بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية للإمام ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه، وما زلنا نسير ونعطر ألسنتنا وقلوبنا بحب محمد صلى الله عليه وسلم. كنا في المحاضرة السابقة أحبتي انهينا الحديث عن أحداث السنة الثالثة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وشرعنا في أحداث السنة الرابعة التي نظمها ابن أبي العز الحنفي في قوله: وكان في الرابعات الغزو أولي بني النضير في ربيع أول، وتكلمنا عن غزوة بني النضير وما الذي سببها وهي حادثة بئر معونة.
ثم قال: وبعد موت زينب المقدمة، وبعده نكاح أم سلمة وبنت جحش، ثم بذل الموعد، وبعدها الأحزاب فاسمع واعدودي، ثم بنو قريظة وفيهما خلف، وفي ذات الرقاع التي ما كيف صلاة الخوف والقصر نومي، وآية الحجاب والتيمم قيل ورجم اليهوديين ومولد الرضا الحسيني. إذاً ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه ذكر مجموعة من الأحداث في العام الرابع من الهجرة، وجعله عاماً غزيراً بالمواقع والمشاهد، لكن في الحقيقة كما عقبت في المحاضرة السابقة أعيد وأكرر اليوم أن كثيراً من الأحداث التي عدها ابن أبي العز في أحداث السنة الرابعة من الهجرة هي في الحقيقة كانت من أحداث السنة الخامسة من الهجرة. وقد أشار ابن أبي العز إلى بعض الخلاف فيما بعض الوقائع التي ذكرها كغزوة الخندق وغزوة بني قريظة، أشار رحمة الله عليه إلى وجود خلاف فيها كما ذكر.
والمحققون من علماء السير يعدون غزوة الخندق وبني قريظة التي تتبعها من أحداث السنة الخامسة من الهجرة وليس من أحداث السنة الرابعة كما ذكر ابن أبي العز، وأيضاً غزوة ذات الرقاع وموضوع آية التيمم الصحيح أنها كانت في السنة الخامسة من الهجرة. لذلك سنذكر كل هذه الأحداث في السنة الخامسة أجلها إلى المكان المعروف لها عند علماء السير: غزوة الخندق ويتبعها بنو قريظة ثم حادثة أو غزوة الرقاع ثم موضوع آية التيمم.
لذلك دعونا نحاول إكمال أحداث السنة الرابعة أو الأحداث التي رجح لنا أنها في السنة الرابعة من الهجرة حتى نكون أدق في التعبير، فذكرنا كما قلنا في المحاضرة السابقة أحبتي واقعة بئر معونة المؤلمة التي استشهد فيها أربعون من القراء من علماء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بعد أن غدر بهم، ثم كيف أن هذه الواقعة كانت سبباً في واقعة بني النضير، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى يهود بني النضير ليساعدوه في دية القتيلين الذي قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وهو لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لهما عهداً وأمانة. حينما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير حاولوا أن يغتالوه من خلال إلقاء صخرة عليه، فالله سبحانه وتعالى عصم نبيه عليه الصلاة والسلام، وعاد النبي عليه الصلاة والسلام بجيش عرمرم فأجلى يهود بني النضير باتجاه خيبر وبلاد الشام. هذه كانت أهم الأحداث التي تطرقنا إليها في المحاضرة السابقة.
دعونا اليوم إذاً نكمل بعض الأحداث في السنة الرابعة من الهجرة. من أحداث السنة الرابعة من الهجرة أحبتي نبدأ بحدث مؤلم وهو وفاة سيدتنا زينب بنت خزيمة الهلالية، التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثالثة من الهجرة. بالتالي تكون هذه المرأة وهي من أمهات المؤمنين رضي الله عنها مكثت عند النبي صلى الله عليه وسلم قرابة عام واحد، ثم توفيت رضي الله تعالى عنها، وكانت تلقب بأم المساكين لشدة كرمها وعطائها، فرضي الله تعالى عن أمنا زينب بنت خزيمة الهلالية وتغمدها بواسع رحمته. لذلك قال ابن أبي العز: وبعد موت زينب المقدمة. يعني زينب التي تقدم ذكرها في العام الثالث من الهجرة، هذه زينب التي توفيت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، زينب بنت خزيمة الهلالية.
وقال: وبعده، بعد أن توفيت زينب بنت خزيمة الهلالية رضي الله عنها، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بامرأتين. المرأة الأولى كانت سيدتنا أم سلمة رضي الله عنها، قال: وبعده نكاح أم سلمة، كان في السنة الرابعة من الهجرة. وتذكرون حادثة هجرة أم سلمة وزوجها من مكة إلى المدينة كيف كانت حادثة مؤلمة جداً، كيف أن أبا سلمة هرب يعني هو خرج مع أم سلمة، وفي طريق عرض له قبيلة أم سلمة ومنعوه أن يهاجر بالمرأة، فارتحل وحده رضي الله تعالى عنه، وبقيت أم سلمة عند أهلها، وكيف أنهم تجاذبوا ابنها، قبيلة أبي سلمة تريد الابن لها وقبيلة أم سلمة تريد الابن لها، فتجاذبوا الطفل بل حتى خلعوا كتفه، ثم أخذه قبيلة أبيه فتفرقت العائلة وتشتت.
ثم بعد ذلك كانت أم سلمة كما قلنا تذهب في كل يوم إلى الصحراء تبكي على ما حل بها إلى أن رحمها أحد كفار قريش وطلب من أهلها أن يأذنوا لها باللحاق بزوجها، وفعلاً التحقت هي وطفلها بزوجها في المدينة النبوية، عاشوا حياة هادئة مطمئنة إلى أن توفى الله سبحانه وتعالى أبا سلمة في وقت مبكر. والنبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة حينما مات وأغمض عينيه وقال: «إن الروح إذا قبضت تبعه البصر»، والحديث المشهور، ونصح أم سلمة في ذاك الوقت بأن تقول الدعاء المشهور الذي نقوله عند المصيبة: اللهم اجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها. النبي صلى الله عليه وسلم وصى أم سلمة لما توفي أبو سلمة وصاها النبي صلى الله عليه وسلم أن تكثر من هذا الدعاء: اللهم اجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها.
فتقول سيدتنا أم سلمة: كنت أكثر من هذا الدعاء اللهم اجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها، تكثر منه، ولكني أقول في نفسي: من هو خير من أبي سلمة؟ ذاك الرجل الشهم الشجاع الثابت على دين الله سبحانه وتعالى الذي يشارك في المعارك والغزوات، من هو خير منه؟ من سيأتيني خلف عنه؟ فإذا الله سبحانه وتعالى يسخر لها نبيه صلى الله عليه وسلم فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة. وحينما أرسل النبي عليه الصلاة والسلام حاطب بن أبي بلتعة ليخطبها، أولاً تعذرت أم سلمة أنها امرأة غيور وعندها يعني بنت وابن، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما الغيرة فسأدعو الله عز وجل أن يصرفها عنها، وأما ابنها وابنتها فسيكفيهم الله سبحانه وتعالى». وفعلاً رضيت أم سلمة، وهل تريد أفضل وأعز وأكرم من محمد عليه الصلاة والسلام؟ فالله عز وجل استجاب لها دعاءها لما كانت تقول اللهم اجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها، فجاء من هو خير من أبي سلمة وهو محمد سيد البشرية صلوات ربي وسلامه عليه.
إذاً كتب الله عز وجل لها سعادة في الدنيا وفي الآخرة بأن أصبحت من أمهات المؤمنين وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم، تلك المرأة التي كافحت وثبتت على دين الله وتحملت كل الآلام في مكة وفي المدينة، ها هي الآن تنتقل إلى بيت جديد بيت رفيع عال بيت محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم بعد نكاح النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة أيضاً في العام الرابع من الهجرة تزوج النبي عليه الصلاة والسلام بزينب بنت جحش. وزينب بنت جحش الله سبحانه وتعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن ينكحها، لذلك كانت زينب بنت جحش تفتخر على سائر أمهات المؤمنين فتقول لهن: إن الله عز وجل هو الذي أنكحني لنبيه عليه الصلاة والسلام. وقصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر الله لنبيه عليه الصلاة والسلام بنكاح زينب بنت جحش قصة مهمة لأن لها حكمة ربانية إالهية. زينب بنت جحش أحبتي كانت زوجة لزيد بن حارثة، زيد بن حارثة تذكرون لما تكلمنا في بداية قصة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة عرفنا أن زيد بن حارثة كان عبداً أهداه حكيم بن حزام لخديجة بنت خويلد، وخديجة بنت خويلد أهداته للنبي صلى الله عليه وسلم. فالنبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يبعث إلى هذه الامة بالخير أعتق زيد بن حارثة وتبناه، ولم يكن التبني حراماً حينئذ.
النبي صلى الله عليه وسلم لما أعتق زيد بن حارثة وتبناه فأصبح يسمى زيد بن محمد، وأصبح يسمى زيد بن محمد ويعامل معاملة ابن النبي عليه الصلاة والسلام. الآن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة ووقعت كل الأحداث، فتزوج زيد بن حارثة من زينب بنت جحش، ثم أراد زيد بن حارثة أن يطلقها، والله سبحانه وتعالى قدر كل هذه الأمور ليؤصل حكماً شرعياً في هذه الأمة. فلما أراد زيد بن حارثة أن يطلقها الله عز وجل كما قلنا أمر نبيه بأن ينكحها. لماذا أحبتي؟ حتى يبطل مفهوم التبني تماماً، حتى يبطل مفهوم التبني تماماً. لأن بقيت هناك بعض العادات الجاهلية يعني ترى أن فعلاً الابن الذي تتبناه يكون ابنك الحقيقي فلا يجوز لك أن تنكح امرأة ابنك. مش قلنا زيد بن حارثة كان يسمى زيد بن محمد؟ بالتالي زيد بن حارثة كان يعامل معاملة ابن النبي عليه الصلاة والسلام، فتكون زوجته زينب بنت جحش كأنها زوجة ابنه للنبي عليه الصلاة والسلام.
فلما جاء الإسلام بابطال التبني والغاء أي علاقة بنيت على التبني حتى يرسخ الإسلام تحريم التبني ويؤكده وينفي أي علاقة بنيت عليه، أمر الله عز وجل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن ينكح زينب بنت جحش ليري الناس جميعاً أن زيد بن حارثة الذي كان يدعى قديماً ابنه ليس الآن بابن لي ويحق لي أن أنكح امرأته فهو كرجل من عوام المسلمين. فزيد بن حارثة علاقة النبي صلى الله عليه وسلم به ما عادت علاقة نسب وإنما هو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن ينكح امرأته ويتعامل مع زيد بن حارثة كما قلنا فرد من أفراد الصحابة من دون وجود أي علاقة نسبية. فهذا الزواج لتحقيق هذه الحكمة، وهو إبطال التبني وأي علاقة يمكن أن تبنى على التبني.
والله عز وجل أخبرنا أحبتي في كتابه العزيز: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَىْلَا يَكُونَ﴾ [الأحزاب: 37]. ربنا عز وجل بينا العلة: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، يعني في أزواج من يتبنونهم إذا قضوا منهن وطراً، وكان أمر الله مفعولاً. فلذلك جاء الأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم لنكاح زينب بنت جحش لتأصيل وترسيخ تحريم التبني في التصور الإسلامي. وزينب بنت جحش هي أول أم هات المؤمنين موتاً بعد النبي عليه الصلاة والسلام، يعني لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام أول زوجة من زوجاته لحقته وتوفيت هي سيدتنا زينب بنت جحش رضي الله عنها.
إذاً هذه كانت قصة نكاح أم سلمة ونكاح زينب بنت جحش. لكن في قضية نكاح زينب بنت جحش هناك موضوع أشار إليه ابن أبي العز وهو أنه في يوم زواج زينب بنت جحش بالنبي صلى الله عليه وسلم نزلت الآية المعروفة بآية الحجاب، نزلت الآية التي تعرف عند أهل العلم بآية الحجاب. آية الحجاب هي التي ذكرت في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يستَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53].
ما قصة نزول هذه الآية؟ يقول علماء السير وعلماء التفسير وعلماء الحديث، وقد جاء في ذلك الحديث المتفق عليه عند البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم في صبيحة اليوم الذي تزوج فيه زينب بنت جحش دعا بعض المسلمين إلى وليمة متواضعة وليمة نكاح. دعونا نقرأ هذا الحديث انظر ماذا حدث في هذه الوليمة. يقول ابن كثير رحمة الله عليه: وكان وقت نزولها أي آية الحجاب في صبيحة عرس النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، التي تولى الله تعالى تزويجه أو تزويجها بنفسه. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم إلى طعام وليمة تزوج، فطعموا ثم جلسوا يتحدثون.
إذاً دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت عادة العرب أنهم يأتون قبل الطعام ويأكلون الطعام ويجلسون بعد الطعام. هؤلاء الركب من الصحابة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينضج الطعام وجلسوا يتحدثون ثم طعموا، فلما طعموا النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوقع منهم أن يخرجوا حتى يجلسوا مع عرسه زينب بنت جحش، لكن هؤلاء الصحابة طعموا وجلسوا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا يتجاذبون أطراف الحديث. يقول أنس بن مالك:
فطعموا ثم جلسوا يتحدثون. قال: فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام. جعل النبي صلى الله عليه وسلم يصور نفسه أنه يريد أن يقوم حتى ينتبه القوم فيرتحلوا وينتقلوا ويعودوا إلى منازلهم.
فلم يقوموا وبقيت الصحابة جالسين. فلما رأى ذلك أن القوم ما زالوا جالسين وهناك إصرار على الجلوس، قام النبي صلى الله عليه وسلم. فلما قام عليه الصلاة والسلام وخرج من الباب قام من قام، قام بعض الرهط وبقي ثلاثة نفر بقوا، بقي هؤلاء جالسين في بيت النبي صلى الله عليه وسلم. فجاء النبي عليه الصلاة والسلام ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يتردد، وصلت لهم الإشارة أن قوموا يعني انتهى الأمر.
النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يجلس مع زينب بنت جحش عروسه الجديد، ثم أنهم قاموا، في النهاية قاموا فانطلقوا. قال أنس بن مالك -طبعا أنس بن مالك كان إيش وظيفته؟ كان خادم النبي عليه الصلاة والسلام وكان قبل نزول آية الحجاب يدخل على بيوت النبي صلى الله عليه وسلم- كانت آية الحجاب قد نزلت بعد، فكان يستطيع أنس بن مالك أن يدخل على بيوت النبي صلى الله عليه وسلم حتى مع وجود أزواجه.
فلما نزلت آية الحجاب يقول أنس بن مالك: لما قام هؤلاء القوم والنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يدخل المنزل على زينب بنت جحش، انطلقت فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أن -هو الظاهر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان خارج المنزل لما هؤلاء الثلاثة غادروا، فأنس بن مالك لاحظهم أنهم غادروا فذهب باشر ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمغادرتهم- فجاء النبي صلى الله عليه وسلم. قال أنس بن مالك: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل البيت، فذهبت لأدخل -تبعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم لأدخل معه البيت كالعادة- فألقي الحجاب بيني وبينه.
يعني هذه أول مرة يقول أنس بن مالك: أريد أن أدخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته لأخدمه، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يضع الحجاب بيني وبينه ليستر النبي صلى الله عليه وسلم زوجته زينب بنت جحش عن عين أنس بن مالك. ويقول أنس: وأنزل الله عز وجل الآية الطويلة التي قرأتها لكم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 53] وفيها الأمر بالاحتجاب، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53].
والحجاب هنا كما قلنا الستر، الحجاب هنا بمعنى الستر بين الرجل وبين المرأة بحيث لا يرى الرجل المرأة ولا ترى المرأة الرجل. وهذه الآية تأصل لمفهوم عظيم في الإسلام، وهو أن الأصل في علاقة الرجل مع المرأة الأجنبية هو عدم الاجتماع وألا يخلو بها وألا ينظر إليها. هذا الأصل أحبتي، الأصل في علاقة الرجل مع المرأة الأجنبية ألا يجتمع بها في مكان واحد وألا يخلو بها في مكان واحد وأن تكون هي مستترة عنه، هذه هي الأصول.
الآن كلما أصبحت حاجة للاجتماع في مكان واحد لتحقيق مصالح معينة، كما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يصلون في المسجد وتكون الصحابيات في الخلف، اجتماع وليس اختلاط، هذا اجتماع في مكان واحد للحاجة وهو أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كبيرا، فكان الرجال يقفون في الصفوف الأولى ثم الصبيان ثم بعد ذلك النساء، فكان هناك حاجة للاجتماع في هذا المكان، مع خروج المرأة متسترة بعيدة عن عطرها وما شابه ذلك.
فالإسلام أحبتي في تقنيده لمسألة علاقة الرجل مع المرأة الأجنبية يجعل الأصل في العلاقة بين الرجل والمرأة الأجنبية الأصل في العلاقة عدم الاجتماع، وألا ينظر الرجل إلى امرأة أجنبية. الآن إذا دعت الحاجة إلى الاجتماع، طب يا شيخ نريد دليل على أن الأصل في علاقة الرجل مع المرأة الأجنبية عدم الاجتماع؟ النبي عليه الصلاة والسلام ألم يأته النساء؟ فقالوا: يا رسول الله، غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما تحدثنا به. كان الصحابة يجتمعون والنبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم أمور دينهم.
فالنساء أتو إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما تعلمنا فيه. فالنبي عليه الصلاة والسلام أقرهم على هذا الامر، ما قال لهم: طب تعالوا احضروا معنا في درس الرجال، بل قال لهم: خلاص إذن نعقد لكم يوما. فالنبي عليه الصلاة والسلام أقر على هذا الفهم أن فعلا الأصل في علاقة الرجل مع المرأة الأجنبية عدم الاجتماع وأن كل إنسان ذكرا وأنثى له حياته المنفصلة.
وكذلك من الأدلة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما في خلافته لما رأى الرجال والنساء يدخلون من باب واحد إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قرر أن يفصل بين الجنسين حتى لا يدخل الرجال مع النساء من نفس الباب، فصنع بابا آخر يسمى باب النساء، وهو إلى الآن عندما تذهبون إلى المسجد النبوي هناك اسمه باب النساء، هذا باب فتحه عمر بن الخطاب ليدخل النساء منهن وحدهن، وهذا دليل على أن الصحابة كانوا يفهمون أن الأصل في علاقة الرجل مع المرأة الأجنبية هو عدم الاجتماع.
كما قلنا إذا ضاق الأمر اتسع، وهذه قاعدة فقهية، فمتى أصبح هناك حاجة وداع لاجتماع، فما الأصل؟ الاجتماع وليس الاختلاط ما دام نستطيع نجتمع من دون أن يحدث اختلاط. طب إيش يا شيخ الفرق بين الاجتماع والاختلاط؟ الاختلاط هو امتزاج جنس الرجال بجنس النساء بحيث لا يكون هناك تمايز في الأوامر والمجالس، كما يحدث الآن في جامعاتنا للاسف، أنه تجد الشاب بالقرب من الفتاة، يذهبون ويأتون ويدخلون، يعني امتزاج واختلاط بين الجنسين لا تمايز بينهما البتة في مجلس ومدخل ومخرج، فهذا فرق واسع جدا بين الامتزاج والاجتماع.
فالشريعة كما تقول الأصل عدم الاجتماع، فإن دعت حاجة للاجتماع فنحافظ على الاجتماع من دون اختلاط، كما حدث في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون الرجال في الصفوف الأول ثم يكون فاصل بالصبيان ثم يكون النساء في آخر الصفوف. ومع هذا الاجتماع في المكان الواحد نجد النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ كل الاحتياطات، ويقول للصحابة: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها».
مع أنه في اجتماع، لكن أيضا النبي صلى الله عليه وسلم يحاول أن يغرس في عقول الصحابة أن الأصل الابتعاد بين الجنسين، لأن هناك غريزة لازمة لا يمكن أن ننفيها، لا يمكن أن ننكرها. والذي يحاول إنكارها وإظهار أن أيها المسلمون ما هذا التخلف وهذه الرجعية، وما تخلفتم إلا حينما أصبحتم تفكرون بهذه الطريقة، انظروا الإحصائيات التي تتكلم عن جرائم الاغتصاب والعهر في بلاد الغرب تعلمون قيمة الإسلام، انظروا في كيف أن المرأة لا تأمن على شرفها ولا عرضها إن كانت أصلا تبحث عن شرفها وعرضها، أما إذا كانت هي من نسأل الله العفو والعافية ممن باعت عرضها بثمن من الدنيا بخس فهذه لا عبرة بها.
انظروا في إحصائيات القوم حتى تعرفوا عظمة هذا الدين، حينما أخذ كل الاحتياطات على وجه مستقيم متزن لا يوقع الناس في الحرج والضيق. فكما قلنا، النبي صلى الله عليه وسلم متى أصبح هناك حاجة للاجتماع تجده دائما ينبه الصحابة إلى أنه إذا وقع اجتماع فيكون هناك تباين، ويحث النساء على أن يكونوا في آخر الصفوف ويحث الرجال على أن يكونوا في مقدمة الصفوف. بل أيضا مثلا الأسواق والطرقات، النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح ابن حبان جعل صدر الطريق للرجال وجعل حواشي الطريق للنساء، لأن الطرقات لابد أن يجتمع فيها الرجال والنساء، فلا يصلح أن يكون هناك امتزاج واختلاط تام متى أمكن الفصل.
نساء يمشين على الأرصفة والرجال يمشون في منتصفات الطرقات، يعني إذا كان هناك طبعا سيارات كما في عصرنا يمكن أن يذهب إلى أطراف الطرق من دون أن يكون هناك امتزاج، كما يحدث اليوم أحبتي في طرقاتنا، هذا الرجل يضرب بكتف المرأة والمرأة تضرب بكتف الرجل، ينظر إلى هذه، نسأل الله السلامة والعافية.
الآن إذا الشريعة لاحظوا كيف احتتاطت، فإذا وقع اجتماع هناك ضوابط. إذا وصل الحال إلى الحاجة إلى الاختلاط -وهذه المرحلة الأخيرة، يعني هناك حاجة فعلا ماسة للاختلاط لمصلحة شرعية عظمى، أحيانا مثلا قد يحدث في بعض العمليات الجراحية في بعض المستشفيات أن الطبيب يدخل على المرأة ويحتاج إلى أن يعالجها أحيانا اضطرارا تحدث بعض الأمور خارج طاقة الإنسان، أحيانا يضطر الرجل أن يتعامل مع المرأة في البيع والشراء، أحيانا يضطر الرجل أن يتعامل مع المرأة مثلا في الشهادة في المحاكم، أحيانا يضطر أن يعلمها بعض المسائل- ففي هذه الحالة متى وصلنا إلى مرحلة تعامل الرجل مع المرأة الأجنبية -طبعا كل هذا كلام على المرأة الأجنبية- واحتاجوا إلى شيء من الاختلاط، فيجب دائما أن يكون الاختلاط على قدر الحاجة، على قدر الحاجة، ومتى انتهت هذه الحاجة نعود إلى الحالة الأصلية في عدم الاجتماع.
فأباحت الشريعة بيع الرجل للمرأة وبيع المرأة من الرجل، وأباحت أيضا تعليم الرجال للنساء، وأباحت أيضا كما قلنا معالجة الرجال للنساء، أليس في غزوة أحد كما تقول عائشة؟ عائشة تقول: كنا في غزوة أحد نأتي بقرب الماء فنفرغها في أفواه الصحابة، إذا كان في اختلاط في غزوة أحد، لكن طبيعة المعركة طبيعة الواقع كان يحتم مثل هذا الشكل من أشكال الاختلاط، لكنه اختلاط عرضي. لذلك يقول العلماء الأثباء: اختلاط الرجل مع المرأة الأجنبية إذا وقع وأذنت به الشريعة فإنما يكون اختلاطا عرضيا، ليس حالة ثابتة كما هو الحال في جامعاتنا أحبتي.
حالة الاختلاط في الجامعات حالة ثابتة مستدامة أصبحت هي الأصل للأسف، بينما اختلاط عائشة والصحابيات مع المسلمين في غزوة أحد لمعالجة أمر المعركة ومداواة الصحابة أمر عارض ليس مستداما. معالجة مثلا كما قلنا تعامل الرجل مع المرأة في البيع والشراء هذا أمر عارض، تعليم الرجل للمرأة بعض المسائل هذا أمر عارض ليس أمرا مستداما يبقى فيه والمباشرة العين بلا عين والجسد بالجسد، فإن الإنسان رجلا كان أو امرأة لابد أن تبقى فيه الغريزة. ومهما حاول المتفلسفون أن يظهروا أن الإنسان يستطيع أن يرقى بنفسه ليصبح من دون تفكير بشهوته، هذا أحبتي هذا كلام فارغ، هكذا جبل، هناك غريزة هناك شهوة في داخله.
الشريعة احتتاطت لهذه الأمور أشد الاحتياط للمحافظة على نقاء المجتمع، لم تغلق باب اجتماع الرجال مع النساء تماما ولم تغلق باب الاختلاط تماما لكنها وضعت ضوابط، فجعلت الأصل، الأصل في العلاقة هو عدم الاختلاط وعدم الاجتماع، إذا كان هناك حاجة فإننا ننزل من عدم الاجتماع إلى الاجتماع، والاجتماع المضبوط بضوابطه، إذا طبعا إذا وصلنا للاجتماع ما في داعي للاختلاط، إذا كان الاجتماع، الاجتماع عرفنا ايش الفرق بين الاجتماع والاختلاط، إذا كان الاجتماع يحقق المقصود انتهى الأمر، ما في داعي للاختلاط، إذا اشتق أمره أكثر وأكثر واصبح هناك حاجة للاختلاط ننتقل إلى المرحلة الثالثة مرحلة الاختلاط، لكن يكون هذا الاختلاط اختلاطا أيضا منضبطا بضوابط الشرعية وبقدر الحاجة عرضيا وليس مستداما.
هكذا نجمع بين النصوص الشرعية المختلفة التي وردت في كل باب، لأنه بعض الناس أحبتي اليوم يأخذ نص شرعي ويجعل الأصل في التفكير في هذه المسائل، مسائل الاختلاط والاجتماع وعلاقة الرجل مع المرأة، لا، يجب أن تضع كل النصوص أمامك وتفهم ماذا يريد الشرع، نحن نأخذ مقصود الشارع من كلام الشارع.
فهنا في آية الحجاب الله عز وجل ايش يقول لأمهات المؤمنين وللصحابة حينما يتعاملون معهم، الخطاب موجه ابتداء كان لأمهات المؤمنين، لكن حكمه يسير على كل النساء في كل العصور والأزمان، لأن بعض الحداثيين اليوم يحاول أن يصور أن آية الحجاب هذه خاصة بأمهات المؤمنين، وهذا من الجهل والسفه أحبتي، هم لا يقرأون هنا القرآن بمقاصد الشريعة وبأصول الفقه وبالطريقة العلمية التي يبني عليها العلماء النظر، وإنما يقرأون الشريعة والنصوص بأعين الغرب بأعين الصليبيين ويحاولون لي أعناق النصوص لتوافق أهواء المستشرقين والغربيين لئلا يظهروا أن الدين متخلف وما زال يدعو إلى انفصال الرجل عن المرأة.
أحبتي، والله لو أن هؤلاء ركزوا في تطوير أمتهم، هل نحن إذا أردنا أن نتقدم حضاريا ونصبح أمة منجزة لن يحدث هذا إلا حينما يختلط الرجال بالنساء؟ يعني هذا هو مفهوم الحضارة؟ نركز على الأمور الحضارية الحقيقية، ليتنا نركز في خطابنا الحضاري على تقوية عناصر الإنتاج، على التخطيط، على الإدارة، على الثروات المعدنية، على إصلاح الجوانب الهندسية والبيئية، هنا هنا الحضارة، ليست الحضارة في تحرير المرأة وخلع عفتها وملابسها وأنها تخالط الرجال معا في سوق العمل ويتضاحكون ونوهم أنفسنا أننا أصبحنا في حضارة.
والله هذا هو السفه أحبتي، هذا هو الحمق والجهالة أن نصنع من شيء لا قيمة له في الحضارة حضارة، وندع الشيء الذي له قيمة في حضارة جانبا، يعني فهمتم ايش المشكلة؟ أن الذين يدعون إلى الحداثة وإلى الانفتاح، الأمور التي هي من صلب الحضارة، الأمور الصناعية، الإنتاجية، التفكيرية، التربوية مهمشة عندهم ما فيها إصلاح، والأمور التي تدعو إلى العري وإلى انفتاح الرجال مع النساء وانتشار الخنا يعتبرونها حضارة وتقدم، وإنما هو الهوى وهو إبليس حينما يتربع على عروش هؤلاء القوم.
إذا الله عز وجل ماذا قال في هذه الآية؟ يقول مخاطبا الصحابة وأمهات المؤمنين يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53]، ثم يعلل النص، يعلل لماذا ذلكم وجود الحجاب.
بينكم وبين أمهات المؤمنين أطهر لقلوبكم وقلوبهن. إذا كان الله عز وجل يقول: إن الحجاب يا أمهات المؤمنين أطهر لقلوبكن، وهن أمهات المؤمنين في أعلى درجات الإيمان والطهارة ونقاء القلب والابتعاد عن الزيغ والشهوات؛ فما بالكم بمن هو أقل من أمهات المؤمنين شأناً، وأقل مرتبة في الإيمان؟ أليست هذه العلة أولى بالنساء الأخريات؟
ولا أن الله عز وجل ينصح أمهات المؤمنين، يعني أمهات المؤمنين ضعوا الحجاب لأنه أطهر لقلوبكم، وأما باقي النساء خلص ما شاء الله قلوبهم لا داعي لأن يضعوا الحجاب؟ أو نقول: هذا النص وهذه العلة من باب أولى هي موجهة نساء المؤمنين. فإذا كان الله ينصح ويوجه أمهات المؤمنين بهذا التوجيه وهن أطهر النساء قلوباً وأبەدهن عن مواطن الشبهات، إذن من باب أولى أن تكون هذه العلة مخاطب بها النساء الأخريات اللواتي هن أقل شأناً في الإيمان والورع والتقوى من أمهات المؤمنين.
هكذا التفكير الأصولي العقلي في النظر لهذه الآية، لكن سبحان الله كيف أن الناس تفسد عقولهم وقلوبهم تلبية لأهوائهم. فالله عز وجل أنزل آية الحجاب وأمر نساء المؤمنات بأن يضربن الحجب بينهن وبين الرجال، وإذا كان هناك حاجة الرجل يريدها من المرأة يسألها من وراء حجاب من دون أن ينظر إلى جسد المرأة ويكشفها ويقابلها.
ما دام هناك قدرة على الانفصال وعدم الاجتماع فالشريعة تدعو إلى هذا، وكل شيء كما قلنا. وإذا ضاق الأمر اتسع، لكن اتساعه يكون بضوابط شرعية جداً، وليس الانفتاح على مصراعيه كما يريد الغرب وأذناب الغرب في بلادنا أن يصنعوا. المهم نسأل الله الهداية والتوفيق.
آية الحجاب نزلت بسبب زينب بنت جحش وفي صبيحة زواجها بالنبي عليه الصلاة والسلام. إذا انتهينا من قصة وفاة زينب بنت خزيمة الهلالية ونكاح أم سلمة رضي الله عنها ونكاح زينب بنت جحش ثم نزول آية الحجاب في زواج زينب بنت جحش.
الحدث التالي في السنة الرابعة من الهجرة كان غزوة بدر الآخرة. إيش غزوة بدر الآخرة؟ الآن طبعا أحبتي عندنا غزوة بدر الأولى وهذه مرت معنا، وبعدها بكم شهر كانت غزوة بدر الكبرى وهي غزوة الفرقان التي انتصر فيها المسلمون على المشركين، ثم عندنا غزوة بدر الآخرة. غزوة بدر الآخرة تذكرون أحبتي في نهاية غزوة أحد لما أبو سفيان أصبح يقول: هبل ويوم بيوم.
النبي صلى الله عليه وسلم أمره عمر بن الخطاب أن يرد عليه، والحرب سجار، فقال له عمر بن الخطاب: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. المهم هذا الحوار الذي دار في ختام المعركة، أبو سفيان ماذا قال في النهاية؟ قال للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة بصوت عال: إن موعدنا بدر من العام المقبل.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب: أجبه، نعم موعدنا سيكون بدر في العام المقبل. ففعلا النبي صلى الله عليه وسلم بهمة الرجال أعطى كلمة لأبي سفيان أننا سنلتقي في بدر من العام المقبل، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام ليلتقي بكفار قريش في العام الرابع من الهجرة عند ماء بدر، وكانت هذه غزوة بدر الآخرة.
ما الذي حدث فيها؟ مختصرا يقول ابن هشام رحمة الله عليه: ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان الذي توعدوا عليه في نهاية غزوة أحد. حتى نزل عند ماء بدر فأقام عليه ثماني ليال ينتظر أبا سفيان؛ ثماني ليال النبي عليه الصلاة والسلام ينتظر أبا سفيان.
كان رجل عليه الصلاة والسلام لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يخشى من لقاء أعداء الدين. خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل منطقة قريبة من ممر الظهران، ثم أبو سفيان تململ وقرر أن يعود أدراجه فقال للقوم: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا فرجع الناس.
يعني أبو سفيان أولا خرج بمن معه من كفار قريش، لكن الله عز وجل ألقى في قلوبهم الرعب. فأبو سفيان أصبح يتعلل، يقول لكفار قريش: والله هذه سنة جدب ولا يوجد مطر والدواب والبهائم ضعيفة هزيلة، الغزو لا يصلح له إلا عام خصيب تكون فيه البهائم والدواب قوية، دعونا نرجع هذا العام ونلتقي بهم في موسم آخر.
فعلا الله عز وجل ألقى الرعب في قلوب كفار قريش وجبن القوم عن لقاء النبي صلى الله عليه وسلم فعادوا أدراجهم إلى مكة. والنبي عليه الصلاة والسلام بقي ينتظره وكما قلنا ثماني ليال، ثم لما رأى أن القوم هابوه ولم يأتوا للقائه قرر أن يعود إلى المدينة. هذه إذا هي غزوة بدر الآخرة.
من أحداث هذا العام أيضا أحبتي بعض الأمور الفقهية؛ كان قصر الصلاة الرباعية للمسافر بهذا العام. يعني شرع الله عز وجل قصر صلاة المسافر الرباعية في هذا العام كما يقول ابن عابدين الحنفي، وفي العام الرابع من الهجرة جاء تشريع القصر للمسافر.
أيضا من أحداث هذا العام قصة رجم النبي صلى الله عليه وسلم لليهوديين اللذين زنيا؛ فإن ابن عمر رضي الله تعالى عنه يخبرنا أن اليهود أتوه صلى الله عليه وسلم في رجل وامرأة منهم قد زنيا. فالحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائد الأعلى للمدينة فهو الذي يطبق الأحكام على جميع المواطنين حتى اليهود، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يلزم اليهود بما هو في كتابهم.
فقال لهم: ماذا تجدون في كتابكم؟ يعني التوراة ماذا تقول؟ فقالوا: نضرب وجوههما ويسخمان. كذبوا! قالوا: التوراة تقول لنا اضربوا من يزن وسخموا وجوههما وانتهى الأمر.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: كذبتم، أتُوا بالتوراة فانشروها. فجاءوا بالتوراة -انظروا اليهود، انظروا أفعالهم قديما وحديثا- فنشروها وبدأوا يقرأون النص. النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقرأوا النص الذي عندكم. فجعلوا يقرؤون النص وكان أحد أحبارهم هو الذي يقرأ اسمه ابن صوريا.
فابن صوريا بدأ يقرأ النص الذي في التوراة ووضع يده على آية الرجم وكلمات الرجم في التوراة، فقرأ ما قبلها وما بعدها ولم يقرأ الرجم. النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ارفع يدك. فرفع ابن صوريا يده فإذا الرجم في كتابهم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: آتوا باليهودي واليهودية. فحفر لهما في الأرض ورجمهما. إذا أحبتي؛ رجم الزاني والزانية المحصن بالشروط الشرعية هذا ليس فقط من شرائع الإسلام، بل هو حد أيضا من شرائع اليهود، وهذا حديث متفق عليه يخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الشعيرة رجم الزاني والزانية المحصن بالشروط كانت أيضا في ديانة اليهود وأقره الإسلام ليثبته.
وهذا إجماع أحبتي أن الزاني والزانية المحصنين إذا زنيا يرجمان، والنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ودلت عليها النصوص المستفيضة. فإياكم أن يأتي بعض الجهال والسفهاء اليوم ليقول لكم: لا توجد آية في القرآن الكريم تدل على وجود الرجم، وقضية الرجم مخالفة لوثيقة هيئة الأمم المتحدة، ولا تدل على إنسانية، إلى غير ذلك من الكلام الفارغ الذي يقوله أصحاب العقول الفارغة الذين لا علم لهم بهذا الدين، فضلا عن أنهم أصحاب هوى وأصحاب نفوس منهزمة يردون ما في البخاري ومسلم وما رواه أصحاب السنن وما استفاض عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يوافق عقولهم.
وإنكار الرجم يخشى على صاحبه من الكفر؛ أنا هنا صريح جدا. الرجم هذه شعيرة لم ينكرها أحد من الأمة عبر القرون، أجمعت عليها الأمة وأطبقت ولم ينكرها أحد عبر القرون المسلمة، ليأتي بعض سفهاء اليوم في إعلامنا وفي إذاعاتنا وبعض من يضعون الطيالسة أو يربون شيئا من اللحى ويزعمون أنهم يفسرون القرآن، يأتي هؤلاء السفهاء الجهال ليقولوا لكم: إن الرجم لم يثبت بشكل صريح واضح قطعي، وإن الأحاديث التي وردت في البخاري ومسلم هي أحاديث ظنية وكيف نثبت حدا؟
إلى غير ذلك من المقدمات الفاسدة التي تدل على فساد عقولهم وقلوبهم وأنهم أصحاب شبهات وليسوا أصحاب ديانة. أحبتي؛ الرجم فريضة. عمر بن الخطاب خرج على المنبر في المدينة وقال للصحابة عموما: إن الرجم حق في كتاب الله، يعني كان هناك آية في القرآن تأمر بالرجم، ثم نسخت هذه الآية بلفظها وبقي حكمها وبقي العمل بها إجماعا مستفيضا بين الصحابة ومن بعدهم إلى عصرنا هذا.
حتى خرج علينا بعض الرويبضة اليوم ليتكلم في أن الرجم مخالف لحقوق الإنسان وغير ذلك من الكلام الفارغ. فعمر بن الخطاب خرج بين أظهر الصحابة وقال: أخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل -وكأن عمر بن الخطاب يتكلم عن زماننا وعن هؤلاء أصحاب اللحى المأجورة الذين يتكلمون بمثل هذه الدعاوى وعدم وجود حد الرجم- لا نجد الرجم في كتاب الله! وإن الرجم حق فعله النبي صلى الله عليه وسلم وفعلناه معه.
فعمر بن الخطاب يقول للأمة: إياكم وأن تظنوا أن عدم وجود آية الرجم أو انتساخها كآية معناها أن حكم الرجم ارتفع، بل هو باق. وكان هذا على مرأى ومسمع من الصحابة جميعا، والكل اتفق على كلام عمر بن الخطاب، وأجمعت الأمة عليه، وكل المذاهب والفرق متفقة عليه.
فمن أين يخرج لنا اليوم أصحاب اللحى المأجورة وأصحاب المناهج المشبوهة الذين يستقون دينهم من عقولهم وليس من وحي ربهم؟ والمشكلة أن بعضهم يجدون احتراما وقبولا عند الناس لأنهم يتباكون على قضية القدس والأقصى، ولان لهم آثارا طيبة في الكلام عن قضايا المسلمين.
أحبتي؛ إن من يتجرأ على شريعة رب العالمين، من يتجرأ على حكم قطعي معلوم من الدين بالضرورة تظاهرت الأمة عليه جيلا بعد جيل، يخشى عليه من الردة والكفر. هذا حكم الله سبحانه وتعالى؛ إياكم أن تغتروا -كما قلنا- بتباكي على قضايا المسلمين، فوالله ما أُوتيت قضايا المسلمين وما ذهب الأقصى وما ذهبت المقدسات إلا من خلال هذه اللحى المأجورة، إلا من خلال هؤلاء المنهزمين أمام الغرب، هؤلاء الضعاف عقليا الذين تشربوا الفلسفات وأعرضوا عن كتاب ربهم وزهدوا بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، تعاظموا في أنفسهم وظنوا أنهم أعدل من البخاري ومسلم وأكثر فهما من علماء المذاهب الأربعة وغيرهم ممن أجمعوا على هذه المسألة.
وهذا في الحقيقة كما قلنا يخشى عليه في دينه إي والله، وأنا إنما أشد في هذا الكلام لأني أعرف أن هناك نابتة تنبت في بلادنا وفي كل بلدان المسلمين يرفعون أعناقهم ليتكلموا في مثل هذه القضايا.
موضوع الرجم لم يطبق عبر التاريخ إلا في أحوال نادرة جدا جدا أحبتي، لأن شروط تطبيق حد الرجم شروط ضيقة جدا جدا لا تتوفر إلا في صور محدودة يصعب أن تحققها. يعني من درس الفقه وعرف ما هي الشروط التي اشتطرتها الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة لتطبيق حد الرجم، من وجود أربعة شهود شاهدوا القضية وإلا تختلف الشهود في توصيفها إلى آخر الأمور، ستصل لمرحلة أن الذي يرجم هو شخص ما عنده أي مروءة، ما عنده أي احترام لرب العالمين ولا للشريعة، زنى أمام مظهر ومرأى من الناس حتى استطاع هؤلاء الأربعة أن يروه في مكان واحد وهو يجاهر بهذا الأمر، أو إنسان يصور نفسه ويببعث هذه الصور الفاضحة له عبر وسائل التواصل إلى غير ذلك.
فاحبتي؛ الأمر ليس بتلك الصورة التي يصورها لكم هؤلاء القوم أنه كيف تطبقون الرجم إلى غير ذلك. نعم؛ الرجم ثابت بكتاب الله ولا يقبل لأحد أن يناقش فيه، لكن صورة تطبيقه ليس كما يفعل أيضا بعض الجهال والغلاة أنهم يطبقونه بأهوائهم وعلى مزاجهم بالطريقة التي يرونها؛ لا، هذا حكم له هيئاته الشرعية وله طرقه والشروط التي ينبغي أن تتوفر فيه قبل أن يطبق وقبل أن ينزل، فإن اختل شرط من هذه الشروط فإن هذا الحد لا يطبق ويذهب إلى حد آخر.
له شروط، لكن كونه له شروط وشروط ضيقة لا يعني هذا أن يتسلق إنسان على شريعة رب العالمين ليلغي هذا الحد من هواه، فإن هذه جرأة على الله عز وجل يخشى على صاحبها من سوء الخاتمة.
إذن موضوع رجم اليهوديين أيضا كان في هذا العام. وفي العام الثالث من الهجرة ولد الحسن، وفي العام الرابع ولد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. سيدنا الحسين من الصحابة الأفاضل ومن أجلّ الصحابة قدرا ومن أحبهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن هذا لا يجعلنا نغلو فيه كما يغلو فيه الروافض؛ فالحسين بن علي رضي الله عنه صحابي من الصحابة الكرام له مواقف مشهودة وهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة إلى غير ذلك من الأحاديث التي ذكرت في فضلهم. لكننا لا نغلو ونجعلهم فوق منازلهم كما يفعل الروافض وغيرهم ممن يتباكون على قتل الحسين وهم الذين خذلوه حينما ذهب الحسين ليطلب النصرة منهم، هم الذين أسلموه لأعدائه حتى قتل شهيدا رضي الله تعالى عنه، وبعد أن قتلوه وأسلموه أتوا الآن ليتباكوا عليه، وهذا والله.
هو الحمق والجهل، فنسأل الله السلامة والعافية من درب الحمقاء. إذن أيها الأحبتي، دعونا الآن ننتقل إلى أحداث السنة الرابعة أو الخامسة من الهجرة، حتى لا أشق عليكم في الوقت.
دعونا الآن أيها الأحبتي ننتقل إلى أحداث السنة الخامسة من الهجرة. يقول ابن أبي العز الحنفي في أحداث هذا العام: وكان في الخامسة -اسمع وثيقي الأفك في غزوة بني المصطلق، ودومة الجندل قبل، وحصل عقد ابنة الحارث بعد- واتصل وعقد ريحانة في ذي الخامسة، ثم بنو لحيان بدء سادسة. إذاً في العام الخامس من الهجرة ذكر ابن أبي العز الحنفي بعض الأحداث المهمة. لكن نلاحظ أن الأحداث في السنة الخامسة من الهجرة قليلة، والسبب في ذلك أن ابن أبي العز الحنفي قدم أهم الأحداث التي وقعت عند المحققين من العلماء في السنة الخامسة، قدمها إلى السنة الرابعة: غزوة الخندق، غزوة بني قريظة، غزوة ذات الرقاع، نزول آية التيمم، كلها قدمها ابن أبي العز للسنة الرابعة، وعند المحققين من العلماء هي السنة الخامسة من الهجرة.
لذلك نحن سنتبع ما عليه المحققون، ونذكر هذه الأحداث في السنة الخامسة من الهجرة. نبدأ بالغزوة الشهيرة وهي غزوة الخندق، وهي أيضاً من الأيام المشهودة في التاريخ الإسلامي، وغزوة مليئة بالعبر والمواعظ والأحكام، حيث ظهر فيها أهل الإيمان الحق وتكشف فيها أهل النفاق، وكما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 11]. كانت معركة الخندق وغزوة الخندق غزوة التمحيص، غزوة التمايز، حتى يظهر من هم أصحاب الإيمان، أصحاب الرسوخ في معرفة الله سبحانه وتعالى، من هم إيمانهم كالجبال. في المقابل، من هم أصحاب النفاق؟ أصحاب النفوس الضعيفة والذين في قلوبهم مرض، الذين يعبدون الله على حرف.
فهناك أناس يعبدون الله على حرف أيها الأحبتي، إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة أي بلاء في دينه أو دنياه انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة، وترك الدين خلفه وانطلق. فلابد إذن من التمحيص، والتمحيص إنما يظهر في مواطن البلاء. فنسأل الله دائماً أن يرزقنا قلباً ثابتاً وإيماناً صادقاً، وألا نكون من أهل النفاق. ودائماً أيها الأحبتي علينا أن نتخوف على أنفسنا، أي والله. يعني الشخص منا يظن نفسه أنه بلغ مرتبة عليا في الإيمان، وأنه لا يمكن أن يكون من أهل النفاق والزيف، الصحابة بل كبار الصحابة كانوا يخشون على أنفسهم من النفاق.
عمر بن الخطاب يرجو سيدنا حذيفة بن اليمان، تمسل رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حذيفة، أنشدك الله، هل ذكرني النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ عمر بن الخطاب صاحب الفتوح، وصاحب الغزوات، وصاحب الأيادي البيضاء في هذا الدين، يخشى على نفسه النفاق، فمن أنا ومن أنت أيها المستمع حتى نأمن على أنفسنا أن نكون من المنافقين؟ ما يدريك في موضوع التخلص من النفاق؟ يعني حينما نتكلم عن المنافقين دائماً نحاول أن نشعر أنفسنا أننا لسنا من هؤلاء، لا، نحن قوم في المرتبة العليا من الإيمان، ولسنا من أهل النفاق ولا يمكن أن يكون النفاق قد دخل في قلوبنا.
لا، أخي الكريم، حينما تسمع قصص المنافقين عليك أن تخشى أن أكون أنا أو أنت منهم، علينا أن نفتش في قلوبنا وننظر في مقدار إيماننا وحجم علاقتنا بالله سبحانه وتعالى. نقيم أنفسنا في مواطن البلاء، بالتأكيد أنا وانت مررنا في مواطن بلاء ومواقف شدة، كيف كان تعاملنا في هذه المواقف؟ هل شعرنا بالزعزعة؟ هل شعرنا بالضعف والابتعاد عن الله والانهزام؟ هل سخطنا وتذمرنا وأعترضنا على قدر الله سبحانه وتعالى؟ أم كنا من أهل الثبات؟ التجأنا إلى الله؟ سألناه أن يصبرنا، قلنا: يا رب، آجرنا في مصيبتنا وأخلفنا خيراً منها.
فإذاً في مواطن البلاء يظهر الإيمان الحق، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً. ولاهمية هذه الغزوة أيها الأحبتي في التاريخ الإسلامي، الله عز وجل سمى سورة كاملة في القرآن باسمها، غزوة سورة الأحزاب، سورة الأحزاب، سورة سماها الله عز وجل بماذا؟ باسم هذه الغزوة. يعني ما عنا في القرآن سورة اسمه سورة بدر، أو سورة اسمها سورة أحد، لكن عندنا سورة اسمها سورة الأحزاب. وهذا فيه إشارة إلى أهمية هذه السورة. لكن طبعاً ممكن شخص يقول: طيب شيخي سورة الفرقان، أليست هي اسم آخر لغزوة بدر؟ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً. أقول: الذي هناك قوانين المفسرين أن المراد بالفرقان في تلك السورة ليس غزوة بدر، بل المراد بالفرقان هو القرآن الكريم، فإنه يسمى فرقاناً لأن الله فرق به بين الحق والباطل.
والله عز وجل أنظروا كيف بدأت السورة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]. المراد بالفرقان هو القرآن. فالله عز وجل كما قلنا لم يأت بسورة باسم غزوة بدر ولا بغزوة أحد، لكن أتى بسورة باسم سورة الأحزاب، ليدلل أن تلك الواقعة فعلاً كانت واقعة عظمى في التاريخ، وفيها من الدروس والعبر ما يستدعي منا أن نقف عندها بتؤدة وأن نتأمل وأن نستخلص.
غزوة الخندق يقول ابن هشام: وكانت في شوال من السنة الخامسة من الهجرة. لاحظوا، وكانت في شوال من السنة الخامسة من الهجرة. وأيضا ذهب ابن القيم رحمة الله عليه إلى أنها كانت في السنة الخامسة من الهجرة. ما هي المسببات أو الأمور التحضيرية التي سببت وقوع غزوة الخندق؟ دعونا ننظر، من الذي يسبب الحروب للمسلمين عادة؟ ومن الذي يؤلب الناس؟ ومن الذي يدس اليهود؟ في كل عصر وفي كل حين.
يقول ابن هشام: كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير. أيوه، إذاً جماعة بني النضير الذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الرابعة من الهجرة باتجاه خيبر والشام، هؤلاء بقوا يحقدون على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الدعوة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم من ديارهم، فذهبوا ليؤلبوا كفار قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه ليستأصلوهم من شأفتهم.
فابن هشام يقول: رؤساء بني النضير حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا من ديارهم من خيبر حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم: أنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. يعني يهود بني النضير يريدون معركة استئصال حتى يشفوا غليلهم من النبي عليه الصلاة والسلام. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب أولاً، نريد أولاً قبل ما نتكلم في موضوع الغزوة والحرب نريد أن نسألكم سؤالاً: أنتم أهل الكتاب والعلم بما أنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن محمد يعني وأنتم تعلمون ما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد صلى الله عليه وسلم، فنريد أن نسألكم سؤالاً: أفديننا خير أم دينه؟
طبعاً ما هو دين كفار قريش؟ عبادة الأوثان، واليهود يعلمون أن عبادة الأوثان شرك بالله سبحانه وتعالى ويقرؤون ذلك في كتبهم. فكفار قريش ماذا قالوا لليهود؟ نريد أن نسألكم أولاً سؤالاً، نريد منكم يعني الضمان، طمنونا، أينا أصح ديناً؟ هل ديننا أصح أم دين محمد صلى الله عليه وسلم أصح؟ فاليهود -أنظروا حقد اليهود وحسدهم كيف ينطقون بالكفر- قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه.
أنزل الله عز وجل في هؤلاء الرهط من بني النضير الذين قالوا هذه المقالة لكفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوما سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تجَدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: 51-52]. يعني أنتم أهدى من الذين آمنوا إلى أولئك الذين لعنهم الله، ملعونون اليهود، أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً، الشخص الذي يلعنه الله ويطرد من رحمة أحبتي، لا تجدون لهم نصيراً.
طيب يا شيخ، وهذا واقعنا الذي نحيا فيه، ونحن نرى اليهود قد تربعوا على عرش العالم، يتحكمون في المقدرات والأرزاق والبلدان، ويحاربون ويفعلون ما يشاؤون. نعم، المشكلة أحبتي ليست في اليهود، المشكلة فينا نحن، لو أننا اجتمعنا وتوحدنا على كلمة الإسلام، وتألفت قلوبنا على التوحيد الخالص، واجتمعنا على الدفاع عن هذا الدين، ومحاربة أعداء الملة، بدل أن نكون مهزومين، وبدل من أن ندعو لإسقاط حد الرجم كما يفعل بعض الشيوخ اليوم، وبدون أن ندعو إلى تحرير المرأة كما فعل الجهال قديماً وحديثاً، بدلاً من هذه الدعوات الفارغة التي لم تقدم الأمة خطوات إلى الأمام، ما زالت تعيدنا إلى الخلف.
دعونا نتوحد على التوحيد الخالص لله عز وجل، دعونا نعرف كيف نقبل على الله سبحانه وتعالى، كيف نستسلم ونخضع لشريعة رب العالمين؟ كيف نطبق هذه الشريعة في حياتنا ولا نجادل ولا نناقش ربنا فيما أخبرنا به؟ حينما نكون بتلك المرتبة، حينئذ ستكتشفون أن بناء اليهود بناء مهزول جداً، بناء خاوي على عروشه، لكن الذي جعله يعظم في أعينكم هو ضعفكم من الداخل، وليس لقوته، هذه القوة الله عز وجل يهدها في لحظة واحدة.
اليهود في أنفسهم أحبتي مختلفون، متقاتلون، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، بناهم الداخلي ضعيف جداً كبيت العنكبوت، لكن المشكلة ليست فيهم والله، والله إن المشكلة في صفوفنا الداخلية، نحتاج إلى أن نعيد نظرتنا للإسلام، للإيمان، لعلاقتنا بالله، لاستسلامنا للوحي الإلهي، أن نضع عقولنا تحت سلطان الشرع، وليس عقولنا هي التي تحكم وتتسلط بالتحريف والتعطيل. حينما نصل لتلك المرحلة حينئذ قولوا لي: كيف نقاتل اليهود؟ حينئذ قولوا لي: متى ننتصر؟ حينئذ قولوا لي: متى تنهض الأمة؟ أما أن نبحث عن عز ونصر ونهضة ونحن ما زلنا نحارب ربنا في أحكام شرعه، ونحن ما زلنا نطالب بتحرير المرأة وإفسادها ودعوتها إلى الرذيلة، وندعو إلى إلغاء الحدود الشرعية ونعطل النصوص عن معانيها ونقول: نريد أن ننتصر على اليهود، هذا والله والسفه والله أحبتي.
تمام، إذن دعونا نكمل ماذا وقع بين اليهود وبين كفار قريش. اليهود قالوا لكفار قريش: دينكم إذاً أحق من دين محمد صلى الله عليه وسلم. فلما قالوا ذلك لقريش سر ذلك الكفار ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب النبي عليه الصلاة والسلام. كفار قريش سرهم هذا الكلام: يعني اليهود أهل علم وأهل كتاب وأخبرونا أن ديننا خير من دين محمد، إذاً دعونا نعتز بديننا. هكذا فكروا كفار قريش، ودعونا نقاتل محمداً مقاتلة رجل واحد، فبدأوا يجمعون العدة لقتاله.
ثم هؤلاء اليهود الماكرون خرجوا إلى قبيلة أخرى مشهورة في العرب وهي قبيلة بني غطفان، وهذه النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من سارية وفي أكثر من غزوة مرت معنا، حاول أن يرسل لها رسالة إنذار: ألا تفكروا في غزو محمد صلى الله عليه وسلم، وهددهم في معاقلهم وحصونهم، وستكون لنا جولة معهم في معركة فاصلة بإذن الله، لكنها ستتأخر قليلاً. المهم خرج اليهود إلى بني غطفان فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم وأن قريشاً قد تابعوهم.
إذاً بدأ اليهود يجمعون صفوف العرب، فجمعت كفار قريش واجتمع بنو غطفان، خرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب. أبو سفيان بن حرب يعني قاد المشركين في أكثر من غزوة ضد النبي صلى الله عليه وسلم، أنظروا أحبتي، أحياناً والله الانسان ينظر في رحمة الله عز وجل وكيف يقدم للإنسان السعادة على الرغم من كثرة العداء وكثرة الصد عن دين الله التي بذلها في عمره، في لحظة واحدة يكتب الله له السعادة ويكون من أهل الجنة.
أبو سفيان بن حرب أحبتي الذي قاد المشركين في غزوة أحد وفعل ما فعل، الذي قاد المشركين في غزوة الخندق وكان له ما فعل، بعد سنوات سيصبح من فرسان الإسلام ويدافع عن هذا الدين. فأي عظمة أحبتي وأي جلال وأي كرم وأي عطاء من الله سبحانه وتعالى! أقبلوا على الله، توبوا وعودوا إليه، والله ستجدون الله قريباً منكم مجيباً لدعائكم وهمساتكم، يسمع الأصوات ويجيب دعوة المضطر.
إذا الإنسان أسرف على نفسه بالمعاصي عد إلى الله سبحانه وتعالى، يا اخي لا تبتعد عن ربك، إياك أن تظن أن الله عز وجل لن يقبل، الله عز وجل قبل من هو أعظم شر منك، من حارب محمدا صلى الله عليه وسلم وآذاه وحاول قتله، والله قبلهم وجعلهم من فرسان هذا الدين، ألا يقبلك أيها العاصي؟ ألا يقبلك أيها المسرف على نفسك؟ لكن عد إلى الله، تب إلى الله وستجد رباً كريماً جواداً رحيماً.
سمع النبي الآن، كما قلنا، خرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت قبيلة غطفان وعلى قيادتها عيينة بن حصن الفزاري، والحارث بن عوف أيضاً من بني مرة، ومسعر بن رخيلة، هؤلاء كانوا قادة بني غطفان. إذاً قريش أتت بخيلها ورجلها، وغطفان اجتمعت بخيلها ورجلها، أكثر من عشرة آلاف مقاتل الآن يستعدون لمحاصرة المدينة النبوية لاستئصال المسلمين بالكلية، والذي جمعهم على هذه الجريمة النكراء هم اليهود.
لما سمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة استنفار عام، وجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ليكلمهم ماذا نصنع؟ فكان هناك مداولات ومشاورات: هل نخرج للقائهم أم لا نخرج، بل أن نبقى في المدينة؟ طبعا الصحابة تعلموا درساً من غزوة أحد، رأوا أن الخروج كان سبباً لهم إشكالية، فرأوا.
أو أننا نبقى في المدينة، خاصة أن العدد الآن كبير، عشرة آلاف. لا يوجد مجال أن نخرج إلى ساحة مفتوحة في صحراء بين مكة والمدينة لنتقابل. عدد كبير جدا من الكفار وتعداد عظيم جدا سيحاصرون المسلمين ويبيدونهم. فالإنسان يأخذ بالسنن الكونية.
فكان الاقتراح تقريبا شبه إجماع أننا نبقى في المدينة حتى نخوض معهم حرب شوارع في داخل سكك المدينة. إنه لما يكون الجيش كبير، لا يستطيع هذا الجيش أن يدخل كله بين البيوت والأزقة، فلابد يدخل رويدا رويدا جماعات منه. بالتالي تصبح المواجهة مواجهة أخف على الصحابة، أنهم يواجهون عصابة ثم عصابة ثم عصابة.
سيدنا سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أشار باقتراح مهم جدا استفاد من حياته في بلاد الفرس، وهو أن الفرس كانوا ماهرين في صناعة الخنادق. فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم بفكرة الخندق، واستحسنها النبي صلى الله عليه وسلم، واستحسنها الصحابة، وروى فكرة جدا مميزة. وفعلا بدأ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم جميعا متكاتفين يحفرون الخندق حول المدينة.
طبعا ليس حول كل المدينة بالتأكيد، وإنما حول المنطقة التي ستأتي منها تلك الجيوش، ولم يحفروا في المنطقة التي خلف ظهورهم. لماذا؟ لأن الأصل أن الذي سيحمي ظهورهم هم يهود بني قريظة، هم اليهود الذين بقوا في المدينة. ولا يهود بني قينقاع، أكثرهم خرج مع يهود بني النضير، وبقيت الفئة الوحيدة من اليهود في المدينة هي قبيلة بني قريظة.
فكان تقسيم النبي صلى الله عليه وسلم للمعركة أن المسلمين يحفرون الخندق ويواجهون الجيوش من الأمام، وأن يهود بني قريظة وظيفتهم أن يحموا ظهور المسلمين من الخلف. على هذا كان الاتفاق، لأن هذه هي المداخل الوحيدة للمدينة: مدخل أمامي كانت القرود ستأتي منه، ومدخل خلفي فيه يهود بني قريظة. فالمسلمون يحرسون المنطقة الأمامية، ويهود بني قريظة عليكم أن تتولوا المنطقة الخلفية.
تمام، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم الخندق حول المدينة، وعمل فيه النبي صلى الله عليه وسلم من دون تراخ، وعمل فيه المسلمون بكل ما أوتوا من قوة. وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين رجال من المنافقين، كالعادة في كل معركة، في كل خطوة يخطوها النبي صلى الله عليه وسلم، كفر أهل الإيمان ويبرز ويظهر أهل النفاق.
فالنبي صلى الله عليه وسلم بدأ يحفر الخندق بكل نشاط، والصحابة الصادقون حفروا معه بكل قوة ونشاط. من الذي كان ينخذل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويحاول أن يرسل الإشاعات ويرجف القلوب ويخوف الصحابة في تلك اللحظات؟ المنافقون. المنافقون والله أحبتي القرآن حاربهم أشد محاربة، لأن خطرهم على الصف المسلم أكثر من خطر الكفار، لأننا إذا اجتمعنا وكانت جبهتنا متحدة ما في عندنا زعزعة من الداخل، لكل روحه المعنوية عالية، لكل موحد لله، حينئذ أحبتي الله يصمد الكفار أمامنا، لا يصمدون.
انظروا فتوحات حياة المسلمين، لما فتحوا العراق والشام ومصر، كان حجم النفاق ضئيلا جدا جدا، فالجيوش أكلت الأخضر واليابس، الجيوش المسلمة. لكن لاحظوا في لحظات الضعف وفي لحظات استكانة المسلمين وحينما يكونون في حصار من أعدائهم، هنا يظهر النفاق ويرفع رأسه.
فالمنافقون بدأوا يرسلون الإشاعات المغرضة، ويثبطون الروح المعنوية للصصحابة، أن هناك جيش عرمرم سيأتينا، والخندق ماذا سيفعل وكيف سيحمينا؟ المهم تهبيط الروح المعنوية كان دأبهم. وجعل هؤلاء المنافقون يورون بالضعف عن العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته من الحاجة التي لابد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فاذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من العمل.
يعني ابن هشام قل لنا: كيف كان صف المسلمين وصف المنافقين؟ المسلمون كان أحدهم إذا اضطر أنذهب إلى حاجة يريد الخلاء، ولا يريد أن يذهب إلى أهله ليقضي لهم بعض الحوائج، اذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن، يقول: يا رسول الله، سأترك العمل الآن أقضي بعض حوائجي وأعود، فيأذن له النبي عليه الصلاة والسلام.
أما المنافقون فكانوا يتسللون من صف المسلمين ويذهبون إلى أهليهم من دون استئذان للنبي عليه الصلاة والسلام مع أن هذا وقت العمل. فانزل الله عز وجل في بيان حال المؤمنين وحال المنافقين قوله في سورة النور: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: 62-63].
ربنا عز وجل شايف هؤلاء المنافقين الذين من بين أظهر المسلمين ويعودون كالنساء إلى بيوتهم من دون أن يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقول لهم الله: إني مطلع عليكم عالم بكم ولن تضروا المسلمين شيئا.
إذا كانت لحظات صعبة، والقصص حقيقة كثيرة، يعني القصص التي تروى في كتب الأحاديث والسنة والتاريخ في عملية حفر الخندق وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع حجرين على بطنه من شدة الجوع، والصحابة وضعوا أحجار على بطونهم. ترى كيف الوضع شاق ومتعب والمعركة كانت مخيفة والتجهيزات العسكرية على أشدها، والنبي صلى الله عليه وسلم تحمل كل هذه المشاق والصحابة تعبوا من أجلي وأجلك حتى يصل لنا الدين.
فرحمة الله عليك يا سيدي يا رسول الله، ورحمة الله على ذاك الجيل الذين ربطوا الحجارة على بطونهم وحفروا الخنادق وحموا الإسلام ليصل هذا الإسلام إلى الأجيال اللاحقة، لتبقى هذه الشعلة منيرة في هذه الأمة حتى تكون ذلك سببا في نجاتنا من نار تلظى. نسأل الله أن يعيننا على خدمة هذا الدين وأن يميتنا عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الآن لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق واصطف المسلمون وبدأت التجهيزات العسكرية، وقاربت التجهيزات العسكرية أن تنتهي. النبي صلى الله عليه وسلم طبعا أمر بوضع الأطفال والنساء في داخل حصون معينة بعيدا عن مواطن النزال. واصطف المسلمون، وكان عدد المسلمين يومئذ ثلاثة آلاف، اصطفوا في مقابلة المشركين الذين أتوا وفوجئوا بالخندق، وكان عدد المشركين عشرة آلاف.
ماذا حدث في تلك اللحظة؟ في لحظة الاصطفاف، هل استطاع كفار قريش أن يتجاوزوا الخندق وأن يقتحموه؟ هل يهود بني قريظة وفوا بعهدهم أم كانت هناك خيانة؟ كيف كانت اللحظات الصعبة؟ كيف عاش الصحابة تلك الليالي المرعبة؟ هذا ما سنتحدث عنه بإذن الله في مجلس قادم من مجالس الأرجوزة المائية.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل