تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (14) / غزوة أحد

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية للإمام ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه. وما زلنا نسير في ظلال هذه المنظومة المباركة ونتفيأ من سيرة حبيبنا وقرة أعيننا وقائدنا الأعلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. نتعلم من مشاهد حياته، ونستخلص العبر والأحكام، ونعطر ألسنتنا بالصلاة والسلام عليه، ونروي حبه في قلوبنا.

ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحيينا على نهجه في هذه الحياة، وأن نلتقي به في جنات النعيم، ونخبره أننا كنا نحبه في هذه الحياة الدنيا، وأننا دافعنا عنه، وكنا نتعلم سيرته ونقف على هديه وشمائله وأخلاقه، وأننا سعينا للاقتداء به في كل خطوة من خطوات حياتنا، آمين آمين إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه وتعالى.

كنا في المحاضرة السابقة أحبتي وصلنا إلى غزوة أحد، وتكلمنا عن بعض التكتيكات التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم في بداية المعركة في طرف المسلمين، وبعض ما فعله المشركون أيضاً من ناحيتهم، وذكرنا ابتداء المعركة، ووقفنا على بعض المشاهد التي كانت في البداية، كموقف أبي دجانة رضي الله تعالى عنه.

واليوم أحبتي سنكمل المسير في هذه المعركة، وننظر في البطولات والملاحم التي سطرها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دفاعاً عن هذا الدين، وكيف رووا أرض أحد بدمائهم الطاهرة حباً ووفاءً وولاءً لهذا الدين ولنبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ودعونا نبتدأ بهذا المشهد، بمشهد استشهاد حمزة بن عبد المطلب.

حمزة بن عبد المطلب أحبتي استشهد في مرحلة مبكرة من غزوة أحد، في بداية المعركة والمسلمون كانت لهم الدولة على المشركين. البعض يظن أن حمزة رضي الله عنه قتل في نهاية المعركة حينما انقلبت الموازين، لا، حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه استشهد في بداية المعركة، والذي قتله وحشي بن حرب الذي أسلم بعد ذلك رضي الله تعالى عنهم جميعاً. دعونا ننظر في هذا المشهد، مشهد استشهاد حمزة، مشهد مؤلم جداً. حمزة بن عبد المطلب قائد من قادات المسلمين الكبار، دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وهاجر معه إلى المدينة، وسطر معه أروع البطولات في غزوة بدر وفي المواقف، فكانت لحظة استشهاده حقيقة لحظة مؤلمة على الصحابة عموماً وعلى النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً.

يقول ابن هشام رحمه الله: وقاتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه حتى قتل أرطأة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء. حمزة بن عبد المطلب كان يلاحق الذين يحملون لواء المشركين يريد أن يجهز عليهم، لأننا كما قلنا في المحاضرة السابقة اللواء أمر مهم جداً للجيش، متى سقط اللواء انهارت الروح المعنوية، لذلك حمزة بن عبد المطلب كان متقصداً لحملة اللواء يريد أن ينهيهم واحداً تلو الآخر.

فقتل أرطأة بن عبد شرحبيل وكان أحد الذين يحملون اللواء، فلما سقط اللواء من أرطأة حمله شخص آخر من بني عبد الدار، ثم مر به سباع بن عبد العزى وكان يكنى بأبي نيار، فقال له حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البذور. هذا سباع بن عبد العزى كانت أمه في مكة ختانة تقطع البذور للأطفال الذين يولدون حديثاً، فحمزة بن عبد المطلب يريد أن يهينه فقال له: هلم إلي يا ابن مقطعة البذور.

الآن من الذي كان يرقب هذا المشهد بين حمزة بن عبد المطلب وسباع بن عبد العزى؟ كان الذي يرقب هذا المشهد من بعيد وحشي بن حرب، ووحشي بن حرب كان عبداً لجبير بن مطعم، وجبير بن مطعم والده المطعم بن عدي كان حمزة بن عبد المطلب قد قتله في غزوة بدر. فجبير بن مطعم قال لوحشي بن حرب قبل بداية المعركة: إذا قتلت حمزة بن عبد المطلب فأنت حر. ووحشي بن حرب كعبد يريد أو يطلب حريته، قرر فعلاً أن يقتل حمزة بن عبد المطلب حتى يشتري نفسه.

فوحشي يقول: أنا ليس لي بالحرب حاجة، وإنما أخذت حربتي وبدأت أترصد لحمزة بن عبد المطلب الموقف المناسب حتى ألقي هذه الحربة لأقتله بها. فلما لاحظ وحشي بن حرب أن حمزة بن عبد المطلب بدأ يقترب من سباع بن عبد العزى، وحشي بن حرب الآن سيسرد لنا المشهد ماذا فعل.

يقول وحشي: والله إني لأنظر إلى حمزة يهز الناس بسيفه، لا يليق به شيئاً. يعني وحشي يقول: نظرت إلى حمزة بن عبد المطلب في بداية المعركة، إنسان يلقي الناس بسيفه يميناً وشمالاً، لا يلقاه أحد من المشركين إلا أرداه حمزة قتيلاً، قال: مثل الجمل الأورق، كالجمل الضخم الكبير، قال: إذ تقدم إليه سباع بن عبد العزى، الآن سباع يريد أن يواجه الأسد حمزة بن عبد المطلب، فحمزة كما قلنا ناداه: هلم إلي يا ابن مقطعة البذور، فضربه ضربة فكأنه ما أخطأ رأسه، يعني حمزة بن عبد المطلب ضرب سباعاً ضربة واحدة أطارت رأسه.

في هذه اللحظة من الذي كان يرقب؟ وحشي بن حرب، قال وحشي: فهززت حربتي حتى إذا رضيت بها دفعتها إليه. يعني كانت بيده الحربة، قال: حتى تأكدت أني تحكمت منها وأنها الآن جاهزة للإطلاق، فأطلق حربته باتجاه حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، قال: فوقعت في سِتّته حتى خرجت من بين رجليه. أين وقعت حربة وحشي بن حرب؟ في السِّتَّة وهي ما بين السرة إلى العانة، وقعت الحربة في ذاك الموقع وخرجت من بين رجلي حمزة يعني قطعت أحشاءه رضي الله تعالى عنه.

قال: فأقبل نحوي الآن حمزة رأى وحشي بن حرب لما رماه بالحربة، قال: فأقبل نحوي لكنه غلب فوقع. يعني وهو يحاول أن يدركني ليقتلني غلبه الجرح فوقع شهيداً رضي الله تعالى عنه. قال: فأمهلته حتى إذا مات جئت إليه فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر، وحشي بن حرب لا يريد شيئاً من هذه المعركة فقط يريد أن يشتري حريته، قال: ولم تكن لي بشيء حاجة، إنما قتلته لأعتق. فلما قدمت مكة أعتقت.

كلام وحشي بن حرب يسرد لنا قصته بعد ذلك؛ لأن وحشي بن حرب أسلم وهو صحابي رضي الله تعالى عنه، والله عز وجل واسع المغفرة من عنده عز وجل، تأتي المنح والكرامات لعبيده، حتى لو أن الإنسان أساء في جاهليته وأخطأ ثم عاد إلى ربه من جديد أن الله عز وجل يتقبله، يعني هذه حكمة علينا أن ندركها، أن الإنسان قد يكون ممن وقع في القبائح وفي الكبائر وفي معظّم الذنوب والآثام ثم عاد إلى الله سبحانه، نقول: نعم، أقبل على الله.

يأتيني بعض الطلبة أو بعض الناس يقولون: يا شيخ، أنا أسرفت على نفسي بالذنوب والمعاصي، هل الله عز وجل يقبل توبتي؟ أحبتي، انظروا وحشي بن حرب وغيرهم من رجالات قريش الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم، كيف عادوا إلى الركب وانطلقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين مؤمنين موحدين، وقاتلوا مع الصحابة الكرام في عهد الخلفاء الراشدين وأبلوا بلاء حسناً وارتقوا شهداء في سبيل الله. فالله عز وجل رحمته واسعة أحبتي، فقط يريد منك أن تقبل إليه حتى يأخذ بيدك. ﴿إِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ الْعَبْدُ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً﴾.

الله سبحانه وتعالى يخبرنا بهذا الحديث أنه يقبل على العبد، لكن أيها العبد اخطُ خطوات وستجد الله سبحانه وتعالى قريباً منك. تب إلى الله سبحانه وتعالى عد إليه، مهما فعلت من الأخطاء والذنوب والكبائر فإن لك رباً رحيماً كريماً يقبل التوبة عن عباده، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

وحشي بن حرب نعم، اقتنع وتأكد أن الإسلام هو الدين الحق، وأدرك أن هذا الدين يقبل جميع من يأتي إليه، ومن يعود إلى محمد صلى الله عليه وسلم مهما فعل مهما أخطأ، محمد صلى الله عليه وسلم يقبلك من جديد. فوحشي بن حرب يخبرنا كيف أنه أسلم بعد ذلك وعاد إلى الدوحة المحمدية، يقول: ثم أقمت أي في مكة حتى إذا افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، يعني لما جاء فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، هربت إلى الطائف، كان يدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمسك به سيفعل به؛ لأنه قتل حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأخوه من الرضاعة.

المهم قال: فهربت إلى الطائف فمكثت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسلموا، تعيت علي المذاهب، يعني ما عرفت أين أذهب، أهل الطائف أيضاً يريدون أن يسلموا، فما عرفت أين أذهب؟ فبدأت أحدث نفسي: الحق بالشام، أذهب إلى اليمن، أو إلى بعض البلاد، فوالله إني لفي همي إذ قال لي رجل: ويحك، إنه والله ما يقتل أحداً من الناس دخل في دينه وتشهد شهادته. انظروا إلى هذا الناصح الأمين، رجل قال لوحشي بن حرب: يا وحشي أسلم، أقبل على محمد صلى الله عليه وسلم، نعم فعلت فعلة شنيعة لكن محمد صلى الله عليه وسلم سيرته العطرة تدل على أنه لا يقتل أحداً، أقبل على دينه وادخل في هذا الإسلام العظيم.

المهم قال: فلما قال لي ذلك، اقتنع وحشي بن حرب وأراد أن يخرج مع وفد الطائف ليسلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، قال: فلم يرعه إلا بي قائماً على رأسه أتشهد بشهادة الحق. لأن وحشي بن حرب يقول: تفاجأ النبي صلى الله عليه وسلم بي وأنا واقف على رأسه أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلما رآني قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: أوعشي أنت؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة.

ما زال قتل حمزة يجيش في مشاعر النبي صلى الله عليه وسلم حتى بعد سنوات من مقتله رضي الله تعالى عنه، كانت حادثة مؤلمة، لأن حمزة أحبتي ليس فقط قتل، بل مُثِّل به، فكانت قتلة شنيعة، والنبي صلى الله عليه وسلم أثر به أن يفعل هذا بعمه رضي الله تعالى عنه. قال وحشي: فقعدت فحدثته كيف قتلت حمزة، فلما فرغت من حديثي له قال: ويحك يا وحشي غب عني وجهك.

الحزن نعم غلب على النبي صلى الله عليه وسلم، هنا الرأفة والرحمة، النبي صلى الله عليه وسلم ذاك القلب الرؤوم الرؤوف بالمؤمنين، رؤوف رحيم، تحركت مشاعره، جاشت مشاعره على عمه، تذكر تلك الذكريات الطيبة والمواقف العظيمة التي عاشها مع عمه رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لوحشي: أنا أريد أن أطلب منك طلباً، غيب عني وجهك فلا أرينك. موقف إنساني، يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال لوحشي: كلما نظرت إلى وجهك يا وحشي هذا معنى الكلام طبعاً، كلما نظرت إلى وجهك سأتذكر عمي ولربما القلب يتحرك، فلا أريدك يا وحشي، لا أريد أن تقع عيني على وجهك يا وحشي لأني كلما أراك سأتذكر عمي.

فكان هذا من مصلحة وحشي بن حرب رضي الله تعالى عنه أن يتنحى عن النبي صلى الله عليه وسلم مراعاة لمشاعر النبي العظيم. قال: فكنت أتنكب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان، يعني كنت حريصاً على ألا تقع عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي حتى لا أثير المشاعر والشجون، قال: لأن لا يراني حتى قبضه الله.

الآن وحشي بن حرب بقي على هذه الحالة حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه وضع هدفاً بين عينيه، انظروا كيف الإسلام يرتقي بالأشخاص، وحشي بن حرب ذاك العبد الذي كان مولى لجبير بن مطعم يفعل به ما يشاء ورقيق عند أهل مكة، إنسان لا يملك أهدافاً في الحياة، أسلم فتحول إلى شخصية عظيمة، إنسان عنده طموح، إنسان عنده هم، حمل هم هذا الدين في قلبه رضي الله تعالى عنه، فقرر أن يقتل رجلاً من صناديد الكفار رجلاً من قادة المرتدين، هو مسيلمة الكذاب.

فخرج وحشي بن حرب رضي الله عنه في معارك الردة التي حدثت في زمن أبي بكر الصديق مع جيوش المسلمين، وشارك في معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب، وبقي يتربص لمسيلمة الكذاب حتى قتله، حتى استطاع أن يصل إلى مسيلمة رأس الردة وقتله، طبعاً بمشاركة بعض الصحابة، فكان يقول وحشي بن حرب رضي الله عنه: قتلت خيراً.

يقول: «وقتلت شر الناس بعد رسول الله ﷺ، أي بعد وفاة رسول الله ﷺ؛ هذا الذي يقصده، وقتلت شر الناس بعد وفاة رسول الله ﷺ وهو الكذاب». فكان يقول هذه بهذه والله يغفر. إذاً هذه قصة وحشي بن حرب، إذاً الذي أمره بقتل حمزة، لأن هناك بعض الأخطاء التاريخية عند بعض المعاصرين وأحياناً بعض الأفلام التي ترسم سيرة النبي ﷺ تخطئ في عرض أحداث السيرة، الذي أمر وحشياً بن حرب بأن يقتل حمزة بن عبد المطلب ليست هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان كما يصور لكم؛ الذي أمر وحشياً بقتل حمزة بن عبد المطلب هو جبير بن مطعم.

الآن هل هند بنت عتبة أكلت من كبد حمزة بن عبد المطلب بعد استشهاده؟ روي هذا في كتب التاريخ حقيقة عند ابن إسحاق وغيره، لكن الروايات والأسانيد المتعلقة بأن هنداً أكلت كبد حمزة بن عبد المطلب ضعيفة، كلها ضعيفة ولا يوجد شيء ثابت يؤكد هذا الأمر. لكنه يروى في كتب التاريخ، يروى أن هنداً أكلت من كبد حمزة بن عبد المطلب فلاكتها فلم تستطع، وأن النبي ﷺ لما علم ذلك قال: «إن الله لا يدخل شيئاً من حمزة النار» إلى آخر القصة، لكن كما قلت لكم هذه قصة أكل هند بنت عتبة من كبد حمزة لا يقوم لها إسناد ثابت، وإن كانت تروى في كتب التاريخ فالله أعلم بحالها. المهم هذه قصة استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، القائد الأسد الشجاع، فارس من فرسان المسلمين، خر صريعا وارتقى إلى ربه شهيداً بعد أن أبلى بلاءً حسناً، فرضي الله تعالى عنه.

الآن قصة أخرى، قصة رجل آخر خرج غريباً وعاش غريباً ومات فقيراً رضي الله تعالى عنه، مصعب بن عمير سفير الإسلام الأول، الذي أرسله النبي ﷺ مع الأنصار بعد بيعة العقبة الأولى ليدعوا الناس إلى الإسلام. مصعب بن عمير كان شاباً مترفاً من فتيان قريش، شاباً عطراً صاحب مال وصاحب دنيا، لما سمع بمحمد ﷺ وبدعوته في مكة قرر أن يدخل هذا الدين، فجرده أهله من كل الامتيازات ومن كل الأموال، فصار مسكيناً فقيراً لا يملك ثياباً يستر به عورته بالكاد. المهم مصعب بن عمير هذا الشاب صاحب العزيمة، صاحب الهدف، صاحب الطموح، وسفير الإسلام كما قلنا والذي أسلم على يديه كثير من الأنصار حينما أرسله النبي ﷺ إلى المدينة داعياً، كان حامل لواء المسلمين في غزوة أحد كما ذكرنا؛ لأنه كان من بني عبد الدار، وبقي حاملاً لهذا اللواء بشجاعة وبجرأة حتى خر صريعا رضي الله عنه في أرض المعركة.

قاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتى قتل، والذي قتله رجل يسمى ابن قميئة. مصعب بن عمير كان بينه وبين النبي ﷺ شبه كبير في المعالم، فابن قميئة لما قتل مصعب بن عمير ظن أنه قتل النبي ﷺ، فصرخ في المعركة: قتلت محمداً، قتلت محمداً، لكن في الحقيقة هو قتل مصعب بن عمير. قال: فقاتله وهو يظن أنه النبي ﷺ، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمداً. فلما قتل طبعاً قريش عرفت بعد ذلك أن النبي ﷺ لم يقتل، لكن هو كما قلنا صرخ في جيش المشركين إنني قتلت محمداً، وهو بالتالي يريد أن يرفع الروح المعنوية لكفار قريش.

الآن لما قتل مصعب بن عمير اللواء لم يسقط، مباشرة النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب أن يستلم لواء المسلمين، وقاتل علي بن أبي طالب عن هذا اللواء ودافع عنه مدافعة الرجال إلى آخر المعركة. لما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار، وأرسل رسول الله ﷺ إلى علي بن أبي طالب أن قدم الراية، فتقدم علي فقال: أنا أبو القثم؛ يعني النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب أن يتقدم بلواء المسلمين أمام الجيش، وعلي بن أبي طالب فارس الفرسان لا يهاب، فعلي بن أبي طالب مسك اللواء وتقدم وبدأ يقول: أنا أبو القثم؛ يعني أنا الذي أقسم رؤوس المشركين، من يبرز لي؟

فناده رجل من المشركين يسمى أبو سعد بن أبي طلحة، وكان هذا الرجل هو الآن يحمل لواء المشركين؛ لأنه حمزة بن عبد المطلب قتل مجموعة من حملة لواء المشركين حتى وصل اللواء إلى يد أبي سعد بن أبي طلحة. فقال أبو سعد ينادي على علي بن أبي طالب: هل لك يا أبا القثم في البراز من حاجة؟ يعني هل لك أن تبارزني؟ ألست أنت أبو القثم؟ فقال علي بن أبي طالب: نعم سأريك. فبرز بين الصفين، قال: فاختلفا ضربتين فضربه علي فصرعه؛ يعني كل واحد منهما ضرب الآخر، لكن ضربة أبي سعد لم تكن مؤثرة في علي، أما علي بن أبي طالب فضربته قاصمة، ضربه فصرعه في أرض المعركة، ثم انصرف عنه لكنه كما قال علماء السير لم يجهز عليه؛ يعني هو صرعه في الأرض وضربه ضربة مؤثرة لكنه لم يجهز عليه تماماً.

ما السبب؟ لما عاد علي بن أبي طالب إلى المسلمين قالوا له: لماذا لم تجهز عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته فعطفتني عنه الرحم، وعرفت أن الله عز وجل قد قتله. يعني يقول: أنا رأيته أصيب بجرح ثخين، لكنني لم أرد أن أجهز عليه مباشرة لأنني حينما ألقيته على الأرض انكشفت عورته، فتذكرت الرحم الذي بيني وبينه؛ لأنه كلهم في النهاية من قريش، فتركته وعرفت أن الله عز وجل سيقتله، وأن الرجل لن يطول بقاؤه لأن الضربة كانت ضربة قاتلة.

إذاً هذه قصة انتقال لواء المسلمين من مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه. طبعاً مصعب بن عمير أحبتي كما قلنا إنسان مات فقيراً رضي الله عنه، ولما تسمع قصة تكفينه، أنهم لما أرادوا أن يكفنوه بعد نهاية المعركة لم يجدوا شيئاً يكفنوه به إلا ثوب؛ إذا وضع على رأسه بدت قدماه، وإذا وضع على قدميه بدا رأسه. انظروا ذاك الشاب الذي ينتقل من العز والترف ويترك كل متاع الدنيا الزائل وكل هذه الملذات، ويبيع نفسه لله ولرسوله ويقتل شهيداً لا يجد الصحابة ما يكفنونه به، لكن أحسبهم الله حسيبهم؛ هؤلاء القوم عند الله سبحانه وتعالى الآن يتنعمون.

نعم أحبتي، كل متاع الحياة الدنيا، كل هذا النعيم لا قيمة له في مقابل ما أعده الله سبحانه وتعالى لعباده الأبرار الصادقين الشهداء من النعيم في جنات النعيم، وفي الفردوس الأعلى برفقة النبي ﷺ. هذه الحقيقة أدركها مصعب بن عمير، يعني هو الآن خير: إما أن تبقى في الترف وفي ملذات الحياة الدنيا وتعرض عن هذا الإسلام وتعيش في ملذاتك وشهواتك وأهوائك، وإما أن تنتقل إلى واحة محمد ﷺ على ما فيها من الآلام والصعوبات وعوائق الطريق، لكنها في النهاية طريق تشعرك بسعادة القلب في الحياة الدنيا، وتوصلك إلى الله عز وجل في جنات النعيم. فمصعب بن عمير بعقله الراجح اختار النعيم الدائم عند الله سبحانه وتعالى على هذه اللذة العابرة التي سرعان ما تنتهي في هذه الحياة الدنيا، فرحمة الله على مصعب بن عمير وعلى كل الصحابة الكرام الذين دافعوا عن هذا الدين.

أيضاً من الصحابة الذين أبلوا بلاءً حسناً في هذه المعركة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح؛ عاصم بن ثابت قتل رجلين أخوين، قتل مسافع بن طلحة وأخوه الجلاس بن طلحة، كيف قتلهما؟ كان يرمي كل واحد منهما بسهم فيقع في رأسه. أولاً رمى عاصم بن ثابت مسافعاً بسهم فأشعره به؛ يعني أصابه ضربة قاتلة، فأتى مسافع إلى أمه، أم مسافع وهي سلافة، وسلافة اسم من أسماء الخمر على فكرة، المهم مسافع لما أصابه سهم عاصم بن ثابت طبعاً لم يمت في أرض المعركة مباشرة، عاد إلى أمه، أمه كانت في مؤخرة الجيش، فوضع رأسه في حجرها، فأمه تقول له: يا بني من أصابك؟ من فعل بك هذا؟ فقال وهو في اللحظات الأخيرة والأنفاس الأخيرة: سمعت رجلاً حين رماني بالسهم يقول: خذها وأنا ابن أبي الأقلح، ثم مات مسافع.

بعد قليل إذا بعاصم بن ثابت يرمي سهماً آخر فيقع في شقيقه وهو الجلاس بن طلحة، فالجلاس بن طلحة يأتي إلى أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها، فتقول له: يا بني من فعل بك هذا؟ فيقول: سمعت رجلاً يقول: خذها وأنا ابن أبي الأقلح، ثم يموت. فلما مات ابناها في المعركة سلافة حقدت على عاصم بن ثابت، يعني تتبعت من هو ابن الأقلح حتى عرفت من هو أنه عاصم بن ثابت، فنذرت هذه المرأة نذراً أن تشرب الخمر في رأس عاصم بن ثابت، انظر النذر، نذر شرس ويدل على مدى الحقد والغيظ الذي ملأ قلبها، نذرت أن تشرب الخمر في رأس عاصم بن ثابت. طبعاً هذا النذر سيأتي معنا أهميته في واقعة بعد قليل. المهم حفظنا هذه الواقعة، إذاً عاصم بن ثابت قتل مسافعاً والجلاس، فنذرت أمهما سلافة أن تشرب الخمر في رأس عاصم بن ثابت، انظروا الجرأة على الله سبحانه وتعالى، انظروا شدة الفجور من هذه المرأة في هذا النذر.

من المشاهد الأخرى في هذه المعركة غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر؛ حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة الذي كان عريساً، وحينما سمع منادي الجهاد ينادي للنفير العام وللخروج مع النبي ﷺ في غزوة أحد، وقد كان مع امرأته، ترك امرأته وعروسه وحمل سيفه وذهب ليقاتل دفاعاً عن هذا الدين. حنظلة بن أبي عامر مثال على المسلم الذي يقدم كل شهوات الحياة الدنيا أيضاً من أجل الله ورسوله، وهذا حنظلة ومصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب وطلحة وأبو دجانة، كل هذه الأسماء الكبرى سطرت بدمائها ملاحم عظمى؛ تركت الدنيا وراءها وذهبت لتضحي بأرواحها ودمائها دفاعاً عن هذا الدين، ليصل هذا الدين لنا غضاً طرياً على المحجة البيضاء التي تركنا النبي ﷺ عليها.

ليأتي اليوم إلى شباب المسلمين، فإذا شباب المسلمين غارقون في أهوائهم وشهواتهم، يتنكبون عن درب الاستقامة، تغريهم ملذات الحياة الدنيا وشهواتها، لا يجدون في أنفسهم احتراقاً على هذا الدين وحرصاً على تعلمه وعلى الدفاع عنه وعن إقامة شعائره. هذا هو الفرق بيننا وبينهم أحبتي، الصحابة هجروا كل ملذات الحياة الدنيا وقدموا أرواحهم دفاعاً عن محمد ﷺ وعن هذه الدعوة المباركة، ونحن ماذا قدمنا لهذا الدين؟ هل طلبت علماً؟ هل ثابرت على صلاة الجماعة؟ هل قبضت على الجمر وثبت على طريق الاستقامة؟ هل تحافظ على السنن الرواتب؟ هل تحافظ على أخلاق وشمائل محمد عليه الصلاة والسلام؟ هل قرأت سيرته بأبي هو وأمي؟

نعم أحبتي هنا المفصل، هنا الحب، هنا الفداء، هنا الطاعة، هنا الاتباع، هنا التعلق يظهر. أما أن تجد مسلماً يعيش في هذه الحياة الدنيا من دون أي أهداف، من دون أي طموح، فقط ليلبي الشهوات والأهواء والملذات، ما هو مدى ارتباطك بالنبي العظيم وبهذا الدين؟ هي أسئلة ينبغي أن تكون حاضرة لدينا ونحن نقرأ سيرة هؤلاء الأبطال، وكيف قدموا كل شيء يملكونه من أجل لا إله إلا الله. حنظلة بن أبي عامر أحبتي خرج من بيته وقد كان مع عرسه، خرج إلى المعركة حينما سمع المنادي ينادي: يا خيل الله اركبي، فركب خيله وأخذ سلاحه وانطلق مجاهداً في سبيل الله، خرج من بيته قبل أن يغتسل من الجنابة.

وهو في المعركة لقي أبا سفيان بن حرب، فذهب إليه حنظلة يريد أن يقتله، واستطاع منه، يعني حنظلة تمكن من أبي سفيان واستعلى عليه ووضع سيفه ليقتله، إذا برجل من المشركين يسمى شداد بن الأسود يأتي من خلف حنظلة بن أبي عامر فيضربه بالسيف يقتله. هذه اللحظة المحزنة، شداد بن الأسود رأى حنظلة بن أبي عامر قد علا على أبي سفيان يريد أن يقتله، فاستطاع شداد أن يدرك أبا سفيان في اللحظات الأخيرة، وضرب حنظلة بن أبي عامر ضربة أردته صريعا رضي الله تعالى عنه. وقال النبي ﷺ للصحابة: «إن صاحبكم -يعني حنظلة- لتغسله الملائكة»، فسألوا أهله: ما شأنه؟ لماذا الملائكة تغسل حنظلة؟ فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتف. انظروا هؤلاء الأبطال، يستعجلون للدفاع عن هذا الدين، ما عنده وقت حتى يغتسل من الجنابة، سمع المنادي ينادي لنصرة هذا الدين فهب ليدافع عن هذا الدين بروحه، وفعلاً خر شهيداً رضي الله تعالى عنه في المعركة.

قال ابن هشام: ثم أنزل الله نصره ووعد المسلمين وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكادت أن تقترب الهزيمة بالمشركين. الآن إذاً كل ما ذكرناه سابقاً من مقتل حمزة بن عبد المطلب، من مقتل مصعب بن عمير، من مقتل حنظلة بن أبي عامر، هذا كله كان في بداية المعركة والمسلمون في خضم تقدمهم.

فسقط مجموعة من الشهداء الكبار، لكن المسلمين يتقدمون وقد أثخنوا في كفار قريش، وقتلوا منهم عدة رجالات. بدأت الروح المعنوية عند كفار قريش تنهزم، والمسلمون يتقدمون وبدؤوا يأخذون الغنائم، ويقعون في من يهرب الآن من كفار قريش؛ فبدت بوادر الانتصار، والمسلمون كما قلنا الآن يلحقون بكفار قريش. بدأ كفار قريش يهربون ويغادرون أرض المعركة، لكن في هذه اللحظة وقع الخطأ التاريخي، وقع الخطأ التاريخي الذي غير مسار المعركة تماماً. ماذا حدث؟

ابن هشام يصور لنا ماذا حدث؛ الزبير بن العوام يقول: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدمي هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات، هند بنت عتبة ومن معها من نساء المشركين بدأن بالهروب أيضاً، وقال: انظر إلى أقدامهن وإلى الزينة في أقدامهن وهن يهربن. كل واحدة شمرت عن أقدامها وتريد أن تلحق بمكة قبل أن يلحقها الصحابة ويأخذوه، قال: ما دون أخذهن قليل ولا كثير.

إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل. الزبير بن العوام وكان من مشهدي هذه المعركة يخبرنا عن الخطأ التاريخي. نحن قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن جبير رئيس الرماة: إياك أن تغادر أنت ومن معك هذا الجبل حتى رأيتنا انتصرنا أو رأيتنا تتخطفنا الطير؛ لا تغادر موقعك مهما كانت النتيجة. الآن لما الرماة رأوا أن الكفار بدؤوا ينهزمون، والصحابة بدؤوا يأخذون الغنائم ويجمعونها، الرماة بدؤوا يتضاضعون وقالوا لعبدالله بن جبير: لماذا نبقى في مكاننا؟ دعنا ننزل، خلص انتهت المعركة يا عبد الله، ودعنا ننزل حتى ندرك نصيبنا من الغنائم. انظروا في هذه اللحظة التي دخلت فيها الدنيا جاءت الهزيمة.

في اللحظة التي دخلت فيها الدنيا واسمعوا هذا الكلام، جاءت الهزيمة. طبعاً عبدالله بن جبير سمع أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: يا قوم، النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نثبت في أماكننا، لا يجوز أن نخالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا: يا عبدالله خلص انتهت المعركة وما عاد في قتال، وهؤلاء المشركون يفرون، إذاً لماذا نبقى؟ فأكثرهم لم يسمع الأوامر، وخالفوا عبدالله بن جبير، لكن عبدالله رضي الله عنه سيدنا عبدالله بن جبير بقي ملتزماً بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ثلة من الرماة، وأما أكثر الرماة فنزلوا ليجمعوا الغنائم مع الصحابة.

في هذه اللحظة انكشفت ظهور المسلمين من الخلف. من الذي كان يرقب الموضوع؟ وانتبه لهذه القضية خالد بن الوليد الذي كان قائد الميمنة في جيش المشركين يومئذ. خالد بن الوليد راقب الموقف من بعيد وهو يرى هو ومن معه من المشركين بدؤوا يفرون، لكنه اقتنص الموقف من بعيد واقتنص المشهد، رأى أن الرماة نزلوا عن جبل الرماة؛ فنزلوا عن الجبل، فأخذ معه ثلة من فرسان المشركين وأعاد الكرة، لكنه التف لما رأى الجبل خالياً الآن من الرماة، أخذ معه فرساناً من المشركين والتف على المسلمين من ورائهم، فجاءهم من الخلف.

الآن المسلمون ما كانوا يتوقعون أن هناك أحداً سيهاجمهم من الخلف؛ خلاص رأوا كفار قريش الآن أمامهم وهم يهربون والنساء يهربن، فبدأ الصحابة يجمعون الغنائم. وفي تلك اللحظة وعلى حين غفلة إذا بخالد بن الوليد يلتف، وبدأ المسلمون يشعرون أنه قتل يحدث من ورائهم، التفتوا فإذا خالد بن الوليد ومعه مجموعة من فرسان قريش يدخلون في المسلمين قتلاً.

فأدرك الرماة الخطأ التاريخي الذي وقعوا به. طبعاً خالد بن الوليد كان قد صعد على الجبل وأجهز على عبدالله بن جبير ومن بقي معه من الصحابة، ونزل وبدأ يفتك بالمسلمين من الخلف، فهذا أدى إلى إرباك في صف المسلمين، واختلط المسلمون بعضهم ببعض، حتى إن المسلمين أصبحوا يضربون بعضهم بعضاً بالسيف من حيث لا يدري. كل واحد الآن في لحظة البلبلة، لحظة ما عاد يعرف من أين يضرب وكيف يضرب ومن أين يضرب، الكل يضرب يميناً وشمالاً حتى قتل بعض الصحابة على أيدي البعض، مثل والد حذيفة بن اليماني رضي الله عنه كان رجلاً كبيراً، فاعتمدت فيه سيوف المسلمين يوم أحد وهم لا يعرفونه، لكن البلبلة التي حدثت كانت سبباً في تخلخل صفوف المسلمين للأسف.

وإذا كما قلنا بدأ خالد بن الوليد وبدأ من معه من المشركين يدخلون في المسلمين من ورائهم، وصرخ صارخ من المشركين: ألا إن محمداً قد قتل. فهنا بدأت الروح المعنوية للصحابة تهبط، اختلفت الموازين بعد أن كنا في انتصار وتقدم، الآن أصبحنا في تراجع، الروح المعنوية بدأت تتزعزع، كثر القتل في الصحابة الكرام، صرخ صارخ أن محمداً صلى الله عليه وسلم قتل، بدأت الروح المعنوية تهبط، حتى إن بعض الصحابة قرر أن يعود إلى المدينة، يترك المعركة، بعض الصحابة الأفاضل قرر أن يترك المعركة، شعر أن الهزيمة اقتربت فقرر أن يترك المعركة في لحظة ضعف بشري، قرر أن يعود إلى المدينة.

وفي هذه اللحظات برزت البطولات وظهرت الملاحم، وجاء فرسان الإسلام ليسطروا أروع القصص في الدفاع عن محمد صلى الله عليه وسلم والفداء له بكل ما يملكون. انظروا في هذه المشاهد التي نقصها: صرخ صارخ من المشركين: ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأنا أي عدنا إلى الخلف، وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى يدنو منه واحد من القوم ولم يزل صريعاً حتى أخذته عمرة بنت علقمة. يعني الزبير يقول: مع أننا وصلنا إلى مشوار كبير في المعركة واستطعنا أن نقتل لواء المشركين وبقي مطروحاً على الأرض، يعني خلصنا على كل الذين يحملون لواء المشركين، ولواء المشركين الآن ساقط على الأرض، واقتربنا، ما بيننا وبينه إلا رمية حجر، فإذا الأمور تنقلب الآن، والمشركون يهاجموننا من ورائنا.

المشركون حينما رأوا خالد بن الوليد، الآن هناك مشركون يفرون، وخالد بن الوليد استطاع أن يأتي من الخلف وبدأ الضرب في المسلمين من الخلف، الآن المشركون الذين يهربون سمعوا صوت الصراخ والجلبة، فالتفوا فرأوا خالد بن الوليد استطاع أن يخادع المسلمين، فعاد المشركون من الجهة المقابلة، عادوا مرة أخرى. فالآن أصبح المسلمون من الخلف يقتل فيهم خالد بن الوليد، ومن الأمام عاد إليهم أبو سفيان ومن معه من المشركين، فأصبح المسلمون الآن محصورين، خالد بن الوليد هنا وأبو سفيان هنا، والقتل يعمل فيهم، وعاد لواء المشركين ليرتفع؛ من رفعته؟ امرأة، يقول الزبير: أخذته عمرة بنت علقمة فرفعته لقريش، ثم التف المشركون مرة أخرى وحاصروا المسلمين من الخلف ومن الأمام، وقلنا بدأ القتل يفشو في المسلمين وانقلبت الموازين، انكشف المسلمون وأصاب فيهم العدو، وكان يوماً بلاء وتمحيص، نعم هنا جاء البلاء والتمحيص لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

يقول ابن هشام: وأكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعلاً صفوف المسلمين تكشفت تماماً، المشركون استطاعوا أن يصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب بالحجارة حتى وقع، أصيبت رباعيته صلى الله عليه وسلم، طبعاً الرباعية هي السن التي بجوار الناب، أصيبت رباعيته، شج في وجهه، كلمت شفتاه، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص -أخو سعد بن أبي وقاص- لكن عتبة كما يجوز المشركين. قال: فجعل الدم يسيل على وجهه صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم أكرم خلق على الله أحبتي سال الدم على وجهه نتيجة هذا الخطأ التاريخي الذي ارتكبه الرماة، وهذا بلاء.

إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبتلى وتسيل الدماء على وجهه ويرمى بالحجارة ويثبت ويقاتل ويصبر، ألسنا نحن أحبتي أيضاً يلزمنا أن نثبت في سبيل الدعوة إلى الله، وأن نتحمل وأن نصابر وأن نجاهد وأن نكافح دفاعاً عن هذا الدين وعن حرماته؟ إذا كان أكرم الخلق على الله يصاب بكل هذا البلاء الشديد، وفي كل مرحلة من مراحل حياته هناك بلاء تلو بلاء وهو أكرم الخلق على الله، فكيف لا نبتلى نحن؟ بعض الناس يظن أنه يجب أن يدعو إلى الله بشرط السلامة؛ ألا يصاب ولا يؤذى ولا أحد يتكلم معه، فإن أصيب في شيء في ماله أو اعتدي عليه في سبيل الله ترك طريق الدعوة وقال: أنا لا أريد الدعوة إلى الله، ما دام والله الطريق فيها مخاطر وفيها مشاكل، إذاً أنا أريد السلامة.

وهذا لم يعرف منهج محمد صلى الله عليه وسلم، طريق أصحاب الدعوات طريق مليء بالمتاعب والمشاق، هناك دماء، هناك أشلاء، هناك سجون، هناك مكافحة ومناضلة، صبر، جوع، فقر، ولكن النهاية أحبتي عند الله سبحانه وتعالى في جنات الفردوس. فالصحابة الذي كان يصبرهم وعد النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن الله عز وجل سيكرمهم بنعيم لا يزول وبمجاورة لحبيبه صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: 111].

إذاً النبي صلى الله عليه وسلم أصيب في غزوة أحد بكل هذه الإصابات، وجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم». يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول: كيف يفلح هؤلاء المشركون الذين أسألوا الدم عن وجه نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالله سبحانه وتعالى أنزل على نبيه، انظروا التأديب الرباني والتوجيه المستمر من الله سبحانه وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام في كل خطبة.

الله عز وجل ماذا قال لنبيه؟ قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128]. يا محمد، ليس لك من الأمر شيء، لا تقل يا محمد كيف يفلح هؤلاء أو لا يفلحون، هذا أمر إلى الله. انظروا محمد صلى الله عليه وسلم الله عز وجل يرشده هذا الإرشاد، يعني يا محمد صلى الله عليه وسلم أنت ومن معك عليكم أن تقاتلوا وأن تبذلوا الأسباب ضد هؤلاء، لكن هل هؤلاء المشركون يمكن أن يسلموا بعد ذلك ويكونوا فرساناً ويغفر الله لهم؟ هذا أمر الله سبحانه وتعالى، هذا الذي حدث، أكثر هؤلاء الذين أثخنوا في المسلمين في غزوة أحد أكثرهم أسلم بعد ذلك: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وكل هؤلاء الصناديد أصبحوا بعد ذلك فرساناً للإسلام.

وهذه رسالة من الله سبحانه وتعالى لكم، أنه يا أحبتي نحن ندعو لهذا الدين، وحتى لو واجهنا من واجهنا وحاربنا من حاربنا في النهاية، هؤلاء الذين نواجههم ونحاربهم ونكافح ونحمي الدين من شرورهم، هل يمكن أن يمن الله عز وجل عليهم بالهداية ويلحقوا؟ يمكن، فليس لنا من الأمر شيء، ليس لنا من الأمر شيء، الهداية بيد الله سبحانه وتعالى، وليس لأحد من المسلمين ومن البشر أن يدخل الناس في الجنة وفي النار وأن يحكم عليهم، النهايات عند الله سبحانه وتعالى. ونحن لنا أن نتعامل بالأسباب الشرعية، أن نكافح ونصابر ونثبت ونواجه كل إنسان يعادي هذا الدين، أما هذا الإنسان يختم له بالإسلام أو يختم له بالكفر، هذا علمه عند الله سبحانه وتعالى.

إذاً استمرت المعركة؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن عتبة بن أبي وقاص رمى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى، وأن عبدالله بن شهاب شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته. يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان لابساً مثل المغفر -شيء من الحديد يوضع على الرأس ليحمي المقاتل- أطراف الحديد التي كانت جهة خدود النبي صلى الله عليه وسلم دخلت في خده عليه الصلاة والسلام. كما قلنا المغفر خوذة توضع على رأس المقاتل وفي أسفلها حديد لهذه المنطقة، مع الحر ومع المعركة رماه أحد المشركين فدخلت حلقتا المغفر في وجنة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مؤلم جداً، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته.

ووقع صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، يعني في رجل من المشركين اسمه أبو عامر كان يحفر حفراً ومصايد حتى يقع المسلمون في هذه الحفر أثناء المعركة مثل مصيدة، فالنبي صلى الله عليه وسلم وقع في حفرة من هذه الحفر وهم لا يعلمون، فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه طلحة بن عبيد الله من هذه الحفرة حتى استوى قائماً، وجاء مالك بن سنان -مالك بن سنان هو والد أبي سعيد الخدري- أتى ومص الدم عن وجنتي النبي صلى الله عليه وسلم بفمه ثم ازدرده، يعني كان يمص الدم ويبلعه، يمص الدم عن وجنتي النبي صلى الله عليه وسلم ويبلعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مس دمي دمه، لم تصبه النار»، فكانت هذه بشارة لمالك بن سنان رضي الله عنه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غشيه القوم: «من رجل يشتري لنا نفسه؟». الآن كما قلنا بدأ الحصار يشتد أكثر على النبي صلى الله عليه وسلم، المشركون كانوا يريدون قتله.

يتقصدون قتله ليوم المعركة وينهوا هذه الدعوة، فاشتد الحصار على النبي صلى الله عليه وسلم واشتد الخناق عليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم نادى في رجاله: «من رجل يشتري لنا نفسه؟»، من الذي يبيع نفسه للدفاع عن هذا الدين؟ فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الأنصار. زياد بن السكن مع خمسة من الأنصار قاموا، فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً ثم رجلاً يقتلون دونه. كل واحد يقوم يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم فيُقتل، ثم يأتي الثاني فيُقتل، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم الخامس، حتى استشهدوا جميعاً، وكان آخرهم زياد استشهد رضي الله تعالى عنه.

ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه؛ يعني طائفة من المسلمين انتبهوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يُكشف، فعادوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصدوا عنه المشركين. الآن لما قُتل زياد بن السكن، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أدنوه مني»؛ أي قربوا زياد بن السكن مني، فأدنوه منه فوسده قدمه صلى الله عليه وسلم، فمات وخده على قدم النبي صلى الله عليه وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يكرم زياد بن السكن كرامة لدفاعه عن النبي صلى الله عليه وسلم للحظات الأخيرة، فمات على قدم النبي عليه الصلاة والسلام.

وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه. كما قلت لكم، الأحداث مفعمة، والمعركة شرسة، والآن انكشف المسلمون، مرحلة الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم لا نملك الآن إلا الدفاع عنه عليه الصلاة والسلام. فأصبح الأبطال يتسابقون في بذل أرواحهم ومهجهم وأجسادهم دفاعاً عن محمد صلى الله عليه وسلم. أبو دجانة صاحب العصابة الحمراء مباشرة ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل نفسه كالترس يتلقى السهام في ظهره دفاعاً عن حبيبه صلوات ربي وسلامه عليه. كان النبل يقع في ظهره وهو منحني عليه، صنع نفسه ترساً فوق النبي صلى الله عليه وسلم حتى كثر فيه النبل لكنه لم يمت.

سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وهو أحد فرسان المسلمين وكان رامياً ماهراً، أخذ يأخذ السهام سهماً بعد سهم ويلقي ويصيب بها كفار قريش، والنبي صلى الله عليه وسلم يناوله السهام ويقول: «ارمِ يا سعد، فداك أبي وأمي»، وسعد يرمي ويصيب.

كان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس: قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كعب بن مالك. فقال: عيناه تزهران من تحت المغفر، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنصت. كعب بن مالك يقول لنا أي أنه كان أول شخص عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال حياً. ألم نقل إن كفار قريش أعطوا شائعة ونشروها أن محمداً صلى الله عليه وسلم قُتل، وانهارت الروح المعنوية عند المسلمين؟ من الذي أول شخص عرف أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يُقتل؟ سيدنا كعب بن مالك، وهو أحد الثلاثة الذين خُلفوا في غزوة تبوك كما سيأتي ذكره بإذن الله. كعب بن مالك قال: رأيت عيني النبي صلى الله عليه وسلم تزهران ورأيت عليه المغفر فعرفته، فصرخت في المسلمين: النبي صلى الله عليه وسلم حي، النبي عليه الصلاة والسلام لم يُقتل. فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار لكعب بن مالك أن اصمت، لا ترفع صوتك لأنه لا يريد كفار قريش أن يعرفوا به؛ يعني كفار قريش ظنوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم فعلاً قد قُتل وما زالت الأنباء عندهم متضاربة، هل قُتل فعلاً أم لم يُقتل فعلاً؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك: اصمت لا تتكلم أني حي، حتى لا يعود إلينا المشركون مرة أخرى.

لما عرف المسلمون -طبعاً كعب بن مالك ما انتظر إذا الخبر ينتشر- لما عرف المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال حياً نهضوا إليه، واستمروا معه حتى وصلوا إلى الشعب في مكان ضيق في جبال أحد. وارتفع مع النبي صلى الله عليه وسلم وحام حوله مجموعة من الصحابة الكرام منهم أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، الحارث بن الصمة، سعد بن أبي وقاص، أبو دجانة، فرسان عظام من فرسان المسلمين التفوا حول النبي صلى الله عليه وسلم ليدافعوا عنه.

الآن لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أي محمد لا نجوت إن نجوت. أبي بن خلف رجل من المشركين كان مصمماً أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فأصبح يلحق النبي عليه الصلاة والسلام، عرف أن النبي عليه الصلاة والسلام ما زال حياً فأصبح يلحقه يريد أن يقتله ويقول: يا محمد لا نجوت إن نجوت. فقال الصحابة الذين حول النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله دعنا نقتل هذا الرجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم بشجاعته قال: «دعوه». فلما دنا أبي بن خلف من النبي صلى الله عليه وسلم تناول النبي صلى الله عليه وسلم حربة من الحارث بن الصمة، أحد الصحابة الكرام. فلما تناول النبي صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، يقول بعض القوم فيما ذُكر لي: فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض بها. يعني يُخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم تناول الحربة ووقف ووثب وثبة الرجال الأشاوس، يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان رجلاً شجاعاً محارباً مقداماً، لم يكن يخشى ولم يكن يهاب ولم يفر من معركة، كان هو الذي يثبت في المعارك ويثبت من حوله، والصحابة يفدونه بأرواحهم لكنه كان شجاعاً صلوات ربي وسلامه عليه. لما دنا أبي بن خلف ما قال للصحابة أبعدوه عني واقتلوه، قال: «أعطوني الحربة»، فمسك النبي صلى الله عليه وسلم الحربة ووثب بها وثبة الرجال حتى الصحابة اندهشوا من هذه الوثبة المغوارة منه صلى الله عليه وسلم، ورمى النبي صلى الله عليه وسلم بها أبي بن خلف، رماه بها وأصابه في عنقه، لكن لم تكن الضربة قاتلة ابتداءً.

أبي بن خلف لما أُصيب بهذه الضربة من النبي صلى الله عليه وسلم خرَّ من الخوف وعاد إلى كفار قريش يصرخ: قتلني محمد، قتلني محمد. فكفار قريش نظروا إلى أبي بن خلف، قالوا: يا أبي إنه لجرح خفيف؛ يعني صحيح أصابك محمد صلى الله عليه وسلم بالحربة لكن ليس بذاك الجرح. فقال: والله قد دعا عليَّ في مكة وأخبرني أني سأُقتل، فوالله لو بصق عليَّ لقتلني. ومن شدة الخوف وهو عائد في نهاية المعركة إلى مكة مات في الطريق، مات في الطريق بشدة خوفه؛ كانوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا وإذا وعد صادق. حتى كفار قريش! أبي بن خلف يلقى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة فيقول: يا محمد إن عندي العود فرساً أعلفه كل يوم فرقاً من ذرة لأقتلك عليه؛ يعني لما كان المسلمون في مكة والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة، كان أبي بن خلف يلقى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا محمد عندي فرس أنا أعلفه كل يوم فرقاً من ذرة لأني سأقتلك عليه في يوم من الأيام، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي بن خلف بمعنى: ارتح، بل أنا سأقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش وقد خدشه النبي صلى الله عليه وسلم في عنقه خدشاً غير كبير فاحتقن الدم، فقال أبي: قتلني محمد، قتلني محمد، قال له: ذهب والله فؤادك، والله إن بك من بأس؛ يعني ليس بذاك الجرح العميق. فقال: إنه قد قال لي في مكة أنا أقتلك، فوالله لو بصق عليَّ لقتلني، فمات عدو الله وهو عائد إلى مكة، يعني ما استمر إلا وهو مقتول قبل أن يصل إلى مكة.

لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشعب كما قلنا، خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ دِرَقَته ماءً من المهراس، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشرب منه. طبعاً المهراس فيه نوع من الحجارة هذه الحجارة تكون فيها مياه، علي بن أبي طالب حتى يشرب النبي صلى الله عليه وسلم ماءً، النبي عطش. حتى يشرب النبي صلى الله عليه وسلم من الماء ذهب علي بن أبي طالب بذرعه، اذهب إلى هذا المهراس كما قلنا حجر كان محفوراً وهذه الحفرة فيها ماء، فأخذ ماء وأتى به النبي صلى الله عليه وسلم ليشربه. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما شم هذا الماء وجد له ريحاً، فهو لم يرد أن يشرب منه، لكنه استخدم هذا الدم في غسل وجهه، استخدم هذا الماء عفواً في غسل وجهه من الدماء، وصب على رأسه وهو يقول: «اشتد غضب الله على من دمَّى وجه نبيه».

نهض النبي صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان قد بَدَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي كان النبي صلى الله عليه وسلم كثر عليه اللحم. طبعاً أحبتي لما نتكلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة كم كان عمره؟ إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وصل إلى المدينة وعمره ثلاث وخمسون عاماً، إذاً هذه المعركة كان عمره صلى الله عليه وسلم خمسة وخمسين سنة. اليوم أحبتي إذا الشخص بلغ خمسة وخمسين عاماً يعتبر نفسه أصبح في سن التقاعد، وأن يجلس في بيته، وينتخب الحياة الدنيا ويذهب ويعود فقط في حاجاته الميسورة. النبي صلى الله عليه وسلم في الخمسة وخمسين كان فارساً شجاعاً ومجاهداً مقداماً يخوض المعارك، صلب حياة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من الثلاثة وخمسين للثلاثة وستين سطر فيها ملاحم بطولات، فاعتبروا يا أولي الأبصار. انظروا كيف الإنسان يقدم لهذا الدين إلى آخر لحظات، ما في شيء اسمه والله أنا كبرت في السن وانتهى حالي وعليَّ أن أجلس في بيتي وأتخذ صومعة وأتقرب إلى الله عز وجل فيها، ولا أدافع عن الناس وعن الحياة الدنيا، بل عليك أن تبقى مشاركاً في العمل الدعوي وفي الإصلاح وفي المنافحة عن هذا الدين إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى.

كان ممن قُتل في يوم أحد رجل يسمى مخيريق، لما كان يوم أحد كان مخيريق إنساناً شريفاً قال: يا معشر يهود، الآن هناك تحالف بين النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا وبين اليهود أنه إذا جاء عدو يريد أن يهجم على المدينة فعلى كل سكان المدينة أن يدافعوا عنها، أليست كانت هذه المعاهدة؟ أي شخص أتى قاصداً المدينة للحرب على كل سكان هذا المجتمع أن ينهضوا وأن يثبوا للدفاع عن المدينة، فمخيريق يقول لليهود: يا معشر اليهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق، أليس كان عهداً بيننا وبينه؟ هؤلاء كفار قريش أتوا قاصدين المدينة فبناءً على بنود المعاهدة علينا أن نفي بهذا العهد وأن ننصر محمداً صلى الله عليه وسلم. فقالوا لمخيريق: إن اليوم يوم السبت، فقال: لا سبت لكم، فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أُصبت في هذه المعركة فمالي لمحمد صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما شاء. ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قُتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مخيريق خير يهود».

كذلك من القصص الجميلة، كان أبو هريرة يقول: «حدثوني عن رجل دخل الجنة ولم يصلِّ قط»، من هو؟ قال: طبعاً هو بصيغة الاستفهام هو ليس حدثوني حدثوني، عن رجل دخل الجنة ولم يصلِّ قط، فالناس يسألونه من هو يا أبا هريرة؟ عرفتم ايش القصة؟ أبو هريرة بعد في الخلافة الراشدة كان جالساً مع ناس فقال لهم: حدثوني أخبروني عن رجل، مثل لغز. حدثوني عن رجل دخل الجنة ولم يصلِّ قط، الناس بدأوا يتحزرون من هو من هو؟ فأبو هريرة قال لهم: هو أصيرم بني عبد الأشهل، واسمه الحقيقي عمرو بن ثابت، فقال له رجل يسمى محمود بن أسد: كيف كان شأن الأصيرم يا أبا هريرة؟ طبعاً أبو هريرة لم يشهد هذه الواقعة لكن تلقاها عن الصحابة الذين شهدوها، فقال أبو هريرة: كان الأصيرم يأبى الإسلام على قومه، كان رجلاً معانداً لا يريد أن يسلم، رجل من أهالي المدينة يعني من الأوس والخزرج لكنه كان مشركاً ولا يريد أن يسلم. قال: فلما كان يوم أحد وخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى القتال بدا له الإسلام فأسلم، سبحان الله! جاءت الهداية من الله، في اليوم الذي خرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل كفار قريش في أحد بدا للأصيرم أن يسلم، فأسلم ثم أخذ سيفه فعاد حتى دخل في عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراح، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به. الآن الأصيرم كما قلنا أسلم ومباشرة حمل سيفه وإلى ساحة المعركة.

وفي ساحة المعركة أصابته جراح أثخنته وهو في الرمق الأخير. الآن الصحابة الذين كانوا من ديار بني عبد الأشهل وهم يلتمسون ويتفقدون موتاهم، إذا هم بالأصيرم، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم! ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، يعني تركناه وهو كافر في المدينة. ما الذي يفعله الآن وهو الأنصاري بين الصفين؟ فسألوه وهو في الرمق الأخير: ما جاء بك؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ يعني أتيت إلى هذه المعركة يا أصيرم فقط حمية لقومك؟ أم فعلاً كانت لك رغبة في الإسلام؟

فقال أصيرم رحمه الله عليه: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني. ثم لم يلبث أن مات بين أيديهم. فذكروه للنبي صلى الله عليه وسلم وذكروا شأنه له، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه من أهل الجنة».

قصة أخرى عمرو بن الجموح، أنا أعطيكم مشاهد كثيرة وكل مشهد فيه عبرة؛ يعني الأصيرم مثال على الإنسان الذي يتوب الله سبحانه وتعالى عليه في لحظة ويختم له بالخير. انظروا حسن الخاتمة، الرجل كان بينه وبين أجله ساعات فقط، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيسبق عليه الكتاب حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. أي والله، هذا ينطبق على الأصيرم؛ رجل كان مشركاً وما بينه وبين الموت وبعده جهنم إلا سويعات، الله سبحانه وتعالى لحكمة منه اجتبى هذا الرجل فأسلم الأصيرم في ساعات معدودة ومباشرة من دون أن يصلي، بشكل اللغز الذي طرحه أبو هريرة: رجل دخل الجنة من دون أن يصلي صلاة قط. الأصيرم أسلم ومباشرة إلى ساحة المعركة فقتل شهيداً صابراً محتسباً، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من أهل الجنة، انظروا السعادة كيف أتته في سويعات معدودة، أسأل الله أن يميتنا على هذا الدين.

عمرو بن الجموح مثال آخر للبطولة؛ رجل كبير أعرج شديد العرج، أبناؤه رفضوا أن يخرجوه معهم ابتداءً إلى غزوة أحد، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حزيناً يبكي له، فقال: يا رسول الله، يعني أتى يشكو أبناءه للنبي عليه الصلاة والسلام أن أبنائي لا يريدون أن يخرجوني معهم إلى هذه الغزوة، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى في هذا الشيخ هذا الحماس وهذه الحرقة على نصرة هذا الدين وطموحه للشهادة في سبيل الله، قال لأبنائه: دعوه. وفعلاً شارك عمرو بن الجموح في هذه المعركة وقتل شهيداً محتسباً عند الله سبحانه وتعالى.

الآن يخبر ابن هشام رحمه الله عليه بما وقع في نهاية المعركة، يقول في نهاية المعركة الآن خلاص، المشركون لما رأوا الملاحم والبطولات وأن الصحابة لن يتركوا محمداً صلى الله عليه وسلم إلى آخر لحظة، هابوا أن يستمروا في المعركة، لكنهم عادوا إلى القتلى الذين قتلوهم من المسلمين وبدأوا يمثلون بهم. فهند بنت عتبة والنسوة معها بدأن يمثلن بالقتلى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان موقفاً مؤلماً حقيقة، يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال ومن أنفهم خُدماً وقلائد. فالخُدم هي القلائد التي توضع في الأرجل تسمى خُدماً، ألم نقل قبل قليل إن الزبير قال: فرأيت خُدم هند بنت عتبة وصويحباتها وهن يفررن من المعركة؟ فمن شدة حقد هؤلاء النسوة على الصحابة الكرام، لأن الصحابة كما قلنا في بدر قتلوا آباءهم وإخوانهم، يعني هند بنت عتبة والدها عتبة الذي قتله أبو عبيدة، وأخوها شيبة بن عتبة، وعمها شيبة بن ربيعة أيضاً قتل، والوليد بن عتبة أخوها قتل، فكانت حاقدة جداً على المسلمين، فلما أتت إلى الغزوة ورأت المسلمين صرعى بدأت تمثل بهم، ثم أسلمت بعد ذلك رضي الله تعالى عنها، ولكن كما قلنا هذا كان حالها في الشرك، فاتخذت من آذان الرجال ومن أنوفهم خُدماً وقلائد، وأعطت خُدمها وقلائدها وقراطها لوحشي غلام جبير بن مطعم.

جاءت قصة هل بقروا بطن حمزة أم لا؟ نحن قلنا إن ابن هشام تبعاً لابن إسحاق ذكر أنها بقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تصيغها، لكن هذه الروايات كما قلنا ليست ثابتة بأسانيد تقوى وإن كانت تروى في كتب التاريخ.

انتهت المعركة وأسطر فيها الصحابة أروع البطولات، الآن المشهد الأخير بين المسلمين وبين المشركين، أن أبا سفيان وهو يريد أن ينتهي ويعود إلى مكة وقبل أن يغادر أرض المعركة نادى بصوت مرتفع: إن الحرب سجال، يوم بيوم، اعلُ هبل، اعلُ هبل. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا من أحد يجيبه؟» يعني يقول للصحابة: أجيبوا هذا الرجل، قم يا عمر فأجبه. فخرج عمر بن الخطاب فصرخ بصوت جهوري قال: الله أعلى وأجل، لا سواء يا أبا سفيان، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

فلما أجاب عمر أبا سفيان، قال له أبو سفيان: هلم إلي يا عمر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «انظر ماذا يريد منك». فجاءه عمر، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، هل قتلنا محمداً؟ أبو سفيان لم يكن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المشهد الآن، فظن أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل فأراد أن يستخبر، يا عمر هل قتلنا محمداً صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن. فقال له أبو سفيان: فأنت أصدق عندي يا عمر من ابن القامئة وأبر. ابن القامئة هو الذي صرخ كما قلنا: قتلت محمداً، قتلت محمداً. فأبو سفيان يقول لعمر: أنت أصدق عندي من ابن القامئة. ثم نادى أبو سفيان في المسلمين: إنه قد كان في قتلاكم مُثلة، يعني لقد مُثّل بقتلاكم، والله ما رضيت وما سخطت، وما نهيت وما أمرت. يعني هذه المُثلة أنا لم أسخط عنها، يعني لست مغضباً منها، لكني في نفس الوقت لست راضياً عنها، ولم آمر بها وفي نفس الوقت لم أنه عنها.

ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى بصوت عال: يا محمد، إن موعدكم بدر في العام القابل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «ردوا عليه، أي نعم، عام هو بيننا وبينك موعد». يعني أننا شجعان وفرسان، لا تظن أن إصابتنا هذه أثرت في روحنا المعنوية للقتال، سنقاتلكم بإذن الله في العام المقبل. ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: «يا علي، اخرج في آثار القوم، انظر هل أبو سفيان فعلاً ومن معه عادوا إلى مكة أم يريدون أن يهجموا على المدينة ويغيروا عليها، اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون. فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فعرفنا أنهم يريدون مكة، يعني إذا ركبوا على الإبل وتركوا الخيل جانباً عرفنا أنهم يريدون مكة، لأنه لو كانوا يريدون المدينة فسيركبون الخيل ليسرعوا، قال: وإن ركبوا الخيل وساقوا معهم الإبل فإنهم بالتأكيد يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها -انظروا الشجاعة- النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لئن أرادوها أي المدينة لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم».

انظر الروح المعنوية المرتفعة للنبي صلى الله عليه وسلم، على رغم الجراحات على رغم المصائب والبلاء الذي وقع للمسلمين في هذه المعركة، لكن كان القائد الأعلى يوجه المسلمين يرفع المعنويات يبعث الطموح للأنفاس الأخيرة، نحن نقاتل إلى آخر نفس. قال علي: فخرجت في آثارهم فرأيتهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فعرفت أنهم يريدون مكة. الآن عاد كفار قريش إلى مكة، وسنعرف هناك موقفاً حدث بعد ذلك وهي قصة حمراء الأسد المتعلقة بغزوة أحد، لكن بشكل عام انصرف المشركون عن أرض المعركة.

فبدأ يتفقد قتلاهم وجراحاتهم، النبي صلى الله عليه وسلم تذكر أحد أحبابه من الصحابة، تذكر سعد بن الربيع الصحابي العظيم الذي كان أخاً لعبد الرحمن بن عوف حينما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما كما ذكرنا في المجالس السابقة. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول للصحابة: «انظروا أين سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم الأموات؟». فقال رجل من الأنصار: أنا سأبحث عنه يا رسول الله، فبحث عنه فنظر فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق، يعني كان سعد بن الربيع يحتضر في الأنفاس الأخيرة. قلت له: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر وأن أبحث عنك، أأنت من الأحياء أم من الأموات؟ فقال له سعد بن الربيع وهو يلفظ أنفاسه: أنا في الأموات، يعني أنا الآن أودع هذه الحياة الدنيا.

فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام. لحظات مؤثرة جداً أحبتي، سعد بن الربيع يلفظ أنفاسه الأخيرة ويقول: أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته. انظروا إلى هذا الكلام الجميل الراقي الرائع المبهج، هذا الصحابي الجليل وهو يتلفظ أنفاسه الأخيرة يقول لهذا الرجل من الأنصار: اذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقل له جزاك الله عنا يا رسول الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ قومي السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم إنه لا عذر لكم عند الله إن خَلُص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف.

هذه الكلمات أحبتي كلمات عظيمة جداً وتخبرنا كيف كان القوم رضي الله تعالى عنهم، سعد بن الربيع وهو في الأنفاس الأخيرة يقول لقومه من الأنصار: ليس لكم عند الله عذر أن أصيب محمد صلى الله عليه وسلم وفيكم شخص قائم حي على هذه الأرض. رحمك الله يا سعد بن الربيع، ماذا نقول نحن عن أنفسنا؟ ماذا قدمنا دفاعاً عن محمد صلى الله عليه وسلم وعن دينه وعن عقيدته؟ إذا كنا نعجز عن مجرد أن نقف على سيرته صلى الله عليه وسلم وأن نتعلمها، نعجز أن نثابر على طلب العلم ومعرفة أخلاقه وشمائله، نعجز عن الدفاع عن دينه ورد الهجمات الشرسة على شخصه صلى الله عليه وسلم التي يشنها الملحدون والعلمانيون والحداثيون والتنويريون، ونفضل النوم والسكون والدعة على أن نبذل مهجنا وأرواحنا دفاعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وسنته.

سعد بن الربيع أحبتي يقول لكم: لا عذر لكم عند الله إذا خَلُص إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف. رحمك الله يا سعد بن الربيع ورضي الله عنك، فأنت سيد من سادات المسلمين، أنت مثال على المسلم الصادق الثابت على هذا الدين حتى وأنت تحتضر، حتى وأنت تلفظ الأنفاس، حتى وأنت تخرج روحك إلى الله سبحانه وتعالى. الناس اليوم في هذه اللحظات يكون شأنهم وحالهم كرب، وأنت في هذه اللحظات وقد أثخنت بالجراح توصل رسالة، بقيت رسالتك يا سعد بن الربيع حاضرة بين أيدينا، رسالة المؤمن الثابت الصادق، رسالة الرجل الشجاع والفارس المغوار، رسالة الثبات على الدين، رسالة الدفاع عن العقيدة، رسالة التضحية، رسالة من رجل عاش الإيمان حقيقة في آياته والله عز وجل ثبته في لحظات مماته ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27].

خرج النبي صلى الله عليه وسلم أحبتي يلتمس حمزة بن عبد المطلب، هنا بدأت المشاهد المؤلمة مشهداً بعد مشهد، فعلاً لحظات مؤلمة، النبي صلى الله عليه وسلم ذهب يبحث عن حبيبه وعن عمه حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومُثِّل به، وجُدع أنفه وجُدعت أذناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى ما رأى: «والله لئن أظهرني الله على قريش في موطن». النبي صلى الله عليه وسلم حزن جداً وتألم، موقف عمه الذي ناصره ووقف معه أجده بهذه الصورة من المُثلة، فحلف بالله يميناً: «لقيت قريشاً لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم». حلف يميناً لأن لقيت قريشاً لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم. فلما رأى المسلمون الحزن الذي ظهر على وجه النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدهر لنُمثِّلن بهم مُثلة لم يمثلها أحد من العرب، أرادوا أن يخففوا عن نبيهم وعن حبيبهم صلوات ربي وسلامه عليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم طبعاً بعد ذلك نزلت عليه آية ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126].

وكانت هذه الآية في قضية المُثلة، يعني إذا مُثِّل بكم فمثلوا كما مثل بكم لا تزيدوا عن ذلك، وإن صبرتم وعفوتم فهو الأفضل، هو الأفضل وهو الخلق الرفيع. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه الآية قال: «بل نعفو». ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المُثلة بعد ذلك، نهى أن يُمثّل بالأعداء. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحمزة الآن، يريد دفن حمزة، فسُجّي ببردة ثم أمر بالقتلى يوضعون إلى حمزة، وصف القتلى. والنبي صلى الله عليه وسلم طبعاً وقع خلاف بين رواة الحديث هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد أم لم يصلِّ عليهم؟ بعض الروايات تقول صلي عليهم، بعض الروايات تقول لم يصلِّ عليهم. هنا نشأ الخلاف الفقهي هل يُصلّى على الشهيد أم لا يُصلّى عليه؟ بسبب اختلاف الروايات: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد أم لم يصلِّ عليهم؟

حمزة بن عبد المطلب أيضاً لم يوجد له كفن واسع، فكانوا يضعون عليه بردة، إذا وضعت على رأسه بدت قدماه، وإذا وضعت على قدميه بدا رأسه. ودفن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولكثرة القتل الذي وقع في المعركة كان يدفن الاثنان والثلاثة من الصحابة في ثوب واحد وفي قبر واحد، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قدموا أكثرهم أخذاً للقرآن».

قبل أن يدفن النبي صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبد المطلب ويضعه في قبره، جاءت صفية بنت عبد المطلب، وهي عمة النبي صلى الله عليه وسلم وأخت حمزة. النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد أن ترى هذه المرأة ما وقع بأخيها وشقيقها من المُثلة، فلما جاءت صفية لتنظر إلى حمزة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: «لا تريها ما وقع بأخيها».

فأتى الزبير إلى أمه وقال لها: يا أماه، إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي. فقالت: ولما؟ ولقد بلغني أنه مُثِّل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك. انظروا الصبر والاحتساب! صفية تقول: أنا أعلم لماذا يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يردني، لأنه مُثِّل بأخي حمزة، ولكنني أرضى عن الله سبحانه وتعالى، وما أجمل هذا القضاء الذي يأتي به الله. انظروا الصبر والاحتساب والإيمان العالي، امرأة يُمثَّل بأخيها فتقول صابرة محتسبة: أنا أرضى بما جاء عن الله، وهذا قضاء الله وقدره، فدعوني أنظر إلى أخي وألقي عليه نظرة الوداع لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله.

عاد الزبير إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن المرأة تريد أن تلقي نظرة الوداع وهي صابرة محتسبة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذاً دعها تراه». فأتت صفية فنظرت إلى أخيها، وفعلاً ثبتت واحتسبت وصبرت واسترجعت. ثم دفن حمزة، ودفن كما قلنا من استشهد من المسلمين في هذه المعركة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، فدفن حمزة بن عبد المطلب مع عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنهما، كلاهما قتل في المعركة ودفنا في ثوب واحد.

ثم صرف النبي صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة بعد كل هذه الجراحات والآلام، وهو في الطريق لقيته حمنة بنت جحش، وهي أخت عبد الله بن جحش، فلما لقيت النبي صلى الله عليه وسلم نُعي إليها أولاً أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجعت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، وصارت تستغفر له. ثم نُعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجعت واستغفرت، ثم نُعي لها زوجها مصعب بن عمير، فهنا صاحت، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال كلمة طيبة: «إن زوج المرأة منها لمكان». المرأة قد تتصبر على فقد أخيها أو أبيها أو خالها، لكن فقد الزوج عليها صعب جداً.

انظروا مشهداً آخر للنساء الثابتات الصابرات؛ مر النبي صلى الله عليه وسلم بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، ومر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها في المعركة. فلما نُعوا لها، ماذا قالت؟ سألوها، فقالت: ماذا فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كان همها وعقلها في شخصه صلى الله عليه وسلم، أهم شيء النبي عليه الصلاة والسلام. انظروا التربية الإيمانية العالية! فقالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، هو قائم ولم يرد له سوء. فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل يا رسول الله. المراد بالجلل هنا الهينة الصغيرة، أي كل مصيبة بعدك تهون، أهم شيء أنك بخير.

انظروا أحبتي تلك التربية الإيمانية العالية، امرأة تفقد زوجها وأخاها وأباها، ويكون همها سلامة النبي صلى الله عليه وسلم فقط! أحدنا اليوم إذا أصيب بشيء في دينه أو دنياه ترك الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وعاد إلى شهواته وأهوائه. هذه امرأة فقدت أعز الناس عليها وهي الآن تقول: كل مصيبة بعدك جلل يا رسول الله. فرضي الله عن ذاك الجيل، والله إن الإنسان ليستحيي من نفسه ومن تقصيره مع ربه سبحانه وتعالى وهو ينظر في هؤلاء الأبطال، رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً، الكل كان يسطر أروع البطولات والفداء، ويظهرون الصبر والتجلد والاحتساب عند الله سبحانه وتعالى، والرضا بقضاء الله وقدره. قصص فعلاً كأنها الخيال، تروي لنا قصة حب عميق عاش في قلوبهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولربهم ولدينهم.

كانت غزوة أحد في يوم السبت للنصف من شوال، هذه الغزوة التي انتهت بكل ثقلها وبكل ما فيها من أفراح وأتراح ومن بطولات وفداء وتضحية. ثم وقعت بعدها واقعة متصلة بها وهي واقعة حمراء الأسد، لكن أظن أن الوقت أزف ولا يمكن أن أتكلم عن هذه الواقعة، وسأتكلم عنها إن شاء الله في المحاضرة القادمة هي وما بقي من السنة الثالثة من الهجرة. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرحم الصحابة الكرام، من قتل في غزوة أحد ومن قتل بعدها وقبلها، هؤلاء الذين دافعوا عن هذا الدين بأرواحهم وضربوا لنا أروع الأمثلة في التضحية والفداء. ونسأل الله العظيم أن نسير على نهجهم، وأن نحيا ونحن نقتبس من نورهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ونلتقي في مجلس آخر بإذن الله من مجالس العلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.