تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (13) / أحداث السنة الثالثة من الهجرة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية بذكر حال أشرف البرية. نعيش مع سيرة حبيبنا وقرة أعيننا وسيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، نروي هذا الحب في قلوبنا له، نجدد ولاءنا ووفاءنا وشوقنا وتعلقنا به بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. نحاول أن نقف على أخلاقه وعلى هديه وشمائله وسيرته وسياسته وحزمه وعزمه وشجاعته وجوده وكرمه وكل الصفات الحميدة الرائقة التي اجتمعت فيه صلوات ربي وسلامه عليه.

في المحاضرة السابقة أحبائي، أتممنا الحديث عن أحداث السنة الثانية من الهجرة، وموعدنا اليوم للحديث عن أحداث سنة جديدة وعام جديد غزير مليء بالأحداث، وهو العام الثالث من هجرة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. دعونا نرى ما هي أهم الأحداث التي تطرق إليها ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه من أحداث هذا العام. يقول رحمة الله عليه في البيت السابع والخمسين بعد أن قال: وغزوة السويق ثم قرقرة، والغزو في الثالثة المشتهرة، قال: والغزو في الثالثة المشتهرة. يعني الغزو في السنة الثالثة المشتهرة ابتدأ في غطفان وبني سليم، ثم انتقل لأمر آخر حدث في هذا العام، قال: وأم كلثوم ابنة الكريم زواج عثمان بها وخصّـه، ثم تزوج النبي أي حفصة وزينبًا، ثم غزا إلى أحد في شهر شوال، وحمراء الأسد، والخمر حرمت يقينًا فاسمعن. هذا وفيها ولد السبط الحسن.

إذا هذه أشهر الأحداث التي سنتحدث عنها في العام الثالث من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى طيبة الطيبة. بدأ ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه أحداث هذه السنة بغزوة غطفان، والمشهورة في التاريخ وعند علماء السير بغزوة ذي أمر، هكذا هي مشهورة؛ غزوة ذي أمر. يقول ابن هشام رحمة الله عليه في هذه الغزوة، وهي غزوة مختصرة لم يكن فيها قتال: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق في آخر العام الثاني من الهجرة، تكلمنا عنها في المجلس السابق، لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة، انتهى ذو الحجة من السنة الثانية من الهجرة، وبدأت السنة الثالثة من الهجرة. في بداية السنة الثالثة من الهجرة غزا النبي صلى الله عليه وسلم نجدًا؛ إذا هذه الغزوة كانت تجاه منطقة نجد، وهي منطقة قريبة من الرياض أو حول الرياض في وقتنا الحاضر.

غزا النبي صلى الله عليه وسلم نجدًا يريد غطفان، وهي غزوة ذي أمر؛ فتاريخيًا البعض يسميها غزوة غطفان كما فعل ابن أبي العز الحنفي، والبعض يسميها غزوة ذي أمر لأن المنطقة التي وصل إليها النبي صلى الله عليه وسلم في نجد هي منطقة ذي أمر. فأقام بنجد سفرًا كله أو قريبًا من شهر في هذه المنطقة، ثم رجع إلى المدينة النبوية ولم يلق كيدًا، فلبث بها شهر ربيع الأول كله إلا قليلًا منه. إذا هذه كما قلنا غزوة أراد النبي صلى الله عليه وسلم من خلالها أن يرسل رسالة لبني غطفان أننا حاضرون، لأن بني غطفان كانت قبيلة شهيرة لها عدتها وسلاحها، ولعل الأنباء وصلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه القبيلة تستعد للهجوم على المدينة، خاصة بعد أن سمعت بالانتصار الكبير الذي حققه النبي صلى الله عليه وسلم على كفار قريش في غزوة بدر؛ بدأت كل القبائل تتحسس نفسها، وكل قبيلة تحاول أن تحسم أمورها وأن تحرس نفسها قبل أن يداهمها النبي صلى الله عليه وسلم.

فهذه القبيلة حاولت أن تجهز نفسها لغزو النبي صلى الله عليه وسلم وفكرت بذلك، وعيون النبي صلى الله عليه وسلم كانت حاضرة دائمًا، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وجه جيشه وخرج معه باتجاه هذه القبيلة، لكن هذه القبيلة لم تستطع أن تتجرأ على النبي صلى الله عليه وسلم ولم تقض معه معركة، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم أوصل الرسالة بنفسه ثم عاد إلى المدينة المنورة. إذا هذا هو الحدث الأول الذي تكلم عنه ابن أبي العز؛ غزوة غطفان أو ما يسمى تاريخيًا بغزوة ذي أمر. الغزوة الثانية التي أشار إليها غزوة بني سليم، لكن في التحقيق أحبتي، ذكرنا في المحاضرة السابقة أن غزوة بني سليم لم تكن في السنة الثالثة من الهجرة، بل الصحيح أنها كانت في السنة الثانية من الهجرة كما أشرنا إلى ذلك في المجلس السابق. كما قلنا بعض الغزوات خاصة هذه الغزوات المختصرة وقع خلاف بين علماء السير في تاريخها، ومنها غزوة بني سليم، ابن أبي العز الحنفي جعلها في السنة الثالثة، لكن المحققون من علماء السير يجعلونها في السنة الثانية من الهجرة، وهذا ما فعله ابن هشام رحمه الله وغيره من علماء السير، لذلك نحن اتبعنا ما ذكره المحققون وذكرنا غزوة بني سليم في السنة الثانية، وهذه الغزوة كما قلنا أيضًا غزوة مختصرة لم يكن فيها شجار وحرب.

الآن نذهب إلى حوادث أخرى وقعت في هذا العام قبل أن ننطلق إلى الحدث الأهم والأبرز الذي سنقف عنده وهي غزوة أحد. بعض الحوادث الجميلة التي وقعت في العام الثالث من الهجرة هي زواج أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. في المجلس السابق أحبتي تحدثنا أن عثمان بن عفان لم يشهد غزوة بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يمكث مع رقية حتى يطببها لأنها كانت في مرض شديد وكانت تحتضر رضي الله عنها، وفعلاً لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر بذاك الانتصار الضخم إلا وكانت رقية رضي الله تعالى عنها قد وسدت تحت الثرى. فالنبي صلى الله عليه وسلم تطييبًا لخاطر عثمان بن عفان في السنة الثالثة من الهجرة زوجه أم كلثوم رضي الله تعالى عنها. لذلك يلقب عثمان بن عفان تاريخيًا بذي النورين، لأنه جمع ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه مزية وخصيصة عظمى لعثمان رضي الله تعالى عنه ميزه النبي صلى الله عليه وسلم بها. إذا من أحداث هذا العام زواج عثمان بن عفان من أم كلثوم ابنة النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه.

أيضًا من الأحداث الجميلة في هذا العام كان زواج النبي صلى الله عليه وسلم من حفصة ابنة عمر بن الخطاب. ولاحظوا كيف النبي صلى الله عليه وسلم يوثق ويوطد علاقته بأصحابه المقربين. نحن ابتداءً تعرفنا على الزوجة الأولى للنبي عليه الصلاة والسلام وهي المرأة الصابرة المحتسبة خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها التي توفيت في العام التاسع من البعثة، وأخذنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بعدها سودة بنت زمعة عندما كان عمره خمسين عامًا، وعقد على عائشة رضي الله عنها، ثم دخل بعائشة رضي الله عنها في السنة الأولى من الهجرة. بالتالي الآن النبي صلى الله عليه وسلم عنده في المدينة سودة بنت زمعة وعائشة ابنة الصديق رضي الله عنها. في السنة الثالثة من الهجرة عقد النبي صلى الله عليه وسلم على امرأتين.

المرأة الأولى كانت حفصة ابنة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والبخاري يروي لنا قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بحفصة. فعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، حفصة بنت عمر رضي الله عنها كانت متزوجة من أحد الصحابة الكرام اسمه خنيس بن حذافة السهمي، خنيس بن حذافة السهمي توفاه الله سبحانه وتعالى في المدينة في وقت مبكر، فتأيمت حفصة وأصبحت من دون زوج. فعمر بن الخطاب ذاك الرجل الصالح أخذ يبحث لابنته عن الزوج الصالح، وانظروا هذه السنة التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب ولم ينهه عنها؛ الأب الصالح خاصة في هذا الزمن الذي نحيا فيه يبحث لابنته عن الزوج الصالح الذي يحفظ عليها دينها وعرضها وعفتها. عمر بن الخطاب مباشرة لما تأيمت حفصة أدرك أن هذه الفتاة لا ينبغي أن تبقى وحدها لحوادث الدهر، بل ينبغي أن نفتش لها على شخص كريم يصونها، فذهب ابتداءً إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.

قال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة ولا شيء في هذا. انظروا هذا، بعض الناس يظن أنه إذا عرض ابنته على الأكارم والأفاضل أن هذا فيه عيب، عمر بن الخطاب يعرض ابنته المصون الطاهرة حفصة على كبار الصحابة الأشراف ليصون هذه الفتاة، وهذا ذكاء منه رضي الله عنه؛ لا يريد لهذه الفتاة أن تذهب بيد أي رجل، يريد أن تذهب بالأيدي الأمينة. وانتبهوا على هذا أيها الرجال، ابحثوا لفتياتكم في هذا الزمن عن الرجال الأمناء الذين يتقون الله سبحانه وتعالى، فهذه عملة قليلة الوجود، لا تعطوا بناتكم لأي شخص يأتي إليكم، لا تنظروا إلى الأموال، لا تنظروا إلى البهارج، بل انظروا إلى المضمون، انظروا إلى حقيقة الرجل ومعدنه وأخلاقه وفضائله، فمثل هؤلاء الرجال هم الذين يزوجون. عمر بن الخطاب ذهب إلى عثمان بن عفان فعرض عليه حفصة، عثمان بن عفان ما أحب أن يرد مباشرة على عمر ويرفض، قال: سأنظر في أمري؛ يعني دعني أفكر، فلبثت ليالي ثم لقيني، عثمان يقول: لبثت ليالي أفكر في الموضوع، قال: ثم لقيني عمر وقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، عثمان قال لعمر: حقيقة بدا لي وظهر لي أني لا أريد أن أتزوج الآن فسامحني يا أخي.

قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، انظروا أين يذهب بابنته إلى أبي بكر من عظماء الصحابة، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، عمر بن الخطاب يقول لأبي بكر: يا أبا بكر إن شئت زوجتك حفصة، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئًا، يعني أبو بكر صمت ولم يرد، لم يعط أي إشارة، وكنت أوجد عليه مني على عثمان. يعني عمر بن الخطاب يقول: صحيح أنا غضبت من عثمان لأنه لم يقبل عرضي، لكن أبو بكر الصديق لما لم يقبل ولم يرد علي وجدت عليه أكثر من وجدي على عثمان. طيب قال: فلبثت ليالي، يقول عمر بن الخطاب: فلبثت ليالي، كأنه مهموم على ابنته رضي الله عنهما، قال: ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، جاءه السعد، النبي صلى الله عليه وسلم خير بشر على هذه الأرض أتى ليخطب ابنتك يا عمر بن الخطاب، فمباشرة ومن دون تردد عمر بن الخطاب يعطيه ابنته المصون حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها.

قال: فلقيني أبو بكر، يعني أبو بكر بعد أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم حفصة لقي عمر بن الخطاب فقال: يا عمر لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا، يعني لعلك حزنت أني لم أرد عليك ورفضت أن أتزوجها أو لم أرجع إليك بشيء، قال عمر: قلت نعم يا أبا بكر، فقال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبلتها. يعني أبو بكر الصديق يخبر عمر أنه يا عمر أنا في الحقيقة لم يمنعني أن أتزوج حفصة إلا أني كنت في مجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعت النبي عليه الصلاة والسلام يذكر لي أنه يريد أن يخطب حفصة، فما كنت لأفشي السر، يعني أنا ما أخبرتك في اللحظة الابتدائية أني لا أريد أتزوجها لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها، لم أرد أن أفشي سر النبي عليه الصلاة والسلام، ولو علمت أن النبي عليه الصلاة والسلام لن يعقد عليها لتزوجتها. فهكذا طاب خاطر عمر بن الخطاب بهذه القصة. إذا كان هذا الزواج الأول الميمون في هذا العام زواج النبي صلى الله عليه وسلم من حفصة.

الزواج الثاني للنبي عليه الصلاة والسلام في هذا العام أيضًا كان زواجه من زينب بنت خزيمة رضي الله تعالى عنها. زينب بنت خزيمة أحبتي، يقول ابن إسحاق: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعد حفصة بزينب ابنة خزيمة الهلالية، وهي التي كانت تلقب بأم المساكين لشدة رأفتها على المساكين وكرمها وعطائها لهم، كانت تلقب بأم المساكين، وكانت قبله عند الحصين بن الحارث أو عند أخيه الطفيل بن الحارث، يعني كانت متزوجة قبل ذلك. انظروا، حفصة كانت متزوجة وتأيمت، وزينب بنت خزيمة كانت متزوجة وتأيمت، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرًا أن يأخذ البكر من النساء.

ولكن زواجاته عليه الصلاة والسلام كان يحقق فيها مصالح عظمى من خلال مصالح سياسية وتوطيد علاقاته مع أصحابه الكرام، خاصة المقربين منهم. ولاحظوا هذا في زواجات النبي صلى الله عليه وسلم عموماً وفي مصالحها، تتأكدون وتتوثقون أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما أكثر من الزواج من هؤلاء النسوة لأنه كان يريد أن يحقق الخير لهذه الأمة، لأن كثيرًا من الشبهات اليوم تدور حول لماذا أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من النكاح.

هذه شبهة يثيرها الأعداء اليوم أو بعض ضعاف النفوس، وقد يدخل في قلوبهم شيء من الحرج حول هذه الشبهة. أحبتي، من تدبر وراقب زواجات النبي عليه الصلاة والسلام وتعقلها يدرك أنها كانت لمصالح عظمى يريد أن يحققها النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة.

زواج النبي صلى الله عليه وسلم كان من زينب بنت خزيمة الهلالية، لكن أم المؤمنين سيدتنا زينب لم يطل بها المقام كثيرًا؛ فقد توفيت في المدينة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الزوجة الثانية له التي تتوفى قبل وفاته؛ أولًا توفيت خديجة بنت خويلد، والثانية كانت زينب بنت خزيمة. وأما باقي زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فتوفاهن الله سبحانه وتعالى بعده عليه الصلاة والسلام، فزينب بنت خزيمة الهلالية تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثالثة، لكنها لم تمكث عنده كثيرًا حتى توفاه الله سبحانه وتعالى في المدينة، وكانت ثاني امرأة من زوجاته تموت بعد خديجة.

ثم تزوج النبي حفصة وزينب، هذه من الأحداث التي تطرقنا إليها إلى الآن في العام الثالث من الهجرة. أيها الأحبة، سنأتي إلى الحدث الأهم والأبرز والأخطر، الحدث الذي كان مليئًا بالدروس والعبر والمواقف والمشاهد، وهي غزوة أحد. كانت غزوة مفصلية وعظيمة في مدلولاتها، الله سبحانه وتعالى ذكرها في العديد من المواطن في كتابه العزيز لما تضمنته من الحكم والمواقف والعبر التي يجب أن تتأسى وأن تقتدي بها الأمة إلى يوم القيامة.

قصة أحد قصة دروس وقصة مناهج وقصة أفكار، ينبغي على كل مسلم أن يقف عندها ليعلم من أين تؤتى الأمة، ليعلم ما هو منهج التغيير الصحيح، ليعلم متى نستحق النصر. كل هذه الحكم والعبر سنقف عندها بإذن الله في هذه الغزوة المباركة. غزوة أحد كانت في العام الثالث من الهجرة، ما قصة هذه الغزوة وكيف بدأت؟ دعونا مع ابن هشام رحمة الله عليه نقف مع كل موقف، ونحاول أن نتأمل ونتدبر ونستخلص منه العبر والأفكار.

يقول ابن هشام رحمة الله عليه: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب، وأصحاب القليب هم صناديد قريش الذين ألقاهم النبي صلى الله عليه وسلم في قليب بدر. لما قتل من قتل من رجالات مكة في غزوة بدر ورجع فلهم إلى مكة، وأبو سفيان استطاع أن يهرب بالتجارة ويصل إلى مكة، أيضًا مشى عبدالله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، هؤلاء كلهم أصيب لهم إما أبناء وإما آباء وإما إخوة. ففي رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم في يوم بدر، تكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة.

قالوا لهم: يا معشر قريش، إن محمدًا قد وتركم، أي قطعكم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصيب منا. إذا مجموعة ممن أصيب لهم أقارب في غزوة بدر أتوا إلى أبي سفيان وأهل القافلة الذين نجوا بقافلتهم، وقالوا: يا أبا سفيان ويا أهل القافلة، رأيتم ماذا فعل بنا محمد صلى الله عليه وسلم، كيف قتل صناديدنا ورجالنا؟ فأعينونا بهذا المال الذي نجوت به لعلنا نجهز جيشًا قويًا نستطيع أن نرد فيه الصاع على محمد صلى الله عليه وسلم. فأبو سفيان ومن معه مباشرة وافقوا على هذا العرض؛ لأن نار الثأر كانت تغلي في قلوبهم.

فاجتمعت قريش لحرب النبي صلى الله عليه وسلم، فجمع أبو سفيان بن حرب رجالات مكة ومن أطاعهم من قبائل كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن، يعني خرجوا بالنساء، والظعينة هي المرأة، هذا هو العرف المشتهر في إطلاق الظعينة وإن كان لها استعمال سابق، لكن الظعينة أصبحت تطلق في لسان العرب عادة على المرأة. أهل مكة في هذه المرة أخرجوا معهم نساءهم، لماذا؟ قال: التماس الحفيظة وألا يفروا. كل رجل منهم وخاصة من الصناديد أخرج زوجته معه حتى يثبت ولا يفر دفاعًا عن حرمته. فخرج أبو سفيان بن حرب بزوجته هند بنت عتبة، وخرج عكرمة بن أبي جهل بزوجته أم حكيم بنت الحارث، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود الثقفية، وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج.

لاحظوا كيف أن صناديد مكة ورجالات هذه الحرب خرجوا بنسائهم، وهذا كان مقصدًا لهم حتى يدافعوا إلى اللحظة الأخيرة حتى الموت، لا يفكر أحد بالهروب من الغزوة. لكن ما استوقفني حقيقة وأنا أعدد هذه الأسماء أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وعمرو بن العاص، هؤلاء الرجالات الذين قادوا معركة الكفر العنيدة ضد محمد صلى الله عليه وسلم، بعد سنوات معدودة سيكونون فرسان الإسلام، سيكونون فرسان الإسلام في المعارك وسيخوضون معارك الإسلام العظمى خاصة في عهد أبي بكر الصديق وعهد عمر بن الخطاب.

هذه الأسماء التي ننظر إليها الآن أنها تريد أن تحارب محمدًا صلى الله عليه وسلم وتصد عن هذا الدين؛ أبو سفيان وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وعمرو بن العاص، هذه الأسماء الكبرى التي قادت الجيش العرمرم في أحد لمحاربة الدين، في يوم من الأيام وبعد سنوات سيصبحون هم القادة العظام للفتوحات الإسلامية. عمرو بن العاص فاتح مصر، وعكرمة بن أبي جهل صاحب فتوحات اليرموك الذي استشهد رضي الله عنه في تلك المعركة. صفوان بن أمية رضي الله عنه، وأبو سفيان، بل أبو سفيان زوجته هند بنت عتبة صحابية رضي الله عنها أسلمت بعد ذلك. عكرمة بن أبي جهل زوجته أم حكيم التي خرج بها يوم أحد لتحمس المشركين على محمد صلى الله عليه وسلم، هذه الزوجة أم حكيم رضي الله عنها أسلمت بعد ذلك وكانت سببًا في إسلام عكرمة بن أبي جهل، ذهبت إلى عكرمة وقد هرب إلى اليمن في فتح مكة فأعادته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم بين يديه.

هذا يوصلنا أحبتي إلى قضية أننا كمسلمين وظيفتنا أن ندافع عن هذا الدين وأن نحمي حياضه، وهؤلاء الذين يحاربوننا من أعداء الملة نحن نحاربهم للذب عن هذا الدين فقط. لكن هل يمكن أن هؤلاء الذين حاربونا في يوم من الأيام يصبحوا بعد ذلك فرسانًا للإسلام؟ يمكن، إياك أن تظن أنك بيدك الحكم على الناس. بعض الناس أحبتي وبعض العوام، بل حتى بعض طلبة العلم، يتجاسر على الحكم على المخالفين أنهم من أهل النار، وفي الحقيقة الإنسان لا يستعجل على الحكم على الناس، فأنت لا تدري كيف يختم لهم.

لو كنت أنت مستعجلًا وحكمت على عكرمة بن أبي جهل أنه من أهل النار ولم تعلم أنه كان من فرسان الإسلام الذين قاتلوا حتى الموت في معركة اليرموك، ستكتشف أنك أخطأت خطأً جسيمًا، وأن عكرمة الذي قاتل وكان قائدًا للمشركين في غزوة أحد أصبح فارسًا من فرسان الإسلام العظام. وقل ذلك في أبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعمرو بن العاص. فهذه حقيقة وحكمة ينبغي علينا أن نقف عندها، أننا نقاتل من أجل هذا الدين والدفاع عن حياضه والذود عن الحرمات. ومن يقاتلنا اليوم، هل يمكن أن يهديه الله سبحانه وتعالى ويصبح في قادم الأيام عونًا لنا على أعداء الأمة؟ ممكن، فلا تقنطوا من رحمة الله.

والله سبحانه وتعالى بيده قلوب العباد يصرفها كيف يشاء، من نحاربهم اليوم بقدرة قادر يستطيع الله سبحانه وتعالى أن يقلب قلوبهم لهذا الدين وأن يصبحوا فرسانًا وأن نستعين بهم في محاربة أعدائنا. فهذه القلوب بيد الله سبحانه وتعالى، هذه عبرة يجب علينا أن نقف عندها ونحن نتأمل هذه الأسماء الكبرى التي قادت جيش أحد من المشركين وفي يوم من الأيام ستقود جيوش المسلمين لمحاربة الدين والمشركين والروم والفرس ومن كان على شاكلتهم. فانتبهوا لهذه القضية ولا تستعجلوا في الحكم على الناس بنهاياتهم، فإن النهايات بيد العليم الخبير سبحانه وتعالى.

المهم صناديد مكة خرجوا بنسائهم ليلاقوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وصحبه. وصلت الأنباء إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى القائد الأعلى بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، فمباشرة جمع الصحابة وقال لهم. أولًا النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بهم برؤيا قد رآها في منامه، هناك رؤيا أراها الله سبحانه وتعالى لنبيه في منامه، فقصها النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة.

فقال لهم: «إني قد رأيت والله خيرًا، رأيت بقرًا لي تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلمة، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة»، فأولها بالمدينة. الآن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بتأويل المقطع الأخير هنا، وهو أنه أدخل يده في درع حصينة، الدرع الحصينة تأويلها المدينة، وكأنها إشارة أن المدينة هي الدرع الحصينة التي يجب أن تحتمي بها. لكن المقطع الأول من الرؤيا: «رأيت بقرًا لي تذبح»، كان تأويلها فيما بعد أنها جماعة من الصحابة الكرام سيستشهدون في هذه الغزوة المباركة، فهؤلاء هم البقر كانت إشارة إلى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين سيستشهدون أو يغتالون في غزوة أحد. و«رأيت في ذباب سيفي ثلمة»، الثلمة يعني الشق الذي رآها في ذباب سيفه أي في طرف سيفه، كانت إشارة إلى أن هناك رجلًا من قرابتك يا محمد صلى الله عليه وسلم سيقتل ويستشهد، وكان فعلًا مقتل حمزة بن عبد المطلب.

الآن إذا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر الصحابة أن هناك إشارة له، وهذا الذي اهتم به النبي صلى الله عليه وسلم، اهتم بالجزء الأخير من الرؤيا ولم يهتم بالجزء الأول والثاني؛ لأنه الجزء الأخير كان فيه إرشاد، قال له يا محمد البقاء في المدينة لعله هو الخير. هكذا فهم النبي صلى الله عليه وسلم أول الرؤية، فلذلك هو يريد أن يرسل للصحابة الذين يشاورهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يرى أننا لا نخرج إلى قتال أبي سفيان ومن معه بل نمكث في داخل المدينة حتى يأتي أبو سفيان ومن معه في داخل عقر المدينة، يتم القتال.

يعني باختصار بالمفهوم المعاصر تكون حرب شوارع داخل أزقة المدينة، هذا أفضل؛ لأن المسلمين عددهم كان محدودًا مقارنة مع عدد المشركين. فالنبي صلى الله عليه وسلم بناءً على هذه الرؤيا التي رآها أنه أدخل يده في درع حصينة، أخبر الصحابة أنه يرى أن السياسة تقتضي أن يبقى في المدينة وألا يخرج منها. لكن النبي عليه الصلاة والسلام كعادته يحب مبدأ الشورى، عرف أن هذه الرؤيا ليست إلزامًا إلهيًا، ولو كانت وحيًا إلهيًا لأوقف الصحابة عند حد معين؛ لأنه هذا وحي إلهي ما في مجال للشورى فيه. لكن النبي عليه الصلاة والسلام كأنه رآها رؤيا استئناسية إرشادية فيها نصيحة أن تفعل هكذا، لكنها لم تكن ملزمة له لذلك قرر أن يستشير الصحابة.

لذلك ماذا قال؟ قال: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا في مكانهم الذي نزلوا فيه خارج المدينة أقاموا بشرّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قتلناهم فيها أو أوقعنا فيهم القتل داخل أزقة المدينة. عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين الذي سيتكرر في مشاهد كثيرة معنا في السيرة، وافق رأيه رأي النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه وافقه عن جبن. يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان رأيه هذا عن سياسة شرعية وعن استئناس برؤية، ورؤية الأنبياء حق، لكن عبدالله بن أبي بن سلول كانت سياسته سياسة خوف وجبن وعدم رغبة في القتال. لكن كما قلنا في الظاهر أنه وافق النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رأي عبد الله بن أبي مع رأي النبي صلى الله عليه وسلم يرى ألا يخرج إليهم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، ما أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج بالصحابة إلى غزوة أحد؛ خاصة أنه يعلم أن هناك ثأرًا تطلبه كفار قريش، فسيكون قتالهم في منطقة مفتوحة قتال ثأري، والعدد الكبير من كفار قريش والزخم المادي عدد القبائل التي أتت، كل هذا يقتضي أنه ينبغي أن تحصر المعركة داخل أزقة وشوارع حتى نمسك بزمام المعركة ولا تخرج من أيدينا؛ لأن المكان المفتوح يمكن أن يحاصرك العدو فيه.

من الذين خالفوا هذه الوجهة رجال من المسلمين ممن أكرم الله سبحانه وتعالى بالشهادة يوم أحد وغيره، ممن كان فاتهم بدر؛ فقد كان هناك رجال من المسلمين صادقين فاتتهم غزوة بدر وتحسروا أنهم لم يشاركوا في هذا الفضل العظيم، فأحبوا أن يشاركوا في ملحمة أخرى من ملاحم هذا الإسلام وهذا الدين العظيم. فكان اقتراحهم للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لا نريد أن نبقى في المدينة، دعنا نخرج لنقاتل كفار قريش في حرب مفتوحة، نريد الشهادة ونريد أن ندافع ونريد أن نظهر البطولات والملاحم. انظروا حماس الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في الدفاع عن هذا الدين.

قالوا: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أننا جبنا عنهم وضعفنا، لا نريد منهم أن يعتقدوا أننا جبنا عن لقائهم. عبدالله بن أبي بن سلول رفض هذه النظرة، وقال: يا رسول الله، أقم بالمدينة لا نخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصابهم منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله؛ فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا. هذه كانت وجهة نظر عبدالله بن أبي بن سلول؛ حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن هذه المدينة ما قاتلنا عدوا خارجها إلا هزمنا، ولم يدخل علينا عدو فيها إلا قتلناه، وإن المعركة ستكون حرب شوارع، وبالتالي هم سيدخلون في الأزقة، الرجال يضربون على وجوههم، والنساء من أسطح البيوت ترمي الحجارة.

هذه كانت وجهة عبدالله بن أبي، لكن شباب الصحابة الذين عندهم طموح في الشهادة ومقارعة الأعداء كانوا مصرين على الخروج من المدينة للقاء كفار قريش في سجال مفتوح. فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى رأى النبي صلى الله عليه وسلم السواد الأعظم من الصحابة يفضل الخروج لقتال المشركين حتى لا يظن المشركون أن الصحابة جبنوا. فالنبي صلى الله عليه وسلم دخل بيته ولبس لأمة الحرب، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة؛ فبعد أن صلى الجمعة دخل بيته واستعد للحرب ولبس الدرع، وقد كان مات في ذاك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرج عليهم.

وقد ندم الناس، فالصحابة الذين كان رأيهم أننا نخرج لقتال العدو لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد لبس لباس الحرب واستعد للخروج، أصابهم شيء من الندم وقالوا: لعلنا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك. بدأوا يراجعون أنفسهم، لربما أننا ضغطنا على النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من اللازم في قضية الخروج. فلما خرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد لبس لأمته، قالوا: يا رسول الله، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا؛ يعني يتأسفون للنبي عليه الصلاة والسلام، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك. فقال رسول الله -انظروا الشجاعة هنا-: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل». شجاعة النبي بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه؛ إذا الصحابة في هذه الغزوة كانوا كثر، كانوا ألفا، لكن عدد جيش المشركين كان أضعاف ذلك، كانوا ثلاثة آلاف وزيادة، وجيش المسلمين كانوا ألفا؛ تقريبا نفس النسبة في غزوة بدر، فغزوة بدر ثلاثمائة مقابل تسعمائة، وفي غزوة أحد ألف من الصحابة مقابل ثلاثة آلاف من كفار قريش. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه، لكن هل بقي هذا الألف الذي خرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم ألفا؟ هذا هو السؤال. في الحقيقة الآن سننظر إلى مشهد مؤلم؛ مشهد النفاق حينما ينخر في جسد الأمة، كيف أن هذا العدد الذي خرج به النبي صلى الله عليه وسلم انهزم ثلثه.

يقول ابن هشام: حتى إذا كانوا بمنطقة تسمى منطقة الشوط بين المدينة وأحد؛ الآن طبعا أحباؤنا الذين يذهبون لزيارة المدينة النبوية لربما يزورون مشاعر أحد، وأحد في تلك الأيام كانت تعتبر خارج المدينة، والآن ربما بين المسجد النبوي وبين أحد بالسيارة ربع ساعة ليست بتلك المسافة البعيدة، لكنها في أيام النبي عليه الصلاة والسلام كانت تعتبر خارج حدود المدينة؛ فالمدينة كانت صغيرة جدا، ليست كما ترونها الآن، كانت مساحتها صغيرة، مجموعة من الأحياء حول مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأحياء مترامية هنا وهناك، أما أحد فكانت تعتبر خارج المدينة. المهم لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى منطقة الشوط بين المدينة وأحد، من الذي بدأ يخذل؟ عبدالله بن أبي بن سلول المنافق؛ رأس النفاق بدأ ينخر في جسد هذا الجيش ويثير الإشاعات ويحاول أن يجعل الروح المعنوية تنهزم، فانخذل بثلث الناس. تصوروا أحبتي، ثلث الناس، وهذا يدلك على حجم القلوب الضعيفة وأصحاب القلوب المريضة التي كانت ما زالت موجودة في مجتمع المدينة النبوية؛ فعندما تقول ألف خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ينهزم عبدالله بن أبي بثلثهم، يعني تتكلم عن ثلاثمائة شخص تقريبا، هذا حجم كبير للنفاق.

وهؤلاء المنافقون أحبتي في كل زمن وفي وقتنا هذا هذا عملهم دائما: إضعاف الروح المعنوية، الفت في عضد المسلمين، نشر الشائعات المغرضة التي تبث الخوف والرعب في قلوب الناس والأطفال والنساء، أن العدو سيتكالب علينا، أننا سنهزم، لا طاقة لنا بأعدائنا. كل هذه الإشارات السلبية، كل هذا النخر في جسد الأمة، بل كل الهزائم التي تلحقنا أحبتي في الحقيقة إنما تلحقنا من داخلنا؛ هناك من هو في أو بين أظهر المسلمين وهو يفرق ويفت في العضد وينشر الإشاعات ويؤول بالناس. عبدالله بن أبي في كل مشهد وفي كل غزوة من الغزوات سنلاحظ دور النفاق الذي لعبه في الهد من الروح المعنوية والإضعاف وبث إشاعات التخويف والإرجاف، دور لعبه على مدار السنوات، وهذا الدور قدره الله سبحانه وتعالى في المجتمع المدني لتعلم الأمة إلى يوم القيامة أن في كل عصر هناك عبد الله بن أبي بن سلول، لكن بشكل من الأشكال؛ في كل عصر موجود هذه الشخصية وموجودة، إما على شكل أفراد وإما على شكل تجمعات داخل جسد الأمة، تحاول أن تفرق، تحاول أن تزعزع، تحاول أن تقلب الصفوف وتدعم الأعداء من الخارج حتى يتكالب الأعداء علينا من كل مكان، من داخلنا ومن خارجنا.

المهم عبدالله بن أبي استطاع أن ينسحب بثلث الناس، وقال: ما هي الشائعة التي أثارها؟ طبعا عبدالله بن أبي كما قلنا هو يعتبر كان من سادات الأوس والخزرج، كان له منصب فكانت له كلمة مسموعة عند ضعاف القلوب؛ فماذا قال للناس؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم أطاع هؤلاء الشباب وعصاني، ما ندري على ما نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ يعني لا أعرف لماذا نخرج مع محمد صلى الله عليه وسلم لنقتل أنفسنا؟ دعونا نعود إلى المدينة. فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب. من الذي تبعهم؟ الآن هناك رجل يسمى عبدالله بن عمرو بن حرام، لحق ابن سلول فقال له ولقومه: يا قوم، أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم؛ يعني لما وصلنا للعدو الآن تنسحبون، هذه فيها هدم للروح المعنوية. فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، كما قال ربنا في كتابه عنهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: 167]. يعني لن يحدث بينكم وبين المشركين قتال فدعونا من كل هذا الأمر، ولكن لا نرى أنه يكون قتال. طبعا هذه دعاية استعراضية؛ يعني لن يحدث قتال وخلص احنا سنعود، وأنتم تعودون بعدنا ولن يكون هناك قتال، لكنهم كانوا يدركون أنهم جبناء وأنهم خائفون ولا يريدون أن يشاركوا في هذا الفضل العظيم فحرمهم الله.

فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف قال لهم عبدالله بن عمرو بن حرام: أبعدكم الله أعداء الله؛ صريح كان معهم، أنتم أعداء الله الذين ترجفون وتخذلون وتثيرون الشائعات وتكونون سببا في هزيمة المسلمين، أنتم أعداء الله حتى ولو تعممتم بالعمائم، حتى ولو لبستم اللحى، حتى ولو تزينتم بزينة العلماء، أنتم أيها المنافقون الذين تفتنون في هذه الأمة وتفتون عضدها وتكونون مع الظالمين، أنتم أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه.

الآن طبعا هناك قبيلتان أحبتي، قبيلة تسمى قبيلة بني سلمة وقبيلة بني حارثة؛ هاتان القبيلتان كادتا أن تعود مع عبدالله بن أبي، لكن الله سبحانه وتعالى ثبتهما؛ لأنهم كانوا أصحاب إيمان ما كانوا أصحاب نفاق، لكن دخل الشيطان في قلوبهم فأحدث شيئا من الزعزعة، لكن الله سبحانه وتعالى لأنه يعلم صدقهم ثبتهم، وقص علينا قصصهم في كتابه العزيز إذ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122]. هاتان الطائفتان كما قال علماء التفسير هم بنو حارثة وبنو سلمة، قبيلتان من الأنصار لما رأوا عبدالله بن أبي انسحب دخل الشيطان في قلوبهم، في النهاية هؤلاء بشر ليسوا معصومين، فالشيطان يحاول أن يزعزع ويحاول أن يثبط، لكن الله سبحانه هو الذي ثبت.

وهذا يدلنا أحبتي على المعية الإلهية، أن الإنسان المؤمن في المخاض الصعب وعند البلاء الذي يثبته هو الله سبحانه، ما منا من شخص عند البلاء إلا والشيطان يحدثه بالتراجع، وأن يترك هذه الدعوة، ولعل هناك شخص غيري أفضل يستمر فيها وأنا لا أستطيع المقاومة؛ تبدأ وساوس الشيطان تنخر في قلبه، فإن كان صادقا وحفظ الله في الرخاء، الله سبحانه وتعالى يحفظه في الشدة، يثبته، يرسل له الأفكار الإيجابية ويزيد الروح المعنوية لديه والإيمانيات ويجعله دائما ينظر إلى معاني الأمور. وهذا ما حدث مع هاتين القبيلتين، بنو حارثة وبنو سلمة كانوا أوفياء محبين للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن وقع في نفوسهم ما وقع في نفوس كثير من الصحابة وكثير من البشر الذين يحبون هذا الدين لكن يأتي الشيطان عليهم يستغل لحظات الضعف. الله عز وجل يوصف لنا هذه اللحظة، لحظة الضعف، ولماذا وصفها الله لنا؟ حتى يخبرنا أنكم كونوا صادقين ولا تقلقوا فسأقف معكم، حينما تشعرون بالزعزعة والخوف ستجدون الله سبحانه وتعالى يؤيدكم وينصركم ويثبت الأقدام. إذا هذا هو المشهد الآن، عبدالله بن أبي انسحب بثلث الجيش، بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم قرابة سبعمائة شخص، لكنهم أقسموا على الموت فاستمروا مع النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه جبل أحد.

مضى النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد. الآن أحد أحبتي هي سلسلة جبال، أحد ليست جبل الرماة الذي تصعدون عليه حينما تذهبون إلى زيارة المشاعر في المدينة، لا، أحد هي سلسلة الجبال التي هي مقابل هذه التلة الصغيرة أو الجبل الصغير، سلسلة الجبال. النبي صلى الله عليه وسلم جعل سلسلة جبال أحد وراء ظهره وجعل جبل الرماة بين يديه، يعني هنا جبل الرماة هنا جيش النبي صلى الله عليه وسلم وخلف النبي عليه الصلاة والسلام سلسلة جبال أحد.

الآن يقولون سرحت قريش، الآن قريش أيضا نزلت قريبة من جبل أحد، وسرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة للمسلمين؛ الآن قريش أرسلت بهائمها من الإبل والخيل لترعى في بستان من بساتين المسلمين التي كانت حول المدينة، يعني كان هناك بستان للمسلمين حول المدينة قريب من أحد، قريش كفار قريش بعثوا خيلهم ودوابهم وبهائمهم وإبلهم لترعى في هذا البستان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أصدر أوامره للصحابة ألا يقاتل أحد ولا يبدأ بالقتال أحد حتى يأتيهم أمر القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم. الآن لاحظوا، يعني هناك بعض المشاهد تؤكد لنا بشرية الصحابة وأن الخطأ قد يرد من بعضهم؛ الآن رجل من الأنصار لما رأى الدواب والبهائم وخيول كفار قريش ترعى في بستان للمسلمين ماذا قال؟ أصابته الحمية فقال: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟ ما معنى هذه العبارة أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟ هذا الأنصاري رضي الله عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم أصدر أوامره ألا يقاتل أحد حتى يأتي الأمر من النبي عليه الصلاة والسلام، وغاضه أن رأى خيل وبهائم ودواب كفار قريش ترعى في بستان للمسلمين، فمن الغيظ أطلق هذه العبارة التي ما كان ينبغي لها أن تطلق، قال: كيف ترعى بهائم ودواب كفار قريش زروع بني قيلة ونتركهم هكذا من دون أن نقاتلهم؟ يعني هو يريد أنه يا رسول الله أصدر الأمر بالقتال، هؤلاء أطلقوا بهائمهم في زروع المسلمين يأكلونها ولا نقاتلهم! يعني هذه العبارات كما قلنا ما كان ينبغي لها أن تطلق، لكن في النهاية الخطأ وارد، هؤلاء بشر رضوان الله تعالى عليهم، وكل خطأ يغوض كما قلنا.

في بحار الدفاع والتضحية التي بذلوها لهذا الدين، رأينا في غزوة بدر كيف أخطأ أبو حذيفة رضي الله عنه، حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل أحد العباس»، فإنه خرج مكرهاً، فقال أبو حذيفة: يا رسول الله، أيقتل أبناؤنا ونترك العباس؟ فوصلت هذه الكلمة للنبي صلى الله عليه وسلم فتأذى منها، وقصة عمر لما قال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق أبي حذيفة، فتركهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو حذيفة: والله بقيت خائفاً أن أدخل جهنم بسبب هذه الكلمة، إلا أن يكفرها الله لي بالشهادة، وفعلاً قتل أبو حذيفة في يوم اليمامة. انظروا، في النهاية بشر قد يخطئون، لكن هذا خطأ عابر، خطأ لا يستمر، خطأ لحظي بطبيعته البشرية، لكنه يغرق مباشرة في بحار التضحية والدفاع عن هذا الدين بأرواحهم.

بطولات سطرت في غزوة أحد تشهد أن هذا الأنصاري وغيره من الصحابة مهما أخطأوا، ومهما فعلوا، فإنهم كما قلنا لهم من الحسنات ومن البطولات ومن الملاحم الشيء العظيم الذي يجبرنا أن نسكت، وألا نتجاوز الحد في أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا يجوز لأحد مهما بلغ في العلم أن يقدح أو يطعن أو يلمز أحداً من الصحابة الكرام، فهؤلاء الأشاوس الأبطال الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل هذه الدعوة سطروا البطولات العظمى في أحلك اللحظات. أنتم اليوم تنعمون في بيوتكم وبين أهليكم في أمن وأمان وخير بهذا الدين، هذا الدين وصل إلينا على أعناق وعلى دماء وعلى أشلاء هذا الرعيل الأول، فإياكم أن تقفوا عند عثرة أو زلة فتكبروها، وأنتم متنعمون في بيوتكم تعلقون عليهم: لماذا قال هكذا؟ ولماذا فعل هكذا؟ كما يفعل السفهاء اليوم. فكل من ثبتت له الصحبة فحقه أن يسكت عنه، وأن يحترم، وأن يبجل، وألا يخوض في شيء من أفعاله. قد يتبين أنه وقع فلان في خطأ ما، لكن هذا البيان يكون بأدب وتوقير وإجلال، مع الاعتقاد أن هؤلاء مهما صدر منهم من أخطاء، فإن الله سبحانه وتعالى قد أكرمهم بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وبشهود المواقف العظمى معه.

بدأت التعبئة العسكرية من النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، وهم سبعمائة رجل يقفون مع النبي صلى الله عليه وسلم عند أحد. بدأت التخطيطات العسكرية؛ وضع النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جبير أميراً للرماة على جبل الرماة، وهو مقابل سلسلة جبال أحد، جبل صغير. وضع النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جبير ومعه خمسون رجلاً على هذه التلة، وأمرهم ألا يتركوا هذه التلة مهما كان الأمر، قال: «سواء رأيتم الغلبة لنا أو لهم لا تتركوا هذه التلة، احموا ظهورنا، إياكم أن يأتي العدو من خلفنا». أمر عسكري حاسم من النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن جبير ومن معه ألا تغادروا هذه التلة مهما كلف الأمر، حتى لو رأيتمونا نهزم والعدو يتخطفنا لا تتركوا التلة، ولو رأيتمونا انتصرنا ونجمع الغنائم وسنذهب إلى المدينة لا تتركوا التلة حتى يأتي الأمر بالمغادرة. يا عبد الله بن جبير ومن معه، انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتون من خلفنا إن كانت لنا أو علينا.

ظهر النبي صلى الله عليه وسلم بين درعين، أي أخذ بالأسباب، لاحظوا كيف الأخذ بالأسباب، لبس درعاً فوق درع. هذا معنى ظاهر بين درعين، النبي عليه الصلاة والسلام ما قال: أنا ولي الله وأنا حبيب الله إذاً سأقاتل بظهري وبصدري ولن ألبس شيئاً ولن آخذ لأمة الحرب، كلا، النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم والمؤيد بالوحي من الله لبس لباس الحرب ولبس درعاً فوق درع ليحمي نفسه آخذاً بالأسباب. ودفع لواء المعركة إلى مصعب بن عمير، وقضية لواء المعركة قضية مهمة جداً في العلوم العسكرية، لواء المعركة هو أهم عنصر في الجيش، ودائماً في المعارك يستهدفون من يحمل اللواء؛ لأن نزول اللواء وسقوطه تدمير للروح المعنوية، لذلك عادة ما كان اللواء يدفع لأصحاب القوة والرباط والجأش، حتى يثبت للحظة الأخيرة ولا يسقط اللواء، وهذا يدل على الثقة العالية التي أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم لمصعب بن عمير رضي الله عنه الذي سيروي بدمائه أرض أحد في هذه الغزوة المباركة.

مصعب بن عمير ميزة أخرى في نسبه أنه من بني عبد الدار، أي هو قرشي من بني عبد الدار، والذين يحملون لواء كفار قريش في هذه الغزوة أيضاً هم من بني عبد الدار. لاحظوا كيف ذكاء النبي صلى الله عليه وسلم العسكري، أنه وضع رجلاً من بني عبد الدار وهو يعلم أن من سيحمل لواء المشركين هم بنو عبد الدار، لأن بني عبد الدار كان لهم اللواء في معارك مكة؛ في غزوة بدر كان لواء المشركين مع بني عبد الدار، وفي غزوة أحد لواء المشركين مع بني عبد الدار، فبنو عبد الدار من قريش هم الذين كانوا يحملون ألوية قريش في المعارك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يريهم أنني أيضاً سأرفع لواء المسلمين على يد رجل من بني عبد الدار غيظاً لهم.

من التجهيزات العسكرية أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز سمرة بن جندب ورافع بن خديج للقتال في هذه المعركة، وهما شابان صغيران في الخامسة عشرة من عمرهما. النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً حاول أن يردهما، لكن جاء قومهما فقالوا: يا رسول الله إن رافعاً رامٍ، يعني رافع بن خديج صحيح صغير خمس عشرة سنة لكنه يحسن الرمي بالسهام، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: خلاص من يحسن الرمي بالسهام معناه يستطيع أن يدافع عنا. فأتوا إليه فقالوا: يا رسول الله ترى سمرة بن جندب يستطيع أن يصرع رافع بن خديج، يعني هو أقوى منه في البنية الجسدية، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم.

أما عبد الله بن عمر بن الخطاب وأسامة بن زيد وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير، مجموعة من الصحابة الذين كانوا دون الرابعة عشرة، لم يجزهم النبي صلى الله عليه وسلم. ومن هنا استنبط فقهاؤنا الكرام رضوان الله تعالى عليهم أن البلوغ للإنسان يكون إذا لم تره المرأة أو الرجل؛ بالنسبة للمرأة الحيض، أو الرجل لم ينزل المني، أو لم ينبت شعر العانة في كليهما. فإذا لم تظهر علامات البلوغ على الرجل أو المرأة، فإنهما يبلغان في الخامسة عشرة من عمرهما، أي فتاة وأي شاب لم يرَ علامة من علامات البلوغ، فإذا لم تخرج علامات البلوغ حتى وصل إلى سن الخامسة عشرة هنا يعتبر بالغاً في منظور الشريعة، حتى ولو لم يرَ أي علامة من العلامات، واستنبطوا هذا الحكم الفقهي من هذه الغزوة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز رافع بن خديج وسمرة بن جندب وكان عمرهما خمس عشرة عاماً، بينما عبد الله بن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت والبراء بن عازب كان عمرهم أربع عشرة عاماً فلم يجزهم النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال الفقهاء: إذاً هذا سبب أن من كان في خمس عشرة عاماً معناه مائة بالمائة بالغ، وأما من كان دون ذلك هنا ممكن يكون بالغاً وممكن لا يكون بالغاً، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم أخذ باليقين. اليقين أن الذي كان خمس عشرة سنة هو بالغ، والذي دون خمس عشرة سنة ممكن يكون بالغاً وممكن لا يكون بالغاً، والنبي صلى الله عليه وسلم لن يأتي لعبد الله بن عمر يقول له: هل بلغت؟ أو لبراء بن عازب يبدأ يتكلم معه هل ظهرت عليك العلامات؟ النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا أخذ باليقين، أن لخمس عشرة سنة فصاعداً هذا بالغ، والذي دون خمس عشرة سنة أربع عشرة وما دون ذلك يمكن يكون بالغاً لا يكون بالغاً، فلم يشاركهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة.

أيضاً قريش تعبئ ثلاثة آلاف رجل معهم مائتا فرس، يشارك مع كفار قريش في هذه المعركة؛ جعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد. انظروا هذه الأسماء التي سطرت البطولات الإسلامية هي اليوم في صف المشركين، لكن بعد ذلك ستكون أصحاب الفتوحات؛ الآن في غزوة أحد على ميمنة المشركين خالد بن الوليد رضي الله عنه الذي أسلم بعد ذلك، وعلى ميسرة المشركين عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه الذي أسلم بعد ذلك.

النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً كما قلنا، ما زلنا نحيا نشاهد التعبئة العسكرية وإثارة الهمم، النبي صلى الله عليه وسلم أخذ سيفاً وقال: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟» فقام إليه رجل فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تضرب به العدو حتى ينحني»، يعني حتى ينكسر السيف، تقاتل به لآخر رمق. فقال أبو دجانة المقاتل الشجاع: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فأعطاه إياه. وكان أبو دجانة معروفاً بين الصحابة أنه رجل شجاع يختال عند الحرب، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء فاعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل إلى اللحظة الأخيرة. أبو دجانة صاحب العصابة الحمراء معروف تاريخياً بين الصحابة أنه كان إذا أراد أن يقاتل في أي معركة يمسك عصابته الحمراء ويربطها على رأسه، هذه دلالة أنه خلاص قرر أن يقاتل للحظة الأخيرة.

فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج عصابته الحمراء فتعصب بها، وجعل يمشي مشية المتبختر بين الصفوف، فالنبي صلى الله عليه وسلم نظر وقال: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن». هذا الموطن موطن مقبول فيه الخيلاء، مقبول فيه التكبر، مقبول فيه الرفعة؛ لأنه موقف شجاعة وإظهار قوة المسلمين، ولا يقصد التكبر على إخوانه، لكن هو يقصد كما قلنا إظهار عزة المسلم، إظهار أننا قوم لا نهين لا نلين، أصحاب عزة ورفعة إذا ما دعا داعي الجهاد نقاتل إلى اللحظات الأخيرة. هكذا كان حال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

أبو سفيان بن حرب، الآن نأخذ شيئاً من الصف المحمدي وشيئاً من الصف القرشي. نذهب الآن إلى الصف القرشي؛ أبو سفيان بن حرب يدفع اللواء إلى بني عبد الدار، لكن ماذا يقول لهم؟ يقول: يا بني عبد الدار إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم ووقعنا فيما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل رايتهم، يعني الراية واللواء أهم شيء في المعركة، إذا سقط اللواء انهزمت الروح المعنوية للجيش، فإما أن تكفونا لواءنا، يا أنكم تحملوا هذا اللواء وتدافعوا عنه كالرجال، وإما أن تخلوا بيننا وبينهم فنحن نكفيكم هذا اللواء، يعني ندفع إلى قبيلة أخرى. فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟ ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع يا أبا سفيان، ستعلم غداً كيف يكون الدفاع عن اللواء. وذلك أن أبا سفيان يريد أن يستثيرهم ليدافعوا عن اللواء للحظة الأخيرة.

فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذت الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم. الآن النسوة كما قلنا، رجالات قريش خرجوا بالنساء حتى لا يفروا، وليقاتلوا للحظة الأخيرة، فدور نساء قريش كان دور تحميسي للرجال، تمدد عتبة أخذت الدف مع زميلاتها وتنشد بصوت عالٍ: ويهاً بني عبد الدار، ويهاً حماة الأدبار، ضرباً بكل بتار. وتقول أيضاً هي وزميلاتها: إن تقبلوا نعانق، ونفرش النمارق، أو تدبروا نفارق، فراق غير وامق. يعني إذا أقبلتم على العدو -أي على محمد صلى الله عليه وسلم هذا يقصدون- فإننا سنستقبله باستقبال الفاتحين ونعانقكم ونبقى معكم ونشد على أياديكم، أما إن أدبرتم وهربتم من المعركة سنفارقكم فراقاً لا وصال بعده أبداً.

هذه الكلمات عند العرب كانت تحفز وترفع الهمم عند المقاتلين. أما شعار محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة أحد، الشعار الذي رفعوه «أمت أمت»، شعار الحرب، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يحدث في كل غزوة شعاراً للصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ ليكون بمنزلة كلمة الوصل بينهم. فكان شعار المسلمين في غزوة أحد «أمت أمت»، أي لا تبقي ولا تذر، قدامك من المشركين، شعار فيه أيضاً رفع للروح المعنوية. أمت أمت، ما في مجال.

هذا يدلنا يا أحبتي أن هذا الدين كما أنه يأتي بالحجة والبيان والنقاش، لكنه أيضاً في لحظة من اللحظات دين يدافع عن نفسه ويحارب ويقاتل قتال الرجال الشجعان، ليس دين الخور، وليس ديناً كما يريد أن يصوره اليوم بعض الدعاة المنهزمين أنه دين مجرد دين استلطافي استعطافي دائماً يُنشر بصورة الدين المنهزم الضعيف الذي لا يستطيع أن يدافع عن نفسه. إنه دائماً إذا ووجِه بالسيوف وبالحروب وبالأسلحة وبالقصف والضرب يقابلها بالورود والراية البيضاء وبالحمام وغصن الزيتون. لا يا أحبتي، لسنا بأهل هوان. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54]. هذا هو المفهوم الشرعي الذي أرسله الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة، ليست لسنا أمة خور وضعف تؤخذ حقوقنا وتنتهب خيراتنا ونبقى نبتسم ونوزع الورود. ليس هذا دين محمد صلى الله عليه وسلم.

نعم، نحن ندعو ونسعى لإسعاد الناس ولإدخال الناس في دين الله أفواجاً، لكن حينما تنتهك الحرمات ويُحارب هذا الدين ويأتي من يصد عنه، فإن هناك رجالاً يدافعون عن هذا الدين ويحمون الحرمات ويذبون عنه ويبيعون أرواحهم لله سبحانه وتعالى؛ هكذا هو دين محمد صلى الله عليه وسلم بصورته الكاملة. فإياكم أن تقتطعوا منه صورة معينة تصوّروه بها، بل صوروا الدين صورة كاملة كما هو؛ دين الحجة والبيان والنقاش والرأفة والرحمة، وهو أيضاً دين القوة والعزيمة والثبات والجهاد في سبيل الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا في أسمائه هو نبي الرحمة وهو نبي الملحمة.

إذاً، شعار المسلمين في غزوة أحد كان «أمت أمت»، فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، فجعل لا يلقى أحداً. الآن بدأت المعركة تُسطّر، وبدأت بطولات من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يقاتلون في سبيل الله بكل روح عالية؛ كانوا صادقين يا رسول الله، نريد أن نقاتل العدو بصدق، ما كانت كلمة إنسان متحمس حينما رأى العدو فر، بل إنسان يريد أن يقاتل وأن يبيع روحه لله سبحانه. بدأت المعركة والمواجهة والتحم الصفان. أبو دجانة من أخذ سيف النبي صلى الله عليه وسلم بحقه يؤدي هذا الحق والواجب، فجعل لا يلقى أحداً أبو دجانة إلا قتله. كان في المشركين رجل شديد، وكان لا يمر على أحد من جرحى المسلمين إلا كمل عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، يعني أبو دجانة يدنو من هذا القرشي وهذا القرشي يدنو من أبي دجانة، وكنا ندعو الله -يقول المسلمون- أن يجتمعوا معاً؛ لأن أبا دجانة معروف بشدة قتاله.

قال: فالتقيا فاختلفا ضربتين، يعني أبو دجانة ضرب هذا القرشي، والقرشي ضرب أبا دجانة. فضرب المشرك أبا دجانة، فاستطاع أبو دجانة أن يتقيه بالدرع، بينما أبو دجانة أوقع سيفه في قلب هذا القرشي فقتله. ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها. الآن الذين يروون هذه المعركة يقولون إن أبا دجانة من عفته، أنه بعد أن قتل هذا القرشي العنيد، رفع سيفه يريد أن يقتل هند بنت عتبة، وضعه على رأسها، فلما أدرك أبو دجانة أن هذه امرأة وليست رجلاً أزال السيف عنها. انظروا المروءة، انظروا الشرف والرجولة؛ مع أن هند كانت تحرض وتشجع المشركين على القتال، لكن أبا دجانة أبى أن يلطخ سيف النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة. يقول أبو دجانة كما جاء في السير: أكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة. سُئل أبو دجانة لماذا لم تقتلها وقد رأيتها؟ فقال: هذا السيف أخذته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحييت وأكرمت أن أقتل به امرأة، هذا السيف إنما أقتل به الرجال ولم يُصنع للنساء.

المهم، هذا كان مشهداً من مشاهد المعركة، وسنسرد مشاهد كثيرة، لكن أخشى أن يكون الوقت قد داهمنا في هذه المحاضرة. إذاً أقف أحبتي عند هذا المشهد، قصصنا جزءاً من غزوة أحد، وبإذن الله في الدرس القادم سنمر على كل المشاهد المهمة، مشاهد مثيرة؛ مشاهد البطولة والفداء والتضحية العظمى، سواء في الجولة الأولى من المعركة أو في الجولة الثانية، عبر ومواقف وملاحم تُسطّر على جبال أحد في طيبة. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يرزقنا حباً للنبي صلى الله عليه وسلم كما أحبه أصحابه أو قريباً من ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.