الوقت كان هناك مواقف تثير الاشمئزاز من تصرفات المنافقين.
ماذا حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء مسيره؟ كنا تحدثنا أحبتي في ختام المجلس السابق أن هناك أربعة من الصحابة الكرام، من عدول الصحابة ومن أجلائهم ومن أفاضلهم، تخلفوا عن هذه الغزوة؛ الأول كعب بن مالك، الثاني مرارة بن الربيع، الثالث هلال بن أمية، والرابع كان أبا خيثمة. هؤلاء الأربعة تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن أحدهم تدارك نفسه، أحدهم تدارك نفسه واستطاع أن يلحق بركب محمد صلى الله عليه وسلم. دعونا أحبتي نعرف من هو هذا الذي تدارك نفسه من هؤلاء الأربعة؟ ثم بإذن الله اليوم سنتكلم عن حال هؤلاء الذين لم يتداركوا أنفسهم، وعاد النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، ماذا حدث لهم؟ وكيف تصرف النبي عليه الصلاة والسلام تجاه موقفهم؟ هذا ما سنقفه عليه بإذن الله في ثنايا أحاديثنا عن غزوة تبوك وما وقع فيها من أحداث.
فنقول النبي عليه الصلاة والسلام وهو في مسيره، أحد الاربعة الذين تخلفوا عنه من الصحابة الكرام وهو أبو خيثمة، أنبه ضميره، أنبه ضميره وشعر بحجم الخطأ الكبير الذي ارتكبه؛ كيف محمد صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة ويخرج بمن معه من أفاضل وخيرة الصحابة ليقاتلوا الروم، وأنا أبقى مع المخلفين من المنافقين والنساء والأطفال؟ كيف يكون لي هذا؟ هذا الرجل هو أبو خيثمة رضي الله تعالى عنه. دعونا نقف مع أبي خيثمة وهو يقص علينا كيف أنبه ضميره وقرر أن يلحق النبي صلى الله عليه وسلم في اللحظات الأخيرة.
يقول ابن هشام رحمة الله تعالى عليه وهو يسرد لنا ماذا حدث مع أبي خيثمة رضي الله عنه، أن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه. يعني أبو خيثمة نهى عن النبي عليه الصلاة والسلام تحرك بجيشه، وسار أبو خيثمة عاد إلى أهله في يوم من الأيام الحارة، فوجد امرأتين له كان متزوجاً بامرأتين، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستان، وكل امرأة من زوجاته بردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاماً. فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له.
الآن تخيلوا معي المشهد، أبو خيثمة دخل إلى بستان من بساتينه الجميلة، وعنده زوجتان، كل زوجة هيأت له متكأً وطعاماً وشراباً وماءً بارداً في هذا الجو الحار، فأبو خيثمة المؤمن الصادق في إيمانه رضي الله عنه لما دخل بستانه ونظر إلى زوجتيه وما أعدت كل امرأة منهما له من أطايا الطعام والمجالس الفاخرة والماء البارد، حبيبه صلى الله عليه وسلم فماذا قال؟ فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضحى والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء وفي مال مقيم والله ما هذا بالانصاف.
انظروا أبو خيثمة عقد مقارنة؛ سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم يكابد الحر في الصحراء ويتعب ويخوض معركة مع الروم يتجه باتجاههم، وأبو خيثمة يجلس في هذا الخير وهذا الطعام المهيأ وهذا المتكأ مع زوجاته الحسناوات، هذا لا يكون أبداً وليس هذا بالعدل والإنصاف. ثم قال، انظروا صرخة الإيمان التي نبعت من قلبه، قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوما هيئا لي زاداً. تفجر الإيمان من قلبه رضي الله تعالى عنه وأدرك حجم الخطأ الذي وقع فيه، فقال لزوجتيه أعدا لي الآن زاداً وسلاحاً ودابة حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ففعلتا، ثم قدم ناضحه أي خيله فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك.
يعني أبو خيثمة أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وصل النبي عليه الصلاة والسلام إلى منطقة تبوك. راحلة طويلة خاضها أبو خيثمة وحده في الصحراء من أجل أن يدرك محمداً صلى الله عليه وسلم. وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً هناك رجل اسمه عمير بن وهب الجمحي، والله تعالى أعلم من أين أتى، أيضاً كان يحاول اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فترافق أبو خيثمة مع عمير بن وهب الجمحي حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب إن لي ذنباً فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن عمير بن وهب الجمحي فيما يظهر أنه لم يكن من المتخلفين لعله من قبيلة من القبائل سمع بأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يذهب إلى الروم فلحقه في الطريق، المهم لا نعرف كثيراً عن قصة عمير بن الجمحي ما الذي دفعه لأن يلحق النبي صلى الله عليه وسلم وحده؟ لكن المهم أنه ترافق مع أبي خيثمة. فلما دنوا من تبوك أبو خيثمة قال لعمير دعني أذهب وحدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لي ذنباً قد وقعت فيه فأتفاهم مع النبي عليه الصلاة والسلام منفرداً. ففعل؛ تركه الجمحي ومضى أبو خيثمة باتجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل تبوك، الناس رأت ظلال شخص قادم من بعيد. فقال الناس هذا راكب على الطريق مقبل. الصحابة حول النبي عليه الصلاة والسلام، طبعا كما سيأتي معنا أن غزوة تبوك نعم النبي عليه الصلاة والسلام خطط ليواجه الروم لكن الروم دخل فيهم الرعب والخوف من مقابلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تذكروا ما أوقع بهم خالد بن الوليد وصحبه في غزوة مؤتة فلم يلقوا بالنبي عليه الصلاة والسلام ولم يخرجوا لمنازلته. فالنبي عليه الصلاة والسلام استقر في تبوك ينتظر قدوم الروم لكن الروم لم يحضروا، فعاد النبي عليه الصلاة والسلام.
المهم الصحابة حول النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك رأوا ظلالاً من بعيد فقالوا هذا قادم هذا هذه ظلال رجل قادم من بعيد على راحلته. فالنبي صلى الله عليه وسلم تفاءل وقال كن أبا خيثمة. رجى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هذا الظل وهذا السراب الذي يرونه من بعيد لأبي خيثمة رضي الله تعالى عنه. فقالوا يا رسول الله يعني دنا هذا الرجل رويداً رويداً من معسكر المسلمين فإذا هو فعلا أبو خيثمة. فالصحابة انظروا كيف يستبشرون ببعضهم البعض. الصحابة قالوا يا رسول الله إنه أبو خيثمة. فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالنبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى أبي خيثمة وقال أولى لك؛ يعني ويل لك، عند العرب هذه الكلمة معناها ويل لك، ويل لك يا أبا خيثمة ما الذي خلفك؟ ثم أخبر أبو خيثمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وكيف أن رسول الله دخلت على عريشي فجوات زوجتي قد هيئتا متكأً وطعاماً وماءً بارداً، فلما وقفت على العريش تذكرتك يا رسول الله وقلت ليس بالإنصاف أن أخل إلى عريشي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكابد الحر، فرفضت أن أخل إليه حتى أصل إليك يا رسول الله.
هنا النبي صلى الله عليه وسلم أعجب بإيمان أبي خيثمة وبحبه العالي لله ولرسوله وتفانيه وكيف استطاع أن يغلب هواه ويركب كل هذه الصحراء وحده ليدرك النبي صلى الله عليه وسلم ألا يكتب من المتخلفين، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالخير والبركة. إذاً هذه قصة إدراك أبي خيثمة رضي الله تعالى عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الثلاثة كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فهؤلاء لم تأتهم تلك الدفعة نقول التي أتت إلى أبي خيثمة رضي الله تعالى عنه، فبقي هؤلاء الثلاثة في المدينة حتى عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنعرف كما قلنا كيف عامل النبي صلى الله عليه وسلم معهم.
نذهب الآن إلى مشهد من مشاهد غزوة تبوك مشهد آخر. النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء ذهابه إلى تبوك مر بالحجر، والحجر هذه ديار ثمود التي هي الآن تسمى في بلاد الحرمين منطقة العلا. لما النبي صلى الله عليه وسلم مر بالحجر وهي ديار ثمود نزلها، الظاهر كانت منزلاً للركب وللسائلين فاستقى الناس من بئرها، فلما راحوا وتجاوزوا هذه القرية وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم لا تدخلوا ديار قوم الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون خشية أن يصيبكم ما أصابهم. فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا من مائها شيئاً ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه من مائها فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئاً.
إذا فيما يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم علم متأخراً أن أصحابه قد نزل بعضهم في منطقة الحجر واستقى من مائها. فلما وصل الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض أصحابه قد نزل في منطقة الحجر في ديار ثمود وهي منطقة عذاب واستقى من مائها، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يشربوا من هذا الماء وألا يأكلوا من عجين تم عجنه من هذا الماء، وامرهم أن يطعموا هذا العجين للدواب التي معهم. وقال لهم ولا يخرج
لا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له. ففعل الناس، انظروا الامتثال، ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدروا هذا الماء وأطعموا العجين لدوابهم. انظروا النبي صلى الله عليه وسلم ماذا أمر أصحابه أن يصنعوا بماء أخذ من منطقة العلا من ديار ثمود، أن يهدر هذا الماء، وأمر أن يدخلوا هذه المنطقة وهم باكون وألا يطيل أحد البقاء فيها لأنها منطقة عذاب. واليوم للأسف نجد بعض السفهاء يقيم الحفلات الغنائية في مثل هذه المناطق وكأنه يحارب الله ورسوله.
تقيم الحفلات الغنائية ويأتي بفساق الأرض إلى منطقة العلا إلى ديار ثمود، ليحارب الله ورسوله، وليجعل هذه المناطق التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نمر عليها ونحن باكون يجعلها مناطق للفرح وللطرب، ويجتمع فيها الناس ويؤكل فيها الطعام وتضرب فيها المزامير. هذه محاربة لله ورسوله، هذه محاربة لله ورسوله، ومن حارب الله ورسوله فلينتظر نتائج أفعاله. إذا النبي صلى الله عليه وسلم كان أمر أصحابه وقال: «ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له». ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له. الآن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا يخرج أحد في هذه الليلة وحده؛ الكل يخرج مجتمع على شكل جماعات ولا تخرجوا فرادى.
امتثل الصحابة إلا رجلين من قبيلة بني ساعدة، خرج أحدهما وحده ليقضي حاجته، ورجل منهم أضل بعيره فخرج وحده ليطلب بعيره. ماذا حدث لهما حينما خالفا أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال علماء السير: فأما الذي ذهب لحاجته فانه خنق على مذهبه كأنه أصابه شيء من الجن، لأن مناطق الصحراء والخلاء هذه مناطق يكثر فيها الجن والشياطين، فهذا الرجل في منطقة صحراء خالية ذهب ليقضي حاجته، فكأنه وهو يقضي حاجته آذى شيئاً من هذه المخلوقات فأصابه ضرر منها. فهو سمي هنا خنق، الله تعالى أعلم ما هو طبيعة الخنق، لكن نحن نفسره عموماً لأنه شكل من أشكال الضرر أصاب هذا الرجل من الصحابة لأنه خالفوا أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الذي ذهب في طلب بعيره وكانت تلك الليلة ليلة ريحها شديدة، هذا الذي ذهب وحده وبعيره احتملته الريح حتى ألقته على جبلي طيء. قبيلة طيء كانت تقيم بين جبلين، أحدهما اسمه سلمى ونسيت الجبل الآخر معروفة في الأشعار الجاهلية. فهذا الرجل، تخيلوا شدة الريح التي حملت هذا الرجل وألقته إلى منطقة قبيلة طيء، بالطبع أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه فقد رجلين من أصحابه، رجل خنق ووجده الصحابة مخلوقاً يعني وأصابه شيء من الضرر والمس من الجن، ورجل آخر قد ذهبت به الريح إلى قبيلة طيء. فغضب النبي عليه الصلاة والسلام حينما وصلته هذه الأخبار وقال: «ألم أنهكم ألا يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه»، يعني لماذا ما تلتزمون بالأوامر؟ عاتب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه.
ثم أتي له، يعني بحثوا عن هذا الرجل الذي أصابه شيء من أذى الجن، أتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتفل عليه ودعا له فشفاه الله سبحانه وتعالى مما أصابه، وهذه من بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما الآخر الذي وقع عند منطقة طيء فإن قبيلة طيء أعادته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انتهى من غزوة تبوك.
طيب الآن لما أصبح الناس ولا ماء لهم، الآن النبي عليه الصلاة والسلام أمر الناس أن يهدروا كل ما حملوه من الماء من ديار ثمود، فما عاد مع الناس ماء، فأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون ما أصابهم، وقالوا: يا رسول الله، لا يوجد عندنا قطرة ماء في رحالنا. فهنا جاءت بركات محمد صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، فأرسل الله سحابة فأمطرت، فارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء. انظروا لما انصاع الصحابة لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وألقوا ما بأيديهم من مياه ثمود وكانوا متبعين منقادين، أتتهم البركات أتتهم الرحمات، الله عز وجل أنزل عليهم خيره ونعمته الوافرة.
لكن هو اليقين هذا الذي كان حاضرا عند الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، اليقين أن الله عز وجل لن يضيعهم، وأن امتثالهم لأمر الله سبحانه تعالى لن يكون أبدا في حال من الأحوال سببا لهلاكهم. هذا اليقين الذي نفقده اليوم ونحن نأكل الربا ونفعل المحرمات ونسير في المناهج المنحرفة عن منهج الله سبحانه وتعالى، ونوالي أعداء الأمة ونفعل ونفعل. نفعل كل شيء يخالف أوامر الله سبحانه وتعالى، ثم يبرر ذلك بأن الحاجة تدعونا إليه وأن السياسة الشرعية وأنه لابد من هذه التنازلات، وأنه لابد من أن نتفاهم وأن نتحرر إلى غير ذلك من الحجج الباطلة التي نأتي بها لأننا نفقد اليقين أن النصر والخير والبركات من الله سبحانه وتعالى. ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا.
والله يا أحبتي لو أننا تركنا الربا، ولو أننا تركنا موالاة أعداء الملة، ولو أننا سرنا على نهج محمد صلى الله عليه وسلم، ولو عدنا إلى شريعتنا والمرأة التزمت بحجابها وعفتها وطهارتها، والرجل التزم بحكم ربه سبحانه وتعالى وترك المحرمات والفواحش وأقبلنا على نهج محمد صلى الله عليه وسلم نستقي منه، والله لننتصرن على أعدائنا، ليس فقط ستحل البركات في بلادنا، بل سننتصر على أعدائنا ونعيد مقدساتنا، لكن هي القضية قضية الوثوق بالله سبحانه وتعالى. اليقين أن أوامر الله وأن التعليمات والارشادات الإلهية تضمن لنا الخير والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة. أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ألقوا الماء من بين أيديهم، ما عاد معهم قطرة ماء واحدة، لكن ثقتهم بالله العالية كانت سببا في إنزال الخير والبركات عليهم ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم وببركة التزامهم بأوامره.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سار، انظروا مشهدا آخر من مشاهد يعني غزوة تبوك، مشاهدها وفوائدها في الأحداث التي حدثت أثناء الطريق ذهابا وعودة، لأنه لم تحدث هناك معركة، لكن كما قلنا فوائدها أرادها الله سبحانه وتعالى، لأن ما سيكون من أحداث في أثناء ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي أثناء عودته فيه كثير من العبر والأحكام والمقاصد الشريفة الجديدة. انظروا هذا المشهد: النبي عليه الصلاة والسلام وهو في أثناء مسيره تضل ناقته، تضل ناقته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فخرج أصحابه في طلبها، خرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبحثون عن ناقته.
وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه يقال له عمارة بن حزم، عمارة بن حزم رجل من خيرة الصحابة، رجل من شهود بيعة العقبة وممن شهد غزوة بدر، وكان عمارة بن حزم فيما يظهر زعيماً من زعماء الأنصار، فكان معه مجموعة من الركب في رحله، لأنه كما يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم القبائل، وكل سيد من سادات القبائل والأفخاذ يكون معه مجموعة من الناس هو يرأسه ويشرف على أحوالهم، نوع من تنظيم الجيش، هذا أمر طبيعي في أي غزوة يغزوها النبي صلى الله عليه وسلم، يكون هناك تقسيم للععرفاء وللنقباء. المهم كان أحد أمراء القبائل عمارة بن حزم.
عمارة بن حزم كان في رحله، يعني في المجموعة التي يشرف عليها، كان رجل يسمى زيد بن اللصيط القينقاعي. فيما يظهر أنه رجل من بني قينقاع أظهر الإسلام ودخل مع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، لماذا أقول أظهر الإسلام؟ لما سيأتي معنا. إذاً رجل اسمه زيد بن اللصيط القينقاعي، وهذا الرجل كان منافقاً، وكان كما قلنا في مجموعة عمارة بن حزم، فزيد بن اللصيط كان جالساً مع المجموعة التي هو معها. الآن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم خرجوا مجموعات يبحثون عن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ضلت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المعسكر ومعه مجموعة من الصحابة وباقي الجيش كما قلنا مجموعات متفرقة هنا وهناك، كل في خيمته وفي منطقة نزوله.
فزيد بن اللصيط وهو جالس مع مجموعته كما قلنا بدأ يظهر نفاقه، فيقول: أليس محمد صلى الله عليه وسلم يزعم أنه نبي ويخبرنا عن خبر السماء، لماذا لا يدري أين ناقته؟ انظر النفاق، أي انظروا للنفاق فيتجل في هذه المواقف، وقال الله سبحانه وتعالى لنبيه: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: 30]. فعلا أحبتي النفاق مهما كتمه صاحبه فإنه يظهر في فلتات اللسان، هذا الرجل أقوى حقد على الدين لم يستطع أن يكتمه، فظهر في فلتات لسانه أنه محمد صلى الله عليه وسلم يقول لنا إنه يأتيه الخبر والوحي من السماء، لماذا لا يدري أين بعيره؟ هو يظن أن النبي عليه الصلاة والسلام مقاصد الوحي في حياته أنه يا جبريل أين بعيري؟ يا جبريل أين طعامي؟ يا جبريل أين شرابي؟
هل كان هذا هو مقصد نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كلما أضاع النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً في حياته أراد أن يبحث عنه ينادي جبريل ويطلب منه أن ينزل: يا جبريل! ليس هذا مقصد الوحي والهدف من الوحي، وإن كان جبريل كان يرعى النبي صلى الله عليه وسلم في كل شؤونه، لكن هؤلاء المنافقون كانوا يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم هذه علاقته بالوحي، أن كل شيء يريده ينادي جبريل يأتي جبريل يكتشف له هذا الشيء، وهذا جهل منهم وحقد منهم على هذا الدين العظيم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم الآن انظروا كيف الله عز وجل أراد أن يكشف حال هؤلاء، النبي صلى الله عليه وسلم يقول، الآن سننتقل من هذا المشهد، نحن لو كنا في مشهد زيد بن اللصيط في مجموعة من الصحابة يتكلم بهذا الكلام، نأخذ كما نقول الكاميرا الآن ونذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشهد آخر. النبي عليه الصلاة والسلام في نفس الوقت جالس مع أصحابه ومعه عمارة بن حزم زعيم هذه وهو من الصحابة الكرام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه: إن رجلا قال، يعني في رجل الآن قال قولا، الجيش يقول هذا الرجل، هذا محمد يخبركم أنه نبي ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله ما ألا ما علمني الله، يعني أنا عبد مأمور، فلا تظنوا أن علاقتي مع جبريل علاقة أن يبحث لي عن أشياء مفقودة وكل شيء أريده في هذه الحياة أنزل، ليست هذه علاقتي مع جبريل، أنا عبد مأمور.
جبريل ينزل بأمر الله سبحانه من فوق سبع سماوات، ولا ينزل بأمره، النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يظهر عبوديته وافتقاره لله سبحانه وتعالى. فالنبي إذاً عليه الصلاة والسلام جاءه وحي من السماء، أنه يا محمد هناك رجل من أهل النفاق قال كذا وكذا الآن. فالنبي عليه الصلاة والسلام مباشرة وهو مع أصحابه يقول لهم إن هناك رجل من الجيش قال هذه المقولة: محمد عليه الصلاة والسلام يقول إنه يأتي بالوحي لماذا لا يعرف أين ناقته؟ فيعلم الصحابة ويقول لهم: أيها الصحابة، أنا عبد مأمور لله سبحانه وتعالى، أتلقى الوحي بأوامر السماء ولست أنا من يأمر الوحي بأن، ثم يقول لهم وبما يعني الله عز وجل أعلم نبيه مكان الناقة نكاية في هذا المنافق. نكاية في هذا المنافق جاء الوحي ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم مكان ناقته.
فقال عليه الصلاة والسلام: «والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها». يعني أنا في النهاية ما أعرف إلا ما عرفني به الله، والله عز وجل الآن دلني على مكان ناقتي، وهي في الوادي كذا وكذا، في شجرة كذا وكذا قد حبستها شجرة. فيعني علقت بشجرة من الشجرات أي زمامها وحبلها ولجامها قد علق بشجرة من الشجرات. فانطلق الصحابة إلى ذاك الوادي إلى ذاك الشاب فوجدوا فعلا ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علقت بشجرة، فذهبوا فجاءوا بها، انتهى المشهد.
