تسجيل الدخول

الأرجوزة الميئية (10) / أحداث السنة الثانية من الهجرة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح الأرجوزة المائية للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. وما زلنا نسير أحبتي في أجواء هذه السيرة العطرة، ونتعرف على أحوال محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هديه وشمائله وأخلاقه ونهجه وسياسته؛ لنتعلم منها ولنقتدي بها، ولتكون نبراساً ونوراً نستضيء به في حياتنا.

فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا حسن الفهم بأفعاله صلى الله عليه وسلم، وأن ندرك مقاصد تصرفاته على الوجه الذي يرضيه عز وجل؛ لأن كثيراً من الدعاة يعود إلى السيرة، وكثير من المناهج تقتبس من السيرة، لكن ليس الكل يوفق للفهم الصحيح لهذه السيرة العطرة. ليس الكل يأخذ المشهد كاملاً متزناً من كل جوانبه من دون إفراط أو تفريط؛ فإن الاعتدال والفهم الصحيح والتوفيق لإدراك المقصد من كل تصرف من التصرفات هذا توفيق الله سبحانه وتعالى، بعد أن أخذ الإنسان بآلات الاجتهاد وآلات النظر والبحث والتعمق، وأن يكون صالح المقصد، وأن يكون هدفه أن يصل إلى منهج النبي صلى الله عليه وسلم، وليس أن يأخذ من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق نهجه الذي يسير عليه في حياته.

هناك من يأخذ الأمر بالعكس؛ يكون هو يتبنى وجهة نظر معينة، فيأخذ من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومن مواقفه المواقف التي توافق الرؤية المسبقة لديه، فهو لا يبحث عن الحق لأنه الحق، بل هو يريد أن يأخذ من المواقف ما يؤيد وجهة نظره. وأصحاب التيار الفلاني أيضاً يأخذون من مواقف السيرة ما يؤيد أنظارهم. والمؤمن الحق أحبتي لا يأخذ من مواقف السيرة ما يشتهيه ليؤيد نظر طائفته، بل يأخذ السيرة متكاملة ليرسم المنهج الكامل الذي يريده الله سبحانه وتعالى، المنهج الحق لأنه الحق، بغض النظر وافق من أحبه من المشايخ والطرائق أو خالف من يحبه. المهم أنني أبحث عما يريده الله سبحانه وتعالى من خلال سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بالصورة الكاملة المتكاملة غير المجتزئة من هنا وهناك، وهذا كما قلنا يحتاج إلى إخلاص لله عز وجل، ومحبة للوصول إلى الحق الذي يرضيه.

نعود أحبتي إلى ما نحن فيه في أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، وانتهينا في المجلس السابق من أحداث السنة الأولى من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. تعرفنا على أهم الأحداث التي جرت في هذا العام، وما الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم من بناء المسجد، والمهادنة، ووضع وثيقة الصلح بينه وبين مكونات المجتمع المدني، وأيضاً المؤاخاة، وعرفنا أشكالها وصورها. وعرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بعائشة رضي الله تعالى عنها، وحاولنا أن نجيب عن شيء من الشبهات التي يثيرها الأعداء حول هذه القضية. ثم تكلمنا عن أول غزوة خاضها النبي صلى الله عليه وسلم في آخر السنة الأولى من الهجرة، وكانت غزوة الأبواء، ولم يحدث فيها قتال، وإنما انتهت هذه الغزوة بصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين بني ضمرة.

اليوم بإذن الله سنشرع في أحداث السنة الثانية من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وهذه الأحداث أحداث ساخنة شيقة، وكان لها ما بعدها في توجيه بوصلة الدعوة في المدينة وفيما حولها من جزيرة العرب. يقول ابن أبي العز رحمة الله عليه في البيت الثامن والأربعين بعد قوله:

وغزوة الأبواء بعد في سفر... هذا وفي الثانية الغزو اشتهر إلى بواط ثم بدر ووجب... تحول القبلات في نصف رجب من بعد ذي العشير يا إخواني... وفرض شهر الصوم في شعبان والغزوة الكبرى التي ببدر... في الصوم في سابع عشر الشهر ووجبت فيه زكاة الفطر... من بعد بدر بليال عشر وفي زكاة المال خل فادري... وماتت ابنة النبي البري رقية قبل رجوع السفر... زوجة عثمان وعرس الطهر فاطمة على علي القدر... وأسلم العباس بعد الأسر وقينقاع غزوهم في الأثر... وبعد ضحى يوم عيد النحر وغزوة السويق ثم قرقرة... والغزو في الثالثة المشتهرة

إذاً لاحظوا أحداثاً ساخنة متعددة، منها الأمور المفرحة لهذه الدعوة، ومنها بعض الأحزان التي أصيب بها النبي صلى الله عليه وسلم كوفاة رقية، فينبغي إذاً أن نقف على أحداثها بعناية؛ لأنها كما قلت لكم سيكون لها ما بعدها في مسيرة هذه الدعوة المباركة في المدينة وما حولها.

نبدأ أحبتي بمسيرة الغزوات والسرايا التي بدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة كفار قريش، كان لها مقصدان: المقصد الأول استعادة الحق المنهوب المسلوب من كفار قريش، ومحاولة أن ينزل النبي صلى الله عليه وسلم بهم شيئاً في أموالهم وفي رجالهم مقابل ما فعلوه بالمسلمين المهاجرين الذين اضطروا بسبب التعذيب والحصار والضيق أن يهاجروا ويتركوا أهليهم وأموالهم في مكة. المقصد الثاني أراد النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوات والسرايا أن يعقد مجموعة من المصالحات والموادعات والمهادنات مع القبائل العربية التي كانت تحيط بالمدينة المنورة، حتى يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم أن يكمل رحلته في بناء الدولة المسلمة.

كان أيضاً من المقاصد البعيدة لو قلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يظهر أن الصحابة الآن أصبحوا دولة، ولم يعودوا تلك اللقمة السائغة كما كان يتصور كفار قريش وكما كانت تتصور القبائل العربية، أناس يحملون السلاح والعدة والعتاد وهم مستعدون للتضحية بأنفسهم وأموالهم مقابل الدعوة التي يحملونها، وهذا سيجعل لهم حسباناً كبيراً في جزيرة العرب.

الغزوة الأولى كانت غزوة الأبواء في نهاية العام الأول من الهجرة، ثم ستأتي الغزوات مكثفة في العام الثاني من الهجرة، لكن قبل أن نأتي إلى الغزو الثاني؛ غزوة بواط التي أشار إليها ابن أبي العز رحمة الله عليه، نقول: بين غزوة الأبواء وغزوة بواط كان هناك سريتان أرسلهما النبي صلى الله عليه وسلم.

السرية الأولى كانت سرية عبيدة بن الحارث، طبعاً أحبتي الفرق بين الغزوة والسرية كما هو منشور عند علماء السير أن الغزوة هي التي يشارك فيها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، أما السرية فهي التي يرسلها النبي صلى الله عليه وسلم ويكون مقيماً في المدينة. وعادة السرايا تكون لأهداف محددة مقتصرة على أمر معين، إصابة شيء معين، تحصيل خبر معين، لا تكون مواجهتها ضخمة كبيرة.

السرية الأولى كما قلنا هي سرية عبيدة بن الحارث، وهذه السرية يقولون هي أول راية عقدها النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام، وأمرها أن تتجه كسرية. يقول ابن هشام رحمة الله تعالى عليه في تفاصيل هذه السرية: وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين أو ثمانين راكباً من المهاجرين. لاحظوا عدد محدود، ستين أو ثمانين راكباً، ليس فيهم من الأنصار أحد.

سنلاحظ أحبتي أن النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الغزوات وفي بداية السرايا كان يحرص ألا يقحم الأنصار معه منذ البداية، وهذا في الحقيقة له عدة أمور في النظرة السياسية الشرعية التي أرادها النبي صلى الله عليه وسلم؛ أولاً: المهاجرون هم أحمى قلوباً على كفار قريش، قلوبهم ملأى على كفار قريش لأنهم هجروهم من ديارهم وأموالهم وأهليهم، فسيكون الداعي للمهاجرين لمواجهة كفار قريش واسترداد الحق منهم أكبر من الداعي عند الأنصار، وهذا شيء طبيعي أحبتي.

كذلك يقول بعض علماء السير إن طبيعة البيعة التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأنصار أن الأنصار يحمون النبي صلى الله عليه وسلم من أي عدو يداهم المدينة، ولم يكن من شروط بيعة العقبة الثانية أن الأنصار يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم لطلب القبائل أو لطلب كفار قريش من دون وجود خطر سيداهم المدينة، فلذلك قال بعض علماء السير أن هذه السرايا التي كان يبعثها النبي صلى الله عليه وسلم لمعرفة أخبار كفار قريش أو لإصابة بعض تجارات كفار قريش لم تكن داخلة ضمن المعاهدة بينه وبين الأنصار. لذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم أن ينأى بهم ابتداءً عن هذه الغزوات، لكنهم رضي الله تعالى عنهم كانوا يدافعون بأنفسهم وأرواحهم، وكانوا مستعدين على أعلى درجات الاستعداد للبذل والتضحية لهذا الدين، كما سنلاحظ في غزوة بدر الكبرى.

المهم كما قلنا كانوا ستين رجلاً أو ثمانين، سار بهم عبيدة بن الحارث حتى بلغ ثنية المرة، فلقي بهذه السرية جمعاً عظيماً من قريش، لكن لم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي في الإسلام. إذاً لم يحدث قتال، يعني سرية عبيدة بن الحارث وجدت كفار قريش، وجدت العير ووجدت تجارتهم، لكن لم يحدث بينهم قتال، لربما هناك أسباب معينة حالت دون وقوع قتال في تلك اللحظة، لكن كما تروي الأخبار أن سعد بن أبي وقاص رمى بسهم حاول أن يصيب فيه قريشاً، فكان سهم سعد بن أبي وقاص أول سهم رمي في سبيل الله. فلو سئلت: أول سهم رمي في سبيل الله أي سهم؟ تقول: سهم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه.

السرية الثانية كانت سرية حمزة بن عبد المطلب، أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى منطقة تسمى سيف البحر. يقول ابن هشام: وبعث حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر في ثلاثين راكباً من المهاجرين، لاحظوا ليس فيهم رجل من الأنصار، فلقي أبا جهل بن هشام، أبو جهل بن هشام هو الذي كان في تلك الرحلة في ثلاثمائة راكب من أهل مكة، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني. وهذا مجدي بن عمرو الجهني احفظوه، سيأتي معنا في موقف في غزوة بدر. المهم حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان موادعاً للفريقين؛ يعني مجدي بن عمرو الجهني الملاحظ أنه كان سيداً من سادات جهينة، قبيلة معروفة إلى الآن في بلاد الحرمين، حجز بين الفريقين لأنه كان هناك بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم مصالحة ومهادنة، وبينه وبين كفار قريش مصالحة ومهادنة، فحجز بين الفريقين وذهب كل منهم إلى شأنه من دون أن يحدث قتال أيضاً.

فهاتان السريتان كانتا قبل غزوة بواط التي سنأتي إليها الآن؛ سرية عبيدة بن الحارث وسرية حمزة بن عبد المطلب، لكن حققت السريتان مقصداً شرعياً؛ نعم، إدخال الرعب والتخويف في قلب كفار قريش أنكم لن تأمنوا على تجارتكم، فليس الأمر كان مجرد عبث كما يمكن أن يفهم البعض من ذلك.

الآن نذهب إلى الغزوة التي ذكرها ابن أبي العز؛ غزوة بواط. أحبتي هي في بداية العام الثاني من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فعلاً كما ذكر ابن أبي العز رحمة الله عليه. ويقول هنا ابن هشام في تفاصيل هذه الغزوة: غزا النبي صلى الله عليه وسلم بواطاً في شهر ربيع الأول، يريد قريشاً من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً.

فلبث فيها بقية شهر ربيع الآخر، وبعض جمادى الأولى. إذا غزوة بواط لا يلاحظ أنها غزوة كانت تقصد كفار قريش، وطلب النبي صلى الله عليه وسلم فيها رجالاً لهم، لكن لم يحدث قتال، ولم يلقَ كيداً؛ لأن ليس كل الغزوات -سبحان الله- في النهاية تحصل لنا الثمار المقصودة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يلقاهم، لربما إما أن هؤلاء استعجلوا فوصلوا إلى مكة قبل أن يدركهم النبي صلى الله عليه وسلم، أو لوجود بعض الاعتبارات التي اعتبرها النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كتب السير تقول لنا إنه لم يحدث قتال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش في هذه الغزوة، غزوة بواط.

لكن أحبتي، أحياناً بعض المؤشرات تجعلنا نتوقف قليلاً. النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسترد حقه بالقوة، حقه الذي سلب منه، لا يريد أن يسترد النبي صلى الله عليه وسلم بالمفاوضات ولا بالمهادنات، بل النبي صلى الله عليه وسلم يوصل رسالة للأجيال القادمة من هذه الأمة أن الحقوق تسترد استرداداً، وليس بالحلول الجميلة الهادئة كما يظن البعض. إن هناك بعض الدعاة أو بعض من يلبس لباس الدعوة يحاول أن يظهر اليوم ونحن أمام هذا الانهزام الكبير أمام الغرب، ونحن في مرحلة الضعف، ونحن المحصورون الذين تكالبت عليهم الأمم؛ يحاول أن يجمل -فيما يزعم- يحاول أن يجمل موقفنا، فيقول إن هذه الدعوة دعوة السلام الهادئ، دعوة لا تريد أي شيء إلا المهادنات والمفاوضات والمجالسات، ونحن أناس طيبون جداً، إياكم أن تأخذوا عنا صورة خاطئة أننا أناس نقاتل في سبيل الله. يحاول أن يظهرنا بهذا الموقف المهين؛ لأن هو مهزوم من الداخل، هو إنسان مهزوم من الداخل ضعيف، معبأ بتربية الهزيمة وليس تربية العز والرفعة، فيحاول أن يدغدغ عواطف الغرب بهذا الخطاب، ويحاول أن ينتفع بهذا الخطاب؛ ربما أخذ شيئاً من لعاعة الحياة الدنيا.

من نظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أحبتي يدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حاله حال هؤلاء أو كحال هؤلاء المنهزمين. النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلم الأمة إلى يوم القيامة أن الحقوق تسترد بالقوة، وأن هذه الدعوة نعم تبدأ بالحجة والبيان وتوضيح معاني الحق، وأننا نريد ابتداءً ومقصدنا أن ندخل الناس في دين الله أفواجاً، لكن حينما يُعتدى على حقوقنا، وحينما تُهدر الدماء وتُهتك الأعراض وتسلب الأموال، فإن هناك رجالاً يدافعون عن هذا الدين ويستردون الحق بالقوة كما سلب منهم بالقوة. هذه قضية يجب أن تحضر. النبي صلى الله عليه وسلم نعم قاتل وحمل السلاح وواجه أعداء الأمة وواجه كفار قريش وواجه الذين يريدون الغدر والخيانة بهذه الدعوة، لم يبتسم في وجههم، لم يقابلهم بالورود والحمامة البيضاء كما يظن البعض، بل واجههم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة عشر عاماً من الحجة والبيان والهدوء والعفو والصفح، لكن لا يركب على ظهورنا، لكننا لسنا أمة ضعيفة. هذه رسالة من النبي صلى الله عليه وسلم لكم أيها الدعاة: نحن لسنا أمة ضعيفة، نعم نحن نعفو ونصفح وننتظر ونتمهل ولا نستعجل قطف الثمار، نحن أمة حكمة وحجة وبيان وبرهان نطبق كل هذه الآيات، لكن هناك آيات أخرى تدعونا أيضاً إلى الدفاع عن هذا الدين، تدعونا إلى أن تبذل الأرواح والمهج، ولأن تسترد الحقوق، ولأن لا نبقى أذلاء ضعفاء يستهزئ بنا أعداؤنا وينزلون بنا الجراحات ويهتكون الأعراض ويأخذون الأموال ويسلبون الثروات ثم نحن نبتسم ونقول لا بد من المهادنة والمصالحة ولا بد من المفاوضات ولا بد ولا بد إلى غير ذلك من أمور التي تعلمونها.

إذا غزوة بواط لم يقدر الله سبحانه وتعالى فيها شيئاً من القتال. ثم بعد ذلك جاءت غزوة ذو العشير أو ذو العشيرة، البعض يقول ذو العشير والبعض يقول ذو العشيرة. طبعاً أحبتي كما قلت لكم هناك خلاف بين علماء السير في ترتيب بعض الغزوات، يعني هل العشيرة كانت بعد بدر الكبرى ولا قبل بدر الكبرى؟ هناك شيء من الخلاف، فترتيب بعض الغزوات التاريخي ليس ثابتاً مئة بالمئة وإنما هو اجتهاد من علماء السير، خاصة الغزوات غير المشهورة، يعني الكل يعرف بدراً، أحداً، الخندق، خيبر، مكة، حنين، هذه الغزوات المشهورة معلومة التاريخ عموماً، لكن كما قلنا الغزوات الكثيرة التي لم يوجد فيها قتال اختلف في تاريخها. فالمهم الآن ابن هشام رحمة الله عليه يؤرخ لنا أن غزوة ذو العشيرة كانت بعد غزوة بواط، لربما ابن أبي العز الحنفي أخرها بعد غزوة بدر الكبرى، وعفواً بعد غزوة بدر الأولى -ليست غزوة بدر الكبرى- فهو أخر غزوة ذي العشيرة إلى ما بعد غزوة بدر الأولى، طبعاً ما هي غزوة بدر الأولى؟ هذا الذي سنتعلمه اليوم بإذن الله. ابن أبي العز يرى أن هناك بعد غزوة بواط غزوة بدر الأولى ثم غزوة ذو العشيرة، وابن هشام رحمة الله عليه بالعكس يقول لا كانت غزوة ذي العشيرة ثم جاءت غزوة بدر الأولى، لكن المهم الأمر ليس بذاك الأمر الكبير، سواء كانت هذه أو كانت هذه، المهم أن نقف على التفاصيل التي تهمنا لنأخذ من الأحكام.

نسير على طريقة ابن هشام بما أننا نقرأ من كلامه رحمة الله عليه، يقول ابن هشام: ثم غزا قريشاً، فسلك على نقب بني دينار، ثم علا فيفاء الخضار، فنزل تحت شجرة ببطحاء، فصلى عندها، فثم مسجده، يعني هناك مسجد بني في هذه المنطقة، ثم صب لليسار حتى هبط يليل، وهي منطقة أيضاً من تلك المناطق. والآن ابن هشام يسرد كيف صار النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذي العشيرة، كيف كان خط مسيره، فذكر أسماء مناطق ما بعد المدينة، كيف نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف صعد، وأسماء جبال؛ لربما هذه الجبال والوديان والمناطق لو ذكرنا أسماءها فإننا لا خبرة لنا بها، لربما أهل بلاد الحرمين أدرى بتفاصيلها. المهم النبي صلى الله عليه وسلم خرج حتى نزل العشيرة من بطن ينبع، إذاً منطقة العشيرة أو العشير هذه المنطقة كانت في ينبع، وينبع معروف لديكم منطقة ساحلية على ساحل البحر الأحمر، هذه منطقة العشير التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، أقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة، حاول أن يلقى فيها كفار قريش أو أن يجد منهم قوماً لكنه لم يجد أحداً.

استفاد النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة العشيرة أنه وادع، عمل مهادنة وصلحاً بينه وبين قبيلة بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة أيضاً، ثم رجع إلى المدينة ولم يلقَ كيداً. إذاً فيما أظنه والله أعلم أن هذه الغزوة أيضاً كانت غزوة تخويفية، فيها إرسال رسائل لكفار قريش أننا ما زلنا نطلبكم ولن نكل ولن نمل، أيضاً من مقصدها الأساسي كان إقامة هدنة ومصالحة مع هذه القبيلة، قبيلة بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة، ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مرة أخرى ولم يلقَ كيداً. إذاً ما زلنا لا نتكلم عن مواجهات مباشرة، ما زلنا نتكلم عن غزوات وعن سرايا أهدافها جزئية في العادة لا يحدث بها قتال، ويعود النبي صلى الله عليه وسلم، وقد غنم -ليس شيئاً مادياً وإنما غنم كما قلنا أشياء معنوية- من مصالحات ومن رسائل تصل لكفار قريش.

بعد ذي العشيرة على ترتيب ابن هشام جاءت غزوة بدر الأولى، لكن على ترتيب ابن أبي العز الحنفي لا؛ غزوة بدر الأولى كانت ثم جاءت غزوة العشيرة. المهم غزوة بدر الأولى، ما هي هذه الغزوة؟ يقول ابن هشام: لم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ -يعني النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى المدينة بعد غزوة العشيرة، أقام عدة ليالي فقط لم تتجاوز العشر- حتى أغار رجل يسمى كرز بن جابر الفهري، هذا رجل من قبيلة فهر، كرز بن جابر أغار على سرح المدينة، سرح المدينة المكان الذي ترعى فيه الماشية والإبل في المدينة النبوية، أغار عليها وأصاب من الماشية ومن إبل الصحابة الكرام.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يترك الأمر هكذا، أي إنسان يهاجم المدينة ويأخذ ويستلب الحقوق، ونحن كما قلنا نستقبله بالورود وسامحك الله! لماذا أغرت علينا؟ كان بإمكانك أن تأتي فنحن نعطيك الغنم والإبل من دون هذه الإغارة كما يريد أن يفعل البعض اليوم، لا، النبي صلى الله عليه وسلم إنسان سياسي ورجل شجاع وقائد أعلى للصحابة رضوان الله تعالى عليهم، أراد أن يذيق الأعداء الأمرين؛ لأنه قائد ونبي صلى الله عليه وسلم، فليس لإنسان أن يُستذل، وليس لإنسان أن يصعد على ظهر المسلمين، وأن يأخذ ديارهم وأموالهم من دون مقابل كما يظن البعض، هذا لن يكون، هذه رسالة واضحة من النبي صلى الله عليه وسلم.

المهم سمع النبي صلى الله عليه وسلم أن كرز بن جابر أغار على المدينة، مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم استعد وخرج في طلبه حتى بلغ وادياً يقال له سفوان من ناحية بدر، إذا وصل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحاول أن يدرك هذا الرجل الفهري كرز بن جابر، وصل إلى منطقة تسمى وادي سفوان وهذه بالقرب من بدر، بالقرب من منطقة بدر، لكن هذا الرجل استطاع أن يهرب، يعني ما أدركه النبي صلى الله عليه وسلم، استطاع أن يفلت من أيدي الصحابة، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم فيها عدة ليالي ثم عاد إلى المدينة، فسميت هذه غزوة بدر الأولى؛ لأنها انتهت إلى منطقة سفوان بالقرب من بدر، فسميت غزوة بدر الأولى. وتفاصيلها إذاً كما قلنا باختصار: رجل يسمى كرز بن جابر أغار على سرح المدينة، فأصاب من المواشي ومن إبل المسلمين، النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يلقنه درساً قاسياً، حاول أن يلحقه والرجل يهرب، حاول أن يلحقه والرجل يهرب بمن معه، ففعلاً استطاع الرجل أن يفلت، النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى وادي سفوان بالقرب من بدر، أقام فيها ليالي ثم عاد إلى المدينة، فسميت هذه غزوة بدر الأولى.

جيد، إذاً عرفنا غزوة بواط، ثم عرفنا غزوة العشيرة، ثم عرفنا غزوة بدر الأولى. طيب ماذا حدث بعد ذلك؟ الآن أحبتي قبل أن ننتقل إلى غزوة بدر الكبرى وتسمى غزوة بدر الثانية، الغزوة الشهيرة، هناك سرية حدثت بين غزوة بدر الأولى وغزوة بدر الثانية، وهذه سرية حقيقة في قصتها العديد من الفوائد الشرعية، فينبغي أن نقرأها وأن نمعن النظر فيها. هذه سرية تسمى سرية عبد الله بن جحش، والبعض يسميها سرية نخلة؛ لأنها وصلت إلى منطقة تسمى منطقة نخلة، وهذه المنطقة أشرنا إليها إذا تتذكرون حينما أخذنا قصة الطائف، ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وهو في مكة منطقة نخلة، وصلت هذه السرية لهذه المنطقة و أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل إليها، فالبعض يسميها سرية نخلة والبعض يسميها باسم قائدها عبد الله بن جحش.

ماذا حدث في هذه السرية؟ دعونا نتابع الأحداث. يقول ابن هشام: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في رجب، في آذان في شهر رجب، مقفله من بدر الأولى -يعني لما عاد من بدر الأولى- أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية وعقد لواء لعبد الله بن جحش، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ثمانية، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب لعبد الله بن جحش كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحداً. إذاً النبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الله بن جحش: سأعطيك كتاباً، هذا الكتاب لا تفتحه ولا تنظر فيه حتى تسير بجمالك مدة يومين، بعد يومين من السير افتح هذه الرسالة واقرأها على أصحابك التعليمات التي فيها، اقرأها، الكل ينظر فيها، من أحب من الصحابة الثمانية أن يسير معك فليسِر، ومن أحب أن يعود فليعد. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم الخيار، هناك أمر لعبد الله بن جحش أن يقرأ هذه الرسالة بعد يومين، ثم يخير الصحابة الذين معه، من أراد أن يكمل الطريق يكمل، ومن أراد أن يعود إلى المدينة فليعد، ما في إشكال.

لما سار عبد الله بن جحش يومين فعلاً التزم بالأمر، فتح الكتاب فنظر فيه، فإذا فيه النبي صلى الله عليه وسلم كتب له -طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم لا يكتب بنفسه، يكون هناك كتاب يكتبون للنبي عليه الصلاة والسلام، أنه عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب- في هذا الكتاب مكتوب: إذا نظرت في كتابي هذا فامضِ حتى تنزل نخلة -منطقة نخلة كما اتفقنا- بين مكة والطائف، فترصد بها قريشاً، وتعلم لنا من أخبارهم. إذاً وظيفتك يا عبد الله بن جحش ما هي؟ أن تذهب إلى منطقة نخلة فترصد كفار قريش وتأتي لنا بالأخبار فقط، لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال، أمره أن يترصد له أخبار كفار قريش ويعود، عملية استطلاعية.

لما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعاً وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى منطقة نخلة، أرصد بها قريشاً حتى آتيه منهم بخبر. هذه الوظيفة بشكل واضح، وقد نهاني أن أستكره أحداً منكم، فمن أحب منكم أن يمضي معي فليمضِ، ومن أحب أن يعود فليعد.

فمن كان منكم يريد الشهادة؛ لأن العملية في الحقيقة عملية خطيرة، ويمكن أن يمسكهم كفار قريش وتنتهي بفاجعة استشهاد هؤلاء الصحابة الكرام، فقال لهم: عملية خطيرة، عملية فدائية كما نسميها في وقتنا الحاضر، فمن أحب أن يكمل الطريق ومن أحب الشهادة في سبيل الله فليمضِ، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بعض الصحابة -بل الصحابة جميعاً، وخاصة من المهاجرين- كانوا على حالة نفسية عالية من الثبات والتضحية في سبيل الله، رباهم النبي صلى الله عليه وسلم على عينيه ثلاثة عشر عاماً، فهم على أعلى درجات الاستعداد لفداء هذا الدين.

سلك عبد الله بن جحش على طريق الحجاز، وصل لمنطقة تسمى منطقة الفرع، وهذه منطقة نعرفها، من كان أقام في المدينة يعرف منطقة الفرع أو ما يقال لها منطقة بحران، طبعاً هي ليست في المدينة، أنت إذا خرجت من المدينة باتجاه مكة في بعض المناطق التي حولها تسمى منطقة الفرع، وقالوا لها أيضاً بحران. في تلك المنطقة لما وصلوا منطقة الفرع، قبل أن يصلوا إلى نخلة، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما؛ كانا يركبان على بعير يتناوبان عليه، فأضلا هذا البعير، فخرجا يطلبانه، هذا البعير الظاهر هرب، فخرجا يطلبانه فتخلفا عن عبد الله بن جحش، فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش، قالوا: لن نستطيع أن نبقى ننتظر قدوم سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، نسير في طريقنا، إن أدركانا أدركانا.

فمضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بمنطقة نخلة، وصلوا المنطقة المطلوبة منهم، فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة قريش. في هذه القافلة القرشية هناك عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله، ونوفل بن عبد الله، والحكم بن كيسان، ضمن هذه القافلة كان هؤلاء الأربعة، إذاً هناك عرض مغرٍ الآن، هناك شيء مغرٍ، قافلة قرشية لكفار قريش تحمل زبيباً وأشياء جيدة، يمكن أن يأخذها وأن يستلبها عبد الله بن جحش ومن معه ويعود بها إلى المدينة.

ماذا حدث؟ فلما رآهم القوم هابوهم؛ كفار قريش وأصحاب التجارة لما رأوا عبد الله بن جحش ومن معه والسيوف هناك، كأنهم على أهبة الاستعداد للقتال، هابوهم وخافوا ونزلوا قريباً منهم؛ كان لابد أن ينزلوا هذه المنطقة يقوموا في مصلحة تجارتهم، الله أعلم ما هي. فأشرف لهم عكاشة بن محصن، كان عكاشة بن محصن موجوداً ضمن هؤلاء الثمانية من المهاجرين، وكان قد حلق رأسه. فلما رأى كفار قريش عكاشة بن محصن ورأوا رأسه محلوقاً، ماذا ظنوا؟ ظنوا أن هؤلاء الثمانية من الصحابة يريدون الاعتمار أو أنهم فعلوا عمرة وأنهم عائدون الآن إلى المدينة.

فقالوا لبعضهم لما رأوا عكاشة بن محصن قد حلق رأسه أمنوه، وقالوا: عمار، لا بأس عليكم منهم؛ لا تخافوا منهم، هؤلاء أناس قدموا للعمرة، فعلوا عمرة وعائدون الآن يريدون العودة إلى المدينة. وتشاور القوم فيما بينهم، من القوم هنا؟ عبد الله بن جحش ومن معه، هؤلاء الثمانية في الحقيقة لم يكونوا في عمرة أبداً، وإنما كانوا في عملية استطلاعية بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم فيها.

فتشاوروا أمرهم بينهم: ماذا نفعل؟ النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا فقط أن نستطلع الأخبار وأن نأتي بها إلى المدينة، لم يأمرنا بقتال، لكن هناك عرض مغرٍ الآن، هناك قافلة لقريش ولا يوجد هناك عدد كبير يحرسها، يمكن أن نأخذ هذه القافلة وأن نقتل هؤلاء الرجال ونعود منتصرين إلى المدينة. فهل نتجرأ على القتال مع أننا لم نؤمر به؟ أم نقف عند أمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ المشكلة الأعوص وهي الأخطر حقيقة كانت ما هي؟ أن هذا اليوم الذي رصد فيه عبد الله بن جحش هذه السرية لكفار قريش كان آخر يوم من شهر رجب، وشهر رجب من الأشهر الحرم.

بعد هذا اليوم يصبح القتال حلالاً عند العرب، هناك أربعة أشهر كان معروفاً عند العرب وأقر الإسلام ذلك، فترة كبيرة أربعة أشهر كان القتال فيها محرماً يأمن فيها الناس على بعضهم البعض، في ذي الحجة وذي القعدة ومحرم ورجب، هذه الأشهر الأربع تسمى الأشهر الحرم؛ يعني يحرم القتال فيها، العرب لا أحد يتعرض لآخر، جميع القبائل العربية تخفض السلاح، وكان القتال فيها معرة وعيباً كبيراً، وأي شخص من العرب عُرف أنه قاتل فيها وسفك الدماء يُطبق عليه أشد الأحكام ويُنبد.

فالآن عبد الله بن جحش ومن معه يفكرون، هذه آخر ليلة من الأشهر الحرم وبعدها بيوم واحد فقط ستصبح الأشهر الحل، يعني يجوز القتال فيها، فهل يصلح لنا أن نقاتل هؤلاء في آخر ليلة من الأشهر الحرم أم لا يجوز؟

فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فلا يمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام. فتردد القوم، يعني إذا تركناهم هذه الليلة وقلنا خلاص نقاتلهم بكرة تدخل الأشهر الحل، غداً يكونون قد وصلوا إلى مكة وانتهى الأمر، وإن قتلناهم الليلة سنقتلهم في الأشهر الحرم، فماذا نفعل؟ فتردد القوم وهابوا الإقدام، هذا التردد ابتداءً، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم.

يعني ابتداءً كان هناك تردد ثم شجع بعضهم بعضاً وتحمسوا، فأجمع الصحابة أمرهم على أن يقتلوا من في هذه التجارة، ويأخذوا التجارة معهم، ويعودوا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فمن الذي بدأ؟ واقد بن عبد الله التميمي رمى عمرو بن الحضرمي بسهم؛ كما قلنا عمرو بن الحضرمي كان في تجارة قريش، فأحد الصحابة الكرام واقد بن عبد الله التميمي مسك سهماً فرمى به ابن الحضرمي فقتله.

هنا أدركت هذه القافلة أن الأمر تحول إلى قتال، فحاول بعضهم أن يهرب، العدد قليل جداً، عدد القافلة قليل جداً، فحاول بعضهم أن يهرب وفعلاً هرب بعضهم، واستُؤسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله. إذاً ابن الحضرمي قُتل، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أُسرا، وأما نوفل بن عبد الله فاستطاع أن يهرب ووصل إلى مكة. عبد الله بن جحش أخذ الأسيرين وأخذ العير وأخذ التجارة وعاد بها إلى المدينة، ظاناً أن النبي صلى الله عليه وسلم سيمدحه وسيبشّ على هذا الانتصار الكبير.

وصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وعرف ما فعل عبد الله بن جحش، النبي عليه الصلاة والسلام غضب وقال: ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم، أنا ما أمرتك يا عبد الله بن جحش أن تقاتل، أمرتك أن تذهب تستطلع لنا الأخبار وتأتي، هذه أشهر حرم ولا يجوز القتال فيها. وفعلاً هذا الأمر كان في بداية الإسلام، ثم بعد ذلك هل نُسخ هذا الأمر أم لم يُنسخ؟ هذه أمور خلافية بين الفقهاء بعد ذلك، لكن ما يهمنا الآن فعلاً الأمر كان على هذا أنه لا يجوز القتال في الأشهر الحرم. كيف اجترأ عبد الله وخالف الأمر؟ هنا أسقط في يد عبد الله بن جحش ومن معه وأدركوا حجم الخطأ الذي وقعوا فيه.

حجم الخطأ أحبتي ما هو؟ فضلاً أنهم قاتلوا في الأشهر الحرم وكان هذا لا يجوز، لكن المشكلة الكبرى أن هناك الآن دعاية عريضة سيبدأ بها كفار قريش في الجزيرة العربية، أن محمداً وأصحابه يستحلون القتال في الأشهر الحرم، وهذه دعاية سيكون أثرها سيئاً على هذه الدولة الناشئة الجديدة في المدينة النبوية، أنها دولة تغدر، دولة تخون، دولة لا تلتزم بقوانين العرب ولا تلتزم بصيانة الدماء في الأشهر الحرم ولا تعظم الشعائر.

والنبي صلى الله عليه وسلم لم يُرد هذا الأمر، وكان ملتزماً بما كان متفقاً عليه بين العرب؛ عدم القتال في الأشهر الحرم. فلذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا التصرف الذي تصرفه عبد الله بن جحش رضي الله عنه ومن معه سيأتي بدعاية سيئة عن هذه الدعوة، ولربما يسبب تهيج الناس وإيجاد ذريعة لقتال المسلمين. وهذه للأسف الأخطاء يفعلها كثير من المسلمين اليوم، أنهم يفعلون أفعالاً يتعجلون بها، أفعالاً يتحمسون بها فيأتون بالويل على المسلمين ويأتون عليهم بالمسبة والعار، ويجعلون هناك ذريعة لأعداء الأمة للهجوم على المسلمين وعلى سفك دمائهم.

فالقضية إخواني تحتاج إلى وعي حقيقة، قضية التصرفات والأفعال التي ينبغي أن يقوم بها المسلمون، وما يحل لهم أن يفعلوه الآن وما لا يحل لهم أن يفعلوه، هذه أمور تتعلق بالسياسة الشرعية التي ينبغي أن تُراعى من العلماء الكبار الأفذاذ الذين يتقون الله سبحانه وتعالى، لا أتكلم عن العلماء المأجورين؛ هؤلاء لا حرمة لهم، لكن نتكلم عن العلماء الأفذاذ الذين يخشون الله سبحانه وتعالى. هؤلاء لهم دور في تحديد معالم السياسة الشرعية في كل مرحلة من مراحل هذه الأمة ومن مراحل هذه الدعوة، لأن كثير من الشباب المتحمس يقود الأمة ويجر الأمة إلى ويلات وإلى نكبات الأمة الآن غير مستعدة لخوضها.

انظروا كيف غضب النبي صلى الله عليه وسلم، انتصار عبد الله بن جحش، لكن يمكن يا عبد الله أن تفتح علينا الآن حروباً ومواجهات نحن الآن في غنى عنها، لا نريد أن تجلب لنا دعاية أننا لا نلتزم بالأحكام، لا تأتِ لنا بدعاية أننا ننتهك الأشهر الحرم، هذا الأمر ليس لصالحنا الدعوي الآن. وهذا ما دائماً نردده على أحبائنا، العجلة في اتخاذ القرار، الحماس الزائد، العجلة الزائدة، قد تأتي لنا بالويلات والنكبات على أمتنا وعلى شبابنا. فالأمر يحتاج إلى سياسة شرعية، الاتزان، الهدوء، الاعتدال في اتخاذ الرأي، هذا أمر مهم جداً حتى تنضج هذه الدعوة وحتى تحقق مع الوقت مرادها من النصر والتمكين.

ماذا حدث؟ إذاً النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل أن يأخذ شيئاً من هذه التجارة ابتداءً، فوقف العير والأسيرين قال: ضعهم على جنب، أنا أنتظر الأمر الإلهي حتى يفصل فيك يا عبد الله بن جحش وبمن معك، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، خاف هؤلاء الرهط، شعروا أن هناك خطأً كبيراً تم ارتكابه، وعنفهم إخوانهم المسلمون فيما صنعوا، قالوا لهم إخوانهم: ما الذي فعلتموه؟ ما هذا العار الذي أتيتم به للمسلمين؟ هل نحن الآن في حالة تسمح لنا بمثل هذه الدعاية الإعلانية كفار قريش؟ حتى يتجمع العرب علينا ويرموننا عن قوس واحدة.

قالت قريش، طبعاً حدث كما كان متوقعاً، شيء طبيعي، كفار قريش بدأت دعايتهم الإعلانية: استحل محمد وأصحابه الأشهر الحرم، سفكوا الدماء في الأشهر الحرم، نهبوا الأموال والتجارات في الأشهر الحرم، المهم الدعاية الإعلانية بدأت تنتشر، والنبي صلى الله عليه وسلم شعر بخطر وخطورة الموقف وينتظر الأمر الإلهي، والصحابة الذين كانوا مع عبد الله بن جحش شعروا بالإحراج الشديد.

والآن كما تلاحظون أمور صعبة، خاصة لعبد الله بن جحش ولمن معه، ظنوا أنهم قد أحسنوا فإذا هم يشعرون أن هناك خطأً كبيراً تم صنعه. في هذه اللحظة أتى الأمر الإلهي سبحانه وتعالى تخفيفاً عن هؤلاء الصحابة الذين كانوا صادقين في مقصدهم، وإنما أرادوا الثأر لما أصاب المسلمين المهاجرين من سلب أموالهم وديارهم، أرادوا أن يصيبوا شيئاً يفرحوا به هذه الدعوة ويُبهجوا به قلوب الصحابة، أننا استطعنا أن نوقع بالذين أخرجونا من ديارنا وأموالنا، استطعنا أن نوقع بهم وأن نثخن فيهم جراحاً ودماء وأموالاً. هذا مقصد عبد الله بن جحش، مقصد إنسان صادق رضي الله عنه، إنسان ما كان يريد إلا أن ينصر هذا الدين، لكنه تفاجأ أن القرار الذي اتخذه كان فيه خطأ.

الآية القرآنية لما نزلت أحبتي ماذا قالت؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217]. إذاً الآية تقر أن القتال في الأشهر الحرم خطأ، القتال في الأشهر الحرم كان خطأ ارتكبه عبد الله بن جحش، لكن لا نريد أن نزاود على عبد الله بن جحش ومن معه من الصحابة الكرام، فبعثت هذه الآية رسالة لكفار قريش: قل قتال فيه كبير يا محمد، قل لهم القتال كبير وهذا خطأ، ما عندنا مشكلة، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل.

الفتنة هنا معنى الشرك والكفر أكبر من القتل الذي فعله عبد الله بن جحش وسفك الدماء. فالاية صريحة تقول نعم القتال في الأشهر الحرم خطأ وفعل كبير، لكن ما فعلتموه يا كفار قريش من الصد عن سبيل الله ومحاربة هذه الدعوة وإخراج المسلمين من ديارهم وأهليهم وصدهم عن المسجد الحرام، كل هذه الجرائم ثلاثة عشر عاماً وأنتم تعذبون وتحاصرون وتقتلون وتمارسون أشنع صور التعذيب والتهجير والتقتيل وسفك الدماء، ثم تريدون بعد ذلك أن تصوروا أن محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه في هذا الخطأ الصغير قد ارتكبوا الفظائع العظمى؟ لا، هذه مقارنة جائرة يا كفار قريش، نعم خطأ.

نقتله قتل شخص واحد ما كان الأمر بتلك الفظاعة الكبرى؛ قتل شخص واحد والأمر يمكن استدراكه. خطأ نعم، لكن ما فعلتموه خلال ثلاثة عشر عامًا شيء فظيع جدًا. فإياكم أن تغمضوا أعينكم وأن تنظروا بعين واحدة للوقائع والأحداث.

هذا في الحقيقة خطاب لهذه الأمة إلى يوم القيامة، أن وقوع الأخطاء من بعض المسلمين لا يجعلنا نتغافل عن الجرائم الكبرى التي فعلها أعداء الأمة بنا؛ لأن بعض المسلمين اليوم حينما يرون أن إخوانهم قد ارتكبوا أخطاء، نعم أخطاء أحيانًا جسيمة لا ننكر ذلك، يصبحون ينظرون فقط إلى الأخطاء التي داخل الصف الإسلامي، ويتغافلون عن القتل وهتك الأعراض وسلب ثروات الدول، وما فعله أعداء الأمة في المواطن والبلدان المختلفة من إرهاب الناس وتقتيلهم وتدميرهم بالأسلحة الكيماوية، إلى آخر ما تعرفونه أحبتي.

فيجب أن نكون معتدلين في نظرتنا دائمًا؛ حينما نجد من أخطأ من داخل الصف الإسلامي نقول له: أخطأت ولا تعدها مرة أخرى، ونحاول أن نحجر عليه في خطئه، لكننا في نفس الوقت نقول لأعدائنا: إياكم أن تزايدوا علينا في هذا الخطأ، فهذا الخطأ الذي فعله فلان وفلان أنتم فعلتم أضعافه وأضعافه عبر آلاف السنين؛ قتلتم الآلاف من المسلمين، ونهبتم ثروات العالم الإسلامي، وأوقعتم الاحتلال في كثير من المناطق، ما من شيء من أوجه الشر والسوء والفحشاء والضراء إلا وأوقعتموها بالمسلمين. ثم تأتون في إعلامكم وفي أذرعكم الإعلامية لتزايدوا على الصف الإسلامي! نعم هناك أخطاء في الصف الإسلامي لكن أنتم مجرمون.

هذه نظرة متزنة أحبتي، ولا نقبل أن يأتي شخص لينظر إلى أخطاء المسلمين فقط؛ فبعض الدعاة المنهزمين يأتي فقط ليلقي اللوم على المسلمين، وحينما يتعامل مع أعداء الأمة كأنه يقول لهم: سامحونا على أخطاء المسلمين، والله لم نقصد أن نؤذي مشاعركم، والله هؤلاء سفهاؤنا لا تؤاخذونا بما فعل السفهاء منا. أحبتي لا؛ هذا خطاب الضعفاء، هذا خطاب المنهزمين. نحن أحبتي ندرك الأخطاء في الصف الإسلامي ونسعى إلى إصلاحها، ونسعى إلى صناعة العلماء وطلبة العلم الراشدين لقيادة هذه الأمة إلى الخير وما يصلحها، لكننا في نفس الوقت لا نغمض أعيننا عما فعله أعداؤنا بنا عبر مئات السنوات؛ أعداؤنا سفكوا الدماء وقتلوا، واحتلوا بلدان المسلمين وأخذوا الخيرات ونهبوها.

فإذا جاء عدونا ليقول لنا ماذا فعل المسلمون منكم، نقول: أنت لا تتدخل فأنت مجرم وسيأتيك يومك، لكن نحن نقر بما فعله بعض السفهاء منا من أخطاء ونحاول أن نعالجها داخل صفنا المسلم من دون حاجة إلى أن نزايد على بعضنا البعض في ذلك. هذا هو الأمر الذي أحببت أن أشير إليه، وهذه الآية القرآنية تشير إلى هذا المقصد؛ أن وقوع بعض المسلمين في أخطاء حتى ولو كانت أخطاء جسيمة، لا يعني هذا أن نغض الطرف عما يفعله مجرمون من أعداء الأمة بنا عبر السنوات.

جاءت هذه الآية مفرحة لعبد الله بن جحش ولمن معه؛ أي: ﴿إِن كُنتُمْ قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 217]، هذا تفسير ابن هشام: أي إن كنتم قد قصدتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع كفرهم، وصدوكم عن المسجد الحرام وإخراجكم منه أنتم وأهله، هذا أكبر عند الله وأعظم عند الله من قتل من قتلتموهم منهم يا محمد صلى الله عليه وسلم. المهم لما نزل القرآن بهذا الأمر فرج الله عن الصحابة الكرام وعن عبد الله بن جحش ما كانوا فيه من الخوف، وفرح النبي صلى الله عليه وسلم ببشارة الله سبحانه وتعالى لعبد الله بن جحش.

في النهاية قبل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العير والأسيرين؛ وبعثت قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، فعثمان بن عبد الله عاد إلى مكة، أما الحكم بن كيسان لما رأى أخلاق المسلمين وكيف تم التعامل معه بأعلى درجات الأخلاقية، أدرك أن هؤلاء القوم أصحاب حق وليسوا أصحاب ظلم وأهواء، فقرر أن يسلم. سبحان الله! طبعًا النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل كفار قريش بالفداء ليفدوا أسراهم، لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم الفداء في البداية، قال: لماذا؟ قال: ما زلت أنتظر سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، تركناهما يلحقان الناقة ولم يعودا بعد. النبي صلى الله عليه وسلم قال: لن أقبل الفداء يا كفار قريش حتى يصل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان إلى المدينة، إذا وصلا المدينة بأمان قبلت الفداء لأسراكم، وإلا إن بلغني أنكم قتلتم سعدًا وعتبة والله لأقتلن الأسرى.

انظروا أحبتي، النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بكل جرأة كقائد شجاع، لا نشعر بالضعف والمذلة كما نفعل نحن اليوم إذا وقع خطأ في داخل الصف الإسلامي نحاول أن نرضي عدونا ونتمادى في إرضائهم. لا، وقع خطأ نعالجه في صفنا، لكنني في النهاية أقف أمامكم يا كفار قريش وقفة الشجاع الجريء أدافع عن حقوق المسلمين، إذا تم المساس بسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان لأقتلن الأسرى. وإذا بسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان يعودان إلى المدينة ما أصابهم شيء، فالنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا قبل الفداء. عثمان بن عبد الله عاد إلى مكة، وأما الحكم بن كيسان فأسلم وعاش مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه حظوظ السعادة؛ فالحكم بن كيسان من كان يظن أن تلك القافلة التي كان فيها وهو يسير بتجارة كفار قريش ستكون سببًا في إسلامه وفي دخوله إلى المدينة النبوية! لكن الله سبحانه وتعالى إذا أراد السعادة لإنسان هيأ له الأسباب؛ فالحكم بن كيسان لو أن عبد الله بن جحش لم يقاتل في هذه السرية ويأخذ الحكم بن كيسان إلى المدينة هل كان سيسلم؟ الله سبحانه وتعالى قدر لحكم بن كيسان السعادة بأن أخذه عبد الله بن جحش أسيرًا إلى المدينة، وهذا الأسير أصبح مسلمًا ومات شهيدًا رحمة الله تعالى عليه.

الآن أحبتي انتهت قصة سرية عبد الله بن جحش، دعونا نذهب إلى قصة غزوة بدر الكبرى، المشهد العظيم الذي سنستعرضه بحذافيره لما فيه من الحكم والعبر والعظات والمشاهد العظيمة والتفاصيل الجميلة، نسأل الله العظيم أن يعيننا على التدبر واستخلاص الحكم التي يريدها؛ لأننا لا نريد أن نقرأ السيرة مجرد قراءة عامة، قراءة استئناس وقراءة تفكر، يعني مجرد أننا نقرأ السيرة ونتعجب وهذا موقف رائع. طيب ماذا فهمت أنت من هذا الموقف؟ هذا هو المهم الذي نبحث عنه، فتبدأ في تفاصيل غزوة بدر الكبرى بعد انتهاء قصة سرية عبد الله بن جحش.

قبل غزوة بدر الكبرى أشار ابن هشام إلى قضية وأشار إليها أيضًا ابن أبي العز الحنفي، لابد أن أشير إليها، وهي مسألة قصيرة جدًا، مسألة تحويل القبلة. النبي صلى الله عليه وسلم كما تروي كتب السير حينما قدم المدينة كان يصلي باتجاه بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا؛ وكان هذا النوع من الشرائع الأولى في الهجرة فيه نوع من استعطاف اليهود الذين كانوا يقيمون في المدينة كنوع من السياسة الشرعية وفيه حكمة إلهية عظمى، نوع من استلطاف اليهود الذين كانوا يقيمون في المدينة؛ أن هذا النبي العظيم الذي أتى بالشريعة صحيح هو من العرب، لكنه الآن يصلي باتجاه بيت المقدس وما عنده أي مشكلة، وهذه قبلتكم يا يهود فآمنوا بهذا النبي العظيم، وإياكم أن تكونوا حربًا ضده، فإن هذا النبي صلى الله عليه وسلم إنما أتت رسالته لتكمل وتتمم رسالة من قبله من الأنبياء موسى وعيسى وغيرهم. فكان يحاول الاستعطاف، لكن كما قلنا اليهود أناس لا يعرفون إلا الجرائم عبر التاريخ، أناس مجرمون، أصحاب حقد وحسد وضغينة، أصحاب سفك للدماء وخيانة وغدر.

فبعد ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، النبي صلى الله عليه وسلم كان في قلبه يود أن يصلي إلى البيت الحرام، لكن هناك أمر إلهي له: يا محمد تصلي إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا سبعة عشر شهرًا، فإذا بالأمر الإلهي يأتي موافقًا للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]. فجاء الأمر الإلهي بالتحول إلى البيت الحرام: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 144]. انتهت الفرصة التي لأهل الكتاب، وأهل الكتاب يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق من الله سبحانه وتعالى، لكنهم كما قلنا أهل كبر، والصراع معهم إلى يوم القيامة، فكان إذًا في السنة الثانية من الهجرة تحول القبلة من بيت المقدس باتجاه البيت الحرام.

الآن قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هل كانت القبلة باتجاه بيت المقدس؟ يرى كثير من العلماء أن قبلة المسلمين لما كانوا في مكة كانت باتجاه البيت الحرام أصالة، ثم لما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مدة ستة عشر شهرًا فقط أو سبعة عشر شهرًا فقط كانت باتجاه بيت المقدس، ثم عادت مرة أخرى إلى البيت الحرام، فهي إذًا ابتداءً كانت البيت الحرام، وفي أول الهجرة تحولت إلى بيت المقدس، وفي السنة الثانية من الهجرة -بعد تقريبًا أربعة أشهر من العام الثاني أو خمسة أشهر- عادت إلى البيت الحرام مرة أخرى. فهذه حادثة تحويل القبلة التي أشار إليها أبو العز الحنفي رحمه الله حين قال: ووجب تحول القبلة في نصف رجب.

دعونا ننتقل للحدث الأكبر كما قلنا، نحن الآن نريد أن ننتقل إلى هذا الحدث وهي غزوة بدر الكبرى، ولربما لن أستطيع أن أنهي التفاصيل في هذا المجلس، فهي تفاصيل كثيرة، لكننا سنقطع ما يمكن أن نقطعه ونحاول في كل مشهد أن نتدبر ونتأمل لتكون هذه المجالس إن شاء الله مجالس نافعة عامرة بالحكم والفقه، فقه الدعوة. النبي صلى الله عليه وسلم تصل إليه الأنباء أن قافلة عظيمة لقريش يرأسها أبو سفيان بن حرب عائدة الآن من الشام باتجاه مكة، تكررت الأنباء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر، فالنبي عليه الصلاة والسلام مباشرة يجمع الصحابة ويخبرهم بهذا الأمر، هناك قافلة قريش ثمينة على رأسها أبو سفيان وفيها شيء كبير من الأموال والتجارة لقريش سنستعد للخروج إليها.

في هذه المرة لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وحده، بل خرج معه ثلة كبيرة من الأنصار، ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً. النبي صلى الله عليه وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال قريش وتجارة من تجاراتهم وفيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون، يعني الأمر مغرٍ تجارة كبيرة والعدد قليل؛ فندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إليها وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها أي تأخذونها غنيمة لكم. فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم؛ يعني الناس بعضهم تحمس وبعضهم قال: ما لي مصلحة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا يخير الصحابة في هذه الغزوات لأنها ما كانت غزوات فيها مواجهة مباشرة والتقاء صفوف، وإنما كان مقصدها كما قلنا نهب أموال قريش لاسترداد جزء من حق المسلمين المسلوب.

لو أردت أن أقف عند كل حكمة أحبتي لطالت مجالسنا في السيرة، لكنني أحاول أن آخذ المشاهد الواضحة وأعلق عليها، وإلا ففي كل موقف وفي كل تصرف ستجدون حكمًا عظيمة تستطيعون الوقوف عليها وأحكامًا كبرى في السياسة الشرعية. المهم النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا انتدب الناس فخف بعضهم ونشط بعضهم، الذين ما ذهبوا ما نشطوا، قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يأتي بأموال هؤلاء القوم ونحن ما عندنا مصلحة في أخذ أموالهم أو لا نريد الآن أن نذهب إلى هذا الأمر. المهم ما عرفوا أن هناك قتالاً باختصار، ما كان عندهم تصور أنها ستحدث غزوة بدر الكبرى، ما تصوروا أنها قتال، وإلا لو كانوا يعلمون أنها معركة فالكل سيخرج كما سيقول الصحابي بعد ذلك، لكنهم ظنوا أن الأمر مجرد غارة على تجارة تؤخذ الأموال ويعاد بها إلى المدينة وانتهى الأمر.

أبو سفيان بن حرب كان قد دنا من الحجاز وكان رجلاً ذكيًا؛ أبو سفيان بن حرب طبعًا قبل أن يسلم، أسلم متأخرًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لكن قبل أن يسلم كان رأسًا من صناديد قريش وكان يشارك في الغزوات ضد المسلمين، وكان رجلاً ذكيًا وداهية، كان وهو عائد بتجارته إلى مكة يدرك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم متيقظ له، وكلما لقي ركبًا من الركبان وهو عائد يسأل: هل سمعت شيئًا؟ هل رأيت تحركًا لمحمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابه؟ حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان قالوا له: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد استنفر أصحابه لك ولغيرك، يعني القوم استعدوا لك، جهز حالك.

فاستأجر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري، وقال له: اذهب إلى مكة واصرخ بهم أن يلحقوا تجارتهم قبل أن يأخذها محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه. هذه هي الرسالة.

الآن دعونا نغير المشهد وننتقل إلى مكة. مكة، أحبتي، الآن نذهب إلى بيت عاتكة بنت عبد المطلب. عاتكة بنت عبد المطلب قبل ثلاثة أيام من قدوم ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ليصرخ بأهلها رأت رؤيا في نومها. ما هي هذه الرؤيا؟ دعونا ننظر تفاصيلها؛ رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، والعباس لم يكن قد أسلم بعد في تلك اللحظة.

فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك به. فقال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، كان صحراء مكة، ثم صرخ بأعلى صوته: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث. فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها مرة أخرى: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث. ثم مثل ببعيره على رأس أبي قبيس -جبل أبي قبيس في مكة- فصرخ بمثلها: انفروا إلى مصارعكم يا آل غدر في ثلاث. ثم أخذ صخرة من جبل أبي قبيس فأرسلها، فتدحرجت هذه الصخرة من الجبل حتى استقرت في الوادي وتهدمت، قال: فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارتضت، أي تفتفتت هذه الصخرة، فما بقي بيت من بيوت مكة إلا وقد دخلها فلقة منها، أو فلقة منها كما يجوز في العربية.

يعني هذه الصخرة تدحرجت من جبل أبي قبيس وتهدمت في الأسفل، ودخل في كل بيت منها جزء. ففي هنا تفاصيل هذه الرؤيا تفاصيل واضحة وتنبئ عن وقوع شيء خطير في أهل مكة؛ لأنه قال: انفروا يا آل غدر لمصارعكم، يعني اخرجوا لأماكن قتلكم. مخيفة الرؤيا، يعني من الذي سيقتل من أهل مكة؟ فقال العباس لها: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد، خبي الموضوع حتى لا نتعب مع كفار قريش ويقولون من أين أتيتم بهذا.

ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة وكان صديقاً له، فذكرها له واستكتمه إياها، وهذه هي المشكلة التي فعلها العباس رضي الله عنه؛ يعني الخبر كما يقولون، أو السر متى خرج عن اثنين انتهى أمره. فالعباس يقول لأخته عاتكة: لا تخبري بهذا أحداً واستكتميه، فإذا هو بنفسه في لحظة راحة وأريحية وجد صديقه عتبة، فقال له: أريد أن أخبرك برؤيا رأتها أختي لكن لا تخبر أحداً، وهو يظن أن عتبة لن يخبر أحداً، فإذا الخبر ينتشر في كل مكة.

المهم، كما قلنا العباس أخبر عتبة بن ربيعة بتفاصيل هذه الرؤيا، فعتبة ذكرها لابنه الوليد، والوليد الظاهر أنه ما ترك أحداً إلا وهو يخبره. المهم كما قلنا مثل هذه الأمور لا تُطوى، ما دام أن السر خرج عن اثنين انتهى أمره أحبتي، فبدأت هذه الرؤيا تنتشر ببيوتات مكة: رأت عاتكة كذا وكذا، رأت عاتكة كذا وكذا. المهم قال العباس بن عبد المطلب: غدوت لأطوف بالبيت، كان العباس قد خلص، يعني الأمر انتشر في مكة خلال هذين اليومين، العباس بن عبد المطلب ما يدري ماذا سيحدث من تبعاتها. المهم خرج ليطوف بالبيت الحرام، وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش يتحدثون برؤيا عاتكة، كانوا جالسين يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا. أبو جهل قال للعباس لما تفرغ من الطواف تعال إلينا إلى مجلسنا بدنا نتكلم.

فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة. فقلت يعني العباس عامل حاله ما يدري بالموضوع، فقال: وما رأت؟ يعني ايش شافت عاتكة؟ أنا ما أدري بهذا الموضوع. قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى يتنبأ نساؤكم؟ يعني وبعدين يا بني عبد المطلب، أخرجتم رجالاً أنبياء والآن تجعلون نساء يتنبأن أيضاً؟ أبو جهل مقهور من الداخل، قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال وذكر، وذكر أبو جهل له قصة عاتكة، وهو لا يعلم أن العباس يعرف هذه القصة، أصلاً الخطأ كان من العباس أنه أخبر عتبة ثم انتشر الأمر بعد ذلك، ولا أدري إذا كانت عاتكة أيضاً كما هو عادة النساء يمكن أن يفشين بعض الأسرار، لكن لا أدري، إلا ربما فعلت ذلك، أنا لا أحطها فقط في العباس بن عبد المطلب.

فأبو جهل قال له: عاتكة رأت كذا وكذا، فإن يك حقاً ما تقول سننتظر ثلاثة أيام، إن وقع حقاً ما تقول وما فيه تفاصيل هذه الرؤيا فسيكون خلص، يعني فعلاً صدقتم، وإن تمضي الثلاث ولم يكن شيء من ذلك لنكتبن كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب. طبعاً هذه كلمة شديدة، يعني أنت تخاطب بني عبد المطلب، عبد المطلب كان سيده، هو سيد مكة، كيف تخاطبني بهذه اللهجة؟ لكن العباس اختصر الموضوع كما يقولون، قال العباس: والله ما كان مني إليه من كبير إلا أني جحدت ذلك، قلت: والله هذه الرؤيا أنا ما سمعت بها، لا تحملني ما لا أطيق، يعني شوف حالك دبر نفسك، أنا ما أعرف شيئاً عن هذا الأمر، وأنكرت أن تكون رأت شيئاً، ثم تفرقنا.

فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم؟ ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ثم لم يكن عندك غير لشيء مما سمعت؛ يعني غيرة لشيء مما سمعت، يعني نساء عبد المطلب اجتمعن للعباس وقد عرفن ماذا قال أبو جهل، فالنساء اجتمعن عند العباس؛ يعني لماذا يا عباس ما أخذت حقنا ولم ترد على هذا الخبيث؟ ألم يكفِ ما فعل برجالنا؟ يقصد بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن آمن من عبد المطلب لما اضطرهم إلى الهجرة، ألم يكفِ ما فعل برجالنا حتى أصبح الآن يقع في نسائنا؟

يعني النساء أخذتهن الحمية وبدهن العباس بن عبد المطلب ينزل في ساحة أبي جهل، فالعباس بن عبد المطلب فعلاً لما سمع هذا الكلام من النساء أصابته الحمية، وقرر أن إذا لقي أبا جهل أن يثأر منه مقابل تلك الكلمة التي قالها. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، يعني لما جاء اليوم الثالث من رؤيا عاتكة -ثلاثة أيام هنا هي رأت أنه بعد ثلاثة أيام راح يصير هذا المشهد- فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب، وأنا كما يقولون مغموم، أدخل على أبي جهل وأريد أن أنزل به، وأن أوقع به المسبات والشتائم: كيف تقول هذا عن من يا عبد المطلب؟

قال: فدخلت المسجد الحرام فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعيد بعض ما قال فأقع به، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد يركض، فقلت في نفسي: ما له لعنه الله، لماذا يركض؟ آه، أقول هذا فر مني أن أشتاتمه، وإذا هو قد سمع ما لم أسمع. آه يعني هو الآن العباس يروي لنا المشهد، والآن دخل البيت الحرام يريد أن يلقى أبا جهل، يريد أن يشتمه وأن ينزل به شيئاً مما أصابه منه، قال: فأنا أسير نحوه وأنا غضب، إذا أبو جهل يركض، فالعباس يقول: ما له يركض؟ لعنه الله، لعله خاف مني، رآني مقبل عليه فخاف مني. فإذا بأبي جهل قد سمع صوتاً أنا لم أسمعه، يقول العباس: سأسمع ضمضم؛ ضمضم الذي أرسله أبو سفيان بن حرب لينذر أهل مكة ويأمرهم أن يلحقوا تجارتهم.

وصل فعلاً في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، فنزل في الأبطح وصرخ بأعلى صوته، ضمضم بن عمرو الغفاري يصرخ ببطن الوادي وواقف على بعيره. ماذا فعل؟ من عادة العرب أنها إذا أرادت أن تنادي الناس إلى مصيبة وإلى نكبة وقعت ليست لها، أنهم يجدعون أنف البعير، هكذا كانت عادتهم، فضمضم جدع أنف البعير -وهذه من المُثلة لا تجوز طبعاً شرعاً- لكن المهم هذه أفعال الجاهلية، جدع أنف البعير وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ألا إن تدركوها، الغوث الغوث. إذاً ضمضم يصرخ وينادي: اللطيمة، المصيبة. هنا حَمِي كفار قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة.

العباس بن عبد المطلب ذهب فإذا هو يسمع ضمضم يصرخ، قال: فشغلني عن أبي جهل هذا الشاغل، يعني خلص قلنا الآن ما هو وقت أبي جهل، ولا أبو جهل فاضي للعباس لأن هناك مصيبة كبرى تنتظر كفار قريش، التجارة، النبي صلى الله عليه وسلم يتعرض لها. قال: فتجهز الناس سراعاً، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ يعني محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ظفروا بالعير التي أخذها عبد الله بن جحش وقتل فيها عمرو بن الحضرمي، يظن أن هذه العير أيضاً سيكون مصيرها مصير تلك العير السابقة؟ كلا والله، ليعلمن من نحن.

فكانوا بين رجلين، إما رجل -كفار قريش كل كفار قريش- يا رجل خرج بنفسه للمعركة وليحمي هذه القافلة، أو رجل أعرض عن القتال فبعث مكانه من ينوب عنه، وأوعبت قريش، يعني أصبح هناك تعبئة عسكرية، فلم يتخلف من أشرافهم أحد إلا أبا لهب، تخلف وبعث مكانه؛ كان فيه مرض شديد ومات بعده، أصلاً لم يطل كثيراً بقاؤه، عليه من الله ما يستحق، أبو لهب لم يخرج فبعث مكانه العاصي بن هشام، وكان هناك حسابات مالية بينه وبين العاصي بن هشام، فخرج العاصي بن هشام مقابل تلك الحسابات المالية التي يريدها أبو لهب منه.

المهم، أمية بن خلف أيضاً كان المتردد وكان قد أجمع القعود وألا يخرج، أنه كان كبيراً في السن وثقيلاً في الجسم، فأتاه عقبة بن أبي معيط، رجل من صناديد كفار قريش، وتكون نهايته ونهاية أمية في المعركة. المهم، عقبة بن أبي معيط لأمية بن خلف، وأمية معه بخور يتبخر به، فقال له: اجلس، فإنما أنت من النساء. أراد عقبة أن يستفز أمية بن خلف، طبعاً أمية بن خلف أصابته الأنفة، يعني كيف تقول لي اجلس إنما أنت كالنساء، فذهب إلى بيته ولبس عدة الحرب وانطلق مع الناس.

لما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير، الآن بدأوا يفكرون، كفار قريش كان بينه وبين بني بكر مشكلة، قبيلة من القبائل كان بينهم وبين كفار قريش مشكلة عسكرية، فكفار قريش خافوا أنه إذا كل صناديد مكة خرجوا لمواجهة النبي صلى الله عليه وسلم أن تبقى مكة خلوة من الرجال فيستغل بنو بكر هذا الأمر، ويهاجمون مكة وينتهبون خيراتها، فبدأوا يفكرون ماذا نفعل؟ حتى إن بعضهم أصبح يقترح ألا نخرج لاسترداد هذه القافلة، بل نبقى حتى لا يغير بنو بكر على نسائنا وذرارينا وأموالنا.

وهم يفكرون من الذي أتاهم؟ أتاهم إبليس، عليه من الله ما يستحق، ودائماً الأباليس كثر أحبتي، في كل موقف فيه حرب على الإسلام تجد إبليس حاضراً، حضر معهم في دار الندوة، والآن يحضر في هذا الموقف، حضر وهو في هيئة سراقة بن مالك، الصحابي الجليل الذي كان كما قلنا حاول أن يدرك النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة، لكن العير منعها الله سبحانه وتعالى، فسراقة بن مالك طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاباً -التفاصيل التي ذكرناها سابقاً-. المهم إبليس أتى لكفار قريش بصورة سراقة بن مالك وقال لهم: اذهبوا لقتال محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا أحميكم في ظهركم وأهليكم وأموالكم. فهنا يعني سراقة بن مالك صاحب قبيلة كبيرة، فحينما تضمن لهم -طبعاً هو ليس سراقة بن مالك هو إبليس تمثل بصورة الرجال- لما تكفل له إبليس أن يحمي الذراري والنساء والأبناء، قالوا: خلاص إذاً لا يوجد شيء يثنينا، فلننطلق إلى تجارتنا لنحميها.

خرج النبي صلى الله عليه وسلم، الآن المشهد ينتقل ونعود إلى المدينة النبوية، استعداد النبي صلى الله عليه وسلم للخروج. خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ليالٍ مضت من شهر رمضان -إذاً كانت في شهر رمضان- في أصحابه، واستعمل ابن أم مكتوم، الصحابي الضرير رضي الله عنه، استعمله على الصلاة، واستعمل أبا لبابة على المدينة، يعني النائب عنه على رئاسة المدينة حتى يعود، كان أبا لبابة والذي يصلي بالناس هو ابن أم مكتوم. وأعطى اللواء، اللواء لمن؟ إلى مصعب بن عمير. الآن هذه استعدادات أي قائد حينما يريد أن يخرج، يضع من ينوب عنه، يجهز الأمور ويرتبها، وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة، الصلاة الصلاة، أهم شيء صلاة الناس ما تركها، خلص الناس يدبر بعضهم بعضاً، كلا الصلاة، النبي صلى الله عليه وسلم يجهز الشخص الكفء ليقوم بها حتى يعود.

لواء الغزوة مع مصعب بن عمير رضي الله عنه وكان أبيض، وكان أمام النبي صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما مع علي بن أبي طالب ويقال لها العقاب، الراية المشهورة، والأخرى مع بعض الأنصار.

طبعا الهدف لم يكن في الحقيقة ابتداءً عير قريش التي مع أبي سفيان؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك بعد ماذا سيقع في الطريق. كانت إبل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين، فكانوا يتعاقبون على سبعين بعيراً؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد على بعير، وحمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وأبو كبشة يتعاقبون بعيراً، وكان أبو بكر وعمر وعبدالرحمن بن عوف يتعاقبون بعيراً. إذاً المسلمون كانوا في أوضاع مادية صعبة، لا تظن أن الأمور كانت منفرجة وأن الوضع المادي سهل، ثلاثة على بعير بتلك الأوضاع الصعبة، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: لابد من المواجهة، وذهب باتجاه قافلة أبي سفيان.

بدأ النبي صلى الله عليه وسلم سيره، والنبي عليه الصلاة والسلام قائد عسكري، فبعث رجلاً يسمى بسبس بن عمرو الجهني، وأرسل معه شخصاً آخر يسمى عدي بن أبي الزغباء، أيضاً من قبيلة جهينة، وقبيلة جهينة لها مشاهد حاضرة في التاريخ. أرسلهم إلى منطقة بدر يتحسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب، فالمفروض كان بحسب مسير قوافل قريش أن قافلة أبي سفيان ستصل إلى منطقة بدر؛ لأن منطقة بدر في تلك الأيام فيها آبار مياه، وهذه قافلة لابد أن تمر كل فترة على آبار مياه، فكما أنتم الآن تمرون في طريقكم إلى مكة باستراحات لابد من استراحات يتعبأون فيها من المياه، فكانت بدر فيها آبار من المياه وينابيع. النبي صلى الله عليه وسلم بعث بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء الجهني إلى بدر ليتحسس قافلة قريش متى تصل إلى منطقة بدر. إذاً المقصد ابتداءً القافلة.

وصلت الأنباء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل مكة خرجوا برجالهم وعدتهم وعتادهم ليدافعوا عن تجارتهم. ما القرار؟ استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس؛ اجتماع عام مع الناس، انظروا الشورى، هذا أمر لا يتخذه شخص، هذا أمر يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم الصحابة أن الأمور العسكرية الكبرى لابد أن تكون بمشورة، لابد أن تقوم باجتماع قلوب المسلمين عليها حتى تنجح هذه الأمور. استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس وأخبرهم عن قريش، الموضوع الآن تطور؛ كنا نريد نذهب إلى قافلة، أصبح الموضوع أن كفار قريش خرجوا بعدتهم وعتادهم ليحموا هذه القافلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أريد أن أسمع رأيكم أيها الناس.

قام أبو بكر الصديق، وزير النبي صلى الله عليه وسلم الأول، فقال وأحسن وتكلم بكلام: يا رسول الله نحن معك، لا تخف. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امضِ لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون. هو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد -وهو موضع باليمن- لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فالنبي صلى الله عليه وسلم سُرَّ بهذا الكلام من المقداد بن عمرو؛ جرأة، شجاعة، تضحية متفانية، يا رسول الله الموت الموت، نحن معك إلى نهاية الطريق. هذه الكلمات أحبتي في ذاك الموقف مهمة جداً؛ لأنها ترفع الحماس وتصنع تعبئة معنوية لهذا الجيش؛ فجيش وهو الآن يقابل صناديد قريش يحتاج إلى تعبئة نفسية إيمانية عالية جداً، فكانت تلك الكلمات مهمة جداً.

ما زال النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر من أصحاب الكفة الأخرى من الأنصار، سمع من المهاجرين والآن يريد أن ينظر هل الأنصار على استعداد لخوض هذه المعركة؟ لأن كثيراً من علماء السير يقولون الاتفاق مع الأنصار كان في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم في حال مهاجمة المشركين للمدينة، لكن إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلب المشركين فلا يوجد هناك اتفاق بينه وبين الأنصار أن يكونوا في الغزوة، لكن مع ذلك الأنصار لم يخذلوه، رضي الله تعالى عن الأنصار وعن أهل الأنصار وعن الذين دافعوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ورووا هذه الدعوة بدمائهم الطاهرة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليَّ أيها الناس، وإنما يريد الأنصار؛ وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فذمتنا نمنعك مما نمنع به نساءنا. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرة إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأنه ليس عليهم أن يسير إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ سعد بن معاذ من رؤساء الأنصار؛ قالوا والله لكأنك تريد منا! الأنصار كانوا مؤدبين، قالوا خلاص أبو بكر الصديق والمقداد بن عمرو أدوا الواجب، لكن النبي صلى الله عليه وسلم سياسي محنك والقائد الأعلى يريد أن يري الأنصار أن رأيهم الآن مهم جداً، وأنه لا يقبل فقط رأي من أصحابه بل أنتم أيضاً لكم كف عليا عندي في الميزان.

فسعد بن معاذ قال: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل. قال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق -انظروا الآن شجاعة سعد بن معاذ والإيمان العميق في قلب الأنصار- لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء؛ إذا لقينا العدو سنصدقك يا رسول الله، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.

اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم أن المهاجرين وأن الأنصار على أهبة الاستعداد لخوض أي شيء يمكن أن تسفر عنه الأيام القادمة، إذاً النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى هذه الإيمانيات العالية؛ سيروا وأبشروا، إحنا الآن بذلنا الأسباب وأخذنا بكل الأمور، الآن جاء وقت التفويض إلى الله سبحانه وتعالى والتوكل عليه. فبإيمانه العميق يقول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، الطائفة الأولى هي طائفة عير قريش ذات التجارة العظمى وفيها أبو سفيان، أما الطائفة الأخرى فهي طائفة أبي جهل؛ يعني الله عز وجل وعدني إما أن أظفر بقافلة قريش وإما أن أظفر بصناديد قريش، النصر قادم لا محالة، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم. انظروا إذاً النبي صلى الله عليه وسلم أو لسمع منهم ثم الآن بعد أن اطمأن لإيمانهم ورسوخ وتجذر هذا الإيمان في قلوبهم والاستعداد لبذل الروح والتضحية، أعطاهم المبشرات.

نزل النبي صلى الله عليه وسلم قريباً من بدر، فركب هو ورجل من أصحابه حتى وقف على شيخ من العرب؛ النبي عليه الصلاة والسلام في دورة استطلاعية هو ورجل من الصحابة يسيرون حول المعسكر، ظفروا برجل من العرب فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، هذا الأعرابي لا يعرف أنه يكلم النبي عليه الصلاة والسلام، لكن الحرب خدعة. فهذا الشيخ قال له: لن أخبرك حتى تخبرني من أنت، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: أخبرنا نخبرك. قال: إذاً هكذا؟ قال: نعم. قال: والله لقد بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي كان فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وبلغني أيضاً أن قريش خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهو اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي كان فيه كفار قريش فعلاً.

فلما فرغ، قال: أعطيتكم ما تريدون أخبروني من أنتم؟ النبي عليه الصلاة والسلام بدهائه العسكري قال له: نحن من ماء. وكل البشر من ماء، فهل نحن إلا نطفة من مني؟ لماذا النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك؟ لأن هذه المعاريض مهمة جداً في الحرب، هذا الرجل يمكن يكون جاسوساً، يمكن يعطي بعضه من كفار قريش، فلا يمكن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه المعلومة سهلة، لكنه لا يكذب، صلوات ربي وسلامه عليه، نحن من ماء، أليس ذلك حقاً أحبتي؟ نعم جميعنا من ماء. هذا الأعرابي مسكين تركه النبي صلى الله عليه وسلم وهو استحى أن يقول من أي ماء أنتم حتى لا يظن فيه الجهل، فلما قال له النبي صلى الله عليه وسلم نحن من ماء وغادر النبي صلى الله عليه وسلم المكان، هذا الأعرابي جلس يفكر من أي ماء هم، ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد من بئر منطقة معينة، بدأ يفكر من أي ماء هؤلاء، من ماء معونة أو من ماء العراق، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد شيئاً آخر، أراد من ماء أي نحن كل البشر من ماء.

رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من الصحابة إلى ماء بدر يلتمسون الخبر، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فقالا: نحن سقاة قريش، هنا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما.

النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا بعث عيوناً، أي جيش بده يستقر بده يكون هناك عيون تذهب وتأتي بالأخبار. الآن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعرف بعد أين وصلت قافلة قريش، هو الأصل أن أبا سفيان ومن معه سيصلون إلى هذا الماء ماء بدر، فهو ينتظرهم. هو نعم وصله أن كفار قريش خرجوا باتجاه النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كان الصحابة أملهم أن أبا سفيان ومن معه يصلون إلى ماء بدر قبل أن يصل كفار قريش، فالصحابة يغنمون هذه القافلة ويعودون بها إلى المدينة ولا يعدو القتال بينهم وبين صناديد مكة، هكذا إذاً كان أملهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا بعث علي بن أبي طالب والزبير وسعد كسرية استطلاعية ينظرون من في ماء بدر، فظفرا بهذين الرجلين، هذان الرجلان كانا مواليين لكفار قريش، آتيين يستقيان الماء من آبار بدر ويذهبان إلى كفار قريش ولم يكونا من تجارة أبي سفيان.

طبعاً الصحابة في قلوبهم أن يكون هذان الرجلان من قافلة أبي سفيان؛ لأنه إذا كانوا من قبيلة أبي سفيان معناها أن القافلة اقتربت، ومعناها أن الغنيمة السريعة وستكون خفيفة ويعودون مباشرة إلى المدينة، فكان هوى الصحابة أكثرهم باتجاه أن يكون هذان الرجلان من تجارة أبي سفيان وليس من صناديد مكة، فلما أخبر هذان الشابان هذه السرية أنهما من قِبل كفار مكة وليسوا من قِبل تجارة أبي سفيان، فعلي بن أبي طالب والزبير ما صدقا هذين الشابين وبدأ يضربانهما: اعترف أنك من قافلة أبي سفيان! فهما يصرخان يقولان: نحن من صناديد مكة من عند كفار قريش. يضربان: بدك تعترف أنك من قافلة أبي سفيان! من شدة الضرب هذان الفتيان قالا: خلاص نحن من قافلة أبي سفيان.

ماذا تريدان؟ الآن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو يسمع ويشهد هذا الموقف، علي بن أبي طالب والزبير يضربان هذين الشابين: اعترف أنكما من تجارة أبي سفيان ولستما من كفار قريش. حتى هذان الغلامان هل أخبر علي والزبير بأنهما خلص كما تريدان: أنكما من قافلة كفار قريش، من قافلة أبي سفيان، نحن مع أبي سفيان. فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد أن انتهى من صلاته ماذا قال؟

قال: «إذا صدقاكما ضربتماهما، وإذا كذباكما تركتماهما، صدقا والله إنهما لقريش». يا علي، يا زبير، أنتما تضربان هذين الغلامين وهما يصدقانكما يقولان نحن من قريش ولسنا من القافلة؛ لما صدقاكما ضربتموهما، ولما كذبا وقالا إننا من قافلة قريش قافلة أبي سفيان تركتموهما؟ والله إنهما لصادقان، إنهما من قريش. أخبراني عن قريش، النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالغلامين قال لهما: تعاليا أخبرانا عن القوم. قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. إذاً قافلة كفار قريش والجيش القرشي المكي الآن أصبح مقترباً جداً من الصحابة، أصبح قريباً جداً من الصحابة.

طبعاً لسه الأمور الآن أحبتي، أبو سفيان الأصل أنه متجه إلى بدر وهو لا يعرف شيئاً عن التفاصيل، هو فقط بعث ضمضم بن عمرو إلى أهل مكة: اخرجوا لتجارتكم، والآن هو متجه باتجاه ماء بدر ولا يعرف أن جيوش المسلمين الآن وصلت بدراً، وأن كفار قريش الآن خرجت بعدتها وعتادها، لا يعرف كثيراً عن هذه التفاصيل؛ هو يعرف أن هناك مسيراً من محمد صلى الله عليه وسلم. أين وصل محمد؟ ما عنده أخبار، ويعرف أنه بعث رسولاً إلى مكة يندبهم. فالآن الأمور إذاً في ثلاث مشاهد: مشهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة عند مياه بدر، ومشهد كفار قريش وقد اقتربوا في العدوة القصوى، ومشهد أبي سفيان وهو يتجه أيضاً باتجاه ماء بدر. إذاً الكل يتجه باتجاه ماء بدر، والكل يحاول أن يرصد أخبار الأطراف الأخرى.

النبي صلى الله عليه وسلم قال للغلامين: ما أخبار قريش؟ فقالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: القوم، يعني كم عدد هؤلاء؟ فقالا: لا ندري. فقال: كم ينحرون كل يوم؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: طيب ما تعرفون العدد؟ كم ينحرون كل يوم؟ انظروا الذكاء. فقالا الغلامان: يوماً تسعاً ويوماً عشرة، يعني يوم ينحرون تسعة من الإبل ويوم ينحرون عشرة من الإبل ليأكلوها. فالنبي صلى الله عليه وسلم قدّر أن التسعة من الإبل كم شخص يأكلها؟ وعشرة من الإبل كم شخص يأكلها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذاً القوم ما بين التسعمائة والألف. يعني هذا العدد من النحر يأكل في العادة من تسعمائة إلى ألف رجل تقريباً، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام.

ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ من الذي أتى من الصناديد؟ فقالا: فيهم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن ود. يعني أعطوه الأسماء الكبرى، الخط الأول كما يقولون. فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة وقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها». يعني جاءتكم مكة بكل رجالاتها، الخط الأول كله اليوم حاضر. طبعاً هذا هل هو خبر يسر الصحابة؟ هل هو خبر سيلقي القلق في قلوب البعض؟ المهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألقت إليكم أتتكم مكة بفلذات الأكباد. لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين للصحابة خطورة الموقف، أن الأمر لا بد أن نتعامل معه بجدية، لا بد نحزم أمورنا من الآن؛ المعركة يبدو أنها قادمة، تفاصيلها صعبة، الهمم لا بد ترتفع، وإذا نحن فالغنيمة كبرى، سنقتل صناديد مكة، فلا بد من تعبئة إيمانية، وفي نفس الوقت لا بد من الحذر.

طيب الآن كم ذهب من وقت المحاضرة؟ أنا لا أريد أن أطيل عليكم، لا أظن أني أتوقف هنا إن شاء الله في المحاضرة القادمة، دعونا نتذكر الآن النبي صلى الله عليه وسلم يتجه أكثر وأكثر، يريد أن يقترب من عين بدر، كفار قريش يقتربون، أبو سفيان يقترب، هناك تعبئة من كل الأطراف. ماذا حدث بعد هذا المشهد؟ هذا بإذن الله في المحاضرة القادمة بإذن الله. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعلنا مقتفين مقتدين ومؤتسين بالنبي صلى الله عليه وسلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونلقاكم في مجلس آخر من مجالس غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، والسلام عليكم ورحمة الله.