بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين.
وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية، في مجلس جديد نروي به الحب لمحمد صلى الله عليه وسلم، ونجدد فيه الولاء والانتماء والاعتزاز بهذا النبي العظيم، ونقتبس من هديه وأخلاقه وسمته وسيرته العطرة وأحواله النضرة ما نضيء به دروبنا ومسيرتنا في هذه الحياة.
في المحاضرة السابقة أحبتي انتهينا من الحديث عن غزوة الأحزاب وما تبعها من غزوة بني قريظة، هذه الغزوة التي كانت مليئة بالحكم والمواعظ والسياسات والإرشادات، وكشف المنافقين، وبيان حال الأمة، شجاعة الصحابة، إلى غير ذلك من التفاصيل المتنوعة التي مررنا عليها سريعا ونحن نقف عند أحداثها موقفا موقفا. ثم تابعنا ما حدث ببني قريظة، وكيف حَكَمَ فيهم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه بحكم الله من فوق سبع سماوات، أن يقتل رجالهم، وأن تسبى نسائهم وذراريهم.
اليوم نكمل مسيرة أحداث العام الخامس من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية. في العام الخامس إذا كانت غزوة الخندق، كانت غزوة بني قريظة على الصحيح من كلام أهل العلم. وأيضا كان هناك مجموعة من الأحداث المهمة والثرية في هذا العام نكملها بإذن الله في هذا المجلس: غزوة ذات الرقاع، كغزوة دومة الجندل، غزوة بني المصطلق وما تبعها من حادثة الإفك. ثم بإذن الله في المحاضرة القادمة نشرع في عام جديد من أعوام إقامته صلى الله عليه وسلم في طيبة الطيبة.
قبل أن أشرع في الغزوة الأولى، وهي غزوة ذات الرقاع، أقول أحبتي: في نهاية غزوة بني قريظة تذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قَسَمَ النساء والذراري على صحابته الكرام، ووقع في سهم النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تسمى ريحانة بنت زيد بن عمرو. ما اسمها؟ ريحانة بنت زيد بن عمرو. هذه المرأة كانت من يهود بني قريظة، اصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه من نساء اليهود، وكانت أَمَةً عنده.
وفي بداية أمرها أَبَتْ أن تُسْلِمَ. النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليها الإسلام -كانت مَلِكَ يمين- وعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام فلم تسلم ابتداءً. ثم بعد مضي مدة والنبي صلى الله عليه وسلم يدعوها لأن تدخل في ركب المسلمين ويدعو الله عز وجل لها بالهداية. كان النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام جالسا مع أصحابه، إذا برجل من الصحابة يقال له ثعلبة بن سَعْيَةَ أتَى يمشي من وراء النبي صلى الله عليه وسلم.
فالنبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يصل إليه ثعلبة يقول لأصحابه الذين يجلسون أمامه: لقد جاء ثعلبة يبشرني بإسلام ريحانة. النبي صلى الله عليه وسلم كان يود ويحب أن تسلم ريحانة. فكما قلنا ثعلبة عَلِمَ أنها أسلمت، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حاضرا عندها في وقت إسلامها، وكان هذا ثعلبة حاضرا، والله تعالى أعلم يعني ما هي الظروف التي حدثت في تلك اللحظات. المهم كما قلنا جاء ثعلبة ليبشر النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام ريحانة بنت عمرو، أو بنت زيد بن عمرو.
فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب أصحابه يسمع قَرْعَ نِعَالِ ثعلبة من ورائه، وهو مؤيد من السماء بأبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، فيقول لأصحابه: لقد جاء ثعلبة يبشرني بإسلام ريحانة. وفعلا وصل ثعلبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، لقد أسلمت ريحانة. فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك خيرا.
ثم بعد ذلك اختلف علماء السير: هل أَعْتَقَ النبي صلى الله عليه وسلم ريحانة وتزوجها فأصبحت من أمهات المؤمنين؟ أم بقيت أمة، النبي صلى الله عليه وسلم يعاملها كما يعامل الإماء؟ هنا في خلاف بين علماء السير؛ ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه يذهب إلى أنها أصبحت زوجة له، أن النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا كانت في يده ريحانة أمة، أسلمت، أعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها، هذا رأي ابن أبي العز، لذلك قال: وعقد ريحانات في ذي الخامسة، ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على ريحانة في العام الخامس من الهجرة. وفي العام السادس من الهجرة سيخبرنا ابن أبي العز أن النبي صلى الله عليه وسلم دَخَلَ بريحانة.
لكن عند المحققين من علماء السير، كابن القيم وابن كثير وغيرهم من العلماء، يقولون: في الحقيقة ريحانة لم تصبح من أمهات المؤمنين، بل بقيت مسلمة لكنها أمة يعاملها النبي صلى الله عليه وسلم معاملة الإماء. وهي التي ذكر فيها قصة سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1]. ذكر بعض علماء التفسير أن سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم وَطِئَ ريحانة في بيت إحدى أمهات المؤمنين.
فهذه أم المؤمنين التي وَطِئَ النبي صلى الله عليه وسلم ريحانة في بيتها حزنت حينما علمت ذلك ووجدت في قلبها إلى آخر القصة. فالنبي صلى الله عليه وسلم حَرَّمَ على نفسه أن يطأها، فالله عز وجل عاتبه في ذلك وقال: لما تحرم ما أحل الله لك؟ فذكروا علماء التفسير أنها نزلت بسبب وَطْءِ النبي صلى الله عليه وسلم ريحانة.
المهم أن هناك خلاف بين المحققين في هذا الباب: هل ريحانة أُعْتِقَتْ وتزوجت فهي من أمهات المؤمنين؟ وهذا رأي ابن أبي العز وطائفة. أم بقيت مِلْكَ يمين؟ وهذا هو الرأي الأششهر الذي رجحه ابن القيم وابن كثير وغيره من علماء السير. نحن نسير مع الرأي المشهور: أنها بقيت أمة عند النبي صلى الله عليه وسلم يعاملها معاملة الإماء، وإن كانت مسلمة رضي الله تعالى عنها. فهذه سريعا إشارة إلى قصة ريحانة بنت زيد بن عمرو التي كانت من يهود بني قريظة، واصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، وأسلمت بعد ذلك.
نعود إلى موضوع المغازي والأحداث القتالية التي وقعت في العام الخامس من الهجرة. أول غزوة أتكلم عنها اليوم هي غزوة ذات الرقاع. غزوة ذات الرقاع لم يذكرها ابن أبي العز في أحداث السنة الخامسة من الهجرة، بل ذكرها في أحداث السنة الرابعة. لكن أنا قلت لكم أن هناك مجموعة من الأحداث والوقائع ذكرها ابن أبي العز الحنفي في أرجوزته في السنة الرابعة، لكنها في الحقيقة عند المحققين كانت في السنة الخامسة فأخرت للسنة الخامسة مثل غزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة، وأيضا غزوة ذات الرقاع.
سريعا ما هي قصة هذه الغزوة؟ أريد أن أنقلها من كلام ابن هشام رحمة الله تعالى عليه، قصة ذات الرقاع الكلام عليها مختصر جدا. يقول ابن هشام في الوقائع السريعة لهذه الغزوة: غزى النبي صلى الله عليه وسلم نجداً يريد أن يحارب قبيلة بني غطفان. وهذه القبيلة من القبائل التي حشدت مع الأحزاب، لأن غزوة الأحزاب كانت قبيلة قريش وقبيليلة غطفان ويهود بني قريظة من وراء المسلمين. فالنبي صلى الله عليه وسلم قرر أن ينشئ غزوة باتجاه منطقة نجد التي كان يسكنها ويقطنها قبيلة غطفان.
حرك النبي صلى الله عليه وسلم جيشه واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري -يعني دائما النبي صلى الله عليه وسلم كلما كان يخرج من المدينة لابد أن هناك من يخلفه ويكون أميرا لإصلاح شؤون الناس وراءه من النساء والذرية ومن بقي- فاستعمل على المدينة صلى الله عليه وسلم أبا ذر الغفاري رضي الله عنه. وانطلق باتجاه قبيلة غطفان حتى وصل إلى منطقة تسمى نخلة، وهي المنطقة فيما يظهر أنها منطقة أخرى، ليست نخل التي نزل فيها عبد الله بن جحش.
لا، هناك منطقة أخرى تسمى منطقة نخل باتجاه نجد، ولعلها في النهاية كموقع لعله يكون هو نفس الموقع الذي نزل فيه ابن جحش. فالله تعالى أعلم هل هي اسم منطقة أخرى تسمى منطقة نخل أو ليست هي المنطقة، والذي أذهب إليه أنها ليست هي، لأن هذيك المنطقة اسمها نخلة، وهذه المنطقة اسمها نخل من دون تاء مربوطة، فالذي يظهر أن تلك منطقة وهذه منطقة، والله تعالى أعلم.
المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سار باتجاه قبيلة غطفان يريد أن يغزوها. فعندما وصل إلى منطقة نجد وجد غطفان قد جمعت جمعا عظيما، واستعدوا هم أيضا للمعركة. لكن ما الذي حدث؟ يقولون: تقارب الناس. يعني بدأ الجيشان يقتربان من بعضهما البعض، كل طرف يحاول إخافة الطرف الآخر، وخاف بعضهم بعضا، وأصبح هناك خوف من الطرفين، سواء من جيش المسلمين أو من جيش المشركين، أن تندلع حرب كبيرة.
ولشدة الخوف واحتمالية وقوع الحرب في أي لحظة، صلى الصلوات في هذه الغزوة على هيئة صلاة الخوف. وفي الفقه الإسلامي صلاة الخوف بتفاصيلها وأحكامها -أشهر رواياتها رواية صلاة الخوف التي وقعت في غزوة ذات الرقاع- رواها مجموعة من الصحابة منهم ابن عمر رضي الله تعالى عنه. فالمهم النبي صلى الله عليه وسلم لشدة الخوف الذي وقع في هذه الغزوة واحتمالية اندلاع الحرب في أي لحظة، ما استطاع أن يصلي الصلاة على صورتها الأصلية، صلاها على صورة صلاة الخوف.
ومن هنا طبعا صلاة الخوف متى شرعت؟ هذا أيضا خلاف. لأن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق على ما ثبت في الأحاديث الصحيحة في غزوة الخندق لم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد. وجاءت أحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم في أيام حصاره، الأيام التي حُصِرَ فيها في الخندق، في يوم من الأيام فاتت عليه صلاة العصر حتى غربت الشمس، فأتى إلى الصحابة وقال: ملأ الله قبورهم -يتكلم عن كفار قريش والأحزاب- ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس.
فقال العلماء بناء على هذه النصوص التي بين أيدينا أن صلاة الخوف لم تشرع بعد في غزوة الخندق، وإنما أول صلاة خوف صليت، منهم من يقول أنها كانت في غزوة ذات الرقاع، ومنهم من يقول لا، أنها كانت في غزوة جزئية لم أتطرق إليها كانت قبل غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة عسفان. وهي أيضا كما قلنا غزوة لم يحدث فيها قتال، يذكرها بعض علماء السير قبل غزوة ذات الرقاع تسمى غزوة عسفان. فقيل أن أول صلاة خوف صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في عسفان بعد غزوة الخندق الأحزاب، وقيل أول صلاة خوف كانت في ذات الرقاع.
فالمهم باختصار أن مشروعية صلاة الخوف تأخرت عن غزوة الخندق، وكانت في آخر العام الخامس من الهجرة، سواء قلنا أنها شرعت في غزوة ذات الرقاع التي بين أيدينا أو في غزوة قبلها تسمى غزوة عسفان، المهم أنها كانت بعد غزوة الأحزاب. والنبي صلى الله عليه وسلم صلاها، أي صلاة الخوف، في هذه الغزوة لشدة تخوف الناس بعضهم من بعض.
لكن في النهاية كما قلنا الجيوش تتقارب، لكن يقول علماء السير: في النهاية لم يحدث اقتتال، وكل جيش عاد من حيث أتى. يعني مع هذا التقارب ومحاولة إشعال الحرب، لكن في النهاية لم يقدر الله سبحانه وتعالى أن يحدث قتال، وكل جيش انصرف. يعني قبيلة غطفان مسكت نفسها وانصرفت بجيشها، ثم النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى انصرافهم أيضا قرر أن يعود أدراجه. فيقول ابن هشام: ثم انصرف الناس بعضهم عن بعض، يعني بعد هذا التخوف والكل يرقب المشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الخوف، في نهاية الأمر لم يقدر الله قتالا، وانصرف الناس بعضهم عن بعض.
يعني بعض التفاصيل لم يتطرق إليها ابن هشام، يعني ما سبب عدم حدوث القتال؟ هل قبيلة بني غطفان شعرت بالخوف الشديد فتراجعت؟ هل هناك مثلا كان تدخلات من مثلا قبيلة بني غطفان جاءوا تكلموا عن النبي أننا لا نريد القتال ونريد أن نأمن على أنفسنا وتأمن أنت؟ لم يذكر ابن هشام كيف حدث الصلح، لكن ما نستخلصه أنه لم يحدث قتال لسبب من الأسباب، وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
لماذا سميت هذه الغزوة المختصرة غزوة ذات الرقاع؟ أيضا هناك خلاف. فذكر بعض علماء السير أنها سميت بغزوة ذات الرقاع لأن هذه المنطقة التي ذهب إليها المسلمون كانت وعرة وفيها كثير من الحجارة والصخور، والصحابة أحبتي ما كان عندهم نعال جيدة -كما أنتم اليوم ما شاء الله تلبسون النعال بنوعيتها الجيدة- كانت نعالهم بسيطة، ولربما أكثر الأقدام بادية، فتعبت أقدام الصحابة من المشي على هذه المناطق، تعبت قالوا ونقبت، كأن أقدام الصحابة لوعورة هذه المناطق ولما فيها من الصخور والحجارة أصبح في أقدامهم مثل الحفر، منطقة وعرة جدا. فاضطر الصحابة أن يلفوا على أقدامهم الرقاع حتى يستطيعوا إكمال المسير. فاضطر الصحابة لوعورة تضاريس هذه المنطقة أن يلفوا على أقدامهم الرقاع حتى يستطيعوا إكمال المسير. فسميت هذه الغزوة غزوة ذات الرقاع لأن الصحابة كما قلنا قاموا بوضع الرقاع على أقدامهم حتى يحموا أقدامهم من وعورة هذه الأراضي. وهناك رأي آخر أن الرقاع هي اسم.
شجرة كانت في تلك المنطقة التي التقى فيها جيش المسلمين بجيش غطفان. اسم شجرة كانت في تلك المنطقة تسمى هذه الشجرة ذات الرقاب فسميت المنطقة باسمها أو سميت الغزوة باسمها. إذا، سواء قلنا إن الصحابة وضعوا على أقدامهم رقاعاً أو هي اسم شجرة، المهم هذه غزوة. الصحيح أنها وقعت في العام الخامس من الهجرة.
كان المقصود بها قبيلة غطفان، تقارب الجيشان لكن لم يقدر الله أن يحدث قتال بين الطرفين. هذه الغزوة انتهينا منها، من الغزوات أيضاً المحدودة في هذا العام كانت غزوة دومة الجندل. غزوة دومة الجندل أيضاً كانت غزوة مختصرة جداً، النبي صلى الله عليه وسلم غزا.
تسمى دومة الجندل، وكانت على بعد كما يقولون خمستاشر ليلة من المدينة النبوية. وهل وصل إليها النبي صلى الله عليه وسلم؟ يقول علماء السير إن النبي صلى الله عليه وسلم رجع قبل أن يصل إليها. يعني هو انطلق باتجاه هذه المنطقة يريد أن يغزو أهلها لخبر بلغه عنهم، لكنه قرر أن يعود قبل أن يصل إليها ولم يلقَ كيداً. فالذي يظهر يعني أنه بلغه أن هؤلاء القوم طلبوا الموادعة والهدوء وعدم نشوب القتال، فالنبي صلى الله عليه وسلم اختصر الطريق على أصحابه وعاد بهم باتجاه المدينة مرة أخرى، ولم تكتمل هذه الغزوة. إذاً، كما قلنا هذه غزوة دومة الجندل، يعني غزوة مختصرة لا يذكرون فيها أحداثاً بارزة لنقف عليها.
دعونا أحبتي ننطلق إلى الحدث البارز الذي سيأخذ وقتنا اليوم، وهي غزوة بني المصطلق. دعوني قبل أن أدخل في أحداث هذه الغزوة أقرأ الأبيات التي ذكرها ابن أبي العز الحنفي في أحداث السنة الخامسة من الهجرة. أقرأها مرة أخرى، أنا قرأتها في محاضرة سابقة وأقرأها اليوم مرة أخرى. يقول ابن أبي العز في البيت الثامن والستين: وكان في الخامسة تسمع واثقي الإفك في غزو بني المصطلق هذا الحادث الأشهر الذي أشار إليه ابن أبي العز في العام الخامس، قضية غزوة بني المصطلق وما تبعها من قصة الإفك التي افتريت على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ودومة الجندل قبله. أي دومة الجندل كانت قبل غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك، لذلك قال في البيت التاسع والستين: ودومة الجندل قبل وحصل عقد ابنة الحارث بعد واتصل وعقد ريحانة في ذي الخامسة يذكر لنا ابن أبي العز أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد في هذا العام على امرأتين: ميمونة بنت الحارث وعفو جويرية بنت الحارث. وسيأتي حديثي عن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بها، لأن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بها مرتبط بغزوة بني المصطلق. والثاني هي ريحانة، وابن أبي العز كما قلنا يذهب إلى أن ريحانة أعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وعقد عليها على أنها زوجة. والراجح عند علماء السير أنها لم تكن زوجة بل بقيت من إماء النبي صلى الله عليه وسلم.
هذه الأحداث التي سردها ابن أبي العز في العام الخامس، ثم في نهاية البيت قال: ثم بنو لحيان بدء السادسة هنا سيبدأ بسرد أحداث السنة السادسة. فدعونا اليوم نختم الحديث عن السنة الخامسة نذهب إلى غزوة بني المصطلق. غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من العام الخامس من الهجرة. هذا هو الراجح عند علماء السير. ما قصة هذه الغزوة؟ بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قبيلة بني المصطلق، طبعا المصطلق هذا اسم جد هذه القبيلة، بعض القبائل اسمها يكون نسبة إلى أحد أجدادها القدماء، فالمصطلق اسم جد قديم لهذه القبيلة فأصبحت هذه القبيلة معروفة عند العرب أنها قبيلة بني المصطلق.
بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه القبيلة وكانت هذه القبيلة قريبة من البحر الأحمر تسكن على الساحل قريبة من البحر الأحمر، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه القبيلة وزعيمها الحارث بن أبي ضرار كان يستعد ويجمع لغزو النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة. وصلت أنباء محققة من أعين النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل أن النبي عليه الصلاة والسلام كقائد محنك كان يرسل أعينه هنا وهناك ينظر ما هي القبائل التي تحيك له، ما هم من هم الذين يريدون أن يغزوا؟ وهكذا، المسلم لا يكون مغفلاً أحمق بل دائماً عيونه مفتوحة على كل الجبهات، على كل الأعداء، على كل الخصوم. ليس كحالنا اليوم، أعيننا على بعضنا البعض، هذه الجماعة عين على الجماعة الأخرى، العيون على الأعداء على المؤامرات التي يحيكونها وعلى التدابير التي يتخذونها.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا وصلته الأنباء أن هناك تحضيرات لغزو المدينة من طرف هذه القبيلة وزعيمها، احفظ اسم الزعيم، الحارث بن أبي ضرار. إنه هذا الزعيم هو والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين، لذلك قلت لكم احفظوا اسمه، فجويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها هي ابنة زعيم هذه القبيلة. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم حتى يلقاهم على ماء، يعني على بئر ماء قريب من منطقتهم يقال له المريسيع. لذلك بعض علماء السير يسمي هذه الغزوة غزوة المريسيع. لماذا سميت غزوة المريسيع؟ لان هذا هو الماء الذي التقى النبي صلى الله عليه وسلم عليه مع قبيلة بني المصطلق.
فإذا هي تسمى غزوة بني المصطلق وتسمى غزوة المريسيع. غزوة المريسيع باعتبار عين الماء الذي التقى عليها الجيشان، وسميت غزوة بني المصطلق باعتبار أن القوم الذين غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم هم قوم بني المصطلق. وكانوا باتجاه الساحل قريب من البحر الأحمر، فزحف النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. وانظروا كيف النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ عنصر المبادرة، يعني سمع أن القوم يحشدون له، ما جلس في المدينة وانتظر حتى يجتمعوا، لا، هو الذي بادر. تريدون أن تجمعوا لحرب؟ أنا أبادركهم في بلادهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم فاجأهم بهذا الهجوم. كما قال ابن عمر: أغار النبي صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون، يعني كانوا يستعدون يريدون الهجوم تفاجأوا، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي هجم عليهم.
خرج بنو المصطلق بجيش، فاستطاع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخذ بعنصر المبادرة أن يوفق بعد توفيق الله سبحانه وتعالى له أن يهزمهم هزيمة نكراء، أن يوقع بهم هزيمة نكراء فقتل منهم عددا كبيرا جدا، وسبى النساء والذراري. وهكذا كان قانون الحرب في ذاك الزمان، المنتصر يأخذ ويسبي النساء والذراري وبقي هذا هو الباب الوحيد للرق في الإسلام. الباب الوحيد للرق في الإسلام الذي بقي مفتوحاً، باب الرق المبني على الغزو والجهاد في سبيل الله، وأما سائر أشكال الرق أبطلها الإسلام وأغلقها.
وحتى الذي يؤخذ عن طريق الغزو والجهاد في سبيل الله، الإسلام دائماً كان يحرض الصحابة على إعتاق ما بين أيديهم من الرقيق، فكثير من الأحكام الشرعية كفارة اليمين وكفارة الظهار وكثير من الأحكام الشرعية تجدون الكفارات فيها إعتاق رقبة. لماذا؟ قال الفقهاء: الإسلام يتشوف إلى عتق الرقاب، الإسلام لا يتشوف إلى ملك اليمين، بالعكس الإسلام يتشوف إلى عتق الرقاب إلى التحرير، لذلك جعل كثير من الكفارات مبدأها الأساسي عتق الرقاب وكثير من الأحكام نظمها الإسلام الغرض منها عدم بقاء العبيد في المجتمع.
لكن كحكم السبي من خلال الحروب هذا حكم أقره الإسلام وبقي مفتوحاً عبر تاريخ الدول الإسلامية، الخلافة الأموية والعباسية وما بعدها. بقي مفتوحاً، فتحه الإسلام من جهة لكنه نظمه وهذبه من جهة أخرى وفتح باب العتق في الجهة المقابلة. طيب، لماذا الإسلام أبقى قضية الرق بسبب الحروب؟ لأنه في الحقيقة إذا كان القوم الذين يحاربونك يخشون من أن تسبي نساءهم وذراريهم، هذا سيصدهم كثيراً عن المواجهة وسيحسبون ألف حساب قبل أن يفكروا بشن حرب أو غزوة على الإسلام، لأنهم يدركون أن الإسلام إذا انتصر وظهر عليهم سيسبى النساء والذراري، فبالتالي سيختصرون على أنفسهم المسافة ويتركون هذا الدين وشأنه، لأنهم يعلمون أن انتصار الإسلام سيكون ثمنه باهظاً عليهم بحقهم. البعض يفكر لماذا الإسلام أبقى باب السبي والرق مفتوحاً في قضية الحروب، حتى تعرفوا الحكمة العظيمة ولا يشوه كثير من أدعياء الحرية اليوم على ذلك.
الإسلام يريد أن يلقي الرعب في قلوب أعدائه، فمتى علم الأعداء أن انتصار المسلمين وظهور المسلمين عليهم سيكون سبباً في سبي النساء والذراري هذا عامل تخويفي إرهابي لهم ليسدوا عن مواجهة المسلمين وعن محاربتهم ويحافظوا على المسالمة معهم. فلهذا القصد، قصد الإرهاب والتخويف وحساب ألف حساب وترك هذه الدعوة وشأنها، أبقى الإسلام موضوع الرق مفتوحاً في هذا الجانب، لكن كما قلنا هذبه وضبطه وفتح باب التحرير لهذه الرقاب من جانب آخر، فالإسلام متوازن دائماً في طرحه ويلبي كل الاحتياجات وينظر في كل الزوايا ولا يطفي جانباً من الجوانب.
المهم، فهزمهم الله وقتل النبي صلى الله عليه وسلم منهم ما قتل، وسبى النبي صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريهم. فبينما النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا الآن قضية توزيع السبايا ربما سنؤخرها، لكن هناك في هذه الغزوة في الحقيقة أحبتي عدة مشاهد خطيرة حدثت بين الصحابة في غزوة بني المصطلق. حدثت عدة مشاهد خطيرة بين الصحابة اضطر النبي صلى الله عليه وسلم ليعالجها مشهداً بعد مشهد، وكان في هذه المشاهد حاضراً.
حتى تعرفوا أحبتي أن مشكلة المجتمع المسلم سواء أيام النبي صلى الله عليه وسلم أو أيام الخلفاء أو بعد ذلك إلى يومنا هذا، مشكلتنا من الداخل من المنافقين وأصحاب القلوب المريضة الذين يحيوْن بين أظهرنا ويفتكون بالإسلام من الداخل. لو أننا طهرنا الصفوف من هذه الثلة وتوحدت كلمتنا على أعدائنا لانتصرنا وتقدمنا خطوات كبيرة إلى الأمام. لكن مشكلتنا كما قلنا في المنافقين الذين يحيوْن بين أظهرنا، ينشرون الفحشاء والمنكر في المجتمعات، ينشرون الإلحاد والأفكار والتشكيك في عقول الشباب، يصدرون لنا كل يوم أشكالاً جديدة من دعاة المنهزمين بالغرب المفسدين.
المعركة كبيرة مع المنافقين أحبتي في كل زمن. إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو النبي المؤيد من الإله لاقى من المنافقين شدة وعناء، وفي كل غزوة من الغزوات كان النفاق سبباً في الفتك في أظهر المسلمين، فماذا تنتظرون أن نلقى نحن؟ النفاق قضية مجتمعية خطيرة، القرآن عالجها في مواضع كثيرة. وأنا هنا أنصح أحبتي وهم يتدبرون كتاب الله أن ينظروا كيف عالج القرآن قضية النفاق في المجتمع. في سورة البقرة ثلاث عشرة آية تتكلم عن المنافقين، يعني كما يقولون آيات تتكلم عن المؤمنين وآيتان تتكلمان عن الكافرين وباقي الآيات في مطلع السورة تتكلم عن المنافقين، لأنهم هم الأخطار، هم الداء العضال.
وانظروا في سورة التوبة، انظروا في سورة كاملة سورة المنافقون، سورة كاملة أنزلها الله فيها لفضح القوم ليعالج شأنهم. هذه السورة نزلت بسبب غزوة المصطلق كما سيأتي معنا إن شاء الله. فقضية النفاق قضية ينبغي على العقلاء وعلى الدعاة أن يعالجوها بعناية، وأن ينظروا في كيفية حلها وتطهير المجتمع منها. طبعا القضاء عليها تماماً أظن أنه قضية صعبة جداً، لكن كيف نكبح جماح هؤلاء؟ كيف ننتصر في معركة الوعي في معركة الفكر في الحضارة؟ هذا هو شأن وعمل الدعاة والمصلحين.
أول مشهد من مشاهد النفاق وقع في هذه الغزوة، خلاص الغزوة انتهت النبي صلى الله عليه وسلم أغار عليهم قتل منهم من قتل وسبى النساء والذراري، والآن المسلمون بدأوا رحلة العودة. لكن في رحلة العودة كما قلنا حدثت مشاهد خطيرة. أول مشهد، أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو على بئر وعلى عين ماء وردت واردة الناس. جاء الناس من الصحابة الكرام من المهاجرين والأنصار ليسقوا إبلهم والدواب والمواشي من هذه البئر.
كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه معه أجير له من قبيلة بني غفار يقال له جحجاح بن مسعود. عمر بن الخطاب كان مستأجراً رجلاً في هذه المعركة لخدمة معينة، هذا رجل كان من قبيلة بني غفار اسمه جهجاه بن مسعود. ممتاز. فجاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وجاء معه وأقبل معه هذا الخادم الذي استأجره جهجاه بن مسعود جاء على فرسه. الآن وصل جهجاه بن مسعود إلى بئر الماء فازدحم، تحاشر مع رجل يقال له سنان بن وبر الجهني من الأنصار. مع رجل يسمى سنان بن وبر الجهني من الأنصار. إذاً، جهجاه بن مسعود وسنان بن وبر ازدحما على الماء، حدث بينهم احتكاك بسيط، لكن هذا الاحتكاك البسيط للأسف الشيطان نفخ فيه حتى كبر.
ازدحم جهجاه وسنان بن وبر على الماء، وصل الأمر إلى أن اقتتلا. بدأ النزاع بينهما ووصل إلى الاقتتال، فصرخ سنان بن وبر الجهني: يا معشر الأنصار، يريد الأنصار يفزع له. وصرخ جهجاه بن مسعود: يا معشر المهاجرين. أصبح كل واحد منهما ينتصر بمعشره، سنان ينتصر بالأنصار وجهجاه ينتصر بالمهاجرين.
وصلت الأنباء إلى رأس النفاق عبدالله بن أبي بن سلول أن هناك اختصام وتنازع على بئر الماء بين المهاجرين والأنصار، فرفع رأسه وبدأ يتكلم بالكلام القبيح. ماذا قال عبدالله بن أبي؟ لما وصلته هذه الأنباء قال عبدالله بن أبي بن سلول:
في رهط من قومه فيهم الصحابي الجليل زيد بن أرقم وكان شاباً صغيراً ما زال، كان مع رهط جالس وعبد الله بن أبي قام فتكلم فقال: عبد الله بن أبي: أو قد فعلوها؟ يعني المهاجرون. فعلوها وهاجمونا نحن الأنصار، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدونا وجلابيب قريش.
يسمي المهاجرين جلابيب قريش، وهذه تسمية أطلقها الكفار على الصحابة الكرام الذين هاجروا، فيقول عبد الله بن أبي: والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال القائل الأول: سمن كلبك يأكلك. كلمة فظيعة جداً أطلقها عبد الله بن أبي شتم بها المهاجرين، أنه يقول هؤلاء المهاجرون أتوا علينا في بلادنا، كاثرونا وأخذوا ماءنا وأراضينا، وشاركونا في طعامنا وشرابنا وأسواقنا، وها هم اليوم يقاتلوننا ويتظاهرون علينا.
مثلهم كمثل القائل في مقولته: سمن كلبك يأكلك. إيش معنى سمن كلبك يأكلك؟ يعني أنت إذا تبقى تطعم كلبك وتطعمه حتى يصبح قوي، في النهاية هذا الكلب يصبح قوي وينقض عليك. فهو يطلق هذه اللفظة الشنيعة على المهاجرين ويشبههم بهذا التشبيه القبيح.
ثم يكمل فيقول عبد الله بن أبي: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. الآن عبد الله بن أبي تكلم كلمة عظيمة جداً وقبيحة جداً، يقول: إذا رجعنا ووصلنا المدينة سنخرج هؤلاء منها. طب من هؤلاء منها؟ هو يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين.
يعني كلمة كفر تعتبر كفر في الميزان الشرعي، لكن كما قلنا هذا الرجل كان لا يظهر هذا الكلام في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم، بل يظهره مع من يسمع له ويتودد إليه؛ لأنه هذا الرجل كان زعيم من زعماء الخزرج، وكانوا يريدون أن يسودوه قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. أطلق هذه الكلمة التي سجلها الله في كتابه في سورة المنافقون أنه قالوا: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8].
ثم أقبل عبد الله بن أبي من حضره من قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم ببلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غيره. عبد الله بن أبي يتكلم مع الذين يجلسون معه يقول لهم: رأيتم ماذا فعلتم؟ استقبلتم هؤلاء المهاجرين حتى حلوا في بلادكم وقاسموكم الخيرات، والان يريدون أن يقاتلوكم، لو أنكم من البداية ما استضفتموهم لكانوا ذهبوا إلى بلدة أخرى غير المدينة.
إذاً رجل قلبه مليء غل على محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى الصحابة المهاجرين الكرام وعلى الإسلام عموماً. الآن زيد بن أرقم رجل فاضل من الصحابة الكرام، كما قلنا كان شاب صغير في ذاك الوقت، سمع قول عبد الله بن أبي مباشرة، ما أعجب هذا الكلام، أدرك أن هذا الكلام نفاق وطعن في محمد صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام. مباشرة انطلق زيد بن أرقم وهذا الشاب الصغير إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قال عبد الله بن أبي.
سمع زيد بن أرقم ذلك فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد أن فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من قتال عدوه من بني المصطلق. فأخبره الخبر، وكان عنده عمر بن الخطاب، يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب بقربه، جاء زيد بن أرقم فقال: يا رسول الله، ترى عبد الله بن أبي بن سلول قال كذا وكذا. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، مر عباد بن بشر -رجل من الأنصار- مر عباد بن بشر ليقتل عبد الله بن أبي بن سلول.
فالنبي صلى الله عليه وسلم، انظر الآن الحكمة الكبرى من النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه». النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني رسالة أنه يا عمر بن الخطاب، القبائل التي تسكن حول المدينة، قبائل العرب عموماً هي لا تعرف أن عبد الله بن أبي منافق كما نعرف أنا وأياك، الناس الذين هم بعيدون عن المشهد المدني يظنون أن عبد الله بن أبي قد أسلم واتبع محمدا وهو من اتباعه.
فلو أنني يا عمر قتلت عبد الله بن أبي والمعروف عند قبائل العرب أن هذا الرجل مسلم، ما يعرفونه لأنه منافق، فلو قمت بقتله لظهرت هناك شائعة عريضة في جزيرة العرب أن محمد صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، وهذا سيكون سبب في نفور الناس من الدين. انظروا كيف النبي صلى الله عليه وسلم يفكر! هناك أناس أحبتي اليوم للأسف ما عندهم أي تفكير عقلاني في هاته القضية، يشوهون الإسلام بأفعالهم وممارساتهم ويقولون: هذا هو الإسلام وعلينا أن نطبقه بكل حذافيره الآن وننزله بجميع أحكامه، ولا يعطون أي اعتبار لهذه الزوايا التي كان ينظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم.
عبد الله بن أبي منافق منافق، وكان كافراً كافراً في باطنه، وكان يستحق القتل يستحق القتل، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك. لكن ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتله لمصلحة عظمى، وهي المحافظة على نقاء هذه الدعوة وألا تهاجم بأنكم تقتلون اتباعكم؛ لأن هذا ما تعلمه عن عبد الله بن أبي أنه مسلم وقتله أصحابه، مشكلة! فدائماً أحبتي علينا أن نعقل هذا الأمر.
تطبيق الإسلام وتنزيله يحتاج إلى شكل من أشكال الحكمة والوعي والفهم وإدراك المصالح والمفاسد، فيمكن تأخير تطبيق بعض الأحكام من أجل مصالح عظمى يرقبها العلماء الربانيون، هذا ممكن وهذا مجال للاجتهاد؛ لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد. العالم الرباني يستطيع أن يحدد هذه المصالح والمفاسد من خلال النظر في الواقع.
أما أن يتوهم الجهال أن أحكام الشريعة تطبق مرة واحدة وعلى كل المخالفين وتنزل جميع الأحكام مهما طلعت صورة عن هذا الدين خاطئة ومهما شوهت صورة هذا الدين، المهم أننا نفعل ما نريد أو ما جاءت به النصوص الشرعية! في الحقيقة لا، هناك موازنة دقيقة جداً يدركها العلماء الربانيون. لذلك دائماً نقول أهمية مجيء العالم الرباني لا يكون عالماً مدافناً منافقاً يشتريه فلان وفلان ويتاجرون بعلمه، وفي نفس الوقت لا يكون إنسان غالي. وطبعا العالم الرباني هو في العادة بعيد عن مناطق الجهل والغلو؛ لأن علمه يحرسه، يكون له بصيرة يجعله يعرف كيف يتعامل مع النصوص ومع الأحكام الشرعية؟ وكيف يطبقها على المنهج الذي يرضي الله سبحانه؟
فالنبي عليه الصلاة والسلام مع أنه يعلم أن عبد الله بن أبي كان منافقاً كافراً، لكنه غض الطرف عنه لمصلحة عظمى، وانظروا كيف فعلا ستتم هذه المصلحة بعد قليل.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم أصدر أوامر مباشرة بعد ما سمع أن عبد الله بن أبي تكلم بهذا الكلام في المعسكر. خشي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبدأ اللط والعجن في هذه القضية، فأصدر أوامر مباشرة: الرحيل الرحيل! الكل يركب دابته وسنسير، يريد أن يشغل الناس بالسفر وتعب الطريق عن لت الكلام وتناقله فيما بينهم في المجالس، فالأمر الحكيم صدر: الكل يرحل واستعدوا لنكمل المسير باتجاه المدينة.
فأذن النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل، وارتحل في ساعة لم تكن عادته أن يرتحل فيها. يعني في هذه المرة النبي صلى الله عليه وسلم أصدر أوامره بالرحيل والمشي في ساعة في العادة هي كانت ساعة قيلولة للصحابة أو ساعة هدوء، جاء الأمر مباشرة: الكل يرحل. فتعجب الصحابة من الأمر، لكن لم يكن لهم إلا التزام أوامر النبي صلى الله عليه وسلم.
مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، عبد الله بن أبي وصل أن زيد بن أرقم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قلت يا عبد الله، فلحق حالك قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم يصدر أوامره فيك. فمباشرة عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبدأ يحلف الأيمان بالله: والله يا رسول الله ما قلت كما قال زيد بن أرقم ولا تكلمت بشيء من ذلك.
وكان في قومه شريفا عظيما، عبد الله بن أبي في النهاية كان سيد من الخزرج، فبعض الصحابة من الخزرج كما قلنا ما زال يحتفظ بشيء من الهيبة لهذا الزعيم القديم، فسعوا لأن يحسنوا الظن به فقالوا: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام زيد بن أرقم -كان شاب صغير- فقال هؤلاء عسى أن يكون الغلام قد وهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل، ضبط حدا على ابن أبي. يعني كما قلنا بعض رجال الخزرج قالوا: يا رسول الله لربما زيد بن أرقم سمع الكلام غلط وما حفظه بالضبط، تصدعنا من هذا الكلام ودعنا نكمل مسيرنا الآن.
فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار النبي صلى الله عليه وسلم -يعني هو مش مستبعد أن عبد الله بن أبي يتكلم بهذا الكلام؛ لأنه شاهد ماذا فعل عبد الله بن أبي في غزوة الأحزاب حينما فر بثلث الجيش، شاهد ماذا فعل عبد الله بن أبي في بني قينقاع، شاهد ماذا فعل عبد الله بن أبي في غزوة الأحزاب نفاقه ظاهر- فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يسير في طريقه لقيه سيد من سادات الأوس وهو أسيد بن حضير رضي الله عنه، فحيي أسيد بن حضير، سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وحياه بتحية النبوة ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة من كرة ما كنت تروح في مثلها.
يعني أسيد جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ليس من عادتك أن ترتحل وأن تأمر بالمسير في هذه الساعة؟ الظاهر أنها كانت ساعة ظهيرة وعادة السفر يكون فيها صعب لحر الصحراء، أسيد بن حضير تعجب لماذا يا رسول الله تحركت في هذه الساعة؟ ما كان يعلم أسيد بن حضير شيء عن الموضوع الذي أثاره عبد الله بن أبي بن سلول.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لأسيد: «أوما بلغك ما قال صاحبكم عبد الله بن أبي بن سلول؟». فقال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: «من هو الصاحب؟». قال عبد الله بن أبي؛ لأنه النبي قال: أوما بلغك ما قال صاحبكم؟ فقال أسيد: ومن تقصد بصاحبنا يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عبد الله بن أبي». فقال أسيد: وماذا قال؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «زعم صاحبكم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل».
فأسيد بن حضير مباشرة، إمام من أئمة الصحابة قال: فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز يا رسول الله. ثم قال -الآن أسيد بن حضير قال-: يا رسول الله، أنت العزيز وانت الذي تستطيع إخراجه وهو لا يملك شيئاً.
ثم أسيد بن حضير بده يرطب الأجواء ويخفف على قلب النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يحزن النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، ترى هذا الرجل عبد الله بن أبي -حتى تعرف كل قسته- هذا الرجل قبل أن تأتي يا رسول الله وتهاجر إلى المدينة كنا نريد أن نسوده على المدينة ملكا عليها، وكان الناس يصنعون له تاجا مزخرا بالذهب والفضة، فما أن وصلت يا رسول الله إلى المدينة وأصبحت أنت القائد حتى انصرف الناس عنه، فلذلك حمل في قلبه، فتجده يمارس مثل هذه الممارسات ويتكلم بهذا الكلام، فدعه يا رسول الله. هو يريد أن يخفف الأجواء على النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول ابن هشام: مشى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح. يعني ما وقفهم النبي صلى الله عليه وسلم، مشى إلى الليل وطوال الليل يمشي إلى الصباح. إيش يفعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ عم برهقهم حتى يصلوا إلى مرحلة من الارهاق، إذا نزلوا في منطقة ينامون مباشرة من دون أن يكون هناك تداول حديث في مجالسهم؛ يعني لو جلس القوم في منطقة وهم في قدراتهم وقوتهم، هذه المجالس سيبدأ فيها اللط والعجن فيما قال عبد الله بن أبي، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يرهق الجيش بدنياً، فجعلهم يسيرون تقريبا أربعة وعشرين ساعة.
فما وصلوا بعد أربعة وعشرين ساعة إلى منطقة إلى بئر من الآبار إلا وهم مرهقون جداً، فناموا من دون أي حديث بينهم لشدة الإرهاق. قال: فسار بهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقع الكل سقط نائماً من دون أي حركة من شدة الإرهاق، وإنما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس بالحديث الذي أثاره عبد الله بن أبي. انظروا كيف حكمة النبي صلى الله عليه وسلم القائد!
ثم المهم أخذوا قسطاً من الراحة، استيقظ القوم، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم المسير من جديد. ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وسلك بهم منطقة حجاز حتى نزل على ماء بالحجاز يقال له بقعاء. فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم هبت على الناس ريح آذتهم تخوفوها، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تخافوها، فهذه الريح إنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار». ففعلا لما قدموا المدينة وجدوا أن هناك رجلاً من رؤوس يهود بني قينقاع يقال له رفاعة بن زيد مات في ذلك اليوم.
وفي هذه إشارة إلى أن الريح الشديدة العاتية قد تحمل في طياتها خيرا للناس. فهذه ريح هبت على الصحابة وهم على ماء النقاء أو البقعاء، فالصحابة تخوفوا منها، فالنبي قال: «لا تخافوا، هذه الريح أتتكم بشارة أن رجلا من صناديد اليهود قد قتل». وفعلا عرفوا بعد ذلك أن رفاعة بن زيد قد مات في ذلك اليوم. المهم نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم ما زال يكمل رحلة العودة، نزلت سورة المنافقون عليه وهو في عودته إلى المدينة.
نزلت سورة المنافقون تخبر النبي صلى الله عليه وسلم بصدق ما قال زيد بن أرقم وأنه أخبرك الحقيقة يا محمد. وعرف الصحابة وعرف عبد الله بن أبي بنزول هذه السورة. يقول ابن هشام: نزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أبي ومن كان على مثل أمره. فلما نزلت، دعا النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن أرقم وأخذ بأذنه يفتلها برفق وقال: «هذا الذي أوفى الله بأذنه». يعني هذا هو الشاب الصادق الذي صدقه الله تعالى. زيد بن أرقم من أفاضل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
بلغ الآن لمن وصل الأمر والخبر عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، له ابن صالح من كرام الصحابة عبد الله بن أبي رأس النفاق له ابن من كرام الصحابة. نعم له ابن من كرام الصحابة يقال له أيضا عبد الله، فاسم هذا الصحابي عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول. عبد الله هذا ابن رأس النفاق كان رجلا صالحا من الصحابة. فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع أن سورة المنافقون نزلت، تصدق أن عبد الله بن أبي والده قد تكلم بهذا الكلام القبيح في شأن النبي صلى الله عليه وسلم.
فجاء هذا الابن الصالح إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل أبي، فدعني يا رسول الله أنا الذي أقتله؛ فإن الناس كلها تعرف أنني رجل شديد البر بوالدي، فأخشى يا رسول الله إن أمرت رجلا من الصحابة الكرام أن يقتل أبي أن أبقى حاقدا على هذا الرجل الذي قتل أبيه، وأتحيل له فرصة لأن أقتله وأن أثأر لوالدي. حتى أريح يا رسول الله داخليا، مرني أنا أن أقتل أبي وأنا أقتل، ما عندي أي مشكلة. انظروا الإيمان العميق المتجذر، أي جرأة هذه، أي شجاعة، أي دفاعا عن محمد صلى الله عليه وسلم، أي انتماء من عبد الله بن عبد الله أهل هذا الدين.
تصل المرحلة به أنه يا رسول الله فقط اعطني الإشارة وأنا أقتل والدي. إنه الإيمان أحبتي حين يتشبث في قلوب الرجال الصادقين، يبيعون كل شيء، باع والده وإخوته، وكل إنسان محارب لهذا الدين نحاربه حتى ولو كانوا آباءنا أو أبناءنا أو إخواننا أو عشيرتنا. هذا هو الإيمان الحق الذي يسمو على أي رابطة أخرى من روابط النسب، رابطة الإسلام هي الرابطة العليا التي ينبغي الدفاع عنها. المهم النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله لهذا الشاب الصالح، قال له: «أنا لم أصدر أمرا بقتله، بل سنرفق به ما دام يصحبنا»، يعني ما دام عبد الله بن أبي معنا في المدينة فإنني سأرفق به ولن أقتله. والنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا كان حريصا على أن لا تصدر إشاعة أن محمدا يقتل أصحابه.
لكن انظروا لما نزلت سورة المنافقون وعرف الصحابة بنفاق عبد الله بن أبي وبدأ يظهر هذا النفاق أكثر وأكثر ويفشو، يقول ابن هشام: جعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه. انظروا الحكمة الهادئة كيف وصل إلى المقصود بكل هدوء. الآن بعد هذا المشهد وبعد أن أنزل الله تصديقا بزيد بن أرقم، أصبح عبد الله بن أبي هذا المنافق كلما تكلم بكلمة أو لمز بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بالصحابة، من الذي يعاتبه ويقف في وجهه؟ قومه المقربون منه هم الذين يعنفونه ويقولون له: اسكت ولا تخض ولا تتكلم، أنت منافق. الدائرة حوله هي التي أصبحت تهجم عليه.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هذا الذي أراده، أن الذي يصد هذا الرجل ويقف في وجهه هم أقرب الناس إليه، حتى كما قلنا لا يحدث هناك بغضاء وشحناء بين المهاجرين والأنصار أو بين الأوس والخزرج، هذا الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم. يريد الدائرة المقربة من عبد الله بن أبي بن سلول هي التي كما قلنا تصده عن كلامه وأقواله. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم نتيجة حكمته كيف أصبحت الدائرة المقربة من عبد الله بن أبي هي التي تزجره، رأى عمر بن الخطاب فقال: «يا عمر، كيف ترى الآن؟ يعني كيف ترى سياستي مع هذا الرجل؟ والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله يا عمر لارعدت له أنوف»، لو أمرتها اليوم الآن بقتله لقتلته.
يعني يا عمر لو أنني قتلت هذا الرجل في الساعة التي أنت أمرتني أو طلبت مني أن أقتله فيها، شمخت أنوف تنصر عبد الله بن أبي وترفض عملية قتله. لكن الآن هذه الألوف التي كنت أخشى أنها تنتصر لعبد الله بن أبي، هذه الأوف الآن بعد أن تكشفت حقيقة هذا الرجل وأنزل الله في كذبه سورة كاملة، هذه الأنف الآن لو أمرتها أن تقتله لقتلته. يعني النبي صلى الله عليه وسلم عملية تجنبه لقتل عبد الله بن أبي كان لها عدة أسباب: أولا كما قلنا لا يريد أن يخرج دعاية أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، ثانيا يريد أن يحافظ النبي صلى الله عليه وسلم على تماسك المجتمع المدني.
فصحيح هناك صحابة من الخزرج ومن الأوس، لكن حتى الصحابة من الخزرج في النهاية كان عبد الله بن أبي قائد للخزرج أحد قادتها الكبار، فكان يراد تسويده. يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «يا عمر، لو قتلت عبد الله بن أبي لانتصر له وارتفعت له أنوف أناس يناصرونه ويعتبرونه سيدهم، لكن لما الآن تكشفت أموره وأنزل الله فيه سورة في كتابه، أصبحت هذه الأنف التي كانت ستنتصر له هي الآن لو أمرتها أن تقتله لقتلته». هذه هي الحكمة المحمدية. فقال عمر: يا رسول الله، والله لقد علمت أن أمرك أعظم بركة من أمري، فعلا أوامرك هي التي كانت فيها البركة والخير والحكمة والسداد.
انتهى هذا المشهد، نقفل الستار على قصة عبد الله بن أبي بن سلول. دعونا نذهب الآن إلى قصة أخرى من قصص غزوة بني المصطلق، قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من جويرية بنت الحارث. يقول ابن هشام: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب من بني المصطلق سبيا كثيرا، فجاء قسمه في المسلمين، وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، يعني ابنة سيد بني المصطلق. الآن لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم السبايا، جويرية بنت الحارث لم تقع ابتداء في سهم النبي صلى الله عليه وسلم، كانت من نصيب أحد الصحابة الأفاضل يقال له ثابت بن قيس بن شماس، كانت من نصيب ثابت بن قيس بن شماس، وقعت في سهمه فخرجت غنيمة له.
المهم جويرية بنت الحارث كانت امرأة شريفة، كانت ابنة القائد، فقالت لثابت بن قيس بن شماس: ما رأيك أن أدفع لك مالا وتعتقني مقابل ذلك؟ وهذا يسمى المكاتبة بالفقه الإسلامي، أن العبد يكون معه مال فيكاتب سيده، إنه أنا أدفع لك مالا على عدة أشهر خلالها أكون دفعت لك مالا ثم تعتقني بعد ذلك. ثابت بن قيس بن شماس وافق على هذا العرض. فلما وافق ثابت بن قيس على هذا، انطلقت مباشرة جويرية بنت الحارث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة حلوة ملاحة، تحسن الكلام والحديث، وكل من رآها يعجب بمنطقها ولسانها وهيئتها.
فاتت النبي صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها، يعني هي ما معها الآن مال لكن كاتبت ثابت بن قيس بن شماس وقالت له: أنا أعطيك مالا على دفعات مقابل أن تعتقني بعد فترة، فوافق ثابت بن قيس. فذهبت مباشرة جويرية إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنها كانت تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيساعدها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام له نظرة له سياسة، يكرم شرفاء الأقوام حتى ولو كانوا مخالفين له، يكرمهم ويقدر منازلهم، وهذه لها حكم عديدة في السياسة الشرعية ليس الآن موضع بسطها. المهم جويرية ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتستعينه على الكتابة.
تقول عائشة رضي الله عنها: فوالله ما رأيتها على باب حجرتي إلا كرهتها. عائشة لما رأت جويرية بنت الحارث على باب حجرتها وأن جويرية تطرق الباب، قالت: كرهتها لأني علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم سيعجب بمنطقها وفهمها وحكمتها وعقلها وأنها بنت زعيم وقائد فسيكون ذلك دافعا للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يخطبها، لذلك كرهتها، غيرة النساء بعضهن من بعض. فدخلت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد القوم، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، يعني أصبحت امرأة أمة بين يدي أصحابك ووقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس، واني كاتلته على نفسي فجئت استعينك في هذه الكتابة، يعني أعطني مالا حتى أدفع لهذا الرجل لأصبح حرة.
والنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا كان يعلم مقادير الناس ويحلهم منازلهم حتى ولو كانوا كافرين أو أعداء له، فلما رآها فعلا كما جاءت في فراسة عائشة، أعجب النبي صلى الله عليه وسلم بمنطقها وهيئتها وشجاعتها وأنها ابنة زعيم، وأدرك أن الزواج منها سيجلب الخير لها ولقومها. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلك على ما هو خير من ذلك؟» فقالت: بلى وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضي عنك هذا الدين وأتزوجك»، يعني خلاص أنا أبقضي الدين لثابت بن قيس بن شماس أعطيه، وتصبحين حرة وأتزوجك. فقالت: قبلت يا رسول الله، قبلت يا رسول الله، وماذا تريد أفضل من أن تتزوج القائد الأعلى؟ سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.
طبعا أسلمت هي وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم. أول ما عقد النبي صلى الله عليه وسلم عليها، انظروا بركة هذا الزواج، أول ما عقد النبي صلى الله عليه وسلم عليها، شاع الخبر في المدينة أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على جويرية بنت الحارث، فأصبح الصحابة الكرام كل شخص في يده سبية وأمة من نساء هذه القبيلة ينظرون ويقولون: هؤلاء أصهار النبي صلى الله عليه وسلم، كيف نبقيهم في أيدينا؟ يعني الآن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث، والماء بين أيدينا هم أقارب جويرية، بالتالي نحن الآن بين أيدينا سبايا يقربون أو سباياهم أصهار للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يليق، إذن دعونا نعتق ما في أيدينا من السبايا احتراما وإجلالا لمصاهرة النبي صلى الله عليه وسلم.
فكانت عائشة تقول بعد ذلك: والله ما رأيت امرأة أعظم بركة على قومها من جويرية بنت الحارث، فقد أعْتِقَ بزواجها من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة بيت من قبيلتها، يعني أكثر من مئة بيت من قبيلة بني المصطلق أصبحوا أحرارا واجتمع شملهم من جديد ببركة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بها. وانظروا زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أبناء القيادات، سيأتي معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج صفية ابنة حيي بن أخطب لما ذهب إلى خيبر وهي ابنة رجل كبير من اليهود، زواج النبي صلى الله عليه وسلم من جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار وهي ابنة القائد العام لقبيلة بني المصطلق، هذه الزواجات أحبتي لها فائدتها العظيمة في تثبيت وجود النبي صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب وفي حضوره.
فهو الآن له علاقات مصاهرة ونسب مع طوائف متعددة ومع قبائل، وعلاقات المصاهرة والنسب بين العرب كانت علاقات ليست مجرد علاقات نسبية، بل كانت علاقات نصرة ودفاع، الصهر لا يهجم على صهره، فالنبي صلى الله عليه وسلم وطد نفسه بطريقة حكيمة عالية في الذكاء والفطنة بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.
المهم أكمل قضية تتعلق بقصة بني المصطلق، كما قلنا الصحابة أعتقوا ما بأيديهم من النساء والذراري، أعادوا هؤلاء النساء والذراري إلى مناطقهم، إلى المناطق التي تسكن فيها قبيلة بني المصطلق بالقرب من ساحل البحر الأحمر. النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بعد إسلامهم، قبيلة بني المصطلق أسلموا ودخلوا في هذا الدين، فالنبي عليه الصلاة والسلام ارسل إليهم رجلا يقال له الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما قال العلماء ليعلمهم الإسلام وليأخذ منهم الزكاة.
الوليد بن عقبة ماذا حدث معه؟ الوليد بن عقبة ركب راحلته واتجه باتجاه القبيلة كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم. بنو المصطلق سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل الوليد بن عقبة فركبوا وتجهزوا ليستقبلوا مبعوث النبي صلى الله عليه وسلم استقبالا شريفا يليق به، هذا كان مقصدهم. علمت قبيلة بني المصطلق أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم مبعوثا من طرفه، فاستعدوا وخرجوا ليستقبلوا هذا المبعوث بشكل محترم. الآن الوليد بن عقبة سمع أن قبيلة بني المصطلق خرجت وتحركت باتجاهه، ماذا ظن الوليد بن عقبة؟ ظن الوليد بن عقبة أن هذه القبيلة إنما خرجت تريد قتله وتريد أن تطلبه.
مقابل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القبيلة قديماً، فالوليد لم يكمل مسيره باتجاه بني المصطلق، عاد أدراجه باتجاه المدينة وذهب سريعاً إلى رسول الله: يا رسول الله، وصلتني أنباء أن بني المصطلق قد خرجوا بخيلهم ورجالهم، وأنهم يريدون قتلي، ويريدون غزو المدينة، ورفضوا أداء الزكاة ولا يريدون أن يؤدوها إلينا.
فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب، معقول يعني نحن اعتقنا النساء والذراري ووعدناهم معززين مكرمين، والجماعة دخلوا في هذا الدين، الآن يغدرون بمبعوث ويريدون قتله؟
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينتهِ هذا المشهد إلا وقبيلة بني المصطلق تبحث: أين مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل؟ هم خرجوا ليستقبلوه استقبال الشرفاء.
فقبيلة بني مصطلق خافوا أن يكون فعلاً حدث فهم خاطئ، فمباشرة أرسلوا وفداً منهم باتجاه المدينة. كانوا صادقين، أرسلوا وفداً باتجاه المدينة ودخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، سمعنا أنك بعثت إلينا رسولاً، فخرجنا إليه لنكرمه، نحن لم نخرج لنقتله كما توهم وظن، ونريد أن نؤدي إليه الزكاة بالشكل الوافي، وهذا كان مقصدنا. وقد بلغنا أن هذا الرسول أو المبعوث الذي بعثته قد عاد إليك وأخبرك أننا نريد أن نقاتل وهذا ليس بصحيح.
وفعلاً أنزل الله عز وجل في سورة الحجرات آية تصدق قبيلة بني المصطلق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]. أنه يا جماعة إذا جاءكم واحد بخبر بدكم تتحروا وتنتبهوا، ولا تستعجلوا في اتخاذ حكم أو إجراء بناءً على قوله لئلا تصيبوا قوماً بجهالة، لأن بني المصطلق فعلاً كانوا مظلومين في هذه الحالة، وما خرجوا من أجل أن يقتلوا الوليد بن عقبة كما توهم، بل خرجوا ليستقبلوه ويبادروا إلى تكريمه. فالله عز وجل أمر نبيه أن هذه القبيلة صادقة وخرجت لتكرم هذا الرجل، لكن هذا الرجل استعجل وأتاكم بأخبار غير دقيقة عن هذه القبيلة.
ففعلاً النبي صلى الله عليه وسلم ترضى عنهم وأكرمهم. المشهد الثالث والأخير، انتهينا الآن من قضية السبايا، المشهد الثالث والأخير هو قضية حادثة الإفك، وهي من الحوادث المؤلمة التي كان منشأها النفاق وخطأ بعض الصحابة واستعجالهم. يعني حادثة الإفك الخطأ فيها من جهتين؛ من جهة النفاق وهذه جهة معلومة، واستعجال بعض الصحابة في الكلام والخوض فيها. ما هي حادثة الإفك؟ ومن الذي تأذى بها؟ دعونا نعرف هذه الحادثة بتفاصيلها من ابن هشام. ابن هشام يروي لنا هذه الحادثة على لسان عائشة رضي الله تعالى عنها، فماذا تقول؟
قالت عائشة رضي الله عنها وهي تروي لنا ما وقع في حادثة الإفك: كان النبي صلى الله عليه وسلم -عائشة ستعطينا القصة من بدايتها، ستعطيني القصة من بدايتها دعوكم معنا- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. من عدل النبي صلى الله عليه وسلم بين أزواجه أنه إذا أراد أن يسافر في غزوة من الغزوات يأخذ واحدة معه في العادة، من الذي يأخذ؟ يقوم بعمل قرعة. ومن هنا أجاز الحنابلة وكثير من أهل العلم قضية القرعة في مسائل معينة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم بقرعة بين زوجاته، التي يخرج سهم فيها هي القرعة، هي التي يأخذها النبي صلى الله عليه وسلم معه. ففي غزوة بني المصطلق لما النبي صلى الله عليه وسلم قام بالقرعة خرج سهم عائشة، فبالتالي عائشة هي التي قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذها معه.
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه فخرج سهمي، فخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلقة، لم يهبجن اللحم فيثقلن. تقول: احنا النساء خاصة الفتيات الصغيرات ما نأكل كمية كثيرة من الطعام، كنا نأكل كمية قليلة جداً من الطعام حتى تبقى الشابة محافظة على وزنها خفيفاً وعلى جمال قوامها. وهذه عادة النساء لربما حتى في وقتنا المعاصر، أن كثير من النساء تألف من السمنة فتأكل أكل خفيفاً تحافظ به على نحافتها. فقالت عائشة: وما كنت آكل الشيء الكثير من الطعام، آكل شيء محدود قليل، فبالتالي كنت خفيفة اللحم نحيفة جداً.
وكنت إذا رحل لي بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين يرحلون لي هودجي فيحملونني فيأخذون بأسفل الهودج، كيف يرفعونه ويضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير. يعني فتقول كلما في هذه الرحلة كلما ركبت، إذا اردنا أن نسير أقوم بركوب الهودج، ثم يأتي الصحابة الموكلون بررفع هذا الهودج، يحملون هذا الهودج على أكتافهم، يضعونه على الراحلة، ثم يأخذون بهذه الراحلة وتبدأ المسير. دائماً أي منزل ينزل النبي صلى الله عليه وسلم، إذا أراد أن يرتحل ويبدأ المسير، عائشة تدخل في الهودج، الصحابة يرفعون الهودج على البعير ويسير البعير.
لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من سفره، أي من غزوة بني المصطلق، وعاد قافلاً، إذا القصة نعود فيها الآن إلى أثناء عودة النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه المدينة، قال: حتى إذا كنا قريباً من المدينة نزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلاً فبات فيه بعض الليل. يعني واحنا قد اقتربنا من المدينة، من المنازل الأخيرة التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، نزل بقرب ماء أو ما شابه ذلك ليرتاح ويأخذ قسطاً من الراحة مع الصحابة الكرام. نزل النبي صلى الله عليه وسلم نام وأخذ قسطاً من الراحة، ثم استيقظ وأذن في الناس: يلا دعونا نرتحل لنكمل مسيرتنا أو مسيرة العودة إلى المدينة.
فارتحل الناس فعلاً، الناس تجهزوا وبدأ كل شخص يجهز راحلته ليكمل المسير. قالت عائشة: فخرجت لبعض حاجتي، يعني عائشة كأنها أرادت أن تذهب إلى الخلاء، فذهبت بعيداً حتى تقضي حاجتها بعيداً عن أعين الناس بالتأكيد. قالت: فخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي، كان في عنقها عقد جميل، فلما فرغت من قضاء حاجتي انسل من عنقي ولا أدري، يعني هذا العقد ضاع وفقدته من عنقي ولا أدري أين ذهب. فلما رجعت إلى الرحل، عدت الآن إلى رحلي وإلى هودجي، ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده. يعني باختصار هي قضت حاجتها، وهي في طريق العودة بدأت تنظر في عنقها لم تجد العقد، فذهبت إلى هودجها وإلى راحلتها، بدأت تبحث عائشة عن هذا العقد فلم تجده. فخمنت أن العقد أين فقدته؟ في المكان الذي ذهبت فيه للخلاء.
فذهبت عادت مرة أخرى إلى هذا المكان الذي تخلت فيه بحثاً عن عقدها، قالت: وقد أخذ الناس في الرحيل، فرجعت إلى مكاني الذي قضيت فيه حاجتي، ذهبت إليه ألتمس هذا العقد حتى وجدت، فعلاً عادت إلى ذاك المكان الذي قضت فيه حاجتها فوجدت العقد، قالت: فوضعت هذا العقد ورجعت إلى الصحابة الكرام لألتمسهم وأدخل في الهودج ليحملوا هذا الهودج.
لكن هنا وقعت الإشكالية، قالت: وجاء القوم خلافي الذين كانوا يرحلون لي البعير، وقد فرغوا من رحلته، أي من رفعه، فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أني فيه، ثم اخذوا برأس البعير وانطلقوا. تقول عائشة يعني في هذا المشهد: إنني حينما ذهبت لأبحث عن العقد مرة أخرى، الصحابة الموكلون بحمل الهودج ظنوا أنني في داخل الهودج، لماذا ظنوا ذلك؟ لأن كما قلنا، هي كان وزنها رضي الله عنها خفيف جداً، فهم لما بيرفعوا الهودج ما بيأثر عندهم، كانت فيه أو ليست فيه، أن وزنها غير مؤثر لشدة نحافتها رضي الله عنها. وتوق عائشة: أنا ما ذهبت من هنا لأبحث عن عقدي، إذاً الصحابة الموكلون بالهودج يرفعونه هذا الهودج وظنوا أن عائشة فيه، ما فكروا أن عائشة ليست موجودة، الكل الآن يتهيأ للرحيل أكيد هي موجودة في الداخل، فرفعوا هذا الهودج على البعير وبدأوا المسير.
وعائشة أين؟ عائشة تبحث عن قلادتها في المكان الذي قضيت فيه حاجتها. قالت: فرجعت إلى العسكر وما فيه من داعٍ ولا مجيب، يعني لما رجعت هي راجعة مبسوطة رضي الله عنها أنها وجدت عقدها، قالت: وصلت إلى مكان العسكر فلم أجد أحداً، أين ذهب الناس؟ عرفت أنه انطلقوا وتركوني، هم يظنون أني في داخل الهودج. قالت: فالتففت بجلبابي، بعفتها وحيائها التفت بجلبابها، قالت: واضطجعت في مكاني وعرفت أنهم يتفقدوني بعد مشوار أو بعد عدة أميال يتفقدون الهودج، النبي صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويعرف أني لست موجودة فيرجعون إلي يبحثون عني، فخلاص أجلس في مكاني حتى يعودوا إلي.
قالت: فوالله إنني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي. رجل من خيرة الصحابة، صفوان بن المعطل السلمي، هذا الرجل أحبتي يوصف بكثرة النوم، كان كثر النوم ونومه ثقيل، فكان دائماً ينام والجيش يسير ويتركه وهو ما زال نائماً، ثم يستيقظ هو على نفسه فيدرك الجيش ويلحقه. كان رضي الله عنه كما قالوا نومه ثقيل فلم يبت مع الناس.
فهذا الرجل صفوان بن المعطل نفس الشيء وصل إلى منطقة العسكر ما وجد أحداً من الصحابة الكرام، عرف أن الجيش ارتحل فقرر أن يتبعهم، لكن قبل أن يحرك، التفت فوجد امرأة متلففة بجلبابها عند شجرة فعرف أنها عائشة. كيف عرف أنها عائشة قبل أن يفرض الحجاب على أمهات المؤمنين؟ احنا عرفنا أنه فرض الحجاب متى كان؟ في قصة زينب بنت جحش في السنة الرابعة. فقبل أن يفرض الحجاب كان هذا الرجل يرى عائشة رضي الله تعالى عنها، قبل أن يفرض الحجاب كان يرى عائشة رضي الله عنها، فلما رأى هذه المرأة المتلففة بجلبابها بهذا الحجم وبهذه الصورة عرف أن هذه المرأة هي عائشة رضي الله تعالى عنها، فبدأ يرجع أو عفواً يسترجع ويقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، عرف أنه في إشكالية وقعت.
رأى سوادي فأقبل حتى وقف عليّ، وقد كان يراني تقول عائشة: وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب، فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا تركها الجيش. قالت: وأنا متلففة في ثيابي، فقال لها صفوان: ما خلفك يرحمك الله؟ قالت عائشة: فاستحييت فما كلمته ورفضت أن تكلمه مجرد كلام، ثم هذا رجل من خيرة الصحابة. قالت: ثم قرب بعيره فقال: اركبي على البعير وهو ابتعد. يعني وضع البعير قال: اركبي وأنا ابتعد.
انظروا الحياء! انظروا الحياء! لا يتحاشر مع النساء ولا يتبادر الضحكات والمزحات وماذا تفعلين ومزحة من هنا وابتسامة من هنا كما يفعل الناس اليوم ويظنون أنهم متدينون بهذه الصنعة. صفوان بن معطل وضع ناقته وذهب بعيداً، قال لها: اركبي، لما تركبي أعود إلى الناقة. شدة الحياء!
قالت: فركبت واستأخر عني، فلما ركبت عاد إلى البعير فأخذه وانطلق سريعاً يطلب الناس. فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدونا حتى أصبحت ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي، فهنا بدأت الإشكالية.
إيش يعني؟ يعني الآن بدأ صفوان بن المعطل يحاول أن يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، يسير ويسير ويسير، فوصلنا في صباح اليوم التالي إلى معسكر المسلمين. المعسكر نزل منزلاً جديداً في رحلة العودة، نزلوا يتزودون من الماء يأخذون قسطاً من الراحة. فالمعسكر تفاجأ أن هناك رجل يسير ويأتي بناقة وعلى هذه الناقة امرأة. فلما دنا هذا الرجل من المعسكر كل الصحابة شاهدوا صفوان بن معطل بل ناقته وعليها عائشة رضي الله عنها، فهنا بدأت الإشكالية الخطيرة، وبدأ النفاق يمارس وظيفته من جديد. رؤوس النفاق قالوا: ماذا كانت تفعل عائشة مع صفوان بن معطل رضي الله عنهما؟ فخاضوا في عرضها رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين، وهي الشريفة البريئة التي نزهها الله سبحانه وتعالى. بل نقل ابن كثير الإجماع على أن من طعن عائشة في شرفها، وهذا يفعله للأسف بعض الروافض اليوم، من طعن عائشة واتهمها بالزنا فهو كافر خارج عن ملة الإسلام، لأنه مكذب لله فيما أنزله من براءتها، ويطعن في أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالمهم بدأ النفاق يتكلم: ماذا كانت تفعل عائشة مع صفوان بن معطل؟ لماذا تأخروا؟ فدب الكلام في معسكر المسلمين وبدأ الكلام ينتشر هنا وهناك. المهم قدمنا المدينة، الأمور لم تظهر أو لم يشتد وطيسها في الرحلة، النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة نفس الشيء أمر الجيش أن يتحرك، حرك الجيش ووصلوا ودخلوا المدينة. عائشة رضي الله عنها لم تكن تعلم بعد بما تحدث به الناس في المعسكر، ما وصل إلى أنبائها أن الناس بدأوا يتهمونها بقضية صفوان بن معطل.
قالت عائشة: دخلنا المدينة فاشتكيت شكوى شديدة، يعني أصيبت بحمى شديدة بسبب هذه الرحلة الطويلة من السفر، أصابتها حمى شديدة ولم يبلغني من ذلك شيء، ما عرفت أنه في أمور الآن الناس تحيك وتتكلم بها، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبويه، لكنهم لا يذكرون لي منه قليلاً ولا كثيراً. يعني النبي صلى الله عليه وسلم وصله هذا الحديث، ما طعن الناس به، ووصل الحديث إلى أبي بكر وإلى أم بكر، يعني إلى زوجة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها.
ولا أحد يتكلم، وما أخبروا عائشة بشيء من ذلك. لكن عائشة تقول: إلا أني أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لطفه بي، فالعادة أنني كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي. فلم يفعل ذلك بي في شكواي هذه، يعني عادتي مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون شديد الرأفة واللطف بي وأنا مريضة. أنظروا كيف تصف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم العالية.
لكن في هذا المرض ما رأيت اللطف الذي أعهده من النبي صلى الله عليه وسلم، فأنكرت ذلك. أنا تعجبت قلت: يعني لا أدري ما الموضوع، لماذا النبي صلى الله عليه وسلم لا يظهر ذاك اللطف؟ فكان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال لأمي، النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل عليها أحياناً يسأل عن أحوالها، لكن كيف كان يسأل؟ يدخل على أم عائشة فيقول لها: كيف تيكم؟ كيف يعني البنت باختصار؟ ولا يزيد على ذلك غريبة. كيف تيكم؟ يعني كيف البنت؟ تقول له مثلاً: جيدة، وينطلق ولا يكلم عائشة ولا يظهر لها التلطف والترحم. فعائشة استغربت من هذه المواقف من النبي صلى الله عليه وسلم.
فوجدت في نفسي، فقلت: يا رسول الله، لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني. يعني عائشة كانت في بيتها بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أمها كانت تأتي إلى بيتها وتخدمها تمرضها. فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم يعاملها بجفاء حزنت وشعرت بمشكلة يعني في داخلها. فقالت: يا رسول الله أنا بدي أرجع لبيت أهلي حتى أتمرض هناك وأستريح نفسياً يعني باختصار. النبي صلى الله عليه وسلم ما ناقشها، قال: لا عليك، يعني خذي راحتك. فانتقلت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان.
حتى نقهت من وجعي وعدت إلى حالتي، يعني حتى انتهى هذا المرض وذهب بعد عشرين ليلة. وعشرين ليلة والموضوع فيه لَتّ وعَجْن في المدينة. قالت عائشة: وكنا قوماً لا نتخذ في بيوتنا هذه الكُنُف التي تتخذها الأعاجم. قديماً أحبتي تقول عائشة: في بيوت المدينة يعني دورات المياه لا تكون داخل البيوت. احنا اليوم دورات المياه عندنا داخل بيوتنا. تقول عائشة: احنا في المدينة لم تكن دورات المياه داخل البيوت. أين كانت؟ كانت في الخلاء، في يعني كان النساء يذهبن إلى الصحاري وإلى مناطق بعيدة عن المدينة يقضين الحاجة في أطراف المدينة يعني. يقضين حاجتهن ثم يعدن. لذلك كانت العادة أن النساء يخرجن في المساء لقضاء الحاجة ثم يعدن طلبا للستر، وإنما كنا نذهب في فُسُح المدينة يعني المناطق المفتوحة في أطراف المدينة نقضي فيها حوائجنا. وكنا نخرج مجموعة من النساء مع بعضنا البعض.
قالت عائشة: فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح. خرجت عائشة وبرفقتها أم مسطح في ليلة من الليالي، وهذه امرأة من قريش، عائشة وهذه المرأة باتجاه الخلاء. قالت عائشة: فوالله إنها لتمشي معي إذ عُثِرَتْ في، يعني تعرقلت بثوبها. فلما تعرقلت بثوبها قالت: تعس مسطح. يعني هي تتعثر بثوبها، أحياناً مثلاً انسان يصيبه شيء وفي مسيره يتعثر بحجر فيشتم يطلق كلمة، فهذه المرأة رضي الله عنها قالت: تعس مسطح ابنها. فعائشة تقول لها: لبئس ما قلت! هذا رجل من المهاجرين الأوائل، وقد شهد بدراً، مسطح شهد بدراً.
فقالت أم مسطح لعائشة: أوما بلغك الخبر يا ابنة الصديق؟ فعائشة تقول: أي خبر تتكلمين عنه؟ فأخبرتني أم مسطح بكل التفاصيل، أنه ترى في سمعة الآن دارجة في المدينة أن رجوعك مع صفوان بن معطل على الناقة كان لأمر كذا وكذا، فعلتيه أنت وياه. هكذا يتكلمون الناس. والذي تكلم وأثار هذا في مكة، عفواً في المدينة، بعض المنافقين. وللأسف كما قلنا اشترك بعض الصحابة الأفاضل في هذا الخطأ، منهم مسطح، وهذا يدلل على وجود الخطأ من الصحابة. الصحابة يقعون في الخطأ لكنهم يستغفرون ويتوبون، البشرية موجودة، يخطئ الإنسان يذنب، لكنه كما قلنا يعود، وهذه الأخطاء والذنوب تَغْرَق في بحر عطائهم لهذا الدين.
فمسطح وحسان بن ثابت رضي الله عنه والصحابية حَمْنَة بنت جحش، هؤلاء الثلاثة من الصحابة الكرام لكنهم أخطأوا وخاضوا في هذه القضية مع المنافقين. وتكلموا أنه والله في إشكالية، كيف عائشة والله ترجع مع صفوان بن معطل لوحدهما، أين كانوا؟ للأسف خاض هؤلاء الثلاثة مسطح وحمنة في قضية الإفك واتهام عائشة في هذا الموضوع. فقالت لها عائشة: والله لقد قيل عني هذا؟ فقالت أم مسطح: نعم، والله لقد كان. فقالت عائشة: فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي. يعني أنا كنت خارج لأقضي حاجتي ما استطعت، ذهبت الحاجة من شدة ارتعابي وخوفي وحزني من هذا الموضوع. كيف يحدث هذا الأمر ولا أسمع به إلى الآن وأنا امرأة مظلومة بريئة؟ فوالله ما زلت أبكي، رجعت قال فرجعت إلى بيتي فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي.
وقلت لامي: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرينني من ذلك شيئاً! فقالت أمها: أي بنية، خفضي عليك الشأن، فوالله أقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها. يعني أمها الآن بدها تخفف عنها، أنه يا بنيتي لا تحملي كتير، ترى ما في امرأة والله حسناء مثلك وعند زوج شريف كمحمد صلى الله عليه وسلم ولها ضرائر إلا الناس بتصيبهم غيرة ويخوضون فيها.
قالت عائشة رضي الله عنها: وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس يخطبهم. النبي صلى الله عليه وسلم خلال هذه الأيام شاعر بالضيق بالانزعاج، النبي صلى الله عليه وسلم يتهم في عرضه وفي أهله! أي والله إنها لعظيمة، عظيمة جداً، نبي هذه الأمة الرسول الكريم يخاض في عرضه وفي أهله. فالنبي صلى الله عليه وسلم من شدة الألم من شدة الحزن ما مالك نفسه إلا وخرج على المنبر فخطب الناس خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ﴿أيها الناس، ما بال رجال يؤذونني في أهلي؟ يقولون عليهم غير الحق. يعني أنا تأكدت أن أهلي عائشة لا يفعملون ذلك، والله ما علمت من أهلي إلا خيراً. ويقولون ذلك الرجل فعل وفعل. يعني صفوان بن معطل فعل وفعل، ووالله ما علمت منه إلا خيراً، رجل من كرام الصحابة، ووالله إن هذا الرجل صفوان بن معطل ما دخل بيتاً من بيوت نسائه إلا وهو معي، ما دخل وحده. فكيف تقذفون زوجتي وتقذفون هذا الرجل؟﴾.
وكان كبر ذلك عند الذي تولى هذا الموضوع أساساً رأس الفتنة كان عبد الله بن أبي بن سلول حاضر في جميع الفتن، ومجموعة من رجال الخزرج، وكان قد دخل فيها أيضاً مسطح كما قلنا وهو من الصحابة الكرام، وحمنة بنت جحش. حمنة بنت جحش هي مين؟ هي أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين. فحمنة بنت جحش يقولون حتى تنصر أختها وترفع مكانة زينب بنت جحش عند النبي صلى الله عليه وسلم بدأت تخوض في موضوع عائشة لتقلل من شأن عائشة، وفعلاً كان خطأ منها رضي الله عنها هذا لا يجوز بأي حال من الأحوال غفر الله تعالى لحمنة ولمسطح وللصحابة الكرام.
الآن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال هذا على المنبر أنه في ناس تأذيني في أهلي وتتهم بعض الصحابة وهؤلاء أنا ما علمت منهم إلا خيراً، من الذي قام؟ شجاع الحاضر دائماً أسيد بن حضير من زعماء الأنصار وزعماء الأوس. فقال: يا رسول الله، أخبرنا من هؤلاء الذين دخلوا في عرضك؟ إن كانوا من الأوس نحن نكفيكهم، وإن كانوا من الخزرج فمرنا بأمرك ونحن نفعل ماذا تريد. أسيد بن حضير كما قلنا من الأوس فقال: يا رسول الله، اللي آذوك من الأوس أنا بكفيهم، وإذا كانوا من الخزرج مرنا بما تشاء ونحن أيضاً ننزل بهم العقاب.
هنا دخل الشيطان، فمن الذي قام لينصر الخزرج؟ سعد بن عبادة، وهو أيضاً من أفاضل الصحابة رضي الله عنه، لكن أخذته الحمية. يا أسيد بن حضير، أنت كيف تتكلم عن الخزرج بهذه الصورة؟ لأنه أصلاً هو قديماً قبل إتيان النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة كان هناك مشاكل بين الأوس والخزرج، وكان بينهم معارك طاحنة، ومعركة بُعَاث قتل فيها الكثير من الأوس ومن الخزرج، فهذه النعرات القبلية بينهما كانت شيطاناً يغذيها كلما وجد لذلك مدخلاً.
فسعد بن عبادة قام فقال: يا أسيد، من أنت حتى تقول هذا الكلام؟ كذبت والله، لا تضرب أعناق الخزرج! أما والله ما قلت هذه المقالة يا أسيد إلا لأنك تعرف أن الذي خاض في عرض النبي صلى الله عليه وسلم هم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا الكلام الذي قلته. فأسيد بن حضير الآن يرد فقال: كذبت يا سعد، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين!
طبعاً هذه هو يشتم ولكنه لم يكن منافقاً، سعد بن عبادة من خيرة الصحابة، لكن كما قلنا دخل الشيطان باختصار، دخل الشيطان بين السادة والزعماء. النبي صلى الله عليه وسلم لما شاف الموضوع بدأ يهيج، قام الأوس وقام الخزرج وبدأوا يتقاربون من بعضهم البعض وكادت فتنة تقوم في المسجد. النبي صلى الله عليه وسلم نزل عن المنبر وحجز بينهم وقال: خلاص انتهى الموضوع، أغلق هنا. نزل النبي صلى الله عليه وسلم من على المنبر ودخل إلى بيته، ودعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما.
دعونا أن نكمل القصة سريعاً حتى إن الوقت أدركنا، فاستشارهما. فأما أسامة بن زيد يعني النبي يستشير علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وصلتكم الأنباء الأمور إيش رأيكم ماذا أعمل في موضوع عائشة؟ أسامة بن زيد أثنى على عائشة خيراً وقال: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم عليهم إلا خيراً، وكل ما قيل كذب وباطل.
علي بن أبي طالب رضي الله عنه ماذا قال؟ قال: يا رسول الله، بما أنه في موضوع وأخذ وعطا في هذه القصة فإن النساء كثر، وإنك لقادر على أن تستخلف، يعني أنت يا رسول الله عندك الحمد لله النساء كثر وتستطيع أن تنكح ما شئت من النساء وتستطيع أن تخلف عائشة بغيرها. سل الجارية فإنها تصدقك. أنا في الحقيقة ما أعرف إيش حقيقة الموضوع يا رسول الله؟ سل الجارية فإنها تصدقك!
من يقصد بالجارية؟ يقصد بُرَيْرَة. بريرة كانت مقربة جداً من عائشة رضي الله تعالى عنها. طبعاً هي كانت أمة ثم أُعْتِقَت وكانت مقربة من عائشة. لماذا كانت مقربة من عائشة؟ لأن عائشة هي التي تولت كتابتها وهي التي أعتقتها، فكانت تخدم عائشة رضي الله عنها. بريرة كانت أمة عند عائشة رضي الله تعالى عنها حتى قضت عنها عائشة كتابتها وأصبحت حرة.
فعلي بن أبي طالب بيقول: يا رسول الله، أنا شايف إنه أسأل بريرة فهي تخدم عائشة وهي مولاة لعائشة، تخبرك وتستطيع تجيب لك الخبر: هل فعلت عائشة هذا الأمر القبيح أو لم تفعله؟ والنساء كثر يا رسول الله، أنت قادر أن تتزوج ما شئت من النساء. طبعاً عائشة عرفت بعد ذلك أن علي بن أبي طالب قال هذه المقولة: النساء كثر وتستطيع أن تتزوج ما شئت. فبقي سبحان الله بينها وبين علي بن أبي طالب مشاكل أثمرت في خلافة علي بن أبي طالب يعني. يقول: بقي هناك شيء في نفسها على علي بن أبي طالب، لكن سبحان الله وصحيح بقي شيء في نفسها، لكن كانت تنصف هذا الرجل وتعلم قدره وعلمه وشرفه ورفعته. لكن كما قلنا هذه القلوب بين يدي الله سبحانه. سمعت عائشة بما قال علي بن أبي طالب فأخذت في خاطرها عليه.
المهم دعا النبي صلى الله عليه وسلم الجارية فعلاً، النبي صلى الله عليه وسلم دعا بريرة التي كانت تخدم عائشة فسألها: ماذا تعرفين عن عائشة؟ هل يمكن أن تفعل عائشة هذه الفعلة القبيحة؟ فبريرة بكل براعتها قالت: والله يا رسول الله، ما أعلم عنها إلا خيراً، وما كنت أعيب على عائشة شيئاً. بنت بريئة محترمة يعني بلغتنا فاضلة، ما عيبت عليها إلا شيئاً واحداً: أنني كنت أعجن العجين وأمرها أن تحفظ العجين حتى لا تأتي الشاة تأكله، فإذا خرجت من البيت تنام عائشة فتأتي الشاة تأكل العجين! رضي الله عن عائشة وعن بريرة.
فهمتم إيش القصة؟ أن بريرة تعجن عجين وتقول لعائشة: احفظي العجين ها، لا تأتي الشاة تأكل العجين. عائشة تقول: نعم، أنا سأحفظه. طبعاً عائشة كانت فتاة صغيرة أحبتي في ذاك الزمن، يعني إذا كان النبي بنى بها في التسع فأنتم تتكلمون بعد أربع خمس سنوات يعني عن عمر إطنعش تلطعش سنة، فكانت عائشة تنام فتأتي الشاة فتأكل العجين وتذهب ويتلف الطعام. يعني هذا كل الأخطاء التي رأيتها من عائشة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه الآن، قرر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يصارح عائشة بالموضوع. دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وأمي تبكي معي. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ﴿يا عائشة، إنه كان ما بلغك من قول الناس، وإن كنت قد قارفت سوءاً يا عائشة مما يقول الناس فتوبي إلى الله﴾. لسه النبي صلى الله عليه وسلم مش قادر يجزم مائة بالمائة لأنه ما عنده خبر من السماء في هذا الموضوع. وانظروا إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يتعب هذا التعب ويعاني كل هذا العناء، ليس من كفار قريش فحسب، وليس من أعدائه من جزيرة العرب.
وهذا التعب من أناس يعيشون معه، منافقون بين أظهر المسلمين، وأخطاء من بعض اتباعه من الصحابة، ويتحمل النبي صلى الله عليه وسلم بابي هو وامي رسول الله. قال: «فتوبي إلى الله يا عائشة؛ فإن الله يقبل توبة من عباده». قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن قال لي ذلك، فقلص دمعي يعني جفت دموعي، حتى ما أحس منه شيئاً، وانتظرت أبواي أن يجيبا رسول الله يعني معقول يا رسول الله تتكلم معي بهذه الموضوع؟
فأبواي لم يتكلما، وايم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأناً من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به في المساجد ويصلى به، ولكني كنت أرجو أن النبي صلى الله عليه وسلم يرى رؤيا في المنام تكذب كلام الناس وينتهي الأمر وتظهر براءتي. يعني عائشة تقول أنا ما كنت في لحظة من اللحظات أظن أن الله سينزل آيات في القرآن تتلى إلى يوم القيامة تعلن براءتي، يعني شعرت أني أحقر من ذلك، هكذا تقول رضي الله عنها.
فانظر إلى أبواي، هل ردوا على النبي صلى الله عليه وسلم، معقول أنا أعمل هذا الأمر؟ فلم أر أبواي يتكلما في شيء، فقلت لهما: ألا تجيبان رسول الله؟ فقال لي: والله ما ندري بما نجيبه يا بنيتي، ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام. ترى الأمر كان عويص جداً ليس على النبي صلى الله عليه وسلم، على صاحب أبي بكر الصديق، هذا بلاء لأبي بكر الصديق، بلاء لزوجة أبي بكر، بلاء لعائشة، بلاء لبيت أبي بكر أنه الموضوع دخل في شرفهم وفي عرضهم.
فلما استعجم عليّ استعبرت فبكيت لما قال لي مش عارفين ايش بدنا نتكلم؟ بكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله من هذا الفعل لأني لم أفعله، ووالله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس -والله يعلم أني منه بريئة- لأقولن ما لم يكن، بدكم مني أعترف أني فعلت فعلة قبيحة وأنا ما فعلتها؟ هذا لا يمكن أبداً، أنا بريئة وهذا كلام كذب واتهامات باطلة والله سبحانه وتعالى سيأتي ببراءتي.
ثم تقول عائشة من شدة الحزن أحاول أن أذكر اسم النبي يعقوب عليه السلام لأتي بمقولته، ما تذكرت اسم يعقوب من شدة الحزن، فقلت: وأقول لكم كما قال أبو يوسف لأبنائه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾. ما قالت كما قال يعقوب نسيت اسمه من شدة الحزن. فقالت: أقول لكم كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾، واعلم من الله ما لا تعلمون.
قالت: فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني لسا ما حكيت هذه الآية، فاذا النبي صلى الله عليه وسلم تتغشاه حالة الوحي وينزل جبريل بآيات يوحيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيها براءة عائشة رضي الله عنها من هذا الموضوع. مباشرة تغشاه من الله ما كان يتغشاه من الوحي، فسجي بثوبه ووضعت له وسادة تحته.
فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت ولا باليت. يعني عائشة تقول: لما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم الآن يوحى إليه ما فزعت وما خفت وشعرت بالثبات لأني متيقنة أن الله عز وجل سينصرني واني أنا ما فعلت هذا الأمر. لكن من الذي كان خائف في هاي اللحظات؟ والداها؛ هما مش متأكدين مئة بالمئة أن بنتهم تصدقهم، في النهاية يبقى الشك ولو بنصف بالمئة، فكانوا خائفين أن يخرج الأمر بالشيء القبيح كما يقول الناس. فقالت عائشة: أنا كنت مطمئنة تماماً أني ما فعلت شيء خطأ، بينما أبواي كانا خائفين أن ينزل كما يقول الناس.
فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقضى الوحي وجلس وعرقه ينحدر منه كالجُمان في يوم شديد البرد، يعني تصور انسان عرق يصب منه في يوم شديد البرد، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: «أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك». فقلت كلمة واحدة: الحمد لله. آيات تتلى في براءة عائشة إلى يوم القيامة، خلدها الله في كتابه تشريفا وتعظيما لهذه المرأة الكريمة رضي الله تعالى عنها.
ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس وصعد المنبر وخطب وتلا الآيات التي أنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 11] إلى آخر الآيات. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتطبيق حد القذف على ثلاثة من الصحابة؛ على مِسْطَح، وعلى حسان بن ثابت، وعلى حِمْنَة بنت جَحْش؛ لأنهم أفصحوا بالفاحشة واتهموا بها عائشة صراحة، فضربوا لحد ثمانين جلدة.
فلما أنزل الله عز وجل براءة عائشة، أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: والله لا أنفق على مسطح. مسطح كرجل فقير من المهاجرين، وقال أبو بكر الصديق يساعده بمساعدات مالية ليحسن من وضعه المادي، فلما الله عز وجل أنزل براءة عائشة وأبو بكر الصديق تضايق مما فعله مسطح وقال: والله لا أنفق عليك يا مسطح. فالله سبحانه وتعالى أراد من أبي بكر أن يكمل في وده وصدقه وديانته، فانزل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. يعني يا أبا بكر اعف واصفح، خلاص تجاوز خطأ وانتهى وعوقب هذا الرجل، ألا تحب أن يغفر الله لك يا أبا بكر؟
فأبو بكر لما سمع هذه الآية قال: بلى والله أحب أن يغفر الله لي، فأعاد على مسطح من جديد. انظروا انسجام الصحابة مع النص القرآني من دون اعتراض من دون مناقشة؛ الله أنزل هذه الآية، أبو بكر مباشرة استجاب لأمر الله وأعاد النفقة إلى مسطح على الرغم من الفعل الشنيع الذي ارتكبه رضي الله تعالى عنه مسطح. مسطح ارتكب فعلة كبيرة أنه يتهم عائشة بالزنا ويستعجل في هذا الأمر ويخوض فيه من دون أن يشاهد، لكن عفا الله عز وجل عن مسطح، وهو رجل بدري من كبار الصحابة، فما فعله من خير والمواقف التي شهدها كما قلنا كفيلة بأن يغرق هذا الخطأ في تلك البحار الفاضلة من أعماله.
إذن هذه كانت واقعة حادثة الإفك بكل ما فيها من العبر، مع أني لم أبحثها بحثا معمقا أكثر من ذلك ولم استخرج جميع الحكم التي يمكن أن نستخلصها لضيق الوقت، لكنها حادثة كما قلنا تبرز أثر النفاق في المجتمع، تبرز خطورة الاستعجال والقذف في الأعراض، تبرز مكانة عائشة رضي الله عنها أن أنزل الله بها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، فيها العديد من المواقف والمشاهد التي تبرز لنا ثبات النبي صلى الله عليه وسلم وصبره وتحمله للشدائد من خارج المدينة ومن داخل المدينة. فرضي الله عنك يا سيدي يا رسول الله، الله على كل هذه الشجاعة، على كل هذا الثبات، على كل هذا الصبر، على كل هذه التضحية، على كل ما قدمته من أجل هذه الأمة، صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، ونسأل الله أن نلقاك في الفردوس الأعلى يوم الدين إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل