غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح الأرجوزة المائية للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية.
نقتبس من هدي وسيرة ونهج محمد صلى الله عليه وسلم، ونرسم معالم طريق النصر والنهضة والإنجاز والتقدم؛ فإن معالم هذه الطريق لا يمكن أن ترسم بشكل صحيح وفق مراد الله سبحانه وتعالى إلا على منهج محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صراطه وعلى قيمه التي غرسها في هذه الأمة. لذلك حينما نتعلم السير ونقف على الأحداث ونحلل الأمور نحن لا نريد بذلك مجرد التفكر والاستئناس، وإنما كما نقول في كل محاضرة إنما نريد الاعتبار والاستبصار بمعالم الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.
في المحاضرة السابقة أحبتي أنهينا الحديث عموماً عن غزوة بدر الكبرى، تلك المعركة التاريخية الفاصلة، معركة الفرقان التي كان لها ما بعدها في تثبيت دولة الإسلام في المدينة النبوية، وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة قوة لا يستهان بها في جزيرة العرب. وسمع بهم القريب والبعيد بأن محمداً صلى الله عليه وسلم الذي خرج مهاجراً هو وأصحابه من مكة باتجاه المدينة النبوية استطاعوا أن يلحقوا هزيمة نكراء بصناديد مكة وقتلت رجالات أهل مكة وطرحت على الأرض وفي قليب بدر، يعلن بهذا أن الإسلام أصبح له قوة، أصبح له عزة، وأن هذا الدين العظيم الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ليس ديناً يستهان به.
إن هذه الثلة المؤمنة الصابرة استطاعت أن تحقق ما عجز عنه الكثير والكثير من أهل العرب الذين كانوا يهابون قريشاً ويخافونهم ويحسبون لهم ألف حساب، إذاً بثلة صابرة مؤمنة استطاعت أن تذيقهم الأمرين في معركة كتب الله سبحانه وتعالى فيها النصر للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. اليوم أحبتي نكمل تفاصيل غزوة بدر الكبرى، التفاصيل النهائية التي تعلقت بالأسرى ثم بعد ذلك ننتقل لبعض الأحداث التي وقعت في العام الثاني من الهجرة.
القصة التي وعدتكم أن أتكلم بها في بداية هذه المحاضرة قصة حب عميق بين زوج وزوجته؛ ذاك الحب العميق كان بين أبي العاص بن الربيع وبين زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم. تذكرون حينما تكلمنا في المرحلة المكية وفي بداية الدعوة أن أهل مكة وكفار قريش طلبوا من كل رجل تزوج بنتاً من بنات النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها. فقام أبناء أبي لهب بطلاق رقية وأم كلثوم بنات النبي صلى الله عليه وسلم، فاطمة لم تكن قد تزوجت بعد، لكن أبناء أبي لهب تزوجوا؛ أحدهما تزوج رقية والآخر تزوج أم كلثوم.
فطلق رقية وأم كلثوم. أبو العاص بن الربيع كان متزوجاً لزينب بنت النبي عليه الصلاة والسلام، لشدة حبه لها رفض أن يطلقها وبقي مقيماً على شركه وكفره في مكة، لكنه لشدة حبه وتعلقه بزوجه ووفائه لها رفض أن يطلقها مهما كلف الثمن. وبقي على هذا الحب يرويه. النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة وبدأ يؤسس دولته، وابنته زينب بقيت مع أبي العاص بن الربيع في مكة. وحينما خاض المسلمون مع كفار قريش معركة بدر الكبرى، أبو العاص بن الربيع اضطر أن يخرج مع كفار قريش لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا موقف محرج له؛ أنه يلاقي حماه كما يقولون في هذه المعركة والد زوجته.
وقع أبو العاص بن الربيع أسيراً في غزوة بدر بين يدي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشد وثاقه كغيره من الأسرى، فهو لم يحصل على معاملة خاصة أبو العاص بن الربيع، بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشد وثاقه كغيره من أسرى بدر. لما النبي صلى الله عليه وسلم قرر أن يأخذ الفداء من أسرى بدر، زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم المقيمة في مكة كانت تدرك ما هو الشيء الذي تستطيع أن تحرك به مشاعر نبينا صلى الله عليه وسلم. ما كانت تملك مالاً كبيراً لتدفعه في فداء زوجها، لكنها كانت تملك ما هو أثمن من المال بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام؛ كانت تملك قلادة كانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ألبستها إياها حينما زوجتها لأبي العاص بن الربيع.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بهذه القلادة، فزينب كما قلنا كانت تعرف أن هذه القلادة تعني الكثير الكثير للنبي صلى الله عليه وسلم لأنها قلادة من زوجته التي كان يحبها ويحمل لها الوفاء، وبقي ذاك الوفاء يرتوي عبر الأيام إلى أن توفاه الله صلى الله عليه وسلم. فأرسلت زينب بهذه القلادة إلى المسلمين في المدينة لتفتدي بها زوجها أبا العاص بن الربيع. فحينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم تلك القلادة رق لها شديداً، جاءه الحنين، جاءه الشوق لخديجة رضي الله عنها، تلك المرأة المؤمنة الصابرة التي عاشت معه أحلك لحظات الدعوة المحمدية، عاشت معه مرحلة نزول جبريل وثبتته ووقفت معه وأيدته، عاشت معه الساعات تلو الساعات، عاشت معه اعتداء كفار قريش عليه وكانت تصبره وتشد من أزره وتدفعه وترفع من همته وتعطيه الروح المعنوية وترفع سقف الطموحات. خديجة كانت نموذجاً للمرأة الرائعة الصابرة المحتسبة من أجل الله سبحانه وتعالى.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يكلها كل الاحترام والحب والتقدير والوفاء. لم يصبر حين رأى تلك القلادة تقع بين يديه حتى رق لها ودمعت عيناه بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذه القلادة أتى أصحابه فقال: «إن رأيتم أن تردوا لها أسيرها وقلادتها فافعلوا». النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد أن يجبر الصحابة على أمر معين، يقول لهم: إن رأيتم، يعني مجرد جبر خاطر، إن رأيتم أن تردوا لها أسيرها وأن تعيدوا لها القلادة من دون مقابل فافعلوا ذلك، مجرد عرض من أجل أن يهدئ نفسه صلوات ربي وسلامه عليه، لكنه لا يجبر الصحابة على ذلك؛ لأن أبا العاص في النهاية هو حق الصحابة، ولهم الحق في أن يأخذوا الفداء كما أخذوا الفداء من أسرى قريش عموماً.
لكن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أدركوا كم أثرت هذه القلادة في النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقد أثارت من شجونه وأحزانه، فرقوا لحاله بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، أدركوا أن عاطفته وحبه لخديجة حب عميق متجذر عبر السنوات، سنوات الصبر والثبات والدعوة إلى الله سبحانه. فبالتأكيد أرادوا أن يجبروا خاطر نبيهم صلوات ربي وسلامه عليه، فأعادوا أبا العاص بن الربيع مع القلادة إلى زينب. لكن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من أبي العاص طلباً، قال له: «يا أبا العاص، إذا عدت إلى مكة فأرسل إلي بابنتي زينب».
لأن زينب كانت مسلمة وأبو العاص كان مشركاً. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: إذا عدت إلى مكة فأرسل لي ابنتي زينب، لأن هنا جاء الأمر الإلهي أن النساء المسلمات إذا استطعن أن يهاجرن إلى المدينة يجب أن يهاجرن. ولا تقيم امرأة مسلمة مع زوجها من المشركين في مكة. جاء الأمر الإلهي بالنقل، فالنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا قال لأبي العاص: إذا عدت إلى مكة أرسل لي ابنتي زينب، هي مسلمة وأنت مشرك، حينما تسلم يكون النقاش بصورة أخرى. وفعلاً أبو العاص بن الربيع حفظ هذا الموقف وكان رجلاً وفياً، كان أبو العاص بن الربيع مع إقامته على الشرك ابتداءً لكنه كان رجلاً شهماً صاحب مروءة، فحينما عاد إلى مكة أرسل زينب معززة مكرمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة.
لكن برأيكم هل ذهب الحب بينه وبين زينب؟ كلا، كان حباً عميقاً متجذراً يعطيك ويرسم لك معالم تلك العلاقة الجميلة التي كان يرسمها هذا الزوج مع زوجته. بقي الحب متجذراً، صحيح هذا مشرك وهذه مسلمة، لكن كان هناك كما قلنا علاقة ود حفظها أبو العاص بن الربيع لزينب وحفظتها زينب لأبي العاص بن الربيع. كيف أثرت هذه العلاقة؟ وكيف كانت سبباً في إسلام أبي العاص بن الربيع بعد ذلك؟ دعوني نستبق الأمور وننظر ماذا حدث لأبي العاص بن الربيع قبل فتح مكة حتى تكتمل هذه القصة لنا.
يقول ابن هشام رحمه الله عليه: أقام أبو العاص بن الربيع في مكة بعد غزوة بدر وبعد أن أعاده الصحابة إلى مكة، وأقامت زينب عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان قبيل الفتح، قبل فتح مكة، خرج أبو العاص في تجارة له إلى الشام، وكان رجلاً مأموناً بمال له وأموال لرجال من قريش، رجل معروف بأمانته لا يلعب بأموال الناس، فكان كفار قريش يستأمنونه على تجارتهم. فالمهم قبل فتح مكة كان خارجاً في تجارة إلى الشام معه أموال وأموال لكفار قريش. فلما فرغ من تجارته وأقبل عائداً إلى مكة لقيه وهو عائد سرية من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم، دوريات كان يرسلها النبي صلى الله عليه وسلم بشكل مستمر حول المدينة. استطاعوا أن يظفروا بهذه التجارة، بتجارة أبي العاص بن الربيع، فأصابوا ما معه ولكنه أعجزهم هارباً، يعني هم أخذوا ما معهم في التجارة وفي القافلة لكنه هرب، وما استطاعوا أن يمسكوا به.
فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله، أقبل أبو العاص بن الربيع تحت الليل حتى دخل على زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم فاستجار بها فأجارته. أبو العاص بن الربيع في جنح الظلام تسلل إلى المدينة فطرق على زينب بابها ففتحت له الباب، فإذا هو أبو العاص بن الربيع فقال لها: أجريني. فمباشرة، الحب كما قلنا لم يدفن، مباشرة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم أجارت وأخبرها الخبر: أنني أتيت في طلب مال لي أصابته بعض سرايا النبي صلى الله عليه وسلم.
المهم لما جاء وقت صلاة الفجر وكما قلنا أبو العاص دخل في جنح الظلام ودخل على زينب فأجارته زينب. الآن بعض التفاصيل في القصة الأصل الإنسان لا يعلم ما وقع في كل التفاصيل، أين أبقته؟ بالتأكيد لم تبقه عندها في داخل حجرتها لأنها تعلم أنه لا يحل لها، لكن أين وضعت؟ ما هي التفاصيل العميقة في هذا الباب؟ ربما هذا شيء يصعب علينا أن نحدده. لكن المهم ما يهمنا في النهاية أنه حين أذن الصبح وصلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الصلاة، صاحت زينب، كان طبعاً مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الرجال في الصفوف الأولى ثم الصبيان ثم النساء في آخر المسجد.
فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح وهو يستغفر ويذكر الله سبحانه وتعالى إذا بزينب تصيح من بين النساء: قد أجرت أبا العاص بن الربيع. زينب تريد أن تسمع الصحابة جميعاً أن أبا العاص بن الربيع الآن في جوارها وفي حمايتها. فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس فقال: «يا أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟». النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يعرف شيئاً عن هذا الموضوع، فقال: هل ما سمعت؟ قالوا: نعم، فقال: «أما والذي نفس محمد بيده، ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم، يعني إياكم أن تظنوا أني أنا أدرك هذا الموضوع لكنني والله خبأت أبا العاص، أنا الآن مثلي مثلكم، الآن عرفت بكل الواقعة».
أنه يجير على المسلمين أدناهم، هذه من القواعد الفقهية أن المسلمين لو أن أحداً منهم أجار رجلاً من المشركين فإنه يدخل تحت الجوار، ليس للمسلمين أن يؤذوا هذا الرجل ما دام في جوار هذا المسلم، طبعاً هذه لها قواعدها الفقهية، والمسلم ما هو المدى الذي يحق له فيه أن يجير المشركين، هذا كما قلنا له قواعده في باب الفقه، لكن المهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجير على المسلمين أدناهم»، يعني أدنى رجل مسلم يستطيع أن يجير بعض المشركين.
انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح ودخل على ابنته زينب فقال: «أي بنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له». إذاً النبي عليه الصلاة والسلام صريح، قال لها: أكرمي هذا الرجل وأحسني مثواه، لكن إياك أن يقترب منك وأن تخلو معه فإنه لا يحل لك الآن. النبي صلى الله عليه وسلم عرف موضوع أبي العاص بن الربيع، ثم أرسل إلى السرية التي أصابت ماله، فقالوا لهم: النبي صلى الله عليه وسلم طلب هذه الدورية أو هذه السرية. الآن في الحكم الإسلامي أن هذه الأموال التي أصابتها السرية هي غنيمة لها، هي غنيمة لهذه السرية، ليس لأحد أن يأخذ هذا المال منهم، هذا تعبهم وجهدهم. لكن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يستأذنهم وأن يتلطف معهم، فماذا قال لهم؟ قال لهم: «إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالاً». أي هذا الرجل أبو العاص بن الربيع رجل باختصار بيني وبينه صهر وهو زوج ابنتي، ولكن الإسلام فرق بينهما الآن، فهو في مكة وهي الآن في المدينة.
لكن في النهاية هناك مصاهرة عموماً، وقد أصبتم له مالاً؛ فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم. يعني إن أحببتم تفعلوا معنا معروفاً وتردوا إليه تجارته وبضاعته فهذا هو الأحب إلينا، لكن إن بقيتم على هذا المال وأصررتم على أن تأخذوا هذه الغنيمة فهذا حق لكم لا يستطيع أحد أن يأخذه منكم. المهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كما هي عادتهم يحبون خاطر النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتسابقون في إرضائه وفي تحقيق رغباته بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه؛ فقالوا مباشرة: بل نرده عليه يا رسول الله.
انظروا قلوباً نقية تسعى دائماً لإرضاء قائدها صلى الله عليه وسلم، ما في إنسان يتبكى أو يدخل في قلبه شيء؛ الكل يريد مرضاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لو كان ذلك على أموال الدنيا وملذاتها. فردوه عليه، حتى إن الرجل يأتي بالدل والآخر يأتي بالشنة والآخر يأتي بالأداوة، يعني ما تركوا شيئاً أخذوه إلا ردوه، كل التفاصيل، وهذا من أمانتهم رضوان الله تعالى عليهم، حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئاً. ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله. أبو العاص بن الربيع أخذ هذه الأموال التي ردت إليه وعاد إلى مكة، فدفعت هذه الأموال لأصحابها من كفار قريش، رد كل مال إلى صاحبه.
فلما فرغ من ذلك قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ هل يوجد شخص يريد مني شيئاً حقاً الآن؟ قالوا له: لا والله، أديت ما عليك، فقد وجدناك وفياً كريماً. قال: بما أني أديت ما علي فاسمعوا، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وقرر أبو العاص بن الربيع لما رأى من خلق الإسلام، ومن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، ومن صدق وأمانة الصحابة الكرام؛ عرف أن هؤلاء هذا دين إلهي، لا يمكن أن يكون هذا دين بشري أو من عقل محمد صلى الله عليه وسلم. هذه الأمانة، هذا الصدق، هذه الأخلاق، هذا الرقي؛ هذا دين إلهي، فقرر أبو العاص بن الربيع أن يلحق بقافلة محمد صلى الله عليه وسلم.
فقال: والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم أسلمت. يعني ما منعني أن أسلم إلا إني خشيت أن تقولوا: والله هذا أسلم عند محمد صلى الله عليه وسلم حتى يهرب بأموالنا ويكتنزها. فأنا أتيت عندكم كالرجال وأعطيتكم هذه الأموال، ودفعت إلى كل صاحب مال حقه، ثم ها أنا الآن أعلن دخولي في الإسلام وسألحق بركب محمد صلى الله عليه وسلم. وانطلق مباشرة إلى المدينة ليكمل قصة حبه مع زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم. فحينما وصل إلى المدينة ردها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي العاص بن الربيع، واختلف الفقهاء هل كان ردها بنكاح جديد أم اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بالنكاح الأول؟ وأكثر الفقهاء على أنه اكتفى بالنكاح الأول.
إذاً هذه كما قلنا قصة الحب التي كانت بين أبي العاص وبين زينب وفاءً مستداماً، وعلى هذا أحبتي ينبغي أن تبنى الأسر المسلمة، يعني هذا مشرك وهذه مسلمة وكان بينهم هذا الحب وهذا الوئام، فما بالكم بمسلم ومسلمة يعيشان في مجتمع مسلم؟ الأصل أن تكون العلاقة علاقة مودة، علاقة حب، علاقة احترام متبادلة. حينما تبنى هذه الأسر أولاً ينبغي أن يكون الاختيار بين الزوج والزوجة اختياراً واعياً جداً، وأن يكون الزوج متحققاً أنه يود هذه المرأة، وهذه المرأة تتحقق أنها تود هذا الرجل، وكل منهما عرف الآخر وعرف أخلاقه ودينه. «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه»، هذه القاعدة التي بنى عليها الإسلام الاختيار للأزواج، ما قال من ترضون ماله أو ترضون حسبه. إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، فإن الدين والخلق يسد كل الأبواب الأخرى، حتى لو كان فقيراً، حتى لو كان ضعيف الحسب؛ ما كان عنده دين وخلق فإن هذا بإذن الله يغلق كل النوافذ الأخرى.
ثم بعد ذلك بعد أن يختار الأزواج على وعي ووضوح ينبغي أن ينمى هذا الحب مع مرور الأيام، وأن يروى بالتفاهم، وأن يعلم أنه لا بد من اختلاف بين الأزواج، لكن هذا الاختلاف لا يؤدي إلى الشقاق والنزاع والطلاق كما هو حال مجتمعاتنا العربية للأسف؛ يكثر الطلاق بأدنى مشكلة وأدنى خلاف أسري، إذاً الأسر تتنافر والقلوب تبتعد وينتهي كل شيء. لأن الصحابة كانوا يختلفون مع أزواجهم لكن في النهاية الإسلام والمحبة والمودة والسكينة هي التي كانت تحكم هذه المواقف، فسرعان ما يتناسون هذا الغضب وتعود الألفة والمحبة من جديد. فنسأل الله العظيم أن يحفظ بيوت المسلمين وأن يديم الألفة والمحبة بينهم.
عموماً كانت هذه قصة هذا الأسير أبو العاص بن الربيع رضي الله تعالى عنه. طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا قرر أن يأخذ الفداء من أسرى بدر، لكن في الحقيقة لم يعامل جميع الأسرى بنسق واحد؛ بعض الأسرى كما ذكرنا في المحاضرة السابقة قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم لشدة بأسهم على هذا الدين، كعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، وبعضهم كانوا فقراء ما عندهم شيء يفدون به أنفسهم فقرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يمن على بعضهم، وبعضهم النبي صلى الله عليه وسلم منّ عليه مقابل أن يعلم بعض أبناء الصحابة الكتابة، وكثير منهم ما أخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى دفعوا الفدية، وكانت أربعة آلاف درهم فضي عن كل رجل منهم. إذاً هكذا انتهت قصة غزوة بدر بتفاصيلها الجميلة.
ودعونا الآن ننطلق للمشاهد الأخرى التي توالت بعد غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة. بعد أن عاد النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر بليال معدودة قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج في غزوة سريعة إلى بني سليم. تقول ابن هشام: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة بدر لم يقم بها إلا سبع ليالٍ، تصور سبع ليالٍ حتى غزا بنفسه يريد بني سليم، فبلغ ماءً من مياههم يقال له الكدر، فأقام عليه ثلاثة أيام ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً. إذاً هذه غزوة استهدفت قبيلة من القبائل قبيلة بني سليم؛ النبي صلى الله عليه وسلم أراد كما يقول أن يخوفها وأن يرعبها حتى لا تفكر بالاستطالة على المدينة، ولا تفكر بالهجوم على النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا بد من إخافتها.
وأن لا تظنوا أننا قدمنا من معركة فنحن في تعب وإرهاق بل نحن شجعان وفرسان، متى نودي للجهاد فإننا ننطلق. انظروا معركة غزوة بدر الكبرى معركة مرهقة متعبة في تفاصيلها، الإنسان يظن أنه إذا عاد النبي صلى الله عليه وسلم منها سيجلس أشهراً قبل أن يفكر في غزوة أخرى، سبع ليالٍ فقط من العودة منها إذا بغزوة أخرى يستعد لها النبي صلى الله عليه وسلم، قد يدل على أهمية العمل الدؤوب المتواصل. العمل الإسلامي ينبغي أن يكون عملاً دؤوباً متواصلاً كحال أيضاً طلبة العلم؛ بعض طلبة العلم إذا أنهى دورة أو أنهى كتاباً يظن أنه ينبغي أن يسترخي شهراً كاملاً أو شهرين أو ثلاثاً حتى يدخل دورة أخرى أو يقتحم باباً آخر من علوم الشريعة. طالب العلم لا يعرف الفتور أحبتي، من كتاب إلى كتاب ومن مجلس إلى مجلس ومن نهم إلى نهم، هكذا ينشأ طالب العلم، وهذا هو الجهاد في المعرفة.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجاهد بسنانه، هناك جهاد معرفي أن تجاهد هذه النفس على طلب العلم وتحصيل المسائل وتحقيقها والحفظ والمراجعة يحتاج إلى جهاد ولا يصلح الفتور، تجلس كل ثلاثة أشهر حتى تنهي كتاباً ثم تأخذ فترة راحة شهرين ثم هذا لا يصلح أحبتي، ينبغي أن يكون هناك عمل متواصل دؤوب في حياة المسلم إذا أراد أن ينجز. النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا عاد من غزوة بدر إذا هو سريع أن يخرج إلى غزوة تسمى غزوة بني سليم، وكما قلنا كان يستهدف هذه القبيلة؛ لعله هناك أنباء وصلت أن هذه القبيلة تتآمر أو تحاول أن تغزو المدينة فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يباغتها في عقر دارها، هذه غزوة بني سليم.
الآن أريد أن أنبه على قضية أن غزوة بني سليم ابن أبي العز الحنفي سيذكرها في السنة الثالثة من الهجرة، غزوة بني سليم سيذكرها ابن أبي العز الحنفي في أحداث السنة الثالثة من الهجرة، لكن الصحيح من كلام علماء السير أنها كانت في السنة الثانية من الهجرة بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر بأيام. هذه إذاً إحدى الغزوات بعد غزوة بدر، أيضاً كانت هناك غزوة أخرى وقعت في هذه السنة وفي نهايتها في شهر ذي الحجة وهي غزوة السويق. السويق أحبتي ما هو السويق أصالة قبل أن أعلم ما هي غزوة السويق؟ السويق هو مطحون الحنطة أو الشعير، يعني حنطة حينما تطحن أو الشعير حينما يطحن، هذا المطحون يمزج بشيء من اللبن أو العسل فينتج عندنا ما يسميه العرب سويقاً. هذا هو السويق وكانت العرب تأكله.
الآن ايش قصة غزوة السويق؟ يروي علماء السير أن أبا سفيان بن حرب ومن عاد من غزوة بدر من المشركين لما قدموا مكة نذر أبو سفيان ونذر من عاد من المشركين إلى مكة نذروا ألا يغتسلوا حتى يلاقوا النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أخرى فيثأروا منه. يقول ابن هشام: كان أبو سفيان حين رجع إلى مكة وفل من قريش نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً صلى الله عليه وسلم. إذاً كان في هناك نذر ألا يغتسل حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويصيب منه؛ نار الثأر الآن غلت في صدور رجالات مكة لأن الضربة كانت موجعة بشكل شديد. تتكلم أنت عن عتبة والوليد وشيبة وأبي جهل وأمي بن خلف والنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، رجالات مكة كلها الآن في قليب مكة قتلت وذبحت، فكانت قلوب من بقي منهم تغلي حقداً على النبي صلى الله عليه وسلم.
أبو سفيان غلا قلبه حتى نذر هذا النذر ألا يغتسل حتى يلقى النبي صلى الله عليه وسلم ويغزو النبي عليه الصلاة والسلام، فماذا فعل حتى يبرر نذره؟ خرج في مائتي راكب من قريش ليبر بيمينه. خرج أبو سفيان معه مائتا راكب من رجالات مكة حتى يفتك من هذه اليمين. المهم سلك الطرق حتى وصل إلى المدينة وفي جنح الظلام دخل على اليهود، دخل عند من؟ عند اليهود هم الذين سيحمونهم. دخل على بني النضير تحت الليل ابتداءً؛ طرق على بيت حيي بن أخطب وهو من رجالات بني النضير، فحيي بن أخطب خشي أن يفتح الباب لأبي سفيان؛ قال: من على الباب؟ قال: أنا أبو سفيان بن حرب. خشي أن يفتح له؛ لأنه يدرك أن هناك وثيقة ومعاهدة بين اليهود وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وثيقة في حماية المدينة وألا يتجسس عليها وألا تكشف أسرارها؛ فحيي بن أخطب رفض أن يقابل أبا سفيان.
فذهب أبو سفيان إلى سلام بن مشكم، وكان هذا الرجل أيضاً من سادات بني النضير في زمانه، فاستأذن، فهذا الرجل نفسه رخيصة دنيئة فأذن له وأدخله وضيفه وسقاه وأفشى له أسرار المدينة. سيدنا النبي ما بيعملوش كم خان للعهد، وأفشى إلى أبي سفيان بن حرب أسرار المدينة، وكم أعداد المسلمين؟ وكيف وين النبي صلى الله عليه وسلم يسكن؟ المهم أعطاه معلومات عن المدينة؛ وبطن له من أخبار الناس أي أعطاه من أسرار المدينة. ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالاً من قريش إلى المدينة فأتوا مكاناً منها يقال لها العرين. أبو سفيان أخذ الأسرار لكنه الآن خرج من المدينة، خرج من المدينة وأرسل بعض الرجال معه، أرسلهم إلى منطقة في أطراف المدينة تسمى ماذا؟ العرين، فأحرقوا فيها من النخل الكثير، أولعوا النار في النخل الذي كان في هذه المنطقة. ووجدوا بها رجلاً من الأنصار وحليفاً له في حرث لهما فقتلوهما، ثم صرفوا راجعين.
إذاً أبو سفيان بعث الركب الذي معه إلى هذه المنطقة التي على أطراف المدينة فأشعلوا النيران في النخيل الذي في هذه المنطقة، ووجدوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له فقتلوهما، وفروا هاربين. النبي صلى الله عليه وسلم وصلت إليه الأنباء أن أهل مكة أغاروا على سرح المدينة، ونهض به محمد صلى الله عليه وسلم أن يدرك الموقف.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم فبدأت الغزوة. لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً من الصحابة أن يخرج بالناس، بل خرج بنفسه عليه الصلاة والسلام ليدافع عن أصحابه. حاول أن يدركهم ما استطاع، ولحق على كفار قريش بمكة حتى بلغ منطقة تسمى قرقرة الكدر. احفظوا هذا الاسم؛ وصل إلى منطقة تسمى قرقرة الكدر، لأن لهذه الغزوة من كلام أهل العلم اسماً آخر غير غزوة السويق. تسمى هذه الغزوة غزوة السويق وتسمى قرقرة الكدر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بقي يسير في طلب كفار قريش حتى انتهى إلى هذه المنطقة.
لما وجد أن القوم قد فاتوه انصرف راجعاً إلى المدينة، لكن لاحظ الصحابة أن أبا سفيان ومن كان معه كانوا يلقون أزوادهم في الطريق حتى يتخففوا على إبلهم لتستطيع هذه الإبل أن تصل إلى مكة في أسرع وقت. فكانت العير التي مع أبي سفيان محملة بالسويق والمطاعم والمشارب، وهم يهربون من النبي صلى الله عليه وسلم أدركوا أنه لا بد أن يتخففوا من هذا الحمل الذي يحملونه على دوابهم، فكانوا يلقون السويق على الطرقات حتى يهربوا ويستعجلوا في الهرب.
فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم استطاعوا أن يجمعوا هذا السويق، وأصابوا كمية وافرة منه وعادوا به إلى المدينة النبوية؛ لذلك سميت هذه الغزوة غزوة السويق، لكثرة السويق الذي استطاع الصحابة أن يجمعوه من مخلفات أبي سفيان ومن معه. ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم راجعاً وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، وقد رأوا أزواداً من أزواد القوم قد طرحوها يتخففون منها للنجاة والهرب. فقال المسلمون حين رجع بهم النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أتطمع أن تكون لنا غزوة؟ قال: «نعم». فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: هي غزوة بإذن الله.
إذن لماذا سميت غزوة السويق؟ لأن الصحابة جمعوا فيها السويق الذي كان كفار قريش يخلفونه وراءهم ليسرعوا في الهرب. وسميت أيضاً باسم قرقرة الكدر؛ لأن هذه المنطقة هي التي انتهى إليها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحاول اللحاق بكفار قريش، فلما أعجزوه عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. هذه غزوة بني سليم، عرفناها وعرفنا غزوة السويق أيضاً.
الآن هناك غزوة أخرى تسمى غزوة بني قينقاع، لكن قبل أن أدخل في غزوة بني قينقاع، في الحقيقة هناك مشهد مؤلم وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر؛ ربما قفزت عنه لأن ابن أبي العز الحنفي لم يرتب الأحداث جيداً، لكنه حادث يتعلق بغزوة بدر. النبي صلى الله عليه وسلم أحبتي في غزوة بدر كانت ابنته رقية رضي الله تعالى عنها تصارع الموت؛ لذلك لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة بدر، حاول عثمان أن يلتحق بهذا الجيش، لكن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من عثمان أن يجلس عند زوجته رقية ليمرضها، لأن رقية كانت عند عثمان بعد أن طلقت في مكة وتزوجها عثمان رضي الله تعالى عنه، وبقيت رقية تعالج وتصارع الموت حتى توفاها الله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وسلم يقاتل في غزوة بدر.
فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد انتهائه من غزوة بدر، وجد رقية رضي الله تعالى عنها قد دفنت. فهذا كان من الحوادث المؤلمة، وهذا يدل على أحبتي أن مسيرة الجهاد ومسيرة الدعوة ومسيرة العطاء لا بد فيها من شيء من الآلام، لا بد فيها من شيء من المصائب يبتلي الله سبحانه وتعالى بها الداعية، فيصاب في ولده أو يصاب في زوجه أو يصاب في ابنته أو يصاب في أمه أو في أبيه، أو يبتلى في سبيل الله، فلا بد من البلاء في سبيل الدعوة. النبي عليه الصلاة والسلام وهو في نشوة النصر والعزة في غزوة بدر، ترقبوا أنه الآن سيخبر بهذا الخبر المؤلم، أن ابنته رقية تغمدها الله سبحانه وتعالى برحمته وأصبحت الآن تحت الثرى.
ففي ثنايا البشارات والسرور تأتي هناك بعض المنغصات حتى يبقى الإنسان مرتبطاً بالله سبحانه وتعالى، معلق قلبه بالدار الآخرة، تلك الدار التي لا يوجد فيها هم ولا نصب ولا حزن ولا تعب، وإنما هي دار السرور والأفراح. ولو كان الإنسان سيعيش السرور بكل تفاصيله في هذه الدنيا من دون بلاء لنسي آخرته ولقاء ربه، لكن الله سبحانه وتعالى يجعل حياة المسلم وحياة الداعية حياة فيها سرور وفيها أيضاً البلاء، حتى يمتزج هذان العنصران فيولدان حياة مستقيمة؛ إنسان يعمل في هذه الدنيا لكن قلبه معلق بالدار الآخرة عند الله سبحانه وتعالى. فهذه قصة وفاة رقية التي أشار إليها ابن أبي العز الحنفي رحمه الله، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي طلب من عثمان أن يقيم على رقية، ولما عاد من غزوة بدر أعطى عثمان شيئاً من المغنم وضرب له سهماً.
من الأحداث أيضاً الجميلة، كما قلنا، هذه السنة السنة الأولى كان فيها أحداث مؤلمة كحالة وفاة رقية رضي الله عنها، لكن في المقابل كان داخل البيت النبوي حدث مفرح. هذا الحدث المفرح كان زواج علي رضي الله تعالى عنه بفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم. تروي لنا كتب السير أن علياً رضي الله تعالى عنه كانت له مولاة -يعني خادمة- فقالت له: لماذا لا تتزوج فاطمة وقد خُطبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فعلي يخاطب مولاته ويقول: هل فعلاً خُطبت فاطمة إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقالت: نعم.
فعاد علي بن أبي طالب ليفكر في حاله، فقال لمولاته: أنا لا أملك شيئاً أستطيع أن أقدمه لفاطمة، فماذا قالت له؟ قالت له: اذهب واجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بحالك، لعله يزوجك ويتلطف معك. علي بن أبي طالب تشجع رضي الله عنه، يريد الزواج، كان في الحادية والعشرين من عمره، فطرق على النبي صلى الله عليه وسلم الباب فأدخله النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله ماذا يريد. فعلي رضي الله تعالى عنه يخبر عن نفسه أنه أُغلق عليه، يعني ما استطاع أن يتكلم، موقف محرج، أنه يريد أن يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أريد أن أتزوج ابنتك؛ فحينما جلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم شعر بالإحراج وما استطاع أن يتكلم.
فالنبي عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي فهم مباشرة ماذا يريد، يعني هذا الرجل لماذا يستحي؟ أدرك أنه يريد أمراً خاصاً وهو أهل له؛ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عرف أنه يريد أن يتزوج فاطمة ابنة النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: «أتريد أن تنكح فاطمة؟». فعلي بن أبي طالب قال: نعم يا رسول الله. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: «ما عندك ما تصدقها؟» يعني هل عندك مهر تعطيه إياها؟ قال: والله يا رسول الله ما عندي شيء، يعني كان فقيراً رضي الله عنه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فأين درعك الحطمية؟» كانت له درع مميزة يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عنها، قال: أين درعك؟ كانت أربعمائة درهم، خمسمائة درهم، قال: موجودة يا رسول الله، فقال: «أعطها درعك الحطمية»، وانتهى الأمر.
الأمر سهل، لا يوجد تكاليف عالية في الزواج، رجل مثل علي بن أبي طالب رجل شهم صاحب دين صاحب وفاء للنبي عليه الصلاة والسلام، هو أهل لأن يزوج، وهذا ما نقوله دائماً للأسر المسلمة: إذا جاءكم رجل من أهل الخير والصلاح، إذا جاءكم شاب متدين محافظ على الأخلاق والمروءات، ورجل فيه الصفات الحميدة المطلوبة، حتى لو كان فقيراً أو قليل ذات اليد، إياكم أن تعرضوا عنه، فإن هذا الشاب هو الذي سيحافظ على ابنتكم. مهما دارت الحياة الدنيا عنده وفاء، عنده أخلاق، عنده شهامة، عنده دين يمنعه أن يجور على ابنتكم، يمنعه أن يتكلم معها بالطرق غير اللائقة، يمنعه أن يسيء إليها أو أن يضربها؛ فدينه وأخلاقه ومروءته وشهامته تحجزه.
وأما المال فهذا رزق من الله يأتي. انظروا النبي صلى الله عليه وسلم، رأى علي بن أبي طالب ذاك الرجل الشهم صاحب العقيدة والمبادئ، فلم يلتفت كم عندك يا علي من المال وما هي جارتك، لم يدخل معهم في كل هذه التفاصيل، أين درعك الحطمية؟ فقط درع يكفينا وانتهى الأمر. المهم أن تتشكل أسرة مسلمة، تكون شباباً يتقون الله سبحانه وتعالى وبنات عفيفات طاهرات على منهج الإسلام الحنيف. هذه الأسر المسلمة لا تتكون إلا من أب واعٍ وأم واعية، من أب متمسك وأم متمسكة، وإلا ما يحدث اليوم من زواجات الحب والعشق وما شابه ذلك، زواجات لا تقوم على أسس نبوية ولا على أخلاق سنية، وإنما هو مجرد العشق والهوى.
هذه الزواجات لا تكون لنا أحبتي أسراً مسلمة، لا تكون لنا ذاك المجتمع النقي الطاهر المجتمع الواعي؛ فنحن دائماً نوجه أحبتنا إلى أهمية الوعي في موضوع الزواج، قضية الزواج قضية محورية، حالات الطلاق الآن في مجتمعنا وفي بلدنا وفي غيرها من بلدان المسلمين تتزايد؛ لأنه لا يوجد وعي في الزواج، الرجل يزوج ابنته على مظهر، على شكله، مظهره، راتبه، حاله، ثم أما دينه وخلقه فهذا ليس له أي علاقة به، ولا يفكر فيها، وآخر ما يفكر فيه يقول لك: أنا إيش علاقتي بصلاته؟ إيش علاقتي بتدينه؟ وحينما تأتي ابنته مطلقة إلى بيته يعض أصابع الندم.
فإياك يا أختي المسلمة أن يكون هدفك في قبول الرجال أو معيارك في قبول الرجال ما يملكون من الأموال، والله لن يفيدك إلا رجل مسلم صاحب أخلاق، صاحب ديانة، صاحب مروءة، الناس تذكره بالخير، يعرفونه بالصلاح. كم عنده من الأرصدة؟ كم عنده من المال؟ هذا يأتي، يأتي لا إشكال، لكن أهم شيء أن تُبنى الأسرة المسلمة على منهاج واضح على الحب الحقيقي، الحب الصادق الذي يرضي الله سبحانه والله يبارك. الله يبارك في الأموال القليلة ويجعل هذه الأسرة في قناعة وفي غنى وفي محبة دائمة، ولو كان المال زاهداً.
كم رأينا من أناس تزوجوا بالأموال الطائلة، الآلاف المؤلفة، وسكنوا في الأبراج العاجية ولم تكتمل حياتهم على المودة أو الدين والصلاح؛ لأن القلوب إنما جاءت مبنية على مجرد الشهوة وليس من أجل هدف واضح بناء الأسرة المسلمة وغرس القيم والأفكار والأخلاق، فلم يكن هناك أي تسامح بين الزوجين. كل شخص بعد أن يقضي وتره ومن الآخر تبدأ الشحناء تظهر بينهما، تبدأ البغضاء، تبدأ القلوب تتنافر. فينبغي إذاً أن يلاحظ هذا الأمر في بناء الأسر وفي بناء العائلات المسلمة. إذاً هذه القصة المفرحة أيضاً، ففي بيت النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك قصة مؤلمة في وفاة رقية، وفي الجانب الآخر كان هناك قصة مفرحة في زواج فاطمة رضي الله تعالى عنها.
دعونا أحبتي الآن ننتقل إلى غزوة أخرى، ولربما هي آخر غزوة نتكلم عنها في العام الثاني من الهجرة. هذه الغزوة هي غزوة بني قينقاع، أول مواجهة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود بشكل واضح، لكن سنعرف كيف انتهت هذه الأمور في غزوة بني قينقاع، لأنها في الحقيقة لم تنته بمواجهة عسكرية؛ لأن هناك بعض الناس توسطوا وسنعرفهم، لكن كان المراد فعلاً اقتلاع يهود بني قينقاع من المدينة.
الأسباب التي تذكر في كتب السير لهذه الغزوة يقولون إن امرأة من العرب أتت -ولعلها من المدينة، والله تعالى أعلم من أين أتت، لأن ابن هشام يقول إن امرأة من العرب، لكن لعلها من المدينة، لعلها امرأة مسلمة- التفاصيل غير واضحة إيش طبيعة هذه المرأة، لكن المهم امرأة عفيفة طاهرة، والذي أظنه أنا من التفاصيل أنها امرأة مسلمة دخلت على السوق. وابتداءً أحبتي كان السوق في المدينة هو سوق اليهود، حتى استطاع النبي صلى الله عليه وسلم بعد مدة بعد أن أصبح للمسلمين شوكة أن يؤسس سوقاً خاصاً بالمسلمين، لكن ابتداءً سوق المدينة كان بأيدي اليهود، هم الذين يتحكمون فيه.
فكانت امرأة -والله إن امرأة مسلمة- في سوق اليهود عند أحد الصاغة تريد أن تأخذ شيئاً من الذهب أو ما شابه ذلك، فاليهود بخبثهم ووقاحتهم راودوها على كشف وجهها، فكانت تستر وجهها، فراودوها على كشف وجهها فأبت بعفتها وطهارتها. أبت أن تكشف وجهها لهؤلاء الملاعين، فالصائغ اليهودي ومن معه من زملائه صنعوا شيئاً قبيحاً، قاموا يعني على غرة من هذه المرأة ربطوا ثوبها من الأسفل بمسمار أو شيء كان في الأرض، فلما قامت هذه المرأة انكشفت سوءتها.
انظروا المظهر القبيح؛ يقول ابن هشام: فعمل الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها فصاحت. يعني هذه المرأة ربطوا ثوبها سواء ربطوه بمسمار أو ربطوه بشيء، المهم شيء وقيل ربطوه بظهر، ربطوه على آلية معينة أنها إذا قامت تنكشف عورتها، فانكشفت عورتها، فبدأ اليهود يتضاحكون ويتمايلون، فصاحت هذه المرأة على عفتها، يعني انظروا المرأة العربية صاحبة المروءة التي تستحي وتصيح على عفتها وطهارتها حينما تنتهك.
يخرجن في شوارع المسلمين بالثياب الممزقة والعورات بائنة، والصدور ظاهرة. لا يوجد حياء، لا يوجد حشمة، لا يوجد تقوى لله سبحانه وتعالى. المرأة العربية أحبتي، حتى المشركة كانت تستحي أن تأكل بثدييها؛ يعني أن تزني وأن تمارس الرذيلة. كما كانت هند بنت عتبة حينما أتت على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الأمر بايعته على الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم بايعهن على ألا يزنين. فهند بنت عتبة تقول: وهل تأكل الحرة بثدييها؟
المرأة الحرة الشريفة لا تظهر بهذه المظاهر المهترئة، مظاهر العهر ومظاهر الفحش؛ تكشف عورتها أمام الناس ويمضي إليها الرجال. هذه في النفس خُبث وعدم سوية في الفطرة، فالمرأة العفيفة الطاهرة النقية لا ترضى أن يكشف الرجال سوءتها أو أن يظهروا على شيء من عورتها. فانتكاس الفطر في مجتمعاتنا المعاصرة انتكاس خطير، يجب أن يراقب حتى يتم المحدودية منه، بألا يطغى على فتيات المسلمات ويصبح هذا هو الشعار الدائم لهن، التكشف والتبرج. لا بد من مواجهة دعوية إصلاحية فكرية في الجامعات في الطرقات، حتى تواجه المعركة التي يشنها أعداء الأمة على عقول الفتيات المسلمات؛ الحرية والانفتاح والأفلام الهابطة، والمسلسلات القبيحة، والدعوات للحرية المنفتحة غير المنضبطة. هذا ما تعانيه المرأة المسلمة؛ فيحتاج إلى زخم دعوي إصلاحي تربوي ديني لقلب الفتاة المسلمة، حتى تستطيع أن تواجه كل هذه الدعوات التي تدعوها إلى الرذيلة وكشف العورات، نسأل الله السلامة والعافية.
المهم هذه المرأة كما قلنا انكشفت عورتها فصاحت، فسمع صيحتها رجل من المسلمين. فوثب هذا الرجل على الصائغ فقتله، هذا رجل مسلم حينما رأى ما فعله بهذه المرأة المسلمة وثب على الصائغ اليهودي فقتله وأرداه في أرضه. انظروا حرقة المسلم على دينه وعلى عفة المرأة المسلمة. اليهود اجتمعوا على هذا الرجل المسلم فقتلوه أيضًا، إذًا هنا صار الموضوع فيه دماء، وبلغ الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم. لم يستهن النبي عليه الصلاة والسلام بذلك أبدًا، بل أدرك أن هذا الموضوع إذا أُجل وتم تمييعُه وذهب في مفاوضات مع اليهود، فاليهود الآن سيتجرأون ويقولون: محمد صلى الله عليه وسلم خشي من مواجهتنا، فلذلك أغلق الموضوع ولم يرد أن يفتح هذه الصفحة. لا، النبي صلى الله عليه وسلم سياسي محنك ورجل شجاع لا يخشى في الله لومة لائم. أدرك أن هذا الموضوع لا يحل بمفاوضات مع الطرف اليهودي، أدرك أن هذا الموضوع أحبتي ما أُخذ بالقوة وما نُزع من ثياب المسلمات وما نُزع من القيم والأخلاق وما نُزع من أراضي المسلمين لا يمكن أن يسترد إلا بالقوة والجرأة والمواجهة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا، هو ما كان في صهيونية أمامهم، الحركة الصهيونية نشأت متأخرة، لكنني أردت أن أربط الماضي بالحاضر. النبي عليه الصلاة والسلام أدرك أن المفاوضات والترجي "يا يهود لماذا فعلتم هذا؟ وعيب عليكم" والشجب والاستنكار كما هو حال كثير من المعاصرين اليوم، الشجب والاستنكار على أي شيء يفعله اليهود لبلاد المسلمين وحرمات المسلمين؛ لا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يشجب ولم يستنكر، وإنما حمل سلاحه وأمر المسلمين أن يتجهزوا لغزو القوم في عقر دارهم. انطلق النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين ليقتلع بني قينقاع.
الآن من الذي فزع لليهود؟ من الذي أراد أن يحمي اليهود وهم يتكررون في كل زمن برأيكم؟ من الذي يحمي اليهود في كل زمن وفي كل حين؟ المنافقون من هذه الأمة. فالمنافقون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ورأسهم الأكبر عبد الله بن أبي بن سلول هو الذي قفز لحماية أعوانه من اليهود. انظروا وقاحة هذا الرجل، يقول ابن هشام: أتى عبد الله بن أبي بن سلول إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، الآن عبد الله بن أبي بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالصحابة يريد أن يستأصل بني قينقاع لما فعلوه، فهذا هو على علاقة وثيقة وحميمة مع اليهود، والمنافقون هم الذين يحمون اليهود في كل عام وفي كل زمن وفي كل مكان. فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكل وقاحة: يا محمد، أحسن في موالي، هؤلاء أولياؤِي ونحن وهم على علاقة ومودة وصداقة. فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني النبي عليه الصلاة والسلام لم يلتفت إليه ابتداءً وأكمل طريقه.
أعاد الرجل مرة أخرى فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام مرة أخرى. هنا عبد الله بن أبي، وكان عبد الله بن أبي من سادة الأوس أو الخزرج؛ كان من سادتهم، وكان عبد الله بن أبي على فكرة كانوا هم يريدون أن يسودوا عليه. عبد الله بن أبي كانوا يريدون تسويده على المدينة على يثرب قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرًا إليها، وقبل أن يسمع الأوس والخزرج بخروج النبي عليه الصلاة والسلام. فشخصية عبد الله بن أبي لا بد نرصدها جيدًا، هذا الرجل كما قلنا حتى تعرف قصته ابتداءً، عبد الله بن أبي كان الأوس والخزرج يريدون تنصيبه أميرًا عليهم حتى تنتهي الخلافات والمعارك بين هاتين القبيلتين، فكان هذا قبل أن يعلموا بأن النبي صلى الله عليه وسلم رسول، أن يذهبوا إلى مكة وتحدث بيعة العقبة الأولى والثانية.
الآن لما تعرف الخزرج والأوس على النبي صلى الله عليه وسلم ودخلوا في الدين وحدثت البيعات وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، أصبح قائد المدينة القائد الأعلى هو النبي عليه الصلاة والسلام. عبد الله بن أبي امتلأ قلبه غيظًا وحسدًا وحقدًا على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه في منظوره في منظور عبد الله بن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه الزعامة، الملك الذي كان ينتظره. فبقي حاقدًا على النبي صلى الله عليه وسلم ومات على حقده منافقًا كافرًا، وهذا الحقد كان يتجلى في كل المواقف، وكان دائمًا يعمل من تحت الطاولة كما يقولون في تقليب الأوس والخزرج واليهود والمشركين على النبي صلى الله عليه وسلم. كان يحب الزعامة، والزعامة انظروا يا أحبتي حب السلطة وحب الملك وحب الترأس كيف صرف هذا الرجل عن النور وعن الهداية حتى مات كافرًا، دفن في قبره ولم يصلِّ عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ونزل قوله تعالى: ﴿فَرَجِعَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ * وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 83-84].
المهم عبد الله بن أبي لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يتوجه إلى اليهود وكان له علاقات وثيقة عبد الله بن أبي مع اليهود، كما قلنا أعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم أول مرة وثاني مرة. المرة الثالثة من شدة حقده على النبي عليه الصلاة والسلام، أدخل هذا الخبيث يده في درع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المنطقة هل تسمى الجيب؟ أدخل يده في هذا الجيب وأخذه وقال: يا محمد، أبطئ على موالي. يعني لا تقتل لي الموالي من اليهود. النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أرسلني يا عبد الله بن أبي، يعني اترك الثوب، وغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظلمة. يعني ما توقع النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن أبي تصل به الوقاحة أن يدخل يده في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وهي شدة، ثم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ويحك أرسلني، وما زال عبد الله بن أبي آخذ بتلابيب ثياب النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: انظروا هذا القبيح ماذا قال؟ قال: لا والله لا أرسلك يا محمد حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود. هؤلاء الأربعمائة والثلاثمائة منعوني من كل أعدائي ووقفوا معي، تريد يا محمد أن تحصدهم في غداة واحدة؟ إني والله امرؤ أخشى الدوائر. يعني يا محمد حافظ لي على هؤلاء لأن هؤلاء منعوني وحافظوا علي صرفوا عني الأعداء، وأنا إنسان هو يتكلم عن نفسي، أنا إنسان أخشى الدوائر ولعل المدينة تتعرض لعدوان خارجي، من الذي سيحمي المدينة؟ لا، أنا لا أسمح لك أن تقتل هؤلاء.
فالنبي عليه الصلاة والسلام بحكمة سياسية عالية جدًّا قال لعبد الله بن أبي: هم لك يا عبد الله. برأيكم لماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموقف؟ يعني البعض قد يقول لماذا النبي صلى الله عليه وسلم ما قال له: انصرف عني، وأمر أحد من الصحابة أن يقتل عبد الله بن أبي، ويذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليكمل مسيره إلى بني قينقاع. في الحقيقة موقف راشد جدًّا ويدل على سياسة عالية من النبي صلى الله عليه وسلم، هذه السياسة يجب أن يتبعها الدعاة والمصلحون في كل زمن وفي كل حين.
كما قلنا عبد الله بن أبي في النهاية زعيم كبير في المدينة وله أنصاره وأتباعه، وهناك بعض ضعاف الإيمان الذين كانوا أسلموا لكن ما زال لهم حب وولاء لعبد الله بن أبي بين أظهر الصحابة. النبي عليه الصلاة والسلام أدرك أن أي قتل لعبد الله بن أبي أو مواجهة معه الآن ونحن ما زلنا في السنة الثانية من الهجرة وما زالت الدولة غضة طرية، سيسبب خلافًا داخليًا واقتتالًا داخل الصف المسلم في المدينة، وهذا أمر لا نريده الآن. ما في مجال لاقتتال داخل الصف المسلم، ما في مجال لتحزبات وتجمعات، والأوس والخزرج يتقاتلون، والمهاجرون يدخلون في معركة؛ لا نريد أن ندخل الدولة الجديدة في بلبلة بسبب هذا الرجل. فكان القرار الحكيم العظيم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض عن عبد الله بن أبي وأن يغض الطرف عنه، مع وقاحة عبد الله بن أبي وقلة أدبه، ومع أن اليهود أساؤوا أدبهم واعتدوا على حرمات المسلمين، لكن في لحظة معينة النبي صلى الله عليه وسلم كان لا بد أن ينظر في ميزان المصالح والمفاسد؛ أيهما أولى؟ قتال اليهود الآن، وقتال عبد الله بن أبي وهذا سيجيش بعض أهل المدينة من غير اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم، ولربما بعض ضعاف الإيمان يدخلون في صف عبد الله بن أبي وتحدث فتنة واقتتال داخلي، أم نغض الطرف عن هذا الرجل حتى يكتمل بناء الدولة المسلمة وتتقوى.
يُقال أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه؛ يعني هذا أيضًا أمر ثانٍ ينبه عليه، أن يُتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل عبد الله بن أبي، عبد الله بن أبي أحبتي كان يظهر الإسلام وأنه مع النبي صلى الله عليه وسلم، كان يظهر ذلك؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أيضًا التفت لهذه القضية. يعني لو أني قتلت هذا الرجل فضلًا عن البلبلة التي ستحدث داخل الصف المسلم في المدينة، هذا الرجل المعروف عنه في الجزيرة العربية الآن، الآن المعروف عنه أنه مسلم وأنه من أنصار النبي صلى الله عليه وسلم، الذين يسكنون في الجزيرة العربية خارج المدينة لا يعرفون أن هذا رجل منافق. السمعة الظاهرة عنه المعروفة أنه مسلم، فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم قتله ما هي الدعاية الإعلامية التي ستنتشر في الجزيرة العربية؟ ستنتشر دعاية إعلامية أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، يقتل أنصاره؛ وبالتالي سيصبح هذا الأمر مفزعًا، أنه أنت ممكن تؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك النبي سيقرر قتلك في أي لحظة وسيقلب عليك المعركة في أي لحظة.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان حريصًا جدًّا أنه ما تخرج أي دعوة تنفر الناس من الدخول في هذا الدين العظيم، لا بد نحافظ على نقاء هذه الدعوة ووضوحها، ونعطيها المجال في الانتشار، أكبر ساعة في الانتشار حينما يصبح لها الشوكة والقوة والكل يعلم طبيعتها ويفهمها ويعرف أفكارها. حينئذ نستطيع أن نطبق هذه الأحكام الفرعية؛ نقتل فلانًا أو فلانًا، يُطبق عليه حد أو لا يُطبق عليه حد، هذه أمور تناقش في حينها حينما تصبح للدولة شوكة قوية ومع التصورات الناس عنها وعن طبيعتها واضحة، يستطيع الإسلام أن يطبق الأحكام النهائية. لكن ونحن ما زلنا في مرحلتنا الأولى وفي تحركنا الأول لا نستطيع الآن أن نطبق هذه الأحكام، لأن هذا الرجل لو أني قتلته ستنتشر دعاية إعلامية مغرضة بأن هذا الدين يقتل أنصاره، لن يعرف طبيعة قتل النبي لهذا الرجل وأن هذا الرجل أصلًا منافق، لذلك محمد صلى الله عليه وسلم قتله. الناس لم تفهم هذا، الناس ستفهم الظاهر، وهذا ما نقوله لأحبتنا في العمل الدعوي؛ قد تؤجل بعض الأمور، وكثير من الأحكام الشرعية قد تؤجل في تطبيقها إلى الظروف المناسبة. عليكم الآن أن تركزوا على التصور الإسلامي، على كشف التشويش والغباش الذي يثيره عدونا عن هذا الفكر النقي الطاهر، علينا أن نصرف الهمة والجهود في إعادة تصور حقيقي للإسلام في أذهان الشعوب في الداخل وفي الخارج. حينما تظهر الصورة الناصعة الحقيقية المفاهيم الواضحة لهذا الدين، ويكون لهذا الدين الشوكة والمكنة والتمكين، حينئذ نستطيع أن نطبق الأحكام الشرعية التفصيلية التي تتعلق بأحكام وغيرها. أما الاستعجال في النهايات ونحن بعد لم نحكم البدايات فهذا مخالفة للسياسة الشرعية التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم. كما قلنا النبي صلى الله عليه وسلم بقرار حكيم أراد أن يختصر هذه القضية ويقول لعبد الله بن أبي: هم لك. لكن هذا الاختصار كما سنعرف كان اختصارًا مؤقتًا.
لكن فقد أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، وكل اليهود أخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة. لكن كما قلنا، في هذه المرحلة كان لا بد من غض الطرف حتى تستقيم الأمور على حال واحدة، ولا تكن هناك بلبلة داخل الصف المسلم، ولا تخرج دعاية أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه. فالله سبحانه وتعالى أنزل في حال عبد الله بن أبي بن سلول آية جميلة في كتابه، يقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: 51-52].
وما أكثرهم في هذا الزمن، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون في مرضات اليهود وفي استجلاب ودهم، وفي مرضات الصليب وفي استجلاب ودهم. هذه كانت قصة بني قينقاع، لم يحدث قتال، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطط أن يجتثهم، لكن تدخل عبد الله بن أبي في اللحظات الأخيرة، وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على المصلحة العظمى جعل النبي عليه الصلاة والسلام يعدل عن هذه القضية.
هذه أحداث السنة الثانية من الهجرة، وأهم الغزوات والسرايا. ما هي الفرائض والأحكام الشرعية التي فرضت في السنة الثانية من الهجرة؟ ذكرها ابن أبي العز الحنفي في هذه الأبيات: الفريضة الأولى قضية تحويل القبلة؛ كما ذكرنا كانت باتجاه بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، فحولها الله سبحانه وتعالى لنبيه باتجاه البيت الحرام.
أيضًا فرض صيام شهر رمضان في هذا العام، في شعبان من هذا العام فرض الله عز وجل على نبيه صيام شهر رمضان. في هذا العام أيضًا فرضت زكاة الفطر على المسلمين، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير. في هذا العام أيضًا فرضت الزكاة، زكاة الأموال عمومًا على الصحيح من قول أهل العلم، طبعًا هناك خلاف هل زكاة المال فرضت في هذا العام أم في عام آخر؟ لكن اختار ابن أبي العز الحنفي وطائفة كبيرة من أهل العلم أن الزكاة فرضت في السنة الثانية من الهجرة، الزكاة ذات الأنصاب.
بالنسبة لصيام شهر رمضان، كما هو رأي كثير من أهل العلم، أن ما فرض الله عز وجل شهر رمضان كان المسلمون ابتداءً مخيرين بين أن يصوموا أو يطعموا مسكينًا مقابل كل يوم يفطره. كان صيام شهر رمضان على التخيير كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]. يعني الله سبحانه وتعالى خير الصحابة ابتداءً بين صيامه؛ أي إما أن تصوم اليوم، وإذا ما أردت أن تصوم تطعم مسكينًا مكانه، وقال: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184]. ثم نزلت بعد ذلك الآية التي تنسخ هذا الحكم، وأمر الله سبحانه وتعالى كل من كان مقيمًا حاضرًا سالماً من الأمراض مستطيعًا وقادرًا للصيام، أمره الله عز وجل أن يصوم لزوماً ولا يجوز له أن يتخير. فهذه قضية أيضًا مرحلية في فرضية صيام شهر رمضان.
كما كان مشروعية الأضحية في هذا العام أيضًا، وفي عيد الأضحى في شهر ذي الحجة النبي صلى الله عليه وسلم خرج فصلى بالمسلمين صلاة عيد الأضحى وضحى بكبشين أملحين أقرنين، فكانت مشروعية الأضحية في هذا العام.
بقي شيء واحد نذكره في السنة الثانية؛ أسلم العباس بن عبد المطلب. هل إسلام العباس كان قبل غزوة بدر أم بعد غزوة بدر؟ العباس بن عبد المطلب كما قلنا النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه خرج مستكرهًا للقتال ولم يخرج مع كفار قريش وهو يريد قتال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، لذلك أمر الصحابة ألا يتعرضوا له، ومع ذلك حينما أسروه، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتعرضوا له بالقتل، والصحابة لما وجدوا العباس قاموا مباشرة بأسره وأوثقوه، والنبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يشدوا وثاقه، صحيح العباس عمي لكن في هذا حق للمسلمين عمومًا، لا نستطيع أن نتجاوزه، فأمرهم أن يشدوا وثاقه حتى يدفع الفدية له.
ابن أبي العز الحنفي يرى أن العباس بعد أن فك أسره وخرج من الوثاق أسلم بعد ذلك وأعلن إسلامه. بعض علماء السير يقولون لا، العباس كان مسلماً قبل ذلك خفية وسراً، لكنه لم يظهر ذلك لكفار قريش وخرج معهم على المعركة مستكرهًا. فإذا هناك خلاف: هل كان العباس مسلماً سراً وخرج على المعركة مستكرهًا؟ لذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر ألا يتعرض له، أم أنه لم يصرح بالإسلام بعد؟ وإنما كان إسلامه بعد أن خرج من الأسر من غزوة بدر. ابن أبي العز الحنفي يرجح الرأي الثاني أنه أسلم بعد أن فك من غزوة بدر.
دعونا سريعة نستقرئ الأبيات التي عرض فيها ابن أبي العز أحداث العام الثاني من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، قال في البيت الثامن والأربعين: وغزوة الأبواء بعده في صفر، هذا وفي الثانية الغزو اشتهر، إلى بواطن ثم بدر؛ هذا الكلام عن غزوة بدر الأولى حينما أغار كرز بن جابر على المدينة، ووجب تحول القبلات في نصف رجب، من بعد ذي العشيرة يا إخواني؛ غزوة العشيرة على خلاف فيها، وفرض شهر الصوم في شعبان.
الغزوة الكبرى التي ببدر في الصوم في سابع عشر الشهر، هذا البيت يتكلم عن غزوة بدر الكبرى التي كانت في شهر الصيام، وفي السابع عشر من رمضان بالتحديد، ووجبت فيه زكاة الفطر من بعد بدر بليال عشر. الآن بما أن ابن أبي العز يقول من بعد بدر بليال عشر، إذا هذا يدل على أن زكاة الفطر فرضت قبل عيد الفطر بثلاثة أيام، تقريبًا في السابع والعشرين من شهر رمضان. وفي زكاة المال خلف قد روي، وماتت ابنة النبي البر رقية قبل رجوع السفر؛ أي ماتت قبل أن يرجع الجماعة المسافرون، أي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من غزوة بدر.
وعرس الطهر فاطمة على علي القدري؛ أي وكان في هذا العام عرس الطاهرة فاطمة على علي رضي الله عنهما. وأسلم العباس بعد الأسر، وقينقاع غزوهم في الأثر، وبعده ضحى يوم عيد النحر؛ أي في شهر ذي الحجة من هذا العام ضحى النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عيد النحر عيد الأضحى المبارك. وغزوة السويق ثم قرقرة.
غزوة السويق هي التي تكلمت لكم عنها حين نذر أبو سفيان ألا يغتسل حتى يصيب من النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إلى يهود بني النضير واستطاع أن يدخل ويتعرف على أسرار المدينة، ثم أرسل بعض كفار قريش فأحرقوا شيئاً من نخل المدينة وقتلوا رجلاً من الأنصار ثم هربوا وتخففوا من متاعهم من خلال إلقاء السويق الذي معهم فأخذه الصحابة. غزوة السويق تسمى أيضًا غزوة قرقرة. ابن أبي العز الحنفي اتجه إلى رأي ذهب إليه ابن سعد والواقدي وهو أن غزوة قرقرة هي غزوة أخرى غير غزوة السويق، لكن كما حرر ابن كثير رحمه الله، لا، هذا خلط، وإن غزوة السويق هي نفسها غزوة قرقرة. تعدد الأسماء قد يوهم بعض علماء السير بتعدد المغازي، لكن الغزوة الواحدة قد يكون لها أكثر من اسم تسمى باسم المنطقة التي وقعت فيها أو باسم حادثة شهيرة وقعت فيها.
ثم انطلق ابن أبي العز رحمه الله تعالى إلى أحداث السنة الثالثة من الهجرة، نؤجل أحداث السنة الثالثة من الهجرة إلى محاضرة قادمة بإذن الله، وفيها أحداث أيضًا مشوقة، وفيها كثير من زواجات النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها كثير من الغزوات، وهناك غزوة مهمة جدًا وقعت في هذه السنة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل