غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح الأرجوزة المائية للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. نروي الحب للنبي صلى الله عليه وسلم، ونلهج بذكره والصلاة عليه، ونتعرف على فصل جديد من هديه وأخلاقه وشمائله وسياسته ومنهجه في تغيير الواقع، وفي عقول الصحابة، في توجيههم وإرشادهم، وبيان مسالك النجاح والفلاح والصلاح في الدنيا وفي الآخرة.
فصلى الله على سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وندعو الله ونرجوه أن يجمعنا به، وأن يرزقنا شربة من يده الشريفة ومن حوضه الشريف، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
المحاضرة السابقة أحبتي وقفنا عند غزوة أحد إلى نهايتها، وعرفنا أن هذه الغزوة كانت في يوم السبت من منتصف شوال من العام الثالث من هجرة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه. وعرفنا نتيجة هذه المعركة أنها في نهايتها كانت مؤلمة كنتائج، وإن كانت مليئة بالفوائد. أكيد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أصيبوا بجراحات وآلام، وفقدنا من فقدنا من فرسان الإسلام، لكن مع ذلك كانت الفوائد جمة.
كانت الرسائل الإلهية واضحة أن النجاح والفلاح إنما يكون بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وبامتثال أوامره، وعدم الخروج عن منهجه. هذه النصيحة ليست فقط لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، بل للأمة إلى يوم القيامة، أننا إذا أردنا نجاحاً وتقدماً وانتصاراً، وأن يكون لهذا الإسلام صرح، لابد أن نمتثل أوامر النبي صلى الله عليه وسلم.
إياكم أن تظنوا أننا يمكننا أن نصنع صرحاً، وأن نبني حضارة، وأن نصنع عزا لأمتنا ونحن بعيدون عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نعصي النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن ندعو إلى مناهج مغايرة للمنهج النبوي في التغيير، ونحن نلتقط قيمنا ونلتقط تصوراتنا من أعدائنا، ومن مناهج فلسفة، ومن مناهج التغريب، ومن مناهج التحرير والتنوير. إذا أردنا أن نصنع شيئاً فعلينا أن نعلم أنه لابد وأن نلتزم بتعليِمات وإرشادات محمد صلى الله عليه وسلم.
الصحابة خالفوا النبي عليه الصلاة والسلام في جزئية؛ نزلوا عن الجبل، فانظروا كيف كانت النتيجة: هزيمة قتل فيها كثير من أشراف الصحابة، والنبي صلى الله عليه وسلم أصيب بجراحات عديدة. لذلك نحن أحبتي بهذا الخطأ المحدود وصلنا إلى هذه النتيجة، فكيف إذا كنا نخالف منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التغيير بالكلية؟ إذا كنا نخرج عن أوامره ونحاول دائماً أن نلتف وأن نخادع وأن نحتال وأن نقفز على الأوامر الشرعية من أجل أهوائنا ومن أجل ملذات الحياة الدنيا، بالله عليكم كيف سننتصر؟
إذاً هذه عبرة مهمة من غزوة أحد؛ أن الانتصار والفلاح والتقدم والإنجاز لهذه الأمة إنما يكون بالاتباع لا بالابتداع، يكون اقتداء لا بالأهواء، يكون بالأخذ من منهج محمد صلى الله عليه وسلم، وترك المناهج المشبوهة، وألا نستعير منهجا مغايرا وفلسفة مجانبة لنهج النبي صلى الله عليه وسلم ونحاول أن نأخذ منها الأفكار والتصورات. إذاً كما قلنا في يوم السبت الخامس عشر من شهر شوال انتهت هذه الغزوة بكل ما وقع فيها. لكن في الحقيقة بقي هناك جزء أخير من هذه الغزوة، بقي هناك ملحق من هذه الغزوة سنأخذه اليوم بإذن الله.
ما هو الملحق؟ في اليوم التالي من الغزوة حدث حدث مهم، وهي غزوة سريعة تابعة لغزوة أحد تسمى غزوة حمراء الأسد. ما قصة هذه الغزوة؟ دعونا نتابع مع ابن هشام هذه الأحداث. يقول ابن هشام رحمة الله عليه: لما كان الغد من يوم أحد وهو يوم الأحد، يعني يوم الأحد السادس عشر من شهر شوال، أذن مؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بأن اخرجوا لطلب العدو.
النبي عليه الصلاة والسلام عاد إلى المدينة بعد غزوة أحد، لكن في اليوم الثاني مباشرة أعاد النفير مرة أخرى، وطلب من أصحابه أن يستعدوا لملاحقة جيش أبي سفيان، حتى يظهر لكفار مكة أن كل ما أصابنا من جراحات يا أبا سفيان ويا أهل مكة لم يضعفنا ولم نستكن، بل ما زالت الهمم عالية والعزائم ماضية، وأننا ثابتون على مبادئنا، ولن نضعف ولن نلين ولن نهادن ولن نصالح، بل سنبقى ثابتين على منهجنا وعلى مبادئنا وعلى دولتنا.
رسالة مهمة أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصلها ليلقي الرعب في كفار قريش، حتى لا يظن كفار قريش أن المسلمين انكسروا كسرة لن يقوموا بعدها. فالنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا في اليوم الثاني أصدر أوامر النفير العام: كل شخص شارك معي في غزوة أحد البارحة عليه أن يخرج معي اليوم إلى حمراء الأسد، وكل شخص تخلف عن غزوة أحد ولم يشاركنا فيها البارحة لا يلتحق بنا.
يريد النبي صلى الله عليه وسلم رسالة لهذا الطرف ولهذا الطرف؛ يريد أن يبعث رسالة لأبي سفيان: أنني خرجت بمن كان معي، خرجت بأصحاب الجروح وبأصحاب الآلام، خرجت بمن فقد ابنه والده واخاه، خرجت بهؤلاء، لم أخرج بجيش جديد سالم معافى من المصائب، بل بجيش معبأ بالجراحات، لكن هذه الجراحات جراحات ظاهرة، واما الهمم والعزائم فهي ملتئمة قوية متينة. هذه رسالة لأبي سفيان أنني خرجت بنفس الجيش وبنفس الرجال لألاقيكم مرة أخرى.
وهي كما قلنا وفي الطرف المقابل هي رسالة لمن تخلف مع عبد الله بن أبي وانسحب معه: أنني لا أعبأ بكم ولا أريد منكم أن تساعدوني في غزوي للمشركين، فمن معي من الثلة الصابرة المؤمنة تكفيني، فأنا أعتمد في النهاية -بعد أن آخذ بالأسباب- أعتمد على ربي في الانتصار، وأما أنتم أيها المنافقون فسحقاً لكم، لن أستعين بكم لن ألتفت إليكم، لا تظنوا أنني سأقول لكم اخرجوا معي مرة أخرى ساعدوني في حمراء الأسد دعونا نخوف كفار قريش، لا، لست بحاجة إليكم أيها المنافقون.
الثلة الصابرة المؤمنة على ما فيها من الجراحات الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، هذه الآية في آل عمران نزلت في الصحابة الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد، استجابوا لنداء النبي صلى الله عليه وسلم للنفير العام على ما فيهم كما قلنا من الجراحات، هذا قطعت يده، وهذا فيه جرح سخين، وهذا أصيب في ابنه، أو كلهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى لإيصال الرسالة. إذاً: لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر معنا الأمس.
الآن هناك شخص واحد تخلف عن غزوة أحد لعذر مقبول فعلا، هو سيدنا جابر بن عبد الله. سيدنا جابر بن عبد الله عامل قرعة مع والده لأنه عنده كان ست أخوات، فوالده عبد الله رحمه الله استشهد في غزوة أحد. والده قال لابنه جابر: لا يصلح أن نخرج كلينا إلى هذه الغزوة، لا يصلح أن يخرج كلانا إلى هذه الغزوة، لابد أحدنا يبقى مع البنات يرعاهم، والشخص الآخر منا يذهب، فاعملوا قرعة، فخرجت القرعة أن الذي يخرج هو عبد الله والد جابر، وجابر جلس مع أخواته.
الآن والده عبد الله استشهد في غزوة أحد، فجاء لما النبي صلى الله عليه وسلم دعا للنفير العام إلى حمراء الأسد، جاء جابر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما حدث معه مع والده. أخبره أنه: يا رسول الله، والدي قال: لا يصلح أن يخرج كلانا إلى المعركة، لابد يبقى أحد مع البنات، كان عنده ست أخوات حمل ثقيل على جابر، فعملنا قرعة فخرجت القرعة: النبي هو الذي يشارك في المعركة وأنا أجلس مع أخواتي، وقد قتل معك أبي في غزوة أحد، فيا رسول الله دعني أشارك في هذا الفضل وأن أدرك معك العدو في حمراء الأسد.
فالنبي عليه الصلاة والسلام أذن لجابر بن عبد الله في أن يخرج معه، لأنه لم يترك ولم يتخلف نفاقاً، بل فعلاً كان عذراً مقبولاً قبله النبي صلى الله عليه وسلم. فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، أبوه عبد الله بن عمرو بن حرام. فقال جابر: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي، وقال يا بني: إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك.
وذكرت بعض القصص أنه كان بينهم يعني أقرع بينهم فخرجت القرعة عليه فتخلفت عليهن، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم وسمح له أن يخرج معه إلى حمراء الأسد. قال ابن هشام: وإنما خرج النبي صلى الله عليه وسلم مرهباً للعدو، هذا الهدف: إرهاب العدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا بقوة، وأن الذي أصابهم لم يهنهم عن عدوهم كما ذكرنا قبل قليل.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى منطقة تسمى حمراء الأسد، وهي على بعد ثمانية أميال من المدينة، مستعملاً على المدينة ابن أم مكتوم، فبقي النبي صلى الله عليه وسلم في حمراء الأسد يوم الاثنين، أقام فيها يوم الاثنين وأقام فيها ليلة الثلاثاء وأقام فيها ليلة الأربعاء، ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة.
الآن هناك قصة وقعت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حمراء الأسد، ما هي القصة؟ يقول ابن هشام: مر بالنبي صلى الله عليه وسلم شخص يسمى معبد بن أبي معبد الخزاعي. وبشكل عام قبيلة خزاعة مسلمهم ومشركهم كانوا يناصرون النبي صلى الله عليه وسلم ويقفون في صفه. فمعبد بن أبي معبد لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حمراء الأسد وكان يومئذ مشركاً، قال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك، يعني أحزننا ما وقع بك في غزوة أحد، ولوددنا أن الله عافاك في...
ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم، أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم الآن.
النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا خرج لحمراء الأسد، وأبو سفيان في المقابل في الجهة المقابلة كان يفكر بتفكير أيضاً مشابه. أبو سفيان إيش كان يفكر؟ لما أبو سفيان اقترب من مكة قال لكفار قريش الذين معه: هل يعقل أن نصيب محمد صلى الله عليه وسلم هذه الإصابات الثخينة وقد اقتربنا أن نقضي عليه وعلى من معه، ونتركهم هكذا يعودون إلى المدينة يبنون قوتهم من جديد؟ دعونا يا كفار قريش نعود فنغير على المدينة فنستأصل محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه، ونفرغ من كل هذا السجال ومن كل هذه القضية التي أشغلتنا.
الآن لما رأى أبو سفيان معبد بن أبي معبد الخزاعي كما قلنا، كأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وعزى النبي صلى الله عليه وسلم بما أصابه، ثم كان متجهاً باتجاه مكة. فمعبد بن أبي معبد وهو باتجاه مكة التقى بجيش أبي سفيان، فرآه أبو سفيان، فقال أبو سفيان لمعبد: ما وراءك يا معبد؟ فمعبد أراد أن يقدم للنبي صلى الله عليه وسلم خدمة، فماذا فعل معبد حتى يخذل أبا سفيان ومن معه؟
فقال له معبد: يا أبا سفيان محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقاً، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. فأبو سفيان قال لمعبد: ويحك ما تقول؟ فقال معبد: والله ما أرسل أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، يعني يا أبا سفيان لن تتحرك من هنا مسافة قصيرة إلا ومحمد قد لحقك صلى الله عليه وسلم.
فقال أبو سفيان لمعبد: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، يعني يا معبد نحن قررنا أن نغزو المدينة الآن، أنت تقول لمحمد صلى الله عليه وسلم الآن يلاحقنا؟ فقال له معبد: فإني أنهاك يا أبا سفيان عن ذلك، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتاً من الشعر. فقال أبو سفيان: ما قلت فيهم؟
فقال معبد: لقد قلت: كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردي بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء تلاميذ المعازيل
يعني يقول معبد لأبي سفيان: لقد رأيت جيش محمد جيشاً عرمرماً. طبعا معبد يريد أن يضحك على أبي سفيان، حتى أبو سفيان يذهب ولا يفكر في غزو النبي صلى الله عليه وسلم، يريد أن يخذل، لأنه كما قلنا قبيلة خزاعة كانت تقف في صف محمد صلى الله عليه وسلم.
فالمهم معبد بدأ يخوف أبا سفيان، ويصور له أن محمداً جاء بجيش عرمرم، وأنه أتى معه من تخلف معه البارحة، وأنهم قد حنقوا عليكم ويريدون أن يستأصلوكم. أبو سفيان بدأ يفكر في الأمور، أبو سفيان بدأ يفكر بالأمر فوجد أن من الحكمة أن يعود إلى مكة ولا...
لاحق النبي صلى الله عليه وسلم. يعني فعلا نجحت مهمة معبد، واستطاع أن يثبت الروح المعنوية لأبي سفيان ومن معه. لكن أبا سفيان فعل حركة أيضاً فيها خداع، لأنه في المقابل أبو سفيان لم يترك الأمور هكذا، صنع خدعة.
مر بأبي سفيان ركب من قبيلة عبد القيس، فقال له أبو سفيان: أين تريدون؟ أين أنتم متجهون يا بني عبد القيس؟ فقالوا: نريد المدينة. فقال أبو سفيان: ولم تريدون المدينة؟ قالوا: نريد الميرة، يعني نريد أن نأخذ منها تمراً وطعاماً ونعود، يعني تجارة.
قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غداً -وأحمل لكم هذه غداً بعكاظ إذا وافيتموها-؟ يعني هل أعطيكم رسالة توصلونها إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مقابل هذه الخدمة التي تسدونها إلي، أحمل لكم هذه الجمال غداً زبيباً وميرة لما تأتون إلى سوق عكاظ في مكة؟ فقالوا: نعم ما عندنا مشكلة، أعطنا ما هي الرسالة؟ فقال له أبو سفيان: إذا وافيتم محمداً فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه نستأصل بقيتهم.
إذاً أيضاً أبو سفيان يريد أن يلعب على الروح المعنوية، يريد أن يضعف الروح المعنوية لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فمرة ركب فعلاً وفد عبد القيس، مروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في حمراء الأسد، فقالوا: يا محمد، لقد رأينا أبا سفيان قد جمع لك جموعاً ويريدون أن يستأصلوك ومن معك، وهذا فيه إضعاف للروح المعنوية، لكن المؤمنون ومحمد صلى الله عليه وسلم ماذا قالوا حين وصلتهم هذه الرسالة؟
النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعرف أن هذه خدعة من أبي سفيان. قال الصحابة وقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة واحدة ثقيلة في الميزان: حسبنا الله ونعم الوكيل. أنظر هنا الإيمان المتجذر المتعمق في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وفي قلب أصحابه، الذين قال لهم الناس -الناس الأولى هم وفد عبد القيس- ماذا قالوا؟ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الناس، أي قريش، إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم.
هل ضعفت الهمم؟ كلا والله، فزادهم إيماناً وثقة بنصر الله. لم تهن الروح المعنوية، لا لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه، وقالوا جميعاً: حسبنا الله ونعم الوكيل، يعني الله يكفينا، ونعم الوكيل الذي نتوكل عليه ربنا. وهنا يظهر الإيمان في مواقف البلاء، في مواقف الشدة، في مواقف الخوف، يبرز الإيمان، يبرز التوكل الحقيقي، يبرز التفويض الإلهي سبحانه وتعالى، ويثبت الله الذين آمنوا.
طبعا النبي صلى الله عليه وسلم، كما قلنا، جلس في حمراء الأسد اثنين، ثلاثاء، أربعاء، لم يأت كفار قريش، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أنها خدعة، وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
لكن في أثناء عودته استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يلقي القبض على رجل يسمى أبا عزة الشاعر، رجل يسمى أبا عز. أبو عزة أحبتي، هذا رجل النبي صلى الله عليه وسلم القى القبض عليه في غزوة بدر، شارك مع المشركين في غزوة بدر وقاتل المسلمين، ووقع في الأسر، والنبي عليه الصلاة والسلام أطلقه من دون مقابل مجاناً لأنه كان فقيراً معدماً، لكن اشترط عليه النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقاتل مع المشركين مرة أخرى، فأبو عزة أعطى النبي صلى الله عليه وسلم المواثيق والعهود أنه لن يقاتل مع المشركين مرة أخرى.
فإذا بهذا الرجل المشرك يخرج مع كفار قريش في غزوة أحد ويقاتل النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء القدر أن النبي صلى الله عليه وسلم ظفر به وهو عائد من حمراء الأسد. فهنا برأيكم ماذا ينبغي أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل يقول لأبي عزة: ألم نقل لك ألا تغزو مرة أخرى ولا تشاركهم؟ لماذا خدعتنا وخنتنا؟ خلص اذهب مرة أخرى لا تعيد هكذا. أم كان لابد أن يتخذ موقفاً حاسماً صارماً حتى يري الأعداء أن المسلمين لا يلعب بهم، وأنه لا يستخف بنا باختصار، أننا لا يستخف بنا ولا ينبغي لأحد أن يخدعنا؟
فالنبي صلى الله عليه وسلم فعلاً أرسل الرسالة، مسك أبا عزة الشاعر وقال: يا زبير، اضرب عنقه، فلا ينبغي للمؤمن أن يلدغ من جحر واحد مرتين. نحن لا نخدع، لا أحد يتلاعب بنا، إن مننا عليك مرة وعاملناك بالإحسان فعدت لتغدر بهذا الدين وتطعن في ظهورنا مرة أخرى، فلسنا أيضاً ممن يستهان بهم، ولسنا ممن دائماً يتعامل بالهين واللين ويركب ويأتي الناس ليستذلوهم، لا لا، لسنا من هذا.
إياك يا أبا عزة أن تظن أننا ضعفنا وأننا يمكن أن يغرر بنا وأن يضحك علينا مرة أخرى، يا زبير قم فاضرب عنقه. فقام الزبير فضرب عنقه، وهذه رسالة المؤمن أحبتي: لا يستذل، نعم يرحم يعفو يصفح، لكن لا يكن أبلهاً مغفلاً. إذا جاء شخص يتلاعب عليه اليوم يعفو عنه، غدا يأتي يغدر به مرة أخرى ثم يعفو عنه ثم يغدر به مرة أخرى، لا يصلح، فإننا رجال عند المواقف.
إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى المدينة النبوية بعد حمراء الأسد ليبدأ صفحة جديدة من صفحات دعوته وصراعه مع المشركين، فإن المعركة لن تنتهي بهزيمة، نعم نهزم تتعثر الخطى، لكن علينا أن نهض من جديد، الإسلام لن يهزم من جولة، الجولات كثيرة والانتصارات قادمة.
لكن هذه الجولة نعم كانت جولة قاسية نتائجها مؤلمة، لكن أيضاً كانت مليئة بالدروس التي سيستفيد منها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فيما بعد. علموا أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم هي سبيل النجاح والفلاح، وعرفوا أن المعصية كانت سبباً في الهزيمة، فلقنوا درساً سيستفيدون منه بإذن الله في كل المعارك مع النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى في المعارك التي وقعت في عهد الخلفاء الراشدين.
الآن هذا المشهد انتهينا منه، المشهد الذي يليه الذي وقع في هذا العام أيضاً، ولم يتطرق إليه ابن أبي العز الحنفي في منظومته، لكنه في الحقيقة مشهد مهم وقصة مهمة وقعت بعد غزوة أحد علينا أن نعرفها، وهي ما يسمى يوم الرجيع.
ما قصة يوم الرجيع؟ قصة يوم الرجيع أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم رهط من بعض القبائل، من قبيلة عضل والقارة ومن مجموعة تنتمي إلى بني خزيمة، هذا الوفد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاماً، أي بدأ الإسلام يفشو في قبائلنا، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرؤون علينا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام.
فبعث معهم النبي صلى الله عليه وسلم نفراً من خيرة الصحابة: مرثد بن أبي مرثد، خالد بن البكير، وعاصم بن ثابت بن الأقحط الذي قتل مسافع والجلاس ابني سلافة، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق. أرسل النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الوفد، وهم من خيرة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، مع هذا الوفد الذي أتى من قبيلة عضل والقارة ليعلموهم الإسلام.
أرسل هؤلاء الصحابة ليعلموا هذه القبيلة الإسلام، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم على هؤلاء القوم مرثد بن أبي مرثد، يعني أمير الصحابة في هذا الوفد كان مرثد بن أبي مرثد، والبعض يقول -بعض كتب السيرة تقول- لا، كان عاصم بن ثابت. المهم، النبي صلى الله عليه وسلم أرسل هؤلاء الصحابة ليعلموا هذه القبائل القرآن، فخرج مع القوم حتى إذا كانوا على ماء الرجيع، وهذا ماء لقبيلة هذيل.
غدروا بهم، هذه القبيلة التي أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبت منه أن يرسل معها مجموعة من الصحابة ليعلموهم الإسلام، غدروا وخانوا النبي عليه الصلاة والسلام وغدروا بهؤلاء الصحابة. ماذا فعلوا؟ استصرخوا قبيلة هذيل وقالوا: يا قبيلة هذيل، معنا نفر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
إذاً فغدروا بالصحابة واستصرخوا عليهم قبيلة هذيل، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا والرجال بأيديهم السيف، يعني تفاجأ عاصم بن ثابت ومن معه من الصحابة أن قبيلة هذيل الآن تحاصرهم. كيف عرفت بهم قبيلة هذيل؟ كما قلنا، قبيلة عضل والقارة الذين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم إرسال هذا الوفد من الصحابة معهم، غدروا وخانوا، وأخبروا قبيلة هذيل أن معهم نفراً من الصحابة، فاجتمعت قبيلة هذيل وأحاطت بالصحابة الكرام.
ماذا حدث بعد ذلك؟ الصحابة أخذوا سيوفهم ليقاتلوا، فقالت أو فقال الهذيليون للصصحابة: إنا والله ما نريد قتلكم، يعني نحن لا نريد في الواقع أن نقتلكم، ولكننا نريد أن نصيب بكم شيئاً من أهل مكة، يعني نريد أن نأخذكم وأن نبيعكم لأهل مكة حتى نأخذ منهم مالاً مقابل هذه الهدية التي أهديناها إليهم، سبعة من الصحابة، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم.
قبيلة هذيل تريد أن تبيع هؤلاء الصحابة لأهل مكة حتى يقتلهم أهل مكة وهم يأخذون مالاً ويعودون إلى ديارهم. فمرثد بن أبي مرثد وعاصم بن ثابت وخالد بن البكير، هؤلاء الثلاثة من الصحابة قالوا: والله لا نقبل من مشرك عهداً ولا أبداً فقاتلوا قتال الشجعان حتى الموت. هؤلاء الثلاثة رفضوا أن يستسلموا ويسلموا بأيديهم، وقاتلوا حتى الموت.
الآن عاصم بن ثابت دعونا نركز عليه، عاصم بن ثابت أحبتي، تذكرون أن سلافة في غزوة أحد لما قتل عاصم بن ثابت ابنيها ماذا نذرت؟ ألم نقل أنها نذرت أن تشرب الخمر في رأس عاصم بن ثابت؟ الآن قبيلة هذيل كانت سمعت بهذا النذر، أن سلافة نذرت أن تشرب الخمر برأس عاصم بن ثابت، فحاولوا أن يأخذوا رأس عاصم بن ثابت وأن يجتزوه.
فالله سبحانه -أنظر الحماية الإلهية- فالله عز وجل أرسل الدبابير، غطت رأس عاصم بن ثابت وجسده، فلم يستطع الهذليون أن يجتزوا رأس عاصم بن ثابت. فقال بعضهم لبعض: دعونا ننتظر إلى الليل فإن الدبابير تذهب إلى أوكارها، وحينئذ نستطيع أن نجتز رأسه.
فما جاء الليل إلا وكان الله سبحانه وتعالى قدر أن يأتي سيل حمل جسد عاصم بن ثابت رضي الله تعالى عنه بعيداً، واختفى هذا الجسد، فوقاه الله سبحانه وتعالى من أن يشرب في رأسه الخمر. انظروا كيف الله سبحانه وتعالى يحمي عبيده ويصونهم حتى في مماتهم، الله يحمي العبيد ويصونهم حتى في مماتهم، لذلك احفظ الله يحفظك.
نعم، استشهد عاصم بن ثابت وارتقى إلى ربه سبحانه، لكن الله عز وجل حمى بدنه وجسده من أن يستذل ويستهان. الآن كما قلنا، هؤلاء الثلاثة من الصحابة استشهدوا، لكن زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق، هؤلاء الثلاثة من الصحابة قبلوا أن يسلموا بأيديهم رجاء النجاة، ما أحبوا أن يقاتلوا حتى الموت، سلموا أيديهم رجاء النجاة.
حتى إذا الآن لما أعطوا أيديهم مباشرة، قبيلة هذيل ربطت الأيادي، ربطت أيادي هؤلاء الصحابة الثلاثة الكرام. حتى إذا كانوا بالظهران -الآن قبيلة هذيل أخذت هؤلاء الصحابة الثلاثة واقتادتهم باتجاه كفار قريش مكة- الآن وهم في الطريق وصلوا لمنطقة تسمى ممر الظهران.
عبد الله بن طارق استطاع أن يفك القيد من يده وتناول سيفه، جاءته شجاعة قال: بما أن الموضوع أننا سنسلم إلى أهل مكة إذا سنموت سنموت، دعني أقاتل مقاتلة الشجعان وأموت هنا قبل أن يمثل به أهل مكة. عبد الله بن طارق استطاع أن يفك قيده وتناول سيفه وبدأ يقاتل القوم فقتلوه رضي الله تعالى عنه ودفنوه، لذلك قبره الآن في منطقة الظهران.
من الذي بقي؟ بقي خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة. وصلت هذيل بهذين الصحابيين الجليلين إلى مكة، فباعوا خبيب بن عدي إلى رجل يسمى حجير بن أبي إهاب، فابتاع خبيباً -عفواً، الذي يعني هناك رجل من قبيلة هذيل يسمى حجير بن أبي إهاب، ابتاع خبيباً لعقبة بن الحارث-.
حجير بن أبي إهاب من قبيلة هذيل ابتاع خبيب بن عدي لرجل من أهل مكة يسمى عقبة بن الحارث. عقبة بن الحارث والده الحارث بن عامر كان قتل -قتل إما في أحد وإما في بدر، الله تعالى أعلم، المهم قتل في إحدى الغزوتين في أحد أو في بدر، لأنه في غزوة أحد أيضاً قتل عدد من المشركين، قتل البعض أربعة وثلاثين وقتل البعض سبعة وثلاثين من المشركين قتلوا في غزوة أحد-.
المهم فققبيلة هذيل باعت خبيب بن عدي لعقبة بن الحارث حتى يقتل خبيب بن عدي مقابل والده الذي قتله الصحابة في غزوة أحد أو في غزوة بدر. وأما زيد بن الدثنة فابتاعته قبيلة هذيل لصفوان بن أمية حتى يقتله بأبيه أمية بن خلف.
أمية بن خلف كما قلنا قتل في غزوة بدر، قتل أمية بن خلف في غزوة بدر، أمية بن خلف هو والد صفوان بن أمية، فقبيلة هذيل باعت زيد بن الدثنة إلى صفوان بن أمية حتى يقتله صفوان بن أمية في مقابل والده الذي قتل في غزوة بدر.
وفعلاً صفوان بن أمية مباشرة أخذ زيد بن الدثنة وبعث به مع غلام له يسمى نسطاس إلى منطقة التنعيم. لماذا؟ التنعيم أحبتي هو خارج حدود الحرم، الذين يذهبون إلى العمرة يعرفون مسجد التنعيم هو خارج حدود الحرم، يعني بعد التنعيم يبدأ الحرم.
فكفار قريش كانوا يعظمون ويهابون أن يقتلوا شخصاً في الحرم، فإذا أرادوا أن يقتلوا شخصاً أو يثأروا من شخص يقتلونه خارج حدود الحرم، فيذهبون به إلى التنعيم هناك يقتلونه. فصفوان بن أمية أمر غلامه نسطاس أن يخرج بزيد بن الدثنة إلى منطقة التنعيم ليتم قتله خارج الحرم، واجتمع رهط من كفار قريش، أبو سفيان بن حرب ماذا قال لزيد بن الدثنة وهو يجهز الآن للإعدام؟
أبو سفيان بن حرب قال لزيد بن الدثنة: اسمعوا هذا الكلام، وانظروا حب الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام. يقول أبو سفيان لزيد: أبنتنا، أنشدك الله يا زيد؛ أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه، وأنت في أهلك سالم؟ يعني يا زيد؛ هل تحب أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم مكانك الآن، هو الذي يضرب عنقه وأنت سالم في أهلك؟ تنظر الحب الصادق من القلب.
قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه وهو في المدينة تصيبه شوكة وتؤذيه وأنا جالس في أهلي. يعني النبي صلى الله عليه وسلم لو هو الآن في المدينة تصيبه شوكة وأنا سائر في أهلي لا أرضى بذلك، أتريد مني أن أرضى أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم مكان يضرب عنقه؟ يقول وهو الآن يعدم ويصلب.
لكن الحب، حب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لحبيبهم ولنبيهم لا يدانيه أي حب أحبتي والله. يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً صلوات ربي وسلامه عليه بأبي هو وأمي. ثم قتل زيد بن الدثنة رضي الله تعالى عنه وصلب.
الآن دعونا نذهب إلى الشخص الآخر، خبيب بن عدي رضي الله عنه. كما قلنا باعوه لعقبة بن الحارث، وهو الآن يجهز للإعدام أيضاً، لكنه حبس في بيت مولاة تسمى ماوية. هناك مولاة تسمى ماوية، هذه المولاة حبست خبيب بن عدي في بيتها. ماذا تقول هذه المولاة؟ هذه المولاة أسلمت بعد ذلك، أسلمت في المستقبل، فتروي لنا قصة هذا السجين الذي مكث في بيتها ونزاهته لله سبحانه وتعالى.
تقول ماوية رضي الله عنها: كان خبيب عندي في منزلي، حبس في بيتي، فلقد اطلعت عليه يوماً وإن في يده لقطفاً من عنب مثل رأس الرجل، يأكل فيه، وما أعلم في أرض الله عنباً يؤكل. يعني أنا استغربت؛ كل مكة وما حولها هذا الموسم ليس موسم عنب، فكيف يأكل هذا الرجل من العنب؟ استغربت، ففعلاً ما وقع مع خبيب بن عدي ومن كرامة الله له، مثله مثل مريم بنت عمران.
ألم يقل الله يخبرنا عن مريم أنه يأتيها رزقها في غير وقته المعروف؟ وكذلك نفس القصة وقعت مع خبيب بن عدي، كان يأتيه رزق وطعام مع أن هذا الطعام ليس وقته المعروف في مكة وما حولها. المهم تقول: وفي يوم من الأيام حين جاء الأمر؛ يعني قالوا له جهز نفسك للقتل، قال لي هذا السجين: ابعثي إلي بحديدة أتطهر بها. طلب من ماوية أن تعطيه شفرة حتى يحلق بها عانته ويتطهر للقاء الله سبحانه وتعالى، لا يريد أن يلقى الله عز وجل بالشعر.
قالت ماوية: فأعطيت غلاماً من الحي الموسى، أتيت غلاماً من الحي قلت: هذا الموسى خذ أدخله على هذا الرجل. فقلت: ادخل بها على هذا الرجل؛ لأنه يريد أن يستحد. وهي لم تتفطن أن خبيب بن عدي إذا دخل عليه هذا الغلام، يمكن أن خبيب بن عدي يأخذ هذا الغلام رهينة ويضع الموس عليه، ويقول لكفار قريش: أما أن أقتل هذا الغلام وإما أن... ما انتبهت على القضية.
متى انتبهت؟ ما هي؟ لما أصبح الغلام في حجر خبيب بن عدي. قالت ماوية: فوالله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه فقلت في نفسي: ماذا صنعت؟ أصاب والله الرجل ثأره، الآن يقتل هذا الغلام فيكون رجلا برجل. يعني الآن أدركت ماوية الخطأ الفادح الذي ارتكبته، لم تنتبه أنه يمكن خبيب بن عدي يأخذ الغلام ويضع الشفرة عليه، ويقول لكفار قريش: أما أن تطلقوني، وأما إذا جزمتم قتلي سأقتل الغلام.
قالت: فلما دخلت عليه رأيته أجلس الغلام في حجره، ثم نظر إليها خبيب بن عدي وعرف الفزع الذي في وجهها، فقال لها: لعمرك ما... أو هو عفوآ يخاطب الآن الغلام. فيقول: لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثت بهذه الحديدة إلي. الآن خبيب بن عدي يخاطب هذا الغلام فيقول: لعمرك ما خافت أمك أن أغدر بك حين بعثت بهذه السكينة أو بهذا الموس معك. ثم خلى سبيله. ما مناظر أمه؟ فعرفت أن هذا السجين ليس ككل السجناء.
المهم خرجوا بخبيب بن عدي ليقتلوه، ثم خرجوا بخبيب إلى التنعيم أيضاً ليصلبوه وليقتلوه، فقال لهم خبيب: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا. يعني إن رأيتم -أنا لا أسترضيكم ولا أرجو منكم- إن شفتم أنكم تخلوني أصلي ركعتين دعوني أصلي ركعتين قبل أن ألقى الله سبحانه. ففعلوا، فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، لكنه لم يطل في الركوع والسجود، ثم أقبل على القوم وقال: أما والله لولا أن تظنوا أنني إنما طولت -أي في الركوع والسجود- جزعاً من القتل لاستكثرت من الصلاة.
وكان خبيب بن عدي أول -يقول الفقهاء- أول من سن ركعتي الشهادة وركعتي الموت هو خبيب بن عدي رضي الله تعالى عنه، حيث أقر النبي صلى الله عليه وسلم ما فعله من الصلاة ولم ينكر ذلك، فدل هذا على أنها سنة تقريرية. أول من فعلها سيدنا خبيب بن عدي رضي الله عنه؛ صلاة ركعتين عند القتل، أي مسلم سيعدم وسيصلب يصلي ركعتين ثم يلقى الله سبحانه وتعالى.
قال: ثم رفعوه على خشبة، فلما أوثقوه قال خبيب بن عدي: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا. يا رب أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم ما يصنع بنا كفار قريش الآن. ثم دعا دعوة خبيب، قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. ثم قتل.
رحمة الله تعالى عليك يا خبيب. في خلافة عمر بن الخطاب؛ انتقال إلى عهد عمر بن الخطاب لقصة تتعلق بقصة خبيب بن عدي. في خلافة عمر بن الخطاب أمر عمر بن الخطاب أميراً من الأمراء يسمى سعيد بن عامر الجمحي. سعيد بن عامر استعمله عمر بن الخطاب على منطقة في الشام. كان هذا الرجل رضي الله عنه أسلم. سعيد بن عامر كانت تصيبه غشية وإغماء كل فترة، كل فترة يصاب بغشة وبإغماءة.
فذكر ذلك لعمر بن الخطاب؛ أن هذا الأمير الذي بعثت به إلى الشام كثيراً ما تصيبه إغماءات. فاستطاعه عمر رضي الله عنه -خاف أن يكون والله مصاب بصرع في مرض متلبس بجن، المهم في شيء- فسأله عمر قال له: يا سعيد بن عامر، ما هذا الذي يصيبك؟ ولماذا كثيراً ما يغشى عليك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس، يعني لا بمس ولا مرض ولا ما شابه ذلك.
ولكنني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قتل، كان كافراً في مكة لما صلب خبيب بن عدي، وكان شاهداً لقتله، وسمعت دعوته لما قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. وسمعت دعوته فوالله ما خطرت على قلبي أنا في مجلس قط إلا غشي علي. كلما تذكرت دعوة خبيب وهو يدعو علينا نحن الذين نريد أن نقتله، لما قال: اللهم أحصهم عددا وأقتلهم بدداً، كلما تذكرت الدعوة أصابتني غشية خوفاً وخشية أن يصيبني ما يعني شيء من هذه الدعوة. رضي الله تعالى عنه كما قلنا هو أسلم بعد ذلك واستشهد.
إذاً خبيب بن عدي وكانت قصة هذه السرية قصة مؤلمة. ويقول حسان بن ثابت وهو يبكي خبيباً؛ حسان بن ثابت شاعر الإسلام بكى خبيباً في أبيات رائعة رائقة يقول فيها: ما بال عينك لا ترقى مدامعها سحاً على الصدر مثل اللؤلؤ القلق على خبيب فتى الفتيان قد علموا لا فشل حين تلقاه ولا نزق فاذهب خبيب جزاك الله طيبة وجنة الخلد عند الحور في الرفق ماذا تقولون؟ يخاطب قريش؛ ماذا تقولون إن قال النبي لكم حين الملائكة الأبرار في الأفق فيما قتلتم شهيد الله في رجل قد وعث في البلدان أو في البلدان والرفق
يعني كيف تقتلون خبيباً برجل مقابل رجل، طاغية من صناديد مكة؟ ماذا تقول للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة يا كفار قريش؟ فرحم الله سيدنا خبيب، كان إنساناً مؤمناً طاهراً نقي القلب، واستشهد غدراً وخيانة من كفار قريش، فرحمة الله عليه وعلى كل شهداء الصحابة وشهداء المسلمين.
إذاً هذه كانت قصة الرقيع، وهي كما قلنا قصة مؤلمة، النبي صلى الله عليه وسلم شعر بالحزن الشديد على ما وقع، وسيثأر صلى الله عليه وسلم للصحابة في موقع وفي مشهد آخر، كما سيأتي معنا بإذن الله.
الآن أحبتي؛ ماذا بقي علينا من مشاهد هذا العام؟ من مشاهد العام الرابع أو الثالث عفواً، نحن ما زلنا في العام الثالث من الهجرة. نقرأ سريعا أهم الأحداث التي وقعت في هذا العام؛ الغزوات المشتهرة في غطفان وبني سليم، وأم كلثوم ابنة الكريم زوج عثمان أبها وخصه، ثم تزوج النبي وحفصة وزينب، زينب بنت خزيمة الهلالي رضي الله عنها، زينب، ثم غزا إلى أحد في شهر شوال، وحمراء الأسد، هذه كلها مسائل تكلمنا عنها.
بقي البيت الأخير في السنة الثالثة من الهجرة، قال: والخمر حرمت يقيناً فاسمعن هذا وفيها ولد السبط الحسن
من أحداث السنة الثالثة من الهجرة الأخيرة التي نتكلم عنها، أن الخمر حرمها الله عز وجل على الصحابة في العام الثالث من الهجرة. الخمر كما تعلمون أحبتي جاء تحريمها على درجات ومراحل، ولم يحرمها الإسلام دفعة واحدة؛ لأن الصحابة وأهل مكة وبشكل عام أهل الجزيرة كانوا معتادين على أن يشربوها وكانوا لها. فلذلك الإسلام تدرج معهم في تشريع التحريم. فابتداءً نزل قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَامِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67]. لما قال الله عز وجل في سورة النحر: وإن لكم في الأنعام لعبرة، نسقيكم ما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً، إن في ذلك لآية لقوم يعقلون.
قال العلماء: هذه الآية هي أول آية نبهت الصحابة على أن السكر ليس بجيد؛ لأن الله قابل بين السكر والرزق الحسن، قال: تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً. فلما قابل بين السكر والرزق الحسن ولم يجعل السكر من قبيل الرزق الحسن، هذي في إشارة على أن السكر ليس تصرفاً جيداً.
ثم نزلت الآية في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]. فجاءت هذه الآية كمرحلة ثانية تبين أن السكر فيه آثام كثيرة ويؤدي إلى جرائم وإلى مضار وفيه منافع، لكن الآثام أكثر من المنافع، ولكن لم يحرم بعد تحريماً وافياً كاملاً.
ثم جاءت الآية التي تليها في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: 43]. فنهاهم الله أن يشربوا الخمر إذا أرادوا أن يصلوا، يشربوها في وقت لا توجد بعد فيه صلاة أو لا توجد بعد قليل صلاة. وهذا في الحقيقة تدريج في العلاج؛ يعني اليوم عندنا مستشفيات تعالج الإدمان بتقليل الجرعات رويداً رويداً، هذا ما كان يفعل الإسلام بتشريعه.
لما النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يشربوا الخمر إذا أرادوا أن يصلوا، إذاً هو فعليا يعود أجسادهم على التقليل من الخمر بحيث تقلل الجرعة لآخر مقدار؛ لأنه في الحقيقة يعني الصلوات أوقاتهم متقاربة، فالصحابة لن يكون لهم وقت أو متسع ليشربوا الخمر إلا بعد مثلاً صلاة الفجر، أو بعد صلاة العشاء، وإلا مثل ما بين الظهر والعصر أو ما بين العصر والمغرب والمغرب والعشاء لا يوجد وقت متسع ليشربوا الخمر، وهذا يعالجهم من خلال تقليل الإدمان عليها.
ثم بعد ذلك في العام الثالث من الهجرة جاءت الآية المحرمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]. يقول الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ أنس بن مالك يقول: لما جاء تحريم الخمر كل رجل من الصحابة أصبح يهريق ما عنده من الخمر في سكك المدينة. انظروا الانقياد المباشر! لم يتلكأ الصحابة، لم يقولوا: يا رسول الله، طيب يعني فش مفاوضات، ما في حل في الموضوع؟ طب نشرب يوم ونؤخر يوم.
الانصياع التام الكامل؛ كل الصحابة نزلت الآية فاجتنبوه، أراقوا الخمر في سكك المدينة. قال: حتى إن سكك المدينة أصبحت ريحة الخمر فيها لأيام بأيام متطاولة، وريحة الخمر ساكنة فيها لكثرة الخمر التي أهريقت. وهذا يدل على الانصياع التام للقائد الأعلى؛ جاء الأمر امتثال من دون تلكؤ، من دون نقاش، من دون حوار، اجتنبوه، نجتنبوا يا رسول الله، قد فعلنا قد فعلنا. فمباشرة أريقت الخمر في سكك المدينة.
أيضاً من مشاهد هذا العام أنه ولد سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحسن بن علي هو في الحقيقة آخر الخلفاء الراشدين، هو آخر الخلفاء الراشدين، واستمرت خلافته ستة أشهر؛ لأن الخلافة الراشدة كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون عاماً، هذه الثلاثون عاماً اكتملت بالستة أشهر التي تولاها الحسن بن علي من الخلافة.
ثم بعد ذلك تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان وذلك صيانة لدماء المسلمين، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. تنازل الحسن بن علي بالخلافة لمعاوية بن أبي سفيان حقناً للدماء وصيانة للأموال والأعراض. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مسبقاً في المدينة؛ في أحد الأيام النبي صلى الله عليه وسلم صعد على المنبر وقال: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».
وفعلاً، هذا ما وقع، فقد كان الحسن بن علي شخصية هادئة لم يكن طالباً للحكم ولا للإمارة، ولم يكن يعبأ بها، تولاها ستة أشهر اكتملت الخلافة الراشدة، ثم تنازل عنها لسيدنا معاوية بن أبي سفيان جمعاً للكلمة ودرءاً للفتنة. إذاً، هذه أهم الأحداث التي وقعت في العام الثالث من الهجرة.
ودعونا الآن أحبتي ننطلق معاً إلى أحداث السنة الرابعة من الهجرة. يعني لاحظوا، ابن أبي العز الحنفي يسير معنا، فلا تنسونا، بدأ معنا في السنة الأولى من الهجرة في أهم الأحداث، ثم انتقلنا لأهم الأحداث في السنة الثانية، ثم أهم الأحداث للسنة الثالثة، وأنا دائماً أنصح الطلبة أن يحفظوا هذه المنظومة؛ لأنها سترتب لكم كثير من مسائل التشريع، الغزوات، السير، أمهات المؤمنين؛ متى تزوج النبي صلى الله عليه وسلم كل امرأة منهن، متى جاء فرض المسائل الشرعية؛ فرضت الصلاة، متى فرضت الزكاة، متى فرض الأذان، متى تحرم الخمر؟ كثير من الأحكام، الأخبار، السير، والمشاهد، ابن أبي العز الحنفي رتبها بشكل منسق ومنظم في هذه المنظومة المباركة.
وإن كان هناك ملاحظات أنه قدم بعض الأمور أو أخر بعض الأمور مع أن الراجح خلاف ما ذكره، وهذا سيتضح معنا في أحداث السنة الرابعة من الهجرة.
الآن أحبتي في البيت الثاني والستين بدأت أحداث السنة الرابعة من الهجرة، يقول ابن أبي العز: وكان في الرابعة الغزو إلى * بني النضير في ربيع أول وبعد موت زينب المقدمة * وبعده نكاح أم سلمة وبنت جحش، ثم بدر الموعد * وبعدها الأحزاب فاسمع واعدود ثم بني قريظة وفيهما خلف * وفي ذات الرقاع علم واختلف كيف صلاة الخصر والقصر نمي * وآية الحجاب والتيمم قيل ورجم اليهوديين * ومولد الرضا الحسين
إذاً، مجموعة من الأحداث في العام الرابع من الهجرة ذكرها ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه، لكن في الحقيقة هناك بعض الأحداث التي ذكرها الراجح أنها في العام الخامس من الهجرة وليس في العام الرابع من الهجرة، لذلك سنتبع نحن كلام المحققين وكلام أكثر العلماء في ذكرها في العام الخامس من الهجرة.
ما هي الأحداث التي ذكرها ابن أبي العز في العام الرابع والصحيح أنها بعد ذلك؟ أولاً، غزوة الخندق؛ غزوة الخندق قرأ شارح ابن أبي العز أنه في خلاف في تحديدها، لكن هو اختار أن يجعلها في السنة الرابعة، والعلماء المحققون يجعلونها في السنة الخامسة. غزوة الخندق التي هي غزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة، وغزوة ذات الرقاع، وصلاة الخوف، ومشروعية التيمم؛ هذه الخمسة جعلها ابن أبي العز الحنفي أو ذكرها في السنة الرابعة من الهجرة، لكنها في الحقيقة من أحداث السنة الخامسة من الهجرة، لذلك سأذكرها في أحداث السنة الخامسة من الهجرة تبعا للمحققين، وسأقتصر في السنة الرابعة من الهجرة على مجموعة من الأحداث المهمة.
أهم الأحداث التي وقعت في سنة الرابعة من الهجرة؛ أول حدث ذكره ابن أبي العز الحنفي غزوة بني النضير. قال: وكان في الرابعة الغزو إلى النضير في ربيع أول. غزوة بني النضير في شهر ربيع الأول من العام الرابع من الهجرة. غزوة بني النضير حتى نفهمها، لابد أحبتي أن نقف على مشهد آخر سابق لها لم يذكره ابن أبي العز، وكنت أتمنى أنه ذكره؛ لأنه مشهد حقيقي مهم ومؤلم أيضاً، قريب من مشهد الرجيع، لكن هذا الحدث أكثر ألماً من قضية الرجيع؛ لأن عدد القتلى من الصحابة فيه كان كبيراً، فلذلك لابد أن أقص إليكم قصة بئر معونة التي هي متعلقة بشكل وثيق بغزوة بني النضير.
قصة بئر معونة لم يشر إليها ابن أبي العز، لكنها وقعت في السنة الرابعة من الهجرة، وكانت سببًا مباشراً في غزوة بني النضير. ما قصة بئر معونة؟ في السنة الرابعة من الهجرة، وفي شهر صفر، يقول ابن هشام رحمة الله تعالى عليه: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم شخص يسمى أبا البراء عامر بن مالك، شخص اسمه عامر بن مالك ويكنى بأبي البراء، ولقب مشهور عند العرب يسمى ملاعب الأسنة، الظاهر أنه كان من الشجعان الفرسان. قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فعرض عليه النبي عليه الصلاة والسلام الإسلام ودعاه إليه، فلم يسلم هذا الرجل، لكنه في نفس الوقت لم يبعد من الإسلام؛ يعني لم يكره الإسلام ولكنه أيضاً لم يسلم، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد -إلى منطقة نجد التي أُسكن فيها مع قبيلتي- فيدعونهم إلى أمرك، لرجوت أن يستجيبوا لك؛ يعني لماذا ما تبعث ناس من الصحابة عندك حتى يدعوا قومي إلى هذا الدين الذي تدعو إليه، لربما يستجيبون لك.
يعني الشخص ما أخذ موقفاً عدائياً من الإسلام، لكنه لم يسلم أيضاً، وعرض على النبي صلى الله عليه وسلم هذا العرض. فالنبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال لأبي البراء؟ قال: إني أخشى عليهم أهل نجد؛ يعني أخشى أن يغدر بهم أهل نجد. فأبو البراء قال: أنا لهم جار؛ يعني هم في حماية وفي عهدي، فابعثهم وليدعوا الناس إلى دينك. فأبو البراء الآن -كما قلت بالمعنى العامي- حملهم على رقبته؛ النبي صلى الله عليه وسلم بما أن أبأ البراء حمل ذلك على عاتقه، وفعلاً العرب -حتى كما قلنا حتى المشركين- كان عندهم رجولة، إذا أعطاك عهد يعطيك عهد، هذا هو العهد العادل الأغلبي يعني. الآن بعض يغدر، البعض يغدر، لكن العادة، خاصة في أشرافهم، أنهم إذا أعطوا عهداً لا يخلفونه، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث وفداً من أصحابه يترأسهم المنذر بن عمرو، هذا الوفد كان من أربعين رجلاً من خيرة الصحابة يسمون القراء؛ يعني من أعلام الصحابة القراء، كانوا أربعين رجلاً ويترأسهم المنذر بن عمرو.
وكان فيهم حرام بن ملحان، كان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الذي خدم النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر في الهجرة. المهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوفد، وفد القراء، كانوا أربعين رجلاً، وأمر عليهم المنذر بن عمرو، وكان فيه من خيرة الصحابة، أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يتجهوا باتجاه أرض نجد ليدعوا قبيلة هذا الرجل إلى الإسلام. ساروا هذا الركب حتى وصلوا إلى بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم. المنذر بن عمرو ومن معه من القراء ساروا وامتثلوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا عند بئر يقال له بئر معونة. هذا البئر أين يقع؟ بين مناطق بني عامر ومناطق بني سليم، أي بين قبيلتين؛ بين قبيلة بني عامر اللي منهم أبو البراء، وبين قبيلة بني سليم، كلا البلدين كان قريب من هذا البئر.
فلما نزلوها، بعث الصحابة حرام بن ملحان رضي الله عنه بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل، وهو رأس من رؤوس قبيلة بني عامر. فإذن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم حمله حرام بن ملحان إلى عامر بن الطفيل. فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله؛ يعني لما أراد حرام بن ملحان أن يسلم الكتاب لعامر بن الطفيل، عامر بن الطفيل -منه لله ما يستحق- قبل أن يقرأ الكتاب، أمر أحد حراسه أن يقتل حرام بن ملحان؛ نفسية إجرامية، رجل مجرم، مباشرة قتل حرام بن ملحان في أرضه، ثم غدر بالصحابة، واستصرخ عليهم بني عامر؛ فقلنا، عامر بن الطفيل استصرخ قومه بني عامر على الصحابة الذين هم في بئر معونة ليغدروا بهم.
الآن هذه القبيلة، قبيلة بني عامر، في الحقيقة كانوا رجالاً؛ ماذا قالوا لعامر بن الطفيل؟ قالوا: والله لن نخفر أبا البراء في عهده. هم عرفوا أن أبا البراء -اللي هو عامر بن مالك؛ لأنه الآن عندنا عامر بن الطفيل وعندنا عامر بن مالك، اللي راح على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه يرسل القراء هو عامر بن مالك أبو البراء وهو الذي أعطاه العهد، اللي غدر هو عامر بن الطفيل شخص آخر من القبيلة لكنه رأس فيها- فعامر بن الطفيل استعدى القبيلة كما قلنا، استعدى قبيلة بني عامر على الصحابة، فالقتيلة قالت: لن نغفر ذمة أبي البراء. عرفوا أن أبا البراء كان أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عهداً بأن يحافظ على الصحابة وألا يغدر بهم أحد، فقالوا: نحن لن نقاتل معك.
فالآن استصرخ عليهم من؟ ذهب إلى قبيلة بني سليم، ترك قبيلته أدراج المجرم، وذهب إلى قبيلة بني سليم وقال لهم: إن هناك نفراً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دعونا نقضي عليهم. فقبيلة بني سليم أجابوا إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم، خرجوا أحاطوا بالصحابة في بئر معونة، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، الصحابة مباشرة استسلموا الأسلحة، لكن كانت قبيلة بني سليم عددها كبير جداً، ثم قاتلوهم حتى قتلوا من آخرهم، استشهد جميع الصحابة رضوان الله عليهم إلى آخرهم باستثناء كعب بن زيد.
كعب بن زيد أصيب بإصابة قاتلة تركت فيه رمقاً، فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيداً؛ يعني أصيب بجرح دامغ، لكنه طبعا تظاهر بالموت فتركوه، لكن في الحقيقة بقي فيه رمق، والله سبحانه وتعالى كتب له الحياة، والصحابة استطاعوا أن ينشلوه وأن يعودوا به وطيبوه، لكنه استشهد بعد ذلك في غزوة الخندق؛ يعني قريباً يعني ما طول كثير رضي الله عنه.
الآن في الحقيقة هناك رجلان من الصحابة، عمرو بن أمية الضمري ورجل آخر من الأنصار، كانوا مع القراء، لكنهم كانوا ذاهبين في يستكشفون شيئاً معيناً؛ يعني خارجين في مهمة إما طلب غذاء أو طلب خشب أو ما شابه ذلك، فلم يكونوا لحظة وقوع القتل مع الصحابة حول بئر معونة، كان الصحابة أرسلوهم في مهمة معينة كما قلنا، فوقت وقوع القتل والغدر ما كانوا مع الصحابة.
طيب عرفوا، يعني عرف عمرو بن أمية الضمري والصحابي الذي معهما من الأنصار بمقتل الصحابة في بئر معونة، كيف ذلك؟ انظروا ماذا يقول ابن هشام، قال: وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار، فلم ينبههما مصاب أصحابهما إلا الطير تحوم حول العسكر، فقال: والله إن لهذه الطير لشأناً. يعني وهم في المهمة التي ذهبوا إليها رأوا طيوراً كأنها نسور أو صقور تحوم حول منطقة بئر معونة رأوها من بعيد.
فعمرو بن أمية رجل من أهل البادية يعرف، يقول: هذه الطيور التي تحوم حول بئر معونة إنها لا تحوم إلا لشيء حدث عند هذا البئر، فمباشرة عمرو بن أمية ومن معه وللصحابي الذي معه من الأنصار عادوا إلى البئر سريعاً لينظروا ماذا حدث. فأقبلا لينظرا، فاذا القوم غارقون في دمائهم، وجدوا الصحابة غارقين في دمائهم، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ما ترى أن نَفْعَل؟ فقال عمرو بن أمية: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو. المنذر بن عمرو هو سيد الصحابة، فأخذ هذا الأنصاري سيفه ولحق بني سليم واستشهد رضي الله عنه؛ يعني عملية استشهادية ليقاتل وليلحق الركب الذين ارتقوا إلى الله سبحانه وتعالى.
الآن بنو سليم انتبهوا على وجود عمرو بن أمية الضمري فأخذوه أسيراً، لكن عامر بن الطفيل هذا المجرم الذي هو من قبيلة بني عامر لما سأل عمرو بن أمية وقال له: من أنت؟ فقال له عمرو بن أمية: أنا من قبيلة مضر. عامر بن الطفيل ما أحب أن يصنع مشاكل بينه وبين قبيلة مضر؛ لأن قبيلة مضر قبيلة كبيرة في العرب ولها شوكة. فماذا فعل؟ اكتفى عامر بن الطفيل بجز ناصية عمرو بن أمية الضمري وأعتقه عن رقبة كانت لأمه. فخرج عمرو بن أمية، يعني أم عامر بن الطفيل كانت نذرت أن تعتق رقبة لوجه الله، فعامر بن الطفيل هذا الرجل المجرم أعتق عمرو بن أمية الضمري لوجه الله حتى يوفي بنذر أمه. يعني انظروا كيف الشخصية متناقضة؛ يعني أردت أن توفي بنذر أمك لكن تفعل كل هذه الجريمة وتقتل رجلاً من خيرة الصحابة، هذا لا حرج فيه!
المهم، خرج عمرو بن أمية سريعاً لما أطلق سراحه، حتى إذا كان بالقرقرة، أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه. عمرو بن أمية كما قلنا أراد أن يعود سريعاً إلى المدينة ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالحدث، وهو في الطريق نزل في ظل شجرة ليستظل بها، فلقي رجلين من بني عامر نزلا عند هذه الشجرة أيضاً ليستظلا بها، وقد سألهما حين نزلا -أن عمرو بن أمية يسأل هذين الرجلين-: ممن أنتما؟ فقالوا: نحن من بني عامر.
وعمرو بن أمية الضمري من شدة حقده على بني عامر وبني سليم، أمهل هذين الرجلين حتى نَامَا، ومسك سيفه وقتلهما ليثأر للصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم. الذي كان لا يعلمه عمرو بن أمية هذه القضية، الذي كان لا يعلم أن هذين الرجلين كان معهما كتاب عهد وصلح مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو من النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني كانوا قادمين من المدينة ومعهما كتاب عهد وأمان ألا أحد يتعرض لهما. طبعا عمرو بن أمية ما كان يدري بذلك فقتلهما وهو يرى أنه قد أصب بهما ثأره.
فلما قدم عمرو بن أمية على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر ماذا حدث؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد قتلت قتيلي يا عمرو».
لادينهما؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذين الرجلين كان معهما كتاب صلح، وأنت قتلت رجلين معهما صلح مني، فلا يقبل إلا أن أذيهما وأدفع بديتهما إلى القوم.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم، يعني يتأسف النبي صلى الله عليه وسلم كانت حادثة مؤلمة جداً: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفاً. يعني يتأسف النبي صلى الله عليه وسلم يقول: والله كنت حذراً وأخشى من أن يقع هذا، لكنه وقع. وما كان يظن أن عامر بن الطفيل يصنع كل هذه الجريمة النكراء.
ومن شدة حزنه عليه الصلاة والسلام قضى شهراً، شهر كامل يدعو بعد الركوع على هذه القبائل التي قتلت أصحابه. شهر كامل بعد الركوع يدعو على هؤلاء المجرمين الذين قتلوا الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم لشدة حزنه، ولحجم الفقد كان كبيراً، قراء الصحابة علماء الصحابة يقتلون في ليلة واحدة، كان فعلاً أمراً مؤلماً رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
طيب، الآن أحبتي، بسم الله، كما قلنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: لابد أن أدري هذين الرجلين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري. ما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم مال، وما زالت المدينة كما قلنا الحركة التجارية فيها ضعيفة، والنبي صلى الله عليه وسلم في طور تأسيسه لدولته، فما كان عنده مال وافر يستطيع أن يدفع به الدية.
فذهب إلى حلفائه من يهود بني النضير كما قلنا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يعمل وثيقة حلف بين فيها الحقوق والواجبات لكل المواطنين في المدينة المنورة. بنود هذه المعاهدة أن كل سكان المدينة عليهم أن يتعاونوا في دفع الديات، إذا وقعت هناك دية فعلى كل سكان هذه المنطقة، سكان المدينة النبوية أن يشتركوا في دفع الدية، ووافق الكل على هذه الوثيقة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا ذهب إلى بني النضير ليطلب منهم المساعدة في دفع دية هذين الرجلين، يريد أن يدفع ديتهما. انظروا الوفاء، يعني على الرغم من شدة الجراح، وأن بني عامر وبني سليم أثخروا في الصحابة، لكن في النهاية الحق حق والعدل عدل. النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: خلص، بما أن بني عامر فعلوا هذا بأصحابنا وبني سليم. طبعا كما قلنا أغلب بني عامر لم يشاركوا ووفوا بعهد أبي البراء، لكن عامر بن الطفيل ومجموعة من بني عامر ومجموعة من بني سليم هم الذين ارتكبوا هذه الجريمة النكراء.
النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: بما أنهم ارتكبوا هذه الجريمة إذا هذان الرجلان دمهما هدر. لا، يصلح لماذا؟ لأن هذين الرجلين كانا أخذا صلحاً من النبي صلى الله عليه وسلم وعهداً ألا يتعرض أحد لهما. فبالتالي بما أن قتلهما كان فيجب أن ندفع الدية.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية هذين الرجلين من بني عامر الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، بناءً على كما قلنا بنود المعاهدة المدنية، وكان بين بني النضير وبين أبي عامر أصالة عقد وحلف. فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في الدية قالوا: نعم يا أبا القاسم سنعينك. يهود في وجه النبي صلى الله عليه وسلم إيش قالوا؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، نحن سنعينك في هذه الدية، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه.
ثم لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: امكث مكانك حتى نجمع الدية. دخلوا، لما دخلوا في داخل بيوتهم خلا بعضهم مع بعض، فقالوا مع بعضهم: إنكم لن تجدوا هذا الرجل على مثل حاله هذه، يعني هذا أفضل وقت حتى نقضي على محمد صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاهم ما كان معه إلا كم رجل من الصحابة. فالنبي صلى الله عليه وسلم طبعا كان أسند ظهره إلى حائط من أو إلى بيت من بيوت بني النضير.
فمن رجل منكم يا بني النضير؟ الآن نعود إلى الخطاب، هم الآن يتحدثون مع بعضهم البعض: ما رأيكم أن نقتل محمد صلى الله عليه وسلم الآن؟ أتى وحده، معه فقط عدد محدود من الصحابة، واحد منكم يا يهود يخرج على سطح البيت ويلقي عليه صخرة، وينتهي أمره، وننتهي من كل هذه القصة. فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟
فانتدب لذلك رجل من اليهود يسمى عمرو بن جحاش، فقال: أنا لذلك. فصعد هذا الرجل على البيت حتى يلقي الصخرة على النبي صلى الله عليه وسلم والنفر القلال الذين معه من الصحابة، فيهم أبو بكر وعمر وعلي بن أبي طالب كانوا معه. فمباشرة أتى الله سبحانه وتعالى نبيه بالوحي من السماء بواسطة جبريل: أن يا محمد اترك المكان مباشرة، فإن القوم يريدون غدراً.
أتى النبي صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام سريعا قفز من مكانه وخرج راجعاً إلى المدينة. وهنا جاء وقت العقاب: تريدون أن تغدروا؟ المسلمون لا يستذلون، هذه قاعدة أود أن أرسخها في أذهانكم، لأن اليوم للاسف تحتل أراضي المسلمين وتنتهك الأعراض ويؤسر الشباب، وكل هذه الجرائم يفعلها الاحتلال الصهيوني بأراضينا، ثم يأتي وفد المفاوضات ليسلم لهم الورود البيضاء ولنقيم معاهدات ومفاوضات، يظنون أن، أو هم لا يظنون، هم يلعبون، لكن يوهمون ضعاف النفوس وضعاف العقول أن هذه الأراضي التي سُلبت بالقوة يمكن أن تستعاد عن طريق المفاوضات ومجلس الأمن وقرار واحد اثنين واحد إلى آخر هذه القرارات العجفاء التي لا خير فيها في يوم من الأيام. ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، والحقوق تنتزع انتزاعاً.
النبي صلى الله عليه وسلم هل بدأ مفاوضات مع يهود بني النضير؟ أم دعونا نجدد المعاهدة ولا نريد منكم أن تكرروا هذه الفعلة مرة أخرى، وعيب عليكم هذا الذي فعلتموه؟ كلا والله، جهز جيشاً عَرَمْرَماً، قال للصحابة: قوموا قوموا، سنذهب الآن إلى بني النضير لإبادتهم أو لإخراجهم حتى نراحل معهم، الحل العسكري.
النبي صلى الله عليه وسلم وصل المدينة، أخبرهم الخبر، أخبر الصحابة الخبر أن اليهود أرادوا أن يغدروا وجاء الوحي من السماء أنه كانت هناك مكيدة لقتله عليه الصلاة والسلام. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتهيؤ للحرب والمسير إليهم، ثم سار بالناس حتى نزل بمناطق بني النضير. فتحصن بنو النضير داخل الحصون، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل عليهم وبالتحريق.
فنادوه: يا أبا القاسم، يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، يعني محمد لماذا تحرق الشجر؟ أست أنت الذي كنت تنهى عن قطع الشجر؟ نقول: نعم، قطع الشجر عبث من دون فائدة ليس من آداب حربنا، لكن حينما يكون هناك مصلحة في الاقتتال من خلال قطع الشجر، يعني لما يكون قطع الشجر يحصل لنا مصلحة في الغزو ويؤذي العدو، ما في أي حرج شرعي في أن نقطع الشجر وأن نحرق الغابة على العدو الذي هو فيها.
فعلينا أن نفرق: نحن نلتزم بالآداب في القتال، وهذه وصية نبوية: ألا تقطعوا شجراً، ولا تذبحوا غنماً، ولا تقتلوا شيئاً من دون فائدة ومن دون مصلحة. نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم والنصيحة التي كان دائماً الأمراء يحرصون عليها: ولا تقتلوا وليداً، ولا تقتلوا امرأة، ولا تقتلوا راهباً. هذه النصائح التزم النبي صلى الله عليه وسلم بها، لكن لما يكون هناك مصلحة شرعية عليا تقتضي قطع شيء من الشجر أو تحريق غابة أو قتل شيء من الدواب لتحقيق مصلحة شرعية والنكاية في العدو، هنا يصبح التحريق والقطع للأشجار مطلوباً لتحقيق مصلحة نصرة الإسلام والمسلمين، فالقضية دائماً تبنى على المفاسد والمصالح.
الآن المنافقون كالعادة، وهذه سنلاحظها يعني كيف في بني قينقاع جاء عبد الله بن أبي وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقاتل بني قينقاع، ألا يجليهم لأنهم أولياؤه. أيضا اليهود مرة أخرى، علاقة المنافقين باليهود علاقة تاريخية أحبتي، علاقة المنافقين من هذه الأمة باليهود ليست مجرد علاقة معاصرة أو شيء غريب، علاقة تاريخية من أيام محمد صلى الله عليه وسلم، والمنافقون على علاقة وثيقة باليهود، وهم أذناب لليهود ينفذ بهم اليهود كل ما يريدون.
إذا المنافقون الذين كانوا بين أظهر الصحابة من الخزرج ومن الأوس أتوا إلى اليهود وقالوا ليهود بني النضير: لا تتركوا حصونكم ونحن سنقاتل عنكم وندافع عنكم. الله عز وجل قص لنا هذه القصة، قصة هؤلاء المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ﴾ [الحشر: 11] المنافقون إخوان اليهود، المنافقون من هذه الأمة إخوان اليهود، الله عز وجل هو الذي قال ذلك لست أنا، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهدُ إِنَّ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر: 11]. هم كاذبون، هم ضعاف، هم مهزوزون، هؤلاء المنافقون أحبتي هم مهزومون داخلياً، لكن لأنهم أذناب لليهود في كل زمن يقولوا لليهود: نحن معكم ولن نسمح لأحد أن يعتدي عليكم وأن يقتل منكم، سندافع عنكم إلى النهاية، سنحميكم بأرواحنا وأجسادنا. لكنهم والله اعلموا أضعف من ذلك، ﴿وَاللَّهُ يَشْهدُ إِنَّ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر: 11].
المهم كان رهط من بني عوف من الخزرج، منهم عبد الله بن أبي بن سلول ومجموعة من المنافقين، بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا في مواقعكم وتمنعوا فإنا لن نسلمكم لمحمد صلى الله عليه وسلم، إن قتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم.
فاليهود وثقوا بهم ابتداء ومكثوا في حصونهم، لكن لما طال الأمر ووجد اليهود أن المنافقين لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت الميرة والغذاء، وقذف الله في قلوب بني النضير الرعب، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يجليهم. يعني خلص يا محمد، بعثوا رسالة له: يا محمد نحن سنهاجر ونترك هذه الأرض لكن دعنا سالمين لا تقتلنا. فالنبي صلى الله عليه وسلم رضي بهذا العرض، وطلب منهم أن يخرجوا من ديارهم وألا يأخذوا شيئاً إلا ما تحمله الدواب، يعني خذوا حمولة دوابكم إلا السلاح، لا تحملوا معكم دعوا أسلاحكم هنا.
ففعلاً بدأ يهود بني النضير في عملية الترحيل، كما يقول: ومن شدة كرههم وبغضهم للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بدأوا يخربون بيوتهم بأيديهم. يعني جعل الواحد منهم وهو الآن يخلي بيته ويريد أن يجلو، أصبح يخرب البيت ويتلف الجدران ويكسر الأبواب حتى لا يستفيد محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة منها بأي شيء، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار.
إذاً المهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يجليهم وأن يكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم، رضي بهذا العرض، فاحتملوا من أموالهم ما حملته الإبل. فكان الرجل منهم يهدم بيته ويأخذ باب البيت معه فيضعه على ظهر بعيره، تخيلوا يأخذ باب البيت ويحمله على ظهر البعير، لا يريد أن يستفيد محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة من شيء.
أين اتجهوا؟ اتجه يهود بني النضير باتجاه خيبر تحصنوا فيها، ومنهم قسم بقي يسير باتجاه الشام، وكان هذا الركب من بني النضير فيه أشراف بني النضير؛ سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع، وحيي بن أخطب، طائفة كبيرة من صناديد اليهود غادروا باتجاه خيبر والشام.
طبعاً أموال بني النضير كما جاء في الآية كانت مما أفاء الله على رسوله مما لم توجف عليه من خيل ولا ركاب، فلم تعامل معاملة الغنائم وإنما عوملت معاملة الفيء، فكان للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة يستعمله في مصالح المسلمين، يعني لم يكن غنيمة، وإنما كان استعمله النبي صلى الله عليه وسلم لمصالح المسلمين، فقسم أغلبه على المهاجرين لأنهم كانوا فقراء هاجروا وتركوا أموالهم في مكة، فقسم أكثر ما جاءه من بني النضير من الفيء قسمه على المهاجرين، إلا أنه أعطى بعض الفقراء من الأنصار كسيدنا أبي دجانة رضي الله عنه.
هذه كانت حادثة بني النضير، كما قلنا النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يأتي إلى اليهود ليأخذ منهم دية من قتلهم عمرو بن أمية الضمري في حادثة بئر معونة، لكن اليهود أبوا إلا أن يتعامل معهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الشدة، وبما يسمى الآن بالحسم العسكري.
هذا مشهد نلاحظه في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن متعددة، ويدللنا أن الإسلام لا يضعف، وأننا ندعو بالحجة والبيان ونحاول أن نحقق المصالح الكبرى ونقلل سفك الدماء، لكننا متى استُثيرنا ومتى اعتُدي على حرماتنا فإننا لن نهون، لن نضعف، بل نقاتل كما يقاتل الرجال، وندافع عن حقوق هذه الأمة وننشر دين الله سبحانه وتعالى في الآفاق.
كم ذهب من الوقت أحبتي؟ الظاهر أننا اخذنا وقتاً جیداً. في المحاضرة القادمة بإذن الله نكمل باقي الأحداث التي وقعت في السنة الرابعة من الهجرة، ونراها أيضاً بإذن الله في إعداد السنة الخامسة من الهجرة.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يرزقنا الولاء والحب والنصرة للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا، وأن يرزقنا جواره في جنات النعيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل