تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (26) / باقي أحداث9 هـ

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمدُه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على مبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية للإمام ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه. انتهينا أحبتي في المحاضرة السابقة من الحديث عن غزوة تبوك، تلك الغزوة التي فضح الله عز وجل بها النفاق وكشف أشكاله وصوره إلى يوم القيامة. وتكلمنا في نهاية المعركة كيف هدم النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون لمضارة الله ورسوله ولمحاجة هذا الدين بأمر أبي عامر الفاسق الراهب، الذي كان محارباً للنبي صلى الله عليه وسلم. وكان في الأمر مع كفار قريش، ثم لما أسلم كفار قريش أو أسلمت مكة ودخلوا في دين الله أفواجاً، أبو عمرو الراهب الفاسق أوصى أصحابه أن يبنوا هذا المسجد وأخبرهم أنه سيذهب إلى قيصر ملك الروم ليمده بجيوش يحارب بها النبي صلى الله عليه وسلم، وفشلت كل هذه المؤامرات ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً.

اليوم أحبتي بإذن الله سنكمل أحداث العام التاسع من الهجرة، ولعلها تكون المحاضرة قبل الأخيرة في هذه السيرة العطرة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم. نكمل أحبتي باقي أحداث العام التاسع من الهجرة؛ يقول ابن أبي العز رحمة الله عليه وهو يعدد أحداث هذا العام:

ثم أتى بوك قد غزا في التاسعة وهد مسجد الضرار رافعة وحج بالناس أبو بكر تلا براءة علي وحتم ألا يحج مشرك بعده ولا يطوف عاد ويطوف عار ذا بأمر فعالا وجاءت الوفود فيها تترى هذا ومني ساهو وأنا شهراء ثم النجاشيان عوص لا عليه من طيبة نال الفضل

إذاً، نحن تكلمنا عن أول حدث وأهم حدث في العام التاسع من الهجرة، وهي قضية غزوة تبوك، ثم اليوم بإذن الله سريعا نكمل باقي الأحداث التي وقعت في هذا العام. قبل أن أكمل الأحداث التي تكلم عنها ابن أبي العز رحمة الله عليه، دعونا أحبتي نتكلم عن قصة قصيرة، وهي قصة وفد ثقيف. نحن علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن حاصر حصن ثقيف في الطائف لم يتمكن من فتحه لحكمة شاءها الله سبحانه وتعالى، وهي أن هؤلاء القوم سيدخلون في دين الله سبحانه وتعالى طوعاً، وكتب الله سبحانه وتعالى لهم ذلك في العام التاسع من الهجرة.

دعونا مع ابن هشام رحمة الله عليه وهو يسرد لنا كيف أسلم أهل ثقيف، أو كيف جاءت ثقيف مسلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا العام، وما قصة إسلامها؟ يقول ابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق: بعد أن عاد النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك في رمضان، قدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، وكان من حديثهم -أي قصة هذا الوفد- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم، اتبع أثره رجل من ساداتهم يقال له عروة بن مسعود الثقفي. هذا رجل من سادات ثقيف، حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فاسلم هذا الرجل، كتب الله عز وجل له الهداية ولعله كان مبيتاً لذلك في قلبه.

عروة بن مسعود أدرك النبي صلى الله عليه وسلم والنبي عليه الصلاة والسلام متجه إلى المدينة، فلما أسلم عروة استنصح النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ما رأيك أن أرجع إلى قومي ثقيف فأدعوهم إلى الإسلام؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال لهذا الرجل رضي الله عنه؟ قال له: إنهم سيقتلونك، يعني إذا وقفت في ثقيف على رأس الحصن وبدأت تدعوهم إلى الإسلام سيقتلونك. فالنبي صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن إسحاق عرف النبي صلى الله عليه وسلم أن ثقيف هذه القبيلة فيها شدة وفيها نخوة، وكبر النفس يمنعها عن أن تسلم بهذه الطريقة ابتداء.

عروة بن مسعود قال: لا يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم، يعني أنا رجل شريف وهم يحبونني ولا يمكن أن يفعلوا هذه الفعلة. النبي صلى الله عليه وسلم تركه وشأنه، كما قلنا عروة بن مسعود الثقفي كان رجلاً شريفا في قومه فعلاً وكان سيداً مطاعاً، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يدرك أن هذه السيادة وأن هذه الطاعة إذا مس الدين ثقيف لن يكون لها أي قيمة وأي اعتبار. عاد عروة بن مسعود الثقفي إلى قومه وبدأ يدعوهم إلى الإسلام.

يقول ابن إسحاق: فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم. فلما أشرف لهم على رأس الحصن وبدأ يتكلم ويدعوهم إلى الإسلام وأن يتركوا ما هم عليه من الشرك وعبادة الأوثان وأظهر لهم دينه، وهو ما زال يكلمهم وينصحهم، بدأوا يرمونه بالنبال حتى اردوه قتيلاً شهيداً رضي الله تعالى عنه وصحابياً، حتى اردوه قتيلاً شهيداً، واصبحت كل قبيلة تتفاخر نحن الذين قتلناه -لأن ثقيف عبارة عن أفخاذ، كل فخذ يقول نحن من قتلناه، نحن من قتله- يتفاخرون على قتل أحد أسيادهم، من شدة كما قلنا كان عندهم ضغن على النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء، وكره لهذا الدين وتعلق بعبادة الأصنام، هذا حالهم ابتداء، والنبي صلى الله عليه وسلم استشرف ذلك من حالهم، لذلك قال لعروة بن مسعود: سيقتلونك.

لكن عروة رضي الله عنه أصر أن يدعو قومه إلى الإسلام، لكن قومه قتلوه من البداية يعني ما أعطوه فرصة أصلاً حتى يكمل المشوار معهم. فزعموا -قيل أن الخبر وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: إن مثله في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه. وهذا نسبه ابن إسحاق للنبي عليه الصلاة والسلام ولا نجد فيه سندا ثابتا صحيحاً يقوم فيه، وإن صح فالنبي صلى الله عليه وسلم شبهه بصاحب قصة ياسين الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون. فإن كتب التفسير تقول إن هذا الرجل قتله قومه، لذلك الله سبحانه وتعالى اختصر مشهد قتله في الآيات لأن هذا شيء معهود أن أصحاب الدعوات ربما يلقون مصيرهم وحتوفهم على أيدي أقوامهم.

لكن الله عز وجل قصر لنا مشهد هذا الداعية صاحب ياسين وهو في جنات النعيم يتنعم ويقول: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: 26-27]. يعني قومه قتلوه والله سبحانه وتعالى رفعه في درجات الجنة وهو في الجنة لم ينس قومه، ويتمنى ويرجو أن الله عز وجل يرزقهم الهداية. انظروا إلى الداعي الصادق، ما عنده حقد على الرغم من شدة الأذية التي حلت بهم.

يقال أو أيضاً ما ذكره ابن إسحاق أيضاً أن عروة بن مسعود الثقفي وهو في أنفاسه الأخيرة أتى إليه قومه فقيل له: ما ترى في دمك؟ يعني ايش شايف نفسك الآن؟ فقال رحمة الله عليه ورضي الله عنه: هذه كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إلي، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني عروة بن مسعود لما أن حياته انتهت بهذا الشكل، لم يشعر بالحزن وأصبح يتندم ويا ليتني رددت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالعكس بكل فخر بكل عزة، عزة المؤمن وهو مسرور أن يحقق هذا الانجاز، أنه قتل شهيداً في سبيل الله.

وقال لقومه: أنا مثلي مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين سقطوا معه في ميادين القتال، فلست بأحسن منهم حتى أحمى من القتل ومن الأذى في سبيل الله. فرضي الله تعالى عن سيدنا عروة بن مسعود الثقفي وجمعنا به في جنات النعيم.

بعد ذلك، أقام الثقيف بعد قتل عروة أشهرًا. يعني جلسوا أشهرًا. هذه القصة كما قلنا كانت متقدمة؛ لما كان النبي صلى الله عليه وسلم محاصرًا لثقيف وهو عائد من حصارها باتجاه المدينة. في تلك اللحظات، عروة بن مسعود أدركه، فهذه القصة متقدمة.

الآن بعد أشهر من قتل عروة بن مسعود، والنبي صلى الله عليه وسلم وصل المدينة، وحدث في غزوة تبوك، وذهب النبي إليها وعاد. الآن النبي عليه الصلاة والسلام عاد من غزوة تبوك وهو مقيم في المدينة. دعونا ننقل المشهد إلى حصن ثقيف؛ ثقيف بدأت تتشاور فيما بينها أن الأمور الآن أصبحت خارج الطاقة، وليس لدينا قدرة على مواجهة محمد صلى الله عليه وسلم.

بدأت القبائل تدخل في دينه أفواجًا، الأمور بدأت تضيق علينا، فبدأوا يحسبون حسابات معينة فوجدوا أن من المصلحة أن يرسلوا مبعوثًا جديدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ليتكلموا ويتحاوروا مع النبي صلى الله عليه وسلم في عدة مواضيع. ومن المواضيع التي كانت مطروحة عندهم أن يسلموا مقابل شروط معينة.

يعني هناك وفد سيرسله الآن ثقيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة لتحدث حوارات ومناقشات بينهم. هذه الحوارات والنقاشات تدور حول ماذا؟ تدور حول أن ثقيف تسلم لكن مقابل شروط، وسنأتي وننظر كيف النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع هذه الشروط التي حاولوا أن يفرضوه.

لكن من هو هذا الوفد؟ يقول ابن إسحاق: ائتمروا بينهم. يعني بدأوا يتشاورون؛ ماذا نفعل؟ وكيف نوجه وفدًا جديدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأجمعوا أن يرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعض رجالهم. فبدأوا يتشاورون: من هو أفضل رجل نرسل إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ فكلموا رجلًا من قادتهم اسمه عبد يا ليل بن عمرو.

وكان هذا الرجل يعني في رتبة عروة بن مسعود الثقفي سنًّا وقدرًا في قومه، فعرضوا عليه أن يكون مبعوثًا لهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. الآن عبد يا ليل خشي إذا عاد من عند النبي صلى الله عليه وسلم أن يصنع به قومه كما صنعوا بعروة بن مسعود، وما زالت الذاكرة تعمل أنه: أنتم بدكم ترسلوني إلى النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثًا لكم، لكن إذا عدت من عنده وبدأت أناقشكم وأحاوركم ماذا سيحدث في؟ هل ستفعلون بي كما فعلتم بعروة بن مسعود الثقفي؟

فلذلك عبد يا ليل قال: أنا لن أذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى ترسلوا معي طائفة من رجالاتكم؛ لا أذهب وحدي. ترسلون معي طائفة من رجالاتكم من جميع أفخاذ ثقيف حتى إذا عدنا عدنا معًا وتشاورنا معًا، جماعة مقابل جماعة لئلا تنفردوا بي، ثم أنا أخشى على نفسي، فما فعلتموه بعروة بن مسعود قد تفعلونه معي مرة أخرى. قال عبد يا ليل: إن لست فاعلاً حتى ترسلوا معي رجالًا.

فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من فخذ بني مالك. المهم بعثوا معه مجموعة من الرجال فكانوا ستة، خرج بهم عبد يا ليل باتجاه المدينة وكان هو سيد هذا الوفد. فلما دنوا من المدينة ونزلوا قريبًا منها، من الذي رآهم؟ كان سيدنا المغيرة بن شعبة. المغيرة بن شعبة كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم قبل ذلك بفترة بسنوات، لكنه كان من قبيلة ثقيف، يعني المغيرة بن شعبة أصله ثقفي من هذه القبيلة.

فهذا الوفد لما اقترب من المدينة وأصبح حولها، المغيرة بن شعبة كان حول المدينة يرعى نوقًا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيما يظهر كما يقول ابن هشام، كان الصحابة يتناوبون على رعي هذه النوق، المغيرة كانت نوبته أن يرعى نوق الصحابة في مراعي حول المدينة. فإذا هو يتفاجأ بوفد ثقيف دنا منه، هنا كما يقص علينا ابن هشام، فلما رآهم المغيرة بن شعبة ترك الركاب عند الثقفيين وخرج يشتد مسرورًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبشره بأن ثقيف قد جاءت مسلمة.

المغيرة بن شعبة استشرف هؤلاء القوم، عرف أنهم أتوا للإسلام، خلاص انتهت الأمور الآن في جزيرة العرب والقبائل كلها تدين للنبي عليه الصلاة والسلام أو بدأت رويدًا رويدًا. فعندما رأى هذا الوفد قادمًا أدرك أنهم أتوا للإسلام، وليعرضوا الإسلام، لكن طبعًا سيكون هناك شروط ومحاورات بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم.

فالمهم المغيرة بن شعبة ترك النوق فذهب مسرعًا ليبشر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ثقيف قد أتتك مسلمة. وحينما اقترب المغيرة بن شعبة من منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، من لقيه؟ لقيه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. فسأله أبو بكر: أين تذهب يا مغيرة؟ فأخبره المغيرة الخبر أنه وفد ثقيف قد أتوا ليسلموا.

فأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه سر بهذا الخبر، واستحلف المغيرة بن شعبة ليدعه هو يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ليبشره. يعني أبو بكر الصديق كان يريد هو أن يذهب بالبشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلبى المغيرة بن شعبة لابي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه طلبه، فدخل أبو بكر الصديق على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن ركب ثقيف قد قدموا يريدون البيعة والإسلام.

طيب، المغيرة بن شعبة هنا ترك أبو بكر الصديق رضي الله عنه يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ويكلمه بهذا الموضوع، وهو عاد مباشرة إلى وفد ثقيف الذين تركهم على مشارف المدينة. ذهب المغيرة بن شعبة إلى وفد ثقيف وبدأ يعلمهم كيف يحيون النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا؛ يقول لهم: إذا دخلتم على النبي عليه الصلاة والسلام تقولون كذا وتفعلون كذا، وإياكم أن تفعلوا كذا.

لكن للأسف هؤلاء القوم يعني فيهم أنفة زيادة عن اللازم، فلما دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم تركوا كل ما علمهم المغيرة بن شعبة، وحيوا النبي صلى الله عليه وسلم بتحية الجاهلية، ورفضوا أن ينصاعوا لكلام المغيرة بن شعبة، وهذا يدل على الطبيعة القاسية التي كان يمتاز بها هذا القوم، والتي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاني منهم ابتداء، ولذلك كانت حصونهم من أمنع الحصون، والنبي صلى الله عليه وسلم ما استطاع أن يفتح حصنهم ليقدره الله سبحانه وتعالى.

لكن كل هذه الأمور أيضًا لو عدنا بالذاكرة قديماً قديماً، النبي عليه الصلاة والسلام وهو في مكة لما خرج إلى الطائف يستنجد بأهل الطائف ليحموه وليؤووا هذه الدعوة، ضربوه بالحجارة. فبشكل عام قبيلة ثقيف تاريخياً قبيلة فيها قسوة، فيها نوع من الجفاء، فيها نوع من الشدة. فالمهم دخل هذا الوفد على النبي صلى الله عليه وسلم وحيوا النبي عليه الصلاة والسلام بتحية الجاهلية.

لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ودخلوا المسجد، ضرب عليهم النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في ناحية المسجد وفي طرفه كما ذكر ذلك غير واحد من علماء السير. وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. الظاهر هؤلاء القوم نزلوا في خيمة وكانوا يتشاورون فيما بينهم، يعطون شروطهم لخالد بن سعيد بن العاص.

خالد بن سعيد بن العاص يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بما يريد هؤلاء، ثم يأخذ من النبي صلى الله عليه وسلم رأيه وتوجيهاته، ثم يعود بها إلى وفد ثقيف. فكانت المشاورات والمحاورات لا تجري بشكل مباشر، وإنما كانت تجري بواسطة خالد بن سعيد بن العاص حتى وصل الأمر إلى كتابة الكتاب.

الآن الأمور ستمشي إلى الصلح وكتابة كتاب وسيسلم هؤلاء القوم، لكن ما هي شروطهم ابتداء التي أرادوا تحقيقها؟ كان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي كتب كتاب الصلح بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم. ومن غريب صنعهم، من غريب صنع وفد ثقيف أنهم كانوا لا يطعمون طعامًا يأتيهم من عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأكل منه خالد بن سعيد بن العاص.

يعني أكيد هؤلاء وفد ضيوف على المدينة، فالصحابة كانوا يأتونهم بالطعام والشراب، هم كانوا يشكون في النبي صلى الله عليه وسلم وفي الصحابة، يخشون أن يكون هناك سم قد وضع في هذا الطعام والشراب، فكانوا يقولون لخالد بن سعيد كلما آتاهم بالطعام: اكل حتى تأكل أنت ابتداء، حتى نطمئن أن الطعام ما فيه أي مشكلة.

تمام، المهم كتبوا الصلح وأسلموا وفرغنا من قضية إسلامهم. فأسلم القوم وكتبوا كتاب صلح بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. كانوا فيما اشترطوه على النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء: أن يدع لهم الطاغية، صنمهم الذي كانوا يعبدونه. وثقيف كانت تعبد اللات، هذا طاغيتهم وهذا صنمهم. كانوا يعبدون اللات، طبعا قيل إن اللات كانت عبارة عن صنم، والبعض يقول هي عبارة عن حجر وحوله أشجار نخيل.

المهم في خلاف في توصيف ما هو اللات بالضبط؛ هل كان عبارة عن صنم قائم منحوت على شكل رجل، أو كان عبارة عن حجر وحوله مجموعة أشجار يتقربون إليه؟ وقيل كان هناك رجل قديم يلت لهم الخمر أو السويق على هذا الحجر ثم مات هذا الرجل، فأصبح هذا الموطن أو الحجر الذي كان يجلس عليه اسمه اللات نسبة إلى هذا الرجل الذي كان يسقيهم.

المهم قصص عديدة ولا تهمنا في الحقيقة، المهم أن اللات كان هو الطاغية الصنم الذي يتوجهون إليه بالعبادة. فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله إن اشترطنا أنه لا نهدم هذا الصنم ثلاث سنوات. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليهم، ما وافق على هذا الشرط؛ لأنه هنا نحن نتكلم عن ثوابت الدين، نتكلم عن ثوابت الدين، موضوع وجود أصنام تتخذونها آلهة من دون الله هذا مرفوض تمامًا.

صحيح الإسلام فيه مرونة في تقبل الشروط، لكن الثوابت لا نتنازل عنها في حال من الأحوال، والثابت الأول والأساس والمنطلق: الشرك لا يمكن أن نقبل الشرك والكفر بشكل من الأشكال. فرفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقي لهم اللات ولو لحظة واحدة كما سيأتي. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليهم، فما زالوا يسألونه سنة واحدة ويأبى عليهم.

يعني قالوا: يا رسول الله طب خلاص خليها سنة واحدة ثم نهدمها. أبى النبي الصلاة والسلام، فعادوا: يا رسول الله، طيب شهرًا واحدًا ندعها. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعها شيئًا مسمًّى، يعني النبي صلى الله عليه وسلم رفض أن يتركها لهم ولو لحظة واحدة، فابى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليهم.

ثم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: طب يا رسول الله ماذا ستفعل بها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سنكسرها. فقالوا: إذا يا رسول الله، إذا كنت عزمت على أن تكسر اللات وتهدم، فأعفنا أن نكسرها بأيدينا. يعني لا تخلينا نحن نكسر هذا الصنم بأيدينا، ابعث من عندك من يكسر هذا الصنم. انظر كيف كانت عقلية هؤلاء القوم.

فقرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة. وانظروا في اختيارات النبي صلى الله عليه وسلم؛ اختار المغيرة بن شعبة لأنه أصلاً من ثقيف ومن الطائف، واختار أبا سفيان بن حرب لماذا أحبتي؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يعزز الإيمان في قلب أبي سفيان بن حرب.

نحن قلنا أبو سفيان بن حرب لما أسلم ابتداء كان إسلامه غضًّا طريًّا، وكانت ما زالت الزعامة التي يحياها بين أهل مكة ككفار قريش قديماً ما زالت تنازعه وتراوده، وما زال كما قلنا يشعر بالزعزعة في كل فترة وفي كل حين إلى أن ثبت الله سبحانه وتعالى الإسلام والإيمان في قلبه.

والنبي صلى الله عليه وسلم اتبع عدة أساليب في تثبيت الإيمان في قلب أبي سفيان؛ كما فعلنا كيف أمر العباس بن عبد المطلب أن يوقف أبا سفيان عندما مرّ بمر الظهران ليرى جحافل المسلمين، كيف النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً أعطاه من الفيء مائة ليؤلف قلبه على هذا الدين، كيف النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن». كل هذه الأمور تعزيز للإيمان في قلبه.

حتى وصلنا إلى هذا، النبي صلى الله عليه وسلم يريد من أبي سفيان أن يهدم هو اللات بيده، ليكسر هذه الأصنام ليس فقط في الوجود بل حتى في قلب يهدمها بيده، ليتشبث الإيمان تشبثًا في قلب أبي سفيان، ولينتزع كل بقايا الجاهلية التي كانت تعشش في قلبه. يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتزعها من قلب أبي سفيان بيد أبي سفيان.

لذلك كان القرار: يا أبا سفيان، أنت من ستهدم اللات مع المغيرة بن شعبة. حتى كما قلنا لتنهدم حياة الجاهلية تماماً في قلب أبي سفيان، وينبعث نور الإيمان في قلبه، وهذا فعلاً ظهرت تجلياته بعد ذلك في حياة أبي سفيان خاصة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

أسلم هؤلاء القوم وكتبوا كتاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم. أيضاً من الشروط التي قفزنا عنها أنهم قالوا يا رسول الله نحن نسلم بشرط ألا نصلي. انظر هؤلاء القوم وعنادهم، يعني أسلموا قالوا لكن يا رسول الله نشترط أننا لا نصلي.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا خير في دين لا صلاة فيه». يعني مستحيل أيضاً نتنازل عن الصلاة، فالصلاة ثابت من الثوابت، لا خير في دين لا صلاة فيه. إذا ما بكم تصلوا ما بقي شيء في دينكم! فأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم رفض هذا الشرط، ولكن ثقيف هم خضعوا للأمر الواقع أنه ما عندهم مجال، كل أو أغلب قبائل جزيرة العرب دخلت في حلف محمد صلى الله عليه وسلم وفي دينه.

الآن الجزيرة بدأت تخضع رويداً رويداً وتهدأ لصالح النبي عليه الصلاة والسلام ولصالح هذه الدعوة. فقرر القوم أن يسلموا أن يدخلوا في هذا الدين. فلما أسلموا وكتب لهم النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب، أمر عليهم رجلاً منهم يقال له عثمان بن أبي العاص، وكان هو أحدث القوم سناً، كان أحدث هذا الوفد سناً سيدنا عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه أسلم، وكان من خيرة الصحابة رضوان الله تعالى عليه.

لماذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل ليكون سيداً على قومه ومسؤولاً عنهم مع أنه كان كما قالوا أحدثهم سناً؟ لأنه كان أحرصهم على تعلم الفقه والدين. النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل السيادة إلا في الرجل الذي يطلب العلم وطلب الرفعة بالدين، وليس بالرجل الذي يطلب الرفعة من غير محلها. فاختار النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص لأنه كان أحرصهم على التفقه في الدين، وقد كان أبو بكر هو الذي أشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إنّي رأيت هذا الشاب من أحرصهم على التفقه في الدين وتعلم القرآن. جعله النبي صلى الله عليه وسلم سيداً لهم.

لما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ليهدموا اللات. فخرجا مع القوم، يعني خرج أبو سفيان والمغيرة مع هذا الوفد حتى وصلوا إلى الطائف. أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، أنه يا أبا سفيان تفضل أنت واهدم اللات. فأبى ذلك أبو سفيان وقال: ادخل أنت على قومك، أنا طاهر. أبو سفيان خشي من أن يتجرأ على هدم اللات أمام ثقيف وأمام قبائل الطائف حتى لا يصيب أذى وضرر.

فأبو سفيان قال للمغيرة: أنت من أهل هذه المنطقة، ادخل عليهم واهدم الصنم بنفسك. وقام أبو سفيان في خارج هذه المنطقة حتى يتم وينتهي هدم الصنم. فلما دخل المغيرة بن شعبة مسك الفأس وعلا على اللات وبدأ يضربها بالمعول، وقام قومه دونه خشية أن يرمى، يعني يأتيه سهم طائش من شخص ما زال متعلقاً باللات ولا يريد من أحد أن يهدمها. وخرجت نساء ثقيف على اللات وعلى هدمها إلى أن قطعها وكسرها وهدمها سيدنا المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه أمام أعين هؤلاء القوم، لينتهي بذلك عهد اللات في قبيلة ثقيف وفي أهل الطائف، وليبدأ عهد جديد وهو عهد الإسلام الحنيف. هذه كانت قصة إسلام وفد ثقيف ودخولهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.

الآن أحبتي نعود إلى الأحداث التي ذكرها ابن أبي العز الحنفي في العام التاسع من الهجرة. من أهم الأحداث التي وقعت في العام التاسع من الهجرة، كما ذكر ابن أبي العز، الحجة التي حجها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بالمسلمين. النبي صلى الله عليه وسلم في العام التاسع نزل عليه فرض الحج على ما هو مشهور عند أهل العلم، ولكنه صلى الله عليه وسلم أبى أن يحج في هذا العام لأن المشركين كانوا يحجون بيت الله الحرام مع المسلمين، ولم ينزل تحريم قربانهم للكعبة وللمشاعر بعد. نزل هذا التحريم في حجة أبي بكر الصديق، نزل تحريم حج المشركين للبيت في هذا العام التاسع من الهجرة كما سيأتي معنا.

وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة علي بن أبي طالب خلف أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليؤذن في الناس بالحج أنه هذه الحجة آخر حجة يحضرها المشركون، ومن العام القابل فصاعداً لا يحج إلا أهل الإسلام. دعونا ننظر ابن إسحاق ماذا ذكر في هذه الحجة. يقول ابن إسحاق بعد أن انتهت قضية وفد الطائف في رمضان، أقام النبي صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوال وذو القعدة ثم جاء شهر ذو الحجة.

فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الحج في هذا العام، في العام التاسع، ليقيم للمسلمين حجهم وأهل الشرك على منازلهم من حجهم، يعني ما زالوا يحجون بيت الله الحرام ولم يصدوا عنه بعد، ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد. الآن المشركون الذين كانوا يدخلون إلى مكة ليحجوا، الآن مكة تحت أمرة النبي صلى الله عليه وسلم وأمير النبي عليه الصلاة والسلام عليها وسيدنا عتاب بن أسيد، كما مر معنا في المجالس السابقة. لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم ينزل عليه بعد منع المشركين من قربان بيت الله الحرام، فكانوا يأذنون للقبائل التي كانت مقيمة على الشرك بعد أن أتوا إلى بيت الله الحرام ويحجوا ويؤدوا المناسك.

في هذا العام في العام التاسع من الهجرة كما قلنا خرج أبو بكر بالمسلمين أميراً للحج. فلما خرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه بمن معه من المسلمين وأصبح في ثنايا الطريق وهو الآن متجه إلى مكة المكرمة ليقيم هذه الشعائر، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم الآيات التي في مطلع سورة التوبة، والتي يقول الله عز وجل فيها: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 1-2]. إلى قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3]. يوم الحج الأكبر يجيء لك من يوم النحر: أن الله بريء من المشركين ورسوله.

فهنا أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا علي بن أبي طالب ليتبع وليلحق بأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ليؤذن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بهذه الآيات في يوم الحج الأكبر، ويعلم الناس أن هذا العام آخر عام يحج فيه أهل الشرك ولا يحج بعد العام مشرك. دعونا ننظر لابن إسحاق وهو يسرد علينا هذه التفاصيل. لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج، يعني أبو بكر الصديق خرج ليقيم الحج مع الناس وأبو بكر خارج وأصبح قريبا من مكة حينئذ، نزلت الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة آيات التوبة في مطلعها. حينئذ كما قلنا أرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب بهذه الآيات وأمره أن يتبع أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بها ليؤذن بها علي الحج الأكبر.

وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقيم للناس الحج، فقيل له يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي بكر، يعني قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إنه يا رسول الله ما في داعي يعني علي بن أبي طالب وهو ينطلق بنفسه إلى أبي بكر الصديق لو أنك بعثت كتاباً مع أي رجل من الناس فيه هذه الآيات إلى أبي بكر الصديق أنه يا أبا بكر الصديق أذن في هذه بالناس وانتهى الأمر، يعني لماذا علي بن أبي طالب؟ فيقول ابن إسحاق ويروي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي». وهذا يعني ذكره ابن إسحاق رحمة الله تعالى عليه وإن كان يحتاج إلى تثبت أكثر، يحتاج إلى تثبت أكثر، ولكنه مما يروى في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن هذه الآيات ينبغي أن يعلنها في الناس رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك لم يوكل مهمة قراءتها لأبي بكر الصديق، وإنما أوكل مهمة قراءتها لعلي بن أبي طالب.

إذاً ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: اخرج بهذه الآيات وأذن في يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى على أنه لا يدخل الجنة كافر، هذا أول شيء تأصيل العقيدة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وكانت عاردة أهل مكة أنهم إذا جاءتهم قبائل من خارج مكة لتحج هذا البيت يلزمون هذه القبائل بأن يأخذوا من ملابس مكة، يجبرون القبائل أن تأخذ من ملابس مكة يسمونها ملابس الحمص، يعني يعتبرونها كانوا في الجاهلية ملابس طاهرة. وأما ملابس القبائل الأخرى ففعلوا فيها الموبقات والمحرمات، فهي ليست ملابس طاهرة تليق بالحج، فكانوا يجبرون القبائل أن يأخذوا من لباس أهل مكة، فمن لم يكن عنده مال ليشتري من أهل مكة الثياب عليه أن يطوف بالبيت عرياناً. كانت هذه تعاليم الجاهلية، عليه أن يطوف بالبيت عرياناً.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر علي بن أبي طالب أن يؤذن في الناس يوم الحج الأكبر من العام التاسع من الهجرة: لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، هذا أمر الله، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته. أيضاً أمره أن ينادي في كل القبائل، كل قبيلة بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم صلح فان هذا الصلح سينتهي عند انتهاء المدة ولن يتم تجديده. كل قبيلة بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم صلح قديم سنوفي بهذا الصلح إلى أُمده، ثم بعد هذا الأمد لن يتم تجديده، وستعتبر هذه القبائل المشركة بعد انتهاء الأمد قبائل محاربة للنبي صلى الله عليه وسلم، ليس بينها وبين النبي عليه الصلاة والسلام صلح، أما أن تدخل في هذا الدين وإما تنتظر مواجهة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

فنحن سنوفي بعهودنا ما عندنا خيانة، نوفي بالعهود إلى أمدها لكن لن نجدد العهود. فسيحوا في الأرض حتى تنتهي هذه العهود، ومن لم يكن عنده عهد فسيح في الأرض أربعة أشهر، ثم بعد ذلك إما أن تدخلوا في دين الله أفواجاً وتنضموا إلى قافلة محمد صلى الله عليه وسلم، وإما أنتم الآن في مواجهة ومحاربة مع هذا الدين.

فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى يكون هذا أيضاً زيادة في الشرف، حتى أدرك أبا بكر الصديق. فلما رآه أبو بكر قال: يا علي أتيت أميراً أو مأموراً؟ فقال: بل مأمور، أنا في النهاية مأمور لديك أنت أمير الحج، لكن عندي رسالة لابد أن أؤديها أمرني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، يعني القبائل المشركة كانت تحج بالطريقة التي كانت تحج بها في الجاهلية. حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بهذه التعليمات والإرشادات التي أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذن بها، وأجل الناس أربعة أشهر من يومئذ، يعني من لم يكن بينه وبين النبي عهد، النبي عليه الصلاة والسلام أعطاهم أربعة أشهر سيحوا فيها في جزيرة العرب خدوا راحتكم. بعد الأربعة أشهر إما أن تسلموا وإما بيننا وبينكم الحرب العسكرية. أما من كان عنده عهد إلى مدة محددة بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام فهذا سينتهي أو سنمضي عهده إلى مدته ما لم يخُن هذا العهد، ثم بعد ذلك لا عهد لمشرك ولا ذمة.

وفعلاً لم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بهذا البيت عريان، حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم حاجا في العام العاشر من الهجرة كما سيأتي معنا بإذن الله. إذاً هذه كانت قصة حجة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بالناس في العام التاسع من الهجرة. عرفنا لماذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يحج، وجود الشرك، ما زال المشركون يحجون والنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يحج هذا البيت ويأتي إلى المشاعر المقدسة وقد تطهرت من الأدران تماماً، لذلك أرسل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بهذه الآيات ليقرأ بها وليتلوها في هذا العام، في العام التاسع من الهجرة في يوم الحج الأكبر لينتهي بذلك عهد الشرك في مكة المكرمة وفي المشاعر.

هذا كان موضوع قضية حجة العام التاسع من الهجرة. الآن أحبتي سننتقل أيضاً إلى قصة أخرى، وهي قصة إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه. قصة إيلاء النبي عليه الصلاة والسلام من نسائه وهذه القصة أقصها عليكم من صحيح مسلم، سنذهب إلى كتاب صحيح مسلم لنسرد عليكم هذه القصة.

هذه القصة أيها الأحبة رواها سيدنا عمر بن الخطاب، وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنه في خلافة عمر بن الخطاب طالب علم نشيط عنده همة ويحب أن يعرف كل شيء يتعلق بحياة النبي عليه الصلاة والسلام وبفسير القرآن خصوصاً. ففي خلافة عمر بن الخطاب كان ابن عباس يسير بقرب عمر بن الخطاب، فسأله: يا عمر أو يا أمير المؤمنين، من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي أنزل الله عز وجل فيهن: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4]؟

سأل ابن عباس عمر بن الخطاب عن هذه الآية لأن ابن عباس لما نزلت هذه الآية كان صغيراً وبعيداً عن هذه التفاصيل. أما عمر رضي الله عنه فكان رجلاً كبيراً، فابن عباس في خلافة عمر بن الخطاب يسأل سيدنا عمر من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي نزل فيهن: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: 4]. فهنا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بدأ يقص قصة هذه الآية على ابن عباس رضي الله تعالى عنه.

دعونا ننظر في هذه القصة، قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يحدث ابن عباس: كنا معشر قريش قوماً نغلب النساء. يقول عمر بن الخطاب: لما كنا في مكة قبل أن نهاجر إلى المدينة، نحن القرشيين، كان من طبعنا أننا نغلب النساء ونتفوق عليهن في الجدال، فكانت المرأة القرشية مع زوجها القرشي تكون ضعيفة الجانب في مقابله. قال: فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نسائهم. يعني لما هاجرنا إلى المدينة وجدنا أمور المدينة، وجدنا الأوس والخزرج أمورهم بعكسنا، وجدنا النساء أقوى من الرجال وهن يغلبن الرجال في المناكفات والمناقشات الأسرية.

فقال: فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم. يعني بدأت أمور نسائنا تخرب نحن القرشيين، بدأ نساؤنا يتعلم من نساء الأنصار المناكفة والمحاورة للزوج والمجادلة والغضب منه، مع أنه هذا لم يكن ديدننا ونحن في مكة. قال عمر: وكان منزلي في قبيلة بني أمية بن زيد في منطقة العوالي في المدينة، قال: فتغضبت يوماً على امرأتي، في يوم من الأيام غضبت على امرأتي وحدث بيني وبينها نقاش أسري وغضبت عليها كحال أي أسرة وأي بيت، فاذا هي تراجعني، يعني بتناقشني وبترد.

قال: فانكرت أن تراجعني، أنا استغربت يعني من أين لك أيتها المرأة أن تراجعيني؟ أو من متى؟ أنت تعودت على هذا النقاش وهذا الأسلوب، أنا أتعرف نساء قريش ضعيفات الجانب أمام أزواجهن، من علمك هذا؟ فقالت زوجته له: ما تنكر أن أراجعك؟ يعني لماذا أنت غضبان من أني أراجعك يا عمر بن الخطاب؟ فوالله يا عمر إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه.

ترى هذه القصة أحبتي مليئة بالحكم والعبر والفوائد الأسرية؛ إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، أفضل إنسان على هذه الأرض، ومع ذلك أزواجه يراجعنه ويحاورنه يناقشونه. وليس ذلك فقط، انظر: فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره أحداهن اليوم إلى الليل. تخيلوا إلى هذا الأمر! امرأة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم يحدث بينها وبين النبي عليه الصلاة والسلام نقاش، وتأخذ على خاطرها وتهجر النبي عليه الصلاة والسلام من الليل ولا تكلمه، وهذا سيد ولد آدم.

وهذا فيه تسلية أحبتي لكل زوج مسلم ولكل زوجة مسلمة؛ إذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم ويحدث في مناقشات والمرأة تغضب وتحزن وتعتزل الزوج، والنبي صلى الله عليه وسلم يطيب خاطرها، فما بالكم بنا أيها الأحبة؟ إذاً شيء طبيعي أن يحدث في الأسر نقاشات وخلافات، والرجل يغضب أحياناً والمرأة تغضب أحياناً، وهذا يسترضي هذا وهذا يسترضي هذا، هكذا حياة جبليت لكن تحتاج إلى عقول ناضجة تستوعب الخلاف، تستوعب لحظات الغضب، لا يكون هناك تنافر مباشر محاولة كما يقولون علاج في موطنه، أن يكون أحد الأطراف أعقل من الطرف الآخر في تهدئة المشاعر.

هذه الأمور هي المطلوبة، أما أن تظنوا أن هناك أُسراً لا خلاف فيها البتة ولا نقاش فيها البتة؛ إذا كان الخلاف في داخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ونقاشات بينه وبين زوجاته ويغضب أحياناً عليهن وهن يغضبن عليه، وهذا بيت النبوة بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، فإذاً علينا أن نعيد التفكير في طبيعة علاقاتنا الأسرية. لأن هناك بعض المتدينين وبعض الأخوات الملتزمات بدينها تظن أن الزوج الصالح معناه هو الزوج الذي لا يغضبني أبداً ولا أغضب عليه أبداً ولا يحدث بيننا أي خلاف وأي نقاش، هذا لا يمكن. هكذا طبيعة الحياة لابد من النقاش والحوار، وقد تختلف وجهات النظر وقد يأخذ فلان على خاطره أو تأخذ فلانة على خاطرها.

لكن تقديم مصلحة الدين وتقديم العقل وعدم الالتفات إلى هذه الحياة الدنيا ويعطى الموضوع حجمه في ساعته وينتهي، هكذا تتجاوز وتحل الأمور والمشاكل في أرضها قبل أن تتفاقم وتوصل للمحاكم ويحدث الطلاق على أتفه الأسباب أحبتي.

فلما زوجة عمر بن الخطاب تقول لعمر إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره أحداهن اليوم إلى الليل، هنا عمر بن الخطاب انصدم ما كان يعلم هذه المعلومة. قال عمر: فانطلقت مسرعاً فدخلت على حفصة، فقلت يا حفصة، بنت حفصة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام: يا حفصة أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فحفصة رضي الله عنها قالت: نعم، والله أراجع، يعني يحدث بيني وبينه نقاش وخلافات أسرية شيء طبيعي.

فقلت: أتهجره أحداكن اليوم إلى الليل؟ يعني فعلا الواحدة منكن قد تهجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الليل يعني غضباً من موقف معين. فحفصة الصادق رضي الله عنها قالت: نعم. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن، قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر! أفتأمن أحداكن، أفتأمن أحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم؟ يعني ألا تخافين يا حفصة أن يغضب الله عليك لغضب النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئاً وسليني ما بدا لك. بدك شي من أمور الدنيا سليني أنا، إياك أن تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تغضبي.

وجاء في بعض الروايات أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعن عنده وبدأن يسألنه النفقة وأن يوسع عليهن في الأموال، فقيل إنه هذا هو أصلاً سبب غضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى آلى من نسائه. المهم فعمر بن الخطاب يقود ابنته حفصة: إياك أن تغضبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تريدين شيئاً سليني أنا لكن لا تسألي النبي عليه الصلاة والسلام وأريحيه، يكفيه هموم الدعوة وهموم بناء المجتمع، أيضاً أنتم تتعبنه في شؤون حياتكن.

ولا يغرنك يا حفصة إن كانت جارتك -يقصد عائشة- هي أوصم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك. إذاً هنا عمر بن الخطاب يقول: يعني يا حفصة لا تغضبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنك مثلاً ترين النبي عليه الصلاة والسلام يحب عائشة أكثر منك، عليك أن تلتزمي الأدب والهدوء مع النبي عليه الصلاة والسلام من دون إثارة أي ضوضاء وأي مشاكل في داخل بيته صلى الله عليه وسلم. هنا انتهى المشهد، فهدأ عمر وعاد إلى منزله.

ماذا حدث بعد ذلك؟ يقول عمر بن الخطاب: فكان لي جار من الأنصار كنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان عمر بن الخطاب له مزرعة عند رجل من الأنصار، هو يبيت في هذه المزرعة يوم يصلحها ويحرسها، والأنصاري يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ليتعلم منه، ثم يعود الأنصاري إلى عمر بن الخطاب يخبر ما نزل من الوحي وما جاء من التعاليم الإلهية، واليوم الثاني هو الذي يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم والأنصاري يجلس ليحرس المزرعة.

انظروا التناوب على طلب العلم وفي نفس الوقت الحرص على العمل، لأن عمر بن الخطاب نعم يحب النبي عليه الصلاة والسلام ويحب دائماً أن يكون معه، لكن في نفس الوقت يحتاج أن يتكسب لعياله وأسرته. بالتالي علينا، يعني أو اياكم أن تقولوا إن التكسب للرزق هذا أمر ثانوي يتعارض مع الدين، وأن الإنسان عليه أن يتوكل على الله سبحانه وتعالى والله عز وجل هو الرزاق وأهم شيء أنك تطلب العلم. انظروا هؤلاء الصحابة الكرام كانوا يجمعون بين العلم وبين طلب الرزق ولا تعارض في ذلك.

فيَا طالب العلم، لا يعني انك إذا طلبت الرزق أن تنقطع عن العلم، ولا يعني أنك تنقطع إلى العلم معناها تترك الرزق، لابد أن تنسجم في حياتك كما انسجم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فإياك يا طالب العلم أن تقتر على نفسك وعلى عيالك وتقلل من مصروفهم ومن الإنفاق عليهم بحجة أنك تطلب العلم، هذا ليس بسديد. عليك أن تحصل الرزق الذي يكفيك ويكفي عيالك ويجعلك تحيا حياة كريمة، وفي نفس الوقت تسعى في طلب العلم وتسعى في تحصيله وترتب جدولك اليومي حتى تجمع بين كل جهات الحياة. والله سبحانه وتعالى يفتح لك من واسع كرمه وجوده وأفضاله.

الآن كما قلنا يقول عمر بن الخطاب: كان رجال من الأنصار فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنزل يوماً وينزل يوماً، فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه أنا بمثل ذلك. وقال: وكنا نتحدث، كان هناك إشاعة وصلت إلى المدينة أن قبيلة غسان تنعل الخيل لتغزونا. قبيلة يقال إنها من قبائل الغساسنة قريبة من الروم، هذه القبيلة كانت تجهز لغزو المدينة.

قال: فنزل صاحبي ثم أتاني عشاء، فضرب بابي بقوة ثم ناداني. يقول عمر بن الخطاب: الآن كان هناك شائعة في المدينة أن قبيلة غسان تريد أن تغزو المدينة، ففي يوم من الأيام وأنا جالس في الحقل وفي المزرعة وفي المساء صاحبي الأنصاري عاد من عند النبي صلى الله عليه وسلم فطرق عليه الباب بشدة ثم بدأ يصرخ ويناديني. فخرجت إليه فقال لي الأنصاري: يا عمر حدث أمر عظيم. فقلت: ماذا؟ هل جاءت غسان لتحاربنا؟ عمر بن الخطاب عقله أن قبيلة غسان هي التي جاءت تحارب المدينة، يعني إيش أمر أعظم من ذلك؟ فقال له: بل هو أعظم من ذلك. فقلت: وما هو؟ فقال الأنصاري: طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه.

طبعا هذا الخبر بالنسبة لعمر بن الخطاب صدمة، لأنه بنته من نساء النبي عليه الصلاة والسلام. فقال الأنصاري: طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه. فقلت في نفسي أن عمر يقول: قد خابت حفصة وخسرت. عرف عمر بن الخطاب إيش المشكلة؛ أن طبيعة نساء النبي صلى الله عليه وسلم يناقشنه ويسألنه النفقة، وبالتأكيد غضب النبي صلى الله عليه وسلم عليهن في هذا اليوم حتى وصل الأمر إلى أن طلقهن.

فقال عمر: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن هذا كائناً، كنت متوقعاً أن يصل الأمر إلى هذا الحد. حتى إذا صليت -صلى عمر العشاء رضي الله عنه- قال: شددت علي ثيابي مسكت حالي، ثم نزلت باتجاه النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه كان في منطقة العوالي يعني نزل باتجاه النبي عليه الصلاة والسلام.

قال: فدخلت على حفصة في بيتها وهي تبكي. فقلت لها: يا حفصة أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت حفصة وهي تبكي: والله لا أدري، ها هو معتزل في مشربة له. يعني الظاهر مثل حجرة كان يصعد إليها بجذع النخل ولها مثل درج، حجرة كانت خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعيدة عن كل نسائه، يصعد لها النبي صلى الله عليه وسلم على درجات فتسمى هذه مشربة.

قال عمر بن الخطاب: أتيت المشربة فوجدت غلاماً خادماً للنبي صلى الله عليه وسلم أسود يقف على باب المشربة. فقلت لهذا الخادم: ادخل على النبي صلى الله عليه وسلم واستأذن لعمر. فدخل الخادم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليّ فقال: قد ذكرتك عند النبي صلى الله عليه وسلم فصمت، ما قال: أدخله.

قال: فانطلقت حتى إذا انتهيت إلى المنبر فجلست، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست قليلاً. ثم عمر بن الخطاب مش قادر يجلس، الموقف بالنسبة له وقف صعب. قال: ثم غضبني ما اجت، فعدت إلى الغلام إلى هذه المشربة، أتيت الغلام الأسود فقلت: استأذن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدخل الغلام على النبي عليه الصلاة والسلام ثم خرج فقال الغلام: يا عمر قد ذكرتك له، فصمت، ما قال: أدخله. فوليت مدبراً.

فإذا الغلام -يعني لما وليت مدبراً هذه المرة- إذا الغلام يدعوني وينادي علي فقال: ادخل، فقد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثر في جنبه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم متكئ على حصير ملاصق بالرمل وقد أثر هذا الحصير في جنبه بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. فقلت: يا رسول الله، أطلقت نساءك؟

ورفع رأسه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. رفع رأسه إلى عمر بن الخطاب فقال: لا يا عمر. عمر هنا يعني يقفز من الفرحة، يعني الحمد لله ابنتي ما زالت في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت الله أكبر.

لو رأيتنا يا رسول الله الآن، عمر بن الخطاب بدأ يحادث النبي صلى الله عليه وسلم ويدردش معه حتى يخفف عنه مما وجد على نسائه، يعني يريد أن يغير الموضوع، يداعب النبي عليه الصلاة والسلام ويمازحه. فقال: يا رسول الله، لو رأيتنا كنا معشر قريش قوما تغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يا رسول الله يتعلمن من نسائهم أي من نساء الأنصار. فتغضبت علي امرأتي يوما يا رسول الله، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني. فقلت ما... فقالت لي: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجر أهله إحداهن اليوم. ذكر له القصة.

قال: فقمت يا رسول الله، قلت على عائشة -عفواً- فدخلت على حفصة وذكرت لها ما ذكرت. فقلت: يا رسول الله، قد دخلت على حفصة، فقلت: لا يغرنك إن كانت جارتك -أي عائشة- هي أوسم وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منك. عمر بن الخطاب يداعب النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا أن يلطف الأجواء. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: استأنس يا رسول الله؟ قال: نعم. فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت فيه شيئاً يرد البصر إلا أُهباً ثلاثة.

ثم قال: أستأنس يا رسول الله، يعني تريد أن نجلس ونستأנס مع بعض أكثر وأكثر وإلا خلاص أقوم؟ قال: دعك يا عمر، يعني ابقى جالساً ليس عندي مشكلة. فجلست فبدأت أجوب رأسي في البيت، أنظر ما في هذا المشرب؟ ماذا عند النبي صلى الله عليه وسلم من متاع؟ قال: فرفعت رأسي في البيت، والله ما رأيت فيه شيئاً يرد البصر، يعني ما في أثاث، ما في شيء في بيت سيد ولد آدم صلوات ربي وسلامه عليه، إلا أُهباً ثلاثة -الإيهاب جلد مدبوغ يجلس عليه العرب- فقط هذا ما كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، جرة ماء، حصير. هذا بيت سيد ولد آدم، بيت لا يوجد فيه إلا النزر اليسير اليسير من المتاع والأثاث.

فقلت: ادعُ يا رسول الله أن يوسع الله على أمتك، كأنه عمر حزن على حال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يوسع على أمتك -هو يريد أن تدعو يا رسول الله لنفسك بالغنى، وأن الله يرزقك الأموال وتصبح ثرياً ويصبح عندك بيت كبير، فقد وسع الله على فارس والروم وهم لا يعبدون الله-.

وهنا استوى النبي صلى الله عليه وسلم جالساً ليععلم عمر درساً نافعاً. قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ يعني هل تظن أن هذا المتاع القليل والنزر اليسير؛ لأن الله عز وجل... هل هانوا على الله عز وجل، وعز هؤلاء القوم لأنه رضي عنهم؟ هل تشك يا عمر بن الخطاب؟ أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا.

فقلت: استغفر لي يا رسول الله. هنا عمر أدرك الخطأ؛ أننا معاييرنا يا عمر ليست معايير الدنيا، إياك أن تنظر إلى زهرة الحياة الدنيا: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131]. نحن أهل الإسلام إنما نظرنا وتعلقنا بالدار الآخرة، هذا الذي ننظر إليه، وكل متاع الدنيا لا يسوى عند الله جناح بعوضة، بالتالي لا ينبغي أن يزن في قلوبنا شيئاً، حتى لو منعنا هذه الدنيا لا شيء، المهم أن نلقى الله سبحانه وتعالى وهو راض عنا وهناك السعادة الأبدية، إن في روح وريحان وعند رب راض غير غضبان.

عمر أدرك خطأه في هذا السؤال أو في هذا الطلب، فقال: استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم ألا يدخل عليهن شهراً. قال عمر بن الخطاب يكمل، يقول: آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شهراً، يعني أقسم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يدخل عليهن شهراً من شدة موجدته عليهن، حتى عاتبه الله سبحانه وتعالى في ذلك، وأمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يراجع نساءه.

هنا عائشة تقص علينا كيف عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى نسائه. طبعا الإيلاء أحبتي هو أن يحلف الرجل ألا يقرب زوجته وألا يطأ زوجته، هذا هو الإيلاء. والإيلاء متى يكون محرماً؟ إذا كان الإيلاء على أربعة أشهر فصاعداً. إذا حلف الرجل ألا يطأ زوجته أربعة أشهر فصاعداً، نقول هذا لا يجوز، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حلف على الأربعة أشهر، لا، حلف النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقربهن شهراً فقط، وهذا كان إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم. الإيلاء الممنوع أن تعمد أن تترك وطأ الزوجة وقربانها أربعة أشهر فصاعداً. وإنما حرم ذلك ومنع لأن فيه إضراراً بالنساء، وأما ما دون ذلك مما فيه يعني كما قلنا من علاج بعض النساء القاسيات أو تربية بعض النساء اللاتي عندهن شيء من النشوز، هذا مقبول شرعاً بما يحقق المصلحة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أقسم ألا يدخل على نسائه شهراً، لكن الله عز وجل عاتبه في ذلك، وأمره أن يدخل على نسائه وأن يعود إليهن. عائشة رضي الله تعالى عنها تخبر لحظة رجوع النبي صلى الله عليه وسلم، بدأ بها. قالت عائشة: لما مضى تسع وعشرون ليلة، دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما مضى تسع وعشرون ليلة. فقلت: يا رسول الله، لقد أقسمت ألا تدخل علينا شهراً، وإنك دخلت من تسع وعشرين، اعد أعدهن الآن.

عائشة تعجبت، انظر إلى عقل عائشة، لو كانت امرأة غير عائشة لما فكرت بهذا الموضوع أساساً. لكن عائشة الفقيهة رضي الله عنها تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم ألا يدخل عليها شهراً، والآن مضى تسعة وعشرون يوماً، طيب هل التسعة وعشرون تساوي شهراً؟ فسألت النبي عليه الصلاة والسلام، انظروا عائشة الفقيهة.

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشهر -أي الأشهر القمرية- تأتي تسعة وعشرين، فالأشهر القمرية قد تأتي تسعة وعشرين، وهذا الشهر جاء على تسعة وعشرين يوماً، فبالتالي لا حرج أن أدخل، لأني إنما آليت شهراً، هناك أشهر ثلاثين، هناك أشهر تسعة وعشرين، وهذا الشهر جاء تسعة وعشرين.

ثم قال: يا عائشة، الآن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يصارح عائشة وسيصارح سائر الزوجات: يا عائشة، إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك. الآن يا عائشة، بعد ما النبي صلى الله عليه وسلم هدأ غضبه وسكن وأراد الرجوع إلى أزواجه، قال لعائشة وبدأ بها، وقال: ساتكلم معك كلاماً واضحاً وأعطيك فرصة حتى تراجعي نفسك وتستأمري أبويك.

ما هو يا رسول الله؟ الله عز وجل أمر نبيه أن يقول لأزواجه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29]. هذا التخيير، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة وخيرها. قال: يا عائشة، أنا أخيرك بين أمرين، إما أن تريدي الله ورسوله والدار الآخرة وحينئذ ترضين بكل ما قسمه الله عز وجل لك من متاع الحياة الدنيا، هذه طاقتي، هذا ما معي من المال، فلا تطالبوني من النفقة بما لا أطيق. فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم؛ يا الدار الآخرة والنبي صلى الله عليه وسلم وصحبته في الجنان النعيم، يا تريدون الحياة الدنيا وزينتها والأموال فهنا أطلقكن متاعاً والله يسهل على دربكن.

فعائشة رضي الله تعالى عنها لما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، وفي هذا أستأمر أبوي؟ معقول يا رسول الله أني أستأمر أبوي في هذا الموضوع؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، يعني ليس ممكناً أفضل متاع الدنيا وزخرف الحياة على صحبتك يا رسول الله في جنات النعيم. فاختارت عائشة من دون أن تستأمر أبويها قراراً حازماً سريعاً، طبعاً الله ورسوله والدار الآخرة، فهذا ما أريده.

لكن عائشة قالت بعد أن وافقت على الله ورسوله والدار الآخرة: يا رسول الله، يعني أريد منك طلباً؛ لا تخبر نساءك أني اخترتك. فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه حتى في هذا الموقف عائشة رضي الله تعالى عنها تريد أن تحضر نفسها وتبرز نفسها حتى تحظى بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الأزواج. فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله أرسلني مبلغاً ولم يرسلني متعنتاً، يعني دعيك يا عائشة من هذه التصرفات.

الآن هذه قصة إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه. المراد بالإيلاء حلف النبي صلى الله عليه وسلم وأقسامه بالله ألا يقترب من أزواجه، لكنه حلف على شهر، وهذا لا حرج فيه خاصة إذا كان هناك عذر وحاجة من تأديب ناشز أو مصلحة الدين جعل فيه سعة. لكن أكثر من ذلك -عفواً- أربعة أشهر فصاعداً هذا لا يجوز، هذا الإيلاء الذي حرمه الله سبحانه وتعالى في كتابه، الإيلاء أربعة أشهر فصاعداً لأن هذا فيه إضرار للمرأة، وبالتالي ستتخذ إجراءات شرعية حينئذ إذا آلى من زوجته أربعة أشهر فصاعداً بعد انتهاء الأربعة أشهر يأتي الحاكم فيوقف إما أن تفيء وإما أن تطلق وإما أن تبقى الأمور على هذا؛ هذا لا يمكن لأن فيه إضراراً بالمرأة.

هذه إذاً قصة إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم من أحداث العام التاسع من الهجرة التي ذكرها ابن أبي العز الحنفي. حادث مهم أيضاً حقيقة، وهو ثمار دعوة النبي صلى الله عليه وسلم طوال هذه السنوات، وهو قدوم وفود متنوعة من أنحاء جزيرة العرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتعلن إسلامها. يقول ابن أبي العز: وجاءت الوفود فيها تترا.

قضية مجيء الوفود على النبي صلى الله عليه وسلم، وابن هشام سرد قصصاً لعديد من الوفود؛ فمثلاً جاء وفد بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قبيلة بني تميم قبيلة مشهورة أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وصلوا المدينة والنبي عليه الصلاة والسلام في بيته، فبدأوا يصرخون بأعالي صوتهم بجفوة الأعراب: يا محمد، اخرج علينا، حتى آذوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد أُوذي من صراخهم، فانزل الله عز وجل فيهم سورة الحجرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4].

ثم بدأ خطيب قبيلة تميم يخطب أمام النبي عليه الصلاة والسلام. وفد تميم أتى وجاء يستعرض خطبائها وشعرائها، وهذه كانت أساليب العرب التي تحياها، تفتخر بالشعر والخطابة. فقام عطارد بن حاجب فأعطى خطبة، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا خطيبه المشهور الصحابي الجليل ثابت بن قيس بن شماس وأمره أن يرد على هذه الخطبة بخطبة أقوى منها. ثم أخرجت قبيلة تميم شاعرها المشهور الزبرقان بن بدر فأعطى قصيدة يفتخر فيها ببني تميم وبمناقبها، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا شاعره حسان بن ثابت فرد على هذه القصيدة أيضاً بقصيدة يمدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من المهاجرين والأنصار، ثم هذه القبيلة أسلمت ودخلت في دين محمد صلى الله عليه وسلم.

أيضاً من الوفود التي أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودخلت في دينه وفد عبد القيس بقيادة الجارود، دخلوا في دين محمد صلى الله عليه وسلم وأعلنوا البيعة له. كذلك بنو حنيفة أتوا مع مسيلمة الكذاب، ومسيلمة الكذاب حضر معهم بيعة النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، لكن هذه القبيلة بعدما عادت إلى ديارها مسيلمة ارتد على عقبيه وزعم أنه نبي وتابعت القبيلة، فهذه القبيلة أسلمت ثم ارتدت وتابعت زعيمها أو أحد زعمائها مسيلمة الكذاب والذي وقعت معه حروب الردة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

أيضاً ومن أسلم في هذا العام أو قدم على النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن معدي كرب في أناس من زبيد، وهؤلاء من جهة اليمن. أيضاً ممن قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وبايعه الأشعث بن قيس الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة». الأشعث بن قيس هذا جاء في وفد كندة، وكندة هي أصلها قبيلة يمنية لكنها هاجرت إلى شمال الجزيرة العربية وأسست دولة كبرى؛ دولة كندة في شمال الجزيرة العربية في منطقة نجد، وكان لها حروب وصولات ضد المناذرة والغساسنة، ومنها الشاعر امرؤ القيس المشهور شاعر المعلقات، فهذا ابن قيس أتى بوفد كندة وأسلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.

أيضاً صرد بن عبد الله الأزدي رجل من قبائل الأزد أتى بوفد من قومه ليسلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. أيضاً ملوك حمير في اليمن لم يأتوا بأنفسهم لكن أرسلوا رسولهم برسالة من ملوك حمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة أنهم دخلوا في دين الله سبحانه وتعالى.

تعالى، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة سيدنا معاذ بن جبل إلى اليمن ليعلمهم تعاليم الدين. إذاً، هناك العديد من الوفود في الحقيقة أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العام، وكل وفد له قصته وله حكايته، ولا أريد أن أشق عليكم في تفاصيلها. المهم أن نعرف هذا الحدث عموماً، وأن الوفود جاءت في هذا العام، وكان هذا مصداق قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3].

والذي سبب بالطبع قدوم هذه الوفود وانتشار الإسلام في جزيرة العرب أساساً كان هو فتح مكة؛ لأن قبائل العرب كلها كانت تنظر إلى قريش لأنها القبيلة العظمى المقدسة في جزيرة العرب، القبيلة الفخمة التي الكل يتحاكم إليها، يتقرب إليها، يريد ودها، فالكل كان يترقب ماذا سيفعل كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم. فلما خضعت قريش بأكملها لحكم النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل جمهورهم في دين الله أفواجاً، هنا كل قبائل العرب خضعت وقررت الانضمام إلى ركب محمد صلى الله عليه وسلم.

من الأحداث الأخيرة التي حدثت في هذا العام وفاة النجاشي ملك الحبشة، هذا الرجل الصالح رحمه الله. نعم، النجاشي وإن لم يعد صحابياً لأنه لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه من خيرة الناس حكماً وأدباً وعقلاً وفهماً وإسلاماً رضي الله تعالى عنه وجمعنا به في جنات النعيم. النجاشي توفي رحمة الله تعالى عليه في هذا العام، في العام التاسع من الهجرة، ونعاه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو في المدينة وأخبرهم أن الرجل الصالح قد توفي اليوم، وسماه الرجل الصالح.

توفي اليوم وقال: «قوموا فلنصلِّ على صاحبنا». فخرج بهم النبي صلى الله عليه وسلم، أي خرج بأصحابه إلى مصلى الجنائز، وصفَّ بهم، وصلى على النجاشي صلاة الغائب. وهنا صلاة الغائب مشروعة؛ لأن النجاشي -كما ذكر أهل العلم- لم يصلَّ عليه بأرضه لأنه كان يكتم إيمانه عن قومه، فلم يصلَّ عليه في أرض الحبشة صلاة الجنازة، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي صلى عليه. وبهذا أخذ الفقهاء على أن الرجل إذا مات في منطقة ولم يصلَّ عليه، فإنه يشرع للمسلمين أن يصلوا عليه صلاة الغائب. هنا صلاة الغائب تكون مشروعة على الراجح من كلام أهل العلم.

فيقول ابن أبي العز الحنفي: «ثم النجاشيُّ عامْ * وصلى عليه من طيبةٍ نال الفضلْ». أكيد ينال فضلاً عظيماً بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليه وترحمه؛ يعني أيُّ أفضل من أن النبي عليه الصلاة والسلام يصلي عليك أيها النجاشي، ويدعو لك بالرحمة والمغفرة والرفعة في جنات النعيم، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه! فهذا كان فضل عظيم ومنقبة كبرى لهذا الحاكم المسلم الفاضل الصالح رضي الله تعالى عنه.

هكذا انتهينا أحبتي من الحديث عن أحداث العام التاسع من الهجرة. المحاضرة القادمة بإذن الله ستكون هي المحاضرة الأخيرة، ونتكلم فيها عن اللحظات الأخيرة في حياة سيد ولد آدم بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، شكوى النبي صلى الله عليه وسلم، لحظات الاحتضار، لحظات النزع، وكيف عاش الصحابة تلك اللحظات الصعبة؟ وهذه أكبر مصيبة حلت بهذه الأمة، وهي فقدان محمد صلى الله عليه وسلم ذاك النور الذي أضاء دروبنا وطريقنا وهدانا وأرشدنا إلى ربنا، صلى عليه ربنا وسلم والآل والصحب دواماً سرمدياً. إذاً، دعونا نلتقي في المجلس الأخير بإذن الله في المحاضرة القادمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.