عمارة بن حزم غادر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاد إلى المجموعة التي يرأسها، فجلس مع مجموعته، فيقول عمارة بن حزم يعني يتحدث مع مجموعة، يقول لهم: والله يا قوم إنه لعجب حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفاً. يعني هناك حديث عجيب وقع الآن حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أصحابه ومجموعته: ماذا حدثكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فعمارة بن حزم أخبرهم القصة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لنا: إن هناك رجل من الجيش قال: إن محمد عليه الصلاة والسلام يزعم أنه يعلم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟
فالنبي صلى الله عليه وسلم مباشرة في المجلس جاءه الوحي وأخبره أين ناقته، وأخبرنا أنه لا يعلم إلا ما علمه الله سبحانه وتعالى. فقال له رجل من المجموعة غادره، رجل من المجموعة: والله إني لأعلم من قال هذا القول. فعمارة بن حزم قال له: ومن الذي قال هذا القول؟ فقال هذا الرجل في مجموعته قال: هو زيد بن اللصيط الذي معنا في المجموعة.
أين زيد بن اللسيط؟ الذي يظهر أن لما جاء عمارة بن حزم لم يكن زيد بن اللسيط جالساً، كان ذهب لحاجة من حوائجه. فرجال المجموعة قالوا: إن ابن حزم الذي قال هذه المقولة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم هو زيد بن اللسيط.
فقال رجل ممن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد بن اللسيط والله هو الذي قال هذه المقالة يا عمر بن حزم. هنا عمارة بن حزم غضب غضباً شديداً، فعندما عاد زيد بن اللسيط قام إليه عمارة بن حزم فخنقه خنقاً شديداً، ويقول: يا عباد الله، إن في رحلي لداهية وما أشعر! اخرج أي عدو الله من رحلي فلا تصحبني.
لما قام عمارة بن حزم لزيد بن اللسيط ومسك رقبته يريد أن يخنقه وقال: والله ما أدري أن في رحلي مصيبة وداهية مثل هذا الرجل المنافق، اخرج عدو الله من رحلي فلا تصحبني. انظر كيف كان الصحابة يتعاملون بحزم مع هذه المواقف والمشاهد؛ ما في مجال أحبتي لأن نقدم له الورود مع نفاقهم. هناك أناس ينفث السم من شفاههم ومن ألسنتهم، هؤلاء لا ينبغي لنا أن نتعامل معهم برحمة ما داموا يحملون في قلوبهم الحقد على الإسلام، فينبغي أن نظهر لهم عزة المسلم. الإنسان الجاهل، الإنسان الذي يخطئ، الإنسان الذي يحيد عن الطريق، هذا نعم نتعامل معه بالرأفة والرحمة ونأخذ بيده ونرشده إلى درب الصواب، لكن إنسان يطعن في ظهر المسلمين ويشكك في الثوابت ويحارب الله ورسوله، فهذا ليس له إلا التعامل بالحزم بما يليق طبعا بحجم الموقف الذي بين أيدينا.
فزعم بعض الناس أن زيداً تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس: لم يزل متهماً بشر حتى هلك. الآن اختلف؛ هل هذا الرجل منافق تاب وعاد إلى ربه أو لم يتب؟ الله تعالى أعلم بحاله.
انتهينا من هذا المشهد، مشهد من مشاهد النفاق في غزوة تبوك، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان. ما زلنا نتكلم يعني المشاهد كما تلاحظون مشاهد مختلفة، ولكن فيما يظهر هذه المشاهد التي يتكلم عنها ابن هشام هي كلها في مسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم باتجاه تبوك، يعني لسنا في رحلة العودة، نحن الآن في رحلة الذهاب. فقضية يقول النبي صلى الله عليه وسلم بمنطقة العلا وديار ثمود، وقضية فقدان ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه كلها كانت في رحلة الذهاب والله تعالى أعلم.
مضى النبي صلى الله عليه وسلم سائراً باتجاه تبوك، فجعل يتخلف عنه الرجل، يعني بعض الناس بدأوا يفقدون من الجيش لا يعلم الناس أين ذهبوا، فيأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان عنا. فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه. كانت هذه سياسة النبي عليه الصلاة والسلام؛ كلما أتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله فلان يقول: دعوه، إن كان فيه خير الله يلحقه بنا، إن كان فيه شر الله سبحانه وتعالى أراحنا منه.
حتى قيل: يا رسول الله، الآن أتوا باسم رجل من الصحابة الكرام فقدوه من الجيش. تفاجأ الناس بفقدان هذا الرجل، من هو هذا الرجل؟ سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه. أتى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله تخلف أبو ذر عنا. في الحقيقة أبو ذر كان مع الجيش، الذي حدث معه أن بعيره أبطأ عليه، يعني بعيره عانده لم يجاوبه، فجلس أبو ذر يعني تخلف عن الجيش قليلاً يحاول أن يصلح حال هذا البعير لعله يطيعه ويطاوعه ويسير معه ليلحق النبي صلى الله عليه وسلم.
الناس طبعا ما عرفت قصة أبي ذر، جاء الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله فقدنا أبا ذر وتخلف عنا، لا نعرف أين ذهب. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: دعوه، إن يكن فيه خير سيلحقه الله بنا، وإن كان فيه شر فقد كفاكم الله منه. وتلوم أبو ذر على بعيره.
دعونا الآن نذهب إلى أبي ذر، ماذا حدث يا أبا ذر؟ أبو ذر يحاول أن يصلح من هذا البعير ويقوم ويصلح من شأنه، فلما أبطأ عليه هذا البعير -الظاهر عانده ولم يرتضي السير معه، الجو حار جداً، كان البعير متعباً، الله تعالى أعلم- فلما أبطأ عليه، هل تظنون أن أبا ذر قال: بما أن بعيري لم يرض السير معي إذن سأعود إلى المدينة، خلاص إذن أنا معذور ما عندي شيء أركب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل كانت هذه إيمانيات أبي ذر؟
أبو ذر رضي الله عنه من الطراز الرفيع، من الطراز الأول، أصحاب الإيمان، أصحاب السبق. أبو ذر أحبتي الذي أسلم في بطن مكة وصرخ بالإسلام وبشهادة أن لا إله إلا الله بين صناديد قريش وصناديد الكفار، وعاقبوه وعذبوه وهو في مكة. الآن تظهر هذه الإيمانيات مرة أخرى وتتجلي في حياته، رجل صلب الإيمان، من كما قلنا من خيرة الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم. فلما أبطأ عليه بعيره قال -يعني بلغتنا العامية-: إن هذا الأمر سيطول بنا كثيراً، أخذ متاعه حمله على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشياً. رضي الله عنك يا أبا ذر؛ إيمان عالي جداً، البعير لا يطاوعني، أنا ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم على قدميه في شدة الحر. حمل متاعه، حمل كل المتاع على ظهره ثقل، والأجواء حارة جداً في منتصف الصيف، وأين؟ ما بين المدينة وتبوك، والذي يعلم تضاريس هذه المنطقة وحرها يدرك تعب هذه الرحلة. يخرج ماشياً ليدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
النبي عليه الصلاة والسلام نزل في بعض منازله ليستريح، فنظر ناظر من جيش المسلمين إلى رجل أيضاً من بعيد. هناك ظلال رجل من بعيد قادم، فقالوا: يا رسول الله إن هناك رجل يمشي من بعيد. فالنبي صلى الله عليه وسلم تفاءل وقال: كن أبا ذر. يحب النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر ويحب أن يلحقه أبو ذر، يعلم النبي صلى الله عليه وسلم سابقة هذا الرجل، فاذا هو فعلا أبو ذر. قالوا: يا رسول الله إنه أبو ذر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم -يعني تخيلوا المشهد جيش المسلمين هو الآن ينظر إلى أبي ذر، كل الجيش يرقب هذا المشهد المهيب-: أبو ذر رضي الله تعالى عنه يسير وحده في الصحراء، قد وضع المتاع والرحل على ظهره، ويزحف زحفاً على أقدامه في أجواء حارة يريد أن يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالنبي عليه الصلاة والسلام أكبر هذا الموقف من أبي ذر؛ موقف رائع جداً، موقف رهيب في الإيمان. هذا رجل يسير في الصحراء قادماً، تعب ونصب وحر، ويأتي على قدميه ليلحق بي. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما رآه قادماً بهذه الصورة قال: رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده. دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة، وأخبر عن كيف ستكون حياة أبي ذر في المستقبل. قال: رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده -سيموت منفرداً، وسنعرف أين مات أبو ذر الآن بإذن الله- يموت وحده بعيداً عن الناس، ويبعث وحده. رضي الله تعالى عنك يا أبا ذر.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، عبد الله بن مسعود الآن سننتقل للمشهد إلى خلافة عثمان بن عفان. الآن أبو ذر ذهب إلى الشام ابتداءً، وكان بينه وبين أمير الشام معاوية بن أبي سفيان خلافات. الآن معاوية بن أبي سفيان كان أمير الشام في خلافة عثمان بن عفان، معاوية بن أبي سفيان وفي منطقة الشام كان يوسع على الناس وكان الناس يتوسعون في المطاعم في المشارب، فأبو ذر رضي الله عنه ذاك الرجل المتقشف العابد الزاهد رفض مظاهر التوسع في المطاعم والمشارب التي كان يتبعها معاوية بن أبي سفيان ويتبعها أهل الشام، وكان دائماً يكثر اللوم عليهم ويزهدهم ويأمرهم بالكف عن هذه التوسعات.
ومعاوية بن أبي سفيان شكى أبا ذر إلى عثمان بن عفان وقال: إن أبا ذر يشق على الناس في الشام ويأمرهم بالتقشف بحياة الزهد، وهذا لا يصلح لأهل الشام؛ هذه منطقة فيها كثير من المجتمعات، منطقة تداخل حضارات كما يقولون، فيها شعوب مسلمة جديدة، لا يصلح أن نتعامل معها بتلك الشدة والتقشف والزهد الذي يريده أبو ذر. هنا عثمان رضي الله عنه ربما أدرك الصواب في كلام معاوية بن أبي سفيان أن أبا ذر رضي الله عنه بطبيعته شخص متقشف شخص زاهد في هذه الحياة، وهذا شيء جميل ورائع، لكن لا نستطيع أن نفرض هذا التقشف وهذا الزهد على كل المجتمعات الجديدة التي ستدخل في رحاب الدولة المسلمة، لأن هناك أنماط متعددة للشعوب، لا يصلح لكل الناس نمط أبي ذر. هناك أناس لا يصلحهم إلا الغنى والتوسع في المطاعم والمشارب وإلا فسد دينهم، وهناك أناس نعم يصلحهم التقشف والزهد كما يصلح لأبي ذر رضي الله عنه.
فهنا استدعى عثمان أبا ذر رضي الله عنه وطلب منه أن يقيم عنده في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأجواء المدينة هي التي تنسجم مع حياة أبي ذر، الإيمانيات العارية، شعب تربى على أيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصحابة الكرام متوافرون يعرفون مقاصد كلام أبي ذر ولا ينزعجون منه. لكن أبو ذر رضي الله عنه لما رأى الحكاية انتهت بهذه الطريقة، وأن عثمان رضي الله عنه استدعاه ليعيش معه في المدينة، غادر لعثمان بن عفان: يا أمير المؤمنين دعني أذهب إلى منطقة الربذة، وهذه فيما يظهر بادية من البواوي كانت حول المدينة النبوية، دعني أقيم في هذه المنطقة وحدي أنا وزوجي وخادمي إلى أن ألقى الله سبحانه وتعالى. فأراد إذن أبو ذر أن ينهي حياته بالعزلة بعيداً عن الناس متعبداً لربه سبحانه وتعالى.
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يخبرنا كيف أنه أدرك أبا ذر رضي الله تعالى عنه حين وافته المنية في هذه المنطقة. يقول عبد الله بن مسعود: لما ذهب أبو ذر إلى الربذة وأصابه بها قدره -يعني جاءته المنية- لم يكن معه أحد، حتى تنظروا صدق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لما قال في غزوة تبوك: رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده رضي الله عنه. يقول عبد الله بن مسعود: لم يكن مع أبي ذر أحد في تلك المنطقة إلا امرأته وغلامه. فأوصاهما -يعني أبو ذر كان أوصى هذه المرأة وهذا الغلام أن: غسلاني وكفناني-. تصوروا ما في في هذه البادية المنقطعة إلا امرأة وغلام فقط، وكأنه معه يعني شيء من الطعام أو شيء من المواشي يقيم بها صلبه، وإلا لا يوجد أحد في هذه المنطقة إلا هو وامرأته وغلامه. فأوصى فقال لزوجته ولغلامه: إن مت فغسلاني وكفناني، ثم احملاني وضعاني على قارعة الطريق.
ما أجمل هذا الرجل الصادق مع ربه سبحانه وتعالى! إنسان لا يبحث عن الأضواء، إنسان لا يبحث عن الجمهور والشعبية والملك والسلطة وأن يشار إليه بالبنان وأن يجد الناس حوله يصفقون له، وإذا أحد مكانه في تعليم العلم الشرعي وفي النصح لله ولرسوله أصابه حسد وحقد عليه وحاول أن يسقطه، لا لا، رجل أراد أن يحيا لله سبحانه وتعالى. أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أسلم مبكراً وصاحب الإسلام بين صناديد مكة ولقي ما لقي، أبو ذر الذي شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو ذر الذي ترك راحلته تذهب ومشى على قدميه وحمل متاعه على ظهره ليدرك محمد صلى الله عليه وسلم. هذا الرجل أحبتي الذي لو كان في زماننا لغسلنا قدميه ولجلسنا عندهما نتعلم منه العلم والزهد والتقوى وحب الله ورسوله، هذا الرجل الآن يموت وحده ويوصي زوجته أن تأتي به إلى قارعة الطريق: ضعيني لعل راكباً من الركبان يمر بي فيدفنني في الأرض. ما أجمل هذا الرجل! رضي الله تعالى عنه.
ثم دعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم قولوا له: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقط نريد أن تعينونا على دفنه. فلما مات فعل ذلك به، ثم وضعه على قارعة الطريق فأقبل عبد الله بن مسعود. سبحان الله! عبد الله بن مسعود كان ماراً من هذه المنطقة هو وركب من الكوفة، فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق -يعني تفاجأوا هناك جنازة، يعني الجنازة المراد بها ميت، هناك ميت موجود على قارعة الطريق، ويجلس بقبره امرأة وغلام-. تفاجأ عبد الله بن مسعود من هذا المشهد؛ من هذا الميت حتى كادت الإبل أن تطأ هذه الجنازة هذا الرجل في نعشه.
فقام إليهم الغلام واقترب من هذا الركب فقال: أيها الركب، هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينونا على دفنه. هنا بكى عبد الله بن مسعود بكاء شديداً حاراً، وحق له أن يبكي، فعلاً موقف مؤثر جداً أحبتي.
أبو ذر الذي عشنا معه الأيام الجميلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. أبو ذر صاحب الإيمان، صاحب التقوى، صاحب الزهد. أبو ذر المحب لله ورسوله، المضحي بنفسه في هذا الدين، هكذا يموت على قارعة الطريق يا سبحان الله!
فاستهل عبد الله يبكي ويقول: صدق الله ورسوله يا أبا ذر؛ تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك. رضي الله عن سيدنا أبي ذر، وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به في جنات النعيم.
النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى منطقة تبوك. دعونا نعود لمشهد تبوك؛ النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى منطقة تبوك. كما قلنا الروم تخوفوا من لقاء النبي عليه الصلاة والسلام، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم فترة أوصلها بعض الرواة إلى عشرين يوماً ينتظر قدوم جيش، وهو في الحقيقة يحقق عديداً من المقاصد في الإقامة كل هذه الفترة؛ لأنه يثبت للروم أن محمد صلى الله عليه وسلم شجاع لم يهبكم، ها هو الآن ينتظركم في تبوك، لعلكم تتشجعون وتواجهونه.
وطبعا وصلت هذه الرسائل إلى الروم أن محمد صلى الله عليه وسلم خرج بجيش قوي متين خرج ليلاقيهم في هذه المنطقة، ولكن هم أدركوا أن معركة ستكون صعبة عليهم في هذا الحر، في هذه الاجواء، في هذه التضاريس، فهابوا من لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا أوصل رسالة ليس فقط إلى الروم، بل لكل القبائل التي في جزيرة العرب التي لم تسلم بعد؛ أن محمد صلى الله عليه وسلم لم يخرج ليقاتلنا نحن أحياء العرب الذين لم ندخل بعد في دينه، محمد صلى الله عليه وسلم خرج ليقابل الروم الدولة العظمى في ذاك الوقت.
رسالة قوية جداً أن هذا الرجل طموحه عالي، هذا الرجل لم يلتفت إلينا نحن القبائل المتناثرة، بل إلى القوة العظمى أو الدولة العظمى في هذا الوقت يريد أن يحاربها ويناجزها بالسيف. إذاً هذا الرجل رجل شديد، رجل شجاع، رجل محارب، رجل لا يهاب أحداً. فهذه رسائل الإرعاب والخوف وصلت إلى كل هذه القبائل، حتى جاءه رجل يقال له يوحنا بن رؤبة، كان أميراً على العقبة التي يقولون لها أيلة.
كان أميراً على منطقة العقبة، وهو يتبع في النهاية في هذه المنطقة تابعة في حكمها لبلاد الروم، لكن كان أميراً عربياً على هذه المنطقة تابعاً للروم. لكنه لما سمع بأن النبي اقترب من تبوك، من شدة الرعب الذي وصل إليه، خرج مسرعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقابله في تبوك وصالح النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية. تصوروا أمير العقبة في ذاك الوقت التابع لدولة الغساسنة التي تتبع دولة الروم، يأتي النبي صلى الله عليه وسلم مسرعاً إلى تبوك ليجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلب منه المصالحة ويتعهد بأن يدفع له الجزية مقابل ألا يمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء.
الرعب إلى أين دخل في قلوب هؤلاء القوم! وفعلا كتب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل كتاباً. أيضا أتى النبي صلى الله عليه وسلم أهل أذرح، وهذه منطقة في الأردن، أهل أذرح والجرباء أتُوا النبي صلى الله عليه وسلم فصالحوه ودفعوا له الجزية. واضح إذن الرسالة وصلت إلى كل هذه القبائل؛ هذا النبي العظيم نبي شجاع لا يهاب أحداً، له قدرة على أن يناجز الدول العظمى في ذاك الزمان.
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام أثناء إقامته العشرين يوم في منطقة تبوك أراد أن يحقق أمراً عسكرياً؛ أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا خالد بن الوليد في سرية إلى منطقة دومة الجندل، منطقة كانت قريبة من تبوك. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد خلال هذه الأيام التي أقام في تبوك إلى منطقة دومة الجندل.
دومة الجندل كان عليها حاكم يقال له أُكيدر بن عبد الملك. أُكيدر بن عبد الملك هذا رجل كان رجل من رجالات كِندة الشهيرة التي استوطنت شمال الجزيرة العربية وحكمت تلك المنطقة فترة طويلة من الزمان. ابن عبد الملك رجل من رجالات كندة كان ملكاً وأميراً على دومة الجندل، وكان نصرانياً. وطبعاً في هذه المناطق العربية النصرانية تكون في العادة تتبع لنفوذ دولة الروم؛ أن دولة الروم كان لهم علاقات مع العرب من خلال غساسنة، من خلال بعض ملوك كِندة، فهذه العلاقات كانت تجعل بعض رؤساء العرب يتجهون نحو النصرانية ليرتبطوا بدولة الروم.
فهذا الرجل فيما يظهر كان له علاقة بالدولة الرومانية وكان حاكماً على منطقة دومة الجندل. الآن خرج خالد بن الوليد بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم متجهاً إلى هذه المنطقة سعياً منه لأن يفتحها إما بالقوة وإما بالمسالمة والصلح. النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يرسل خالد بن الوليد قال لخالد: يا خالد، إنك ستجده يصيد البقر.
انظروا العجب العجاب! محمد صلى الله عليه وسلم يقول لخالد قبل أن يذهب خالد: يا خالد، هذا الرجل إذا وصلت إليه أنك ستجده يصيد البقر. وهذه طبعا كلها أحبتي، أحيانا الإنسان لو يريد أن يتكلم في كل أهداف النبي صلى الله عليه وسلم من رسائله سيجد العجب العجاب. خالد بن الوليد كما قلنا كان ممن أسلموا قبيل صلح الحديبية.
النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يزيد معاني الإيمان في قلب خالد بن الوليد أكثر وأكثر، ويزيد دلائل نبوته في باطنه وفي قلبه، فالنبي عليه الصلاة والسلام انظر ماذا قال لخالد بن الوليد: يا خالد، إنك ستجد هذا الرجل يصيد البقر. الآن إذا خالد ذهب ووجد فعلا أُكيدر بن عبد الملك يصيد البقر، هذا سيعزز الإيمان في قلبه بأن هذا النبي العظيم بالتأكيد هو رسول يأتيه خبر من السماء، لا يمكن أن يعطي كل هذه التفاصيل الدقيقة وكل هذه الأحداث ولا يكون رجلاً مؤيداً من السماء.
فانظروا كيف عزز النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في قلب خالد بن الوليد! ودائماً تلفتوا لكل هذه الكلمات التي تخرج من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله الذي لا إله إلا هو إنه لا ينطق إلا بحكمة ولمقصد يريده بأبي هو وأمي. إذن خالد بن الوليد خرج حتى اقترب من دومة الجندل، وكانت عبارة عن حصن حصين قوي جداً، وكان هذا الرجل أُكيدر بن عبد الملك في داخل هذا الحصن. دعونا نذهب إلى أُكيدر، ماذا كان يفعل في لحظات اقتراب خالد من الحصن؟
يقول ابن هشام: وفي ليلة مقمرة صائفة -يعني القمر في منتصف السماء والأجواء هادئة- كان أُكيدر بن عبد الملك على ظهر قصره مع زوجته الحسناء، وكانت هناك بقر تحك باب الحصن بقرونها. انظروا كيف الله سبحانه وتعالى أصدق نبيه وعده! كان هناك بقر، بقر وحشي يحك بقرونه باب الحصن. فامرأة أُكيدر بن عبد الملك تقول لزوجها: هل رأيت مثل هذا المشهد قط؟ يعني هناك أمر عجيب يا أُكيدر؛ هذه البقر الوحشية تنطح أبوابنا وكأنها تريد منك أن تذهب لتصيدها. فقال أُكيدر: والله ما رأيت مثل هذا قط.
فيقول له امرأته: من يترك هذه؟ يعني ما شاء الله هذا صيد ثمين، من يتركه؟ اذهب فصِد. فقال: وفعلا لا أحد يترك مثل هذا الصيد. فنزل سريعاً فأمر بفرسه فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان. فخرج أُكيدر مع أخيه حسان فركبا وخرجوا معه بمطارده أي برماحهم. ففعلا إذا أُكيدر خرج ليطلب هذه البقر ليصيدها، فما خرج من باب الحصن ليصيد البقر وليطاردها إلا بخالد بن الوليد قد أحكم الحصار عليه ووقع بين يدي خالد أسيراً.
وطبعا حدثت بعض المناوشات العسكرية قتل فيها شقيقه حسان، وأما أُكيدر فوقع أسيراً في يد خالد بن الوليد. وكان يلبس هذا أُكيدر، يلبس كما يقولون حلة من ذهب، حلة خالصة من ذهب. فخالد بن الوليد خلع عنه هذه الحلة وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أحد جنوده. يعني قبل أن يصل خالد إلى النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه النهاية المفرحة، فبعث هذا الكساء المذهب مع رجل من الصحابة الكرام باتجاه النبي صلى الله عليه وسلم.
الآن أحبتي، كما قلنا خالد بن الوليد أتى بأُكيدر باتجاه النبي عليه الصلاة والسلام. قبل ذلك دعونا ننظر في هذا الصحابي الذي أخذ الكساء المذهب وصل به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يقول أنس بن مالك: لما أتى هذا الكساء المذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل المسلمون الصحابة الكرام ينظرون إلى هذا الكساء بتعجب ويلمسونه بأيديهم من شدة العجب، كيف يكون كساء كامل من ذهب؟ يعني الصحابة كان أغلبهم فقيراً ما يملكون إلا الأثواب التي يأكلونها، أما هذا الرجل يلبس كساء كاملاً من ذهب، فتعجب الصحابة من هذا المشهد.
فانظر النبي صلى الله عليه وسلم كيف استغل هذه اللحظة وأراد أن يبين زهد كل هذه الحياة الدنيا وأنها لا تساوي عند الله سبحانه وتعالى جناح بعوضة، كل هذا الذهب كل هذا النعيم قليل جداً جداً أيها الصحابة، بالمقابل ما ادخره الله سبحانه وتعالى لكم في جنات النعيم. فالنبي صلى الله عليه وسلم استغلالاً للموقف ماذا قال لهم؟ قال: أتعجبون من هذا؟ يعني ترون هذا الرداء أو هذه الكسوة ذهب عجيبة؟ فوالذي نفسي بيده، إن مناديل -مجرد مناديل- إن مناديل سعد بن معاذ زعيم الأنصار الذي استشهد في غزوة الخندق رضي الله تعالى عنه وقضى نحبه سابقاً، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة من هذه... تصوروا المناديل التي نمتخط بها -أحبتي طبعا في الجنة لا يوجد مخاط، لكن المناديل التي تمسح بها الأيدي- كما نقول أتفه شيء عند الإنسان في حياته لا قيمة له كبرى عنده، هذه المناديل التي لسعد بن معاذ في الجنة خير وأطيب وأجمل وأفضل من كل هذا الكساء المذهب.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقلل الدنيا في عيون أصحابه ويزهدهم بها ويربطهم بالدار الآخرة. قال ابن إسحاق: ثم إن خالداً قدم بالأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم حقن دمه وصالحه على أن يدفع الجزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان نصرانياً والنصارى يدفعون الجزية إلى المسلمين، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته. إذن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد أن يقتله، بل استفاد منه واستثمر الجزية، صالحه، كتب بينه وبينه عهد، وهذا الرجل أصبح يدفع الجزية لمحمد صلى الله عليه وسلم.
انظروا كيف سلطان النبي عليه الصلاة والسلام الآن بدأ يتوسع في جزيرة العرب، أصبح هناك اقوام وملوك وقادة ودول تدفع الجزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم! هذا الانقلاب بالموازين خلال سنوات معدودة؛ تسع سنوات أحبتي فقط. النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا خرج مهاجراً من مكة هو مع أبي بكر على راحلتين وكفار قريش يطاردونهما ويسعون إلى قتله، محمد صلى الله عليه وسلم تسع سنوات يعود إلى مكة ويفتحها، ويفتح الطائف، ويقاتل هوازن، ويذهب باتجاه الشام ليقاتل الروم، يأتي قادة وملوك العرب يدفعون له الجزية، وتأتي وفود تدخل في دين الله أفواجاً.
انقلاب تاريخي في جزيرة العرب وفي مسيرة هذا العالم خلال تسع سنوات يحدثه محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا هو العجب العجاب في هديه بأبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. أقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك المدة من الزمن كما قلنا البعض أوصلها إلى عشرين يوماً، ثم انصرف قافلاً إلى المدينة.
وكان في الطريق ماء يخرج من وَشَل -يعني الوشل مثل الذي يكون حجر- كان هناك نَبْعَة ماء ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة، يعني ماء قليل جداً ينبع من بين حجارة بوادٍ يقال له وادي مشقق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني أصدر أوامره-: أي شخص من الصحابة يسبقنا إلى وادي مشقق فلا يستقين من هذه العين شيئاً حتى نأتي.
النبي عليه الصلاة والسلام أصدر أمراً عسكرياً أن هذا الوادي من يصل إليه ابتداء منكم أيها الجيش لا يقرب هذه العين. يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يثريها ببركته؛ لأنه كما قلنا كانت عيناً ضعيفة جداً لا تكاد تروي راكباً وراكبين، فكيف بجيش كامل؟! لكن يأتي النفاق مرة أخرى، بعض المنافقين سبق إلى هذا الوادي واستقوا من هذه العين وخالفوا أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه العين وجدها قد فرغت من الماء تماماً. فقال: من سبقنا إلى هذا الماء؟ عرف النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك من أتى إلى هذه العين وشرب ما فيها. من سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له: يا رسول الله سبقنا فلان وفلان -رجلان من المنافقين-. فقال عليه الصلاة والسلام: أو لم أنهكم أن تستقوا من هذه العين شيئاً حتى أتيها؟!
ثم النبي صلى الله عليه وسلم دعا على هؤلاء المنافقين؛ الواضح أن القضية قضية عناد، قضية مناكفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم النبي عليه الصلاة والسلام شفقة بقومه ورحمة بهم وبالصحابة الكرام، نزل فوضع يده تحت الوشل -أي تحت هذا الحجر- فجعل يصب في يده ما شاء أن يصب من قطرات الماء، ثم نضحه به ومسح بيده على الحجر ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شاء الله أن يدعو.
النبي صلى الله عليه وسلم بما فتح الله عز وجل به أن يدعو، فانخرق الماء كما يقول من سمعه ما إن له حساً كحس الصواعق. يعني بدأ الماء يتفجر من هذا الجبل أو من هذا الحجر، فشرب الناس جميعاً واستقوا حاجتهم منه.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يرسل رسائل الإيمان والتثبيت، يقول لأصحابه: لأن بقيتم أو من بقي منكم لتسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه. يعني هذا الوادي الذي ترونه الآن مجدباً لا زرع فيه ولا ماء، في يوم من الأيام ببركة هذه العين التي افتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبقى هذا الوادي مخصباً، ستجدون فيه في يوم من الأيام جنات خضراء. وهذا وقع في هذا الوادي في يومنا هذا.
حتى لا أطيل المشاهد في قضية غزوة تبوك، كان هناك بعض المشاهد يمكن أن نقفز عنها. دعونا أحبتي نذهب إلى قصة عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، ونعود إلى قصة الثلاثة الذين خلفوا كيف تعامل معهم النبي صلى الله عليه وسلم.
الآن هذه القصة لن أسردها من ابن هشام، بل سنذهب إلى سير أعلام النبلاء للذهبي رحمة الله تعالى عليه تسرد هذه القصة. وهذه القصة قصة الثلاثة الذين خلفوا كيف تعامل معهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة ثابتة في الأحاديث الصحيحة، أليس الذهبي هو الذي تفرد بنقلها رحمة الله عليه؟ بل هي موجودة في الأسانيد الصحيحة، وقد رواها كعب بن مالك بنفسه تفاصيل ما حدث معه.
النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى المدينة، جاء المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه: يا رسول الله ما منعنا أن نخرج معك وأن نلحقك إلا شيء أصابنا، هناك أعذار لدينا. فبدأ كل منافق من المنافقين يذكر عذراً من الأعذار. النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أنهم منافقون، لكنه عليه الصلاة والسلام صفح وعفا عنهم، ولم يرد أن يحدث الآن خصام في داخل المجتمع، وقد أشار إلى هذه القضية أكثر من مرة أنه لا يريد أن ينتشر بين العرب أن محمد صلى الله عليه وسلم يقتل أنصاره وأصحابه؛ لأنه في النهاية أولئك المنافقون يحسبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه السياسة عامة من النبي عليه الصلاة والسلام.
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أتاه المنافقون بدأوا يعتذرون له، والله سبحانه وتعالى في هذا الموقف وفي هذه المرة عاتب رسوله صلى الله عليه وسلم على العفو، قال سبحانه وتعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: 43]. يعني الله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم معاتباً: عفوت عنك يا محمد على هذا الأمر الذي ما كان ينبغي أن تفعله، لماذا عفوت عن هؤلاء أهل النفاق الذين أتوا إليك معتذرين حتى ينكشف حالهم وينجلي أمرهم، ويتميز الصادق منهم من الكاذب؟
لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان كما قلنا يحرص دائماً على هذا المشهد، مشهد أن لا يحدث خلاف كبير وخدش في داخل الصف المسلم ما دام هذا النفاق مخبأ منطوياً على مجموعة من الرجال لم يتفشى في مجتمعه ولم يقلب الطاولة على أصحابه. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحاول أن يحتوي هؤلاء القوم إلى آخر مرحلة إلى آخر درجة، لكن في النهاية سيصل المجتمع المسلم مع هؤلاء المنافقين إلى نهاية حاسمة، إما أن يلتزموا بمحمد صلى الله عليه وسلم وإما أن يعاملوا بالسيف.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا في تلك المرحلة كان يحاول أن يبعث الأمن والطمأنينة في دولته المسلمة الناشئة ويوسعها، فلم يرد أن يحدث أي خدش في داخل بيئته الخاصة داخل المدينة النبوية، فاختار أن يعفو عنهم وإن كان الله عز وجل كما قلنا عاتبه في هذا العفو.
المهم الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك الصحابة الكرام لما أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطيعوا أن يكتموا الحقيقة؛ لأنهم صادقون ولأنهم مؤمنون ليسوا بمنافقين. دعنا ننظر إلى كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وهو يخبرنا كيف أتى ليعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف النبي صلى الله عليه وسلم تعامل معه. يقول كعب بن مالك في قصة طويلة أسردها لأهميتها: كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. يعني تلك الغزوة في الحقيقة أنا كنت إنساناً في راحة مادية كبيرة جداً وكان الوضع ميسوراً معي تماماً فلا ينقصني شيء.
إذن لماذا تخلفت؟ قال: والله ما اجتمعت عندي قبلها راحلتان حتى جمعتهما في تلك الغزوة. انظروا صدقه، يقول: عمري ما اجتمعت عندي راحلتان إلا في غزوة تبوك، كان عندي راحلتان عدة لأن أنطلق بهما. قال: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزوة تبوك، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً وعدواً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، وأخبرهم بالوجهة التي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذاك الوقت كثر أحبتي.
نعم، إذا كان في غزوة حنين كان فيها اثنا عشر ألفاً من الصحابة، فهذه الغزوة كان فيها عدد كبير من الصحابة حاضراً، وإن كان ابن هشام لم يعطنا الرقم بالضبط، لكن كان عدد كبير لا يقل عن عشرة آلاف مقاتل. فالمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر، لا يجمعهم كتاب حافٍ، يعني ما في ديوان يسجل من الذي غاب ومن الذي حضر كحال الجند اليوم تجد أموراً منظمة ودواوين مكتوبة. قال: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى حاله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم ينزل فيه وحي. يعني كل رجل حدثته نفسه بالتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحادث نفسه؟ يقول: عدد المسلمين كثير، لا يوجد ديوان يحاسبنا على التخلف، فأكيد إذا تخلفنا لن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بتخلفنا. كل إنسان يفكر بهذه الطريقة أنه بالعدد الكبير نحن نضيع ضمن هذا الزحام ونتخلف، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يدرك تخلفنا، إلا إذا جاء الوحي. الكل يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ممكن يأتيه وحي يعطيه كل التفاصيل، هؤلاء المتخلفون خاصة من المنافقين كانوا يأمنون ألا ينزل فيهم وعيد.
غزا النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، قال: وأنا إليها أصعر، يعني أنا كنت ميالاً للراحة والظلال والثمار وشقت علي نفسي أن أخرج في تلك الرحلة باتجاه تبوك. ضعف إيمان مر به كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه هؤلاء الثلاثة، قال: فتجهز المسلمون، قال: وطفقت أغدو لكي أتجهز. يعني كعب بن مالك نفسه تساوره، قال: كنت أخرج إلى السوق أحاول أن أتجهز، كل يوم أذهب إلى السوق وأحاول أتجهز، أشتري سلاحاً وأمتعة، قال: ثم أعود في المساء ولم أقض شيئاً، يعني ما أشتري هذا الجهاز وأقول في نفسي أنا قادر أن ألحق النبي صلى الله عليه وسلم متى أردت. خلاص غداً إن شاء الله أذهب إلى السوق أشتري المتاع، فبدأ يسوف.
وانظروا خطورة التسويف في الطاعات، هذه قصة كعب بن مالك حقيقة قصة مليئة بالعبر، ولو أن المجلس يسمح لدخلنا في عبرها وحكمها ووقفنا على مشاهدها المهمة في حياة كل مسلم، قضية التسويف أحبتي. تسويف الطاعة بدأ يؤجل، قال: غداً أجهّز للمعركة، ثم بعد غد أجهّز للمعركة، يأتي غد يتباطأ، يقول: خلاص بعد غد. انظر التسويف في طلب العلم، التسويف في قراءة القرآن، التسويف في قيام الليل، التسويف في الطاعة، في الإنجاز، في العمل. انظر للتسويف ماذا فعل بكعب بن مالك!
قال: حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً. أذهب إلى السوق وأعود وأقول غداً أتجهز، أذهب إلى السوق وأعود وأقول غداً أتجهز. قال: فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئاً، يعني بعد أن ذهب الجيش وأنطلق أنزل للسوق ثم أعود ولا أقضي شيئاً. قال: ثم غدوت حتى رجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت.
يعني الآن الجيش ابتعد كثيراً عن المدينة، وجاءني الإحساس الأخير أنه حاول أن جاءني هذا التفكير الأخير أنه لعلي ألحقهم لعلي ألحقهم، يتمنى أنه فعل هذا وانه لم يستسلم لهاجسه ولنفسه ولهواه، لكن قدر الله سبحانه وتعالى. قال: ولقد هممت أن أرتحل فأدركهم فليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك، خلاص انتهت القضية والله عز وجل لم يقدر لي هذه الهمة النافعة الصالحة في ذلك الوقت.
قال: فكنت إذا خرجت في الناس الآن خلاص انتهت الأمور والنبي صلى الله عليه وسلم ذهب وكعب بن مالك الآن في المدينة، قال: كنت أخرج في أسواق المدينة أنظر فيحزنني أنني لا أرى في المدينة رجلاً إلا رجلاً مغموصاً من النفاق يعني معروف أنه منافق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء. يعني ما بقي إلا رجل معروف أنه منافق أو رجل من المستضعفين الذين لا يملكون شيئاً يخرجون به فعذرهم الله سبحانه، وأما أنا فأين وضعي؟ لا أنا مستضعف حتى أعذر، ولست أيضاً منافقاً. فعرف أن مكانه خطأ، ليس هذا مكاني، أنا مكاني في ساحات الغزو مع محمد صلى الله عليه وسلم ومع صحبه.
قال: فتذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغ تبوك. النبي عليه الصلاة والسلام وهو جالس في تبوك جالس مع المعسكر مع أصحابه يتحدث، يتذاكرون من غاب من حضر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه ونظره في عطفه. يعني الرجل الآن حبسه النعيم الذي هو فيه مقيم في المدينة. أن هذا الرجل من بني سلمة في الحقيقة أخطأ في هذه الإجابة، ما كان ينبغي له أن يجيب بهذه الإجابة؛ لأن فيها لمزاً بصاحبه بصديقه كعب بن مالك. معاذ بن جبل أنظر للرجل الفقيه العالم قال: بئس ما قلت. يعني يخاطب هذا الصحابي ويقول له: بئس ما قلت، يعني لا ينبغي أن تقول هذا عن أخيك. فوالله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. يعني كعب بن مالك يا رسول الله كل مواقفه تشهد أنه رجل صالح. كعب بن مالك أحبتي من أصحاب بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية، أنتم تتكلمون عن رجل من الرعيل الأول، شهد أحداً والخندق والمواقف المشهودة كلها، لكن هي الغزوة الوحيدة التي تخلف عنها تبوك. وتخلف عن بدر ليس لأنه يريد أن يتخلف؛ لأنه ما عرف كما قلنا كثير من الصحابة تخلفوا عن بدر لأنهم ما عرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم سيخوض معركة كما ذكرنا سابقاً، ظنوا أن الموضوع فقط ملاحقة قافلة أبي سفيان ولم يظنوا أن الأمر تطور إلى معركة، فهو معذور في غزوة بدر.
لكن المشكلة هنا في غزوة تبوك. الآن المشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يتجه عائدا إلى المدينة. يقول كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني همي، بدأت أفقر ماذا سافعل الآن؟ وقعت في ورطة. فطفقت أذكر الكذب وأقول: كيف أخرج من سخطه غداً؟ واستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. يعني بدأت أحاور الناس: ماذا أفعل؟ كيف أخرج من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً، انزاح عني الباطل، يعني الآن وصلت الأنباء أن النبي عليه الصلاة والسلام خلص، الآن غداً سيدخل المدينة. حينئذ انزاح عني الباطل، يعني عرفت أنه ما في مجال للكذب، ما في مجال أفعيل كما يفعل هؤلاء المنافقون يذهبون يعتذرون بالأعذار الكاذبة، لابد أن أكون صادقاً في هذا الموقف.
فلما بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً، انزاح عني الباطل، وعرفت أني لا أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب؛ يعني لا أستطيع أن أفلت من النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب، فأجمعت أن أصدقه. قلت: ساعطيه المعلومة صادقة أنني تخلفت من دون عذر.
وأصبح قادماً، دخل النبي صلى الله عليه وسلم صَباحاً المدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك، جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً من المنافقين، فقبل منهم النبي صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سائرهم إلى الله سبحانه وتعالى، وكما قلنا عاتبه الله عز وجل في ذلك.
لكن المهم قال كعب: فجئته، فلما سلمت عليه تبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسم المغضب، ثم قال: تعالى يا كعب. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلفك يا كعب، ألم تكن ابتعت ظهرك؟ يعني كنت رجلاً ميسوراً، عندك ظهر إبل وناقة تركبها، لماذا تخلفت يا كعب؟ فقلت: بلى يا رسول الله، إني والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني ساخرج من سخطه بعذر.
ولقد أعطيت جدلاً، يعني أنا رجل أُعرف أملص حالي من المشاكل، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثاً كاذباً ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخط علي. إذاً خوفهم ليس خوف كعب بن مالك ابتداءً من الله سبحانه وتعالى؛ أنه ممكن يا رسول الله أنت تعفو عني وتظن أني صادق، لكنني أخشى من غضب الجبار سبحانه وتعالى، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، يعني سأحدثك حديث صدق أنت ستغضب من سماعه مني، ولكنني أرجو أن يعفو الله عز وجل عني بسبب صدقي.
لا والله يا رسول الله. الآن المصارحة يا رسول الله؛ والله ما كان لي من عذر، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني في هذه الغزوة. أنا لست معذوراً يا رسول الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال أمام الصحابة: «أما هذا فقد صدق. هذا الصادق، قم حتى يقضي الله فيك بما أردت».
أنك صدقت وأعترفت أنك مذنب، إذاً اذهب حتى يأتي حكم الله سبحانه وتعالى فيك. قال: فقمت، فثار رجال من بني سلمة قبيلة كعب بن مالك، فقالوا: لا والله يا كعب، ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، أعجزت إلا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون؟ وقد كان كافيك لذنبك أن يستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. يعني بدأ يعاتبونه؛ لماذا يا كعب؟ وانت رجل منا ورجل صاحب مكانة، ما عاهدنا عليك ذنباً من قبل. هلا اعتذرت كما اعتذر المخلفون، والله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك وتنتهي القضية، لماذا فضحت نفسك وفضحت قومك؟
قال يا كعب: والله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي. ثم قلت -يعني كعب بدأت نفسه تساوره: لماذا لا أعود؟ أعطي عذراً، وفعلاً الرسول صلى الله عليه وسلم يستغفر لي وينتهي الموضوع. لماذا أصارح هذه الصراحة الواضحة؟- قال: ثم -يعني هنا انظروا الصراع داخل نفس المؤمن الصراع داخل نفس الإنسان المؤمن الصادق- ثم قلت: هل لقي معي أحد؟ يعني هل هناك أحد تكلم بهذه المصارحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري؟ فقال له أصاحبه: نعم، رجلان قالا مثلما قلت. قلت: من هما؟ فقالوا لي: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية.
قال كعب: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا -يعني هؤلاء مرارة وهلال شهدا بدراً- لكن جاءهما ضعف الإيمان في هذه اللحظة في غزوة تبوك. فقلت: هذان رجلان صالحان يؤتسى بهما، فمضيت وانتظرت أن ينزل حكم الله عز وجل فيه، أن ينزل حكم الله سبحانه وتعالى فيها. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه؛ إنه خلاص، هؤلاء الذين كذبوا واعتذروا بأعذار كاذبة، النبي صلى الله عليه وسلم قبل منهم الظاهر ووكل سرائرهم إلى الله، لا يرجى فيهم خير، لكن الذي يرجى منه الخير هؤلاء الثلاثة.
فكان لابد من أن يخضعوا لعملية تربية لئلا يتكرر الخطأ مرة أخرى في حياتهم. تربية الله عز وجل لهؤلاء الثلاثة تجلت في مقاطعة النبي صلى الله عليه وسلم لهم مدة خمسين يوماً، مدة خمسين يوماً والصحابة الكرام كانوا ممنوعين من التحدث مع هؤلاء الثلاثة، وهذا فيه مشقة شديدة على هؤلاء الرجال، ليس بالأمر السهل أن يقاطعوا من كل رجالات المدينة. انظروا ماذا أو ماذا حدث في هذه الأيام.
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، واجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي تلك التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. يعني ضاقت عليهم الأرض بما رحبت كما قص الله عز وجل علينا في كتابه. قال: فأما أحيائي مرارة وهلال فاستكنا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم -يعني هؤلاء كانا رجلين كبيرين فجلسا يبكيان في بيوتهما، وأما أنا فكنت شاباً أجْلدهم- فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين في المسجد، أطوف في الأسواق، ألتفت أحد يكلمني فلا يكلمني أحد. انظروا يعني انصياع كامل لأوامر النبي عليه الصلاة والسلام، المجتمع يتبع القائد، ما في أحد يعني يقول: خلاص يا رسول الله مشيها ودعنا نتكلم، أو يتكلم مع من وراء النبي صلى الله عليه وسلم خفية معهم. المجتمع كله منقاد لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أحد يكلم هؤلاء الثلاثة.
قال كعب: فآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيك ورد علي السلام أم لم يحرك؟ ينظر مجرد رد سلام، النبي عليه الصلاة والسلام لا يرد عليه السلام. هنا ضاقت الأرض بكعب بن مالك؛ كعب بن مالك الذي شهد المواقف وشهد العقبة، الآن يشعر بالضيق والحرج، لا يكلمه أحد في المدينة، رسول الله صلى الله عليه وسلم قاطعوه مقاطعة تامة. شعر بالضيق الشديد كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه.
قال: حتى إذا طال علي ذلك من جفوة المسلمين، تصورت جدار حائط لأبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ. ذهب كعب بن مالك إلى ابن عمه الصحابي الجليل أبي قتادة قال: فسلمت عليه، قال: فوالله ما رد علي. فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك الله؛ هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت أبو قتادة، عنده أمر ما أجاب. قال: فعدت فسكت، فناشدته الثالثة، فقال: الله أعلم. ما تجاوز هذه الكلمة.
فلما رأى كعب بن مالك أن أباقتادة أيضاً ابن عمه وحبيبه وصديقه لا يتجاوب معه، قال: ففاضت عيناي وتوليت حتى تصورت الجدار -يعني عاد إلى بيته، يعني تصور الجدار وخرج من بستان أبي قتادة وعاد إلى بيته يبكي رضي الله عنه-.
قال: في يوم من أيام هذه الخمسين، قال: بينما أنا أمشى بسوق المدينة -انظروا كيف البلاء، الله عز وجل يمتحن إيمان كعب بن مالك وثبت رضي الله عنه، قد كان إيمانه صادقاً ينبع من قلبه- قال: فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن يقدم بالطعام ليبيعه بالمدينة، رجل من أنباط الشام -والشام كان يسكنها بعض الأنباط، يحمل رسالة رجل تاجر كما قلناه من الأنباط أتى إلى المدينة ليباع شيء من الطعام والزيت فيها- فهذا النبطي حينما قدم المدينة بدأ يسأل ويصرخ: هل أحد يعرف كعب بن مالك؟ هل أحد يعرف كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون إليه من دون أن يقولوا هذا هو، يعني الناس كلهم يتخوفون من الكلام مع كعب، فالناس يقولون لهذا النبطي: هذا كعب بن مالك بالاشارة.
فجاءني هذا النبطي فدفع إلي كتاباً، ممن هذا الكتاب؟ من ملك الغساسنة. يعني تصوروا، خبر مقاطعة كعب بن مالك وصلت أنباؤه وأصداؤه إلى بلاد الشام إلى ملك الغساسنة. وكنت رجلاً كاتباً، كعب بن مالك كان ليس أمياً كحال كثير من الصحابة، بل قالوا: كنت كاتباً أعرف القراءة والكتابة، ففتحت الكتاب فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أيا كعب أن صاحبك أي محمد صلى الله عليه وسلم قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نماسك. يعني اترك محمد صلى الله عليه وسلم وعد وانطلق الينا، نحن نقف معك ونعطيك ما شئت من الدنيا.
فكعب بن مالك الإنسان المؤمن هل تظنون أن هذه الرسالة ستغريه؟ فقال كعب بن مالك، وهذا أيضاً من البلاء، عرف أن هذا امتحان من الله سبحانه وتعالى له: فتيممت بها التنور فسجرته به. يعني ذهبت إلى النار أشعلتها وأحرقت الكتاب، حتى لا يحذر نفسه أبداً بهذه القضية.
قال: حتى إذا مضى أربعون ليلة من الخمسين -يعني بعد أربعين يوم من الخمسين- إذا مبعوث من النبي صلى الله عليه وسلم يصل إلي، فقال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. أنظروا، البلاء يشتد حتى أمرأتك تعود إلى بيت أهلها. فقلت: أأنطلقها أم ماذا أفعل؟ يعني ماذا يريد مني النبي صلى الله عليه وسلم أأفعل؟ الطلاق؟ قال: لا، لا تطلق، اعتزلها ولا تقربنها. وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحبي مرارة وهلال بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي باهلك كوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.
قال كعب: امرأة هلال بن أمية جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع كبير ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يعني أخذته الشفقة على هلال، قال: لا، أخدميه، لكن لا يقربنك. يعني لا يحدث بينكما وصال ووطء. فقالت له: إنه والله يا رسول الله ما به يحرك -يعني لا يستطيع أن يفعل هذا الشيء ولا يستطيع الجماع- ووالله يا رسول الله إنه ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومي هذا. تريد هي أن تحرك عواطف رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه هلال بن أمية.
فبعض أهلي -بعض أقارب كعب بن مالك- أتوه فقالوا: يا كعب، لماذا لا تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في امرأتك، كما استأذنت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكعب مالك قلت: لا والله لن أفعل ذلك، والله ما يدريني ما يقول لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا أبا أمية رجل كبير وأنا رجل شاب ما عندي عذر.
قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة. قال: فلما أن صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا -يعني في إحدى الليالي ليلة الخمسين وأنا أصلي الفجر وحدي على ظهر بيتي، وأجلس حزيناً أنظر في هذه السماء ماذا سيؤول هذا الأمر؟ إلى أين ستنتهي القضية؟ هل سينزل فيه شيء؟ هل الله عز وجل سينزل فيه عقاباً توبة مغفرة؟- الأمور كلها تجول في خاطر كعب بن مالك والأمور تصعب مع الأيام.
قال: وفي اليوم الخمسين إذا يصرخ من أعلى الجبل: يا كعب بن مالك أبشر! قال: فخررت ساجداً. قال رجل من أعلى الجبل -وانظروا الصحابة كلهم شوق إلى أن تنزل مغفرة ورحمة إلهية على كعب بن مالك- فلما النبي صلى الله عليه وسلم -يعني هنا لم يكمل المشهد كامل- يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى الصبح بأصحابه، أعلم أصحابه أن الله عز وجل قد أنزل التوبة على كعب وعلى صاحبيه من فوق سبع سماوات نزلت التوبة في سورة التوبة. انظروا سورة التوبة الله عز وجل أنزل فيها آية التوبة، ومن هنا أخذت السورة اسمها.
فأنزل الله عز وجل توبته على كعب بن مالك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبر أصحابه في صلاة الفجر، فمباشرة أحد الصحابة شوقاً وفرحاً بتوبة الله على صاحبه وصديقه كعب بن مالك صعد على أعلى جبل في المدينة أو من أكثر الجبال علواً في المدينة جبل سلع، صرخ بأعلى صوته حتى يكون ما في أي شيء يحجز الصوت: يا كعب بن مالك أبشر!
قال كعب: ما وصلت هذه الصرخة إلى أذني حتى عرفت أن الله تاب بعدي، فخررت ساجداً لله سبحانه وتعالى، وعرفت أنه قد جاء الفرج، وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم بتوبتنا. فذهب الناس كورونا ثلاثة بتوبة الله عز وجل عليهم؛ ناس من الأنصار تتجه باتجاه هلال بن أمية، ناس تتجه باتجاه مرارة بن الربيع، وناس تتجه باتجاه كعب بن مالك. الكل فرح بهذا بهذه التوبة الإلهية.
انظروا ما كان فرحهم أحبتي، يا الله ذلك الجيل الصالح رضوان الله تعالى عليهم، ما أجمل تفاصيل الحياة التي عاشوها رضي الله تعالى عنهم. فرحهم بتوبة الله عليهم، يفرحون بنزول التوبة على أحد منهم، هذا يذهب ليهنئ صلاة الفجر. باتت أصبح هناك عرس في المدينة، فرحة عارمة، الكل يذهب إلى هذا وإلى هذا وإلى هذا، والبشريات، وهذا يركض على قدميه وهذا على غيره، يتدافعون فرحاً وسروراً بتوبة الله على رجالاتهم. هذا هو الفرح الحقيقي: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58].
انظروا الهموم التي عاشها الجيل الأول، وانظروا همنا. شباب اليوم؛ أحدهم يبكي على فتاة خانته، وذاك يبكي على مال أضاعه، هذا يبكي على دنيا فاتته، ونحن نبكي على ملذات الحياة الدنيا، وهؤلاء يبكون فرحاً من توبة الله عليهم. هل بكيت أخي على ذنب أذنبته؟ هل فرحت لما الله عز وجل فتح عليك باباً من العلم الشرعي، أو فتح عليك باباً من معرفته وتذوق شيء من مناجاته؟ هذا هو الفرح الحقيقي؛ أن تكون مع الله وبالله، أن تشعر أنك دائماً مقبل على الله سبحانه وتعالى تائباً مستغفراً، ملازماً للعلم، ملازماً لمعرفة الله سبحانه، ملازماً للتدبر، ملازماً للتوبة.
هذا هو الفرح الحقيقي؛ أن تحيا مع الله. وبهذا كان القوم يفرحون. وهؤلاء رجالات العرب؛ انظر كيف الإسلام غير من كل أفكارهم! رجالات العرب أحبتي كان دأب الواحد فيهم في الجاهلية: فرس يصيد أو امرأة يلاعبها أو خمر يشربه أو اقتتال وحروب داخلية. جاء الإسلام ليغير كل هذه المنظومة في تفكيرهم، في عقولهم؛ ليصبح هم الواحد من الصحابة أن يتوب الله عليه، أن لا يخطئ ولا يذنب، همه أن ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، همه جنة عرضها السماوات والأرض. الإسلام يغير الموازين، الإسلام يقلب الطاولة على كل المفاهيم الجاهلية لتأتي المفاهيم الراقية السامية التي تقود قلوب الناس بالله سبحانه وتعالى بالدار الآخرة، ليسُموَ الهمُّ، لترتفع القيمة البشرية، لئلا يبقى الإنسان متتابعاً على شهواته وأهوائه.
قال فركض رجل إليّ بفرس، وسعى ساعٍ من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت هذا هو الذي صعد على الجبل كما قلنا وصرخ. فكان الصوت أسرع إليّ من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت ثوبي، كان عليه ثوبان. قال: نزعتهما فكسوتهما إياه هدية، وقال: والله ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرت ثوبين فلبستهما. يعني هو صحيح كان وضعه المادي جيد في بداية غزوة تبوك، لكن فيما يظهر عاد الوضع المادي له سيئ بعد ذلك.
قال: انطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أدخل إلى المسجد، أُسارع أتأكد لأسمع من في رسول الله صلى الله عليه وسلم نبأ التوبة. قال: فتلقاني الناس فوجاً فوجاً. انظروا هذه العبارات، الناس تتلقاه، عرس كامل في المدينة في هذا الصباح المبارك، توبة إلهية نزلت على عباده من السماء السابعة، يهنئونني بالتوبة، يقولون لي: هنيئاً لك التوبة، حتى دخلت المسجد فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني. فقالوا: فلا أنسى هذا الموقف من طلحة، هذه المصافحة والمعانقة والفرحة، إنه يعني هو يقول كعب بن مالك: طلحة هو الوحيد الذي رأيته ممن كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذاك المجلس الذي قام بمشهد المعانقة.
ثم أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجلست بين يديه، فإذا هو صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي تبلغ أسارير وجهه بالسرور، وقال: «يا كعب أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك». فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله سبحانه؟ فقال: «لا يا كعب، بل من عند الله»، توبة نزلت من السماء، توبة أتت من الله سبحانه وتعالى. كانوا يعلمون عظمة الله سبحانه، فعرفوا عظمة ما معنى أن الله سبحانه في عليائه ينص على توبته على هؤلاء القوم، يدركون عظمة هذا المشهد. ففعلاً خير يوم مر على كعب بن مالك منذ ولدته أمُّه صباح هذا اليوم المبارك.
وأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 118-119]. انظروا التوجيه الإلهي: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. صدق هؤلاء الثلاثة هو الذي نجاهم من سخط الله، وكذب هؤلاء أولئك المنافقين لم يكن سبباً في نجاته من سخط الله سبحانه وتعالى، فالذي ينجي الإنسان هو الصدق مع ربه عز وجل، فكونوا مع الصادقين أحبتي.
المشهد الأخير الذي سأمر عليه اليوم هو مشهد هدم مسجد الضرار، لأنه مشهد يتعلق بغزوة تبوك. قصة بناء مسجد الضرار أحبتي تبدأ من عند رجل يسمى بأبي عامر الراهب، يسمى بأبي عامر الراهب، هذا أبو عامر الراهب اسمه الحقيقي عبد عمرو بن صيفي، وهو رجل من الأوس من قبيلة الأوس. هذا الرجل رفض أن يسلم لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً، رفض هذا الرجل أن يسلم، كان رجلاً يبحث عن السيادة في قومه، وكان يطمح أن يكون قائداً، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم هدم مشروعه، هدم عليه مشروعه والذي كان يبحث عنه المجد الشخصي، فأصابه ذلك بالحقد على رسول الله عليه الصلاة والسلام.
رفض أن يدخل في الإسلام، وخرج من المدينة وانضم إلى كفار قريش، ذهب إلى مكة وأقام عند كفار قريش، وبدأ يشارك الكفار في حروبهم ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشترك في غزوة أحد وكان من المبارزين الذين بارزوا الصحابة، فهذا رجل عتيد في كفره ومحاربته للإسلام وهو يصارح بذلك، ليس مثل عبد الله بن أبي؛ عبد الله بن أبي منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، يعيش بين أظهر الصحابة، لا، أبو عامر الراهب الفاسق هذا الرجل خرج إلى مكة وبدأ يخوض الحروب مع كفار قريش ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أبو عامر الراهب طبعا النبي عليه الصلاة والسلام لقبه بالفاسق بدل الراهب. طبعا لماذا لقب بالراهب؟ قيل إنه كان يدعي في الجاهلية الرهبانية وأنه يعلم الغيب ويعلم أمور الإلهيات، فلقب بالراهب يعني تشبيهاً له برهبانية النصارى. أبو عامر الراهب أو الفاسق كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الاسم أليق به، كان له اتباع في المدينة من المنافقين، فكتب إليهم أبو عامر الراهب الفاسق رسالة يأمرهم فيها أن يبنوا مسجداً. انظر ماذا أمر أبو عامر اتباعه من المنافقين، أمرهم أن يبنوا مسجداً في المدينة، وأن يجمعوا في هذا المسجد السلاح والعتاد، وأخبرهم أنه سيذهب إلى قيصر ملك الروم ليأتي من عنده بمدد وجيش ليحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ويخرجوه منها وتنتهي الحكاية.
فعلاً هؤلاء المنافقون الذين كانوا في المدينة نفذوا أوامر سيدهم، فبنوا هذا المسجد وأعدوه، وفي فترة إعداد النبي صلى الله عليه وسلم وتجهزه للخروج إلى تبوك، جاء هؤلاء المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقب بمسجد الضرار لأنه بنوه مضارة لله ورسوله، لذلك لقب بمسجد الضرار، أرادوا به الضر بالله ورسوله. لما جاء الذين بنوا مسجد الضرار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز لغزوة تبوك، أتوه قالوا: يا رسول الله، لقد بنينا مسجداً ونحب أن تأتي لتصلي معنا في هذا المسجد وتبارك لنا. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان منشغلاً بغزوة تبوك ولم يكن يعلم بعد مقصد بناء هذا المسجد، لم يأت الوحي الإلهي بعد بحقيقة هذا المسجد.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لانشغاله بغزوة تبوك قال لهؤلاء الرهط الذين أتوه: أنا الآن مشغول بالاستعداد للمعركة، عندما أعود من معركتي وغزوتي آتي إلى هذا المسجد وأصلي. ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك وعاد منها، وقبل أن يدخل المدينة نزل منزلاً النبي عليه الصلاة والسلام في منطقة اسمها أُوان، كانت على بعد من المدينة على أميال، نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم منزلاً، فهنا أتاه خبر من السماء، أتاه الوحي من الله سبحانه وتعالى أن يا محمد إذا دخلت المدينة فلا تقربن هذا المسجد، فإن هذا المسجد لم يبنَ بطاعة الله ورسوله وإنما بني لمحاربة الله ورسوله.
فهنا النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة دعا رجلين من الصحابة، دعا رجلاً يقال له مالك بن الدخشم ومعن بن عدي، فقال لهما: «انطلقا إلى المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه». فخرجا سريعين حتى دخلا المدينة وأتيا المسجد وفيه أهله من المنافقين، فأحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه. يعني طبعا أخرجوا المنافقين منه، وفعلوا أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، هدموا هذا المسجد الذي لم يبنَ بطاعة الله وإنما بني للكيد في هذا الدين.
وأنزل الله سبحانه وتعالى الآية: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمينَ﴾ [التوبة: 108-109].
فإذاً النبي صلى الله عليه وسلم عندما عاد من غزوة تبوك أمر أصحابه بأن يهدموا مسجد الضرار الذي لقب بمسجد الضرار لأنه بني لمضارة الله ورسوله، وفشل مشروع أبي عامر الفاسق في محاربة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا المسجد بقي له ولا ملك الروم أجابه ويبعث معه مدد، هذا فشل وهذا فشل، ونصر الله عز وجل نبيه وأيده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
إذاً هذه غزوة تبوك بما بقي فيها من أحداث وبعض المشاهد التي دارت حولها، بإذن الله في المرة القادمة ننهي كلامنا عن العام التاسع من الهجرة وندخل في العام الأخير من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم اجعلنا ممن اكتسى بمحمد صلى الله عليه وسلم في حياته، في نهجه، في سلوكه، اجعلنا ممن فهم نهجه، اجعلنا ممن أدرك معقول كلامه وجعل هذا الكلام نبراساً يسير على ضوئه في هذه الحياة، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل