تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (9) / بداية بناء الدولة في المدينة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر أشرف البرية للإمام ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه، وهي منظومة رائقة في سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. توقفنا على معالم تلك السيرة النضرة، وعلى تلك الأحوال والشمائل الطيبة الطاهرة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم، ونسعى في هذه المجالس إلى أن نفصل تلك الأحوال بقدر ما يفسح لنا الوقت من ذلك.

هدفنا دائماً أن نحيي محبة النبي صلى الله عليه وسلم في قلوبنا، وأن نتعرف على أحواله وشمائله وأخلاقه وهديه ونهجه وسيرته، لتكون هذه السيرة هي القدوة، هي النموذج، هي المثال الأعلى الذي نسير عليه في هذه الحياة ونستضيء بنوره؛ فإنه لا هداية ولا رشاد ولا خير إلا في سيرته، وإنه لا نهج صحيح إلا من نهج يقتبس من تلك الأحوال ومن تلك الشمائل ومن تلك الأفعال والتصرفات. كل منهج أحبتي حاد عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم واقتبس من مشكاة أخرى فإنه مكتوب عليه الفشل.

المناهج الصحيحة في بناء هذا الدين العظيم لابد وأن تنطلق من حيث انطلق محمد صلى الله عليه وسلم، ولابد أن تضع خطاها حيث وضع النبي صلى الله عليه وسلم خطاه. هذا هو الاتباع؛ الاتباع ليس فقط في العبادات الظاهرة، الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء: الاتباع له في عبادات القلوب، في الهدي، في الأخلاق، في الشمائل، في النهج الدعوي، في التحركات، في التغيرات، في معرفة الثوابت والمتغيرات؛ كل شيء نقتبسه من هذه السيرة.

المسلم الذي يريد أن يصنع مجداً لهذه الأمة، ويريد أن يغير هذا الواقع، ويريد أن يبحث عن النور، ويريد أن يصل إلى النهج الصحيح وإلى الطريق القويم، لا يمكنه أن يعرف هذا إلا بعد أن يتعرف على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لينظر في المناهج القائمة اليوم ويقابل ويناظر: هل هذه المناهج وهل هذه الدعوات مع السيرة التي وقفت عليها لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ هل فعلاً كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا الفعل؟ تحاول دائماً أن تتصور لو كان النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف من المواقف المعاصرة كيف كان سيتصرف؟ وماذا كان سيفعل؟ ولن تستطيع أن تعرف وأن تقترب من هذا الفكر ومن هذا النهج إلا بعد أن تطلع وتتضلع من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تديم النظر في حركاته وتصرفاته وأقواله وأفعاله وغزواته، وفي كل حركة وسكنة من حياته صلى الله عليه وسلم.

نريد دائماً أحبتي أن نعمق جذور الحب في قلوبنا لهذا النبي العظيم. نريد أن نحيي هذه المجالس وأن نعمرها بالصلاة والسلام على هذا السراج المنير؛ نعم، من مقاصد إقامة مجالس السيرة والوقوف عليها أن نديم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكشف الكربات وتزاح الهموم والغموم وتقضى الديون؛ فكم من إنسان وقفنا على حاله كان في هم وفي كرب وفي غم وعليه ديون وبه أمراض، فأكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأدامها فأزاح الله عز وجل عنه ببركة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كل ما به من البأساء والضراء.

فإذاً هذه المجالس أحبتي ليست مجالس للتندر أو للوقوف على سير وأحوال، وإنما هي لبناء الفكر وصناعة الوعي وصناعة النهج وتبصر الطريق؛ مجالس نعمق فيها الحب والتعلق والشوق إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، مجالس نديم فيها الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم حباً وولاءً وتعلقاً وشوقاً، ونطلب من الله سبحانه وتعالى أن ننال ببركة هذه الصلاة الخير والسعادة والهدوء والطمأنينة في قلوبنا وفي حياتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وقفنا في المجلس السابق أحبتي عند مشهد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى منطقة قباء في بداية المدينة النبوية، وصل النبي صلى الله عليه وسلم بعد رحلة الهجرة التي تكلمنا عن تفاصيلها إلى منطقة قباء، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم في حي بني عمرو بن عوف وبنى مسجد قباء، أول مسجد بني في الإسلام، مسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108]، هذا هو مسجد قباء.

فأقام النبي صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف وفي منطقة قباء يوم الاثنين، فأقام يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وفي يوم الجمعة تحرك النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه منطقة أخرى حتى يدخل إلى صلب المدينة وإلى أساسها. فدعونا نعرف أين اتجه النبي صلى الله عليه وسلم، وما هي الأحداث التي تسارعت في السنة الأولى وفي العام الأول من هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة النبوية.

نقرأ أولاً أو وصلنا إلى البيت الأربعين في هذه الأرجوزة إلى قول ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه: فجاء طيبة الرضا يقيناً ... إذ كمل الثلاثة والخمسين إذاً النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى المدينة النبوية طيبها الله وكان عمره ثلاثة وخمسين عاماً. ووصل في أي يوم؟ قال في البيت الحادي والأربعين: في يوم الاثنين ودام فيها ... عشر سنين كملا نحكيها أي أقام النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة عشر سنين، من الثلاث وخمسين إلى أن توفاه الله عز وجل في سن الثلاث وستين، عشر سنوات مليئة بالأحداث، مليئة بالعبر، مليئة بالدعوة، مليئة بالعطاء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. سيحكي ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه أهم الأحداث التي حدثت في كل عام من هذه الأعوام العشرة باختصار، هو لن يستوعب، الحجم المختصر لهذه المنظومة يقتضي ويستلزم من ابن أبي العز ألا يستطرد في ذكر الأحداث وسيركز على أهم المشاهد التي وقعت في كل عام من هذه الأعوام.

والآن أعود إلى ابن هشام رحمة الله عليه لنكمل ما انتهى عنده، أن النبي صلى الله عليه وسلم غادر منطقة قباء في يوم الجمعة، أين ذهب؟ يقول ابن هشام رحمة الله عليه: ثم أخرجه الله سبحانه وتعالى في يوم الجمعة، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف. إذاً هو خرج من حي بني عمرو بن عوف يوم الجمعة صباحاً، فحينما جاء وقت صلاة الجمعة أدركته صلاة الجمعة وهو في بني سالم بن عوف؛ الظاهر أنهم أقارب، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الجمعة وأقامها في بطن الوادي، وادٍ يسمى وادي رانوناء، وكانت هذه أول جمعة يصليها النبي صلى الله عليه وسلم، لم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم أثناء إقامته في مكة أن يقيم صلاة الجمعة بسبب وجود كفار قريش الذين يمنعون إقامة هذه الشعائر الظاهرة.

فكان من رحمة الله سبحانه وتعالى أن جعل للإسلام مكاناً وموئلاً تظهر فيه الشعائر، وهذا مهم أحبتي أن ندرك أهمية ظهور الإسلام وأن نحيي هذه الشعائر ما استطعنا ذلك، شعائر الأذان، الأعياد، الجمع، صلوات العيد والاستسقاء؛ إحياء هذه الشعائر هذا تعظيم لله سبحانه وتعالى. فمن رحمة الله سبحانه وتعالى أن جعل للنبي صلى الله عليه وسلم موئلاً ومكاناً محصناً أن يقيم فيه هذه الشعائر ويعلنها، وهذا من مقاصد بناء الدولة في الإسلام أن تحيي الشعائر الإسلامية، فكانت هذه أول جمعة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم.

الآن الأنصار قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كما تروي كتب السير كانوا يعقدون صلاة الجمعة بينهم، لكن نحن نقصد الآن أن هذه أول جمعة خطب فيها النبي صلى الله عليه وسلم وصلاها، لأنه كان في مكة محجوزاً عن إقامة هذه الشعائر الظاهرة. المهم النبي صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة في بني سالم بن عوف، ثم بعد صلاة الجمعة تحرك حتى يتجه إلى صلب المدينة وإلى الموقع الذي سيرسله الله عز وجل إليه. النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك أن هذه الناقة التي يركبها ناقة مأمورة أن تنزل وأن تحط رحالها في مكان محدد، فعليه الصلاة والسلام بدأ الرحلة مع هذه الناقة لتصل إلى المكان التي أمرت به.

وهو في الطريق أتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة في رجال من بني سالم بن عوف المنطقة التي نزل فيها ابتداءً فصلى الجمعة، فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة. فقال صلى الله عليه وسلم: «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة». فخلوا سبيلها، ثم مر النبي صلى الله عليه وسلم على حي آخر، قال: فانطلقت حتى إذا وازت دار بني بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، فقال: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة». فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضها سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى المنعة والقوة، فقال صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها مأمورة».

ثم كلما مر بحي من الأحياء ينتدب له رجال هذا الحي يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم عندهم ليحظوا بهذا الشرف العظيم. انظر كيف يتدافعون لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، كيف عندهم حب شرف استضافة النبي عليه الصلاة والسلام، كيف يتعلقون به ومستعدون لأن يدفعوا أرواحهم ودماءهم ومهجهم ويدفعوا أهليهم مقابل الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم وحمايته.

وهذا أحبتي يعلمنا كيف نحب النبي صلى الله عليه وسلم، كيف ندافع عن النبي عليه الصلاة والسلام في وجه كل مبغض ومحارب ومؤذٍ له؛ إياك أخي أن تتهاون مع أي شخص يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة، عليك أن تري الله سبحانه وتعالى ما يرضيه من حبك لنبيه عليه الصلاة والسلام ومن تعلقك به. بعض الناس دائماً منهجه السلامة، لكن أحبتي النهج ليس صالحاً دائماً، بل ينبغي أن تكون عند المسلم أنفة وعزة أن يهان نبيه عليه الصلاة والسلام، أن يحترق في قلبه حينما يذكر بسوء.

انظروا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كيف سطروا أروع القصص في الدفاع والتضحية والثبات مع النبي عليه الصلاة والسلام إلى آخر لحظة، مراعاة المصالح والمفاسد نحن لا ننكر هذا، لكننا ننكر الكسل والجفاء في الحب للنبي عليه الصلاة والسلام الذي نشاهده في وقتنا الحاضر من كثير ممن يدعي أنه من أهل العلم ويرفع شعاره ويثبط الناس عن نصرة النبي عليه الصلاة والسلام وعن الذب عن عرضه بأبي وأمي هو.

إذاً الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الكل يتدافع، كل قبائل الأنصار وكل حي منهم يتدافع لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم وليحظى بشرف الاستقبال، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خلوها فإنها مأمورة». وهذا حقيقة فيه حكمة جليلة؛ لو أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بإرادته عند حي من هؤلاء لشعر الآخرون بشيء من الحسد أو بشيء في قلوبهم يقر في قلوبهم، لماذا النبي صلى الله عليه وسلم فضل هؤلاء علينا؟ فلربما تتنافر القلوب.

والنبي صلى الله عليه وسلم الآن في هذه اللحظة، هذه أهم لحظة في اجتماع القبائل وفي توحدها وفي أن تكون الكلمة واحدة والكل متماسك ضد العدو، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل هذه الناقة مأمورة. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوها فإنها مأمورة»؛ يعني هو يريد أن يقول لهم: نزولي ليس عند حي من الأحياء لن يكون من اختياري الشخصي، بل هو من اختيار الله سبحانه وتعالى؛ فحينئذ سينفض الأمر، لن يكون هناك تشاحن ولن تأخذ القلوب على بعضها: لماذا نزل النبي صلى الله عليه وسلم عند حي فلان ولم ينزل عندنا؟ هذا أمر الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم بوحي من الله سبحانه وتعالى أدرك أنه ينبغي ألا تتنافر القلوب.

وأن من حكمة الله سبحانه وتعالى في هذا الموقف أن هذه الناقة تنزل حيث أمرها الله من دون أن يتدخل النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة؛ حتى كما قلنا تجتمع القلوب، ولا يصبح حي يتفاخر على حي آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم اختارني دونكم، وما شابه ذلك من الأمور التي هي معلومة لديكم. فالإنسان إخواني يتدبر أحياناً في كل تصرف وفي كل شيء إن صدر من النبي صلى الله عليه وسلم، والله ستجدون فيه أسراراً وحكماً عظمى؛ حكمة اجتماع الصف والتئام الكلمة، هذه نشاهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه السنوات العشر في المدينة، النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على جمع الكلمة، أي شيء يمكن أن ينفر القلوب وأن يولد ضغائن النبي صلى الله عليه وسلم يجتنبه.

إن هذا الموقف لموقف عظيم لجمع القلوب والاهتمام بتنقيتها؛ لأنها أهم قضية: أين سينزل النبي صلى الله عليه وسلم؟ نزل عند فلان ولا نزل عند فلان؟ في النهاية كلكم خيرون، وكلكم أفاضل. هذه هي الرسالة التي يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصلها إلى أحبابه من الأنصار الآن: كلكم على خير، وأنا أحبكم جميعاً. لكن هذه مأمورة، في النهاية هو سينزل عند قبيلة من هذه القبائل.

المهم بقيت هذه الناقة تسير وتسير، حتى انتهت إلى دار بني مالك بن النجار. طبعاً نحن عرفنا أن بني النجار من الأنصار هم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار جده عبد المطلب؛ لأن هاشماً كما قلنا تزوج سلمى من المدينة، وكانت سلمى من بني النجار، فبالتالي أصبح بنو النجار بشكل عام يلقبون بأنهم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أخواله من جهة جده عبد المطلب وليس من جهة أمه المباشرة آمنة بنت وهب كما تعرفنا سابقاً.

وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى حي بني مالك بن النجار، فبركت على باب مسجده صلى الله عليه وسلم. الناقة لما وصلت إلى هذا الحي لم يكن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قد بُني، لكنه بُني بعد ذلك في هذه النقطة، فهو يتكلم باعتبار ما آل إليه الأمر. لما وصلت الناقة إلى هذه النقطة وإلى ديار بني مالك بن النجار بركت في مكان، وهذا المكان الذي بركت فيه -قال أهل السير- وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بني النجار. المربد هو المكان الذي كانت تُجفف فيه التمور؛ التمور حينما تُقطف تكون رُطباً ثم تجفف في مكان تسميه العرب مربداً.

كانت هذه المنطقة التي بركت فيها الناقة مربداً يملكه غلامان يتيمان من بني النجار، وهما في حجر معاذ بن عفراء، واسمهما سهل وسهيل ابنا عمرو. فلما بركت الناقة ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل، وبقي راكباً وثبت لينظر هل استقر حالها أم ليس بعد، فسارت غير بعيد. الناقة قامت من جديد ثم سارت خطوات إلى الأمام غير بعيدة، والنبي صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها، تاركاً إياها تسير حيثما أُمرت به. ثم بعد أن سارت خطوات إلى الأمام عادت فالتفتت مرة أخرى ثم عادت إلى المربد وسكنت فيه، فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم حين ذلك أن هذه الناقة وصلت إلى المكان الذي أُمرت به، وهذه كرامة أراد الله عز وجل أن يكرم بها هذين الغلامين.

فنزل النبي صلى الله عليه وسلم، والآن أقرب بيت حول هذه المنطقة كان بيت أبي أيوب الأنصاري، رحمة الله تعالى عليه، خالد بن زيد. ففرح أبو أيوب رضي الله تعالى عنه، وعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم سينزل عنده، فاحتمل أبو أيوب رحل النبي صلى الله عليه وسلم ووضعه في بيته، ونزل عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

النبي صلى الله عليه وسلم نزل في هذا المربد فسأل: لمن هذا المربد؟ فقالوا: هو لمعاذ بن عفراء، وهو في الحقيقة ليس لمعاذ بل هو للغلامين اللذين يكفلهما معاذ. فجاءه معاذ بن عفراء فقال: هو يا رسول الله لغلامين سهل وسهيل ابنا عمرو، وهما يتيمان وأنا أكفلهما؛ فابتعه منه فاتخذه مسجداً. النبي صلى الله عليه وسلم لماذا سأل عن هذا المربد؟ لأنه أراد أن يبني مسجد المدينة النبوية الذي هو الآن في هذه المنطقة، فأراد أن يشتري هذا المربد من أصحابه، فأخبره معاذ أنه سيذهب إلى الغلامين وإلى أهلهما وسيرضيهما، وسيقول لهم إن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يأخذ هذا المربد من أجل أن يقيم مسجده. النبي صلى الله عليه وسلم رفض أن يأخذ هذا المربد إلا بثمنه، فثامنهم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المربد وأعطاهم المال الذي استطاع أن يحققه في تلك الساعة، ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في بناء المسجد.

هذه قضية بناء المسجد لماذا هي دائماً في ذهن النبي صلى الله عليه وسلم في كل خطوة يخطوها؟ حينما وصل إلى قباء بنى مسجداً، وحينما وصل إلى المدينة بنى مسجداً. إذاً هذا يعطينا مؤشراً على أهمية المسجد في حياة المسلمين وفي المنظور الإسلامي. المسجد هو المحضن النقي الطاهر لصناعة عقول الشباب المسلم، وهو المكان الذي تتصل فيه القلوب بالله سبحانه وتعالى، وهو بيت الله. ولله عز وجل في كل البقاع بيوت، متى بُني مسجد لله سبحانه وتعالى فهذا بيت لله.

هذه بيوت الله هي المحاضن النقية الطاهرة لبناء عقول الشباب، وللبناء الفكري الصحيح النقي الطاهر، ولتعليم العلوم الشرعية، ولاجتماع الكلمة، وللتواد والتراحم بين الناس، والتقاء جيران الحي والمنطقة. فلو نظر الإنسان في مقاصد بناء المسجد في الإسلام سيجد مقاصد عظيمة، وسيعلم أن هذا دين عظيم يحرص على التواصل، وعلى بناء العقول، وعلى العلم، وعلى التزكية والتنقية، ليس كحال الأديان المحرفة وحال أهل البدع الذين يذهبون إلى أماكن جوفاء خالية من ذكر الله سبحانه وتعالى، فتلتقي القلوب على معصية الله.

في المساجد تلتقي القلوب على حب الله سبحانه، وعلى بناء عقولها وأفكارها، وما ضعفت عقول شباب المسلمين وفتياتهم إلا حينما ذهبنا لنبني العقول ولندرس العلوم الشرعية بعيداً عن هذه المحاضن. العلوم الشرعية وبناء الفكر والثقافة والتزكية والاجتماع للتشاور والتناقش في أمور الأمة، هذه كلها ينبغي أن تكون في أماكن طاهرة نقية ليس فيها مفاسد وذنوب ومعاصٍ، كأحوال جامعاتنا اليوم المليئة بالاختلاط الفاحش والمناظر القبيحة. الدعاة والمصلحون وأصحاب الهمم والعزائم يصنعون في المساجد وعلى حلقات العلم، بل حتى غير العلوم الشرعية؛ كعلوم الثقافة والتربية وبعض العلوم النظرية، كثير منها ينبغي أن تكون في المساجد.

هذا كان قديماً موجوداً، فالمساجد كانت تدرس فيها علوم الكيمياء والفيزياء وعلوم الطب وما شابه ذلك. الآن طبعاً بعض التجارب والأمور تحتاج إلى مخبريات فهذا خارج المساجد بالتأكيد، لكننا نتكلم عن علاقة المسلمين بالمسجد عبر التاريخ الإسلامي؛ فقد كان المسجد هو المؤسسة الكبرى في حياة المسلمين. لذلك عبر الخلافات الإسلامية، الخلافة العباسية والأمويين والمماليك إلى غير ذلك، كل خلافة كانت تهتم بتزيين المساجد وتوسيعها، لأن الخلفاء كانوا يدركون قيمة المسجد عند المسلمين، ويدركون الارتباط الكبير بين المجتمع وبين المسجد.

هذا الأمر ينبغي أن نحييه في أنفسنا وفي أبنائنا، وأن نزرع الوعي بثقافة المسجد وأهميته في حياة الأمة وفي بناء الصلاح والارتباط به. لذلك من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل قلبه معلق في المساجد». فقضية المسجد قضية محورية وحاضرة دائماً في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. انظروا لهذا الحرص؛ النبي عليه الصلاة والسلام نزل من الناقة وسأل: لمن هذا المربد؟ لأنه يريد أن يبني مسجداً، وهذا فيه مؤشر كبير على أن معاقل الدعوة ومعاقل بناء الوعي هي المساجد أساساً. أما أماكن الفساد في الجامعات وغيرها التي لا تقوم على طاعة الله سبحانه وتعالى، ولا على خوف من الله عز وجل، فهذه لن تكون أبداً في يوم من الأيام مكاناً لبناء العقول وصناعة القادة وصناعة أصحاب الفكر السليم الصحيح الذي ينطلق من نهج محمد صلى الله عليه وسلم.

المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن دفع الثمن لهؤلاء أمر بأن يُبنى المسجد، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب الأنصاري إلى أن بُني المسجد. النبي صلى الله عليه وسلم بنى مسجده، وبُنيت له مساكن وحجرات لمن كان معه من أزواجه، معه سودة بنت زمعة وقريباً سيدخل بعائشة رضي الله عنها، فيحتاج إلى حجرتين؛ حجرة لسودة وحجرة لعائشة يجهزها، ثم بعد ذلك كلما أتت امرأة من أزواجه ستبنى لها حجرة. أما أن الحجرات بُنيت مرة واحدة فلا أظن أن هذا هو الظاهر.

النبي صلى الله عليه وسلم نزل عند أبي أيوب حتى بُني المسجد وبُني مسكنه ملاصقاً للمسجد مع الحجرات التي يحتاج إليها. في هذه الفترة، كما تروي كتب السير، عمل النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه في بناء المسجد ليرغب المسلمين على العمل معه، وليظهر لهم أهمية التواضع في القيادة، وأن القائد ليس هو الإنسان المغرور الذي يجلس في مقصورة خاصة به، لا أحد يقترب منه ولا يساعد الناس ولا يدخل في مشاكلهم ولا يشاركهم في همومهم وحياتهم. بل القائد الأعلى والمربي الفاضل ورئيس الدولة المسلمة يكون مع الناس في حياتهم، يحيا معهم ويعيش معهم البأساء والضراء كما معهم النعماء والسراء.

لا بد من هذه المشاركة بين الراعي والرعية حتى يصلح حال هذه الأمة، وحتى يكون هناك ثقة متبادلة بين المسلم وبين الخليفة. منهج المشاركة ومنهج التواضع الحق، وليس التواضع الظاهري؛ التواضع الحق في الابتسامة في الكلام وفي سماع شكاوى الناس، هذا كان دأب النبي صلى الله عليه وسلم وهو القائد الأعلى. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحمل اللبن بنفسه، ويهتف مع الصحابة وينشدون مع بعضهم بروح طيبة نقية، روح الألفة والاجتماع، وهم مسرورون بإقامة الصرح الأول لهذا الدين العظيم.

الصحابة رضوان الله عليهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يحمل اللبن بنفسه ويبني بنفسه، كانوا يساعدونه ويقومون بهذه المهمة ويرتجزون ويقولون: لئن قعدنا والنبي يعمل، لذاك منا العمل المضلل. والنبي صلى الله عليه وسلم يبادلهم، انظروا روح المتعة والمحبة والألفة، يقول: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة». بتلك الروح الطيبة النقية الطاهرة بدأت الحياة في المدينة النبوية، روح التآلف وروح التعاون.

قبل انتقال النبي صلى الله عليه وسلم من دار أبي أيوب إلى داره، دعونا ننظر في قصة جميلة حدثت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في دار أبي أيوب، تظهر لنا مدى الاحترام والإجلال والتوقير من الصحابة الكرام لقدر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم. نسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا في جنبه وفي حقه، بأبي هو وأمي صلوات ربي عليه. يقص أبو أيوب رضي الله تعالى عنه قصة حدثت للنبي صلى الله عليه وسلم عنده في البيت؛ يقول: لما نزل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم في بيته نزل السفل، والظاهر أن بيت أبي أيوب كان على طابقين، طابق علوي وطابق سفلي، فالنبي صلى الله عليه وسلم نزل في الطابق السفلي، وأنا وأم أيوب في العلو.

فقلت له: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وأنت تحتي. يعني أبو أيوب يشعر هو وزوجته أن هناك مشكلة؛ النبي صلى الله عليه وسلم في الطابق السفلي ونحن في الطابق العلوي، فإذا نحن سرنا نحن نسير فوق النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يليق وليس من الأدب والتبجيل لمقام هذا النبي العظيم. فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشاوره ويقول: يا رسول الله، والله إني لأشعر بالحياء أن أكون أنا أعلى منك وأنت في الأسفل. فالنبي صلى الله عليه وسلم طيَّب خاطره وأثنى عليه، وذكر له أنه محتاج للطابق في الأسفل حتى يدخل الصحابة عليه؛ لأنه في البداية ستدخل كثير من الوفود لتسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، تبارك له هجرته وتبايعه على الإسلام، فكان هناك ضيوف، فلا يصح أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم في الطابق العلوي، فسيذهبون جميعاً إلى الطابق العلوي وهذا فيه مشقة. فالنبي صلى الله عليه وسلم بين له العذر، فرضي أبو أيوب واقتنع، فقال: يا أبا أيوب، إنه أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم في سُفله وكنا فوقه في المسكن. فلما انكسرت جرة لنا في الطابق العلوي وفيها ماء، قمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، يعني قطعة كأنها عباءة أو ما شابه ذلك، لحاف أو غيره، ننشف بها الماء؛ تخوفًا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء يؤذيه. وثب هو وزوجته مباشرة بعباءة لهم ينشفون هذا الماء بكل خوف من أن تسقط قطرة على النبي صلى الله عليه وسلم.

أحبتي، يخشون من أن تسقط قطرة ماء على النبي عليه الصلاة والسلام، واليوم نشاهد أناسًا يلبسون العمائم وبعضهم يطلق اللحى، ويتجاسرون على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤذون النبي صلى الله عليه وسلم في هديه، ويطعنون في حديثه، ويطعنون في الأسانيد الصحيحة التي نقلها الثقات الأعلام من الأمة. أحدهم يطعن في صحيح البخاري، والآخر يقول: والله هذا الأمر لم يعجبني وأرفضه. هذا يرد قول النبي صلى الله عليه وسلم بهواه، ويزعمون أنهم أهل للعلم والعلم منهم براء، أي والله.

أحبتي، أبو أيوب يخشى أن تسقط قطرة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الذين يرفعون أصواتهم على حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويردون حديثه بعقولهم وأهوائهم وبعدم اقتناعهم، والله ماذا ينتظرهم عند الله سبحانه وتعالى؟ وإن تمسحوا بمسوح العلم، وإن أظهروا أنفسهم بالهيئات والمظاهر والمواكب، والله لن ينفعكم شيء عند الله سبحانه وتعالى. والله إن ذاك الأعرابي الذي يعيش في الصحراء وهو محب للنبي صلى الله عليه وسلم ومعظم له، أشرف حالًا وأفضل مقامًا عند الله سبحانه وتعالى من تلك الشهادات العليا ومن تلك الرسوم الأكذوبة التي يحملها هؤلاء القوم الذين يرفعون أصواتهم على حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويردونها بعقولهم المهترئة وبأحوالهم القاصرة، فنسأل الله السلامة والعافية.

إذاً هذا مشهد جميل يدلك على حب الصحابة وعلى تعلقهم وعلى توقيرهم وإجلالهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه المشاهد ستتكرر كثيرًا مرارًا وتكرارًا ونحن نقرأ في هذه السيرة العطرة. المهم، أقام النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة النبوية، وانتقل من بيت أبي أيوب إلى مسكنه الذي بُني له بقرب المسجد. المهم تأسس المسجد وبدأ الإسلام ينتشر أكثر وأكثر في بيوت المدينة، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا ودخلها الإسلام باستثناء حي من الأحياء يسمى بني حارثة أو بني خطمة ووائل وأمية من قبيلة الأوس. هذا الحي بقي مقيمًا على الشرك. إذاً المدينة لم يعمم فيها الإسلام بالتمام، نعم غلب عليها الإسلام ودخل على أغلب بيوت الأنصار، لكن بقيت هناك بعض الأحياء وبقيت على الشرك إلى أن دخل الإسلام في كل أحياء المدينة النبوية وما بقي أحد مشرك فيها.

النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بنى المسجد، ما هي الخطوة الثانية برأيكم؟ الخطوة الثانية بعد بناء المسجد ومبايعة كل الأنصار الذين كانوا على الإسلام، انتقل لخطوة مهمة جدًا في تأسيس الدول، وهي وضع معاهدة ترتب وتنظم العلاقة بين أفراد هذا المجتمع؛ لأن المجتمع المدني في البداية أحبتي كان يحتوي على عدة عناصر. هناك المسلمون وهم من المهاجرين ومن الأنصار، وهناك من بقي على الشرك من أهل يثرب، وهناك اليهود. فإذاً عندنا الآن عدة عناصر في المجتمع، فينبغي أن تنظم العلاقة بينهم. الآن الكلمة العليا للإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائد الأعلى، ومهمة النبي عليه الصلاة والسلام الآن أن ينظم تلك العلاقة وأن يحقق الأمن حتى يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤسس الدولة.

ليس من صالح الإسلام في تلك اللحظة أن يبدأ الاصطدام مع اليهود، وليس من صالح الإسلام في تلك اللحظة أن يبدأ الاصطدام مع بعض القبائل التي كانت حول المدينة. المصلحة أن نبني الدولة الآن وأن نصنع مجتمعًا متماسكًا قائمًا، له سوقه وتجارته وأمانه، حتى نستطيع بعد أن نبدأ رحلة مقارعة الأعداء الذين يحاربون هذه الدعوة. فالنبي عليه الصلاة والسلام أدرك أهمية صناعة هذه الوثيقة فوضع المعاهدة المعروفة عبر التاريخ. طبعًا هي معاهدة طويلة في شروطها، لكن هذه المعاهدة نظمت العلاقة داخل هذا المجتمع الذي فيه عناصر متنوعة، وإن كان الود الأعظم للمسلمين؛ فنظم علاقة اليهود مع الصحابة والمسلمين، ونظم علاقة المشركين مع المسلمين، وبين الحقوق والواجبات التي تتعلق بكل فرد من أفراد المجتمع.

طبعًا هذه الوثيقة أحبتي البعض يظن أن كل ما ورد فيها من مبادئ كان فقط في بداية الهجرة، ثم كل الأحكام الشرعية التي أتت بعد ذلك مع مرور الوقت نسخت ما تتضمنه هذه الوثيقة من أحكام وبنود. وفي الحقيقة أنا لا أتبع هذا النهج، وإنما أرى أن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من شروط وبنود في هذه الوثيقة هي تتعلق ببناء المجتمع الإسلامي كلما مر بظرف كظرف النبي صلى الله عليه وسلم. وإن الأحكام التي أتت بعد ذلك، الآن مثلًا قد يجول في خاطركم: ما هي الأحكام التي ارتفعت؟ مثلًا أحكام الصلح والموادعة من دون فرض الجزية. النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى إلى المدينة ابتداءً وتعامل مع اليهود والفصائل الأخرى الموجودة داخل المدينة، ما بدأ مباشرة بفرض جزية على اليهود أو فرض أتاوة على المشركين أو ما شابه ذلك، وإنما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعقد معاهدة عامة تحفظ الأمن وفيها استتباب الأمور بحيث تبدأ حركة تقوم في هذا المجتمع؛ مجتمع ميت.

المجتمع المدني في يثرب أحبتي كان فيها خلافات، حروب بين الأوس والخزرج، حروب ضد اليهود، ومشاكل كثيرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما أتى لهذا المجتمع المبارك وأراد أن يقيم دولة، لم يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالتفاريع الشرعية، بدأ بالأصول. الأصول هي أن تقوم قائمة حقيقية لمجتمع مسلم متكامل، مجتمع فيه حياة اقتصادية واجتماعية وفيه أمن وتحصين، فيه اجتماع قلوب؛ حتى يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم مع الوقت أن ينظم صفوفه لمواجهة العدو الأول والعدو الأخطر الآن الذي يقف ضد هذه الدعوة.

ومع مرور الوقت ستبدأ تتجلى أمور وتنكشف حقائق، فالنبي صلى الله عليه وسلم يبدأ بمعالجتها رويدًا رويدًا. يعني كما بدأ يعالج قضية اليهود في المجتمع النبوي رويدًا رويدًا، بدأ يطردهم ويحاربهم. لكن ابتداءً النبي صلى الله عليه وسلم أدرك ظرفه وواقعه، أنه عندما أتى إلى المدينة ما في مجال أن يبدأ بمحاربة اليهود مرة واحدة؛ لأن المجتمع ما زال غير متماسك، المجتمع ما زال في فوضى، وما زالت الأمور والتفاصيل غير واضحة. فكان لا بد من تنظيم التفاصيل والضوابط والقواعد، وأن يتحقق الأمن فترة من الزمن تبنى فيها المجتمع، ثم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن المواجهة لا بد منها في لحظة من اللحظات، لكنني لا أستعجل المواجهة. لا أستعجل في فرض الأمور التي يمكن أن تخرج عن السيطرة بسبب الاستعجال في فرضها.

وهذه شريعة الله أحبتي، يعني هذه المسيرة الدعوية من النبي صلى الله عليه وسلم في شرع الأحكام هي وحي من الله سبحانه؛ حتى تتعلم الأمة من هذا النهج ألا تستعجل دائمًا في قطف الثمار. هي قضية فقه الدعوة وفقه مراحل التنقل والتغير والارتقاء بالدعاة وبالمصلحين وبالمجتمع؛ هذا فقه عظيم جدًا ينظر فيه إلى مسألة المصالح والمفاسد. فإن الشريعة الغراء، كما يقول الطوفي رحمة الله عليه، إنما بُنيت على جلب المصالح ودرء المفاسد. فالعلماء الربانيون الذين تضلعوا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ونظروا في تصرفات الشارع وأخلصوا واستخلصوا المقاصد الشرعية المرعية، يدركون ما هو الحكم الشرعي في كل لحظة من لحظات الأمة؟ وكيف تنتقل هذه الأمة رويدًا رويدًا نحو صناعة الانتصار وصناعة الحضارة وصناعة الفكر؟ لكن ينبغي ألا يترك الأمر لأنصاف المتعلمين وللجهلة ليفرضوا آراءهم وفهمهم القاصر لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم.

فكما قلنا، كثير من بنود هذه المعاهدة نعم، يقول كثير من الفقهاء إنها منسوخة مثل قضية عدم فرض الجزية؛ إذ الجزية فرضت بعد ذلك على أهل الذمة وما شابه ذلك، وقضية الموادعة. وفي الحقيقة وجدت نصًا لابن تيمية رحمة الله عليه في الصارم المسلول يتكلم فيه أن كثيرًا من الأمور التي يقال إنها منسوخة يمكن أن ينظر إليها بنظرة أخرى. الآن بعض الأمور فعلًا نُسخت مائة بالمائة ولا تتغير، يعني أصبحت من الثوابت، فلا يمكن لشخص أن يأتيني مثلًا يقول: والله يا شيخ الخمر الآن في ناس تشربها فما رأيك؟ نقول بحلها إلى أن ننسخها بعد ذلك؟ لا، هناك أمور ثوابت انتهت لا تقبل العودة مرة أخرى إلى الخلف. لكن هناك أمور يقول ابن تيمية رحمة الله عليه في الصارم المسلول: هناك أمور يُنظر إليها على أنها أمور حُلية، متى ما وقعت الأمة في مثل هذا الظرف الذي وقع فيه النبي صلى الله عليه وسلم تأخذ الحكم الأول، ومتى أصبحت في الظرف الثاني الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم تأخذ الحكم الثاني. وهذه نظرة دقيقة من ابن تيمية رحمة الله عليه.

أنه ليس كل ما تقرأه في كتب التفسير أن هذه الآية منسوخة يكون فعلًا دقيقًا في التوصيف. مثلًا ما تجدونه في كتب التفسير كثيرة ما يقولون إن آية السيف نسخت كل آيات الصفح والإعراض عن المشرك والعفو عنهم إلى فترة معينة، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]. الآن عندما تقرأ في كتب التفسير تجد أن ما يسمى آية السيف التي نزلت نسخت أكثر من مائة آية فيها أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن المشركين، الهجر لهم، وغض الطرف عن تصرفاتهم الحمقاء؛ الآن لا تقاتلهم، فيقولون آية السيف نسخت كل آيات الصفح والعفو والمهادنة بهذا الإطلاق العام. الآن هذا رأي لطائفة من العلماء وهو مشهور، لكن في الحقيقة هناك رأي لعلماء محققين من الأقدمين من الكبار الثقات، يقولون إن آية السيف لم تنسخ الآيات الأخرى نسخًا تامًا بحيث لا يعاد إلى تلك الآيات ولا تطبق عبر تاريخ الأمة، وإنما نسختها في ذاك الزمن. وإذا صح تسميته نسخًا، وإذا أصلاً لم تقبل فكرة النسخ واتبعت ما يقوله ابن تيمية رحمة الله عليه فلك حظ في ذلك، وهو منهج أن هناك آيات تطبق ضمن ظرف معين؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى مثل هذه الآيات في هذا الظرف.

لما تغير ظرف النبي صلى الله عليه وسلم وتغيرت العوامل الموجودة، أتته آيات أخرى ليتعامل مع الظرف الجديد ومع المستوى المتقدم. وهذا فيما أراه، والله تعالى أعلم، هو الذي يتلائم مع منهج بناء الدولة في الإسلام ومع منهج التغيير. أن الأمة إذا وصلت إلى حال كحال النبي صلى الله عليه وسلم في فترة من فترات دعوته المكية أو بداية هجرته، فيجب أن نتعامل وفق المنظور الذي تعامل معه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم حينما نرتقي بحال الأمة رويدًا رويدًا ننتقل إلى المنظور الآخر، ثم إلى المنظور الثالث الذي أتى به القرآن وأتت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا منظور يساعدنا على الانتقال بالأمة رويدًا رويدًا، وعدم استعجال قطف الثمار، وألا نطبق أحكامًا هي أحكام نهائية جاءت للإسلام ونحن ما زلنا في مرحلة البداية. إن كثيرًا من المسلمين الذين استعجلوا في تطبيق الأحكام النهائية على مرحلة ابتدائية، قسموا ظهر المسلمين وأتوا بأمور في الحقيقة فسادها أكثر من خيرها وصلاحها على المجتمع. فهذه بعض الأمور التي أنبه إليها أحبتي، ما نسميه بالوعي الدعوي ووعي قراءة النص القرآني ووعي قراءة النص النبوي وفهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على أنها منهاج؛ لأننا لو أردنا دائمًا أن نطبق الأحوال النهائية من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، سنأخذ ما وقع بعد فتح مكة، وكل الأحكام والسياسات الشرعية التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة وهو في مكة وهو في الحصار وهو في بداية الهجرة سنعتبرها أحكامًا كلها منسوخة لن تُعاد مرة أخرى في تاريخ الأمة.

لكن الواقع المعاصر يأبى ذلك، ويشهد أن هذه الأمة ستمر في لحظات ضعف شديد ثم لحظات انتصار، فأحكام حالة الاستضعاف -وهذا نص ابن تيمية- في مرحلة الاستضعاف تطبق أحكام معينة، وفي مرحلة العزة والتمكين تطبق أحكام أخرى. فينبغي أن ينتبه لهذه القضية. إذاً الشيء الثاني الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم هو المعاهدة.

تمام. طيب، ما هو الشيء الثالث؟ ننتقل للشيء الثالث الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذاً بناء المسجد أولًا، ثانيًا المعاهدة لضبط العلاقة داخل هذا المجتمع، ثالثًا المؤاخاة، المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهذه عملية سياسية حكيمة.

عالية من القائد الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه. النبي صلى الله عليه وسلم لاحظوا كيف يحرص على تجميع الكلمة، تجميع كلمة المسلمين حتى يزيل أي بغضاء، أي شحناء، أي نظرة من مسلم لمسلم آخر. يريد أن يزيل هذه النظرة تماماً وأن يحيي هذا المجتمع. المؤاخاة وقعت على أكثر من صورة: هناك مؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم، ومؤاخاة بين الأنصار أنفسهم، ومؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. انظروا لثلاثة أشكال من المؤاخاة وقعت، والنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا يريد أن يزرع في نفوس الصحابة من بداية الأمر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].

إذا اختلفتم فالخلاف لا ينبغي أن يفسد الود، والله لك وجهة نظر وله وجهة نظر، هذا لا يسبب فساد الود ولا التقاطع ولا أن يرجم أحدنا زميله وصديقه ولا أن يقاتل بعضنا بعضاً. هذه الرسالة يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصلها من بداية الأمر: أيها الأنصار، أيها المهاجرون، أنتم اللبنة الأولى لدولة ستحكم العالم عبر آلاف السنين، فينبغي أن تكون هذه اللبنة قوية.

النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالمهاجرين إلى المدينة، المهاجرون فقراء، طبعاً ليسوا فقراء لأنهم كانوا فقراء في مكة، بعضهم كان من أغنى الأغنياء مثل عبد الرحمن بن عوف، كان من أغنى الأغنياء لكن بعضهم دفع أمواله في سبيل الله وتركها مهاجراً إلى الله ورسوله، صهيب الرومي، عبد الرحمن بن عوف وغيرهم من كبار الصحابة؛ هجروا الدنيا بملذاتها وهاجروا إلى الله ورسوله، افتقر الصحابة المهاجرون عموماً، فحينما وصلوا إلى المدينة لا بد من عملية تكافل اجتماعي سريع، تكافل اقتصادي سريع حتى تحل أزمة المهاجرين الجدد.

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الفكرة الإبداعية، فكرة الأخوة والمناصرة بين المهاجرين والأنصار. يروي لنا ابن إسحاق ويقول: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فيما بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل، فقال عليه الصلاة والسلام: «تآخوا في الله أخوين أخوين». ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي علي بن أبي طالب رضي الله عنه ورفعها فكان يقول: «هذا أخي». ثم آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، ولاحظوا كلاهما من المهاجرين.

آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين حمزة وزيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل. طبعاً قضية جعفر بن أبي طالب هنا في الحقيقة هي محل نظر، الآن انتبهت إليها، ويقول آخى بين جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين ومعاذ بن جبل، لكن هذا الكلام من ابن إسحاق أظن فيه نظر عند علماء السير؛ لأن جعفر بن أبي طالب قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر في السنة السابعة من الهجرة وليس في هذه السنة. فهذا النص من ابن إسحاق الذي نقله ابن هشام يحتاج إلى نظر، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين جعفر ومعاذ بن جبل، هذا النص يحتاج إلى نظر لكن المهم هناك مؤاخاة عديدة وقعت. كان أبو بكر الصديق مثلاً آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زهير، عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، عتبان الذي مر معنا قبل قليل من كبار زعماء الأنصار، أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ، عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، والقصة بينهما شهيرة رائقة عالية.

قصة مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف؛ لما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما كما تروي الأسانيد الصحيحة، سعد بن الربيع أتى لعبد الرحمن بن عوف فقال له: هذا بيتي وهذا مالي وعندي زوجتان، فخذ من بيتي ما شئت ومن مالي ما شئت، واختر إحدى زوجتي أطلقها فتتزوجها أنت. قاسمه في كل شيء، سعد بن الربيع إنسان راقي جداً، إنسان عالي جداً في فهمه واستيعابه وطيب قلبه، وبهذه القلوب أحبتي والله سادوا، قلوب طيبة نظيفة نقية طاهرة، قلوب محبة للبذل والعطاء. تصور إنسان يقول لأخيه: أقاسمك بيتي، أقاسمك مالي وعندي زوجتان، اختر أيتهم ما شئت وطلقها لتتزوجها؛ ما قال والله اختار فلانة الفلانية وأطلقها لك، يعني ما عيَّن له، لا، اختر أي ما شئت وأنا أطلقها وأنت تتزوجها. نمط عالٍ جداً من التكافل والتعاون.

لكن سعد بن الربيع قابل رجلاً أشم، رجل صاحب مروءة، عبد الرحمن بن عوف إنسان صاحب مروءة، صاحب رقي، إنسان نفسه عالية جداً، وإنسان ذكي في التجارة، ميزات الشخصية القيادية موجودة فيه، فقال له: بارك الله لك يا أخي في أهلك ومالك وزوجك، لكن دلني على السوق، فقط هذا الذي كان يريده عبد الرحمن بن عوف، فقال وأنا أدبّر حالي. عبد الرحمن بن عوف عقلية تجارية مخيفة جداً، لذلك خلال سنوات معدودة عادت فصار من كبار أثرياء المدينة تجارياً، ربنا عز وجل وهبه مع بركة الله سبحانه وتعالى له. ففعلاً قال دله على السوق، طبعاً كان السوق في ذاك الوقت يسيطر عليه اليهود، فدله على السوق وبدأ عبد الرحمن بن عوف يتاجر، كما قالوا أشهر معدودة فإذا بعبد الرحمن بن عوف يأتي على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أثر صفرة، قالوا الزعفران كانوا يتطيبون به، فقال: «ما هذا يا عبد الرحمن؟» النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا عبد الرحمن ما هذا؟ فقال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. الله أكبر، خلال أشهر معدودة وجد الذهب عبد الرحمن بن عوف وتزوج امرأة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: «بارك الله لك، أولم ولو بشاة».

المهم أنا أقصد فكرة التآخي، فكرة التناصر والتآزر التي وقعت بين الصحابة، وهذا حل من النبي صلى الله عليه وسلم لمشكلة اجتماعية واضحة. وهكذا نريد الحلول أحبتي من القادة ومن أصحاب القرار دائماً أن تتعامل مع المجتمع أولاً. والله أحبتي لو أن عند المسؤولين تقوى الله سبحانه وتعالى وحرص على إيجاد الحلول للمجتمعات المسلمة ستحل الأمور بإذن الله، لو كان عند المسؤولين الصدق مع الله سبحانه والحرص على إيجاد الحلول للمجتمعات المسلمة توجد الحلول، لن تخلو والحلول موجودة، لكن نحتاج إلى أولاً مسؤول كفؤ في مكانه، مسؤول يخشى الله سبحانه وتعالى، مسؤول لا يسرق ولا ينهب أموال وثروات الدولة، مسؤول يريد فعلاً أن يحل الأمور وأن ينشر الصلاح في هذا المجتمع، حينئذ بإذن الله ستتحقق كل الأمور الخيرة التي نجدو إليها.

وإلا ما ترونه اليوم من العلاقة المحتدمة بين الشعوب وبين السلاطين، وما تجدونه من افتراق في الصف، ومن هنا صرخات وصرخات وآهات، نعم لها عدة أسبابها، طبعاً الابتعاد عن دين الله، الابتعاد عن نهج الحق، الابتعاد عن شريعة رب العالمين، وجود الفاسدين، ما في حلول حقيقية لإنقاذ أحوال المجتمع وللرقي به والانتقال به لحال أفضل، فما دمنا نحيا بهذه الأجواء فللأسف أي حلول جزئية لن تحل المشكلة، نعم أحبتي الحلول الجزئية لن تحل لهذه الأمة مشاكلها؛ يعني اليوم نعلي الدينار غداً نخفضه، اليوم يرتفع سعر الوقود غداً ينزل سعر الوقود، هذه حلول جزئية، يعني اليوم الخبز هناك دعم ما في؛ حلول جزئية لا تحل المشكلة من جذرها، كلما حلوا مشكلة ظهرت مشكلة أخرى لأن المشكلة قائمة، الابتعاد عن النهج القويم، الابتعاد عن المنهج الصحيح في بناء الدول وفي إصلاح المجتمعات وفي التغيير، هذا هو السبب الأساس في بقاء حال هذه الأمة بهذا السوء للأسف.

إذن وقعت الكثير من المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم، وبين الأنصار أنفسهم، وبين المهاجرين والأنصار، فهذه الأعمال الأساسية الثلاث هي أهم أعمال ركز النبي صلى الله عليه وسلم عليها في بداية هجرته: بناء المسجد، المعاهدة، والمؤاخاة. ثم بعد ذلك بدأت التشريعات تنزل رويداً رويداً، فجاء تشريع الأذان. طبعاً قبل تشريع الأذان دعوني أقرأ ما ذكره ابن أبي العز الحنفي في أبياته، وأشربوا قبل ذلك شيئاً من الماء بسم الله.

يقول ابن أبي العز في البيت الثالث والأربعين وهو يتكلم عن أهم الأحداث التي وقعت في السنة الأولى من الهجرة: أكمل في الأولى صلاة الحضري من بعد ما جمع فاسمع خبري

في هذا البيت يقول ابن أبي العز إن في السنة الأولى من الهجرة صلاة الحضر (أي الصلاة الحاضرة) لأن هناك صلاة في الحضر كما تعلمون، وهناك صلاة في السفر؛ المسافر يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، وأما الإنسان الحاضر فإنه يتم الصلاة الرباعية أربعة. لكن تروي كتب السير أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فرضت عليه الصلوات الخمس في ليلة الإسراء والمعراج ونزل إلى الصحابة في مكة وأخبرهم بالخبر، وأيضاً أخبر الذين بايعوه بيعة العقبة الأولى والثانية، في الصلوات الخمس كانت الصلاة الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء تصلى ركعتين كصلاة السفر. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم وردت عليه الصلوات الخمس في ليلة الإسراء والمعراج، لكن ابتداءً الصلوات الرباعية الظهر والعصر والعشاء كان يصليها في مكة، وكان أخبر من صار الذين كانوا في المدينة أن تصلى ركعتين.

ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وفي السنة الأولى من الهجرة وبعد أن صلى النبي صلى الله عليه وسلم أول صلاة جمعة في وادي رانوناء التي ذكرناها قبل قليل في بني سالم بن عوف، أمره الله سبحانه وتعالى أن يتم الصلاة الرباعية إلى أربعة، كانت هي ثنائية كما قلنا ابتداءً فاصبحت بعد ذلك رباعية، الظهر أصبحت أربعة والعصر أربعة والعشاء أربعة، وأما في السفر فبقيت تقصر على ركعتين، هذا أمر آخر، لكن في الحضر تصلى أربعة تامة، وقبل ذلك قبل الهجرة كانت تصلى صلاة الحضر الرباعية على ركعتين فقط. لذلك ابن أبي العز يوثق هذه القضية فيقول: أكمل في الأولى (أي في السنة الأولى من الهجرة) أكمل صلاة الحضر، تمت صلاة الحضر إلى أربعة، وهو يتكلم عن الصلاة الرباعية فقط هنا، أما إذا كانت ثنائية، أما الفجر هي أصلاً على ركعتين، المغرب على ثلاث، لكن الكلام عن الصلوات الرباعية كانت ركعتين ثم أصبحت أربعة.

لكن متى تم هذا؟ كما قال لك من بعد ما جمع؛ جمع أي صلى صلاة الجمعة، هذا معنى جمع وهذه كثيراً ما ترد هذه اللفظة في الأحاديث مع النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، معنى جمع أي صلى صلاة الجمعة، من بعد ما جمع فاسمع خبري، هذا لتتمة البيت. فيقول ابن أبي العز إن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى بعد أن صلى صلاة الجمعة أول صلاة جمعة صلاها في وادي رانوناء في بني سالم بن عوف، بعدها أمره الله سبحانه وتعالى أنه انتهى الأمر، الصلاة التي كنتم تصلوها على اثنتين الظهر والعصر والعشاء أصبحت أربعة، فاكتملت صلاة الحضر.

ثم قال: ثم بنى المسجد في قباء. طبعاً لاحظوا ربما نحن رتبنا أحداث السيرة خطوة خطوة، وهنا ربما ابن أبي العز يعني يقدم ويؤخر بعض الأحداث، لأنه قال ثم بنى المسجد في قباء، بناء المسجد في قباء في الحقيقة كان قبل أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف كما ذكرنا في كلام ابن هشام، فالنبي عليه الصلاة والسلام بنى مسجد قباء ثم سار إلى منطقة سالم بن عوف يوم الجمعة، في منطقة سالم بن عوف صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الجمعة، فهناك شيء من الاختلاف في الترتيب بين كلامنا الذي قررناه حينما يذكره ابن أبي العز الحنفي، فبناء مسجد قباء كان قبل صلاة الجمعة، إذن ثم بنى المسجد في قباء، وقلنا هذا الصحيح كان قبل صلاة الجمعة الأولى.

ومسجد المدينة الغراء؛ أي ثم بنى النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً المسجد النبوي، ربما يقول يعني يا شيخ لماذا لا نحمل قول ابن أبي العز في قوله ثم بنى المسجد في قباء أنه لا يريد بـ ثم الترتيب الزمني وإنما يريد الترتيب الذكري؟ وهذا كثير ما يكون في النصوص الشعرية، أنه لا يريد أن يقول أن قباء كانت بعد الجمعة، وإنما هو يرتب الذكر، يذكر شيئاً ثم ما يذكر شيئاً، والعلماء يستخدمون ثم أيضاً للترتيب الذكري وإن لم يكن هناك ترتيب زمني بين الأحداث، وهذا أيضاً أمر وارد ويمكن أن يفسر به النص لنجمع بين كلامنا أو كلام ابن هشام وبين كلام ابن أبي العز، فتكون ثم للترتيب الذكري وانقضى الأمر.

إذاً بنى المسجد، بنى مسجد قباء، المسجد الآخر الذي بناه كان مسجد المدينة الغراء، المسجد النبوي المعروف الآن، بني في المربد الذي اشتراه من الغلامين اليتيمين. ثم حول المسجد قال ثم بنى من حوله مساكنه، أجرى النبي صلى الله عليه وسلم حول مسجد المدينة الغراء بنى حجرات النساء، والذي يظهر كما قلنا أنه بنى حجرة لسودة وحجرة لعائشة، أما باقي الزوجات لم يكن يعني بنى بهن بعد، أو عقد عليهن أصالة. قال ثم أتى من بعده في هذه السنة، من المشاعر أيضاً في هذه السنة التي يذكرها ابن أبي العز، قال ثم أتى من بعده في هذه السنة أقل من نصف الذين سافروا إلى بلاد الحبشة حين هاجروا، في هذه السنة حينما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وصلت هذه الأنباء إلى المهاجرين إلى الحبشة الذين تركناهم.

وصلت الأنباء إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه الذين تركناهم في الحبشة بأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وجدوا داراً ينتصرون بها وحصناً يلجؤون إليه، فعاد نصف الذين كانوا في الحبشة باتجاه المدينة النبوية. تذكرون أننا قلنا كانوا ثلاثة وثمانين رجلاً وثماني عشرة امرأة؛ فتروي كتب السيرة أن ثلاثة وثلاثين رجلاً من الثلاثة والثمانين عادوا، ومن الثماني عشرة امرأة عادت ثماني نسوة. طبعاً لم يكن بينهم جعفر بن أبي طالب، كما قلنا الصحيح أن جعفراً عاد في غزوة خيبر متأخراً، ولكن عبد الله بن مسعود وغيره من كبار الصحابة والمهاجرات عادوا في تلك الفترة باتجاه المدينة النبوية، وقالوا: لا داعي لإقامتنا في الحبشة ما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر، وأحبوا أن ينصروا النبي صلى الله عليه وسلم وأن يشاركوه في عملية بناء الدولة.

هذا معنى قوله أي في السنة الأولى من الهجرة؛ عاد أقل من نصفهم. كذلك الثماني عشرة امرأة، نصفها تسعة، والذين عادوا ثمانية؛ فعلاً أقل من نصف الذين سافروا إلى بلاد الحبشة عادوا باتجاه المدينة النبوية. وفي هذا العام أيضاً آخى أشرف الأخيار، أي النبي صلى الله عليه وسلم، بين المهاجرين والأنصار.

ثم ينتقل إلى مشهد آخر وقع في هذه السنة، وهو مشهد زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة. في هذه السنة أيضاً، وفي شهر شوال بالتحديد، بنى النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة، وكانت عائشة تفتخر أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد عليها في شوال. نعود، متى عقد النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة؟ ذكرنا مع ابن أبي العز في شوال، وبنى بها أي دخل بها في المدينة في شهر شوال، فكانت تقول عائشة: «عقد علي النبي صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء النبي صلى الله عليه وسلم أحظى عنده مني؟». كانت عائشة تحب شهر شوال رضي الله عنها.

تروي لنا الأحاديث الصحيحة في صحيح البخاري قصة كيف دخل النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة، كما نقول ليلة الزفاف. في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم، أي عقد علي، وأنا بنت ست سنين، وهذا كان كما قلنا في مكة. فقدمنا المدينة فنزلنا، أي نزلت هي مع أبيها وأهلها في بني الحارث بن الخزرج، فوعكت، أي أصابتها وعكة صحية؛ وكثير من الصحابة من المهاجرين لما قدموا المدينة ما اعتادوا ابتداءً على جو المدينة، فأصابتهم وعكات صحية شديدة حتى خُشي على بعضهم من الموت، بل إن بلال بن رباح كان يهذي من شدة التعب، وأبو بكر الصديق تعب تعباً شديداً حتى ظنوا بأنفسهم الموت.

فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقل الله سبحانه وتعالى ذاك الوباء الذي كان في المدينة إلى منطقة الجحفة؛ لأنها كانت منطقة خالية من السكان. فدعا ربه سبحانه وتعالى أن يصرف ذلك الوباء إلى مناطق لا يتضرر فيه أحد، وفعلاً الله سبحانه وتعالى صرف الوباء عن المهاجرين وعن المدينة عموماً. وإلا ففي ابتداء الأمر، كما تروي كتب السير، أصيب كثير من المهاجرين بوباء شديد، وكانت المدينة أجواؤها غير نقية، فالله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه صرف عنهم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة». وهي منطقة الجحفة التي هو ميقات أهل الشام.

تروي لنا عائشة رضي الله تعالى عنها كيف تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول: فلما قدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكت، فتمارق شعري فوق جميمة. أي أصابتني وعكة، وهذه الوعكة أثرت على شعرها، كان شعرها طويلاً فبدأ شعرها يتساقط حتى أصبح فوق الجميمة. والجميمة هو الشعر الذي يصل إلى شحمة الأذن، فكأن شعرها قصر حتى أصبح عند أذنيها، وهذا طبعاً غير مرغوب للرجال عموماً.

قالت: فأتتني أمي أم رومان وأنا في أرجوحة، يعني عائشة فتاة ما زالت صغيرة، نحن نقر بهذا، فتاة تحب اللعب مع زميلاتها، قالت: ومعي صواحب لي، فصرخت بي، فنادت علي، فأتيتها لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنهج من شدة التعب، فبدأت أهدأ، ثم أخذت شيئاً من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت مستعدات حتى يرتبوا عائشة ويجهزوها ويزينوها للنبي صلى الله عليه وسلم، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني، أي ما تفاجأت، إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى، فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين.

هل كانت بالغة؟ لم تكن بالغة؟ هذا أمر ربما كتب السيرة لم تشر إليه صراحة بشكل واضح، ولعل من بعض تراجم البخاري قد يشار إلى أنها لم تكن قد بلغت بعد سن المحيض، ولكن الفقهاء عموماً يؤكدون أن المرأة يمكن أن يُبنى بها قبل أن تصل سن المحيض إذا راهقت، أي قاربت جداً من سن المحيض ولم يبق إلا الشيء اليسير، فيمكن أن يُبنى بها ويصلح لها ذلك. وذكرت في مجلس سابق أن مقاصد زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة، يعني النبي عليه الصلاة والسلام لو أشار إلى أحد من الأنصار أن ينكح ابنته لأعطاه من دون نقاش، فزواجه من عائشة كان بوحي من الله، الله عز وجل يريد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج عائشة لتحفظ لهذه الأمة دينها.

فتاة صغيرة، الذاكرة عندها قوية متينة، تستطيع أن تحفظ وتركز على كل التفاصيل، وفعلاً هذا ما وقع، فعائشة من المكثرات من الصحابة عموماً في رواية أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، كانت عالمة جليلة فاضلة، عمرت مدة طويلة من الزمن وهي تعلم الصحابة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في معشره وفي أخلاق بيته، وكيف كان يعامل أزواجه، وهذا الناحية ما تسمى الآن الأحوال الشخصية لا يمكن أن تكون صحابي خارج دائرة بيت النبي صلى الله عليه وسلم ينقلها، لابد من إنسان من معقله من بيته يخبر الصحابة كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في هذا الموقف وكيف كان يتعامل مع زوجاته في المحيض وفي النفاس.

طبعاً النفاس هذا في مارية القبطية، وكانت أمة له على قول، والبعض قال إنه نكحها، لكن الذي يظهر أنها كانت مولاة؛ لأن النفاس هو عقب الولادة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يولد له إلا من خديجة ومن مارية، فينبغي أن ينتبه على هذا حتى لا يظن أن كان هناك نفاس متكرر.

قضية زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة لها مقاصدها، لأن اليوم العلمانيون الفارغون البطالون، الإنسان الذي لا يجد شيئاً يقدمه لهذه الأمة يريد أن يطعن في هذه الأمة، الذين يرسلهم الغرب والمستشرقون للطعن في هذا الدين دائماً يثيرون مثل هذه القضايا: كيف هذا النبي العظيم يتزوج من فتاة لم تبلغ بعد في سن التاسعة وما شابه ذلك؟ ويتكلمون من عقلية جوفاء، عقلية لا تعرف المصالح، عقلية لا تعرف البيئة العربية، فالبيئة العربية أحبتي لا تألف من هذا الزواج، وكانت تتقبله، وكما قلت لكم سابقاً لو أن أحداً من العرب كان يأنف مثل هذا الأمر لوجدوا مدخلاً يطعنون فيه على النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني كفار قريش كانت الحرب شديدة وكانوا يريدون أن يمسكوا أي ممسك على النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان مثل هذا الزواج غير مقبول ولو كانت هيئات المجتمع المدني وهيئات حرية المرأة في زمن كفار قريش قائمة، لوجدوا أنه هذا عيب، كيف محمد صلى الله عليه وسلم ينكح فتاة صغيرة؟ لكن هذا الأمر كان مألوفاً عندهم، هي القضية لا تحتاج إلى كبير ذكاء، هو أمر يحتاج إلى أن نتدبر في طبيعة تلك البيئة وندرك أن هذا الأمر كان منتشراً بينهم، ولم يكن أمراً مكروهاً أو أمراً مستصعباً أن تأنفه النفوس أبداً، أمر كان عائداً على طبيعة البيئة العربية، طبيعة النساء في تلك البيئة، لم يكن هناك مانع.

والله سبحانه وتعالى أجل وأعظم من أن يرضى لنبيه صلى الله عليه وسلم ما ينقص من قدره، فهذه القضية ننتبه عليها أحبتي، ولا نسمح لأي أحد ضعيف مهزوز مردود أن يشككنا. البعض يقول -حتى يخلص من القضية- يقول: أنا لا أريد أن أطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه الأحاديث التي وردت في البخاري وفي مسلم في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وهي صغيرة أردها وأرفضها وأقول أنها باطلة، وهي من صنيع فلان وفلان من الرواة. وهذه أحاديث تلقاها العلماء مئات السنوات وعبر قرون عظيمة جداً في عهد الأمويين والعباسيين والمماليك، وما وجدنا أحداً أنكرها إلا من رذالة وزبالة المعاصرين؛ فمن أين أتيت أيها المعاصر؟ الذي لو نظرتم في حال هؤلاء الذين يردون مثل هذه الأحاديث لا علم عندهم ولا منطق ولا دراسة علمية، وإنما هم أناس يدرسون في الجامعات الاستشراقية في السوربون وغيرها من جامعات بريطانيا وفرنسا وأمريكا، ثم يأتون ملوثين بالشبهات ويبدؤون نثر هذه السموم في المجتمع وعلى القنوات.

هناك قنوات تستضيف هؤلاء وتحب لأن هناك من يريد أحبتي أن يشكككم في الثوابت، أن يطعن في نبيكم، يريد أن يقلل من قدر هذا النبي العظيم في قلوبكم وفي صدوركم، وأن يجعلكم تنظرون إليه بنظرات أخرى مباينة للمنهج القويم، فاحذروا أحبتي من هؤلاء. والله إن المعركة كبيرة، والله إن حجم الشبهات وحجم الفساد الذي يراد لهذه الأمة كبير، وإذا لم تكن هذه الأمة بحجم المعركة ستنخر من الداخل، وهي نخرت إلى مسافات كثيرة، لكن يزداد النخر يوماً بعد يوم. فنحن نحتاج إلى صناعة الوعي، إلى صناعة طلبة علم، وإلى صناعة مسلمين عموماً دعاة يستطيعون الإجابة عن هذه الشبهات بأدنى الطرق وأيسرها وأوضحها وأجلاها. لابد أن تحسنوا إجابة هذه الشبهات دفاعاً عن نبيكم صلى الله عليه وسلم، ودفاعاً عن الحب العظيم الذي يملكه في قلوبكم.

إذاً، كما يقول ابن أبي العز الحنفي، دخل النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها في شهر شوال حينما أكملت التسع سنوات، ثم بابنة خير صحبه. ثم قالوا: وشرع الأذان فاقتد به. في البيت السابع والأربعين؛ نهاية قال: وشرع الأذان. قضية الأذان: الآن بالتأكيد بالتأكيد، كما قلنا، شُرعت الصلوات وأُتمت صلاة الحضر إلى أربع، وبدأ المسلمون يجتمعون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لإقامة الصلوات، لكن الآن المشكلة التي واجهتهم: كيف يعرف الناس أن وقت الصلاة قد دخل؟ مشكلة، وأي مشكلة! لابد أن نبحث لها عن حل.

فبدأ الصحابة يتشاورون والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر، يتشاورون ما هي الوسيلة التي نستعملها حتى يعلم الناس أن وقت الصلاة قد دخل ليجتمعوا لصلاة الجماعة؟ فكان بعض الاقتراحات قالوا: نأتي بناقوس كناقوس اليهود، اليهود كان عندهم ناقوس يضربون به أو ما شابه ذلك حتى يدعوا الناس إلى الصلوات، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما أعجبه أن يُستخدم هذا الناقوس. جاء اقتراح آخر، قالوا: يا رسول الله، ما رأيكم أن نتخذ بوقاً كبوق النصارى؟ فكان هذا رأي آخر أو البعض ربما يعكس الأمر، لكن هنا مثلاً يقول ابن هشام إنه كان بوقاً كبوق اليهود، فجعل البوق لليهود والناقوس للنصارى. المهم بدأوا يقترحون إما بوقاً وإما ناقوساً، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعجبه هذا ولم يعجبه هذا.

فماذا كان الحل؟ ابتداء أمر النبي ﷺ أن يُنادى للصلاة، وكان هذا الحل لفترة محددة أن يُنادى بالصلاة، فكانوا ينادون الصلاة الصلاة الصلاة من دون الأذان، فلم يُشرع الأذان بعد.

والله سبحانه وتعالى من كرامته لصحابي من الصحابة الأبرار أراه في منامه رؤيا في مشروعية الأذان، فأتى هذا الصحابي ليقص هذه الرؤيا على النبي ﷺ. ماذا يقول هذا الصحابي؟ ومن هو أولًا هذا الصحابي الذي خصه الله بهذه الكرامة؟ هذا الصحابي هو عبدالله بن زيد بن عبد ربه. هو معروف عبدالله بن زيد بن عبد ربه، وينبغي أن تكملوا اسمه؛ لأن هناك أكثر من صحابي يسمى بعبدالله بن زيد، فبعضكم قد يختلط عليه الأمر بين الصحابة.

أكثر من صحابي اسمه عبدالله بن زيد، هناك عبدالله بن زيد بن عاصم، وهناك عبدالله بن زيد بن عبد ربه. فهذا الصحابي ماذا يقول؟ يقول: طاف بي هذه الليلة طائف. أتى النبي ﷺ قص عليه رؤيا رآها في منامه، قال: يا رسول الله، أتاني طائف في هذا الليل، فمر رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسًا في يده، فقلت يا عبدالله، هو يخاطب هذا الرجل الذي عليه ثوبان أخضران في المنام فيقول: يا عبد الله هل تبيعني هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فصاحب الثوب الأخضر يقول لعبدالله بن زيد: ما تصنع بهذا الناقوس؟ فقال: ندعو به إلى الصلاة. فقال صاحب الثوب الأخضر: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ فقال: تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: فاستيقظت، فأتى النبي ﷺ فقص عليه هذه القصة.

فالنبي ﷺ سُرَّ بهذه الرؤيا، وقال لعبدالله بن زيد: «والله إنها لرؤيا حق، قم إلى بلال فعلمه هذه الكلمات لينادي بها، فإنه أندى صوتاً منك». في النهاية سبحان الله، النبي ﷺ يريد أن يسند هذه الوظيفة لمن هو الأجدر والأحق أن يقوم بها. النبي ﷺ كان بإمكانه أن يطيب خاطر هذا الصحابي فيقول له: بما أنك أنت رأيت هذه الرؤيا قم فأنت أذن، لكنه كان يدرك عليه الصلاة والسلام أن بعض الأمور يجب أن توكل للشخص المؤهل لأن يقوم بها. وحتى وإن كان ذلك قد يدخل في القلب شيء منه؛ لأنه في بعض الروايات تقول إن عبدالله بن زيد أراده هو أن يؤذن، فالنبي ﷺ طيب خاطره وجامله، لكنه قال له: ما رأيك أن تخبر بلالاً وأن تعلم بلالاً فإنه أندى صوتاً منك. علمه النبي ﷺ لماذا يريد بلالاً؟ لأن بلالاً صوته حاد، والمدينة ما فيها لا ميكروفونات ولا أدوات لإيصال الأصوات، فعملية جمع الناس تحتاج لصوت حاد يصل إلى أقصى بقعة ممكنة، فبلال كان هو الشخص الأفضل لهذه الوظيفة.

فالله عز وجل أكرم بلالاً بالأذان، بلال ذاك العبد الحبشي الذي لو مات على كفره لمات ولم يذكره التاريخ، لو بقي على كفره لمات ولم يذكره التاريخ، ذاك العبد الحبشي أصبح سيداً من سادات المسلمين، سيدنا ومولانا بلال بن رباح رضي الله تعالى عنه، إمام وقائد عظيم ورجل كبير من كبراء الصحابة ومن أفاضلهم، ثبت على هذا الدين؛ لنعرف أحبتي أن هذا الدين التفاضل فيه ليس بالجنس ولا باللون ولا بالشكل ولا باللغة ولا بالمال ولا بالمنصب ولا بالثروات ولا بأي شيء إلا بالتقوى لله والاتباع لنهج الله والثبات على هذا الدين؛ فإن الله يرفع بهذا أقواماً ويضع به آخرين. بلال بن رباح أكرمه الله عز وجل فأصبح المؤذن الأول للنبي ﷺ.

فلما خرج بلال وصعد على المسجد وبدأ يؤذن، من الذي سمع؟ عمر بن الخطاب وهو في بيته، سمع شيئاً عجيباً، أذاناً يُؤذن به، فأتى النبي ﷺ يجر رداءه. لماذا تعجب عمر بن الخطاب؟ ليس لأن الأذان عجيب هو بحد ذاته، تعجب عمر بن الخطاب لأن هذه الكلمات التي خرجت من بلال كان قد رآها في نومه هو أيضاً. فعمر بن الخطاب قال لما سمعت بلالاً يؤذن خرجت أجر ردائي إلى النبي ﷺ، فقال: والله يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما رأى عبدالله بن زيد. فانظروا كيف توافقت رؤى الصحابة على هذا الأذان. والله سبحانه وتعالى أحبتي إذا أراد خيراً هيأ له أسبابه، الله عز وجل إذا أراد خيراً هيأ له أسبابه من حيث لا ندري، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنَّ علينا بفضله وكرمه وجوده وإحسانه.

إذن هذه قضية أيضاً مشروعية الأذان والتي كانت في السنة الأولى من الهجرة. حتى أنهي أحداث السنة الأولى التي ذكرها ابن أبي العز، إذا ذكر في السنة الأولى إتمام صلاة الحضر، الجمعة الأولى، بناء مسجد قباء، بناء مسجد المدينة ومساكن النبي ﷺ، عودة نصف المهاجرين أو أقل من نصفهم الذين كانوا في الحبشة إلى المدينة، المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ذكر أيضاً دخول النبي ﷺ بعائشة، مشروعية الأذان. بقي الشيء الأخير الذي ذكره في السنة الأولى، وهذه منهجية ابن أبي العز سيذكر في كل سنة أهم المشاهد. الشيء الأخير سأختم به حتى في المحاضرة القادمة ندخل في السنة الثانية من الهجرة، ما الذي حدث فيها؟ الواقعة الأخيرة التي وقعت في نهاية السنة الأولى من الهجرة هي بداية غزوات النبي ﷺ وتحركاته العسكرية.

الآن خلال أحد عشر شهراً النبي ﷺ رتب الأمور ونظم أحوال الناس في المدينة وبدأت الأمور تستقر، الآن التحرك والانتقال لنشر هذا الدين. وهذا يدللنا على طبيعة هذا الدين، هذا الدين لا يتقوقع على نفسه في منطقة، هذا الدين لا يقبل أن يُحصر، هذا الدين دين توسعي، دين يريد أن ينشر الخير للناس أجمعين؛ فنجاهد إلى أقاصي الأرض لنصل دعوة الخير إلى الناس، نحن نجاهد لننشر دين الله سبحانه وتعالى وليعم الخير والصلاح ودعوة التوحيد وهذه الشريعة في هذه الأرض ليكون الدين كله لله سبحانه وتعالى. فالنبي ﷺ ما قال خلاص وصلنا إلى المدينة دعونا نستريح وننام في بيوتنا ودعوا العالم الخارجي في ظلماتِه، بدأ التحرك بعد أحد عشر شهراً باتجاه قريش الذين كانوا يحاربونه؛ كان النبي ﷺ عنده فكر استراتيجي، كان يحسب حساب أن هذه المدينة هي نقطة انطلاق، لكن لا بد أن نعود إلى هؤلاء الذين اضطرونا أن نخرج من ديارنا وأبنائنا لنستنقذ الحق منهم ولنحاربهم ونأخذ حقوقنا بأيدينا؛ فإن الحقوق أحبتي التي أُخذت بالقوة لا تُنزع إلا بالقوة، الحقوق تؤخذ ولا تُسترد من خلال المفاوضات وليس من خلال الجلسات يميناً وشمالاً والذهاب إلى الفنادق والقصور لمقابلة فلان وفلان ومعاهدات. نسأل الله السلامة والعافية.

المهم يقول ابن أبي العز إنه في نهاية السنة الأولى من الهجرة بدأ النبي ﷺ في تحركاته، فكانت أول غزوة غزاها النبي ﷺ هي غزوة الأبواء، والأبواء هي المنطقة التي دفنت فيها أم النبي ﷺ كما ذكرنا في بداية مجالسنا في السيرة. الأبواء يقول ابن هشام: خرج النبي ﷺ غازياً على رأس اثني عشر شهراً من مقدمه المدينة، يعني في الشهر الثاني عشر من مقدمه المدينة كما قلنا آخر السنة الأولى، خرج النبي ﷺ إلى منطقة الأبواء وطبعاً هي تسمى ودان، ودان هي نفسها منطقة الأبواء. فغزا غزوة الأبواء، ما الذي قصده في هذه الغزوة الأولى؟ قصد قريشاً، كأنه كان هناك قافلة لقريش ستمر من هذا الطريق، قصد قريشاً وقبيلة تسمى قبيلة بني ضمرة بن بكر، فلما وصل النبي ﷺ إلى منطقة الأبواء، كأن قريشاً لم تحضر ولم توجد في تلك المنطقة في لحظة وصوله، انتظرها النبي ﷺ لم تصل، لربما غيرت المسير، المهم لم يحدث لقاء ومواجهة بين النبي ﷺ وبين قريش في تلك المنطقة.

ولما وصل النبي ﷺ إلى بني ضمرة الذين كانوا يسكنون في تلك المنطقة، عقد النبي ﷺ بينه وبينهم معاهدة؛ قالوا لا قوة لنا في مواجهة محمد ﷺ، قبيلة صغيرة قالت لا نريد الحرب ولا نريد شيئاً، نعقد معاهدة مع النبي ﷺ، معاهدة سلم وأمان بيننا وبينه لا نحاربها ولا تحاربنا، فالنبي ﷺ وادع بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلقَ كيداً. فهذه غزوة، تسمى غزوة لأن النبي ﷺ خرج فيها بنفسه، وهذا فرق بين الغزوة والسرية على الصحيح؛ الغزوة هي التي يخرج فيها النبي ﷺ بنفسه، والسرايا هي البعوث يبعثها النبي ﷺ ويكون هو في المدينة. فهذا أول مشهد خرج فيه النبي ﷺ بنفسه، غزوة الأبواء وتسمى أيضاً غزوة ودان؛ لأن المنطقة تسمى الأبواء وودان. خرج النبي ﷺ قاصداً لقريش وقافلة لها، وأيضاً لهذه القبيلة قبيلة بني ضمرة، وقريش هي المقصد الأساسي، فلما وصلها النبي ﷺ لم يجد قريشاً، وأتى إلى هذه القبيلة فعقد معاهدة أمان ومهادنة بينه وبينهم.

هذا في الحقيقة من حكمة النبي ﷺ السياسية؛ النبي ﷺ هذه السياسة الشرعية التي يرسمها لنا لم يُرِد أن يستعدي كل القبائل التي حول المدينة، النبي ﷺ كان يريد أن يحفظ معركته مع خط واحد، العدو الأول الآن في المواجهة كان كفار قريش هم العدو اللدود، فما في مجال أن نفتح معارك جانبية لا حاجة إليها الآن. فكان النبي ﷺ يحرص في بداية الأمر أن يعقد معاهدات ومصالحات تُسمى طبعاً هدنة بينه وبين القبائل التي كانت حول المدينة أو قريب منها أو على بعد بضع كيلومترات، حتى لا يحدث هناك أي إشكالية، هذه القبيلة تذهب لتناصر كفار قريش. انظروا الآن النظر البعيد من النبي ﷺ، نحن ما زلنا في بداية بناء الدولة وكفار قريش أيضاً يستعدون لمحاربتنا ومواجهتنا ويخشون من انتشارنا؛ فإذا كانت كفار قريش ستغزو المدينة في يوم من الأيام، هذه القبائل التي حول المدينة لو أنني لم أصالحها ولم أهادنها لربما تلتفت مع كفار قريش وتخون.

وكثير من القبائل بشكل عام العرب كان عندهم نخوة من الخيانة، اليهود ما عندهم نخوة ولا شرف كان ما أسهل أن يخونوا، لكن قبائل العرب كانت إذا عاهدت أو ضربت صلحاً فإنها في العادة لا تخون. في العادة طبعاً حدثت بعض الخيانات، قضية صلح الحديبية لما اعتدت بنو بكر على بني خزاعة وكان هذا بداية شرارة فتح مكة، حدثت بعض الاعتداءات والخيانات، لكن الجو العام في القبائل العربية أنه من عاهد يوفي بعهده، وإذا أراد أن ينهي العهد يأتي لك، يقول أنا بريء من العهد وانتهى الأمر ونريد أن نقاتل، يكون الأمر على وضوح.

فلذلك النبي ﷺ كما قلنا حتى لا تذهب هذه القبائل وتلتفت حول كفار قريش ويزداد حجم العدو الذي يواجه تلك الطائفة المستضعفة، حرص أن تكون هناك معاهدات مع القبائل التي حول المدينة حتى يُنحيهم عن المعركة. وانظروا السياسة الشرعية، بعض الناس أحبتي يريد أن يستعدي كل الكرة الأرضية في وقت واحد، وهذا لا تطيقه ولا يُكلف الله نفساً إلا وسعها. لا تستعدي كل الناس عليك مرة واحدة، نَحِّ بعض الناس عن مناطق الصراع معك، وحاول أن تقيم نقاط مهادنة وتوجه المعركة إلى العدو الأساس الذي تواجهه الآن. هذا من الحكمة ومن فهم سيرة النبي ﷺ، وأما استعداء الجميع فهذا انتحار جماعي. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا على هديه ﷺ، وأن يعلمنا من حكمته ومن سياسته، وأن يجعلنا دائماً محبين مشتاقين متعلقين به، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وفي المجلس القادم أحبتي نبدأ بإذن الله بأحوال شيقة ومواقف جليلة في السنة الثانية من الهجرة. وانتظرونا في غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، وصلى الله على سيدنا محمد.