تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (17) / غزوة الخندق

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده بشرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية، وها نحن نسير مع محمد صلى الله عليه وسلم في خطوات حياته خطوة خطوة، نتعلم من هديه وأخلاقه وسيرته وسياسته ومنهجه، ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا حباً صادقاً له، وولاء لدينه وشرعته، ونصرة لهديه وسنته، وأن نلقاه في الفردوس الأعلى في جنات النعيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وصلنا أحبتي إلى غزوة عظيمة في التاريخ الإسلامي، وهي غزوة الخندق والمشهورة باسم غزوة الأحزاب، وتحدثنا في المحاضرة السابقة عن بدايات هذه الغزوة، وكيف أن يهود بني النضير هم الذين أججوا كفار قريش وغطفان على أن يسيروا بعشرة آلاف مقاتل المدينة، حقداً من يهود بني النضير على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الإسلام عموماً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أجلاهم من ديارهم باتجاه خيبر والشام، وفعلا زحفت جيوش المشركين باتجاه المدينة وأحاطت بها، وعرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار اصحابه فأشار عليه سلمان بحفر الخندق.

وأما المنطقة الخلفية من المدينة فالاصل أنها كانت في حماية بني قريظة، فالنبي صلى الله عليه وسلم وفقاً لوثيقة المدينة قسم المهام أن المسلمين يحمون الجهة الأمامية اللي هي الجهة الجنوبية باتجاه مكة لأنها كفار قريش أتوا من هذه الجهة، وأما الجهة الشمالية من المدينة فكانت تحت سلطان يهود بني قريظة، ووظيفة اليهود أن يحموا تلك المنطقة ويمنعوا كفار قريش والأحلاف من أن يدخلوا منها.

كما قلنا جاء المشركون بعشرة آلاف مقاتل، والنبي صلى الله عليه وسلم حشد من معه من المسلمين وكانوا ثلاثة آلاف، واصطفوا في مقابلة المشركين وكان الخندق يفصل بين الصفين، واندهش كفار قريش وغطفان لما رأوا الخندق وعرفوا أن هذه المكيدة ليست من بنات أفكار العرب، وإنما اخذها محمد صلى الله عليه وسلم عن الأمم الأخرى، وفعلاً هو أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من خلال سيدنا سلمان الفارسي، وإلا ففكرة الخنادق لم تكن مشهورة بعد عند العرب.

دعونا أحبتي الآن ننطلق لمشهد وهو مشهد خيانة بني قريظة للعهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أتت هذه الخيانة؟ ابن هشام رحمة الله عليه يقص علينا كيف نقض يهود بني قريظة العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم. خرج عدو الله حيي بن أخطب النضري -يهود بني النضير هم الذين حرضوا يهود بني قريظة على الخيانة، انظروا القصة- أخطب وهو من رجالات بني النضير وصل إلى حصون بني قريظة وطرق عليهم الباب، خرج عدو الله حيي بن أخطب حتى أتى إلى بيت كعب بن أسد القرظي، كعب بن أسد القرظي هو سيد يهود بني قريظة.

فطرق عليه حيي بن أخطب الباب -طبعاً يقول ابن هشام: وكان كعب بن أسد القرظي هو صاحب عقد بني قريظة، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعقده على ذلك وعلى عهده- فلما سمع كعب بن أسد بحيي بن أخطب يطرق عليه الباب أغلق كعب باب الحصن دونه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، يعني في البداية كعب بن أسد حاول محاولة أن يفي بعهده مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأغلق باب الحصن في وجه حيي بن أخطب.

فنناداه حيي: ويحك يا كعب افتح لي. فقال كعب: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم، واني قد عاهدت محمداً صلى الله عليه وسلم عهداً فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقاً، يعني اليهود كانوا يدركون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صاحب وفاء وصدق وانه لم يخنم في بلحظة. فقال حيي بن أخطب: ويحك يا كعب افتح لي أكلمك، يعني دعنا نتكلم ونتحاور. فقال كعب: ما أنا بفاعل.

فقال حيي: والله إن أغلقت الحصن دوني إلا على جشيتك أن آكل منها معك. قال: فاحفظ الرجل ففتح له، يعني هو ماذا يريد أن يقول له؟ والله ما أغلقت الحصن دوني إلا خشية أن أشاركك في طعامك وفي شرابك في هذا الحصن، فلذلك أغلقت هذا الباب دوني، طبعاً هذه الكلمة استفزت كعب بن أسد، أني أنا هل أنا حريص على الدنيا لهذه الدرجة أنا بخيل؟ فلما سمع هذه الكلمة من حيي بن أخطب خشي أن يظن الناس أن كعب بن أسد يغلق باب الحصن دون أنصاره من اليهود خشية أن يشاركوه في الطعام والشراب، كان يعتبر هذه معرة.

فلما سمع حيي بن أخطب يقول له: يا كعب أنت ما أغلقت باب الحصن دوني إلا خشية أن أشاركك في طعامك وشرابك، كما قال ابن هشام هذه استفزت كعب بن أسد ففتح باب الحصن وقال: ادخل يا حيي دعنا نتفاهم ونتكلم معك. ففتح له كعب فقال حيي: ويحك يا كعب، لقد جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش على قاداتها وساداتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال، وجئتك بغطفان على قاداتها وساداتها، يعني جئتك بقريش ومعهم القادة والاسياد وجئتك بغطفان ومعهم القادة والاسياد، على ماذا تخاف؟ اغدر بمحمد صلى الله عليه وسلم والكل معك في هذه اللحظة، قد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبارحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه، يعني هناك حلف قوي يا كعب بين قريش وغطفان وتعاهدنا جميعاً ألا نترك المدينة حتى نستأصل محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه.

فكعب بن أسد يقول لحيي: جئتني والله بذل الدهر، أي عز دهر تقول يا رجل؟ جئتني والله بذل الدهر، ويحك يا حيي دعني وما أنا عليه فاني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءً، يعني كعب بن أسد ما زال عقلانياً إلى هذه المرحلة، ما زال يقول: يا حيي دعني وما تدعوني إليه من الشر، دعني ونقضي العهد فاني ما رأيت من محمد إلا صدقاً ووفاءً. فلم يزل حيي بكعب يفتله حتى سمع له على أن أعطاه عهداً من الله وميثاقاً، لإن رجعت قريش وغطفان ولم يقتل محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك.

بقي حيي بن أخطب يوسوس لكعب ويحاول إقناعه من هنا ومن هنا، حتى لين كعب ووافق على أن يغدر بشرط أن حيي بن أخطب يدخل معه في حصن بني قريظة في حالة أن قريش وغطفان غدرت وعادت إلى بلدانها، يعني كعب بن أسد يقول لحي بن أخطب: أنا أوافق على الغدر والخيانة لمحمد بشرط أنه إذا قريش وغطفان خانتنا وغدرت بنا وعادت إلى ديارها، أنت يا حيي ومن معك تدخلون في حصني فيكون مصيرنا واحداً، فحيي بن أخطب وافق على هذا العقد بينه وبين كعب بن أسد، فبالتالي كعب بن أسد زعيم بني قريظة نقض عهده مع النبي صلى الله عليه وسلم وبرئ مما كان بينه وبين الرسول الكريم.

وصل الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فبعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من قادة الأنصار؛ سعد بن معاذ وهو سيد الأوس، وسعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، بعث إذا النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأوس وسيد الخزرج، وانظروا في اختيارات النبي صلى الله عليه وسلم السياسية! ومعهما رجل ثالث وهو عبد الله بن رواحة، ورجل رابع وهو خوَات بن جبير، فقال: انطلقوا إلى يهود بني قريظة حتى تنظروا أحق ما بلغنا عنهم؟ يعني لسه النبي صلى الله عليه وسلم وصلت الأنباء بوجود خيانة في الجهة الشمالية من يهود بني قريظة لكن يريد أن يتأكد مائة بالمائة ولا يريد أن يعتمد على مجرد الرسائل التي تصله.

انظروا: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرُفه، يعني لا تصرحوا أمام المسلمين بأن اليهود غدروا وخانوا لأن المسلمين في تلك المرحلة كانوا في حالة صعبة جداً حصار مطبق على المدينة، وكما وصف الله في سورة الأحزاب: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10]، وكما قال: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: 10]، فالنبي صلى الله عليه وسلم بدهاياته السياسي لم يرد أن يفت في عضد الصحابة وفي عضد المسلمين وأن ينتشر الرعب.

فقال لهؤلاء: إذا تأكدتم من الخبر وأن يهود بني قريظة فعلاً خانوا العهد فالحنوا لي لحناً، يعني أعطوني إشارة وكناية بعيدة أفهم بها الموضوع من دون أن ينتشر الأمر بين المسلمين، وأما إن كانوا ما زالوا على الوفاء فاجْهَروا بين الناس، يعني إذا بقوا على الوفاء اجهروا بين الناس أن اليهود ما خانوا وأنها إشاعات حتى يطمئن الناس وتهدأ القلوب.

فخرج الرهط الأربعة حتى أتوا إلى يهود بني قريظة فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم فيما نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. هنا سعد بن معاذ غضب فبدأ يشتمهم شتماً سيئاً، وكان سعد بن معاذ رجل فيه حدة وهؤلاء اليهود يستحقون الشتيمة أي والله كانوا يستحقون الشتيمة على هذه الفعلة، سعد بن عبادة قال لسعد بن معاذ: اهدأ، فوالله الشتم لن ينفعنا الآن، دعك من مشاتمتهم فما بيننا وبينهم يا سعد أربى من المشاتمة، والموضوع والى أن أصبح خطير، وهناك خيانة يمكن أن تطعن في ظهر المسلمين، دعنا نسارع في حل هذه الإشكالية.

فعاد سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومن معهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه وقالوا: يا رسول الله عضل والقارة! هذه هي الكناية، إيش يعني عضل والقارة؟ تذكرون أحبتي قصة الرجيع لما غدر بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم السبعة: زيد بن الدثنة، وخُبيب بن عدي، وعاصم بن ثابت، من الذي غدرهم؟ ألم تذكروا أن قبيلة عضل والقارة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت يا رسول الله يريد منك أن تبعث رهطاً من أصحابك ليعلموا أقوامنا في ديارهم الإسلام والقرآن، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء السبعة، والسبعة الذين ذكرنا قصتهم وأن عضل والقارة لما وصلوا إلى منطقة قريبة من قبيلة بني هذيل غدروا بالصحابة السبعة واستدعوا قبيلة بني هذيل حتى حاصروا هؤلاء الصحابة واستشهدوا جميعاً كما ذكرنا التفاصيل سابقاً، فعضل والقارة غدرت النبي صلى الله عليه وسلم.

فلما سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريدون أن يعلموه أن يهود بني قريظة غدروا أعطوه رسالة من بعيد أنه يا رسول الله عضل والقارة، يعني اليهود فعلوا فعلة قبيلة عضل والقارة الذين غدروا بك سابقاً في قصة الرجيع، ففهم النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة لما قالوا له عضل والقارة فهم أن اليهود غدروا كغدر هؤلاء القوم.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن هشام في هذه اللحظة لما وصله الخبر أن اليهود غدروا مباشرة سعى ليرفع الهمم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين! انظروا للنجاح في القيادة، النبي صلى الله عليه وسلم كقائد ما هبطت روحه المعنوية، ما شعر باليأس والتململ، بالعكس رفع الروح المعنوية لجنوده وقال لهم أبشروا، الله سبحانه وتعالى سينصرنا حينما تتكالب الأمم ويشتد السواد وتظلم، ولكن يكون المسلمون على قلب رجل واحد حينما يكونوا ملتحمين ملتفين حول قيادتهم معتصمين بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مهما ادلهمت الخطوب وأظلمت الحياة، فنور الإسلام وقوة الإسلام وعز الإسلام يبدد كل هذه الظلمات أحبتي.

نحن مشكلتنا والله في فرقتنا من الداخل، مشكلتنا في تفرق صفوفنا وأننا نتكالب على بعضنا، عدونا مهما بلغ من القوة والتقدم ومهما بلغ من الكيد والمكر لن يستطيع أن يهزم الإسلام، الله ناصر دينه وممكّن له، لكن ما هي المشكلة يا شيخ في كل هذا الذل الذي نعانيه؟ المشكلة أحبتي من داخل صفوفنا، المشكلة في المنافقين الذين بين أظهرنا، المشكلة في عدم إدراكنا بالأولويات، المشكلة أننا نتناحر الجماعات الإسلامية مع بعضنا البعض بدلاً من أن نرتب البيت الداخلي ونعرف أولويات المواجهة وما هي المصلحة العظمى الآن في زمن انهدمت فيه الكليات نجد الصراع على أشده في الفرعيات بين الفرق الإسلامية وهذا نبت من الجهل وعدم معرفة مقاصد هذا الدين وما هي الأولويات التي تدعونا الشريعة أن نلتقي عليها الآن.

فكما قلت لكم لما كان المسلمون ملتحمين حول محمد صلى الله عليه وسلم حول القيادة حول الإسلام، النبي عليه الصلاة والسلام لم يخشَ من غدر يهود بني قريظة بل أدرك أن الله سينصره وأن الله عز وجل سيبدد كل الأحزاب وكل الجموع التي أرادت أن تستأصل الإسلام، هذا وعد الله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55].

لا يشركون بي شيئاً. لكن هذا الاستخلاف له شروطه، له شروطه وأركانه. لابد أن تتحقق هذه الأركان في الأمة حتى نستحق النصر الإلهي والوعد الإلهي بالفرج والتمكين. المهم عظم عند ذلك البلاء.

يقول ابن هشام: واشتد الخوف وأتاهم العدو من فوقهم ومن أسفل منهم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: 9-10]. الآن المدينة محاصرة، اليهود غدروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، بنو قريظة غدروا من الخلف وكفار قريش من... ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾. في تلك اللحظات: ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10-11]. هذه الأقدار الصعبة وهذه اللحظات العسرة يقدرها الله سبحانه وتعالى ليختبر الإيمان، ليبرز أصحاب الإيمان الحق، ليبرز الذين وثقوا بنصر الله سبحانه وتعالى. الذين قالوا كما قال أصحاب طالوت: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].

وفي المقابل يبرز النفاق ويرفع رأسه حتى يعرف الصحابة من هم المنافقون، حتى يدرك الصحابة أن بين أظهرهم أناساً ما زال في قلوبهم مرض. أناساً يجب أن يلفظهم هذا المجتمع وأن يحذر منهم. فهم أهل نفاق، أهل زعزعة، أهل تثبيت، لابد تتمايز الصفوف، ليميز الله الخبيث من الطيب. كيف تمتاز الصفوف إذا لم تكن هناك شدة وبلاء وامتحان؟ انظروا أحبتي اليوم لما وقع بالإسلام ما وقع ولما وقع بالمسلمين في أصقاع الأرض ما وقع من حروب واقتتال إلى آخره. كيف تمتاز؟ كيف يظهر من في قلوبهم مرض؟ أصحاب الألسنة المأجورة وأصحاب الأقلام المأجورة؟ الكل يظهر، والآن النفاق أصبح علنياً، نفاق أصبح علنياً لأن الأمة ضعيفة جداً، بالتالي النفاق أصبح يرفع رأسه يجهر يصدع على وسائل التواصل، على الجرائد والصحف، في الإعلام، في مدارسنا، مؤتمرات، في التنوير، في الحداثة. النفاق الآن ما عاد نفاقاً، أصبح محاربة علنية لله ورسوله. فلابد دائماً أحبتي من البلاء ومن التمحيص حتى تمتاز الصفوف ويظهر المؤمن الخالص من المنافق الكاذب.

إذن يقود ابن هشام وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل الظن، ونجم من بعض المنافقين أي ظهر، حتى قال أحد المنافقين يسمى معتب ابن قشير: ماذا يقول وهو الآن الوضع صعب أحبتي في الحقيقة؟ يعني في أي لحظة يهود بني قريظة كانوا مستعدين للهجوم ومستعدين لأن يفتحوا مناطقهم حتى يأتي منها الكفار ويلتفوا ويدخلوا على المدينة من خلف، وإذا دخلوا من الخلف هنا ستصبح الأمور أصعب وأصعب. ففعلا كانت لحظات صعبة جداً جداً. فهذا المنافق ماذا قال؟ معتب ابن قشير يقول: كان محمد يعدنا أننا سنأخذ كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. انظروا كيف التثبيط! انظروا النفاق أحبتي في المجتمع!

شخص من المنافقين يقول: أحدنا الآن لا يستطيع أن يذهب إلى الغائط ويخشى على نفسه، ومحمد يعدنا بكنوز كسرى وقيصر، أين هذا الوعد؟ طبعا عدم الثقة بنصر، عدم الثقة بكلام النبي صلى الله عليه وسلم هو دليل واضح على أن هذه القلوب لم تطمئن بعد بهذا الدين. وحتى قال رجل من المنافقين يقال له أوس بن قيظي: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا فإنها خارج من المدينة. يعني أصبح المنافقون يتسللون ويحاولون الهروب من اجتماع المسلمين خشية على أنفسهم من القتل والموت.

أقام المشركون بضعاً وعشرين ليلة، يعني تقريبا قريبا من شهر، لم تكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبال والحصار. إذن قريب من شهر وكفار قريش وغطفان يحاصرون المدينة واليهود مستعدون للحظة الصفر كما يقولون يعني. لم يطلق الجميع لحظة الصفر للهجوم، الكفار يحاصرون المدينة، هناك تراشق بالنبال بين الصفين بسبب وجود حاجز وهو الخندق، فكانوا يتراشقون بالنبال وحصار. كان كفار قريش يعولون على أن تنتهي المؤنة من الطعام والشراب داخل المدينة، فالمسلمون تنهار روحهم المعنوية أكثر وأكثر ويأكلهم الجوع والعطش بالتالي يصبح الهجوم على المسلمين أسهل في تلك اللحظات.

فاستمر حصار خانق إذن مطبق حول المدينة من المنطقة الأمامية ومن المنطقة الخلفية. أما كما قلنا المنطقة الغربية والشرقية هذه تسمى الحرة، كان هناك حرة شرقية وحرة غربية وهي مناطق ذات حجارة بركانية سوداء يصعب أن يحاصروا منها أو أن يأتي الكفار منها لأنها مناطق حجارة سوداء وعرة جداً الخيول والجيوش لا تستطيع أن تقتحمها. فلذلك كان الحصار من جهتين.

الآن لما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان. الآن النبي صلى الله عليه وسلم شفقة منه على أصحابه، لما رأى ما بهم من التعب والإجهاد قرابة شهر حصار مطبق، الأطفال والنساء داخل الحصون خشي عليهم، اليهود غدروا، لحظة الصفر اقتربت، في أي لحظة يمكن يحدث هجوم، النبي صلى الله عليه وسلم حزن على أصحابه وأراد أن يخفف عنهم شدة هذا الحصار، فاتخذ قراراً سياسياً، قراراً أن يفاوض قبيلة غطفان بالتحديد أن تعود هذه القبيلة إلى ديارها مقابل أن تأخذ شيئاً من محصول المدينة من الثمار لعدو النبي صلى الله عليه وسلم والآن يعمل بالسياسة.

وهذا وحي من الله سبحانه وتعالى أحبتي. خطوات النبي صلى الله عليه وسلم في سياسة الحرب وفي اتخاذه الإجراءات تدل على أن هناك مساحة جيدة من السياسة الشرعية يجب أن ترعى وأن يراعيها قادة العمل الإسلامي في فهم مصالح المسلمين ومتى نتقدم ومتى نتأخر. هذه السياسة النبي صلى الله عليه وسلم رسمها بينما الثوابت وبين المتغيرات. النبي عليه الصلاة والسلام لم يتلاعب في لحظة من اللحظات ولم يتنازل في لحظة من اللحظات عن جزء من العقيدة، لم يتنازل عن حكم الشرع، لم يتنازل عن مبدأ ديني، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم مفاوضاته في هل في الطعام؟ في الشراب؟ في أمور الدنيا؟ هذه نتنازل عنها، نسلم أموال، يمكن ندفع أموال للعدو ليذهب، كانت السياسة واضحة في هذا المجال. أما في العقيدة والثوابت فلا يوجد تلاعب، لا يوجد مفاوضات عليها حتى نفهم نهج محمد صلى الله عليه وسلم الوسط.

لأن اليوم بعض الإسلاميين يمارسوا السياسة ويزعمون أنها نهج محمد صلى الله عليه وسلم، لكن سياساتهم الانسلاخ من عباءة الدين وإظهار أن الإسلام يقبل جميع الأطراف العلمانية والتنويرية والحداثية ويقبل جميع الأفكار الهدامة، ويظنون أن هذا من السياسة الشرعية وهذا والله أحبتي الانحراف عن منهج الله، ولن يبارك الله عز وجل في عمل هؤلاء حتى ولو زعم أنهم من الإسلاميين. الإسلام ليس شعاراً تدثر به وزينة تضعها على وسائل التواصل أو بتزعم أنك والله إسلامي، الإسلام منهج حياة، ننظر في عملك ونقيس على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، حتى لو ادعيت أنك إسلامي لكن عملك ونهجك لا يخرج من عباءة هذا الدين أعتقد النهج المحمدي لا عبرة بك وبادعائك الإسلامية.

الإسلام هو منهج محمد صلى الله عليه وسلم، هذه هي المسطرة التي نقيس عليها ونقيس عليها أعمال الآخرين. متى رأينا اعوجاجاً وانحرافاً عنها لا نقبل أصحاب تلك الدعوات المنحرفة الهدامة وإن تزينوا بزينة الإسلاميين. الآن كما قلنا النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يتفاوض مع قبيلة بني غطفان فأرسل إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف وهما زعيمان في هذه القبيلة.

نعم، فاعطاهما يعني قال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: نعطيكم ثلث ثمار المدينة على أن ترجعوا بمن معكم. فابتداء وصل الخبر إلى قبيلة غطفان وإلى عيينة بن حصن بالتحديد فجرى بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم شيء من الصلح وكتبوا كتاباً مبدئياً لكن لم تقع الشهادة ولا العزيمة على الصلح إلا المرابطة في ذلك. ماذا يقول ابن هشام؟ يعني كان هناك مكاتبة مبدئية وتراسل مبدئي يعني مفاوضات لكن وكتب كتاب لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحسم أموره بعد حتى يحاور ويناقش أهل المدينة، حتى يحاول يناقش أهل المدينة أنه في النهاية الثمار ثمارهم.

لما النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا تقريبا وصل إلى شبه اتفاق بينه وبين عيينة بن حصن من قبيلة بني غطفان لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا أن يناقش بعض زعماء الأنصار فأتى بسعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما وأطلعهما على الأمر واستشارهما فيه، فماذا قال هذان الرجلان العظيمان؟ انظروا عظمة الإسلام حينما تتجلى في القلوب في شدة الضعف وشدة الحصار! الإيمان كان رقم واحد عند سعد بن معاذ وسعد بن عبادة. انظروا كلمة خلدها التاريخ، فقال له: يا رسول الله، هذه المعاهدة التي تريد أن تعقدها مع قبيلة بني غطفان، أمر تحبه أنت وترى أن الشرع يريده الآن فتصنعه؟ أم شيء أمرك الله سبحانه وتعالى به لابد لنا من العمل به؟ هذا الخيار الثاني. أم شيء تصنعه لنا؟ يعني هل هذا الصلح يا رسول الله شيء أنت تحبه وتريده لنفسك؟ أم وحي من الله أمرك الله به؟ أم من أجلنا مصالحنا تفعل ذلك؟ أعطوه ثلاثة خيارات.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: بل هو شيء أصنعه لكم، لكن هو في النهاية مأذون له فيه. يعني شيء أصنعه لكم لكن هو مأذون به شرعاً، وإلا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يعني ليس إلزاماً من الله سبحانه وتعالى ووحي أمرنا الله عز وجل أن أفعل، هو شيء أذن لي فيه الشرع ولكن أنا أفعله لصالحكم. والله ما أصحابه إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكان أبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. يعني أحببت أن أخفف هذا التكالب عنكم بأن أكسر هذه الشوكة، لأنني إذا ردت قبيلة غطفان هذا يهبط الروح المعنوية لكفار قريش يعودون، بالتالي نتفرغ إلى يهود بني قريظة.

فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعلى عبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأتوا أن يأقلوها تمرة إلا قرى أو بيعاً. يعني يا رسول الله، نحن وهؤلاء القوم قبيلة بني غطفان لقد كنا على الشرك وكنا نعبد الأصنام ونحن على الشرك وعلى عبادة الأصنام، قبيلة بني غطفان لم تكن تحلم أن تأكل من ثمار المدينة شيئاً إلا قرى -ضيافة نعطيها لهم أو لزوارهم- أو نبيعهم بيعاً، ما كانوا يأخذون منا أي، ولم يستطيعوا أن يأخذوا منا طوال إقامتنا على الشرك أي شيء. أفبعد أن أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبالسلام نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة. والله يا رسول الله، لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.

طبعا النبي صلى الله عليه وسلم رأى هذه الشجاعة، هذه الجرأة. سعد بن معاذ يصدح بكل إيمان بكل قوة، سعد زعيم الأوس يقول له: يا رسول الله ونحن مشركون لم يكونوا يشترئون أن يقتربوا منا، الآن بعد أن أعزنا الله بالإسلام نداهن ونعطيهم المال؟ والله ما بيننا وبينهم إلا السيف يا رسول الله. فالنبي عليه الصلاة والسلام أكبر هذا الموقف من سعد بن معاذ وقال له: أنت وذاك. يعني إذا كان هذا رأيك إذاً لك ذلك.

فتناول سعد بن معاذ صحيفة الصلح التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يوقعها مع قبيلة بني غطفان فمحى ما فيها من الكتاب ثم قال: ليجهدوا علينا. يعني ليفعلوا ما يشاءوا، الذي يخرج بأيديهم يصنعوه بلغتنا العامية. وعاد الصحابة لملازمة الثغر والمدافعة عن المدينة. وهذا في الحقيقة مشهد لو وقفت عنده ما فيه من العظمة وجلالة الإسلام، كيف أن الإسلام صبغ قلوب هؤلاء القوم أحبتي حتى أصبحوا لا يهابون اجتماع العالم عليهم، لو تكالبت الأمم عليهم لكان إيمانهم وثقتهم بالله سبحانه وتعالى فوق كل هذا الظلام وكل هذا الاستبداد.

هذه هي حقائق الإيمان حينما تلامس القلوب. نحن أحبتي نعاني من ضعف إيماننا، ضعف في ثقتنا بالله سبحانه وتعالى يجعلنا نشعر دائماً باليأس، إحساس أننا سنهزم، بل هذا الضعف الإيمان ينعكس على حياتنا الشخصية ضعف وعدم ثقة بأن الله هو الرزاق، وأن الله عز وجل هو الذي يكشف الهموم والكربات، وأن الله عز وجل هو الذي يفتح لنا أبواب العمل، وأن الله عز وجل هو الذي ييسر لنا الدعوة. عندنا نوع من الإحباط والضعف والزعزعة في الثقة بالله سبحانه وتعالى.

سعد بن معاذ في خضم هذا البأس والشدة والضيق تنطلق منه هذه الألفاظ، فعلاً إيمان كإيمان الجبال، رحمة الله تعالى على القوم. أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وعدوهم محاصرهم ولم يكن كما قلنا بينهم قتال إلا الرمي بالنبال. ووقعت واقعة صغيرة حدث فيها شيء من الاقتتال يذكرها ابن هشام الآن وهي أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب وبعض كفار قريش تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني...

بنو كنانة خرجوا مع كفار قريش لقتال النبي صلى الله عليه وسلم. هؤلاء الفرسان من قريش عكرمة وابن أبي جهل وعمرو بن عبد ومجموعة من فرسان قريش تلبسوا لمة الحرب، ومروا بمخيمات قبيلة بني كنانة وقالوا لهم استعدوا، اقتربت لحظة الصفر لمهاجمة المدينة. وحاول هؤلاء الفرسان أن يجدوا أضعف نقطة في الخندق ليحاولوا من خلالها التسلل إلى داخل المدينة، بحثوا كما قلنا عن أضعف نقطة في الخندق، نقطة الحفر فيها ما كان جيدا ليتسللوا من خلالها إلى المدينة.

كان يقول ابن هشام: ثم تيمموا أي قصدوا مكانا ضيقا من الخندق فضربوا خيولهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع. وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم. أقبلت الفرسان تعنق نحوهم، فعلا كان يظهر أن هناك منطقة ضعيفة في الخندق استطاعت فرسان قريش هؤلاء الخمسة أن ينزلوا فيها بخيولهم. علي بن أبي طالب أحد الشجعان الكبار أخذ معه مجموعة من الصحابة وذهبوا النقطة حتى يلتقي بهؤلاء الركب.

كما قلنا مواجهة محدودة لأنه مجرد خمسة أو ستة من كفار قريش في مقابل مجموعة من الصحابة، أحد صناديد قريش عمرو بن ود كان مع هؤلاء الفرسان كما قلنا. عمرو بن ود أحبتي هذه الشخصية قاتل في غزوة بدر لكنه أصيب إصابة مثخنة، عاش وعاد إلى مكة، لكن من شدة إصاباته في غزوة بدر لم يستطع أن يشارك مع الكفار في غزوة أحد لشدة إصاباته التي أصيب بها في بدر. فلما كان يوم الخندق كان قد تعافى فخرج مع كفار قريش، هذا رجل من صناديد كفار قريش ومن المقاتلين الأشاوس فيهم.

نزل كما قلنا عمرو بن ود بخيله في الخندق وأصبح ينادي: يا معشر المسلمين، ألا من مبارز؟ فمن الذي خرج له؟ خرج له سيد الشجعان علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ما الحوار الذي دار بينهما؟ دعونا ننظر ماذا يقول ابن هشام: فبرز له علي بن أبي طالب فقال له: يا عمرو، إنك كنت قد عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه. يعني علي بن أبي طالب يقول لعمرو بن ود: يا عمرو، أنت كنت عاهدت الله قديما أنه لا يوجد قرشي يدعوك إلى خلتين إلا اخذت واحدة منهما. فقال له عمرو بن ود: أجل. فقال له علي بن أبي طالب: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام.

هذه الخلة الأولى، أدعوك إلى أن تسسلم. فقال عمرو بن ود: هذه الخلة لا حاجة لي بها، فأعطني الثانية. فقال له: فالثانية أدعوك إلى المنازلة والقتال. فقال له عمرو بن ود: لما يا ابن أخي؟ يعني الظاهر عمرو بن ود كان يحتفظ بولاء واحترام لأبي طالب الذي مات في مكة، فلم يحب أن يقاتل عليا ولا يحب أن يقتله. فقال له عمرو: لما يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك. يعني عمرو بن ود حاسم الأمور أنه يا علي أنا لا اريد أن أقتلك، بدي أحافظ عليك، أعطني غيرك.

فقال له علي بن أبي طالب: لكني والله أحب أن أقتلك. انظروا شجاعة علي بن أبي طالب! شاب أحبتي صغير في الثالثة والعشرين من عمره أو أقل من ذلك يقول مثل هذا الكلام العالي جدا، يقول لأحد صناديد قريش العظام يقول له بشجاعة المسلم: لكني والله أحب أن أقتلك. فحمي عمرو لما عمرو سمع هذه الردة من علي بن أبي طالب، حمي وأخذته النعرة ومسك سلاحه ودخل في نزال مع علي بن أبي طالب. فعلي بن أبي طالب فارس الفرسان عقر خيل عمرو بن ود، فوقع عمرو بن ود على الأرض فصرعه علي بن أبي طالب، ووضع السيف فيه فقتل عمرو بن ود في منتصف الخندق.

شجاعة فائقة يظهرها سيدنا علي بن أبي طالب في شتى المنازلات رضي الله تعالى عنه. أحبتي علي بن أبي طالب رضي الله عن أياديه البيضاء مواقفه العظيمة مشاهده الكبرى، شيء عظيم مذهل. رجل من شجعان المسلمين أثبت في كل المعارك؛ في بدر وأحد والخندق وخيبر وفي كل المشاهد أثبت أنه فارس الفرسان، رجل شجاع دافع عن محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، في المدينة، في الوقائع، في المشاهد؛ ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم لحظة. فإياكم ثم إياكم أن يجاسركم الشيطان عليه أو أن تخوضوا فيه أو أن تقولوا كلمة أو همسة لا تليق بحقه رضوان الله تعالى على علي بن أبي طالب وعلى الصحابة الكرام.

المهم كما قلنا عكرمة بن أبي جهل تابع هذا المشهد، لما رأى أن علي بن أبي طالب استطاع أن يقتل عمرو بن ود في منتصف الخندق هاب وخشي وغادر وهو ومن معه من شبان قريش باتجاه جيوش المشركين عائدين خائبين مرة أخرى. إذن كانت هذه المناوشات وهذا الجذب والأخذ والرد على مدار تلك الأيام. كان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق كما قلنا؛ النبي صلى الله عليه وسلم كان في كل معركة وفي كل غزوة يحاول أن يعطي شعارا لتحميس الجيش، كما قلنا في غزوة أحد كان الشعار: «أمت أمت». وفي غزوة الخندق اتفق المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الشعار شعارا حماسيا، يعني كلمة سر بينهم كما يقولون، وهي: حم لا ينصرون. شعار مهم لرفع الروح المعنوية: حم لا ينصرون. هذه كلمة السر وهذا الشعار اللي كانوا يتعارفون به في هذه الغزوة المباركة.

أقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله عز وجل لنا في كتابه من الخوف والشدة، لأن العدو تكالب عليهم واقتربت ساعة الصفر واقتربوا أن يعلنوا الحرب والدخول إلى المدينة. في تلك اللحظات وبعد أن أثبت المسلمون شجاعة فائقة النظير وبعد أن ثبتوا والتحموا حول قيادتهم، جاء الفرج من الله سبحانه وتعالى رويدا رويدا. أول خيوط الفرج أتت عن طريق نعيم بن مسعود. نعيم بن مسعود أحبتي هذا رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم سرا فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت. هذا رجل من بني غطفان، رجل من قبيلة بني غطفان أسلم سرا ودخل في الصف الإسلامي وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. تريد مني أن أساعدك في فك هذا الحصار، مرني بما شئت وأنا أفعل.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا نعيم، إنما أنت فينا رجل واحد، يعني أنت رجل واحد أكيد لن تقاتل هؤلاء القوم، لكن المطلوب منك أن تثبطهم وأن تخفض الروح المعنوية. قال: فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة. يعني النبي صلى الله عليه وسلم يعطيه الضوء الأخضر أن يذهب ليخدع العدو ويقذف فيه الأراجيف، فإن الحرب خدعة، هذا قانون الحرب، الحرب فيها خداع، والمسلمون ليسوا بلهة، كما أن العدو يمكر ويخدع نحن نمكر ونخدع.

خرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، بدأ نعيم بن مسعود يحبك الفكرة كيف يستطيع أن يدخل الخلاف والنزاع بين هذه الأحزاب المجتمعة، فبدأ أولا بيهود بني قريظة. ذهب إليهم نعيم بن مسعود، يا ترى ماذا قال لهم؟ خرج ابن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، يعني كان على علاقة بيهود بني قريظة وكان دائما يسهر عندهم. فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إليكم، والآن بدأ عملية الخداع، قد عرفت ودي إليكم وخاصة ما بيني وبينكم. فقال يهود بني قريظة: إي صدقت والله، لست متهم. فقال لهم نعيم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، هذه البلد بلدكم فيها أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره. وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم، فإن رأوا قريش وغطفان نهزة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم أي مع كفار قريش حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على ألا تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه. فقالوا له: والله لقد أشرت بالرأي.

خلاصة الموضوع؛ نعيم بن مسعود يقول ليهود بني قريظة: يا يهود بني قريظة، كونوا عقلاء، هذه الأرض هي أرضكم وفيها نساؤكم، أبناؤكم، شبابكم، شيبكم، وأما كفار قريش وغطفان فأهلهم ونساؤهم وأطفالهم في أمان في مكة وفي نجد، كفار قريش وغطفان لم يخسروا شيئا، إذا وجدوا فرصة لقتال محمد صلى الله عليه وسلم قاتلوه، ما وجدوا فرصة عادوا إلى بلادهم آمنين وعادوا إلى نسائهم وأطفالهم. وأما أنتم يا يهود بني قريظة إذا ترككم كفار قريش وتركتكم غطفان وذهبوا، سيخلو بكم محمد وينقض عليكم، ولا تستطيعون أن تواجهوا محمدا وحدكم. يهود بني قريظة فعلا قالوا: كلام نعيم بن مسعود صحيح. فقالوا: ماذا تقترح علينا؟ قال: أقترح أن تطلبوا من كفار قريش ومن قبيلة رهائن من أشرافهم يكونون معكم داخل الحصن حتى تنتهي هذه الواقعة. يعني يا يهود بني قريظة اطلبوا من قريش ومن غطفان رهائن من أشرافهم يدخلون معكم الحصن حتى تنتهي المعركة، لأن كفار قريش وغطفان إذا كان لهم رهائن عندكم لن يتركوا المعركة حتى ينتهي الموضوع، وأما إذا ما كان هناك شيء يخسرونه سيغادرون ويتركونكم وحدكم. فيهود بني قريظة فعلا اقتنعوا بنصيحة نعيم بن مسعود.

هنا نعيم قد تركهم وذهب إلى قريش. ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم الود لكم يا معشر قريش وفراقي لمحمد، كل خداع والخداع جائز ويجوز الكذب في الحرب، وأنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني. كلها حيلة ومكيدة؛ يعني يا قريش أنتم تعلمون أني أخلص لكم في النصيحة، ووصلني أمر أريد أن أخبركم به لكن أرجوكم اكتموا أن نعيم هو الذي أخبركم بذلك. فقالوا: نفعل، أخبرنا.

فقال: هل تعلمون أن معشر اليهود يهود بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينكم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: أن لقد ندمنا يا محمد على ما فعلناه، فهل يرضيك يا محمد أن نأخذ لك من القبيلتين، من قبيلة قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم، فأرسل إليهم أو فأرسل إليهم محمد النعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهائن من رجالكم فلا تدفعوا إليهم أحدا. يعني نعيم بن مسعود ماذا يقول لأبي سفيان؟ يقول لأبي سفيان: يا أبا سفيان، وصلتني أخبار أن يهود بني قريظة ندموا على ما فعلوا من نقض العهد، وبعثوا رسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إننا نادمون على ما فعلنا، وسنطلب من قريش وغطفان أن يعطونا رهائن منهم حتى أنت يا محمد تقوم بضرب أعناقهم، ثم نشترك نحن وانت يا محمد على ختان من بقي من قريش وغطفان. فأبو سفيان اندهش من هذا الخبر؛ هل يعقل أن اليهود غدروا بنا هذه الغدرة؟ فنعيم بن مسعود ماذا قال لأبي سفيان؟ قال: إن طلب منكم اليهود رهينة، إياكم أن تسلموا لهم رجلا واحدا. فكفار قريش قالوا: نعم كما قلت. وقرر كفار قريش أن يتأكدوا بأنفسهم.

المهم نعيم بن مسعود خرج من معسكر قريش ذهب إلى معسكر غطفان. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي لأنه نعيم كان من قبيلة غطفان أصالة وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني. فقالوا: صدقت. فقال: اكتموا عني، أريد أن أعطيكم خبرا. قالوا: نفعل. ثم قالوا له مثل ما قال كفار قريش: إن اليهود ندموا على ما فعلوا، وأرسلوا لمحمد صلى الله عليه وسلم أننا نادمون، وسنأخذ رهائن من قريش وغطفان لتقتلهم، ونشترك نحن وانت على قتال قريش وغطفان، فلا تسلموا لهم أحدا.

لما كانت ليلة السبت من شوال وكان من صنع الله لرسوله أن أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان. المهم كفار قريش وغطفان أرادوا أن يتأكدوا من قوم نعيم بن مسعود، فقريش وغطفان اتفقوا أن يرسلوا عكرمة بن أبي جهل ونفرا من قريش إلى معسكرات يهود بني قريظة ليتكلموا معهم في هذا الأمر. فذهب عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وفي أيضا نفر من غطفان، حتى وصلوا إلى معسكرات بني قريظة فقالوا لهم: أنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه. يعني عكرمة بن أبي جهل ومن معه الوفد اللي معه من قريش وغطفان صرخوا في يهود بني قريظة أنه لقد تعبنا من شدة الحصار ويجب أن نطلق ساعة الصفر ونبدأ حرب محمد صلى الله عليه وسلم لأنه لابد هذا الموضوع أن ينتهي، لا نستطيع أن نستمر أكثر من ذلك.

يهود بني قريظة بدأ الفخ، وقع الجميع في الفخ الذي نصبه نعيم بن مسعود. يهود بني قريظة أرسلوا إلى الوفد القرشي الغطفاني فقالوا لهم: إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا. وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لا يخفى عليكم، يعني أجدادنا لما كانوا يصيدون السمك في يوم السبت الله عز وجل مسخهم قردة وخنازير، فنحن يوم السبت لا نقاتل، تمام؟

وأيضا لسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهائن من رجالكم يكونون ثقة لنا. هنا وقعوا في الفخ، فهود بني قريظة طلبوا رهائن من قريش وغطفان. فيا قريش ويا غطفان -ما زال اليهود يتكلمون-: أنا نخشى إن درتكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تعودوا إلى بلادكم وتتركونا مع هذا الرجل في بلادنا ونحن لا طاقة لنا بقتاله وحدنا. فلما رجعت إليهم الرسل بمقالة بنو قريظة، عكرمة بن أبي جهل قال: والله فعلا صدقنا نعيم بن مسعود. فعاد عكرمة إلى المعسكر القرشي، وعاد الوفد الغطفاني إلى معسكر غطفان وأخبروهم فعلا أن يهود بني قريظة خانوكم وغدروا بكم ويريدون أن يأخذوا منكم رهائن لمحمد، وقالوا: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق.

فأرسلوا إلى يهود بني قريظة: أنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فأخرجوا فقاتلوا. فقالت يهود بني قريظة حين انتهت إليهم الرسل بذلك: والله إن الذي ذكر نعيم بن مسعود حق. كل واحد صار يقول: والله صدقنا نعيم بن مسعود، والله إنهم قوم لا يريدون أن يقاتلوا وأنهم إذا رأوا فرصة انتهزوها وإلا سيعودون إلى بلادهم ويتركوننا مع محمد صلى الله عليه وسلم. فأرسل اليهود إلى قريش: أنا والله لن نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا الرهائن. فأبوا عليهم وامتنعوا، كل فريق من أن ينفذ شروط الفريق الآخر.

هنا جاء النصر الأول من الله سبحانه وتعالى أن الروح المعنوية بدأت تنهد. شعرت قريش وغطفان أن اليهود خذلوهم، كان هذا أول ضعف معنوي. ثم بعد ذلك جاء التأييد الإلهي من الله، جند الله سبحانه وتعالى يسخرهم لنصرة عباده. أحبتي، هذا الكون بسمائه وأرضه ورياحه وأمطاره بكل ذراته هي من الله، والله عز وجل يسخرها ويوجهها لخدمة عباده، لكن بشرط أن يكون هؤلاء العباد يستحقون النصر، قد بذلوا الأسباب حقة وثبتوا حقة. رجال كسعد بن معاذ، رجال كسعد بن عبادة، رجال كسلمان الفارسي، رجال ثابتون على مبادئهم، ثابتون على عقائدهم، باعوا أرواحهم لله سبحانه وتعالى. هنا يأتي النصر الإلهي وتأتي التأييدات الإلهية.

أرسل الله عز وجل ريحا صرصرا عاتية على معسكرات قريش وغطفان. هذه الريح قلعت الخيام، كفأت القدور، وأزاحت الرايات، فأصبحت المعسكرات في بلبلة وخبط. ومع ضعف الروح المعنوية نتيجة خذلان يهود بني قريظة، انهارت الروح المعنوية تماما مع هذه الرياح العاتية. وكان هناك ليل بارد شديد البرودة كما يصفه التاريخ. ماذا حدث؟ بعث الله ريحا في ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم.

فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلاف الذي وقع بين الأحزاب وأن الله عز وجل فرق جماعتهم بخديعة نعيم بن مسعود، دعا النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان وطلب منه أن يدخل سرا إلى معسكر قريش لينظر في الروح المعنوية. لكن انظروا إلى هذا المشهد التاريخي الذي يذكره حذيفة بن اليمان: كيف دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يدخل إلى مخيمات قريش، ولتعلموا كيف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بذلوا الغالي والنفيس. مر الصحابة بساعات صعبة جدا ولحظات من التعب والارهاق، كل هذا من أجل أن يصلنا هذا الدين غضا طريا.

أحبتي، حذيفة بن اليمان وهو في الفتوحات الإسلامية وفي عهد عمر بن الخطاب والمسلمون في أوج الازدهار والتقدم، كان جالس في إحدى الأمصار الإسلامية يحدث الناس الجدد في الإسلام يحدثهم عن تلك الغزوات المباركة وتلك الأيام الصعبة. فالمهم، كان حذيفة بن اليمان في الكوفة، وكان يحدث أهل الكوفة بما وقع في الغزوات. فقال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان -هذا كما قلنا في زمن عمر بن الخطاب-: يا أبا عبدالله -هذه كنية حذيفة- أرأيتم رسول الله؟ أرأيتم رسول الله وصحبتموه؟ فقال حذيفة: إي والله نعم، رأيناه وصحبناه يا ابن أخي. فقال هذا الرجل الكوفي: كيف كنتم تصنعون؟ فقال حذيفة: والله لقد كنا نجهل، يعني تعبنا، دفعنا الغالي والنفيس في حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرت علينا أيام صعبة جدا.

فهذا الرجل الكوفي وهو في الرخاء والنعيم ماذا يقول لحذيفة بن اليمان؟ يقول: والله يا أبا عبد الله لو أدركناه، يعني لو أدركنا رسول الله وعشنا في أيامه ما تركناه يمشي على الأرض، يعني لحملناه على أكفنا. فقال حذيفة: يا ابن أخي، ترى أنت بتكلم كلام أنت لا تعرفه، ترى الأمر أصعب من الأماني والطموحات. جزاك الله خيرا على هذا الاحترام والحب للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن الأمر ليس كما تتصور. عند البلاء والشدة والضيق تبلغ القلوب الحناجر، الأمر مو بالسهولة هذه اللي بتتصورها. أنت الآن وأنت في الرخاء تقول: نعم، لو كنت في أيام محمد صلى الله عليه وسلم لفعلت ولفعلت.

يا بني، انظر إلى هذه القصة. حذيفة بن اليمان بده يخبر هذا الرجل الكوفي الذي يتكلم في النعيم، بده يخبره في لحظات صعبة الكل كان يرجف فيها خوفا، وكيف الله عز وجل هو الذي كان يلقي السكينة على الصحابة. فيقول حذيفة بن اليمان: يا أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بنا في جزء من الليل، يعني في آخر الليل صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم أو في جزء من الليل صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، فلما سلم عليه الصلاة والسلام التفت إلينا وقال: «من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم ثم يرجع؟».

حذيفة يقص على هذا الكوفي تلك الليلة الصعبة، وهذه كانت تقريبا آخر ليلة من الحصار. النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالصحابة جزء من الليل، ثم التفت عليهم وقال: «يا أيها الصحابة، من يذهب يتسلل لي في معسكر قريش يأتيني بخبر القوم ماذا يحدث الآن في داخل معسكرهم؟». ومن يفعل ذلك؟ النبي صلى الله عليه وسلم يعطي وعدا، وأسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة. يعني انظر حجم الوعد، النبي صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق يعطي هذا الوعد المضمون مئة بالمئة: الذي سيخرج الآن ويتسلل إلى معسكر قريش ويأتيني بخبر القوم هو رفيقي في الجنة، يعني انتهى الأمر القضية محسومة.

الآن واحد فينا أحبتي وهو في الرخاء يقول: والله شيء عظيم، إذا والله لو كنت في تلك اللحظة لذهبت، بدك أجمل من أن تكون رفيق النبي في الجنة؟ وهذا وعد حق يستحيل أن يتخلف. والله الواحد، كما قلتها في الرخاء، يقول: والله لو كنت في تلك اللحظة لفعلت. لكن انظروا ماذا حدث في الصحابة، يقول حذيفة: فما قام رجل من القوم من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد. أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، عثمان بن عفان، سعد بن معاذ، سعد بن عبادة، فرسان الإسلام، الكل جالس. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يأتيني بخبر القوم وهو رفيقي في الجنة؟». ولا أحد يقوم.

حتى تعرفوا أحبتي أن تلك الليالي كانت صعبة جدا. اليوم أحدنا في الرخاء يتكلم وينظر ويخوض ويصنع نفسه أنه الإنسان البطل الذي يخوض المعارك لو كان أيام محمد صلى الله عليه وسلم. والله أحبتي، لو كنا أيام النبي صلى الله عليه وسلم لا ندري مع أي الصفوف نكون، الحمد لله الذي ستر علينا، نسأل الله أن يحسن ختامنا وأن يتم ستره علينا. أقول لكم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والصناديد الكبار من الشجعان الذين ثبتوا في المواقع في تلك الليلة الباردة شديدة البرودة والخوف والرعب، والنبي صلى الله عليه وسلم يعطي وعدا عالي، ما أحد يتحرك، ما أحد تحرك، وما أحد قال: أنا يا رسول الله، من شدة الخوف أحبتي، ليالي صعبة.

فلم يقم أحد. حينئذ دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني. قال: «قم يا حذيفة». خلص، الآن هناك قائد أعلى أصدرو أامره، لما رأى أنه ما في أحد يريد أن ينتدب للموضوع نادى طردا من جيشه وكان على هذا الفرد أن يطيع أمر سيده، نادى النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان فقال: «يا حذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا»، أو: «لا تحدث شيئا حتى تأتينا»، ما تصنع أي شيء، تدخل على المعسكر، تسمع الأمور والأخبار ولا تحدث أي شيء، لا تقتل أحدا، لا ترفع سلاحا، لا تحدث أي شيء حتى تأتينا.

قال حذيفة: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل. يعني دخلت في معسكر قريش ورأيت كيف أن الله فعلا سخر جنوده من الريح والبرد فعلت بهم الأفاعيل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا خيمة. حتى قام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، إن أبو سفيان لما الأمور برد وتعب، طريق شديدة، والنيران تطفأ، والقدور تكفأ، يهود بني قريظة خانوا العهد، شعر أبو سفيان بالرعب والضعف الشديد، فقام أبو سفيان ليخطب خطبته الأخيرة في تلك الغزوة.

خرج أبو سفيان فقال لكفار قريش ابتداء قبل أن أكلم: لينظر كل منكم من جليسه. أبو سفيان كان داهية، خشي أن النبي صلى الله عليه وسلم يكون أرسل جاسوسا من طرفه حتى يعرف أحوال المشركين، فأبو سفيان لم يرد أن يظهر ضعف قريش أو أن يصل ضعف قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، فقبل أن يتكلم قال: لينظر كل منكم إلى جليسه. لكن حذيفة بن اليمان كان ذكيا جدا في هذا الموقف.

فلما قال أبو سفيان هذه المقولة، حذيفة بن اليمان مباشرة أَمْسَكَ بيد الذي بقربه قال: من أنت؟ يريد أن يوهمه أنه -يعني حذيفة بن اليمان- أنا أصلا من هذا الجيش: من أنت؟ فحذيفة بن اليمان أخذ بعنصر المبادرة مباشرة، مسك بيد الذي يقف بقربه وقال: ومن أنت؟ فذلك القرشي أجابه وظن أن حذيفة بن اليمان يعني من الجند. فالمهم، فكل واحد منهم قال: نعم، أنا فلان. قال: تمام، خلاص، عرفت من أنت. كان الذكاء شديدا من حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وفعلا النبي صلى الله عليه وسلم عرف من يرسل لتلك اللحظات.

فأبو سفيان بعد أن تأكد خطب خطبته وقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وخانونا وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، لا يطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل. خلاص، ما عاد لنا مقام، دعونا نعود إلى مكة ونترك هذا الحصار.

ثم قام أبو سفيان إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي: ألا تحدث شيئا، لقتلته بسهم. يعني حذيفة بن اليمان يقول: يعني أستطيع أن أقتل أبا سفيان بسهم، لكن لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاني أنه لا تفعل أي شيء، فقط خذ المعلومات وعد، لقتلته. فالتزم حذيفة بن اليمان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هذا حكمة. يعني أحبتي لو أنه كيف قتل أبا سفيان، في الحقيقة لا ندري ماذا ستكون العواقب؟ هنا كفار قريش هما تأخذهم الحمية ويستمر الحصار ويقررون فعلا غزو المدينة. فعلا حذيفة بن اليمان جزاه الله خيرا لم يحدث شيئا وتسلل وعاد إلى جيش المسلمين.

قال حذيفة: فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه، يعني كان كساء كبيرا أخذه النبي صلى الله عليه وسلم من بعض نسائه ليلتحف به من البرد، فصلى وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه. فلما رأى حذيفة بن اليمان قادما -وحذيفة كان يشعر بالبرد القارص الشديد- النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فتح الكساء ليدخل حذيفة بن اليمان فيه. انظروا الود والحب من هذا النبي العظيم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. النبي صلى الله عليه وسلم يدخل حذيفة بن اليمان في الكساء ويغطيه ويكمل صلاته حتى يخفف عنه من شدة البرد.

فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، سأل حذيفة عن الخبر، فأخبره حذيفة أن الروح المعنوية انهدت تماما، وأن أباسفيان بدأ رحلة العودة إلى مكة، قبيلة غطفان وصلت إليها الأنباء أن قريش الآن ستعود أدراجها إلى مكة، فايضا انهارت الروح المعنوية تماما وقررت قبيلة غطفان أن تعود أدراجها إلى نجد. وهنا انتهى الحصار المضروب على المدينة، وانتهت قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأحزاب، لكن بقيت القصة الأخيرة وهي مع الذين خانوا، بقيت القصة مع يهود بني قريظة، ماذا سيفعل النبي صلى الله عليه وسلم الآن بهؤلاء القوم؟

لما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم من تلك الليلة، انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة. النبي عليه الصلاة والسلام كان خرج كما قلنا من بيوت المدينة وخرج باتجاه الحدود، الحدود بينه وبين كفار قريش، جهة الخندق، هذه كانت على حدود المدينة. لما فل الله عز وجل جنود الأحزاب.

النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه أن المعركة انتهت مع الأحزاب، وعادوا إلى بيوتهم في داخل المدينة ووضعوا السلاح. وعند صلاة الظهر أتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا محمد، أراك وضعت السلاح؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم، وضعنا السلاح يا جبريل. فقال جبريل: فما وضعت الملائكة سلاحها بعد وما رجعت إلى الآن من طلب القوم يا محمد، إن الله يأمرك أن تسير إلى يهود بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم، أمر إلهي من الله أنه يا محمد خذ سلاحك وانطلق بمن معك وسنلتقي عند يهود بني قريظة، فإني -جبريل يتكلم- فإني ذاهب إلى حصونهم لأدك عليهم، سأزلزل بهم وأقذف في قلوبهم الرعب.

انظروا يا أحبتي، الله سبحانه يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى يهود بني قريظة ليلقنهم درسا قاسيا، ليتعلم الناس أن هذا الدين لا يغضب به من خاننا، فإننا نزلزل عروشه، من غدر بنا فإننا نستأصل شأفته، هذا هو الإسلام العظيم، إسلام العزة والأنفة، إسلام القوة، إسلامنا ليس هينا علينا، لسنا قوما ضعفاء يغدر بنا ونبتسم، تحتل أراضينا ونقدم الورود، نحن قوم اعزنا الله بالدين، نحن قوم لا نهان، قوم لا نبيع ديننا بعرض من الدنيا بخس.

الله عز وجل يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم: احمل سلاحك، لا تلقي السلاح يا محمد، اذهب إلى يهود بني قريظة ليحكم الله بينك وبينهم. هل هو الدين العظيم بعظمته وأنفته وعزته؟ هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم بسيرته الكاملة عليه الصلاة والسلام، لم ينثني لحظة عن مواجهة المشركين ولا عن الدفاع عن هذا الدين، حمل السلاح عليه الصلاة والسلام واستأصل شأفة كل من يستهين أو يتلاعب أو يتسلق أو يحاول أن يغدر، حتى يعلم الناس اليوم أن هذا الدين أحبتي نصره لا يكون بالابتسامات البيضاء ولا بنثر الورود لأعدائنا الذين يحاربوننا ويأخذون أراضينا وينتهبون خيراتنا، وإنما هذا الدين إنما نصره بالجهاد في سبيل الله، وبالدفاع عن الحرمات، بعد أن تجتمع القلوب وتتوحد الصفوف ويكون هناك من الأفاذ الذين يحسنون قيادة الركب ويعرفون كيف تسير الأمة، لابد من أن نأخذ حقنا بالقوة، فإن ما أخذ بالقوة لا يمكن أن نسترده إلا بالقوة.

النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة لما سمع هذا الأمر من جبريل أطلق النداء العام والنفير العام بين الصحابة: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا أطلق نداء العام، بعث الرسل: لا أحد يصلي العصر إلا في بني قريظة، نادى ظهرا أن صلاة العصر ستكون في حصون بني قريظة، قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب الراية، وقال له: يا علي إلى حصون بني قريظة واسبقنا. فصار علي بن أبي طالب حتى إذا دنا من حصون بني قريظة سمع اليهود يشتمون النبي صلى الله عليه وسلم، فمباشرة عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، لا تدنو من حصون يهود بني قريظة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لماذا يا علي؟ لعلهم شتموني. فقال: نعم يا رسول الله. يعني علي بن أبي طالب حبا وشوقا وتعلقا بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يحب أن يسمع نبيه وحبيبه كلمة سوء. انظروا الحب العميق! كم نسمع من أعدائنا اليوم كلمات تسوء النبي صلى الله عليه وسلم ونحن أذلاء؟ نضع رؤوسنا في الأرض ونقدم الورود لهؤلاء.

علي بن أبي طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، لا تقترب من الحصون، دعنا نحن نناجز القوم. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: يا علي إذا أتيت إلى حصونهم فإنهم لن. كان يدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن اليهود يهابون من شتمه في وجهه صلى الله عليه وسلم، فلما دنا النبي صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ إيش هذا الغدر؟ إيش هاد الخيانة؟ فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا. يعني يا محمد لماذا تقول لنا يا إخوان القردة؟ المهم يعني لا يريد أن يشتمهم، أما كل هذه الخيانة التي كادت أن تقضي على المسلمين هذا أمر سهل هين اعتبرتموه؟ تمام.

بدأ الصحابة يجتمعون والكل يلحق النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه حصون بني قريظة، تلاحق به الناس، فأتى رجال منهم من العشاء الآخرين ولم يصلوا العصر. يعني في أناس من الصحابة -طبعا هذه قضية فقهية- لما النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. اختلف الصحابة في فهمهم، ومن هنا كما يقولون يعني أو في هذا إشارة إلى فتح باب الاجتهاد، هناك من الصحابة من أخذ العبارة بحرفيتها، وقال إذن بما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، لن نصلي العصر مهما كان حتى لو خرج الوقت إلا مع بني قريظة أو في بني قريظة. طائفة أخرى من الصحابة فهمت أنه النبي صلى الله عليه وسلم هو لا يقصد أنه لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة يعني حتى ولو خرج وقت أصل لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، لا، هذه العبارة هي عبارة تحفيزية أن نشد المسير ونسرع باتجاه حصون بني قريظة، لكن إذا أدركنا العصر في طريق ننزل نصلي ونكمل. فهناك من كما يقولون أخذ النص بظاهره، وهناك من أخذ فحوى النص.

والنبي صلى الله عليه وسلم عرف أن هناك طائفة فعلت كذا وطائفة فعلت كذا، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم لا على هذه الطائفة ولا على هذه الطائفة مع أن أحدهم المحق، يعني هناك فهم صحيح وهناك فهم خاطئ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أحد منهم ليعلم الأمة أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، لا إنكار في مسائل الاجتهاد، يعني المسائل التي تقبل الاجتهاد ويمكن أن تتجاذبها الأنظار، لا ينكر أحد على أحد. ومن هنا اختفلت المذاهب، دعوا آراء الفقهاء في أحكام الصلاة والزكاة في كثير من الفروع الفقهية ولم ينكر أحد على أحد، وكل له رأيه ودليله واستدلاله ويرد على من يخالفه، ولكن ما أنكر أحد على أحد، وما قل لأحد من شأن أحد.

المهم يقول ابن هشام: فأتى رجال من الصحابة حتى وصلوا يهود بني قريظة وحصون بني قريظة عند وقت العشاء وهم لم يصلوا العصر بعد، ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يصلين نحو العصر إلا في بني قريظة، أن هذا أمر حتمي أنه ما في صلاة عصر إلا في يهود بني قريظة، فشغلهم ما لم يكن منه بد في حربهم، وأبوا أن يصلوا لقول النبي صلى الله عليه وسلم حتى تأتوا بني قريظة، فصلوا العصر بعد أن دخل وقت العشاء فما عابهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ولا عنفهم. وفي المقابل هناك من صلى في الطريق وأكمل، وكما يقول فقهاؤك ابن القيم وغيره: الطائفة التي أصابت هي الطائفة الثانية التي فهمت فحوى النص أن المراد شدوا سرعتكم وأسرعوا في اللحاق باليهود، ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم إخراج العصر عن وقتها، وإنما هي عبارة المراد منها السرعة في المسير، فلذلك هم صلوا العصر في الطريق لكنهم أسرعوا في المسير، هذه الطائفة التي أصابت والله أعلم. لكن النبي عليه الصلاة والسلام حتى يفتح باب الاجتهاد في النصوص الظنية لم ينكر على أحد من الطائفتين.

حاصر النبي صلى الله عليه وسلم يهود بني قريظة خمسة وعشرين ليلة، حتى جاهدهم الحصار خمسة وعشرين ليلة، والنبي صلى الله عليه وسلم يحاصر يهود بني قريظة حتى تعب اليهود وبدأ الزاد ينفذ وشعروا أن الأمر انتهى، ما أحد سينصرهم، فبدأوا يفكرون ما هو الحل؟ حيي بن أخطب، تذكرون، كان اتفق مع كعب بن أسد أنه في حالة أن الأحزاب من قريش وغطفان عادت إلى بلدانها حيي بن أخطب سيدخل مع كعب بن أسد في الحصن، وفعلا ابن أخطب دخل ووفى بعهده لزميله كعب بن أسد ودخل معه حصن بني قريظة. وقد كان مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه.

فلما أيقنوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد ليهود بني قريظة -هذا هو الزعيم-: قال ليهود بني قريظة: ما رأيكم أن أعطيكم حلول؟ قالوا: ما هي حلولك؟ قال كعب بن أسد: يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون، واني عارض عليكم خلالا ثلاثة، فخذوا أيها شئتم. يعني عندي ثلاث حلول اختاروا أي هذه الحلول الثلاث. فقالوا: ما هي يا كعب؟ فقال: أولا، أما أن نتابع هذا الرجل ونصدقه، يعني ندخل في الإسلام، فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وانه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وعلى أبنائكم ثم نسائكم، ايش رأيكم؟

فقالوا اليهود -انظروا غطرستهم مع أنهم أنظروها يعني وشاهدوا وشاهدوا من أهلي يعني هذا الرجل يقول: احنا عارفين أن هذا الرجل هو النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الذي نجده في التوراة لكننا نكابر- فخلاص دعونا ندخل في هذا الدين وننهي كل الموضوع ونأمن على أنفسنا. فاليهود بغطرستهم واستكبارهم وحسدهم قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل غيرها. فقال كعب: فإن أبيتم علي هذا فهل آآ فهلم أي دعونا نقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مسلطين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، يعني دعونا نذبح أبناءنا ونساءنا. انظروا أهنا وصل بهم الجهل والسفح! دعونا نذبح نساءنا وأطفالنا خلص حتى لا يكون هناك شيء نأسف عليه، وننزل بسيوفنا نقاتل محمد صلى الله عليه وسلم إلى النهاية حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن نساء وأبناء، يعني إذا ظهرن صرنا نتزوج من جديد وننسب وننجب أبناء جدد. فقالوا يعني يهود بني قريظة قالوا: ايش هذا الحل؟ يعني نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدها؟ هل تريد أن تقتل نساءنا وأطفالنا؟ هو هذا حل يعني يا كعب بن أسد؟

فقال لهم كعب: فإن أبيتم علي هذا فإن الليلة ليلة السبت، وانه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب ومن محمد ومن أصحابه غرة. يعني صحيح هذا يوم سبت ومقروف أننا لا نعمل فيه ولا نقوم بأي شيء، ومحمد وأصحابه الآن آمنون، يعلمون أن عادتنا ألا نقاتل في السبت، فما رأيكم أن نأتيهم على حين غرة ونقاتل في السبت؟ فاليهود قالوا: نفسد سبتنا علينا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت أصحاب السبت الذين عملوا في السبت فقلبهم الله قردة وخنازير، فأصابهم ما لم يخف عليك يا كعب من المسخ.

فقال كعب بن أسد حينئذ -يعني ما رضي القوم بأي حل- فقال كعب بن أسد مقولة حق: قال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما. يعني يا جماعة أنتم ما فيش فيكم خير، ما في ليلة من الدهر عشتموها وأنتم حازمون، دائما على اختلاف وضعف وتزعزع، لا يوجد فيكم شخص حازم يحزم أموره في شيء، افعلوا ما تشاؤون.

ثم إنهم، طب ما هو الحل؟ قالوا: ما رأيكم أن نبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يرسل لنا أحد أصحابه لنتحاور معهم ونتشاور حتى ننظر ما هو الحل؟ فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يا محمد ابعث لنا أبا لبابة بن عبد المنذر لنستشيره في أمرنا. اليهود طلبوا هذا الصحابي بالتحديد، أبو لبابة بن عبد المنذر. لماذا طلبوه؟ لأنه كان بينه وبينهم ود في الجاهلية، فقالوا: هذا الرجل بيننا وبينه ود وسينصحنا ما هو الأفضل أن نفعله الآن. فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا لبابة إليهم. فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه. يعني بدأ النساء والأطفال يمسكون أبا لبابة، يهود نساء اليهود وأطفال اليهود يبكون، والرجال: يا أبا لبابة ماذا نفعل؟ وخففوا عنا ودعونا نتوصل إلى حل.

فأبو لبابة كما قلنا كان على علاقة قديمة بهم، رق لهم أبو لبابة، يعني تحزن عليه لما رأى النساء والأطفال، فقالوا له يا أبا لبابة: أترى -بدنا منك مشورة يا أبا لبابة- هل ترى أن ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم؟ تنصحنا أن ننزل على حكم محمد عليه الصلاة والسلام فينا؟ فأبو لبابة هنا أخطأ خطأ، أخطأ خطأ هو أنه قال نعم بلسانه، لكنه أشار بيده إلى حلقه وفعل هكذا، يعني محمد صلى الله عليه وسلم سيذبحكم ذبحا، فهو قال نعم بلسانه، لكنه يريد أن يقول لهم يعني القضية قضية ذبح، فبالإشارة أنه حاولوا تشوفوا حل آخر، لا تقولوا لمحمد صلى الله عليه وسلم ننزل على حكمك، حاولوا أن أن تروا حلا آخرا أو حلا آخر إذا عرفت بأن المشكلة. أين الخطأ الذي وقع فيه أبو لبابة؟ إنه كان المفروض يقول لهم: نعم أنزلوا على حكم محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو قائدي الأعلى وهو يقضي بينكم ولا تأخذه بهم رأفة. لكن كما قلنا أخذته رأفة فقال لهم نعم بلسانه، لكنه أشار بيده إلى حلقه أن محمد صلى الله عليه وسلم حل فيكم الذبح، فبالتالي يعني دبروا حالكم باختصار.

أبو لبابة بمجرد أن تفوه بهذه، بمجرد عفواً أن أشار هذه الإشارة، دخل في قلبه الرعب. انظروا الصحابة كيف مباشرة لو أن شخصهم أخطأ يعود إلى الله سبحانه ويتذكر وينتبه من الخطأ مباشرة. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت عن مكانهما حتى عرفت أني خنت الله ورسوله. خطأ كبير، خطأ كبير كبير فعلته أني قلت لهم إنه محمد صلى الله عليه وسلم سيذبحكم فدبروا حالكم. خطأ. كان علي أن أقول انزلوا على حكم محمد هذا الذي عندي وأذهب. كيف أخبرهم؟ أليس محمد صلى الله عليه وسلم فيهم؟ فشعر أبو لبابة بالخطأ الجسيم الذي فعله. فانظروا كيف كان الصحابة يتوبون من هذه الأخطاء، قال: إن طرق أبو لبابة على وجهه ولم يأت النبي صلى الله عليه وسلم، ما عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ذهب إلى المسجد النبوي وذهب إلى عامود، إلى سارية من سواري المسجد النبوي، وربط نفسه بهذه السارية وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله عز وجل، أي مما صنعت، وعاهدت الله ألا أطأ بني قريظة أبداً، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله. شعر بقبح ما فعله، أنها شكل من أشكال الخيانة. كيف أخبر اليهود بحال النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف أقول لهم دبروا حالكم؟ لا يصلح هذا مني. بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الخبر أن أبا لبابة استخطأ نفسه وشعر أنه قام بشيء من الخيانة، فقال صلى الله عليه وسلم: «لو أن جاءني لاستغفرت له» وانتهى الأمر. لكن بما أنه فعل بنفسه ما فعل، ذهب إلى المسجد وربط نفسه بسارية. دعونا ننتظر حتى تنزل توبة الله عز وجل عليه.

فعلاً بعد أيام، بعد أن انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من قصة يهود بني قريظة، بعد أيام النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى المدينة ونزلت التوبة من الله عز وجل على أبي لبابة. فأم سلمة تقول: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد تاب على أبي لبابة. فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أفلا أبشره بتوبتك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بلى، بشريه إن شئت». فقامت أم سلمة رضي الله تعالى عنها ونادت على أبي لبابة: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. انظروا الصحابة يفرحون لتوبة الله عز وجل على بعضهم البعض، ما كانت بينهم ضغينة أو حسد، أو شخص ينظر إلى شخص آخر أنه فلان فعل معصية سامحه الله، وينظر إليه نظرة دونية، يسرون جداً إذا تاب أحدهم، يسرون جداً إذا أنزل الله عز وجل التوبة والمغفرة على رجل منهم، مجتمع نقي جداً لدرجة عالية، حب وتودد والصدق، والكل يفرح بتوبة صديقه والكل حزين إذا أخطأ صاحبه. هذا المجتمع بهذه النفسية استطاع أن يفوق كل المجتمعات، استطاع أن يسطر كما قلنا حضارة بهذه القلوب النقية الطاهرة، قلوب تتوب إلى الله إذا أخطأت. الصحابة لا ينظر بعضهم إلى بعض بنظرة، إذا أخطأ أحد منهم قالوا: فلان عصى الله وبدأوا يتهجمون عليه وينظرون إليه بنظرة استصغار، بالعكس، كانوا ينتظرون توبة الله عز وجل عليهم وكانوا يستبشرون إذا تاب الله عز وجل على رجل، كما سيأتي معنا إن شاء الله في قصة الثلاثة الذين خلفوا في تبوك.

المهم أبو لبابة مباشرة سر كثيراً بهذا الخبر، والناس كلهم سروا واجتمعوا على أبي لبابة ليفكوه من السارية. فقال: لا والله، حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده. فلما مر عليه النبي صلى الله عليه وسلم خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه وفك قياده. يقول ابن هشام: كم مكث أبو لبابة رابطاً نفسه بالسارية؟ طبعا السارية ما كانت سواريا أحبتي مثل سواري اليوم، رخام، عبارة عن جذع نخلة هذه السارية، ابن هشام يقول: أقام أبو لبابة مرتبطاً بالجذع ست ليالي، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة تحله للصلاة ثم يعود فيرتبط بالجذع. يعني ست ليالي أبو لبابة مربوط بالجذع، تأتي امرأته في وقت الصلاة تحل الرباط، يذهب يصلي ثم يعود يربط نفسه بالجذع. انظروا أحبتي التوبة الحقة حينما يحترق هذا القلب ألماً على معصية الله سبحانه وتعالى.

لما أصبحوا، نزلوا على حكم رسول الله، نعود الآن إلى يهود، قفزة في قصة أبي لبابة. عرفنا إذاً أن أبا لبابة أشار أن الموضوع موضوع ذبح، فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأوا أنه انتهى الأمر، ما في حل، لا نريد أن نقاتل ولا نريد أن نسلم، ما في حل إلا أن ننزل على حكم النبي صلى الله عليه وسلم. هنا من أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ أتت قبيلة الأوس. قبيلة الأوس كان دائماً هناك تنافس بينها وبين قبيلة الخزرج. لما النبي صلى الله عليه وسلم عفا عن يهود بني قينقاع ابتداء، أذكروا لما النبي صلى الله عفا عن يهود بني قينقاع لما عبد الله بن أبي بن سلول قال: يا محمد أصَفْح عن أولياءي، فالنبي صلى الله عليه وسلم لشدة النزاع الذي وقع بينه وبين عبد الله بن أبي -وكان عبد الله بن أبي من زعماء الخزرج- النبي صلى الله عليه وسلم من شدة النزاع الذي وقع بينه وبين عبد الله بن أبي، قال لعبد الله بن أبي بن سلول: دونك القوم، خلاص بما أنك أنت تريد يهود بني قينقاع وأنت تكفلهم خذهم لك. هذا المشهد ذكرناه سابقاً.

الآن قبيلة كانت على علاقة وثيقة بيحود بني قريظة، قبيلة الخزرج كانت على علاقة وثيقة بيهود بني قينقاع، أما قبيلة الأوس كانت على علاقة وثيقة بقبيلة بني قريظة، لأنه كل قبيلة، الأوس كانوا مع يهود بني قريظة، والخزرج كانوا مع يهود بني قينقاع، وكان يهود بني قينقاع يشاركون الخزرج أيام الجاهلية اقتتالهم ضد الأوس، ويهود بني قريظة يشاركون مع الأوس اقتتالهم ضد الخزرج، فكان هناك تحالفات بقي شيء من آثارها في الإسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم بدهاء القائد تعامل بتوازن مع هذه التحالفات وما أراد أن يحدث بلبلة في دولته الناشئة، فلما عبد الله بن سلول قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: أعطني يهود بني قينقاع وأنا أكفلهم، النبي صلى الله عليه وسلم قال: دونك يهود بني قينقاع يدخلون في كفالتك. فالأوس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم الآن فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا، فهؤلاء يهود بني قريظة كان بيننا وبينهم ولاء، وقد فعلت في موالي إخواننا من الخزرج بالأمس ما قد علمت. يعني لما يهود بني قينقاع طلبهم منك الخزرج أعطيتهم لهم، فنريد منك أن تحسن في موالينا.

فلما قالت الأوس ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، انظروا دهاء النبي صلى الله عليه وسلم كيف يحافظ على نفسيات أصحابه ويتعامل، هؤلاء بشر. النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لهم: أي ولاء بينكم وبين اليهود، أنا الذي ساحكم عليهم، لا نريد أن نرى وجوههم، دعوكم منهم، أنزلوا اليهود دعونا نقتلهم. لا، لا، النبي صلى الله عليه وسلم رسم سياسة عالية جداً: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم في اليهود رجل منكم؟ ما رأيكم أيها الأوس أن الذي يحكم في يهود بني قريظة رؤساؤكم؟ فالأوس قالوا: نعم، هذا جيد، بما أننا نحن سنحكم عليهم هذا أمر جيد. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: إذاً سيحكم فيهم سعد بن معاذ زعيمكم. فرح الأوس بهذا الحل. انظروا كيف النبي صلى الله عليه وسلم استعطفهم وانتهت المشكلة.

النبي صلى الله عليه وسلم طلب سعد بن معاذ. أين كان سعد بن معاذ في هذه اللحظة؟ سعد بن معاذ رضي الله عنه كان أصابه سهم في أيام الخندق لما كانوا يتراشقون النبال مع الكفار، أصابه سهم في عرق في قدمه وكان سهم وقع في مقتل، وكان الدم ينزل من قدمه بشكل عالي جداً، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم وضعه في خيمة لامرأة تسمى رفيدة الأسلمية، هذه طبيبة المسلمين، كانت طبيبة، امرأة طبيبة تعالج المسلمين الجرحى. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قد وضع سعد بن معاذ في خيمة رفيدة الأسلمية. خيمة رفيدة الأسلمية التي كانت موضوعة لمعالجة الجرحى كانت في المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع سعد بن معاذ داخل هذه الخيمة، حتى يبقى النبي صلى الله عليه وسلم يعود ويطمئن على صحته وهو خارج وداخل إلى الصلوات. المهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان وضع سعد بن معاذ في خيمة رفيدة، وكانت تداوي بها الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، يعني كانت تقوم بذلك لله رضي الله تعالى عنها.

فلما النبي صلى الله عليه وسلم اختار سعد بن معاذ ليحكم على يهود بني قريظة، اتاه قومه الأوس، ذهبوا إلى سعد بن معاذ وحملوا سعد بن معاذ على دابته وأتوا به مسرورين فرحين أن سعداً هو الذي سيحكم على حلفائه قديماً من يهود بني قريظة، وهم سائرون مع سعد بن معاذ يقولون: يا سعد، يا أبا عمرو، احسن في مواليك. يعني يا سعد خفف حكمك، لا تشد على يهود بني قريظة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ولاك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه وجعوا رأسه وهم يقولون: يا سعد خفف عليهم، خفف عليهم، هؤلاء كانوا أولياءنا، قال سعد كلمة عظيمة جداً: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. سيدنا سعد بن معاذ، لاحظوا مواقف الخندق ومواقفه في بدر، كلماته كلمات إنسان دخل الإيمان إلى أعماقه، إنسان لا يداهن ولا يساوم على مبادئ الدين. قائد بحق رضي الله عنك يا سيدي سعد بن معاذ، في كل مواقفه كان حاضراً بشدة وجرأة وشجاعة وثبات المؤمن، لم يداهن، لم يساوم على مبدأ من مبادئ الدين. يقول لهم: لقد آن لسعد بن معاذ ألا تأخذه في الله لومة لائم.

فلما سمع الأوس ذلك قالوا: معناها سعد بن معاذ سيقضي على القوم. فلما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين، انظروا النبي صلى الله عليه وسلم كيف يعظم الزعماء والقادة؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال لما رأى سعد بن معاذ مقبلاً، قال للصحابة: «قوموا إلى سيدكم» توقيراً وإجلالاً واحتراماً لسعد بن معاذ. فقام له الأنصار وقام له المهاجرون إجلالاً واحتراماً له. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال، أجلسه بقربه وقال: «يا أبا عمرو، قد وليت أمر هؤلاء القوم»، أمر يهود بني قريظة فاحكم فيهم. النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: يا سعد الحكم إليك، أنا حكمتك في هؤلاء القوم وأنت انظر ماذا ستحكم بهم.

هنا سعد بن معاذ قال كلمة، قال: أعليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت؟ يعني هل هناك عهد وميثاق الآن؟ هو يريد طبعا أن يسمع الأنصار، يريد أن يسمع الأوس خصوصاً أنه هل فعلاً حكمي هو الذي سينفذ يا رسول الله؟ كما قلنا الآن سعد بن معاذ حتى يسمع من حوله من الصحابة حتى ما أحد يعترض عليه، فقالوا جميعاً: نعم، الحكم الذي ستحكم به يا سعد هو الذي سينفذ. قال: نعم. قال: تمام، قال: فإني أحكم فيهم. انظروا الآن الإسلام، الجرأة والشجاعة وشهامة الإسلام، نحن قوم لا نستذل، وإذا غدرنا أحد فإنا نرد الصاع صاعين، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل رجالهم، وأن تقسم أموالهم، وأن تسبى الذراري والنساء.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: «يا سعد، لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أركع»، يعني هذا الحكم يا سعد أصبت فيه حكم الله. يعني حكم الله في اليهود الذين غدروا أن يقتل الرجال وأن تسبى النساء والذراري. هذا شرع الله سبحانه، يا أيها الذين تفاوضون تضحكون علينا صباحاً ومساءً، وتتقدمون لليهود باقات الورود وتتجسسون على المسلمين، هذا حكم الله في يهود بني قريظة الذين غدروا وخانوا، أن يذبح رجالهم ذبحاً وأن تسبى نساؤهم وذراريهم.

حينئذ اليهود خلاص أن اليهود رضوا بحكم النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم حكم سعد بن معاذ، انتهى الأمر. بدأ اليهود ينزلون. طبعا اليهود في تلك اللحظة ما عرفوا ماذا حكم سعد بن معاذ، يعني اليهود قيل لهم إن النبي صلى الله عليه وسلم سينزلكم على حكم سعد بن معاذ، ما عرفوا ماذا، ما هو حكم سعد بن معاذ، أنه سعد بن معاذ حكم أمام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فقط. فقيل لليهود: انزلوا خلاص حكم فيكم. اليهود ما عرفوا بماذا حكم فيهم بعد، لكن بدأوا ينزلون. فالنبي صلى الله عليه وسلم أنزل كل الرجال، حبسهم في المدينة وقال لهم: تعالوا. جر الرجال جميعاً وحبسهم في المدينة في دار بنت الحارث.

ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق. النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة يحفروا خنادق في أسواق المدينة. ثم بدأ يخرج الرجال من يهود بني قريظة مجموعة مجموعة، فتضرب أعناقهم في تلك الخنادق. يخرج بهم أرسالاً وأرسالاً، وممن خرج به عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد. تعالوا أنتم الذين تآمرتم وغدرتم، رؤوس الفتنة تعالوا. فأوتي بحيي بن أخطب بكعب بن أسد رأس بني قريظة. وتم قتل ستمائة إلى سبعمائة، اختلف المؤرخون كم قتلوا من اليهود. لكن

إن هم ما بين الستمئة رجل والسبعمائة رجل قطعت أعناقهم في يوم واحد؛ حتى يتعلم كل العرب، وكل الذين يحاربون المسلمين بالإسلام ويغدرون، أن هناك رجالا يدافعون عن هذا الدين، وأن هذا الدين صارم في حلوله، دين لا يتسلق أحد عليه، لا يستهزئ أحد به.

هنا ست مئة أو سبع مئة قتلوا في ليلة واحدة وضربت أعناقهم، وقد قالوا لكعب بن أسد وهم وهو يذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -اليهود كما قلنا كانوا في دار بنت الحارث، دار وضعها النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يحشد فيها اليهود ليقدمهم لضرب أعناقهم- فاليهود الذين كانوا في البيت ما يعرفون، يؤخذ وفد يقتل، فمن كان في داخل البيت هو لا يدري ماذا يحدث، أين يذهب الناس؟ فاليهود كانوا يقولون: يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟ يعني لماذا نحن الآن في هذه الدار، ويخرج بنا وفد بعد وفد؟ ماذا يفعل بنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ فكعب بن أسد -وهو ما زال في داخل البيت- أقول لهؤلاء اليهود قال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ أتعبتوني أيها اليهود، أفي كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع؟ وأنه ومن ذهب به منكم لا يرجع؟ يعني ألا ترون الذي يروح ما يرجع، أين يذهب بكم؟ وهو والله القتل، عم بقتل فينا.

فلم يزل ذلك حتى فرغ منهم النبي صلى الله عليه وسلم، حيي بن أخطب عدو الله أتى وعليه حلة -يعني لباس فخم- تصوروا شق هذه الحلة وقطعها حتى المسلمين لا يستفيدوا منها بعد قتلهم. المهم لما نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما هو يؤخذ للقتل قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يقدر الله يخذل. يعني ابن أخطب وهو مقيد مر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انظروا حقد اليهود حسدهم حتى في لحظاتهم الأخيرة، إنه يا محمد ترى أنا ما لمت نفسي على أني عاديتك، لكن ما أوصلني إلى هذا الأمر إلا أني خنت وغدرت، ومن يخذل الله يخذل، يعني أنا غدرت وهذه نتيجة غدري، لكن أنا لست حزين على أني عاديتك، ثم أقبل حيي بن أخطب قبل أن يعدم -طبعا هؤلاء رؤساء القوم لابد أحدهم يعطي كلماته الأخيرة قبل أن يضرب عنقه- ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، يعني هذا قدرنا وسنصبر على ما حل بنا ونموت موت الشجعان، ثم وضع وضرب وذهب إلى النار عليه من الله ما يستحق.

طبعا النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا، أما بالنسبة للنساء والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم فلم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما سباهم، سبى النساء والذراري، وكان السبي مقرر في ذاك الزمن وما كان فيه أي إشكالية. طبعا قالوا إن امرأة واحدة قتلها النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الواقعة، لأن هذه المرأة قتلت أحد الصحابة الكرام، يعني هناك امرأة من يهود بني قريظة ألقت رحى -الرحى طبعا حجارة تستخدم في الطحين وهي حجارة ضخمة- امرأة من يهود بني قريظة كانت ألقت من فوق الحصن رحا ضخما فقتلت بها أحد الصحابة يسمى خلاد بن سويد، قتلته بهذه الرحى، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: القصاص ما في. فأتوا بهذه المرأة فضرب عنقها.

ثم النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى المدينة، وطوي فصل من فصول الصراع بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين أعدائه عموما من كفار العرب ومن اليهود، وخلت المدينة الآن من اليهود. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية تلك الغزوة، غزوة الأحزاب: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم». يعني الآن انتهى موضوع أن كفار قريش يهجمون علينا في قابل الأيام أيها الصحابة الكرام، نحن من نغزو كفار قريش في عقر ديارهم، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم أنه يخبر بالغيب، وهذا فعلا ما وقع، لم يستطع كفار قريش بعد هذه الواقعة أن يقتربوا من حمى المدينة النبوية.

أطلت عليكم في محاضرتي اليوم، لكن كان لابد أن ننتهي من موضوع غزوة الخندق وغزوة بني قريظة تباعا. في المحاضرة القادمة بإذن الله نتكلم عن باقي أحداث سنة خمسة هجري، وننطلق بإذن الله إلى أحداث أخرى في العام السادس من الهجرة، أحداث شيقة وممتعة وجميلة. وها نحن بحبنا وبتعطر ألسنتنا وقلوبنا بذكر النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم اجمعنا به في جنات النعيم، واجعلنا من جنده في هذه الدنيا ونسير على نهجه، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.