قضى ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه صاحب هذه الأرجوزة المائية في البيت الثاني والتسعين: ومات إهراهيم في العام الأخير، والبجلي أسلم واسمه جرير، وحج حجة الوداع قارناً، ووقف الجمعة فيها آمناً. أي في حجة الوداع وقف يوم الجمعة وخطب خطبته الشهيرة. ووقف الجمعة فيها آمناً، وأنزلت في اليوم: ﴿ٱليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]. وموت ريحانة بعد عوده، والتسع أي النساء تسع، والتسع عشنا مدة من بعده. ويوم الاثنين قضى يقيناً، إذ أكمل الثلاثة والستين. والدفن في بيت ابنة الصديق، في موضع الوفاة عن تحقيق. ومدة التمريض خمس شهر، وقيل بل ثلث وخمس فدري. وتمت الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية، صلى عليه الله ربي وعلا، أصحابه وآله ومن تلا.
في بداية العام العاشر من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى طيِّبة الطَّيبة، قبض ابنه إبراهيم وبكى النبي صلى الله عليه وسلم وفاضت عيناه على فراقه، وقال: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم فقد ابنه إبراهيم، وكان قد فقد قبله بناته الثلاث زينب ورقية وأم كلثوم، وفقد القاسم في بداية حياته، وعبدالله. واليوم في بداية العام العاشر من هجرته صلى الله عليه وسلم يفقد ابنه إبراهيم، ويحزن صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً. فهو بشر في النهاية؛ النبي عليه الصلاة والسلام كان بشراً له مشاعر، يحزن على فقد أحبته وفقد أبنائه وفقد زوجاته، وقد جعل الله سبحانه وتعالى فيه الرحمة والشفقة والرأفة بالناس، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.
بعد وفاة إبراهيم رضي الله تعالى عنه في هذا العام أيضاً من المشاهد المختصرة: قدوم جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه. فقدم جرير بن عبدالله البجلي في شهر رمضان وأسلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رجلاً زعيماً في قومه. وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيتٍ كانت تعظمه القبائل العربية الجنوبية؛ بيت يذبح فيه لغير الله سبحانه وتعالى ويشرك فيه ويطاف حوله، وهو البيت الذي يسمى بذي الخلصة. بيت كان لمجموعة من القبائل اليمنية عرف باسم ذو الخلصة، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم جرير بن عبدالله البجلي مع جماعة من الصحابة عن قرابة ثمانين رجلاً، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم ليهدمها وليكون هذا آخر معقل من المعاقل الشركية التي هدمها النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته.
ثم بعد ذلك تكلم ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه عن حجة الوداع، وهي الحجة الفريدة التي حجها النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم في طيِّبة الطَّيبة. ووقع خلاف هل حج النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة قبل أن يهاجر، هذا خلاف بين علماء السير، لكن الحجة الوحيدة التي حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أسس دولته المسلمة هي حجة الوداع. يقول ابن هشام رحمة الله تعالى عليه في سرده لهذه الحجة: لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة من العام العاشر من هجرته، تجهز للحج وأمر الناس بالجهاز له، فخرجت القبائل العربية خرجات الأعراب، خرج المهاجرون خرجوا الأنصار، وتجمع الناس في مشهد مهيب في مكة المكرمة. مضى النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة في الخامس والعشرين من ذي القعدة متجهاً إلى مكة المكرمة، ووصل إلى مكة في الرابع من ذي الحجة. مضى النبي صلى الله عليه وسلم على حجه فأرسى للناس مناسكهم، أي علم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحجة المسلمين كيفية تأدية هذا المشعر العظيم من مشاعر الإسلام وفق ما يرضي الله سبحانه وتعالى. فعلمهم الطواف وعلمهم السعي وسنن السعي، وعلمهم أنواع الحج: التمتع، القارن، المفرد. علمهم النبي صلى الله عليه وسلم الوقوف بعرفة، وشعائر الوقوف بمزدلفة أو المبيت بها ثم الانتقال للمشعر الحرام ثم الذهاب إلى منى والمبيت. المهم النبي صلى الله عليه وسلم علم صحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم مناسك الحج، وقال لهم في البداية: «خذوا عني مناسككم». وقال لهم في البداية: تعلموا مني وانظروا ماذا سافعل وأتَسوا بي وعلموا من بعدُ.
وخطب النبي صلى الله عليه وسلم في موسم الحج ثلاث خطب؛ الخطبة الأولى كانت في يوم عرفة، والخطبة الثانية كانت في يوم النحر، والخطبة الثالثة كانت في أوسط أيام التشريق. وقد نقل لنا علماء السير شيئاً من مضمون هذه الخطب العظيمة التي ضمنها النبي صلى الله عليه وسلم قواعد الإسلام العظمى ونظم فيها المجتمع وبين ما هي المسائل الفقهية التي رسى عليها الدين الإسلامي؛ في مسائل القصاص، في مسائل الحدود، في مسائل العلاقات الاجتماعية، في تعامل المسلمين مع بعضهم البعض، حتى الوصية بالنساء ما هو المنهج الذي علينا أن نسلكه وأن نعتصم به. كانت خطباً عظيمة خطب حجة الوداع، لذلك نقلها علماء السير واهتموا بها وبدقيق ألفاظها.
فمما قاله صلى الله عليه وسلم في هذه الخطب: أيها الناس، اسمعوا قولي فاني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم. ثم انتقل النبي صلى الله عليه وسلم ليتكلم عن موضوع الربا فقال: فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا. إذاً، لاحظوا النبي صلى الله عليه وسلم يركز على المحرمات العظمى؛ حرمة الدماء، حرمة الأموال، حرمة الربا، إلى آخر ما سينبه عليه صلوات ربي وسلامه عليه. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا ابن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع. يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي على قضية الثأر بين القبائل العربية، وأن أول دمائهم أُضاع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب؛ هذا قتل وهو طفل في قبيلة هذيل أو في قبيلة بني ليث وقتلته قبيلة هذيل، فهو أول من أبداً به من دماء الجاهلية.
أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس أن يُعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكن أن يطاع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم. يعني الشيطان يئس أن تعود الشرك بأكمله إلى جزيرة العرب وأن تعود هذه الديار ديار شرك؛ نعم تظهر بعض الأحوال الشركية عند بعض الناس، أما أن يعود الشرك ليخيم على جزيرة العرب فهذا لن يكون بشهادة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان يئس أن يُعبد في أرضكم، لكنه رضي بالمعاصي والذنوب والفجور. ولاحظوا ماذا يحدث الآن في جزيرة العرب وماذا يراد لها، وماذا يكيد لها أعداء الأمة ويستخدمونه من المنافقين في تنفيذ هذه المخططات لإفساد شباب بلاد الحرمين! فالنبي صلى الله عليه وسلم قال ولكنه أي الشيطان رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك، أي فيما دون الشرك من المعاصي والذنوب والمجون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاحذروه على دينكم.
ثم أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيراً فقال: أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقاً ولهن عليكم حقاً؛ هناك حقوق معادلة بين الرجال وبين النساء. لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، وعليهم ألا يأتين بفاحشة مبينة، ولههن الحقوق؛ رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيراً، فانهن عندكم عَوَانٍ لا يملكون لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. انظروا هذا الدين العظيم الذي يهتم بتنظيم كل حياة الناس؛ حياة الأسرة، الحياة العامة، علاقة الناس مع بعضهم البعض، الحياة التجارية، كل التفاصيل، كل القواعد العامة بينها النبي صلى الله عليه وسلم وترك الأمة فيها على المحجة البيضاء قبل أن يغادر هذه الدنيا صلوات ربي وسلامه عليه.
ثم أكدم عليه الصلاة والسلام فيقول: اعقلوا أيها الناس قولي فاني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً: أمراً بيناً؛ كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، إن كل مسلم أخ للمسلم، وإن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلموا أنفسكم، اللهم هل بلغت؟ فقال الناس جميعاً في مشهد مهيب: اللهم نعم، اللهم نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم فاشهد. إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم بلغ ونحن نشهد له بأبي هو وأمي أنه بلغ الرسالة كما أمره الله سبحانه وتعالى، وما من خير إلا أرشدنا إليه، وما من شر إلا حذرنا منه وأرسلنا قواعد الصلاح في علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى، في علاقتنا مع أزواجنا مع أبنائنا، في علاقتنا مع المجتمع. أصل النبي صلى الله عليه وسلم علاقات السلم، الحرب، الجهاد، الهدنة، الصلح، علاقاتنا بغيرنا بالمخالفين لنا من أهل الكفر والملل المختلفة اليهود والنصارى وأهل الأوثان. بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم كل شيء ودلنا على المنهج: اعتصموا بكتاب الله وبسنتي. من اعتصم بها وانطلق إليهما ليأخذ منهما المنهج والطريق لن يضل، هذا أمان من الله سبحانه وتعالى على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وإنما الضلال وقع في هذه الأمة ونشأت الفرق والابتداع حينما نهلنا من المنابع الفاسدة، حينما ذهبنا إلى الإغريق واليونان وذهبنا إلى الفرس والهند، وأخذنا نأخذ أو شرعنا نأخذ من هؤلاء التصورات عن الكون عن الحياة عن الله، أفكارنا عن علاقات الإنسان بهذا الكون، علاقة الإنسان. عندما بدأنا نأخذ هذه الأمور من غير كتاب الله ومن غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم وقع الانحراف. وأما لو اجتمعنا والتأمنا على كلمة واحدة على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تمسكت الأمة بهذه النصيحة أو بهذه الوصية المحمدية لما حدث ما حدث، لكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. المهم أن نعرف المنهج؛ يعني حتى من انحرف وقدر له ألا يسير على المنهج ابتداءً نذكره بوصية محمد صلى الله عليه وسلم ليعود إليها، ونذكر أنفسنا حتى لا نحيد عنها. كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم هي الأساس، هي المنطلق في أي مشروع حضاري، في أي مشروع قيمي، في أي مشروع اقتصادي لهذه الأمة. كل شيء وكل القواعد وكل الخير وكل الصلاح في هذا النهج العظيم شريعة رب العالمين سبحانه وتعالى.
انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من أداء مناسك الحج وعاد عليه الصلاة والسلام باتجاه طيِّبة الطَّيبة. فأقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بقية ذي الحجة، وانتهى العام العاشر من الهجرة وبدأ العام الحادي عشر. وفي هذا العام في شهر صفر، يعني الشهر الثاني منه، بعث النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا أسامة بن زيد على جيش عَرَمْرَمٍ فيه الجيل الأولون، فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وخيرة الصحابة. أمر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الشاب الناشئ اليافع سيدنا أسامة بن زيد -سبعة عشر عاماً- ليقود هذا الجيش العظيم باتجاه الروم مرة أخرى، وهذا إصرار ورسالة من النبي صلى الله عليه وسلم.
وسلم على وجوب محاربة الكفر حيثما كان، وأن ننشر رسالة الخير ليس فقط في جزيرة العرب بل إلى أرجاء المعمورة. إذا، النبي صلى الله عليه وسلم أمر سيدنا أسامة بن زيد على جيش فيه المهاجرون الأولون وخيرة الصحابة وكبار الصحابة. وهذه رسالة من النبي صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يزرع ثقة الأمة بشبابها، ويؤكد دور الشباب في نصرة هذا الدين وحمل هذه الدعوة. والنبي صلى الله عليه وسلم قديماً قال: «نصرت بالشباب». نصرت بالشباب الذي ينصر هذا الدين، ووقود هذه المعركة؛ معركة الدعوة، معركة الإصلاح، معركة الحضارة هم الشباب.
الشيوخ أصحاب الحكمة، أصحاب الرأي، محل المشورة، لكن الطاقة والاندفاع والعمل والانطلاق هذا أساسه الشباب، وهذه هي الرسالة الأخيرة التي أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصلها في قضية المعارك والغزوات؛ رسالة اعتمدوا على الشباب، دعوا الشباب يخوضون معارك الأمة العظمى في الإصلاح والتغيير. ولكن لا يعني هذا طبعا أن نترك رأي الحكماء وأصحاب التجارب ومن حنكتهم الحياة، بل لابد للشباب أن يستعينوا برأي أصحاب الخبرة والسبق. لكن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أراد كما قلنا أن يؤكد على دور الشباب في صناعة التغيير وصناعة الواقع الجديد؛ لأن الشاب بطبيعته يكون متحمساً عنده شعلة نار للبذل للعطاء، وهذا ما وقع كثيراً في تاريخ الأمة المسلمة، وآخر الفتوحات؛ فتح القسطنطينية كان على يد شاب عمره ثلاثة وعشرون عاما، وهو محمد الفاتح من خلفاء الدولة العثمانية رحمة الله تعالى عليه.
وهذا يؤكد وصية النبي صلى الله عليه وسلم بتسليم الشباب العقلاء أماكن القيادة والذهاب بهذه الأمة نحو صناعة مجد وتاريخ، كما قلنا مع اخذ رأي أهل العلم والفقه والحكمة والتجربة. لكن هل جيش أسامة بن زيد قدر له أن يذهب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم؟ في الحقيقة لم يقدر له ذلك؛ لأن وجع النبي صلى الله عليه وسلم وشكواه بدأت به صلوات ربي وسلامه عليه، فهذا الجيش انتظر ليعرف ما ستؤول إليه الأمور. وهنا يقول ابن إسحاق: بينما الناس يتجهزون لغزو الروم تحت إمارة أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، ابتدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم شكواه الذي قبضه الله عز وجل فيه إلى ما أراد له من كرامته ورحمته في ليال بقينا من صفر.
يعني النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا هو أمر أسامة وأمره أن يتجهز لغزو الروم في شهر صفر، لكن في آخر الليالي من صفر بدأ مرض النبي صلى الله عليه وسلم. فكان أول ما ابتدأ به فيما ذكر لي -يقول ابن إسحاق فيما ذكر لي- أنه خرج إلى بقيع الغرقد. خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد؛ مقبرة البقيع التي دفن فيها صحابته في جوف الليل، فاستغفر لهم ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح ابتدأ به الوجع من يومه ذلك. يعني النبي عليه الصلاة والسلام في ليلة وفي سكون الليل كما يقولون، خرج إلى بقيع الغرقد ليستغفر لأهل البقيع. وهنا أبو مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيخرج معه ويحدثنا ما وقع في هذا المشهد؛ مشهد خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ليلا.
يقول أبو مويهبة: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل، يعني قال لي: تعال معي. فقال: يا أبا مويهبة، الآن النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب أبا مويهبة ويقول له: يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي، فانطلقت معه. فلما وقف بين أظهرهم أي بين القبور، قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه». يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأهل المقابر: انتم في عيش هانئ ونعيم كبير في مقابل الناس الذين يحيون في هذه الحياة الدنيا ولم يصيروا إلى ما أنتم عليه الآن. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤذن بخطر قادم على هذه الأمة، وصل به إلى أن يقول لأهل القبور: أنتم في عيش منعم وخير عظيم. واما الناس في هذه الحياة الدنيا فان القادم لهم صعب. انظروا ماذا قال عليه الصلاة والسلام: «ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى». يعني الفتن المتأخرة شر من الفتن الأولى التي مرت على هذه الأمة نسأل الله السلامة والعافية.
ثم أقبل النبي صلى الله عليه وسلم على أبي مويهبة فقال: «يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة». فقال أبو مويهبة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، خذ مفاتيح الأرض والخلد في الأرض ثم الجنة. طبعا المراد بالخلد ليس الخلد الأبدي، المراد الأعوام الطويلة صلوات ربي وسلامه عليه، فخذ مفاتيح خزائن الأرض والخلد فيها ثم الجنة. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا والله يا أبا مويهبة، لن أختار الدنيا». فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقاتل من أجل الدنيا، لم يكن رغبته فيها، وإنما رغبته أن يحيا عند الله سبحانه وتعالى وبجواره. فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد اخترت لقاء ربي وجنة». ثم استغفر النبي صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع ثم انصرف.
فبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، كما قلنا حينما دخل على عائشة بيتها، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي، وكانت عائشة تشتكي من صداع في رأسها، وأنا أقول: وارهأساه وارهأساه. فقال عليه الصلاة والسلام: «بل أنا والله يا عائشة وارهأساه». النبي صلى الله عليه وسلم كان يشعر بصداع شديد في تلك اللحظات، ثم قال: «يا عائشة، ما ضرك لو مت قبلي فقمات عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟» قلت: والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك. يعني عائشة تداعب النبي صلى الله عليه وسلم وتقول له: آه يا رسول الله، بدك تموت قبلي حتى تأتي بامرأة إلى هذا البيت وتعرس بها في منزله؟ نوع من المزاح بين الرجل وزوجته، وهذا شيء من المداعبة المطلوبة ومن لطيف الحياة الدنيا، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم من قول عائشة.
ثم تتام به وجعه وهو يدور على نسائه، أي في اليوم الثاني انتقل إلى بيت زوجة أخرى من زوجاته، وفي اليوم الثالث إلى بيت زوجة أخرى. اشتد به الوجع شديداً حينما وصل إلى بيت ميمونة، وصلت النوبة والدور على ميمونة بنت الحارث، هنا النبي صلى الله عليه وسلم شعر بوجع شديد وما استطاع أن يكمل الدوران على نسائه. فهنا دعا نسائه جميعا واستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة فأذن له. طبعا النبي عليه الصلاة والسلام في تلك اللحظات كم كان عنده من الأزواج؟ عنده تسع؛ توفيت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها سابقا، وتوفيت زينب بنت خزيمة، وبقي عنده التسع: عائشة رضي الله عنها، وحفصة، أم حبيبة، أم سلمة، سودة بنت زمعة، زينب بنت جحش، ميمونة بنت الحارث، جويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي. طبعا ابن أبي العز الحنفي ذكر في العام العاشر من الهجرة وفاة ريحانة رضي الله تعالى عنها التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من سبي بني قريظة، لكن الصحيح كما قلنا أن ريحانة لم تكن من زوجاته وإنما كانت أمة من إمائه، وأما ابن أبي العز فهو الذي اختار أنها زوجة من زوجاته وهو رأي مرجوح. إذا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة جمعهن واستأذنهن أن يمرض وأن يعالج في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها.
الآن ماذا حدث في هذه الأيام الأخيرة من حياته صلوات ربي وسلامه عليه؟ في يوم من الأيام خرج النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخطب خطبة بالناس ويخبرهم ببعض الإرشادات الأخيرة. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يمشي بين رجلين من أهله؛ أحدهما الفضل بن العباس والآخر علي بن أبي طالب، من شدة صداع النبي صلى الله عليه وسلم ووجعه خرج يتكئ على الفضل بن العباس بن عبدالمطلب ابن عمه، وعلى ابن عمه الآخر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ولكن لما اتكأ النبي صلى الله عليه وسلم عليهما وسار قليلاً أُغشي عليه من شدة الوجع، أُغشي عليه من شدة الوجع. قال الصحابة: فأهرقنا عليه سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس ليعهد لهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم -طبعاً لماذا أهرقوا عليه سبع قرب من آبار شتى؟- لأنه هو عليه الصلاة والسلام أوصاهم بذلك. النبي عليه الصلاة والسلام كان أوصاهم أن يأتوا بمياه من آبار شتى، والله تعالى أعلم بسر هذا الصنع والتوجيه منه صلى الله عليه وسلم، لكن هذا هو توجيهه؛ أمرهم أن يأتوا بسبع قرب من آبار شتى ويهرقوها عليه. ففعل الصحابة وصيته وأتوا بسبع قرب من آبار شتى وأداروها على رأسه صلوات ربي وسلامه عليه حتى نشط قليلا وخرج ليعهد إلى الناس ويوصي الوصايا الأخيرة.
قال الصحابة: فأقعدناه في مخضب -مثل طست- لحفصة بنت عمر، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: «حسبكم حسبكم». خرج النبي صلى الله عليه وسلم -يعني بعد أن استيقظ وتنشط قليلا- خرج عليه الصلاة والسلام عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر. وكان أول ما تكلم به أنه صلى أي دعا لأصحاب أحد الذين استشهدوا في غزوة أحد، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أصحابه الحاضرين بأصحاب السبق الذين استشهدوا وقضوا نحبهم قديماً، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لأصحاب أحد واستغفر لهم وأكثر من الصلاة والدعاء.
ثم قال: «إن عبداً من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله». الصحابي الوحيد الذي فهم هذه الرسالة وكان حاضراً هو أبو بكر رضي الله عنه، فبكى وفاضت عيناه، وقال أبو بكر بصوت مرتفع: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا يا رسول الله. فقال: «على رسلك يا أبا بكر» يعني انتظر يا أبا بكر انتظر. ثم قال: «إن لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً». انظروا الوفاء! جاءت الآن لحظاتي الأخيرة ولا بد من أن يرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسائل الوفاء؛ الوفاء الأول يرسله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق الذي عاش معه لحظات مكة الصعبة، وآزره ونصره منذ اللحظات الأولى في الدعوة، يحميه، يعضده، يؤانسه في هذه الرحلة، ثم عاش مع النبي صلى الله عليه وسلم في لحظات الغار والهجرة إلى طيبي الطيبة، ثاني اثنين إذ هما في الغار. أبو بكر الصديق الذي لم يبخل بوقت وبأبنائه وبماله لهذه الدعوة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام يوصي به الأمة خيراً، ويقول: «أيها الناس، لو كنت متخذاً من العباد قليلاً -خليلاً- لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صحبة وإخاء وإيمان حتى يجمع الله بيننا عنده». ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أغلقوا كل هذه الأبواب» بمعنى كلامه أمرهم أن يغلقوا كل الأبواب المفتحة على المسجد النبوي، قال: «سدوا كل هذه الأبواب اللافظة -المفضية- إلى مسجد رسول الله إلا بيت أبي بكر، فإني لا أعلم أحداً كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه». انظروا وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الصحبة ولهذا العمر الذي عاشه مع صديقه ومع رفيق الحياة ورفيق الدعوة أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
عن عروة بن الزبير وغيره من علماء السير أن النبي صلى الله عليه وسلم استبطأ الناس في بعث أسامة وهو في وجعه. يعني النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوجع ويتألم يستبطئ الناس؛ يعني لماذا لم تخرجوا بعد إلى الغزوة التي أرسلتكم إليها؟ فخرج عليه الصلاة والسلام عاصباً رأسه مرة أخرى حتى جلس على المنبر، وقد وصل إلى انباء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعض الناس كأنه لمز في إمارة أسامة بن زيد وقالوا يعني فتى صغير كيف يتأمر على عليا القوم من المهاجرين والأنصار؟ وصلت هذه المعلومة إلى مسامع الرسول صلى الله عليه وسلم، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وججلس على المنبر قال: «أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله». أي إن طعنتم في إمارة أسامة فقد طعن بعضكم في إمارة أبيه من قبله. وكأن بعض الصحابة أو زعماء الأنصار لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة على جيش مؤتة بعض زعماء الأنصار دخل في قلبه شيء من ذلك، لماذا يؤمر زيد بن حارثة وهو مولى كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من السادات وأشراف القوم وعليائهم؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين أن الموازين ليست بهذه الطريقة والأمور لا تحسب بهذا المنهج، وإنما ينبغي أن يؤمر الأصلح، الأنفع، الأنسب في هذا المقام وفي هذا المشهد. فقال عليه الصلاة والسلام: «فلعمري لئن قلتم في إمارته أي في إمارة زيد لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق بالإمارة» أي أسامة بن زيد يستحق، وإن أباه لخليق بها وكان أبوه يستحق الإمارة، فهو الشخص المناسب في المكان المناسب، ليست القضية أن فلان مولى أو كذا.
وإنما القضية أن يكون كفئاً لهذا المنصب الذي وضع فيه.
ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعاد الناس يتجهزون لهذه الغزوة، واستعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه -أي غلب الوجع برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. الآن أسامة بدأ مسيره بهذا الجيش ولكنه نزل عند منطقة الجرف على بعد فرسخ من المدينة، لأنه وصل إلى أنبائهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يعاني سكرات الموت. وصلت الأنباء إلى جيش أسامة -يعني ما غادر المدينة فرسخاً إلا وصلت الأنباء- أن النبي عليه الصلاة والسلام اشتد به الوجع بشكل كبير ولعله الآن يعاني من سكرات الموت. فوقف الجيش وضربوا عسكرهم في تلك المنطقة وانتظروا الأخبار لتأتيهم من داخل المدينة.
ما الذي يحدث الآن في بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ ثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم. فأقام أسامة والناس لينتظروا أمر الله عز وجل وما هو قاض في نبيه.
ثم النبي صلى الله عليه وسلم خرج وأعطى خطبة أخرى، في هذه المرة كانت رسالة وفاء أخرى يرسلها النبي صلى الله عليه وسلم للانصار؛ الذين وقفوا معه في المواقف العظمى ونصروا دعوته وأشادوا صلح الدين معه. خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وبدأ يقول: «يا معشر المهاجرين، استوصوا بالانصار خيراً، فإن الناس يزيدون وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم كانوا عيبتي التي أويت إليها» -يعني هم الذين ساندوني ووقفوا معي لإقامة هذا الصرح العظيم- «فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم».
لحظات الوفاء تتوالى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوصي الأمة. أوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم بأهل بيته، أوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم بأبي بكر الصديق، أوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم بالانصار، وأوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعديد من العبادات أن يحرصوا عليها كما سيأتي معنا بإذن الله.
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه -الآن أسامة بن زيد الذي ينتظر في منطقة الجرف على بعد فرسخ من المدينة- يقول: لما ازداد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، هبطت وهبط الناس معي. الآن الجيش لم يستمر مخيماً في منطقة الجرف، الكل عاد إلى المدينة لينظروا ماذا سيحدث برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أسامة: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته، وقد أصمت فلا يتكلم -لما دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن قادراً على الحديث أبداً، لكنه جعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي فعرفت أنه يدعو لي بالخير-.
الآن النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الوجع صعب عليه أن يخرج ليؤم الناس في الصلوات فقال لمن حضره في منزله: «مروا أبابكر فليصل بالناس». عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما اشتد الوجع برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مروا أبابكر فليصل بالناس». فقلت يا نبي الله -يعني عائشة تقول بدأت أحاور النبي عليه الصلاة والسلام وأقول له: يا رسول الله إن أبابكر رجل رقيب ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن-. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «مروا أبابكر فليصل بالناس»، لأن هنا رسالة يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصلها للأمة؛ ارتضى النبي عليه الصلاة والسلام أبابكر لإمامة الناس في صلواتهم، وفي هذا إشارة إلى أنه ارتضاه ليكون خليفة من بعده على هذه الأمة عموماً.
قالت عائشة: فعدت بمثل قولي. فقال عليه الصلاة والسلام: «إنكن صواحب يوسف» -يعني النساء اللواتي كن يمكرن بيوسف عليه السلام- «مروا أبابكر فليصل بالناس». فوالله ما أقول ذلك -لعائشة الآن في الحقيقة أفصحت عما في داخلها، مشكلة عائشة ليس أن أبابكر كان رجلاً شديد البكاء كما تقول، بل عائشة رضي الله تعالى عنها لم يرد أن يقوم أبو بكر في هذه اللحظات مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حتى لا يتشاءم الناس به، لان الناس المهاجرون والأنصار إذا رأوا أبابكر هو الذي يؤمهم بدلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لربما تشاءموا به-. فعائشة رضي الله عنها لم ترد أن يقف أبوها في هذا الموقف. فقالت: فوالله ما أقول ذلك إلا أني كنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر، عرفت أن الناس لا يحبون رجلاً قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً، وأن الناس سيتشاءمون به في كل حدث كان، فكنت أحب أن يصرف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عن أبي بكر. لكن في النهاية أصر النبي صلى الله عليه وسلم أن أبابكر هو الذي يؤمي الناس، فخرج أبو بكر ليصلي بالناس الصلوات في تلك الأيام الأخيرة.
الآن يوم الاثنين، اليوم الأخير من حياة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسيحدثنا عن أنبائه انس بن مالك ابتداءً يقول: لما كان يوم الاثنين الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح عند صلاة الفجر؛ خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس وهم يصلون الصبح وأبو بكر هو الذي يؤمهم. فكشف الستر وفتح الباب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام على باب عائشة فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم فرحاً بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم -يعني كأن بعض الصحابة بدأ يلتفت في صلاته ينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي أشار إليهم أن يثبتوا- وتبسم بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه سروراً بما رأى من هيئتهم في صلاتهم. شعر النبي صلى الله عليه وسلم سرور والراحة والطمأنينة أن دعوته الآن أكلت أكلها. محمد صلى الله عليه وسلم الذي بدأ هذه الدعوة منفرداً مطارداً في مكة المكرمة، ها هو الآن يرى أصحابه من المهاجرين والأنصار ومن الأعراب ومن القبائل التي أتت إلى المدينة، الكل يصلي في صفوف مستوية يوحد الله سبحانه وتعالى ويتقرب إلى مولاه. شعر النبي صلى الله عليه وسلم بالسرور وتبسم راضياً عن أصحابه رضوان الله تعالى عليهم.
يقول انس بن مالك: وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئة منه في تلك الساعة -يعني كان النبي عليه الصلاة والسلام في أفضل أحواله في تلك الساعة التي خرج فيها إلى صلاة الصبح-. هل النبي صلى الله عليه وسلم أكمل مسيره أو أغلق باب الغرفة؟ في الحقيقة يروي لنا الصحابة الكرام أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عاصباً رأسه -يعني خرج من حجرة عائشة واتجه باتجاه المسجد وأبو بكر يصلي بالناس-. فلما النبي صلى الله عليه وسلم والناس يتفرجون، أبو بكر شعر بشيء من اللغط خلفه، فعرف أبو بكر أن الناس لم يصنعوا هذا ولا توجد هذه التحركات في الصلاة إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فأراد أبو بكر أن يعود أدراجه إلى الخلف ليفسح المجال للنبي عليه الصلاة والسلام حتى يؤم، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم دفع أبابكر في ظهره وقال: «صل بالناس» -يعني أكمل صلاتك بالناس-. وجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنب أبي بكر قاعداً عن يمين أبي بكر.
فلما فرغ من الصلاة، أقبل على الناس فكلمهم رافعاً صوته حتى خرج صوته من باب المسجد وهو يقول: «أيها الناس! سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم». النبي صلى الله عليه وسلم يحذر الأمة من الفتن، الفتن القادمة على هذه الأمة أحبتي فتن شديدة حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم في لحظاته الأخيرة وبين لنا سبيل النجاة. قال: «وإني والله ما تمسكون علي بشيء؛ إني لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن» -يعني أنا بينت لكم كل شيء ولم أقصر، فكل شيء بينته، وكما أتيت به متمسكاً بكتاب الله، فلم أحل شيئاً إلا أشار القرآن إلى تحليله، ولم أحرم شيئاً إلا أشار القرآن إلى تحريمه بوجه من الوجوه-.
فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من كلامه، قال له أبو بكر: يا نبي الله! إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب، واليوم يوم بنت خارجة أفأتيها؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». أبو بكر كان له زوجتان، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم -يعني لما رأى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم خرج واستطاع أن يصلي معهم، نعم فيه شيء من التعب، لكن أبو بكر ظن أن حالة النبي صلى الله عليه وسلم الصحية تتحسن وأنه يسير نحو الأفضل- فاستأذن النبي عليه الصلاة والسلام أن يذهب إلى زوجته الثانية لأن اليوم هو نوبتها ودورها، فالنبي صلى الله عليه وسلم أذن له أن يذهب إلى زوجته الثانية بنت خارجة. ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم حجرته وذهب أبو بكر إلى زوجته بالسنح -الظاهر أنها منطقة كانت على أطراف المدينة-.
خرج يومئذ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. الآن النبي صلى الله عليه وسلم دخل إلى بيت عائشة، الظاهر أن علي بن أبي طالب ذهب ليعود النبي صلى الله عليه وسلم ولينظر في حاله، ثم خرج علي من زيارة النبي عليه الصلاة والسلام فقال له الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فعلي بن أبي طالب قال: أصبح النبي صلى الله عليه وسلم بارئاً، وإن شاء الله الأمور تتحسن. فالعباس بن عبد المطلب أخذ بيد علي بن أبي طالب وقال: يا علي، أنت والله عبد العصا بعد ثلاث -يعني يا علي، بعد ثلاثة أيام سنصبح نحن عبد العصا، والمراد بعبد العصا أنه سيتولى علينا شخص غير رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يأمرنا وينهانا، لان النبي عليه الصلاة والسلام كان هو الحاكم في المدينة، بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام سيأتي خليفة جديد هو الذي يحكم الصحابة يأتمرون إليه-. فعباس بن عبد المطلب يقول لعلي بن أبي طالب: يعني أظنك يا علي تستعجل في هذا الحكم، بعد ثلاثة أيام بالكثير ستجد نفسك تحت إمارة رجل جديد هو الذي يأمرك بدلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال العباس: يا علي، لقد عرفت الموت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب -يعني العباس يقول: أنا أعرف بني عبد المطلب حينما يأتيهم الموت وتحل بهم السكرات كيف تصبح وجوههم، الظاهر هناك علامة مميزة لهم، والعباس ومن هذه العشيرة، فقال: والله لقد عرفت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموت ما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب-.
وفعلاً كلام العباس كان صحيحاً، النبي صلى الله عليه وسلم توفي في هذا اليوم.
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: رجع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم حين دخل من المسجد -يعني بعد أن صلى الصبح النبي عليه الصلاة والسلام كما ذكرنا قبل قليل بجنب أبي بكر ودخل إلى بيته مرة أخرى، وجاء علي بن أبي طالب عاده ثم خرج علي إلى الناس-. عائشة تخبرنا ماذا حدث في اللحظات الأخيرة: رجع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم حين دخل من المسجد فاضطجع في حجري. فدخل علي رجل من آل أبي بكر -وجاء في بعض الروايات أنه عبد الرحمن بن أبي بكر شقيق عائشة رضي الله عنها- وفي بيده سواك أخضر. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وهو في يده -يعني النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى السواك في يد عبد الرحمن بن أبي بكر-. قالت عائشة: فعرفت أنه يريد السواك. فقلت: يا رسول الله، أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ فقال: «نعم». قالت عائشة: فأخذته فمضغته حتى لينته ثم أعطيته إياه، فاستن به -أي استاك به- كأشد ما رأيته يستن بسواك قط. ثم وضعه إلى جنبه.
قالت: فما هي إلا لحظات حتى وجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثقل في حجري. فذهبت أنظر في وجهه، فاذا بصره قد شخص إلى السماء وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة، بل الرفيق الأعلى من الجنة». فقلت: خيرت فاخترت، والذي بعثك بالحق -فقلت، أي عائشة تقول خيرت فاخترت، يعني يا رسول الله خيرت وها أنت اخترت لقاء ربك والذي بعثك بالحق-.
وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك اللحظات في صبيحة يوم الاثنين ضحى -كما ذكر أهل العلم، يعني بعد أن دخل إلى بيته ما هي إلا سويعات معدودة وهو مقبوض إلى ربه سبحانه وتعالى-.
الآن خرجت عائشة مصدومة تصرخ في المسجد: لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. هنا جاءت الصدمة على الجميع والدهشة على وجوه الكل، لم يصدقوا أسماعهم. عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مسك سيفه وقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات، ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ابن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم سيرجع، والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما...
ما رجع موسى فلاقطعن أيدي رجال وأرجلهم إن زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات. عمر من الصدمة ما استطاع أن يستبعد الخبر، وقال: هذا كلام غير مقبول أبدًا؛ محمد صلى الله عليه وسلم ذهب في رحلة قصيرة وسيعود إلينا بعد أيام، ومن تكلم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد مات سأقطع يده ورجله. كما قلت من شدة الصدمة عثمان بن عفان وصل الخبر فجلس في بيته لا يستطيع الكلام أبدًا، أصمت ما عاد يستطيع يتكلم أبدًا. علي بن أبي طالب ذهل عقله، فأصبحوا يأتون به يمشون ويذهبون وهو غير مدرك ماذا يحدث في حياته الآن.
أبو بكر الصديق يصله الخبر كما قلنا وهو عند زوجته الثانية في أطراف المدينة، فيأتي مسرعًا ليدخل بيت عائشة رضي الله تعالى عنها. أقبل أبو بكر الصديق سريعًا حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، ووجد أبا بكر عمر يصرخ في الناس ويقول: لا أحد يقول محمد صلى الله عليه وسلم انتقل إلى ربه، محمد عليه الصلاة والسلام ذهب إلى ربه للقائه ثم سيعود في أيام معدودة. فأبو بكر دخل المسجد ووجد عمر يصرخ فلم يلتفت إلى شيء؛ يعني الآن لم ينتبه إلى عمر أو لم يهتم بشأن عمر، أراد أن يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت ابنته عائشة. وعائشة رضي الله عنها وضعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم غطاءً حتى تغطيه وتسجيه به.
فأقبل أبو بكر حتى كشف عن وجه حبيبه صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طبت حيا وميتا، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا. ثم رد البردة على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر أنصت. فأبى إلا أن يتكلم؛ أبى عمر رضي الله تعالى عنه أن يصمت. فلما رآه أبو بكر لا ينصت، أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر؛ يعني وجدوا أن أبا بكر كان عاقلًا في ذاك المشهد.
وعمر رضي الله عنه فاقد السيطرة تمامًا على أعصابه، أتى الصحابة ليسمعوا من أبي بكر ماذا حدث بالظبط؟ هل فعلًا هذا ما حدث؟ هل قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل قبض حبيبهم وقائدهم وسيدهم؟ هل قبض الإنسان الذي شاركهم في أفراحهم وفي أحزانهم ووجههم ورباهم ونبههم؟ هل قبض رسول الله فعلًا يا أبا بكر؟ فهنا أبو بكر ثبته الله سبحانه وتعالى وقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]. فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى يتلاها أبو بكر؛ يعني الناس قرؤوا هذه الآية سابقًا، لكنهم الآن استحضروها وتذكروها، وكأنهم لم يعرفوا نزولها إلا حين تلاها أبو بكر رضي الله تعالى عنه. وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنما هي في أفواههم، وبدأ الكل يرتلها على لسانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144].
هنا عمر بن الخطاب حينما سمع هذه الآية استيقظ وتنبه، فقال: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض؛ يعني انهدت ما عاد عنده أعصاب رضي الله عنه، ما تحسلتني رجلاي، وقد عرفت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد مات. إذن كانت صدمة كبيرة أظلمت فيها المدينة في تلك الليلة، الحزن، البكاء، الألم، الأسى في كل بيوت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. الصدمة على الرجال، على النساء، على الصبيان؛ لم يكن كون أن تأتي هذه اللحظة محمد صلى الله عليه وسلم الذي شاركنا معه في بدر وأحد، وحصرنا في الأحزاب، وذهبنا إلى صنع الحديبية، واعتمرنا في القضاء.
محمد الذي شاركناه في فتح مكة، غزونا معه حنين، محمد صلى الله عليه وسلم الذي خرجنا إلى تبوك، محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يحيا معنا في أسواقنا وفي نوادينا ومجالسنا يعلمنا، كان الأب الحاني والمربي الفاضل والقائد الأعلى لهذه الدولة. ها نحن الآن في صبيحة يوم الاثنين نفقده فجأة لتظلم المدينة وتتغير الدنيا علينا، ماذا سيحدث بنا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا كان سؤال الجميع: ماذا سيحدث بنا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
كانت إذن ليلة حزينة خيمت على المدينة النبوية، وخيمت على المهاجرين والأنصار، وعلى قبائل العرب التي كانت تحمل الوفاء لهذا النبي العظيم الذي أنقذها من الشقاء، والذي هداها وبصرها وبين لهم السبل، وهداهم إلى رب العالمين. خيم الحزن كما قلنا على أجواء تلك الليلة، والناس في بيوتهم أغلقوا عليهم أبوابهم؛ النساء تبكي، الأطفال يبكون، الصحابة مدهوشون ما يدرون ماذا سيحدث بهذه الأمة بعد أن فقدت القائد الأعلى. ثم حدثت بعد ذلك مجموعة من الأحداث أنا ساختصرها أحبتي، اجتماع الصحابة قبل أن يدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، عقد اجتماع في سقيفة بني ساعده، وتمت البيعة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة لهذه الأمة. وهذه تجدونها في كتب السير تفاصيل البيعة وماذا حدث من النقاش بين المهاجرين والأنصار إلى آخر هذه الأمور، ما يهمنا أن نختم الكلام عن دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول ابن إسحاق: فلما بيع أبو بكر رضي الله عنه أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء؛ يعني بدأت عمليات تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم للدفن يوم الثلاثاء. والذي غسل النبي صلى الله عليه وسلم: علي بن أبي طالب، العباس بن عبد المطلب، الفضل بن العباس، قثم بن العباس، أصحابه عمومًا، وأسامة بن زيد بن حارثة، وشكران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ودخل رجل من الأنصار يقال له أوس بن خولي قال: أنشدك الله يا علي، نريد حظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني نريد أن نشارككم في هذه اللحظات الأخيرة ونحن الأنصار. فعلي بن أبي طالب أذن له أن يدخل، فدخل وجلس وحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أسند علي النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره، وكان العباس والفضل هما الذين يقلبونه يمينا وشمالا، وكان أسامة بن زيد وشكران هما اللذان يصبان الماء، وبدأوا يغسلون النبي صلى الله عليه وسلم ويدلكونه من فوق ثيابه. لم يكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الجسد، ولم يفضي أحد بيده إلى عورة النبي عليه الصلاة والسلام احترامًا لهذا الجسد الشريف. وعلي رضي الله عنه يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما أطيلك حيا وميتا.
ثم كفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب اليمن، ولما فرغ من جهازه عليه الصلاة والسلام يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته، وقد كان المسلمون اختلفوا: أين ندفنه؟ هل ندفنه في المسجد؟ هل ندفنه في البقيع؟ فأتاهم أبو بكر بالخبر اليقين، وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض». فقرر الصحابة أن يدفنوا النبي صلى الله عليه وسلم في داخل بيت عائشة، وأرسلوا إلى أبي طلحة الأنصاري ليأتي أصنع لحدًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سريره.
الآن النبي عليه الصلاة والسلام فوق السرير، وبدأ الوفود من الرجال والنساء والصبيان يدخلون إلى حجرة عائشة جماعات جماعات، يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم من دون إمام، وهذه خاصية برسول الله صلى الله عليه وسلم، يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم من دون إمام؛ يدخل جماعة يصلون ثم يخرجون، ثم بعد أن انتهى الرجال دخل النساء فصلين عليه ثم خرجوا، ثم دخل الصبيان فصلوا على حبيبهم صلوات ربي وسلامه عليه، ثم خرج الجميع. ودفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط ليلة الأربعاء؛ يعني الثلاثاء مساء ليلة الأربعاء دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الذي نزل في قبره: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وشكران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
طبعا النبي عليه الصلاة والسلام أحبتي، انتهينا من المشاهد في لحظاته الأخيرة كما تروي لنا كتب السير وكتب الأحاديث، أوصى بعدة أمور؛ من الأمور التي أوصى بها: ألا يترك بجزيرة العرب دينان، وأمر بإخراج كل اليهود والنصارى والوثنيين من جزيرة العرب ولا يدخلون إلى جزيرة العرب إلا بعهد محدد بشروط محددة من دون أن يكون ذلك مستداما ويخرجون؛ يعني هناك شروط مقيدة جدا دخولهم لظروف مؤقتة ثم يخرجون منها. فهذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا يبقى في جزيرة العرب دينان.
كذلك من وصاياه الأخيرة: الصلاة الصلاة، أوصى هذه الأمة بالصلاة، وأوصاهم أيضا بما ملكت أيمانكم؛ يعني أوصاهم بالماء. والذي يهمنا هنا ابتداء قضية الصلاة: النبي عليه الصلاة والسلام بدأ حياته بالصلاة، وختم حياته بالصلاة، وبالوصية بالصلاة، يا أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
نعم، هذه اللحظات الأخيرة أحبتي من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم غادر النبي عليه الصلاة والسلام هذه الدنيا، وقد تركنا على المحجة البيضاء أحبتي، لا يزيغ عن هذه المحجة البيضاء إلا هالك. غادر النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنار لنا السبيل وأضاء لنا الطريق، فما من خير إلا نبهنا عليه وأرشدنا إلى قواعده، وما من شر إلا حذرنا منه وحذرنا من منابعه.
غادر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الدنيا وقد أوصانا أن نعتصم بكتاب ربنا وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وضمن لمن يعتصم بهذين الأصلين الهداية، الرشاد، الطمأنينة، العصمة من الفتن، وضوح المسلك والطريق. واما من حاد إلى مناهج الفلاسفة قديما وحديثا، وإلى الليبراليين والعلمانيين والأفكار المحدثة والمناهج الزائغة، فهؤلاء لن يجدوا في حياتهم إلا الضنك، إلا الويل، إلا الهلاك، إلا الخسران في الدنيا وفي الآخرة.
غادر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الدنيا وقد أوصانا بالصلاة الصلاة؛ لأنها ينبوع السعادة وسر الطمأنينة، ولأنها الحبل بين العبد وبين خالق السماوات والأرض سبحانه وتعالى. غادر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الدنيا وقد حملنا مسؤولية إكمال الطريق؛ طريق الجهاد، طريق الدعوة، طريق العلم. أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نوصل رسالته إلى مشارق الأرض ومغاربها وألا نقف عند حدود معينة حتى يكون الدين كله لله.
محمد صلى الله عليه وسلم أحبتي غادر هذه الحياة الدنيا بعد أن عاش فيها لحظات صعبة، بدأت منذ طفولته؛ فقد نشأ يتيمًا كما قلنا، تقلبه الأيادي من أمه إلى جده إلى عمه، ثم تربع في أحضان عمه أبي طالب، وكبر وترعرع وتزوج من خديجة. ثم بدأت الأعباء الكبرى، أرسله الله عز وجل نبيًا لهذه الأمة، فبدأ الحصار، والسب، والشتم، والتضييق، ومحاولة الاغتيال والقتل؛ حصر النبي صلى الله عليه وسلم، أوذي أذى نفسيًا، أذى معنويًا، ضربه أعداؤه، يذهب إلى الطائف ليعود وقد رمي بالحجارة، يخرج ليدعو أقوامًا فيشتمونه ويسبونه.
أصحابه يضطهدون، يؤذون ليل نهار. ثم النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى المدينة لتبدأ رحلة جديدة من المعاناة والتعب؛ إنشاء دولة، تنظيم علاقات، ثم بعد ذلك تبدأ الحروب والغزوات، من بدر إلى أحد، إلى الأحزاب الحصار الخانق، ثم نعود إلى بني المصطلق، ثم صلح الحديبية وفتح مكة، ثم حنين وتبوك، وكان في ثنايا ذلك غزوة مؤتة. تبسم النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا وفاضت عينه أحيانا، لقي من يحب وفقد من يحب، أوذي عليه الصلاة والسلام واحتسب وصبر ورضي عن الله سبحانه وتعالى في كل أقدارها التي قدرها له.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش حياة المترفين، لم يعش غنيًا ثريًا يلعب بأموال الدنيا، بل عاش بابي هو وامي صلوات ربي وسلامه عليه متقشفًا في هذه الحياة، زاهدًا في طعامها في شرابها، خرج منها متقللًا إلى لقاء ربه سبحانه وتعالى. وتركنا بعد أن بين لنا السبيل، أنار الطريق، وأعطانا كل ما نحتاجه لإكمال هذه الدعوة ولايصالها إلى الناس.
لكن هل انتهى مشهدنا مع محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الحياة الدنيا؟ أبدا أحبتي، المشهد ستكتمل فصوله بإذن الله في الدار الآخرة؛ حينما يأتي محمد صلى الله عليه وسلم ليشفع للخلق جميعا للمؤمنين والكافرين ليشفع للخلق جميعا في بدء الحساب، ثم ليشفع النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة في فتح باب الجنة لهم، ثم ليشفع النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من أمته ليغفر الله عز وجل لهم.
ثم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أمتي دخلوا النار بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، يشفع لهم ليخرجهم الله عز وجل إلى جنات النعيم. محمد صلى الله عليه وسلم نعم لم يقدر لنا أن نشاهده وأن تكتحل عيننا برؤيته في هذه الحياة الدنيا، لكننا إذا تمسكنا بنهجه وسرنا على دربه فنرجو من الله سبحانه وتعالى أن نحظى بلقياه وبمجاورته في جنات النعيم. نحبك يا رسول الله لأنك أرشدتنا وهديتنا وبينت لنا الخير، بينت لنا سبيل الرشاد سبيل الجنة.
أخرجتنا من هذا الشقاء ومن هذه الظلمة، من ظلمة الجهل والشرك والكفر والحيرة والاضطراب والشك. وأعطيتنا التوحيد الخالص النقي الذي يوصلنا إلى جنات النعيم. لكن ما بقي علينا هو أن نستمر أحبتي وأن نسأل الله عز وجل الثبات، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا إلى منهج محمد صلى الله عليه وسلم.
انتهت رحلتنا إذا أحبتي مع ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه في هذه المنظومة الرائقة النافعة، مائة بيت كاملة عشنا في أفيائها أشهر ونحن نتعلم من حياة محمد صلى الله عليه وسلم، ونرتقي في حبنا له، نروي عروق الحب في قلوبنا، نجدد الولاء، نجدد الوفاء لمدرسة محمد صلى الله عليه وسلم التي أنقذت البشرية من الحيرة والشك والاضطراب.
هذه المئة بيت لابد أن تحفظوها، وأن تعلموها لأبنائكم وأزواجكم، وأن تبقى على ألسنتكم دائما؛ لأنها ليست قصة أي إنسان، بل هي قصة المعلم الأول والمربي الأول والقائد الأعلى بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.
دعونا نلتقي بإذن الله في دورات أخرى ومجالس أخرى من غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. ونلقاكم على خير ومحبة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل