تسجيل الدخول

الأرجوزة الميئية (8) / قصة الهجرة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين. وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية، مع ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه، في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم. ننهل من هذه السيرة العطرة ونقف على مفاصلها ومحطاتها لنستقي منها مناهج الإصلاح. فإن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم هي المنهج الذي أنزله الله سبحانه وتعالى للمسلمين؛ ليستقوا منه كيف يبنون المجتمعات، وكيف يغيرون الواقع، وكيف ينتقلون بالأمة من الحضيض إلى بناء نهضة علمية قوية لهذه الأمة.

منهج محمد صلى الله عليه وسلم أحبتي في كل خطوة خطاها، منذ بدء الدعوة وحيداً فريداً في مكة، ثم كيف كون أنصاره، وكيف تحمل، وكيف اتخذ الأسباب الشرعية، وكيف هاجر، وكيف غزا، وكيف تصرف في هذه الغزوات، ومن سالم ومن هادن ومن حارب ومن أخر ومن تقدم؛ كل هذه الأمور هي منهج رباني. علينا أن نقف عنده وقفات بتأمل ونظر وفهم وتعقل. لا نريد أن تكون هذه السيرة لمجرد التفقه بها أو الوقوف على حال النبي صلى الله عليه وسلم لمجرد أنه النبي صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك، لكننا نريد أن نتعلم منها، أن نقتبس منها النور الإلهي والمنهج المحمدي الذي يجب أن نوظفه في واقعنا.

ففي سيرة محمد صلى الله عليه وسلم صدقوني أحبتي أننا نستشرف الحاضر وننظر من خلالها إلى المستقبل. فكل مصلح وكل داعية وكل إنسان موجه ويملك زمام المبادرة في هذه الأمة عليه أن يضع سيرة محمد صلى الله عليه وسلم نصب عينيه. ينظر ما هي الثوابت التي ثبت عليها محمد صلى الله عليه وسلم ليثبت عليها، ما هي المتغيرات التي تقبل التبديل والتقديم والتأخير فيمكن أن يتحكم بها. نعم أحبتي ليس لنا نحن أن نحدد ما هي الثوابت والمتغيرات بأهوائنا؛ النبي صلى الله عليه وسلم حددها لنا في سيرته وفي أفعاله وفي تصرفاته، لكن نحتاج إلى طلبة علم وإلى علماء متمرسين يستطيعون النظر في هذه السيرة والاقتباس منها بوعي وفكر، والله سبحانه وتعالى الهادي إلى الصواب دائماً وأبداً.

كنا وقفنا في هذه السيرة العطرة إلى مشهد عظيم، هذا المشهد يغير وجه التاريخ إلى قيام الساعة؛ هذا المشهد هو انتقال النبي صلى الله عليه وسلم من مكة شرفها الله سبحانه وتعالى إلى المدينة التي طيبها النبي صلى الله عليه وسلم بقدومه، هذا الانتقال الذي أسس لأول محضن اجتماعي ولأول دولة لهذا الدين العظيم. نعم كانت الهجرة هي المنطلق في بداية هذا الفتح الكبير لهذه الأمة المحمدية. النبي صلى الله عليه وسلم أحبتي كما ذكرنا بايع الأنصار الذين قدموا في بيعة العقبة الثانية على الحرب. وبيعة الحرب كانت تعني كما ذكرنا أن الأنصار عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن يحموه بما يحمون نساءهم وذراريهم، فكانت هذه بيعة الحرب، أعلن فيها الأنصار الولاء والاستعداد للنصرة وبذل الأرواح والمهج لنصرة هذا الدين.

فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه اللحظة قرر أن يغادر مكة ولكنه كان ينتظر الأمر الإلهي بالمغادرة. نعم هنا بدأت الاستعدادات، بدأت التحضيرات أن هناك ستكون هجرة إلى أرض أخرى، أرض فيها مناعة ونصرة لهذا الدين، لكننا ننتظر الأمر الإلهي في اللحظة الأخيرة. فجاء الأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يأمر أصحابه بالانتقال من مكة إلى المدينة. فبدأ الصحابة ينتقلون كما ذكرنا زرافات ووحدانا، وذكرنا في المجلس الماضي قصة أبي سلمة بن عبد الأسد حينما هاجر وما وقع معه ومع أم سلمة، وكيف كان المستضعفون يهاجرون ويهربون من أذى كفار قريش، وكيف كان حتى الأعزاء يخرجون، لأن الهجرة أحبتي كانت أصنافاً من المهاجرين؛ من هاجر سراً وخفية حتى لا يقع بين أيدي الأعداء، ومنهم من هاجر جهاراً نهاراً كعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

ووقفنا عند مشهد مهم وهو مشهد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، كيف وقعت هذه الهجرة وما تفاصيلها؟ يقول ابن أبي العز رحمة الله تعالى عليه في البيت التاسع والثلاثين من الأرجوزة المائية:

وبعد اثنتين وخمسين أتى ... سبعون في الموسم هذا ثبت

من طيبة فبايعوا ثم هجر ... مكة يوم اثنين من شهر صفر

فجاء طيبة الرضا يقيناً ... إذ كمل الثلاثة في يوم الاثنين

ودام فيها عشر سنين.

هنا في هذه الأبيات يقص ابن أبي العز كما قلنا وكعادته باختصار، إشارة إلى أهم التواريخ وإلى الأيام التي وقعت فيها تفاصيل هذه الهجرة المباركة التي أعلنت فجراً جديداً لهذه الأمة المحمدية. ولكن لابد أن نسرد هذه السيرة وأن نقف على هذه الحادثة لما فيها من العبر ولما فيها من الأحكام ولما فيها من المناهج التي يجب أن نتبعها في تحركاتنا وفي بنائنا الدعوي.

أسرد لكم ما ذكر ابن هشام رحمة الله عليه في قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ابن هشام رحمة الله عليه: لما رأت قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم أي إلى المدينة، عرفوا أنهم قد نزلوا داراً وأصابوا منهم مناعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم. المشركون لاحظوا أن المهاجرين بدأوا يغادرون رويداً رويداً إلى المدينة، وأن هناك أصبحت داراً جديدة، هؤلاء الذين فارقوا دين آبائهم وأجدادهم كما زعم كفار قريش، أصبح لهؤلاء منعة وحصن ومكان يجتمعون فيه ويلمون فيه صفوفهم، ويستعدون به للعودة إلى مكة محاربين مقاتلين. فخاف كفار قريش من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، أدركوا أن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم هي بداية الحرب بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الذين عادوه وحاربوه من أهل مكة.

فحاولت قريش أن تتخذ جميع التدابير والاحتياطات لمنع هجرة النبي عليه الصلاة والسلام. رأوا أن وجود المهاجرين وحدهم في المدينة لا يعني شيئاً كبيراً ما دام النبي صلى الله عليه وسلم لم يهاجر بعد، فكانت كل الاحتياطات وكل التحذيرات على ألا يخرج محمد صلى الله عليه وسلم. فماذا فعل كفار مكة؟ تواعدوا على الاجتماع في دار الندوة ليتخذوا القرار المناسب قبل أن تخرج الأمور عن زمام المبادرة. دعونا ننظر ابن عباس رضي الله تعالى عنه وهو يسرد لنا ما وقع في هذا المشهد، طبعاً ابن عباس هو لم يشهد هذا الأمر لأنه كان صغيراً لكنه نقله عن كبار الصحابة. يقول ابن هشام: فاجتمعوا له في دار الندوة. دار الندوة معروفة أحبتي هي دار قصي بن كلاب، وهذه الدار كانت قريش إذا أرادت أن تتخذ قراراً يتعلق بمكة أو أمراً مهماً في سياستها أو في تجارتها تجتمع فيها، فلما أرادت أن تتخذ القرار الخطير الحاسم في شأن النبي صلى الله عليه وسلم تواعدوا على اللقاء في دار الندوة.

ماذا وقع في دار الندوة؟ دعونا ننظر ماذا قال ابن عباس، يقول لما أجمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له. خرج الجميع من أشراف قريش في اليوم الذي توعدوا فيه لهذا الاجتماع في دار الندوة، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة. فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، بالتأكيد كل المؤامرات التي تحاك على هذا الدين إبليس حاضر فيها في القديم وفي الحديث، لا توجد مؤامرة إلا وإبليس موجود، أما هو وأما جنوده. اعترض إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بت، فوقف على باب الدار، يعني إنسان جليل كأنه تاجر كما تروي بعض كتب السير، ووقف على باب دار الندوة. فلما رآه كفار قريش قالوا: من الشيخ؟ فقال: شيخ من أهل نجد، رجل من أهل نجد، ونجد إلى جهة اليمامة جهة الرياض، سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأياً ونصحاً. يعني سمعت أن لكم اجتماعاً لأمر مهم يتعلق بهذا الشخص الذي خرج عن دينكم ودين آبائكم، أردت أن أحضر معكم هذا الاجتماع لعلي أنفعكم بنصيحة. يريد إبليس أن ينصحهم، قالوا: أجل، فادخل وشاركنا. فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش.

فقال بعضهم لبعض الآن بدأ الحوار بين صناديد أهل مكة: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا في من قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأياً. إذاً هناك اتفاق عام أن خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سيكون أمراً خطيراً جداً، وهو بمثابة إعلان حرب، فماذا نفعل؟ لابد أن نتخذ الآن رأياً ونحسم الأمور قبل أن تخرج عن السيطرة. فتشاوروا، الآن الرأي الأول ماذا قال أحدهم؟ قال: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيراً والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت. يعني الرأي الأول كان يرى أن محمد صلى الله عليه وسلم يجب أن يوثق بالحديد في بيته حتى يتوفاه الله سبحانه وتعالى بالموت وننتهي من قصصه، كما انتهت قصة كثير من الشعراء الذين ماتوا في بيوتهم وأخذهم الموت. الآن من الذي اعترض على هذا القرار؟ إبليس الشيخ النجدي، فماذا قال؟ فقال الشيخ النجدي إبليس: لا والله ما هذا لكم برأي، لأن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه، فلا أوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من بأيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم.

إذاً إبليس رأى أن هذا القرار ليس قراراً حكيماً، لأنه بمجرد أن يخرج الأمر إلى الصحابة الذين اجتمعوا في المدينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حبس بالحديد، فكل هؤلاء الأشاوس الأبطال لاستخراج النبي صلى الله عليه وسلم من الوثاق، فرأى إبليس أن هذا الحل ليس حلاً جذرياً.

جاء الرأي الآخر، فقال آخر: ما رأيكم أن نخرجه من بين أظهرنا، فننفيه من البلاد، فإذا أخرج عن فوالله ما نبالي أين يذهب؟ يعني إذا خرج من ديارنا فليذهب أينما يشاء. إذاً القرار الثاني كان النفي، أن ينفى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة. الشيخ النجدي ماذا قال؟ قال: لا والله ليس هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من أحياء العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم. يعني هذا أيضاً ليس بحل، لأن إذا أنتم نفيتموه وأخرجتموه يذهب إلى حي من أحياء العرب، يسمع حديثه يتأثرون به فهذا الرجل منطقه جميل، فإذا تأثروا به ونصروه أتوكم محاربين، ليس هذا أيضاً حلاً جذرياً.

فالآن من الذي اقترح الحل الجذري؟ الذي اقترح الحل الجذري هو أبو جهل بن هشام من صناديد المشركين، عليه من الله ما يستحق. فماذا قال؟ فقال: والله إن لي لرأي ما أراكم وقعتم عليه بعد. ما رأي أبي جهل؟ قال أبو جهل: ما رأيكم أن نأخذ من كل قبيلة شاباً جلداً نسيباً وسيطاً فينا؟ يعني نأخذ من كل قبيلة من قبائل قريش شاباً قوياً ذو نسب شريف. طيب ماذا نفعل بهم؟ قال: ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه بين القبائل جميعاً، فلم يقدر بنو عبد مناف أقارب النبي صلى الله عليه وسلم على حرب القوم جميعاً، ورضوا منا بالعاقلة أي بالدية وانتهى الأمر.

إذاً أبو جهل كان قراره دموي، قرار يدل على شيطنة هذا العقل، وأبو جهل موجود في كل زمان أحبتي لكنه يتشكل بحسب الزمان والمكان. أبو جهل ماذا اقترح؟ قال اقتلوا محمداً صلى الله عليه وسلم. لكن ما هي الصورة الخبيثة التي اقترحها؟ قال: نأخذ من كل قبيلة وفخذ من أفخاذ قريش شاباً جلداً قوياً، ونعطي كل شاب سيفاً، ويجعلهم يجتمعون على بيت محمد صلى الله عليه وسلم، إذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام فنضربه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه بين القبائل، حينئذ لا تستطيع أن يستطيع بنو هاشم أن يحاربوا جميع أفخاذ قريش، فيرضون بالعاقلة والدية، ويذهب دم محمد صلى الله عليه وسلم وأغلقنا الحين.

ففرح إبليس، يعني إبليس وجد أستاذاً من الأساتذة، وجد أبا جهل يقترح هذا الاقتراح الجيد له، فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا هو الحل الجذري الأساسي، اقتلوه، هذا الرأي لا رأي غيره. فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له، وهذا الحل أحبتي دائماً يتكرر في كل زمن ومع كل نبي ومع كل أصحاب دعوة، هي محاولة القتل وإغلاق الصوت تماماً.

الله عز وجل حينما قص قصة ثمود في كتابه ماذا قال؟ قال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: 48-49]. انظروا كيف الفكرة الإبليسية تتكرر من أيام ثمود ومن بعده ومن قبله؛ هذه فكرة اغتيال الدعاة، واغتيال المصلحين، وتسميطهم تماماً من خلال القتل، أن يدفنوا تحت الأرض. هذه فكرة إبليسية دائماً تقترح على عقول الفجار من الكفار ومن صناديد أعداء الدين. فعليكم أن تنتبهوا لهذا الأمر، وعلى الدعاة أن يكونوا مستيقظين، وأن يأخذوا حيطتهم وحذرهم من أعداء الملة المحمدية في كل زمان ومكان.

كما قلنا، الله سبحانه وتعالى قص لنا قصة هذا الاجتماع ليخبر الناس جميعاً أنه سبحانه وتعالى كان شاهداً عليهم وهم يجتمعون يتآمرون على هذا الدين. الله عز وجل ذكر لنا هذا الاجتماع في سورة الأنفال، قال سبحانه مذكراً نبيه عليه الصلاة والسلام بمنته عليه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]. القتل والإخراج؛ ألم نذكر هذه الحلول الثلاث؟ الله عز وجل في سورة الأنفال يعطي رسالة تطمين للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين إلى يوم القيامة. كل مجلس يتآمر فيه أعداء الأمة عليكم أيها المسلمون، كل ما كان حتى لو كان تحت الأرض، أو صعدوا في أبراج عالية، وأغلقوا ووضعوا كل الحراسات؛ صدقوني كل مؤامرة تحاك على هذا الدين، الله مطلع عليها، الله سبحانه وتعالى يعلم بها، ولكنه يمهل أهلها والنصر قريب. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾؛ الله عز وجل يمكر بهم ويستدرجهم وهم في غفلتهم يعمهون، لكن فاصبر صبراً جميلاً. والله سبحانه وتعالى يأتي بالنصر وبالتغيير في الوقت المناسب، لكن علينا نحن أن نعمل، وأن نصلح أنفسنا، وألا نتكل، وألا نبقى نتفرج على واقع الأمة ونحن مقصرون في إصلاح أنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا.

إذا كان هذا القرار الإبليسي من أبي جهل هو القرار الحاسم الذي اتفق عليه صناديد المشركين، فجاء اليوم الموعود الذي اتفقوا فيه أن يحيطوا ببيت النبي صلى الله عليه وسلم لتبدأ عملية الاغتيال. جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، عناية إلهية مباشرة، جبريل أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا تنم في بيتك الليلة. فلما كانت عتمة الليل، يقول ابن هشام: لما كانت عتمة الليل اجتمعوا على باب النبي صلى الله عليه وسلم يرصدونه متى ينام ليثبوا عليه؛ يعني يدخل البيت اقتحام سريع واغتيال. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مكانهم، يعني رأى أنهم يحومون حول البيت ويخططون لعملية الاغتيال، قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي.

قصة نوم علي بن أبي طالب على فراش النبي صلى الله عليه وسلم أكثر علماء السير والحديث يضعفونها في الحقيقة، لكنها تورد في كتب السير عموماً، علماء السير يوردونها ويتساهلون في ذكرها، وقد ذكرها ابن القيم وغيره من كتاب السير وابن هشام. كما قلت لكم كثير من كتاب السير يوردون قصة نوم علي بن أبي طالب على فراش النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الهجرة، لكن علماء الحديث والتحقيق في الحديث يضعفونها من الناحية الإسنادية. وهنا أنبهكم على فائدة، أن كثيراً في علوم السير ما يتساهل علماء السير والمغازي في ذكر القصص التي لم يثبت لها إسناد محقق، لماذا؟ لأنه في باب السيرة يرى العلماء أن المشهد الذي لا ينبني عليه حكم شرعي قد يتساهل في ذكره في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتوثق من إسناده مائة بالمائة، بشرط ألا يكون في إسناده كذاب وضاع. إذا كان فيه رجل فيه شيء من الضعف، لكن القصة بحد ذاتها تفاصيلها لا ينبني عليها حكم شرعي، يعني اسم القاتل فلان أو فلان، حضر خمسة أو عشرة، ذهب فلان أو نام فلان، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فلان أو فلان؛ فهذا النوع من القصص يتساهل علماء السير في ذكره في كتبهم ومصنفاتهم حتى ولو لم يقم عليه إسناد عالٍ جداً.

ومن هذا كما قلت لكم مثل هذه القصة؛ قصة نوم علي بن أبي طالب في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، فالقصة لم يتفرد بها كذاب أو وضاع، لكن فيها من هو ضعيف في الإسناد، يعني في علم الحديث لا تقبل لوجود فيه، لكن كما قلنا بما أنه في موضوع السير والمغازي، وأمر السير والمغازي يتوسع فيه في ذكر القصص وتفاصيلها ما لا يتوسع فيه في الأحاديث ويقل التثبت فيه عن شدة التثبت التي تكون في الحديث النبوي، فتساهل كثير من علماء السير عبر التاريخ في إيراد مثل هذه القصص والروايات وإن لم يكن لها قدم واضحة جداً في الرسوخ العلمي. لذلك أنت لو رويتها لا تثريب عليك في ذلك، لكن الأصل أن تكون أنت على اطلاع عام على طبيعة هذا السند الذي أتت به هذه القصة، فهنا أشرت لأحبائي الطلبة أنكم ستقفون على أن قصة نوم علي بن أبي طالب في فراش النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الناحية الحديثية فيها إشكال في السند، لكن يتسامح في روايتها في كتب السير لعدم وجود أثر كبير جداً في روايتها.

المهم كما يقول ابن هشام، نام علي بن أبي طالب على فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وغطى نفسه ببرده عليه الصلاة والسلام؛ حتى يظن كفار قريش أن هذا الذي هو نائم الآن على الفراش هو محمد عليه الصلاة والسلام، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الباب مباشرة من بين أظهرهم، وهذه كانت من معجزاته عليه الصلاة والسلام. يروي محمد بن كعب القرظي رحمة الله تعالى عليه وهو من علماء المدينة النبوية، يقول لما اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام، فقال وهم على بابه، أبو جهل الآن يتصدى لمن معه من فتيان قريش ويتبجح يقول: إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن. لاحظوا الأردن، فيما يلحظ في التاريخ كانت عبارة عن جنان معروفة لأهل مكة في رحلتهم إلى الشام أنهم كانوا يمرون بها؛ فأبو جهل يقول لهؤلاء الفتيان: محمد يعدكم بجنان كجنان الأردن، قال: وإن لم تفعلوا ذلك -يعني إن لم تتبعوه- فإنكم ستذبحون. فالمهم أبو جهل يستهزئ بالنبي صلى الله عليه وسلم وبرسالته، لأنه يقول لهم: انظروا الآن، سنقضي عليه، انظروا الآن. هو يحسب حساب أنه الآن اللحظة الحاسمة، هذا الرجل الذي يعدكم أنكم ستملكون العرب والعجم وأن هناك ناراً وجنة، انظروا الآن كيف سنقضي عليه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كأنه سمع حديثه، فخرج من باب بيته، تروي كتب السير وتقول فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب، فجعل يضعها على رأس كل رجل منهم وهم لا يرونه؛ أعما الله أبصارهم عنه، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 9]. النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة التراب ووضعها على رأس كل رجل منهم وهو يقرأ هذه الآيات: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها كما تروي كتب السير وهو يضع حفنات التراب على رؤوسهم. خرج من بين أظهرهم، والله أن الله ناصر عبيده، الله عز وجل يؤيد المؤمنين بالتأييد الإلهي وبالكرامات وبالتوفيق وبالتسديد، لكن حينما يكون هناك أهل لهذا الدين، أهل لمن يحمل هذا الدين بوعي ونضوج فكري، والتزام بمنهج الله سبحانه وتعالى، وتؤدة، وعدل، وإنصاف، ورحمة؛ والله لتجدن التأييد الإلهي في كل خطوة، في كل همسة، في كل عمل، في كل تغيير، في كل حركة؛ ستجدون الله سبحانه وتعالى موفقاً ومسدداً وموجهاً لكم. لكن كونوا مع الله، وسيروا وفق منهج الله، إياكم أن تستعجلوا قطف الثمار، إياكم أن تخطئوا الطريق وتنحرفوا عن منهج الله سبحانه وتعالى في التغيير.

خذوا سيرة محمد صلى الله عليه وسلم؛ النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بسنن التغيير، وأخذ بالأسباب الشرعية وتعرض لكل شيء، لكن وهو يأخذ بالأسباب الشرعية نجد التأييد الإلهي، وهو في خضم المعركة نجد التأييد الإلهي، وهو في شدة الأزمة نجد التأييد الإلهي، فالله سبحانه وتعالى يؤيده في كل خطوة لكنه يطلب من نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ السبب الشرعي. فأنتم خذوا بالأسباب الشرعية للتغيير، أصلحوا أنفسكم، أصلحوا عقولكم وقلوبكم وذراريكم ومجتمعاتكم، خذوا بكل أسباب الإصلاح، وانتظروا الفرج من الله سبحانه وتعالى والتأييد والتغيير. أما ونحن هكذا متقاطعون بعيدون عن منهج الله سبحانه وتعالى، لا نتعب أنفسنا في طلب العلم، ولا نتعب أنفسنا في قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نأخذ بإصلاح قلوبنا ولا بإصلاح أسرنا، ما دمنا نائمين غافلين تائهين فأي نصر ننتظره؟ وأي توفيق إلهي وأي انتقالة وتغيير في واقع هذه الأمة نرتقبها؟ خذوا بالأسباب وانتظروا من رب العباد، وأما وأنتم هكذا فتذكروا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

إذاً، المهم وضع النبي صلى الله عليه وسلم حفنات التراب على رؤوس القوم ثم غادر؛ إلى من؟ إلى بيت أبي بكر الصديق. المهم كفار قريش الآن ما زالوا على باب البيت ينتظرون خروج النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم آتٍ مر عليهم رجل فقال: ما لكم تنتظرون هاهنا؟ فقالوا: ننتظر محمداً. فقال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا قد وضع على رأسه تراباً، وانطلق لحاجته، أفما ترون بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا ينظرون في البيت من النافذة، فينظرون رجلاً عليه بردة فيظنونه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دخلوا البيت وكشفوا إذا هم يتفاجأون بعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ إن صحت قصة نوم علي بن أبي طالب على فراش النبي صلى الله عليه وسلم. المهم كفار قريش كما قلنا انصدموا أنهم وجدوا أن الذي في الفراش ليس محمد صلى الله عليه وسلم وإنما هو علي بن أبي طالب، وأدركوا أنهم قد خدعوا، وأن الله سبحانه وتعالى قد أيد نبيه عليه الصلاة والسلام.

فقام علي رضي الله تعالى عنه من فراشه مستيقظاً يتثاءب، كأنه لا يعرف شيئاً ما الذي حدث. قال ابن إسحاق: كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه... الآن سنأخذ الكاميرا إلى مشهد آخر، المهم كفار قريش انصدموا تفاجأوا، وما عرفوا الآن أين النبي صلى الله عليه وسلم، خرج هم لا يعرفون إلى أين توجه، لكنهم الآن ما زالوا في لحظة الصدمة كيف أنه غرر بهم وخدعوا في هذه اللحظة. أبو جهل عنيد من عنادهم وصنديد من صناديدهم يقف الآن حائراً، يعني أحياناً أتخيل مشهده وهو ينصدم في رؤية علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، المهم أن المؤامرة في الاغتيال الحمد لله فشلت. دعونا ننتقل بالكاميرا إلى مشهد آخر، النبي صلى الله عليه وسلم أين ذهب؟ قال العلماء: ذهب إلى بيت أبي بكر الصديق.

يقول ابن إسحاق: وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه رجلاً ذا مال، فكان حين استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، أبو بكر كان كثيراً ما يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله، أريد أن أهاجر، أريد أن أدرك أصحابي؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يصبره ويقول له: لا تعجل يا أبا بكر، لعل الله أن يجعل لك رفيقاً وصاحباً. فأبو بكر كأنه يضمر في قلبه الفرح، وينتظر ويترقب أن يكون هذا الصاحب هو النبي عليه الصلاة والسلام. أبو بكر كما قلنا شعر بهذا الأمر، شعر أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: انتظر سأسافر معك، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام لم يصرح له بذلك، كان مستعداً للرحلة في أي وقت، كان مستعداً أن النبي صلى الله عليه وسلم في أي لحظة من ليل أو نهار يقول له: الآن يا أبا بكر سننطلق، فماذا كان أبو بكر؟ لكن انظروا للرجل الحكيم العاقل، كان أبو بكر قد جهز راحلتين وضعهما خلف باب البيت مستعدة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، راحلتان ربطتا خلف البيت انتظاراً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.

تقول عائشة رضي الله عنها وهي تروي لنا ما حدث، وكانت عائشة صغيرة في ذلك الوقت، لكن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عقد عليها، هي معقود عليها لكن لم يدخل بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد؛ تقول عائشة: كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية. يعني النبي صلى الله عليه وسلم كانت عادته أنه كل يوم يزور بيت أبي بكر، لأنه كان إنساناً مؤازراً له صديقاً وفياً يشعر عنده بالأنس بالراحة بالطمأنينة، فكان يومياً يزور بيت أبي بكر تقريباً، أما في وقت كما تقول: إما بكرة أي في وقت الصباح.

مبكر عند الضحى، وأما عشية فكانت عادة بعد العصر قبيل المساء. هذه عادة النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة أبي بكر. قالت: حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا النبي صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، عند الظهيرة في ساعة كان لا يأتي فيها. عائشة تقول تفاجأنا أن النبي صلى الله عليه وسلم على باب بيتنا في ساعة ليست هي الساعة المعتادة لزيارة النبي عليه الصلاة والسلام.

فلما رآه أبو بكر قال في نفسه أو أمام عائلته: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إلا لأمر حدث. فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره؛ دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيت أبي بكر، زاح أبو بكر عن السرير حتى يجلس النبي صلى الله عليه وسلم. جلس النبي عليه الصلاة والسلام وليس عند أبي بكر إلا أنا، عائشة التي تروي القصة، وأختي أسماء بنت أبي بكر، وأبو بكر؛ كان هم الثلاثة والنبي عليه الصلاة والسلام. انظروا إلى هذه المشاهد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر، أخرج عني من عندك. يعني أخرج الفتاتين. فقال له أبو بكر: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي؟ يعني لا تخف يا رسول الله، أنا آمن عليهما، خبرني؛ لأنه أبو بكر يتلهف، يريد أن يعرف ماذا حدث، أمر غريب، ساعة ليست الساعة المعتادة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: إن الله قد أذن لي في الخروج للهجرة. فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: الصحبة يا أبا بكر. قالت عائشة: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك أن أحداً يمكن أن يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي حينئذ.

طبعاً أحبتي المشهد صعب؛ مشهد الهجرة لن يكون عليك يا أبا بكر مشهداً سهلاً. أنت الآن تهاجر بأخطر رجل على وجه هذه الأرض بالنسبة لأهل مكة، ستخرج معه؛ الرحلة محفوفة بالمخاطر وقد تقتل، وقد يفعل بك الأعاجيب، ومع ذلك أبو بكر ما فكر بكل هذه الأمور، فكر بشيء واحد أنه يصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعم بها من صحبة، أي والله. أبو بكر كاد يبكي من الفرح، يريد أن يرافق النبي صلى الله عليه وسلم؛ يشعر أن الله سبحانه وتعالى يحبه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم اختاره وهو على غيره، وحق له أن يفرح أن النبي صلى الله عليه وسلم قربك وأحبك وأدناك منه. فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجمعنا بالنبي صلى الله عليه وسلم في مستقر رحمته في جنات النعيم في الفردوس الأعلى، إنه أكرم الأكرمين. أبو بكر كما قلنا كاد يبكي من الفرح ويقفز، وبناته يشعرن بهذا السرور الذي في عينيه، فقال: الصحبة يا أبا بكر، الصحبة يا أبا بكر. فقام أبو بكر سريعاً، فقال: يا نبي الله؛ حتى يري النبي صلى الله عليه وسلم الذكاء، فعلاً أبو بكر كان رجلاً ذكياً ويستحق أن يكون صديق النبي صلى الله عليه وسلم.

أبو بكر يقول: يا رسول الله، إن هاتين الراحلتين قد كنت أعددتهما لهذا. يعني هناك راحلتان خلف الباب من البيت من الخلف كان وضعهما حتى لا تراهما كفار قريش، أعددتهما لهذا الأمر. وقد استأجرت عبد الله بن أريقط، ويخبره أنه استأجر رجلاً مشركاً؛ وكان عبد الله بن أريقط خريتاً ماهراً يحسن اختيار الطرق والمسالك ويعرف الصحاري وكيف يقطعها، ومع أنه كان مشركاً لكن أبا بكر استأمنه، وكان بشكل عام العرب أحبتي عندها مروءة، حتى ولو كانوا على الشرك، كثير منهم كان عندهم مروءة في مثل هذا الأمر؛ إذا قطع أحدهم وعداً إذا عاهد عهداً فإنه لا يخلفه. المهم، أبو بكر استأجر عبد الله بن أريقط خريتاً ليدلهما على الطريق، فدفع إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. إذاً ما هي الترتيبات والتحضيرات؟ أبو بكر رضي الله تعالى عنه كان عنده راحلتان خلف البيت، وكان استأجر عبد الله بن أريقط. لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وقال له: الآن يجب أن نتخذ إجراءات الهجرة، ماذا فعل؟ أبو بكر الصديق دفع الراحلتين إلى عبد الله بن أريقط وقال له: خذ هاتين الراحلتين، ارعهما عندك، ونتواعد عند غار ثور بعد ثلاثة أيام. الآن انظروا التدابير: خذ الراحلتين عندك ارعهما، بعد ثلاثة أيام الميعاد عند غار ثور، تمام.

قال ابن إسحاق: ولم يعلم فيما بلغني بخروج النبي صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج. انظروا التكتم التام؛ صحيح النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد من الله عز وجل ويتلقى الوحي من السماء، لكن هناك أسباب يجب أن تؤخذ وأن ترعى بعين الاهتمام. إياك أن تقول والله بما أني أنا أسير على منهج الله سبحانه وتعالى إذاً الله عز وجل يحرسني ويحميني، ما في داعي أن آخذ بكل الترتيبات والاحتياطات والأسباب؛ هذا جهل. إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد من السماء وجبريل يتصل بينه وبين ربه عز وجل وهو يأخذ بهذه الأسباب، يتكتم على خروجه ولا يعلم أحداً حتى أعز الناس إليه لا يخبرهم بذلك، لا يخبر أحداً بذلك، ويتخذ كل الاحتياطات والتدابير خشية أن يصل الأمر إلى كفار قريش. فكل داعية وكل مصلح وكل من يريد التغيير عليه أن يأخذ بهذا النهج؛ نهج التكتم، نهج المحافظة على سرية العمل، نهج الأخذ بالأسباب عموماً وفق الظروف الراهنة. المهم، من الذي علم بهجرة النبي؟ يقول ابن إسحاق: ولم يعلم فيما بلغني بخروج النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا علي بن أبي طالب، لأنه نام على فراشه كما قيل، وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر. طبعاً لماذا آل أبي بكر؟ لأن آل أبي بكر سيكون لهم دور عظيم جداً في عملية الهجرة كما سيظهر معنا الآن، فأنعم بهم من آل، أي والله.

أما علي رضي الله تعالى عنه الآن، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أوكل إليه مهمة؛ أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمكث في مكة بعد هجرته وأن يؤدي الودائع إلى أهلها. وهذا من عجيب حال كفار قريش؛ كفار قريش يعادون النبي صلى الله عليه وسلم ويحاربونه، لكنهم يعلمون أمانته وصدقه وأنه لا يمكن أن يغدرهم بدينار وهم يحاربونه، ولكنهم يضعون عنده الأمانات؛ الشخص الذي يحاربه ويسبه في نفس الوقت يضع عنده الأمانات من الأموال. لا يأمنون على بعضهم، يأمنون على النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يحاربون! وهنا واضح قضية الهوى في اختياراتهم وفي انتقاءاتهم، وكيف تشبعوا بتقليد الآباء. وإلا لو نظروا بعقولهم النقية وابتعدوا عن الجهالات واتباع الأسلاف واتباع الهوى، لأدركوا أن هذا الرجل الذي يأمنونه على أصغر شيء في حياتهم وعلى الدراهم المعدودة وعلى التجارات والأموال، لا يمكن أن يكون شخصاً يكذب على الله عز وجل في ادعائه الرسالة. المهم النبي صلى الله عليه وسلم لم يعامل كفار قريش بالمثل؛ هم حاولوا أن يقتلوه وأن يثبتوه وأن يخرجوه، لكنه صلى الله عليه وسلم الآن كان يمكن أن ينتقم منهم ويأخذ هذه الأموال والدراهم ويقول: بما أنكم قررتم أن تفعلوا بي هذا، سآخذ أموالكم وأهاجر بها.

كان بإمكانه فعل ذلك، لكنه إنسان أمين نزيه، لا يلطخ سمعته ولا يشوه نفسه بأي فعل قد يشينه عليه الصلاة والسلام. وهكذا الدعاة إلى الله أحبتي؛ إياك أيها الداعية لحقدك على عدو أو على خصم أو على شخص آذاك، حتى ولو كان عدواً لله ولرسوله، ما دمت استؤمنت على أمر فعليك أن تؤدي الأمانة مهما كانت. إياك أن تلطخ سيرتك وتلطخ طريقك ومسلكك بأمور أنت غني عنها؛ كن أميناً نزيهاً عدلاً، وإياك أن تفتح الباب على الناس ليتكلموا عنك أو ليخوضوا في عرضك، وهذه من الأمور التي عليكم أن تنتبهوا إليها أيها الدعاة. بعض الدعاة يتساهل يقول: يا شيخ هذا الرجل خصم عدو لله ورسوله، محارب، فأنا أخونه كما خانني، أو يضره لأنه غدر بنا وغدر بالأمة. كلا، متى عاهدت ومتى أمنت ومتى أعطيت العهد لله ولرسوله، عليك أن تلتزم العهد ولا يجوز لك أن تغدر وأن تخون؛ أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك. هذا هو النهج المحمدي، فصلوات ربي وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله.

المهم إذاً هذه الوظيفة التي أوكلت إلى علي بن أبي طالب أن يؤدي الودائع بعد أن يغادر النبي صلى الله عليه وسلم. الآن ما هي الوظائف التي أوكلت لآل أبي بكر؟ يقول ابن إسحاق: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج، أتى أبا بكر فخرج من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته. النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر تأخر شيئاً في الخروج لربما أدى بعض الأغراض وبعض المهمات، ثم أتى أبا بكر في ساعة بعُدا عنها، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر، طبعاً أكيد تحركات النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة في مكة كانت بسرية تامة، لأنه لا يوجد مجال لأن يعلم أين النبي صلى الله عليه وسلم، القوم يريدون قتله، فكانت هناك سرية تامة في التحرك؛ ابتعد مع أبي بكر على ساعة الصفر كما يقولون. وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر فخرج من خوخة؛ خوخة يعني مثل نافذة من خلف البيت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر الصديق من نافذة من خلف البيت وانطلقا باتجاه غار ثور.

الآن أبو بكر الصديق كان أخذ كل التدابير كما قلنا، إنسان عاقل لا يوجد عنده تحركات عشوائية صبيانية أو حماس عاطفي، إنسان معتدل هادئ، يعرف كيف يدبر الأمور قبل أن يدخل فيها. أبو بكر الصديق أمر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسيا بما يكون في ذلك اليوم من الخبر. وأمر الراعي مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما؛ يأتيهما إذا أمسى في الغار. وأمر أسماء بنت أبي بكر أن تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما. إذاً أبو بكر أوكل ثلاث مهمات؛ أسماء بنت أبي بكر كانت فيما يظهر أكبر سناً من عائشة رضي الله عنها والله تعالى أعلم. المهم النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق أوكل ثلاث مهمات خطيرة في هذه الرحلة، مهمات خطيرة جداً وهذا يدل على رجحان عقل أبناء أبي بكر رضي الله تعالى عنهم أجمعين، على رجحان عقولهم، لأن أبا بكر رضي الله عنه لا يمكن أن يوكل مهمات خطيرة بهذه السرية إلا لعقلاء.

المهمة الأولى كانت لابنه عبد الله، قال له: وظيفتك يا عبد الله أن تسمع ما يتكلم به أهل مكة في النهار ثم تأتينا به في الليل؛ إلى أين؟ إلى غار ثور. والنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خرجا إلى غار ثور سيجلسان ثلاث ليالي، ثم يأتيهما عبد الله بن أريقط كما اتفقا معه بالراحلتين. هذه ثلاث ليالي سيمكثانها في غار ثور بانتظار عبد الله بن أريقط. في خلال هذه الثلاثة الليالي، وظيفة عبد الله بن أبي بكر في الصباح يكون عند أهل مكة يتسمع ما يقول الناس وما يريدون فعله، ثم في المساء حينما يعود الناس إلى بيوتهم وينام الناس يخرج متسللاً حتى يصل إلى غار ثور ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بما حدث. ووظيفة عامر بن فهيرة الراعي والمولى لأبي بكر أن يرعى الغنم في النهار، ثم في الليل يأتي بهذه الغنم إلى غار ثور حتى يشرب النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن ومن الحليب هو وأبو بكر. ثم حينما يعود عبد الله بن أبي بكر إلى بيته في مكة، عامر بن فهيرة يتبعه بالغنم حتى تغطي الغنم بآثارها آثار عبد الله بن أبي بكر. وأسماء بنت أبي بكر وظيفتها أيضاً في المساء أن تأتي بماذا؟ بالطعام. إذاً ثلاث وظائف مهمة تحتاج سرية، تحتاج دقة؛ أي خطأ في العمل الآن ضريبته ستكون عالية.

أقام النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام ومعه أبو بكر، وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة؛ قريش أعلنت جائزة كبرى، قالت: من يصل إلى محمد صلى الله عليه وسلم له مائة ناقة. طبعاً مائة ناقة في زمنهم شيء كبير جداً؛ يعني تتكلم أنت ربما مثلاً عن نصف مليون أو أقل من ذلك وقتها. المهم لمن يرده عليهم. كان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأنهم، ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر إذا أمسى فيخبرهما الخبر. عامر بن فهيرة يأتي بالغنم ويرعاها، فإذا جاء المساء أراحها على غار ثور؛ فاحتلبا وذبحا وأكلا منها. عبد الله بن أبي بكر فإذا عبد الله بن أبي بكر غدا من عندهما، اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه، يعني التفاصيل التي قلناها حتى مضت الثلاث وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما. المهم أحبتي، المهمات الثلاث نجحت بحمد الله، كل شخص؛ عبد الله بن أبي بكر، أسماء بنت أبي بكر، عامر بن فهيرة، كل شخص أدى مهمته بحرفية عالية كما يقولون، فالأمور نجحت في ثلاثة أيام. لكن في الحقيقة في أحد الأيام...

كفار قريش أرسلوا الدوريات حول مكة لمحاولة معرفة أين وصل النبي صلى الله عليه وسلم، ووصلت إحدى دورياتهم إلى غار ثور. هذا هو الأمر الصعب الذي قصه الله سبحانه وتعالى في كتابه، ولأوثق لكم ما أقوله: أنت إذا بذلت الأسباب الشرعية ستجد الله سبحانه وتعالى معك وبقربك.

إحدى الدوريات وصلت إلى غار ثور ووقفت على باب الغار، وكانوا قائمين حتى قيل إن أحدهم نزل فبال. أبو بكر الصديق شعر الآن بأعلى درجات الخطر، وقال: والله يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا. غار ثور ليس غاراً كبيراً، يعني يمكن أن يختفي فيه الإنسان بالكلية، لكن الظاهر أنهم كانوا على جمل أو على ناقة، فكان نظرهم عالياً ولم يلحظوا النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر في الغار، وهذا من حماية الله لهما.

فأبو بكر كما قلنا شعر بالخطر وقال: يا رسول الله، والله لو نظر أحدهما إلى موضع قدمه لرآنا. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال مقولته الخالدة التي خلدها الله في كتابه: «يا أبا بكر، ما بالك باثنين الله ثالثهما». أي والله، هنا التوكل، هنا لحظات التفويض لله سبحانه وتعالى. بعد أن تأخذ بكل الأسباب وتبذل، لا بد من تفويض وتوكل واستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى وثقة بالله. الثقة بالله مهمة جداً في هذه اللحظات. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].

انظروا هذه المعية الإلهية، "إن الله معنا"، ثقة عليا بالله سبحانه وتعالى، اطمئنان برب عز وجل. النبي صلى الله عليه وسلم يسطر لنا أروع وأجمل لحظات الإيمان والتوكل والتفويض لله عز وجل. انظروا، أحدهم لو نظر إلى قدمه لرآهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أبا بكر لا تخف، الله عز وجل معنا». اخترنا نحن درب الله سبحانه وتعالى وسرنا عليه، فلن يختار الله عز وجل لنا إلا الخير. هنا أبو بكر نزلت عليه السكينة والطمأنينة والثبات، وهدأ مع النبي عليه الصلاة والسلام. فعلاً هذه الدورية نظرت وما حولها ثم عادت أدراجها إلى مكة، وأعماهم الله سبحانه وتعالى.

ابن كثير -أحبتي- يقول في الفصول: "ويقال"، انظروا عبارة ابن كثير الدقيقة في الفصول الذي بين أيديكم، يقول ابن كثير: "ويقال إن العنكبوت نسج على غار ثور، إن الحمام مكثت"، وعبارة ابن كثير "ويقال والله أعلم" يريد ابن كثير بها أن يشير إلى ضعف هذه الرواية؛ رواية أن العنكبوت نسج على غار ثور، وأن الحمام وضعت عشها ووضعت بيضها إلى ما شابه ذلك من الروايات الضعيفة التي في الحقيقة يتوسع بعض كتاب السير -كما قلنا- في نقلها بناءً على أنه لا تترتب عليها أحكام، لكن بما أن السند ضعيف جداً فإن في الصحيح ما يغني عن الضعيف، لذلك ابن كثير رحمه الله عليه قال "ويقال والله أعلم" لما أتى إلى ذكر قصة العنكبوت ليشير إلى ضعف في هذا السند. المهم كما قلنا انتهت مدة الثلاثة أيام بنجاح، الكل أدى مهمته بشكل ممتاز جداً.

الآن عبد الله بن أريقط مشرك لكنه رجل صاحب مروءة، أتى في الموعد المحدد، أتى بالراحلتين وأوقفهما على باب الغار، فركب النبي صلى الله عليه وسلم وركب أبو بكر عليهما. لما قرب أبو بكر رضي الله تعالى عنه الراحلتين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قدم له أفضلهما ثم قال له: اركب يا رسول الله فداك أبي وأمي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم -انظروا الورع، انظروا إلى شرف النبي صلى الله عليه وسلم ونزاهته ومروءته، حتى في أحلك اللحظات- ماذا قال لأبي بكر؟ قال: إني لا أركب بعيراً ليس لي يا أبا بكر. فقال أبو بكر: هي لك يا رسول الله، يعني يا رسول الله أنا أوثر عليك بهذه البعير، أنت رسول هذه الأمة، خذ هذه الناقة وتوكل على الله، هي لك بأبي أنت وأمي. قال: لا يا أبا بكر، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ يريد أن يدفع النبي صلى الله عليه وسلم ثمنها.

انظر النقاش الذي يدور بينهما والأمور الآن صعبة، وكفار قريش والدوريات، وفي أحلك اللحظات والنبي صلى الله عليه وسلم يظهر العدل، يظهر الإنصاف، يظهر المروءة؛ أنه لا يقبل أي شيء على وجه الصدقة والمنة حتى من أعز أصدقائه بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. فأبو بكر قال: سعرها كذا وكذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخذتها بهذا السعر. فأبو بكر الآن ما في مجال للنقاش، ركب وانطلقا، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أردف عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمهما في الطريق. يعني أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أراد أن يأتي بشخص يخدمهما، عبد الله بن أريقط هو ليس خادماً، هو استأجرناه ليدلنا فقط، من يخدمنا؟ فقال: أتينا بعامر بن فهيرة، وضعه أبو بكر الصديق خلفه على الناقة وانطلق به.

فإذا الرحلة الآن من فيها؟ عبد الله بن أريقط الذي استأجراه ليهديهما الطريق، النبي صلى الله عليه وسلم رسول هذه الأمة بأبي هو وأمي، وأبو بكر الصديق، وعامر بن فهيرة خلف أبي بكر الصديق. هؤلاء الأربعة الآن يسيرون من مكة باتجاه المدينة. أسماء بنت أبي بكر تروي لنا هنا مشهداً، تقول: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام. انظروا الكفر حينما يصاب بالقهر ويفقد السيطرة وزمام الأمور كيف يتوحش. أتى كفار قريش إلى بيت أبي بكر الصديق، يعني كفار قريش حاولوا أن يفكروا أين سيذهب محمد صلى الله عليه وسلم؟ من أعز الناس عليه؟ أبو بكر الصديق، فلا بد أن هناك سراً، هناك علاقة، وأبو بكر لم يظهر على المشهد منذ أيام، فشعر أبو جهل وصناديد مكة أن هناك شيئاً بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر. فوقفوا على باب أبي بكر، فمن التي خرجت إليهم؟ خرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، تقول: فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ فقلت: لا أدري والله أين أبي. ورفع أبو جهل اللعين يده قال: فلطمني لطمة أسقطت قرطي (أي حلق الأذن). انظروا هذا الرجل العنيد الفاجر يضرب فتاة أنثى صغيرة كأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها. الآن هم -كما قلت لكم- فقدوا السيطرة وشعروا أن الأمور أصبحت تتجه نحو الخطر. الله سبحانه وتعالى -كما قلنا- حفظ نبيه عليه الصلاة والسلام، وبدأت الرحلة الميمونة باتجاه طيبة الطيبة لتعلن فجراً جديداً لهذه الأمة.

من المشاهد التي بقيت علينا في هذه السيرة العطرة في سيرة الهجرة النبوية مشهد سراقة بن مالك رضي الله عنه الذي كان على دين قومه ابتداءً. سراقة بن مالك سمع بالعرض الذي عرضه كفار قريش على من يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم: مئة ناقة، فأعجبه هذا العرض وطمع به وهو جالس مع قومه. طبعاً سراقة بن مالك كان يسكن حوله هو وقومه، كانوا يسكنون حول مكة. وهو جالس مع قومه أتاهم رجل فدخل عليهم فقال: هل تعرفون يا قوم؟ والله لقد رأيت رجالاً عند ساحل البحر ما أظنهم إلا محمداً صلى الله عليه وسلم ورفقاؤه، وخرجوا باتجاه يثرب. فسراقة بن مالك أدرك فعلاً أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، ولا يعرف من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم بالضبط، لكن أدرك أن هذا الرجل هو النبي صلى الله عليه وسلم ومن خرج معه في الهجرة.

لكنه أراد أن يظفر هو بالهدية، فماذا فعل؟ قال للقوم: لا، هؤلاء جماعة من الناس أعرفهم، مروا بهذا الطريق وذهبوا باتجاه البحر، ليسوا محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه. أراد أن يستأثر هو بالهدية، خشي أن يتحمس أحد ليتبع هؤلاء. لنجعل سراقة بن مالك يقص علينا الخبر بنفسه؛ يقول: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش فيه مئة ناقة، فبينما أنا جالس في نادي القوم -أي مع قومه في مجلسهم- إذ أقبل رجل منا فوقف وقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علي آنفاً. وهم في الحقيقة كانوا أربعة، لكن لا أدري كيف رآهم ثلاثة، لأنه كما قلنا وكم شخص في الهجرة؟ أربعة، عامر بن فهيرة أين ذهب؟ لربما ما كان لاحقاً بهم، الله تعالى أعلم. المهم قال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علي آنفاً، إني لأراهم محمداً وأصحابه.

فقام أتوا إليه بعين أن اسكت. يعني سراقة بن مالك رماه بعينيه وقالوا: اسكت، لا تتكلم، ثم قلت -أصبح سراقة بن مالك يتحدث أمام القوم-: إنما هم بنو فلان ابن فلان يبتغون ضالة لهم، يعني أضاعوا شيئاً وأرادوا أن يبحثوا عنه. فقالوا: لعله، كأن القوم لم يتشجعوا كثيراً على الموضوع وعلى متابعة هذه القصة، ثم سكت الناس. قال: فمكثت قليلاً ثم قمت تسللت من قومه ودخلت إلى بيتي. سراقة بن مالك رجل ذكي ومحترف، قال: ثم قمت فدخلت بيتي ثم أمرت بفرسي فقيد لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحه فأخرج لي من دبر حجرتي. أراد أن يتسلل من قومه تسللاً، لأنه إذا عرفوا أن سراقة خرج لطلب هؤلاء سيفضحونه؛ ألم تقل يا سراقة إنهم يطلبون ضالة؟ أين تذهب الآن؟ فيفتضح أمره. فالرجل الذكي قال لأحد الناس أو لأحد أقاربه: ائتني بالناقة في بطن الوادي حتى يأخذها هناك، وائتني بسلاحي معها. المهم خرج أمام قومه من دون شيء وذهب إلى بطن الوادي، وهناك استلم سلاحه واستلم دابته كما اتفق مع هذا الرجل.

قال: ثم أخذت قداحي. وأوصى أيضاً بالقداح، والقداح هي الأمور التي كانوا يستقسمون بها أهل مكة وكفار قريش، الأزلام التي نهى الله عز وجل عنها، من القداح العيدان يضعونها في علبة ثم يحددون المسير وعدم المسير عليها؛ يأخذ، إذا خرج السهم الذي يكره -يعني لا تفعل- يتشاءم منه فلا يفعل، إذا خرج السهم الذي يحب -افعل- يتفاءل فيفعل، وهذا من جاهليتهم ومن آثار الجهل بربوبية الله سبحانه، الطيرة. يعلقون أمورهم وأقدارهم على الاستقسام بالأزلام، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].

المهم سراقة كان جاهلياً بعد، فأخذ هذه القداح معه. قال: أخذت قداحي لأستقسم بها، ثم انطلقت فلبست لمتي أي لامة حرب، ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره. قال: وكنت أرجو أن أرده على قريش فأخذ المئة ناقة، فركبت على أثره، يعني ما رددت على هذا السهم، خلص، في هذه اللحظة وإن كان خرج السهم أنه لا تفعل لكن حب المال وحب الدنيا ملأ قلبه في تلك اللحظة. قال: لن أرد على هذه القداح، فركبت على أثره. قال: فبينما فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه، فقلت: ما هذا؟ يعني وبينما أنا ألحق النبي صلى الله عليه وسلم تعثرت عن الفرس أو عن الناقة فوقعت، فأخرجت القداح مرة أخرى قلت لعل هناك شيئاً، أخرجت القداح مرة أخرى فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره، يعني السهم ألا تفعل. ومع ذلك عاند وركب رأسه كما يقولون وذهب ليدرك النبي عليه الصلاة والسلام.

قال: ثم ركبت الناقة مرة أخرى فمشت بي ثم عثرت، يعني انقلب عنها، وفي بعض الروايات أنها غرزت أقدامها في الأرض وساخت أقدامها في الأرض حتى خشي سراقة بن مالك على نفسه. قال: فلما عثرت مرة أخرى أخرجت واستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره، فما اتبعته وسرت في طريقي. قال: فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي فذهبت يداه في الأرض. لما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أدرك هو أبا بكر والنبي صلى الله عليه وسلم، قال فلما رأيتهم الفرس -أحبتي انظروا دائماً أقول لكم الإرشاد الإلهي التسديد الإلهي التوفيق الإلهي لم يفارق النبي صلى الله عليه وسلم- لكنه أخذ بالأسباب، هذه قاعدة دائماً أحفظها في حياتي واحفظوها في حياتكم: عليك أن تأخذ بالأسباب ثم لا تخف، ستجد الله سبحانه وتعالى معك.

الآن كما قلنا سراقة بن مالك اقترب من النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بأقدام الفرس تغوص في الرمال، سراقة بن مالك أدرك أن هذا الرجل ليس بأي رجل، فماذا فعل؟ قال: فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني، أن هذا الرجل ممنوع، يعني في شيء، هذا أمر ليس بطبيعي وأنه ظاهر أمره. أدركت أن هذا الرجل هناك من يؤيده من فوق سبع سماوات. سراقة بن مالك وصل لهذه القضية وكأنه آمن في تلك اللحظة و آمن بعدها، المهم شعر أن هذا الأمر ليس بذلك الأمر السهل، وأن هذا الرجل ليس بكاذب ولا كاهن ولا شاعر كما يقولون، هذا رجل مؤيد من فوق سبع سماوات، قال: فناديت القوم فقلت -نادى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر- فقلت: أنا سراقة بن جعثم.

سراقة بن مالك بن جعثم قال: انتظروني حتى أتكلم أنا وإياكم، أريد أن أتحاور، فوالله لا أريكم، لن أغدر بكم ولن أفعل شيئاً يضركم، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «قل له: وما تبتغي منا؟».

فقال له ذلك أبو بكر، فقال: أريد أن تكتبوا لي كتاباً يكون آية بيني وبينكم. انظروا ماذا صار طلبه؛ أريدكم أن تكتب يا محمد لي كتاباً يكون علامة بيني وبينك، في يوم من الأيام آتيك به. وقيل إنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له عهداً، فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم بسواري كسرى؛ لا نذكر هذه من هشام هنا لكنها ذكرت في بعض الكتب أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب له بسواري كسرى.

في لحظة مثل هذه اللحظات، رجل هارب من قومه يخشى على نفسه مع صديقه باتجاه المدينة، لربما يستصعب الذهن البشري الضعيف مقدار هذه الثقة العليا من النبي صلى الله عليه وسلم بنصر الله له. فسراقة بن مالك يتعجب؛ أنت وصاحبك تخرجان بهذه الناقة وتذهبان هاربين من قومكما إلى هذه المدينة الجديدة ولا يوجد لكم أنصار، وتعده بسواري كسرى بن هرمز! هذه الثقة العليا، لكن سراقة بن مالك لما رأى ما حدث بفرسه أو بناقته، أدرك أن هذا الرجل كما قال ابن هشام: ظاهر ولو بعد حين. ليس كأي رجل، فأخذ هذا الكتاب ووضعه وعاد أدراجه؛ قال: فكتب لي كتاباً في عظم أو في رقعة، ثم ألقاه لي، قال: فأخذته فجعلته في كنانتي ثم رجعت.

وفعلاً صدق النبي صلى الله عليه وسلم في وعده له؛ وفي عهد عمر بن الخطاب لما فتح إيوان كسرى بن هرمز، جاء سراقة إلى عمر بن الخطاب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: الوفاء بالعهد يا عمر. فنظر عمر بن الخطاب في خلافته في هذا الكتاب وعرف أنه من النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى بسواري كسرى بن هرمز ووضعهما في يد سراقة، ليعلم أن الله سبحانه وتعالى ناصر دينه ولو بعد حين.

من رجل خائف يخرج من بيته ومن قريته يطرده قومه، النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يخرجان باتجاه المدينة إلى إنسان ملك الدنيا بأسرها. نعم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أنصاره وأتباعه توسعوا وملكوا كسرى والروم وسادوا وشادوا، فهم أئمة كبار. القادم أحبتي، انظروا تلك اللحظات الصعبة المتعبة المرهقة إلى ذاك العز والفخر؛ محاربة كسرى وإذلاله، ومحاربة ملك الروم وإذلاله، وامتلاك الأرض مشرقاً ومغرباً حتى وصلنا إلى إسبانيا إلى الأندلس، وحتى ملكنا الهند والسند.

تلك أمة عظيمة أحبتي قامت ابتداء على رجل واحد، على ذلك الرجل محمد صلى الله عليه وسلم الذي خرج هو وصاحبه من مكة إلى المدينة على ناقة وهم خائفون من عدوهم، وما يزيدهم ثقة إلا ربهم سبحانه وتعالى وإيمانهم بأن الله سبحانه وتعالى ناصرهم. نعم، هذه هي الثقة العليا بالله سبحانه وتعالى وهذا هو الاعتصام والالتجاء إلى الله عز وجل في أجمل صوره وأبهاها.

الآن ما هو المشهد الذي أريد أن أقف عليه؟ ربما مررت على أكثر المشاهد التي أريدها، هناك مشاهد كثيرة في الحقيقة في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، لربما خيمة أم معبد وغيرها من القصص، لكن في الحقيقة سأختصر عليكم المسافة لننتقل إلى هذا المشهد: مشهد وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء، إلى مشارف المدينة، لم يدخل إلى يثرب المدينة النبوية بعد، بل ما زالا على مشارفها، فوصلا إلى منطقة قباء.

متى وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؟ لما سمعنا بمخرج النبي صلى الله عليه وسلم؛ الآن عبدالرحمن بن عيمر بن ساعدة يروي قال: حدثني رجال من قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لما سمعنا بمخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وتوقفنا قدومه أياماً، انتظرنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر الحرة ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم، فوالله لا نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال.

يقولون: لما سمعنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأت رحلته من مكة باتجاه المدينة، كل يوم نخرج نصلي الصبح ونخرج إلى الحرة؛ الحرة منطقة معروفة أحبتي في المدينة النبوية، منطقة ذات حجارة سوداء. كنا نترقب قدوم النبي صلى الله عليه وسلم وننظر في الأفق، فلا يعيدنا إلى منازلنا إلا حر الشمس حين تذهب كل الظلال، فإذا لم نجد ظلاً عدنا إلى منازلنا، وذلك في أيام حارة.

انظروا الحب أحبتي والشوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كيف كانوا يترقبونه في شدة الحر من الصبح إلى الظهر وهم يترقبون قدوم النبي صلى الله عليه وسلم. في شدة الحر حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه، جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبقَ ظل دخلنا بيوتنا. في اليوم الذي قدم فيه فعلاً نحن خرجنا كعادتنا من الصباح ننتظر قدومه ثم عند الظهيرة عدنا إلى بيوتنا.

قال: وقدم النبي صلى الله عليه وسلم في اللحظة التي دخلنا فيها بيوتنا. فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع. كان هناك رجل من اليهود، ومكة والمدينة كان يسكنها اليهود مع الأوس والخزرج؛ رجل من اليهود كان ينظر في حال هؤلاء الصحابة من الأنصار، كيف كل يوم يخرجون إلى الحرة ويترقبون قدوم حبيبهم صلى الله عليه وسلم. فهذا اليهودي كانه كان خارج في تلك الساعة عند الظهيرة، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر قادمين، فصرخ بأعلى صوته؛ يقول: يا بني قيلة، وهذا اسم لجدة للأوس والخزرج، صرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا جدكم قد جاءكم.

طبعاً الجد هنا المراد به الحظ، هذا سعدكم وهذا فرحكم قد جاءكم. وكأن هذا اليهودي كان يعلم فعلاً في قرارة نفسه أن هذا الرجل نبي، لكن عناد اليهود أحبتي عبر التاريخ عناد عجب. هذا جدكم قد جاءكم؛ أي حظكم قد وصل إليكم وسعدكم قد أتى. فخرجنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق في مثل سنه، خرجوا فرحين يهللون ويكبرون مسرورين بقدوم هذا النور العظيم إليهم، وأكثرنا لم يكن رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك. الأنصار الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك هم الذين بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام في بيعة العقبة الأولى والثانية، أما غيرهم من الأنصار ما كانوا رأوا النبي عليه الصلاة والسلام قبل هذه الرحلة.

قال: ومعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفنا عند ذلك. الآن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر كان بينهما تقريباً ثلاث سنوات في العمر، النبي صلى الله عليه وسلم أكبر بثلاث سنين من أبي بكر كما قال ابن هشام، كانوا قريبين في العمر. فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء ورأوا أبا بكر ما عرفوا من هو النبي صلى الله عليه وسلم ومن هو أبو بكر، فما عرفنا حتى قام أبو بكر فوضع رداءه ليظلل النبي صلى الله عليه وسلم، فحينئذ عرفنا من هو الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام.

نزل النبي صلى الله عليه وسلم في قباء على كلثوم بن هدم، وهناك خلاف عند من نزل النبي صلى الله عليه وسلم في قباء، قيل عند كلثوم بن هدم وقيل نزل عند سعد بن خيثمة، ونزل أبو بكر الصديق على حبيب بن أساف. وقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاثة أيام بلياليها حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع؛ من الذي بقي الآن؟ علي بن أبي طالب أدى الودائع بعد ثلاثة أيام من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، فعل ما عليه وخرج ماشياً إلى المدينة، خرج ماشياً ما عنده شيء، علي بن أبي طالب فقير خرج ماشياً من مكة إلى المدينة.

تتخيلون المسافة أحبتي؛ حب وعشق للنبي صلى الله عليه وسلم، ما كانوا يستطيعون أن يفارقوه، بمجرد أن أدى ما عليه خرج ماشياً على قدميه في صحاري وفيافي، مع سباع وبهائم لا يعرف ما يعرض له، المهم أن يلحق بذاك الركب العظيم. هكذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. نعم علي بن أبي طالب هو رابع الخلفاء الراشدين وإمام من أئمة الدنيا، إياكم أن تتكلموا في الصحابة الكرام وأن تخوضوا فيهم وفيما حدث بينهم، فوالله إنهم ضحوا بأعمالهم وأموالهم وحياتهم فداء لهذه الدعوة المحمدية.

بعض الناس وبعض السفهاء يتجاسر على الصحابة وعلى الخوض فيما حدث بين الكرام من الفتن، لكن صدقوني أحبتي لو أننا بذلنا ما بذلنا في أعمالنا لن نستطيع أن نقدم شيئاً مما قدمه هؤلاء الأبطال الذين بذلوا أرواحهم ومهجهم من أجل هذا الدين. من يستطيع أن يفعل كما فعل علي بن أبي طالب؟ يخرج على قدميه في صحاري ليس هناك طرق ممهدة، صحاري وشوك وصخور ورمال ولا يعرف الإنسان ماذا يطرأ له، ولكن كما قلنا هو الحب لهذا الدين هو الذي كان يعلقهم دائماً بنبيهم صلى الله عليه وسلم.

طبعاً كما قالوا ما بقي في مكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد لحاق علي بن أبي طالب إلا إنسان حبسه أهله، أو استضعف بعض المسلمين ففتنوا في مكة فكانوا محبوسين عند أهليهم لا يسمحون لهم بالخروج ويسومونهم سوء العذاب، فبقي هؤلاء الضعفاء الذين فتنهم الله سبحانه وتعالى في كتابه، فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98]. استثناهم الله وعفا عنهم وإن لم يهاجروا.

المهم، كما قلنا النبي صلى الله عليه وسلم الآن وصل منطقة قباء ونزل عند أهلها، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المنطقة والتي تسمى منطقة بني عمرو بن عوف، أقام فيها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ويوم الخميس. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن أبي العز الحنفي في منظومته: خرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة -أي قباء- يوم الاثنين. يوم الاثنين أحبتي هو مميز في حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ يوم ولد فيه، وبعث فيه، وجاءه الوحي فيه، وهاجر فيه، ووصل المدينة فيه، وتوفي فيه. انظروا يوم الاثنين يوم مميز في حياة الحبيب المصطفى، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.

وصل النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا إلى بني عمرو بن عوف، وأقام الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخلال هذه الأيام أسس النبي صلى الله عليه وسلم مسجد قباء الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]. هذا أول مسجد أسس في الإسلام، أسسه النبي صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف، ثم في يوم الجمعة تحرك النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل طيبة الطيبة، لتبدأ رحلة جديدة في التاريخ الإسلامي، رحلة بناء الدولة المسلمة ومحضنها الأول ومعقلها الأساسي في المدينة النبوية على صاحبها وساكنها.

أفضل الصلوات وأتم التسليم. في المجلس القادم بإذن الله أحبتي نقف على تفاصيل إقامة الدولة، ما هي السياسة الحكيمة التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة الأمور في تنظيمها، كيف كان القائد الأعلى والموجه الأعظم لهذه الأمة في حركاته، في تصرفاته، في توجيهاته.

صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله وعلى آلك وصحبك وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. ونلتقي في مجلس آخر من مجالسنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.