غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح الأرجوزة المائية للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية للإمام ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه. نقف على سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، لا سننه وأيامه وشمائله وأخلاقه، نقتبس من هذا النور، ونتعلم منه، ونحاول أن نتأسى به، وأن نعمق جذور الحب له في قلوبنا، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.
كنا أحبتي في المحاضرة السابقة بدأنا الحديث عن الغزوة الأولى، غزوة الفرقان، تلك الغزوة العظيمة في التاريخ الإسلامي، والتي كان لها ما بعدها في نصرة هذا الدين وتثبيت أركانه. غزوة بدر الكبرى أحبتي غزوة مليئة بالعبر، مليئة بالحكم، مليئة بالتفاصيل والفقه، مليئة بالسياسة الشرعية، ومليئة بالتوجيهات النبوية، ومليئة بالسنن الكونية. ولذلك كان علماء السير وكان الأئمة الأُولى يقفون عند هذه الغزوة ويأخذون منها العبر، ويستخلصونها ليحكموا بها المنهج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ويستخلص منها دعائم التصور الإسلامي لحركة هذا الدين والمواجهة بين الإسلام وبين أهل الباطل.
لذلك أحبتي ارتأينا أن نقف عند هذه الغزوة، وأن نحللها رويداً رويداً عند كل موقف من المواقف، نحاول أن نتبصر وأن نفهم وأن نتعقل. لماذا تصرف النبي صلى الله عليه وسلم هذا التصرف؟ ما الذي أراده؟ ما هي السياسة الشرعية التي نأخذها من هذا الموقف؟ أين أماكن الثبات وأين أماكن المتغيرات في النهج المحمدي صلوات ربي وسلامه عليه؟ كل هذه الأمور تجدونها في غزوة بدر الكبرى وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عموماً. إذاً ما زلنا نحيا في ثنايا هذه الغزوة المباركة، وانتهينا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم الآن يقترب أكثر وأكثر من ماء بدر، وقافلة أبي سفيان تقترب أكثر وأكثر من ماء بدر، وكفار قريش الذين خرجوا للدفاع عن القافلة أيضاً يتجهون نحو ماء بدر. إذاً هناك ثلاث طوائف تتجه نحو هذه المياه لتكون هناك موقعة عظيمة خلدها التاريخ.
كنا أحبتي تكلمنا، من يتذكر في المحاضرة السابقة، تكلمنا أنه بعث عينين إلى ماء بدر ليتحسسا له الأخبار وليعرف أين وصلت قافلة أبي سفيان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال عنده أمل كبير أن يظفر هو وأصحابه بقافلة أبي سفيان قبل أن تهرب. هذان الشخصان هما بسبس بن عمرو والشخص الآخر هو عدي بن أبي الزغباء. كما يقص علينا ابن هشام رحمة الله عليه، وصلا إلى عين بدر. وكما قلت لكم بدر أحبتي في الزمن القديم كانت عبارة عن مجموعة من الآبار والمياه، منطقة غنية، المياه فيها كثير من العيون والآبار، فكانت القوافل تحب أن تنزل عندها في أثناء المسير ذهاباً وإياباً حتى تتزود من المياه وتكمل. فبسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء وصلا حتى وصلا بدراً. قال ابن هشام: فأناخا إلى تل قريب من الماء، ووضعا البعيرين إلى تل قريب من ماء بدر، وبدأا يتحسسان الأخبار.
ماذا فعلا؟ أخذا قربة من الماء وصنعا كأنهما يريدان أن يحتملوا من الماء وأن يعبئا هذه القربة من الماء. صنعا هذا الموقف وهما في الحقيقة لا يريدان ذلك، وإنما يريدان أن يتحسسا الأخبار؛ لأن كما قلنا هذه عبارة عن عيون مياه، فلا بد أن هناك من هو عليها الآن من القوافل، من أهل البادية، من الأعراب. فنزل عن بعيريهما وصنعا كأنهما يريدان أن يعبئا شنة أو قربة معهما من ماء بدر، وأخذا يتحسسان الأخبار ويسمعان كلام الناس على هذه المياه. من كان على هذه المياه؟ كان هناك شخص مر معنا في المحاضرة السابقة شخص اسمه مجدي بن عمرو الجهني. هذا الشخص من يتذكره منكم؟ كان له موقف مهم، طبعاً هو كان موقفاً سريعاً في المحاضرة السابقة، تذكرون في سرية سيف البحر التي قادها حمزة بن عبد المطلب، وهذه السرية كما قلنا التقت بركب من قريش، لكن الذي منع وقوع الاقتتال بين حمزة بن عبد المطلب وبين هذا الركب القرشي من هو؟ مجدي بن عمرو الجهني. هذا الشخص مجدي بن عمرو الجهني كما قلنا كان موادعاً للنبي صلى الله عليه وسلم وموادعاً لأهل مكة، وهو رجل بشكل عام واضح من سيرته ومن مواقفه أنه رجل سلم، رجل دائماً يحب الحلول السلمية والصلح، وأن يفض المشاكل، رجل إصلاحي. المهم كان هذا الرجل موجوداً على ماء بدر.
يقول ابن هشام: ومجدي بن عمرو الجهني على ماء بدر، فسمع عدي وبسبس عينا النبي صلى الله عليه وسلم، سمعا جاريتين من جواري الحاضر وهما تتلازمان على الماء، هناك جاريتان كانت بينهما مشكلة مالية فكانتا تتخاصمان على الماء، فإحداهما تقول للأخرى: إنما تأتي العير غداً أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك. إحدى الفتاتين تريد مالاً من الأخرى، فالمدينة ماذا تقول لصاحبتها؟ غداً أو بعد غد، لاحظوا التقدير الزمني، غداً أو بعد غد ستأتي قافلة، وتريد في قافلة أبي سفيان ستأتي قافلة على هذا الماء، وأنا سأقوم على خدمة هذه القافلة، أعبئ لهم المياه وأساعدهم وأزودهم، وسأقبض منهم مالاً أقضي به الدين الذي علي. المهم مجدي بن عمرو الجهني سمع ماذا قالت هذه الفتاة لصديقتها، فقال لها: صدقتِ. يعني أن القافلة فعلاً كما تقولين ستصل إلى مياه بدر بعد يوم أو يومين. طبعاً من الذي يشاهد كل هذا الموقف؟ بسبس بن عمرو وعدي. فلما سمع الجهني وسمع كلام الفتاتين، عرف أن أبا سفيان قد اقترب جداً من مياه بدر وما بقي له إلا يوم أو يومان. سمع هذه المعلومة، أخذها مباشرة وانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والجهني لا يدرك ما الذي حدث، يعني هو لم ينتبه أن هناك عيوناً على المياه تتحسس الأخبار، هو لم ينتبه لكل هذا الموقف، رآه لكنه لم يعلم أنهما يحتالان عليه، وأنهما يريدان أن يتحسسا الأخبار وليس مقصدهما في الحقيقة تعبئة قربة الماء.
أبو سفيان بن حرب طبعاً رجل سياسي وعسكري خبير جداً، أبو سفيان بن حرب رضي الله تعالى عنه أسلم بعد ذلك. أبو سفيان بن حرب رأس القافلة كان قد سبق القافلة في مسيره، رجل ذكي، ماذا فعل أبو سفيان بن حرب؟ ترك القافلة تسير وسبقها وتقدم عليها، ووصل إلى ماء بدر قبل أن تصل القافلة. وصل في وقت مبكر، فوجد على الماء أيضاً مجدي بن عمرو الجهني، هذا الرجل الظاهر أنه كان قريباً من هذه المياه وله هناك عمل. فأبو سفيان بن حرب وصل إلى عين بدر قبل أن يأتي أو تأتي القافلة بأسرها، فوجد مجدي بن عمرو الجهني فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست بوجود أحد على هذه المياه؟ يعني هل رأيت خلال هذا اليوم أحداً أتى إلى ماء بدر؟ ماذا قال له الجهني؟ قال له مجدي: في الحقيقة لم أرَ شيئاً مريباً. يعني مجدي لم يرَ شيئاً يلفت أن هناك حركة على مياه بدر. فقال: ما رأيت أحداً أنكره، يعني ما رأيت إنساناً أنكره أو استغرب منه، هل الناس تذهب وتأتي، شيء طبيعي، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن -أي في قربة- ثم انطلقا. يعني هذا كل ما رأيته، رأيت رجلين أناخا بعيريهما ثم نزلا فتحملا من المياه وانطلقا.
أبو سفيان رجل ذكي مستيقظ جداً، فأقبل أبو سفيان مناخهم، أبو سفيان تحرك إلى الجهة التي أشار إليها مجدي بن عمرو، قال هناك رجلان أناخا بعيريهما في هذه الجهة، أبو سفيان تحرك باتجاه هذه الجهة، فأخذ من أبعار بعيريهما، الآن البعيران لا بد أنهما أخرجا شيئاً من البعر، فأخذ أبو سفيان من هذا البعر ففتته بيده لينظر في طبيعته وما سيحويه، قال: فأخذ من أبعار بعيريهما ففتته فإذا فيه النوى، النوى الحب الذي يكون داخل التمر، فقال أبو سفيان: هذه والله علائف يثرب، يعني هذا النوى نوى أتى من يثرب أي من المدينة النبوية. فرجع إلى أصحابه سريعاً، فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها. أبو سفيان أدرك أن هذين الرجلين اللذين أناخا بعيريهما عيون لمحمد صلى الله عليه وسلم. عاد بذكائه ودهائه، أنه هذه الأبعار الموجودة في هذه المنطقة ليست من أبعار نجد ولا من أبعار الطائف أو قريش، لا، هذه أبعار فيها نوى، هذا النوى من عمل يثرب، يعني هذا تمر ليست تمر منطقة أخرى. فأدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وصله الخبر، أن أبا سفيان لم يبقَ له إلا يوم سيكون على المياه. فأبو سفيان بحنكته العسكرية مباشرة عاد سريعاً إلى القافلة واتجه بها نحو ساحل البحر، ولم يكمل طريقه باتجاه عين بدر، ولم يكمل طريقه باتجاه عين بدر، وإنما أخذ ساحل البحر ليجتنب اللقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم.
أبو سفيان لما رأى أنه قد نجا وأنه استطاع أن يخرج بهذه القافلة إلى بر الأمان، أرسل رسولاً إلى كفار قريش، يعني كفار قريش ما زالت الأخبار ما عرفوا أن أبا سفيان استطاع أن ينجو بالقافلة وأن يهرب بها، فأبو سفيان أراد أن يرسل الرسالة لهم. لما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا هذه العير وتمنعوا أموالكم، فقد نجاها الله، فارجعوا. انظروا يعني قضية أن كفار قريش كان عندهم كما قلنا إقرار بالله لكن مشكلتهم كانت في الشرك، مشكلتهم كانوا أنهم يعبدون أصناماً يزعمون أنها تقربهم إلى الله. فانظر عبارة أبي سفيان: قد نجاها الله، رجل عنده إيمان بالله لكن عنده شرك أكبر، ومع هذا الشرك النبي صلى الله عليه وسلم حاربهم وواجههم وقاتلهم، فانتبهوا أحبتي أن قضية الشرك الأكبر قضية خطيرة وليس كما يزعم البعض اليوم من استغاثتهم بالقبور وما يفعلون من الشرك أن الأمر هين، الشرك الأكبر النبي صلى الله عليه وسلم حارب عليه وقاتل عليه كفار قريش.
المهم أبو جهل بن هشام وصلته الرسالة، أبو جهل كان هو يعني من قادة الركب القرشي الذين خرجوا حماية القافلة، وصلته الرسالة من أبي سفيان لكنه قال: والله لا نرجع حتى نرد بدراً. انظروا الكبر، وكانت بدر طبعاً هي كما يقول ابن هشام هي موسم من مواسم العرب، يجتمع لهم بها سوق كل عام. الظاهر أن بدراً في تلك الحقبة الزمنية منطقة عامرة ومنطقة حيوية، أنا ذهبت أحبتي إلى بدر الآن، لكن الآن هي منطقة غالية، يعني لا يوجد فيها تلك الحياة والآبار والعيون في الفترة لا يوجد فيها ما يظهر من السير أنه كان قائماً بها، كانت منطقة عامرة بالمياه والعيون والآبار، وكان العرب لها سوق كامل في منطقة بدر كل عام. فابو جهل بتجبره وكبره رفض أن يعود، قال: والله لا أعود حتى أصل إلى مياه بدر، فنقيم عليه ثلاثاً، فننحر الجزر -أي الإبل- ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب. يريد أن يسمع العرب جميعاً أن قريشاً لم تضعف أمام محمد صلى الله عليه وسلم، وأنها خرجت وأقامت في بدر، وذبحت وأعطت، يعني يريد أن يعيد كبرياء قريش، هذا الذي يريده أبو جهل، يريد أن يعيد كبرياء قريش، وأن تسمع العرب جميعها أن قريشاً لها صيت كبير وأن لها قوة عظمى، ولا أحد يستطيع أن ينال منها. هذا ما كان يريد أبو جهل أن يفعله، ولكنه دفع الثمن باهظاً كما سنعلم.
مضت قريش، يعني قريش مشت على رأي أبي جهل ما رجعت، أبو سفيان كان إنساناً ذكياً، وإنساناً هادئاً وسياسياً، ولم يرد أن يقحم قريشاً في معركة مع محمد صلى الله عليه وسلم، لكن بعض العقول الطائشة كعقل أبي جهل أرادت هذا الإقحام، فكفار قريش ما استطاعوا أن يخرجوا عن رأي أبي جهل، فساروا معه وأكملوا الطريق باتجاه عين بدر. مرت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: 42]. وبعث الله عز وجل السماء، المراد بالسماء هنا المطر، أنزل الله مطراً، وكان الوادي دهساً، يعني الوادي كان عبارة عن رمال، والنوق والإبل كانت ربما تغور أقدامها في هذه الرمال، لا تثبت، فالله سبحانه وتعالى أنزل المطر، وهذه من كراماته سبحانه وتعالى للصحابة ولنبيه، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم عن السير، وأصاب قريشاً منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه. يعني هو المطر واحد أنزله الله سبحانه وتعالى، فكان خيراً على النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه وكان وبالاً على قريش، كيف ذلك؟ المطر الذي أنزله الله عز وجل على منطقة بدر ثبت الأرض وجمدها للنبي صلى الله عليه وسلم، فاستطاعت.
والبعير؛ أن تسير على هذه المناطق. عير النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام أيضاً كانوا يسيرون على تربة أصبحت جامدة قوية، فلم يكن المطر عائقاً لهم عن إكمال المسير، بل كان عاملاً إيجابياً؛ إذ لبد لهم الأرض، صارت الأرض متماسكة بدل أن تكون رملية تسوخ فيها الأقدام، أقدام الصحابة الذين يسيرون على أقدامهم أو أقدام البعير؛ أصبحت الأرض ثابتة قوية متينة مع المطر يسيرون عليها بشكل ميسر وسهل.
وأما بالنسبة لكفار قريش، فقد كان المطر سبباً معيقاً لهم عن الحركة والانتقال. وهذا طبعاً من فائدته أن النبي صلى الله عليه وسلم سبق كفار قريش إلى آبار بدر؛ من فائدة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم مهدت له الأرض فاستطاع أن يكمل الطريق، وكفار قريش كان المطر سبباً لهم مشكلة في المسير فأعاقهم، قاموا حتى تنتهي المشكلة التي سببها المطر ثم يكملوا المسير بعد ذلك. وهذه كانت من نعم الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم حتى يصل النبي صلى الله عليه وسلم بشكل مبكر إلى آبار بدر قبل كفار قريش.
لماذا وما فائدة أن يصل مبكراً؟ انظروا ماذا حدث؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا استطاع أن يسبق قريشاً إلى آبار بدر، الآن بدر فيها أكثر من بئر، هذه المنطقة كان فيها مجموعة من الآبار تماماً، الآن كفار قريش بدنا نتخيل أنهم في هذه المنطقة، والنبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى أول بئر من آبار منطقة بدر وهناك في الوسط بينهم مجموعة من الآبار؛ تخيلنا الصورة؟ كفار قريش هنا والنبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى أول بئر من آبار بدر وما زالت هناك مجموعة من الآبار بين جيش محمد صلى الله عليه وسلم وبين جيش المشركين. يعني المشركون لو تقدموا وأكملوا مسيرهم سيصيرون أيضاً إلى مجموعة من آبار المياه.
فالآن لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم عند أول ماء من مياه بدر وأمر الجيش أن يحط رحاله، من الذي أتى؟ أتاه صحابي عسكري فذ هو الحباب بن المنذر، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل الذي تريد أن تنزل به؟ يعني أنت الآن نزلت عند أول بئر وجدته في طريقك وهناك آبار كثيرة من المياه يمكن أن تتزود منها كفار قريش حينما تأتي، أرأيت هذا المنزل الذي نزلته؟ أهو منزل أنزلكه الله إياه ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
يعني يا محمد صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله، يا نبي الله، هذا المنزل هل هو أمر إلهي أن تحط رحالك فيه فليس لنا أن نناقش؟ طبعاً هذا في الحقيقة يوقفنا أحبتي إلى عقيدة التسليم للنص التي غرسها النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة؛ التسليم للنص والوحي الإلهي. اليوم لو كان بعض المتأسلمين في ذاك الموقف لبدأوا يخوضون بعقولهم ويؤولون كلام النبي صلى الله عليه وسلم ويحرفونه ويجادلونه ويناقشونه: ولماذا؟ ويا رسول الله هناك حلول أخرى؟ لا، الصحابة عندهم تربية عقدية؛ عقيدة التسليم للوحي الإلهي. ما في شيء اسمه نخوض بعقولنا أو أن عقولنا مقدمة على النقل أو أن عقلي يعارض الوحي؛ هذا أمر غير معروف عند الصحابة ولم يعرف إلا حين ظهرت الفرق المنحرفة في تاريخ الأمة التي استقت من طريقة الفلاسفة ولم تتوحد في منبعها. الصحابة وحد لهم النبي صلى الله عليه وسلم المنبع؛ الوحي الإلهي، فظل هذا الأثر في أذهانهم وفي عقولهم طوال تحركاتهم في حياتهم: يا رسول الله، هذا وحي؟ إن كان وحياً نقطة سطر جديد لا نناقش، تسليم. إن لم يكن وحياً يا رسول الله فدعني أعطيك نصيحة أخرى، إنه هذا ليس هو المكان الأنسب.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان واضحاً، قال له: «والله ليس إلا هو الحرب والمكيدة». فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، ليس هذا المكان المناسب أن تنزل عند أول بئر، فإن هذا ليس بمنزل، فنهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله. يعني دعنا نسير حتى نصل إلى أقرب بئر من الآبار لكفار قريش، يعني دعك من أول بئر ودعنا نسير ونقطع كل الآبار ونصل إلى البئر الذي هو أقرب بئر من آبار بدر إلى كفار قريش.
ماذا سيفعل الحباب؟ إيش خطته العسكرية؟ انظر وشاورهم في الأمر، مبدأ عام في الشريعة الإسلامية؛ النبي صلى الله عليه وسلم نعم رسول يوحى إليه، قائد أعلى، لكن في أمور الدنيا التي ليست وحياً من الله سبحانه وتعالى يشاور أصحابه، يسمع من هذا ويسمع من هذا ويأخذ الآراء ليري الأمة إلى يوم القيامة ما هو المنهج الذي يريده الله سبحانه وتعالى في السياسة الشرعية وفي إدارة الحكم، فقال: فنهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القُلب. يعني سنصل إلى أدنى بئر من كفار قريش، هذا البئر هو الذي سنستخدمه، وكل الآبار التي خلفناها وراءنا سنردمها ونغلقها بالحجارة، سنغلقها تماماً، هذه هي الحرب أحبتي، نعم هذه الحرب، لا بد من مكائد، فإذاً سنصل إلى أقرب بئر وكل الآبار التي تركناها وراءنا وجاوزناها سنردمها بالحجارة.
ماذا سيتم بعد ذلك؟ قال: ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه بالماء ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. يعني هذا الحوض الذي سننزل عنده سنبني عليه ويكون هذا البئر معبأ بالمياه، فنحن الذين نشرب وكفار قريش حينما يصلون لا يستطيعون الشرب؛ لأن هذا هو أقرب بئر إليهم ونحن أحطنا به ووضعنا ثقالنا ورحالنا عنده فنحن فقط من نشرب وهم لا يشربون، فحينما يصيرون إلى وقت المعركة يكونون ظمأى، يأتون يركضون للمياه لا يجدون، لا توجد مياه. كفار قريش لم تكن تدري أن محمداً صلى الله عليه وسلم سيخطط هذا التخطيط العسكري البارع. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً اقتنع بالخطة التي أدلى بها الحباب بن المنذر، أمر الجيش أن يتحرك إلى أقرب بئر من كفار قريش، حاصر هذا البئر وأحاط به وبنى حوله مثل سور صغير أو جدار صغير حتى امتلأ بالمياه تماماً، الصحابة كانوا هم الذين يشربون.
ماذا فعل كفار قريش؟ دعونا نسير ولا نستعجل الخطوات؛ إذاً فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلب -يعني بالآبار الأخرى- فغورت؛ أغلقت وردمت بالحجارة، وبنى حوضاً على القريب الذي نزل عليه فملأه بالماء وقذف فيه الآنية واستعدوا للمعركة. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم طرح له الآن هذه النقطة التي سينتظر فيها كفار قريش. النبي صلى الله عليه وسلم وصل الخبر أن قافلة أبي سفيان اتجهت والساحل استطاعت الهروب، وأخبر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم التفاصيل، وأنه الآن نحن سنواجه صناديد مكة، قضية القافلة هذه انتهت، نحن الآن على مواجهة مع صناديد مكة، معركة قادمة وستكون معركة حاسمة جداً.
سعد بن معاذ لما نزل الجيش وعند هذا البئر وأحاطوه وبدأت الاستعدادات والتكتيكات العسكرية، سعد بن معاذ قال: يا رسول الله، ما رأيك نبني لك عريشاً -يعني منطقة مرتفعة تكون عند هذا البئر- أنت تراقب من خلالها المعركة، إن ظفرنا يا رسول الله على المشركين أنعم به وأكرمه، وإن كان القدر الإلهي أن نهزم وأن يصيبوا فينا وأن يدخلوا، فإنك تعود يا رسول الله إلى المدينة لتكمل مسيرة الدعوة وبناء هذا الدين مع إخواننا الذين تركناهم وخلفناهم في المدينة. فكما عرفنا في المحاضرة السابقة، ليس كل الصحابة خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة، والسبب أنهم ما كانوا يعرفون ما الذي يحدث، هم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يغير على قافلة أبي سفيان ليأتي بالأموال ويعود، ما كان في حساب كثير من الأنصار خصوصاً أن هناك معركة كبرى فاصلة تاريخية الآن ستدور وقائعها في بدر، ما كان عندهم أي معلومة عن ذلك، خاصة أنه كما قلنا كثير من الأمور ما كانت واضحة حتى اللحظات الأخيرة.
كثير من الأمور لم تكن واضحة إلى أين تتجه حتى اللحظات الأخيرة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج حتى دنا واقترب من مياه بدر وهو يظن أنه يمكن أن يظفر بالقافلة، ولا يعرف كيف ستسير الأمور، الآن لما وصل إلى مياه بدر وجاءه بس بس وعدي وأخبراه مثلاً أن قافلة أبي سفيان ستدنو من المياه، فالنبي صلى الله عليه وسلم نعم استأذن في مسيره ظناً أن قافلة أبي سفيان ستصل في الوقت الذي يريد، لكن وصلت إليه الأنباء بعد ذلك أن قافلة أبي سفيان نجت واتجهت نحو الساحل، ما وصلت إلى مياه بدر أصلاً.
فالمهم كما قلنا سعد بن معاذ اقترح هذا الاقتراح، أنه يا رسول الله نبني لك عريشاً تشرف من خلاله على المعركة، إن ظفرنا ظفرنا وإن هزمنا فأنت تعود إلى المدينة وتكمل مسيرتك. سعد بن معاذ استوقفني هنا أحبتي بكلمة رائقة عالية جداً تدل على نقاء ذاك الجيل وعلى صفاء قلبه على إخوانه، ماذا يقول سعد بن معاذ؟ يا نبي الله، ألا نبني لك عريشاً تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى -ولم يحب أن يذكرها على لسانه- يعني إن كانت الهزيمة، جلست على ركائبك -يعني على النوق- وعدت باتجاه المدينة لتكمل مشواراً آخر مع الصحابة الكرام في بناء الدولة، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، ثم اسمعوا ماذا قال هنا، قال: فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله، ما نحن بأشد لك حباً منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، ينصحونك ويجاهدون معك.
انظر النفسية العالية لسعد بن معاذ وحسن ظنه بإخوانه الذين بقوا في المدينة ولم يخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة، أنه يا رسول الله صحيح نحن معك الآن، لكن والله يا رسول الله هناك أقوام تركناهم في المدينة، لسنا نحن الذين سنقاتل معك الآن بأشد لك حباً منهم، والله يا رسول الله إنهم صادقون وإنهم يريدون نصرتك ومنعتك، ولو كانوا يعرفون أن هناك قتالاً والله لم ينتظروا لحظة واحدة، لكن ما يعرفون. انظروا حسن الظن العالي، صفاء قلب ذاك الجيل، ليس كحال كثير منا اليوم؛ إذا وجد نفسه في العمل وفي الزخم الدعوي ووجد أناساً تخلفت عن هذا العمل لداعٍ أو لظرف من الظروف، بدأ ينهش بلحم إخوانه، وهؤلاء كسالى وهؤلاء مثبطون وهؤلاء خذلهم الله، لم يستخدم سعد بن معاذ هذه العبارات العنيفة في حق إخوانه الذين كانوا في المدينة، استخدم عبارات رائقة تدل على نفس شريفة، أنه يا رسول الله الذين في المدينة والله إنهم ليحبونك، إياك أن تظن يا رسول الله أننا نحن نحبك وهؤلاء تركوك وخذلوك، كلا، والله لو يعلمون قتالاً لأتوا الآن.
انظر كيف سعد بن معاذ يمدح إخوانه الذين لم يحضروا المعركة ولم يكونوا في هذه الغزوة، يريد أن يزيد ثقة النبي صلى الله عليه وسلم ومعنويات النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعلى مستوياتها، فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم خيره وشكره على هذا الكلام العالي جداً الرائق الذي يدل على نفس عربية مسلمة شريفة، ودعا له بالخير، ثم فعلاً النبي صلى الله عليه وسلم وجد هذا الحال الذي ذكره سعد بن معاذ حلاً منطقياً، بناء العريش أمر مهم جداً.
طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم كان يشارك في الغزوات حتى لا يتوهم البعض، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كيف لا يشارك في الغزوات والصحابة هم الذين يبذلون أرواحهم؟ وعلي بن أبي طالب يقول: كان إذا اشتد الوطيس نحتمي برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا اشتد وطيس المعركة فرسان الإسلام الكبار -علي بن أبي طالب أحد الفرسان الأشاوس- يقول كنا نحتمي بالنبي صلى الله عليه وسلم، يجعلون النبي عليه الصلاة والسلام في المقدمة هو الذي يقاتل هو الذي يدافع، لكن سياسة معركة بدر كانت تقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم يكون في العريش؛ لأن الدولة ما زالت في بدايتها، ولا يوجد هناك مجال حتى نخسر النبي عليه الصلاة والسلام، ما في مجال، لا بد نحافظ على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة في هذه الجولة الأولى.
وهذا فيه سياسة للذين يحيكون السياسات في المجتمع المسلم؛ إذا كان عندك رجل صاحب إمكانيات عالية صاحب مواهب صاحب قدرات، لا تلقِ به في الصف الأول في المعركة، اغتنم هذا الشخص، حاول أن تستفيد من طاقاته إلى اللحظة الأخيرة، للأسف كثير من الأخطاء الدعوية أن هناك ناساً أصحاب طاقات أصحاب إمكانيات عالية يمكن أن نستفيد منهم لفترات طويلة والأمة تستنير بنورهم، علماء، دعاة، طلبة علم أفذاذ، يلقي بهم الدعاة إلى الصف الأول في المواجهة، فيحترقون مباشرة، فيحترقون مباشرة ويذهب خيرهم عن هذه الأمة، ونحتاج إلى مئة سنة أخرى حتى نخرج مثل هؤلاء الأشاوس الأبطال، فالإنسان الذكي والقائد المحنك لا يلقي بخيرة شبابه وأصحاب الإمكانيات العالية في الصفوف الأولى، بل يحاول أن يحتفظ بهم إلى أقصى الدرجات حتى يستطيع أن يغتنمهم، وهذه من سياسة هذا الدين.
ليس هذا معناه أن نفرط بأصحاب الصف الأول؛ فأصحاب الصف الأول هم خيرة الناس الذين باعوا أنفسهم وأرواحهم ومهجهم لله عز وجل. لكن هي طبيعة الحياة أن هناك من هو من أهل الحرب والمعركة، وهناك من هو من أهل الفكر والسياسة والشريعة، فلابد أن يكون هناك تبادل في المواقف؛ فلا يصلح أن يكون هذا مكان هذا. كل إنسان له مكانه المناسب ضمن إمكانياته، والزج بأصحاب العقول والأفكار في الصفوف الأولى دائماً وحرقهم في الحقيقة مخسر كبير للأمة المسلمة.
سعد بن معاذ أدرك هذا الأمر، أنه لا يمكن أن نزج بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة وما زالت الدولة طرية غضة في المدينة؛ لابد أن نحافظ على النبي صلى الله عليه وسلم إلى أطول فترة ممكنة. والنبي صلى الله عليه وسلم اقتدى فعلاً بكلام سعد بن معاذ ورآه من الأخذ بالأسباب، وإلا لم يكن منه صلى الله عليه وسلم ذلك طلباً للسلامة -حاشاه بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه-.
المهم كفار قريش ارتحلت وبدأت تتجه نحو الصف الإسلامي لتلتقي النبي صلى الله عليه وسلم عند مياه بدر. فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل -وهو الكثيب الذي جاءوا منه- إلى الوادي، يعني لما رآهم يسيلون من الكثيب باتجاه مياه بدر كان عددهم كبيراً من تسعمئة إلى ألف، كما قدرهم النبي صلى الله عليه وسلم. رآهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال وهو يراهم يقتربون من مياه بدر: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة».
يعني النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عليهم بالهلاك. الآن أحبتي لاحظوا قضية منهجية، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا والتجأ وتوكل على الله سبحانه وتعالى، لكنه قبل ذلك أخذ بكل الأسباب المطلوبة؛ طبق مبدأ الشورى، وبعث العيون تستطلع له الأخبار، وحاول أن يأخذ برأي الحباب بن المنذر ونزل عند أقرب مياه إلى قريش. فعل كل الأسباب الشرعية المطلوبة منه، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: بما أني أنا رسول الله إذاً لا نريد أن نأخذ بالأسباب، ودعونا ننطلق إلى المعركة فإن النصر مكتوب، توكلوا على الله، أنا رسول الله، معقول الله عز وجل يخذلني؟ لا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يتخذ هذا المنهج لأنه يريد أن يعلم الأمة إلى يوم القيامة أن سنة الانتصار على الأعداء لابد فيها من أخذ السنن الكونية والأخذ بالأسباب.
أما ما يفعله اليوم بعض المتحمسين وبعض الدعاة الذين يقفزون بالأمة قفزات شرسة، أنهم يقولون للأمة: أنتم على الحق وأنتم على الخير وخوضوا معارككم مع أعدائكم، ويحمسون الشباب المسلم، لكن حينما ننظر في مدى الأخذ بالأسباب تجد الأمة في آخر الأمم، كسل عام، هبوط عام في الهمم والإنجاز والبذل والعطاء. أقول أحبتي لهؤلاء في الحقيقة، نعم الصدق هو جزء من عملية الانتصار لكنه ليس كل شيء، الأخذ بالأسباب وتوفير الطاقات في جميع مجالات الحياة في الجوانب الشرعية والهندسية والطبية والعسكرية والسياسية، وتوفير كل الإمكانيات والأخذ بكل الأسباب هذا هو المنهج المحمدي.
النبي صلى الله عليه وسلم كان صادقاً مع ربه، والصحابة كانوا صادقين مع الله عز وجل، ومع ذلك لم يعتمدوا على صدقهم وحده، بل أخذوا بالأسباب، وهذا وحي من الله للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد علم أمتك منهج الأخذ بالأسباب حتى لا يظنوا أني سأنصرهم بمجرد أنهم صادقون وهم يتواكلون ولا يبذلون ولا ينجزون ولا يعملون وهم كسالى نائمون. علمهم أن النصر يحتاج إلى صدق ويحتاج إلى عمل، يحتاج إلى نفوس شريفة طاهرة ونفوس عاملة باذلة تأخذ بالأسباب وتطبق الشورى وتنجز وتتقدم. إذا أخذوا بالأسباب وبذلوا كل الطاقة حينئذ نعم، عليهم أن يتوكلوا على الله وأن يدعوا الله عز وجل بقلب مؤمن مطمئن ومنتظر للنصر والبشائر من الله سبحانه.
أما أن ننتظر البشائر وأن تقاتل الملائكة معنا في الصفوف ونحن متخلفون في الفكر والحضارة والبذل والعطاء فهذا منهج لا علاقة له بمنهج وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لمن نظر وتبصر وتعقل. فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد أن أخذ بكل هذه الأسباب واستعد تمام الاستعداد قال: اللهم نصرك الذي وعدت.
في تلك اللحظة، لأن هناك كثير من الناس يسألوننا: يا شيخ متى النصر والأمة تتكالب عليها الأمم؟ وهل اقترب فتح بيت المقدس؟ وهل وهل؟ يطرحون أسئلة في الحقيقة، انظر إلى حال هؤلاء الذين يسألون، انظر إلى صلاة الفجر، انظر إلى إنجازاته وعطائه في هذه الحياة. فإذا هو إنسان مرابي -بعضهم لتعامله مع البنوك الربوية-، صلاة الفجر عنده شبه معدومة أو يصليها في منزله، أبناؤه أو بناته متبرجات لا يلتزمن بالحجاب الشرعي، الأعراس المختلطة، الأغاني، الأفلام القبيحة، ثم هو نفسه يأتيك يقول لك: يا شيخ هل قارب الانتصار؟ والله إننا نحب نصر هذا الدين. أخي جزاك الله خيراً وتحب نصر هذا الدين، لكن أنت لم تأخذ بالأسباب الشرعية؛ مجرد أن تربي الأسرة لم تربها، مجرد أن تحافظ على أبنائك وأن تنتج لهذه الأمة بنات عفيفات طاهرات تبني أسراً جديدة على منهج محمد صلى الله عليه وسلم، مجرد أنك تكف عن الحرام وأكل الربا، مجرد أنك تحافظ على صلاة الفجر، هذه الأمور التي أعتبرها مبادئ العمل الإسلامي ما زالت مهدومة عندك، أي نصر تنتظر؟
لماذا تستعجل شيئاً أنت لم تحقق شرطه في حياتك؟ لو كنت إنساناً مقدماً باذلاً محافظاً على بيتك وعلى أسرتك تربي أبناءك وتحفظهم القرآن وتعلمهم الدين، تحافظ على حرمات هذا الدين وتعظم الشعائر المحمدية، لو كنت إنساناً بهذا النفس يعني لك الحق أن تسأل وأن تنتظر، ما في عندي مشكلة، لكن مشكلتي حينما تكون إنساناً بعيداً عن الأخذ بالأسباب الشرعية والحياتية والسنن الكونية ثم تقول: يا شيخ متى النصر؟ هذا أحبتي ليس منهج الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم.
حتى لا أطيل بهذه الفكرة، نقول: لما نزل الناس، وأقفل نفر من قريش حتى وردوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم. الآن لما نزل الناس -يقصد بالناس كفار قريش-، لما نزلوا من الكثيب ووصلوا الآن إلى مياه بدر تفاجؤوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أحاط ببئر واحد هو والصحابة الكرام، وكل الآبار التي خلفها النبي عليه الصلاة والسلام مغلقة بالحجارة. انصدموا، حاول بعض رجال قريش وشبابهم -أو صناديد كفار قريش- أن يصلوا إلى حوض النبي صلى الله عليه وسلم حتى يشربوا منه، وكان فيهم حكيم بن حزام.
الآن النبي صلى الله عليه وسلم كان بإمكانه أن يصدر أمراً للصحابة: أي شخص يقترب من الحوض اقتلوه. انظروا الآن مجموعة من كفار قريش، خمسة أو ستة حاولوا أن يقتربوا من هذا الحوض الذي عليه الصحابة، طب عملية انتحار هي، أنت تنظر إليها، كيف أنتم الستة تريدون أن تخوضوا معسكر المسلمين وتصلوا إلى الحوض تشربوا؟ فجازفوا ليشربوا من الحوض، وكان فيهم حكيم بن حزام رضي الله عنه الذي أسلم بعد ذلك. النبي عليه الصلاة والسلام لو أصدر الأمر للصحابة أن اقتلوا كل شخص يقترب من الحوض لانتهى هؤلاء النفر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: دعوهم. يعني خلوهم يوصلوا للحوض ويشربوا، قال: فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل، يعني ما في أحد من هؤلاء النفر شرب من هذا الحوض شربة إلا قتل في المعركة، إلا شخصاً واحداً حكيم بن حزام؛ حكيم بن حزام شرب من هذا الحوض لكن الله سبحانه وتعالى لسعادة خبأها له لم يقتل في تلك المعركة. لذلك كان حكيم بن حزام بعد ذلك بعد أن أسلم -من هذه من اللطائف- إذا أراد أن يجتهد في حلفه ويمينه يقول: أقسم بالذي نجاني من يوم بدر، لأنه رأى أصحابه الذين كانوا معه في المعركة، كل شخص شرب من هذا الحوض قتل في المعركة وذبح إلا هو، نجاه الله سبحانه وتعالى لسعادة خبأها الله عز وجل له، فكان إذا اجتهد في يمينه بعد ما أسلم يقول: أقسم بالذي نجاني من يوم بدر.
لما اطمأن القوم الآن كفار قريش، بعثوا شخصاً منهم يسمى عمير بن وهب الجمحي، قالوا له: احزر لنا أصحاب محمد، يعني خذ جولة حول معسكر محمد صلى الله عليه وسلم، انظر لنا كم عدد الرجال عنده. فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال: هم ثلاثمئة رجل، يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ولكن أمهلوني حتى أنظر للقوم، كمين أو مدد؟ فضرب في الوادي حتى أبعد فلم يرى شيئاً، فرجع إليهم فقال.. الآن ماذا قال؟ سأنقلها لأن كلمة مهمة جداً. لكن انظروا الآن ماذا فعل كفار قريش؟ نزلوا الآن أصبحوا في مواجهة محمد صلى الله عليه وسلم، هنا جيش النبي عليه الصلاة والسلام، هنا جيش كفار قريش، المعركة لم تبدأ بعد، كفار قريش بعثوا شخصاً يسمى عمير بن وهب الجمحي، قالوا له: احزر القوم تقريباً كم عددهم؟ ذهب حزرهم قال: هم ثلاثمئة رجل.
لكن دعوني يعني خشي كفار قريش وعمير أن يكون هناك مكيدة، أنه معقول فقط ثلاثمئة رجل أتوا ليواجهوا ألف رجل؟ ما هذه الجرأة؟ ما هذه الشجاعة؟ فعمير شك، قال: لعله يكون هناك مثلاً مدد سيأتيهم أو كمين، أو هذه خدعة، فقالوا لكفار قريش: دعونا نتروى حتى نتأكد هل هناك كمين أو مدد؟ فذهب عمير بدأ يفتش في المناطق حول بدر هل هناك كمين؟ هل هناك أناس متخبئة؟ ما وجد شيئاً، فعاد إلى كفار قريش لكنه قال كلمة عظيمة جداً، ماذا قال؟ اسمعوا، قال: ما وجدت شيئاً، ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا. كلمة مخيفة، رأيت البلايا تحمل المنايا. طبعاً البلايا هنا اسم للنوق، ويقولون البلايا جمع بلية وهي الناقة والدابة التي تربط إلى قبر الميت حينما يموت، المهم لا يهمني الآن لماذا تسمى النوق بلايا، هذا تعودون إليه في كتب المعاجم، المهم قال لهم: رأيت البلايا تحمل المنايا، يعني رأيت الإبل عند محمد صلى الله عليه وسلم تحمل الموت، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع.
عمير بن وهب حينما لف حول جيش الصحابة ورآهم، رأى أناساً أشاوس أبطالاً شجعان، في عيونهم الموت، عيون لأسود لفرسان شجعان يريدون أن يبذلوا وأن يضحوا من أجل هذا النبي العظيم، فعمير وهو يطوف خائف وعند كفار قريش يقول: ترى يا جماعة الأمر مخيف، هؤلاء الناس ربما عددهم قليل مقارنة معكم، لكن والله إن الموت في أعينهم، رأيت البلايا تحمل المنايا، يعني هذه النوق هذه الجمال لا تحمل رجالاً بل تحمل الموت، الموت الذي سيقبض أرواحكم يا أهل مكة، رأيت البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع. إبل يثرب والله لا تحمل أناساً عاديين، أناساً ضعافاً كما تتوهمون، تحمل الموت الناقع لكم، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم، يعني صحيح ثلاثمئة لكن لن يموت واحد منهم حتى يقتل واحد منكم كحد أدنى، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، يعني إذا انقتل منكم يا صناديد مكة ثلاثمئة شخص فوالله ما خير العيش بعد ذلك، فكروا برأيكم.
عمير بن وهب الظاهر أنه فعلاً ارتعد وخاف، وعاد إلى صف كفار قريش قال لهم: يا جماعة ثلاثمئة رجل والله صحيح معهم فقط سيوف وما عندهم نوق كثيرة، لكن هذه النوق وهؤلاء الرجال يحملون الموت في أعينهم، فدائيون استشهاديون أتوا لبذل أرواحهم، يعني القوم لا يريدون الرجوع إلى المدينة، قوم أتوا ليموتوا في هذا المكان، فأنا والله أرى أن تعودوا، يعني ما أنصحكم أنكم تكبروا الطريق معهم. لما سمع حكيم بن حزام -حكيم بن حزام الذي تكلمنا عنه قبل قليل- لما سمع ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة سيد من سادات مكة فقال له: يا أبا الوليد، عتبة في الحقيقة كان -من ينظر في سيرة هذا الرجل وإن مات الآن في المعركة على كفره عليه من الله ما يستحق، لكنه مقارنة مع أبي جهل- عتبة كان رجلاً عاقلاً، وكان يدرك كيف يسوس الأمور، وكان إنساناً بشكل عام لا يتجه نحو نهج الحرب والصراع بل يتجه نحو اختصار الأمور وضبطها كما يقولون، لكن المشكلة في أبي جهل صاحب العقل العنيد.
أتى حكيم بن حزام إلى عتبة فقال له: يا أبا الوليد، حتى نضبط الوقت جيدًا، يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى أمر لا تزال تذكر فيه بخير إلى آخر الدهر؟ فقالوا: وما ذاك يا حكيم؟ قال: فترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي.
طبعًا كفار قريش قيل إن من مقاصدهم في هذه المعركة أنهم خاصة لما عرفوا أن عير أبي سفيان قد نجت، كان من مقاصد إصرار أبي جهل على أن يستمر في خوض المعركة مع النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أرادوا أن يثأروا لمقتل عمرو بن الحضرمي، الذي قتله سيدنا عبد الله بن جحش في سرية النخلة التي قصصناها عليكم في المجلس السابق. أرادوا أن يثأروا؛ لما عرفوا أن الله عز وجل طيب خاطر النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: صحيح أن أصحابه قتلوا في الأشهر الحرم، لكن ما فعله كفار قريش بكم أعظم؛ فخذ يا محمد الغنيمة ولا تلتفت إلى كفار قريش.
كفار قريش أصابها الغيظ وأرادت أن تنتقم لعمرو بن الحضرمي، فكان هذا أيضًا من مقاصد سيرهم. فحكيم بن حزام ذهب إلى عتبة وقال له: أنا أرى أن تحل هذه الأمور، وأن تحمل دم عمرو بن الحضرمي؛ أن تدفع يا عتبة دية عمرو بن الحضرمي إلى عائلته وأسرته، ودعنا نخلص من هذا الأمر. يعني هذا عمرو بن وهب الجمحي يقول لك: البلايا تحمد المنايا، ونحن لا نريد أن نخسر الأرواح والأنفس من أجل معركة مع أقاربنا وأبناء عمومتنا من المهاجرين. فعتبة فعلًا قال: قد فعلت، كلامك صحيح، أنا معك، أنا لا أرى أنه يجب أن نخوض هذه المعركة، ليس من مصلحتنا أن نخوضها الآن، أنت علي بذلك، إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله.
فأتى ابن الحنظلية، قال عتبة لحكيم: أنا موافق، وأنا الآن أقوم في الناس وأتكلم بهذا الكلام، لكن المطلوب منك أن تذهب إلى ابن الحنظلية؛ فالحنظلية هو أبو جهل، هذه نسبة إلى أمه، أمه من نسب شخص يسمى حنظلة بن مالك، فينسب أحيانًا إلى أمه، وهذا طبعًا نسبته إلى أمه فيه نوع من النبز ونوع من الشتيمة. فعتبة يقول لحكيم بن حزام: انظر لنا وحل لنا مشكلة ابن الحنظلية، صاحب العقل اليابس، كأنه يريد أن يقول له هذا، فإني والله لا أخشى أن يفسد أمر الناس غيره. يعني أنا مش خايف، الناس راح تتابعني، لكن الذي سيفسد علينا هذا الأمر هو هذا الرجل.
قام عتبة بن ربيعة خطيبًا في الناس فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، يقال قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجل من عشيرته. لأن أحبتي العلاقة بين كفار قريش وبين المهاجرين هناك رحم بينهم، هذا يكون أخوه وهذا عمه، وكما سيأتي في غزوة بدر قتل الأب ابنه والابن أباه. فكان هناك رحم بين المهاجرين وبين كفار قريش، ولاد عم، ولاد خال، عمومة، آباء، أبناء.
فالعتبة بن ربيعة يقول لكفار قريش: والله إن قتلنا هؤلاء القوم اليوم، صحيح يمكن أن نقتلهم لكن سيبقى الرجل منا خافضًا رأسه أمام العرب، العرب تعير وتقول له: قتل فلان أخاه، قتل فلان ابن عمه. وهذا ليس معهودًا عند العرب، العرب كانت القبيلة عندهم وحدة واحدة، ليس معهودًا عندهم أن القبيلة يقتل بعضها بعضًا، ليس هذا من دأبها، بل الأصل أن القبائل تغير على البعض، فكل قبيلة وحدة واحدة متماسكة. فيقول عتبة: العرب بذلك أنها قبيلة قريش العظيمة التي لها شؤون الحرم قتلت بعضها بعضًا.
كان كلام حكيم لعتبة بن ربيعة في هذا الموقف، فعتبة قدرًا في النهاية أنا أرى أن تدعوا محمدًا وسائر العرب. قال له: محمد يدبر أمره مع سائر العرب، إن أصابوه فذلك الذي أردتم؛ يعني إن العرب قتلت محمدًا صلى الله عليه وسلم فهذا الذي كنتم تبحثون عنه، وإن كان غير ذلك، ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون؛ يعني إذا كانت له الغلبة لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي ملك أمور العرب، وجدكم محمد صلى الله عليه وسلم ولا يوجد بينكم دماء، فيكون هناك مجال للمفاوضات والمناقشات معهم. المهم أراد أن يعيد كفار قريش إلى مكة من دون مواجهة عسكرية.
حكيم بن حزام الآن كما أمره عتبة، قال له: اذهب إلى أبي جهل وأخبره بأننا نريد أن نرجع. حكيم بن حزام ذهب إلى أبي جهل قال: فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثر درعًا له من جرابها؛ يعني الآن رفع درعه وأقامها يريد أن يلبسها، أبو جهل مستعد للمعركة. فقال له: يا أبا الحكم -وأبو جهل هذه كنية كناها النبي صلى الله عليه وسلم له ولا كنيته عند العرب كنيته أبو الحكم- يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا، فأخبره بالتفاصيل التي اتفقوا عليها. فقال وانتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه، لأن أبا جهل بدأ يستهزئ بعتبة، قال له: انتفخ سحره حين رأى محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
طبعًا السحر هنا المراد به الرئة، وكأنه يريد أن يقول إنه خاف. انتفخ سحره، السحر هنا المراد به الرئة، فهو يريد أن يقول إن عتبة دخله الخوف والجبن حينما رأى محمدًا صلى الله عليه وسلم، وكانوا يقولون الجبان حينما يجبن ويظهر هذا عليه تنتفخ رئته. المهم: كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله. يعني انظروا للعبارات، يعني أبو جهل يقحم لفظة الإله في كلامه، لاحظوا أبو جهل رجل من رجالات وصناديد مكة الكفار يقحم لفظة الإله في كلامه، وانظروا في كثير من الأمور التي تحدث اليوم أحبتي.
المهم: والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال؛ يعني دعك من عتبة لن نتبعه، ولكنه قد رأى أن محمدًا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه، فقد تخوفكم على؛ يعني عتبة أحد أبنائه كان أسلم وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم مع المهاجرين. فيقول أبو جهل: يعني عتبة خايف على ابنه الذي مع محمد صلى الله عليه وسلم أن يقتل.
ثم أبو جهل انظروا شيطان، أبو جهل شيطان أحبتي بكل معايير الشيطانية، أرسل إلى شقيق عمرو بن الحضرمي، شقيق عمرو بن الحضرمي اسمه عامر بن الحضرمي، كان خرج مع كفار قريش ليأخذ ثأر أخيه، فأبو جهل عرف كيف يستفز كفار قريش مرة أخرى حتى لا تتثبط همتهم عن القتال، فأرسل إلى عامر بن الحضرمي وقال له: هذا حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك يا عامر، فقم فانشد حفرتك ومقتل أخيك. هنا عامر أخذته الحمية، ثم اكتشف وصرخ، اكتشف يعني كشف عن عورته، وهذه كانت عادة عند العرب أنه إذا أحد يريد أن يندب الناس إلى الشيء يكشف عن عورته، وبئس العادة حقيقة.
ثم صرخ: وا عمراه! وا عمراه! يندب أخاه الذي قتل، فحميت الحرب. الناس بشكل عام يعني المجتمع العربي مجتمع إذا سمع الندبة والصراخ والاستغاثة ينتدب، ليست مجتمعات ميتة كمجتمعات اليوم، يعني هم نعم كانوا ينتدبون للثأر وللأمور التافهة، لكن كان عندهم انتداب، كان عندهم نفس نخوة، وإن كانت نخوة فاشلة في أماكن لا شرف فيها. أما اليوم أحبتي، المسلمون يغتالون في مشارق الأرض ومغاربها ومعتصماه وإسلاماه، سمعت من كثير من النساء والأطفال والشباب لكن لا أحد. النخوة التي كانت عند العرب ذهبت من هروب كثير من المسلمين، الخير قائم بإذن الله في هذه الأمة، لكن كثير من المسلمين ذهبت من قلوبهم تلك النخوة وتلك الشهامة في الذب عن أعراض المسلمات وفي الذب عن الأبناء والشيوخ والأطفال والنساء، أسأل الله أن يعيد لهذه الأمة مجدها.
المهم هذا الرجل بدأ يستنفر كفار قريش، أخذتهم النخوة ولم يردوا على عتبة وذهبوا خلف أبي جهل. مشهد آخر لأن كفار قريش بدأوا يستعدون، الكل يحمل سلاح والكل يلبس لقمة الحرب، المواجهة اقتربت وما هي إلا ساعات وستبدأ الحرب. الأسود بن عبد الأسود المخزومي هذا رجل سيء وشرس جدًا من كفار قريش، حلف يمينا قال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم، لأنهم عطشوا كفار قريش، فهذا رجل لشدة عطشه حلف، وهو سيء الخلق في نفس الوقت، حالف قال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه. يعني انظر ومستعد للموت من أجل هذا المبدأ الخسيس، حلف عهد، وكانوا إذا عاهدوا بشكل عام صدقوا، عادتهم إذا عاهدوا على الموت صدقوا.
فلما خرج هذا الرجل كما قلنا اسمه الأسود بن عبد الأسد المخزومي بدأ يتجه نحو حوض النبي صلى الله عليه وسلم، خرج له حمزة بن عبد المطلب فقطع رجله وأطارها وهو لم يصل إلى الحوض. يعني هذا الرجل يعني أنت وين ذاهب، أنت ذاهب إلى عقر المسلمين ولا عقر الجيش، تريد أن تشرب من الماء، فخرج له حمزة، قطع أولًا قدمه، فوقع الرجل على الأرض يشخب بدمه دمه يسيل، لكنه استمر على عهده. انظروا عناد الكفر، ثم حبا حبوا بعد أن قطع قدمه حمزة رضي الله عنه، حبا حبوا على قدميه ليصل إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يعني وصل الحوض، لم وصل الحوض حمزة بن عبد المطلب أكمل عليه وأجهزه في ضربة واحدة.
لكن انظروا الإصرار، يعني فعلًا شيء عجيب تحلل نفسيات هؤلاء القوم الكفار، ليس لهم أدنى حظ من الإسلام، ومع ذلك إذا عاهدوا عهدًا كانوا مستعدين أن يقاتلوا إلى اللحظة الأخيرة عليه. فأنت أيها المسلم الذي عاهدت الله سبحانه وتعالى، هل أنت مسلم عاهدت الله سبحانه وتعالى على ترك معاصي الخلوات؟ بالله عليك كم مرة نقضت هذا العهد؟ أنت مسلم عاهدت الله عز وجل على صلاة الفجر جماعة، بالله عليك كم نقضت هذا العهد؟ رجل من كفار قريش من صناديدهم يعاهد أن يسير إلى الحوض، تقطع رجله فيزحف زحفًا إلى الحوض يريد أن يوفي بعهده حتى يموت.
وأنت أيها المسلم الذي تملك القيم العليا والمثل الرائعة والأفكار الجميلة، أنت أيها الإنسان الذي رزقت التوحيد والاتصال بالرب سبحانه وتعالى، كم عاهدت الله سبحانه وتعالى وغدرت؟ كم عاهدت الله عز وجل وتخلفت عن هذا العهد؟ يا طالب العلم، أيها العلماء، أيها الدعاة، كم عاهدنا الله سبحانه وتعالى على أن نستمر في طلب العلم وعلى أن نبذل له الغالي والنفيس، ثم نحن نفر من دورة عن دورة، وعن مجلس علم، وعن كتاب، وعن مطالعة، لا نريد أن نقدم وأن نبذل، نتكاسل نفتر، تذهب الهمم سريعًا. أين العهود مع الله سبحانه وتعالى؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 111]. فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، نعم نحتاج أن نعيد التفكير في قيمنا وفي مثلنا التي نسير عليها في حياتنا. المهم هذه كانت قصة مختصرة عن الأسود بن عبد الأسد المخزومي.
جاءت ساعة الصفر كما يقولون، السابع عشر من شهر رمضان، وعند الصبيحة السابع عشر من شهر رمضان وفي السنة الثانية من الهجرة شهدت منطقة بدر معركة الفرقان، المعركة العظمى التي فصلت بين الحق والباطل، معركة أسست لدولة الإسلام إلى قيام الساعة، معركة جعلت محمدًا صلى الله عليه وسلم يحسب له ألف حساب، ليس فقط في جزيرة العرب بل ما بعدها، أصبحت تسمع به الفرس والروم، ثلاثمائة استطاعوا أن يلحقوا هزيمة نكراء بصناديد مكة ورجالات قريش. ننظر في تفاصيل المعركة.
الآن أحبتي خرج عتبة بن ربيعة وبالقرب منه شيبة أخوه، شيبة بن ربيعة، وفي الجانب الآخر ابنه الوليد بن عتبة، إذًا عتبة بن ربيعة، شيبة بن ربيعة، الوليد بن عتبة. وكانت عادة العرب في معاركها أنها تبدأ المعارك بالمبارزة، هذه المبارزة الجيوش لا تتدخل فيها، يخرج الفرسان من هذه الطائفة والفرسان من هذه الطائفة، ثلاثة تقابل ثلاثة، اثنان مقابل اثنين، المهم حسب الاتفاق، وتبدأ المبارزة وهذا نوع من أنواع الاستعراض العسكري للقوة، ثم بعد انتهاء المبارزة تلتحم الجيوش وتبدأ القتال.
فالمهم خرج عتبة بن ربيعة وبالقرب منه أخوه وبالجانب الآخر ابنه، فعتبة صرخ: يا محمد أخرج لنا من يبارزنا، فخرج له شباب صغار من الأنصار، انظروا حمية الأنصار، من الذي خرج؟ قال: خرج له عوف ومعاذ ابناء الحارث ورجل آخر هو عبد الله بن رواحة، إذًا عوف بن الحارث، ومعاذ بن الحارث، وعبد الله بن رواحة شباب ناشئة في الأنصار خرج لقتال عتبة بن ربيعة وشيبة والوليد عن صناديد مكة. فعتبة بن ربيعة لما رأى هؤلاء الفتيان الصغار من الأنصار قال لهم: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار. فقال لهم عتبة: ما لنا بكم حاجة، يعني معركتنا مشكلتنا مش معكم. ثم نادى: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. عتبة يقول يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا، يعني نحن نريد من هاجر إليك من قومنا، هؤلاء الذين نريد أن نبارزهم ونحاربهم، مشكلتنا ليست مع الأوس والخزرج، مشكلتنا معك يا محمد صلى الله عليه وسلم ومع المهاجرين الذين خرجوا معك.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: قم يا عبيدة بن الحارث، عبيدة الذي كان صاحب أول لواء وأول سرية عقدت في الإسلام كما ذكرنا في المحاضرة السابقة، وهو من أقارب النبي عليه الصلاة والسلام. قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة بن عبد المطلب، قم يا علي بن أبي طالب. ولاحظوا أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار أقاربه؛ اختار أقاربه حتى لا يقال، ولا تقول كفار قريش: والله محمد صلى الله عليه وسلم حافظ على أقاربه وصدر الأباعد عنه الذين لا يقربون إليه حتى لا يجازف بأقاربه. لا، النبي صلى الله عليه وسلم قدم عمه، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وقدم علي بن أبي طالب؛ كلهم هؤلاء أقاربه. قدمهم النبي صلى الله عليه وسلم وضحى بهم حتى يعلم الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستأثر بأقاربه، بل يبدأ بأقرب الناس إليه ويضحي بهم في سبيل الله.
قم يا عبيدة، قم يا حمزة، قم يا علي. فلما قاموا ودنوا منهم قال: «من أنتم؟». فقالوا: عبيدة، أنا عبيدة، وقال حمزة: أنا حمزة، وقال علي: أنا علي. فقالوا: نعم، أكفاء كرام. طبعاً عتبة بن ربيعة، معقول ما كان يعرف حمزة بن عبد المطلب حتى يقول له من أنتم؟ ما كانوا يعرفوا علي؟ كانوا يعرفونه. طب لماذا يسألونهم من أنتم؟ إن صحت هذه الرواية، في الحقيقة أظن في المعركة كانت الوجوه مغطاة، كانوا يضعون اللثام على الوجوه، فلما خرجوا ما عرفوهم فعرفوهم بأنفسهم لوجود لثام على وجوههم، والله تعالى أعلم.
المهم، عبيدة بن الحارث كان في مواجهة عتبة بن ربيعة، حمزة بن عبد المطلب في مواجهة شيبة بن ربيعة، علي بن أبي طالب في مواجهة الوليد بن عتبة. هكذا كانت المبارزة. بدأت المبارزة، حمزة بن عبد المطلب لم يلبث شيبة حتى قطع عنقه، علي بن أبي طالب لم يلبث الوليد حتى قتله. من الذي بقي الآن يقتتل؟ عبيدة بن الحارث رضي الله عنه وعتبة بن ربيعة، معركة محتدمة من هنا وهناك، كل واحد منهم ضرب الآخر بالسيف فأثخن صاحبه.
من قوانين المبارزة أن علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب يجهزان على عتبة بن ربيعة، ولا يجوز لجيش مكة أن يتدخل ولا لجيش المسلمين أن يتدخل، هذه قوانين المبارزة عند العرب. فحمزة وعلي ذهبا إلى عتبة وأجهازا عليه، ومباشرة احتملا عبيدة وأعاداه إلى الصف المسلم ليتداوى، لكن كما تروي كتب السيرة، عبيدة رضي الله عنه كان الجرح وهو في عودته باتجاه المدينة استشهد رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بخطة عسكرية، قال لهم: «لا تبدأوا بقتال السيوف حتى آمركم، وإنما إذا رأيتم القوم أقبلوا، ابدأوا عليهم بالنبال، ابدأوا برمي النبال عليهم». وفعلاً، كفار قريش الآن انتهت المبارزة، وكفار قريش أصيبوا بغيظ؛ ثلاثة من الصف الأول من صناديدهم قتلوا في بداية المعركة. بداية محبطة مثبطة، عتبة بن ربيعة يقتل، شيبة بن ربيعة، الوليد بن عتبة، صناديد مكة تذبح أمامهم، أصابهم غيظ، وبدأ كفار قريش يسيرون باتجاه الجيش المحمدي بأقصى طاقتهم وسرعتهم.
وبدأ الصحابة الكرام كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالنبال، أصابوا عدداً كبيراً من كفار قريش الذين يسيرون نحوهم. ثم عندما اقترب كفار قريش، النبي صلى الله عليه وسلم أطلق صرخته: «السيوف»، ولتبدأ المعركة والمواجهة العظيمة الفاصلة التي نصر الله عز وجل فيها النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه. بدأ الصحابة بمقاتلة كفار قريش، قصص رائعة جداً سطرها الصحابة الكرام، من أروع القصص التي سطرت قبل البدء بالمعركة، هذه كما نقول الساعات الأخيرة أو اللحظات الأخيرة من المعركة.
النبي صلى الله عليه وسلم يرفع المعنويات للصحابة الكرام، يقول: «والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، إلا دخل الجنة». شاب من شباب الأنصار، عمير بن الحمام، شاب صغير أحبتي، في يده تمرات يقول: بخ بخ، والله إنها لحياة طويلة حتى نأكل هذه التمرات! انظروا كيف يفكر شاب ملئ قلبه إيماناً، لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يعطي وعد الذي يقاتل اليوم صابراً محتسباً يموت على الجنة مباشرة، عمير بن الحمام سمع هذه الكلمة، ما كادت تصل إلى أذنه وفي يده تمرات، قال: بخ بخ، والله إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه! فألقى هذه التمرات وتوشح سيفه وذهب إلى أرض المعركة ليرتقي شهيداً رضي الله تعالى عنه.
النبي صلى الله عليه وسلم الآن كما قلنا بدأت المعركة والتقى الصفان، النبي عليه الصلاة والسلام يلهج بالدعاء إلى الله سبحانه: «يا رب، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لن تعبد». وأبو بكر يقول: يا نبي الله، بعض مناشدتك لربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. يعني أبو بكر الصديق كان وزير النبي عليه الصلاة والسلام، فكان قريب من النبي صلى الله عليه وسلم على العريش، كان هو تستطيع تقول مسؤول عن حماية النبي عليه الصلاة والسلام مع مجموعة من الأنصار، الصحابة وضعوه من حماية النبي عليه الصلاة والسلام. فأبو بكر الصديق يشفق على النبي عليه الصلاة والسلام من شدة بكائه وتضرعه والتجائه إلى الله سبحانه وتعالى، يقول: يا رسول الله، والله إن الله لينجزك وعدك، لا تقلق لا تخف، والله إن الله عز وجل ناصرك، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى.
النبي عليه الصلاة والسلام خفق خفقة في العريش، ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله». هاي الخفقة كأنه جاءه وحي إلهي في هاي اللحظة أنه يا محمد الملائكة الآن في الصف الأول، الملائكة الآن في الصف الأول على خطوط المواجهة. النبي صلى الله عليه وسلم استبشر، جاءه النصر من الله، جاءته الملائكة، جاءه الوعد الإلهي بعد أن أخذ بكل الأسباب، بعد ثلاثة عشر سنة من العناء في مكة وبعد كل التضحيات وبعد كل الرحلات المتعبة الصعبة ومحاولة قتله واغتياله، بعد أن أخذ وتجهز وبنى دولته، النبي صلى الله عليه وسلم الآن حقه أن يفرح وأن ينتصر بأن الله عز وجل يمده بالملائكة.
هذا المدد الملائكي كما قلنا أتى بعد الأخذ بالأسباب، بعد أن كانت النفوس نقية طاهرة لا تبحث عن الدنيا، لا تبحث عن الحكم ولا عن السلطة ولا عن الجاه، إنما تبحث عن إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. لما كان الصحابة بتلك النفوس الرائقة العالية جداً في تلك اللحظات جاء المدد الإلهي والنصر الرباني: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 9-10]. آيات إلهية، النصر، الجنود، كل الكون يقاتل مع محمد صلى الله عليه وسلم.
يا أبا بكر أبشر، أتاك نصر الله، هذا جبريل أخذ بعنان فرسه يقوده، جبريل نزل بالملائكة في الصف الأول في القتال، وكما يذكر علماء السير أن الملائكة لم تقاتل في معركة قتالاً مباشراً إلا في غزوة بدر، وفي باقي المعارك كانت تتنزل الملائكة لكنها تكون مدد للصحابة، تراقب المعركة وتعز الصحابة وتثبتهم، لكن كقتال مباشر لم تشارك المعركة كما يذكر علماء السير. لم تشارك الملائكة قتالاً مباشراً إلا في غزوة بدر.
ابن عباس رضي الله تعالى عنه هنا يخبرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، مما وقع في المعركة -طبعاً ابن عباس لم يشارك في المعركة لكن ما سمعه من الذين شاركوا في المعركة- أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر قال لأصحابه في بداية المعركة: «إني قد عرفت رجالاً من بني هاشم ومن غيرهم قد أخرجوا كرهاً، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهاً».
النبي عليه الصلاة والسلام يخبر من معه من المهاجرين والأنصار أن هناك أناساً من بني هاشم ومن غيرهم أخرجوا كرهاً، ما أرادوا أن يخرجوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، استكرههم أبو جهل بصناديد مكة على أن يخرجوا وأجبروهم على الخروج، منهم أناس من بني هاشم، ومنهم العباس بن عبد المطلب. العباس بن عبد المطلب لم يكن قد أسلم بعد، ولكنه لم يرد قتال النبي عليه الصلاة والسلام، كيف وهو الذي وقف مع النبي صلى الله عليه وسلم طوال فترة إقامته في مكة وناصره وعضده وشهد معه بيعة العقبة؟ العباس ما أراد أن يخرج لكن كفار قريش سحبوه وجروه جراً، وأبو البختري بن هشام أيضاً خرج مستكرهاً.
وهذا الرجل، هناك موقف ربما لم نذكره في المرحلة المكية، قضية مقاطعة قريش لبني هاشم ومحاصرتهم في الشعب، ولما كتبت قريش الوثيقة لمحاصرة النبي صلى الله عليه وسلم وحاصرت أقاربه في شعب أبي طالب، ثلاث سنوات علقت هذه في الكعبة، الذي أراد، أو الذي قرر أن يهدم هذه الوثيقة وأن يحطمها وأن يخرج أهل أبي طالب وأهل النبي صلى الله عليه وسلم من ذاك الحصار هو أبو البختري بن هشام. فرجل حفظ له النبي صلى الله عليه وسلم ذاك المعروف، أنه كان له يد جيدة وخير في مكة حينما فك الحصار الذي كان مفروضاً عليهم في شعب أبي طالب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: من لقي أبا البختري، انظروا الوفاء، انظروا الوفاء المحمدي.
صلوات ربي وسلامه عليك يا رسول الله، رجل مشرك لكن يحفظ له الموقف، يحفظ له الخير الذي قدمه، رجل مشرك لكن له يد له خير وخرج مستكرهاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقتلوه إذا لقيتموه، لا أحد يواجهه أو يحاول قتله، لذلك العباس بن عبد المطلب لا تقتلوه. هنا أحد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أخطأ، خرج منه كلمة في لحظة خطأ، أبو حذيفة رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس؟ يعني أبو حذيفة كأنه وجد في قلبه أنه كيف يا رسول الله نترك العباس بن عبد المطلب ولا نقتله؟ لأنه عمك يا رسول الله، وأن نقتل آباءنا وأبناءنا من أهل مكة!
فالنبي صلى الله عليه وسلم بلغته هذه المقولة، والذي يظهر أن أبا حذيفة لم يواجه بهذا الكلام النبي عليه الصلاة والسلام، لكن المهم وصلت الكلمة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى عمر بن الخطاب فقال: «يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟». فقال عمر: يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف، لأن عمر أخذته الحمية، يا رسول الله دعني أضرب عنق أبي حذيفة فإنه منافق. طبعاً هو لم ينافق لكن هي كما قلنا في لحظة سهو، في لحظة ضغط نفسي، مجرد حالة أحبتي، تلك اللحظات لحظات صعبة.
لحظات يظهر فيها الإيمان، يبتلى فيه أهل الإيمان الحق، ففي تلك اللحظات قد يضعف الإنسان بكلمة، قد يخطئ خطأ، لكن أبا حذيفة لم يفرق صف المسلمين ولم يزرع النفاق، رضي الله عن صحابي كبير جليل، لكن كما قلنا هفوة زلة كلمة بالخطأ، لكن مع ذلك بقي في الصف المسلم مثبتاً ناصراً مجاهداً في سبيل الله. فأبو حذيفة ماذا يقول؟ فكان أبو حذيفة بعد ذلك يقول: والله ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفاً إلا أن تكفرها عني الشهادة.
قتل يوم اليمامة شهيداً. يعني أبو حذيفة تصوره طوال عمره وهو يشعر أنه أخطأ لما تكلم بتلك الكلمة، انظروا تأنيب الضمير عند الصحابة الكرام شيء عجيب أحبتي، طوال عمره يقول: والله لا آمن أن أدخل النار من هذه الكلمة الخطأ التي قلتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن يكفرها شيء إلا الشهادة في سبيل الله. فلصدقه مع الله سبحانه وصدقه في التوبة الله عز وجل رزقه الشهادة في معركة اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في محاربة المرتدين، كان في الصفوف الأولى من الذين ثبتوا الصحابة في المرتدين، فرحمك الله يا أبا حذيفة.
لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من عدوه أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى. الآن المعركة في مواقف كثيرة لا أستطيع أن أحصيها حتى نسير، لكن من أجمل المواقف كان قتل أبي جهل، عبد الرحمن بن عوف يقول: وأنا مصطف صفوف المسلمين وعم نتجهز لمواجهة كفار قريش، أتاني فتيان صغيران يقولان لي: يا عم يا عم، قال فالتفت إليهما، يعني أنا رجل كبير من كبار الصحابة من المهاجرين، وعن يميني وعن شمالي فتيان صغيران، يعني هو حتى يقول لم يعجبني ابتداءً أني أقف بين شباب صغار، كنت أحب أن يكون جنبي رجال كبار.
ما عجبه ابتداءً أن يكون جنبه معاذ ومعوذ ابنا عفراء، فتيان صغيران من خيرة شباب الأنصار رضي الله عنهما، قال: إذا هما يغمزان، يعني أحدهما يغمز عن يمينه يقول: يا عم، قال فالتفت إليه قلت: ماذا تريد؟ قال: أين أبو جهل؟ فقلت: وماذا تريد بأبي جهل؟ فقلت: سمعت أنه يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظروا هذا الفتى الصغير، حب وشوق وتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، سمعت أنه يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كم هم الذين يؤذون محمداً صلى الله عليه وسلم جهاراً نهاراً! ليس فقط من أعداء الأمة الذين كانوا يرسمون الصور المسيئة، بل من أبناء المحمدية الذين يسيئون لهذا الدين بتصرفاتهم وأفعالهم وأقوالهم، الذين يقللون من السنة النبوية ويحاربون صحيح البخاري ومسلم، ويستهزئون بتلك الأحاديث ويلقبونها بألقاب لا تليق. هؤلاء الذين ينتقصون من الوحي الإلهي ويرفعون أصواتهم على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وينتقصون من أحواله ويثيرون الشبهات حول حياته، ماذا يلقون الله سبحانه وتعالى؟
هؤلاء فتيان صغار أحبتي، يقولون يا عبد الرحمن بن عوف: يا عم أين أبو جهل؟ فإنه كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعبد الرحمن بن عوف أكبر هذه الهمة، شاب يريد أن ينتقم للنبي عليه الصلاة والسلام. فقال له عبد الرحمن بن عوف: هو ذاك الرجل المعبأ بالحديد؛ أبو جهل كان مترساً بالحديد من رأسه إلى أخمص قدميه، لا يبرز منه إلا العينان. قال: وإذا بفتى من الجهة الأخرى يغمزني، فالتفتُّ إليه قلت: ماذا تريد؟ فقال: يا عم أين أبو جهل؟ قلت: وأنت ماذا تريد بأبي جهل؟ قال: سمعت أنه يؤذي رسول الله. انظروا الحمية الإيمانية، حمية لطيفة رائعة من شابين من خيرة الشباب، من أصحاب الهمم العالية.
فقال: هو ذاك الرجل الذي تراه. ترك عبد الرحمن بن عوف وبدأت المعركة، بقي هذان الشابان يلتفان حول أبي جهل، كل واحد يريد أن يصيبه، فهذا ابتدأه بسيفه وهذا ابتدأه بسيفه، فاستطاعا أن يغرزا سيفيهما في جسد أبي جهل. تصوروا الهمة! أبو جهل ذاك العنيد المعبأ بالحديد، فتيان صغيران يتربصان به حتى استطاعا أن يدخلا فيه السيوف، ثم انطلقا فرحين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كل واحد يريد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم ويبشره: يا رسول الله، قتلت أبا جهل. طبعاً في الحقيقة أبو جهل لما سقط لم يمت بعد. من الذي أدركه وهو في الرمق الأخير؟ عبد الله بن مسعود.
قصة عبد الله بن مسعود مع أبي جهل قصة تاريخية. أبو جهل وهو في مكة مر في الفترة المكية بعبد الله بن مسعود وهو يجهر بالقرآن في بطن الكعبة، فلقيه أبو جهل فلطمه لطمة قطع بها أذنه. فابن مسعود جاء وقت الثأر، الثأر لهذا الدين ليست مجرد النفس، الثأر لهذا الدين من رجل آذى الله ورسوله. ابن مسعود قالوا كان رجلاً صاحب أقدام نحيفة، فتسلق على جسد أبي جهل تسلقاً حتى استوى على بطنه، ومسك السيف ليذبح أبا جهل ويقطع رأسه. فأبو جهل ماذا يقول؟ انظروا الكبر في اللحظات الأخيرة، أبو جهل يقول لابن مسعود: لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم. ابن مسعود لم يدعه يكمل هذه الكلمة حتى قطع عنقه وأتى برأسه وألقاه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. يكبر ويفرح النبي صلى الله عليه وسلم أن رأس كفار قريش قد قتل، وليس رأس واحد فقط، بل رؤوس.
بلال بن رباح ينتقم لنفسه من أمية بن خلف، تذكروا أحبتي أمية بن خلف الذي كان يخرج ببلال بن رباح في بطحاء مكة على الحجارة وعلى الرمال الرمضاء ليحرق ذاك الجسد وذاك الظهر ويضع عليه صخراً، وبلال يقول أحد أحد، جاء وقت الثأر لهذا الدين، جاء وقت الانتقام. نعم يا أمية بن خلف، بلال بن رباح ينزل أمية بن خلف من على الفرس ويقتله شر قتلة. الصحابة الكرام سطروا أروع الصور في الدفاع والتضحية في تلك المعركة وقتلوا الرؤوس وأسروا الرؤوس، كما سيأتي علينا التفاصيل، لتكون تلك المعركة معركة خالدة في التاريخ ومعلنة لفجر جديد لهذه الدعوة.
لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا من عدوه أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى، قال ابن مسعود: فاحتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أالله الذي لا إله غيره؟» وكان هذا يمين النبي صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام مش مصدق من فرحته. قال ابن مسعود: نعم والله الذي لا إله غيره. ثم ألقيت رأسه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله.
ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا في القليب طرحوا. يعني الآن كفار قريش انتهت المعركة، انتصر الإسلام نصراً حاسماً، ومن بقي من كفار قريش هرب هروباً باتجاه مكة خائبين. النبي صلى الله عليه وسلم الآن بعد انتهاء المعركة أمر بكل جثث كفار قريش أن تلقى في قليب بدر، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه فتزايل لحمه فأقروه. يعني الشخص الوحيد الذي ما استطاعوا أن يلقوه في البئر هو أمية بن خلف، لأنه عفن باختصار؛ عفن في منطقة المعركة وانتفخ في درعه وعفن جسده، فأرادوا أن يجروه للقليب فإذا جسده واللحم بدأ يتقطع فتركوه وألقوا عليه الرمل والحجارة كالدابة ليلقى حسابه عند الله سبحانه وتعالى.
فلما ألقاهم في القليب، النبي عليه الصلاة والسلام وقف عند هذا البئر فسمعه أصحابه في جوف الليل، حينما هدأت الأصوات وجاء الليل، النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجول في الجيش، ذهب إلى البئر وإلى القليب الذي ألقيت فيه جيف كفار قريش، هؤلاء أو هذه الجيف هي التي كانت تؤذيه في مكة، هي التي حاربت، هي التي آذت، هي التي حاولت أن تقتله، هي التي جعلته يدفع ثمناً باهظاً عليه الصلاة والسلام. الآن هذه الجيف ملقاة في البئر، النبي عليه الصلاة والسلام يخاطبها بأسمائهم: يا أبا جهل، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة، إلى آخر الأسماء القائمة طويلة، هل لقيتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ هل رأيتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ بدأ عذاب البرزخ؟ بدأ العذاب يأتيكم فإني قد رأيت ما وعدني ربي حقاً. الله وعدني بالنصر.
وأنتم تذكرون في مكة النبي عليه الصلاة والسلام كان في مكة في إحدى المرات آذوه أذىً شديداً وألقوا على رأسه سلا الجزور، النبي صلى الله عليه وسلم مر عليهم وهم حول الكعبة يتضاحكون ويتمايلون ويستهزئون به، فقال لهم: «يا أهل مكة، لقد أتيتكم بالذبح». وكان أبو جهل وهؤلاء الصناديد الذين قتلوا في بدر حاضرون في ذاك المجلس. النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يذكرهم: تذكروا يومنا لما وعدتكم بالذبح وأنتم تستهزئون وتضحكون بي، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً. فالصحابة يقولون: يا رسول الله، أتكلم موتى؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «والله ما أنتم بأسمع لحديثي منهم». يعني هم يسمعون أفضل منكم لما أقوله الآن، عذاب أليم، عذاب نفسي قبل أن يكون عذاباً جسدياً، النار تنتظركم يا أبا جهل وكل من يشبه أبا جهل إلى يوم القيامة إذا لم تتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى، فإن النار تنتظركم، مصير أبي جهل ينتظركم.
النبي صلى الله عليه وسلم أمر بما في العسكر مما جمع الناس، فجمع الغنائم؛ غنائم المشركين من الخيل والأطعمة والقدور والأموال التي خلفوها. طبعاً كما هي عادة الدنيا حينما تأتي، لما جمعت الأموال والغنائم، والصحابة كانوا بفقر شديد أحبتي في المدينة، لما جمعت الغنائم وقع شيء من الخلاف والنزاع بين الصحابة الذين جمعوا الغنائم، قالوا: يا رسول الله، هذه الغنائم لنا، لأننا نحن من جمعناها فلا نعطي غيرنا. الذين قاتلوا في المعركة قالوا: كيف أنتم تأخذون الغنائم ونحن الذين قاتلنا وحاربنا للحظات الأخيرة؟ نحن أحق بالغنائم منكم، هذه الغنائم لنا وليست لكم. الذين وقفوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وحموه كمجموعة من الصحابة كما قلنا وظيفتهم حماية النبي صلى الله عليه وسلم على عريشه قالوا: نحن الذين حمينا النبي صلى الله عليه وسلم خشينا أن يأتي أحد من الخلف يقتله، فنحن أيضاً لنا حق في هذه الغنائم.
المهم كما تعلمون دخل الشيطان وهذه الدنيا كلما أتت على الإنسان تحاول أن تحرفه، الدنيا أحبتي مغرية والمال مغرٍ، فدخل الشيطان في هذه اللحظة، والنبي صلى الله عليه وسلم سيربي الصحابة ويعلمهم أن هذه الدنيا لا تستحق منا كل هذا التعب وكل هذا الالتفات، المهم أننا نصرنا هذا الدين، المهم أننا نبقى في ألفة ومحبة. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26]. لما وقع هذا الخلاف بين الصحابة نزلت سورة الأنفال، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1].
إصلاح ذات البين أهم من كل هذه الأنفال ومن كل هذه الغنائم؛ هذه الغنائم حكمها وقسمتها عند الله، أنتم عليكم أن تصلحوا قلوبكم وأن تلتئموا. هذا ما نريده في بناء الدولة المسلمة، الغنائم والأموال ومتاع الحياة الدنيا هذا ليس مقصد المسلم، ليس هو الهدف الذي يقاتل من أجله. هذه تربية إيمانية عميقة، الإسلام كان يريد أن يربيها في الصحابة وفي الأمة إلى يوم القيامة. نزلت سورة الأنفال، سورة الأنفال كم صفحة؟ عشرة أليس كذلك؟ خمس صفحات منها، الخمس صفحات الأولى لم تتكلم عن قسمة الغنائم، خمس صفحات وهي تربي الصحابة على إصلاح القلب، وتذكرهم بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم بالنصر، وأن وفقهم الله وسددهم وأيدهم بالملائكة، يخبرهم الله سبحانه وتعالى كيف انتقلتم من مكة وأنتم ضعاف والآن أنتم تنتصرون وتملكون الشوكة وقهرتم أهل مكة.
خمس صفحات من التربية الإيمانية التوجيهية، وفي الصفحة السادسة يعلمهم الله سبحانه وتعالى كيف يقسمون الغنائم، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ...﴾ إلى آخر الآية، هذه الآية في مطلع الصفحة السادسة، أما الخمس صفحات الأولى تتكلم عن التربية الإيمانية والتذكير بنعمة الله سبحانه وتعالى، وكيف ينبغي أن يكون إصلاح ذات البين والاستجابة لله والرسول، والطاعة المطلقة لله سبحانه وتعالى هي المقدمة، هي المطلوبة، هي الهدف الذي من أجله نحيا في هذه الحياة الدنيا، وأما الحياة الدنيا تأتي لكن لا يجب أن نكافح من أجلها وأن نقاتل من أجلها. إذاً هذه كانت قضية الغنائم.
سريعاً وباختصار، الصحابة كما قلنا قتلوا من أهل مكة سبعين وأسروا سبعين. أسرى النبي صلى الله عليه وسلم شاور فيهم أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب، الوزراء؛ جلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق ومع عمر بن الخطاب. ولاحظوا يعني حتى سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في المشاورة؛ في مشاورة تقتضي أن يجتمع الكل ويكون من كل حاضر حتى يدلي برأيه، وهناك مشاورة تقتضي السرية وأن يكون حاضر بعض الأطراف لا تؤثر على الجميع، فحتى من تشاور، من تتخذ في كل مشورة وفي كل موقف، هذا أيضاً من السياسة الشرعية. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا لم يستشر كل الصحابة، لا يعقل أن يستشير كل الصحابة، إن كل إنسان سيدلي برأيه وستختلف القلوب، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقلل حجم الدائرة، فأتى بالوزيرين بأبي بكر وعمر بن الخطاب، هذان الرجلان العاقلان جلس معهما: ماذا تريان أن نفعل بأسارى بدر؟
أبو بكر رضي الله عنه كان يميل بشكل عام للطف واللين، فقال: يا رسول الله، هؤلاء أبناء عمومتنا، فإني أرى أن نأخذ منهم الفدية، ولعل الله عز وجل أن يصلح شأنهم وحالهم إذا رأوا أخذ الفدية. طبعاً هو قال حتى نتقوى بهذه الفدية لأن المسلمين كانوا في فقر في المدينة، فقال: نريد قوة مادية اقتصادية حتى نضخ المياه في أسواق المدينة، وفي نفس الوقت هؤلاء في النهاية أسرى أبناء عمومتنا، فلعل الله عز وجل أن يمن عليهم والإسلام في وقت لاحق. عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت نظرته عسكرية، قال: يا رسول الله، والله هؤلاء صناديد قريش ورجالاتها، وأرى أن نقتلهم، أن يقتلوا الآن، وأن نثخن فيهم حتى تسمع العرب بنا، وحتى يحسب لنا ألف حساب، ولا يتجرأ أحد أن يقترب من أسوار المدينة.
هذا مفهومه طبعاً، كلامه الذي يريده، هذا مفهوم الكلام طبعاً. النبي صلى الله عليه وسلم الرؤوف الرحيم، مال إلى رأي أبي بكر الصديق، فرأى أن يأخذ الفداء بدلاً من أن يقتل الأسرى باستثناء بعض الأسرى سنأتي عليهم، كان لا بد أن يقتلوا لأنهم كان لهم أذىً شديد جداً عن الصحابة ولا يمكن أن نعيدهم إلى مكة، عودتهم مشكلة لا بد أن يقتلوا، لكن السواد الأعظم النبي صلى الله عليه وسلم قرر أن يأخذ الفداء لهم. طبعاً القرآن الكريم أحبتي نزل يوافق رأي من؟ نزل يوافق رأي عمر بن الخطاب، أنه في بداية بناء الدولة وفي بداية المواجهات الوقت ليس وقت جمع مال وضخ في الدولة المسلمة، الآن هذا وقت إظهار عزة الإسلام وقوة الإسلام، فأنزل الله عز وجل الآيات في سورة الأنفال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67]. يعني أيها النبي ليس الآن وقت أن تتخذ أسرى وتأخذ عنهم الفداء، هذا وقت الإثخان في الكفار الذين صدوا عن سبيل الله وحاربوا الله ورسوله وهجروا المسلمين، هذا وقت الإثخان بهم.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْبِخَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 67]. تريدون عرض الدنيا؟ تريدون الأموال الاقتصادية؟ لا تخافوا ستأتيكم. تريدون عرض الدنيا؟ والله يريد الآخرة. الله عز وجل يريد إعزاز هذا الدين وأن ترتفع رايته، وأن يعرف الناس أن هذا الإسلام سينصر ولو بعد حين. هذا مقصد الله سبحانه وتعالى، فالأمور الاقتصادية ستأتي، لا تخافوا، الأمور المادية تحل بإذن الله، لكن أهم شيء هو أن يرتفع صرح هذا الدين، وأن يحسب له ألف حساب.
هذه الخطابات القرآنية اليوم بعض الدعاة ينحيها، ويحاول ألا يلهمها ولا يعلمها للناس. هذه السياسة وهذا التوجيه وهذا الإرشاد من الله سبحانه وتعالى هذا إرشاد لم ينسخ، هذه سياسة تطبق في حينها وفي وقتها، لكن تحتاج إلى عقلاء يفهمون متى تطبق هذه السياسات وهذه الأحكام وهذه الإرشادات من الله سبحانه وتعالى. هذه إرشادات من الله عز وجل وتوجيهات.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْبِخَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 67-68]. الله عز وجل يخبره لولا أن الله سبحانه وتعالى عفا عنكم لكان أصابكم عذاب عظيم. إذاً الأمر كان أمراً شديداً، والإرشاد الإلهي والمعاتبة الإلهية للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف كانت معاتبة شديدة؛ أنه الأصل يا محمد صلى الله عليه وسلم أنك أثخنت في هؤلاء حتى يبقى الإسلام مرتفع الرأس، وحتى يهاب الناس هذا الدين، ويعلموا أن لهذا الدين رجالاً يدافعون عنه.
المهم مضت الأمور على الفداء، كما قلنا قتل رجلان فقط من الأسرى: الأول هو النضر بن الحارث، قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. الثاني هو عقبة بن أبي معيط، عقبة بن أبي معيط هو الذي جر أمية بن خلف على أن يخرج لقتال النبي صلى الله عليه وسلم إذا تذكرون في المحاضرة السابقة. عقبة بن أبي معيط رجل مؤذي جداً، وكان يلقي على النبي صلى الله عليه وسلم سلى الجزور، ويشتم في مكة، كان أذاه شديداً ورجلاً عنيداً من أشرار قريش. فما كان في مجال أن النضر بن الحارث وعقبة يرجعا إلى مكة، لابد أن ينتهي أمرهم، حتى من دون فداء، ما في مجال نأخذ الفداء عنهم؛ لأن هؤلاء أناس أشرار يكيدون للإسلام ليل ونهار، فالمجاملة لا تكون مع هؤلاء. فقتل عقبة بن أبي معيط في موقف شديد، وقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح، ثم مضى النبي صلى الله عليه وسلم بباقي الأسرى إلى المدينة وبدأ يأخذ منهم الفداء.
انتهت أجواء معركة بدر، المحاضرة القادمة بإذن الله ستكون أكثر من ذلك، سأتكلم عن قصة جميلة جداً، قصة حب عميق بين زوج وزوجة خلدها الإسلام حتى يعرف الأزواج كيف يكون الحب الصادق، قصة حب أثرت في غزوة بدر وفي موضوع الأسرى بالتحديد سأتكلم عنها في المحاضرة القادمة بإذن الله، ونكمل ما بقي من حواشي غزوة بدر وبعض الأمور المنهجية فيها وننطلق بإذن الله لإكمال المسير. سامحوني أنا أطلت في ذكر التفاصيل، لكن أنا أحب أن أسرد هذه التفاصيل؛ في الحقيقة أشعر بالعزة، أشعر بعظمة هذا الدين وانتمائي لهذه الحضارة العظمى التي بدأها النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الغزوة، وغزوة بدر الكبرى هذه الغزوة التي كانت انطلاقة ودفعة كبيرة جداً للأجيال القادمة.
اليوم إلى الآن كلما ذكرنا غزوة بدر الكبرى ذكرنا الأمجاد، خاصة في شهر رمضان المبارك، وفي السابع عشر من شهر رمضان وفي صبيحة ذلك اليوم تطل علينا تلك الأنسام المباركة، أنسام النصر، أنسام العزة، أنسام ذل المؤمن الصابرة المحتسبة التي ضحت بكل ما عندها من أجل نصرة هذا الدين، فجاءها المدد الإلهي الرباني في خضم تلك المعركة والتفاف كفار قريش والأعداء عليهم، يأتيهم نصر من الله مبين، يأتيهم الملائكة، كل جنود الله عز وجل في هذا الكون تقف معهم؛ المطر، النعاس أيضاً هذا كان في غزوة بدر حتى يطمئن الصحابة وينام بقلوب مطمئنة.
النبي صلى الله عليه وسلم يرشد الصحابة ويقويهم ويرفع من المعنويات، الصحابة يلتفون حول القائد في أجواء جداً رائعة ترسم لنا معالم ذاك الجيل الفريد، جيل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وتجعلنا نتنفس الصعداء، وتبعث في أنفسنا العزة والكرامة، أن هذا الدين لابد أن نصنع له رجالاً كما كان له رجال. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيد لهذا الدين صرحه، وأن يجعلنا من خدمته، وأن يجعلنا من جنود هذا الدين الذين يضحون بأرواحهم وأنفسهم وأوقاتهم وأعمارهم من أجل الله سبحانه وتعالى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأعتذر على الإطالة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل