تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (19) / أحداث سنة 6هـ

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية، نقف على سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، ونتعلم في كل مجلس جملة من أخلاقه وهديه وشمائله وسياسته وسلمه وحربه ومنهجه العام في تغيير الأفراد والأمم.

لأن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم هي المنهاج المستقيم الذي شرعه الله سبحانه وتعالى ليكون معياراً لهذه الأمة تعود إليه لإدراك مقدار سيرها على سنن الله سبحانه وتعالى وتحقيقها لمرادات الإله عز وجل. لذا، من أراد أن يعرف صواب منهجه وحسن مسلكه فعليه أن يقيس نفسه على هذه السنة، على هذه المسطرة، على هذا الصراط، على هذا المنهج. بقدر ما تكون متمسكاً بالنهج المحمدي، بقدر ما يكون عندك معرفة بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وتعلمها ومحاولة لاكتسابها، بقدر ما تكون قريبا من مراد الله سبحانه وتعالى.

وبقدر ما تكون زاهداً في تعلم سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وتكون منكباً على قراءة كتب فلاسفة الشرق والغرب، تتعلم من أرسطو وتتعلم من أفلاطون وتتعلم من ابن سينا والفارابي بل حتى من رجالات الإسلام وأنت معرض عن النبي صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنك ابتعدت عن السكة وأخطأت الطريق والمنهج. ومهما حاولت أن تبرر ومهما حاولت أن تقدم فاعلم أنك لن تترك بصمة حقة في حياة الأمة إلا إذا عدت من جديد إلى تلك المسطرة الربانية التي أنزلها الله عز وجل لتكون مقياساً للناس جميعاً.

ولتكون نوراً نهتدي به ونحن نسير في حياتنا ونغير أنفسنا ومجتمعاتنا ومن حولنا. أحبتي سيرة محمد صلى الله عليه وسلم ليست مجرد أحداث، كلام النبي صلى الله عليه وسلم، تصرفاته، ماذا كان يفعل في بيته؟ ماذا كان يفعل مع أصحابه؟ ماذا كان يفعل في سلمه وفي حربه؟ كل خطوات النبي صلى الله عليه وسلم هذا منهج رباني أراد الله سبحانه وتعالى أن يرسخه في الأرض لأن به صلاح البشرية جمعاء.

لا يمكن أن نشعر بالسعادة وأن نحققها وأن نطمئن في بيوتنا وفي مجتمعاتنا إلا إذا سرنا على خطوات محمد صلى الله عليه وسلم خطوة خطوة. وما هذا التشرذم وما هذا التفرق في الصف الإسلامي إلا أن هناك من أراد أن يبتعد عن المنهج المحمدي واختار لنفسه منابع أخرى يستقي منها أفكاره وتصوراته ويريد أن يبني الحضارة من خلالها، فإذا هو ينحرف أكثر وأكثر وابتعد عن تحقيق الحضارة الحقة، الحضارة الإسلامية بمفهومها الشامل للأفراد والأمم.

فنسأل الله العظيم أن يقودنا إلى التمسك والتعلق والتشبث بهذا النبي العظيم، وأن يرزقنا النهم المستمر المتواصل لأن ننهل من سيرته العطرة ومن أخلاقه النضرة لعلها تكون نبراساً لنا في الدنيا وإلى جنات النعيم. موعدنا أحبتي اليوم مع أحداث السنة السادسة من الهجرة وفي هذه السنة حدثت مجموعة من الوقائع المهمة التي كان لها ما بعدها في تاريخ الإسلام. دعونا ننظر ابن أبي العز الحنفي هذا قص علينا من أحداث هذا العام يقول رحمة الله عليه في البيت السبعين: وعقد ريحانات في ذي الخامسة ثم بنو لحيان بدء السادسة.

أول حدث في أحداث السنة السادسة كانت غزوة بني لحيان، ثم بنو لحيان بدء السادسة وبعده استسقاؤه وذو قرد، وصد عن عمرته لما قصد، وبيعة الرضوان أول وبنى، في هابي ريحانات هذا بين وفرض الحج بخلف فاسمعه، وكان فتح خيبر في السابعة. إذاً ذكر مجموعة من الأحداث المهمة التي وقعت في العام السادس، ستجري أول هذه الأحداث كانت غزوة بني لحيان.

وهذه الغزوة نستطيع أن نقول هي غزوة ثأرية، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يثأر بها لأصحابه الذين قتلوا في واقعة الرجيع، الواقعة التي غدر فيها بسبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم بن ثابت ومن كان معه خبيب عدي الذي قتله المشركون في مكة وصلبوه وزيد بن الدثنة. الرهط السبعة الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم ليعلموا قبيلة عضل والقارة الشريعة فغدرت بهم هذه القبائل وسلموهم لبني هذيل، وبنو هذيل قتلوا منهم من قتل وأرسلوا باقيهم إلى مكة فقام كفار قريش بقتلهم ثأراً لقتلى المشركين في غزوة بدر.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أحبتي لم ينسَ الثأر لأصحابه. هكذا هو الإسلام بعزته وشموخه الدم الذي يسقط على الأرض من دماء المسلمين نرد الصاع بصاعين. النبي صلى الله عليه وسلم يجهز غزوة كاملة وجيش كامل ليثأر لسبعة من أصحابه غدر بهم. اليوم أحبتي كم غدر بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؟ من الذي انتفض؟ من الذي تحرك؟ من الذي سار لنصرة هؤلاء المستضعفين؟ نسأل الله أن يفرج عن أمتنا كربها.

إذاً غزوة بني لحيان غزوة جهزها النبي صلى الله عليه وسلم ليثأر لدماء السبعة الذين غدر بهم في واقعة الرجيع قصصناها سابقاً في أحداث السنة الثانية من الهجرة. تفاصيل هذه الغزوة باختصار لم تكن غزوة كبيرة، بل لم يحدث قتال لأن القبائل استطاعت أن تتحصن في أعالي الجبال. دعونا ننظر ابن هشام ماذا قص علينا في غزوة بني لحيان يقول ابن هشام: ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مدة ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وخرج فيه جمادى الأولى من السنة السادسة من الهجرة إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع.

يعني يريد أن يثأر لأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة. يعني النبي صلى الله عليه وسلم اتبع سياسة حربية عالية، وهذه السياسة النبي صلى الله عليه وسلم كان يتبعها عادة في غزواته باستثناء غزوة تبوك كما سيأتي معنا. هذه الطريقة السياسية أو العسكرية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها ولم يعطِ المعلومات الواضحة حتى لأصحابه ليفاجئ العدو في عقر دارهم.

إذاً النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يغزو بني لحيان لكنه وهم أصحابه وهم العرب جميعاً، هو مباشرة أي جيش يتحرك في جزيرة العرب تأتي الأخبار وهناك أعين ودواسيس لكل قبيلة من القبائل، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يوري ويوهم الناس أنه يتجه باتجاه الشام لكنه في الحقيقة سينحرف في الطريق ويذهب باتجاه قبيلة بني لحيان ليفاجئهم في عقر دارهم. إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يحقق عنصر المفاجأة والمباغتة في هذه الغزوة.

ابن هشام سرد علينا الطريق اللي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم بالتفصيل إلى أن وصل بنا إلى قوله: ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة فأغذ السير سريعا حتى نزل على غران. غران هي منازل بني لحيان، منطقة اسمها غران هي منازل بني لحيان. في الحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب وحاولوا أن يحققوا عنصر المفاجأة، لكن بنو لحيان كانت الأخبار قد وصلت إليهم أن محمد صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزوكم.

هل هم جواسيس كانوا داخل الصف المسلم من المنافقين وصلت إليهم الأنباء؟ هل هم أعين وجواسيس لبني لحيان؟ كانوا والله منتشرين تماماً وراصدين النبي عليه الصلاة والسلام، الله تعالى أعلم. لكن المهم وصلت الأنباء إلى بني لحيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقصدهم بالغزو، فمباشرة بنو لحيان لا يستطيعون مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم ليست القبيلة بالعدد الكبير، فتحصنوا في أعالي الجبال.

يقول ابن هشام: فوصل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال. أي استطاعوا أن يحصنوا أنفسهم في الأماكن العالية. فلما نزلها النبي صلى الله عليه وسلم وأخطأه من غرتهم لما أراد يعني لما لم تنجح الخطة نستطيع أن نقول يعني النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يغزوهم فيفاجئهم، الله عز وجل لم يقدر ذلك لحكمة في علمه سبحانه وتعالى. وصلت الأنباء إليهم فتحصنوا في رؤوس الجبال.

فالنبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال للصحابة؟ وقال: لو أننا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا لمكة. يعني النبي عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يتقدم إلى الأمام أكثر من ذلك لأنه قال: لو نزلنا إلى الأمام أكثر وأكثر لأصبحنا قريبين من ديار أهل مكة، فستصل الأنباء أو لعل كفار مكة يظنون أننا نريد أن نغزوهم فيتجهزوا لحرب نحن لم نردها. فالنبي عليه الصلاة والسلام ماذا فعل؟ ترك الجيش وأخذ عليه الصلاة والسلام مئتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان وحده ويحاول أن يقترب من بني لحيان.

ما زالت المحاولات قائمة يريد أن يدرك هؤلاء القوم في رؤوس الجبال، فأخذ فقط مئتي رجل من أصحابه حتى لا تظن قريش أن محمد صلى الله عليه وسلم جمع جيشاً عَرَمْرَمًا لقتاله، لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للجيش: امكثوا هنا، أنا آخذ مئتين ونحاول أن نأتي القوم ونداهمهم في أعالي الجبال. ثم كانت الجبال وعرة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فارسين من أصحابه حتى بلغا قراع الغميم ثم كروا وراح النبي صلى الله عليه وسلم قافلاً.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن التضاريس اصبحت صعبة وأن المعركة لن تكون بتلك المعركة السهلة على أعالي الجبال ولربما كفار قريش تعاون هذه القبيلة باختصار رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن المصلحة الآن تقتضي ألا يحدث قتال وأن يعود النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأن الأمور كما نقول العسكرية فيما ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم لم تكن مواتية لإقامة حرب. الظروف العسكرية وطبيعة المناطق الوعرة والقوم صعدوا إلى رؤوس الجبال، كل هذه الظروف جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يقرر قراراً عسكرياً أن المعركة الآن لا، فعاد النبي صلى الله عليه وسلم قافلاً باتجاه المدينة بأبيه وأمه صلوات ربي وسلامه عليه.

إذاً هذه غزوة بني لحيان، لكن الرسالة وصلت إلى بني لحيان أننا سنثأر لشهدائنا، الرسالة وصلت محمد صلى الله عليه وسلم لن يسكت على شهدائه سيثأر لقتلاه سينتصر ولو بعد حين. فكان بنو لحيان دائماً ذوي توجس وتخوف من النبي صلى الله عليه وسلم أن يداهمهم في أي لحظة، وهذه رسالة الرعب وحدها رسالة مهمة وصلت إلى هؤلاء الناس. هذه الغزوة الأولى في العام السادس من الهجرة.

ننطلق إلى أيضاً غزوة ثانية وهي غزوة كما قلنا محدودة أيضاً، وهي غزوة ذي قرد. وهذه الغزوة في الحقيقة ممتعة في تفاصيلها، غزوة كانت ممتعة في تفاصيلها ومختصرة كما سيظهر لنا. غزوة ذي قرد كما يقولون أيضاً في السادس من الهجرة قصتها باختصار أن عيينة بن حصن الفزاري، تذكرون عيينة بن حصن؟ زعيم قبيلة غطفان الذي شارك مع كفار قريش في محاصرة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب مر معنا هذا الاسم.

عيينة بن حصن زعيم كبير لقبيلة غطفان أغار على سرح المدينة، فأتى إلى لقاح -نوق للنبي صلى الله عليه وسلم- كانت ترعى هذه النوق في منطقة حول المدينة لكنها قريبة أن تكون خارج المدينة، منطقة تسمى الغابة. هناك منطقة حول المدينة على حدود المدينة على تخوم المدينة تسمى الغابة، هذه الغابة كانت فيها نوق النبي صلى الله عليه وسلم تسرح وترعى. عيينة بن حصن الفزاري شن غارة على منطقة الغابة وسرق نوق النبي صلى الله عليه وسلم، وفي نفس الوقت وجد في منطقة الغابة رجل من بني غفار وامرأة له فقتل الرجل واحتمل المرأة معه.

إذاً عيينة بن حصن أغار على هذه المنطقة أخذ نوق النبي عليه الصلاة والسلام ووجد رجلاً من بني غفار مع امرأته فقتل الرجل الذي من بني غفار واحتملوا المرأة معهم أسيرة. الآن من الذي استطاع أن يرقب المشهد؟ أول رجل من الصحابة أدرك الموضوع وراقب المشهد الصحابي الجليل سلمة بن الأكوع وهو فارس هذه المعركة، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم أكرمه إكراماً عظيماً جداً على بطولته وجرأته في هذه الغزوة المباركة.

يقولون كان أول من نذر بهم سلمة بن الأكوع السلمي. ما قصة كيف سلمة بن الأكوع شاهدهم؟ يقولون غدا سلمة بن الأكوع يريد الغابة متوشحاً قوسه ونبله ومعه غلام طلحة بن عبيد الله، هذا الغلام معه فرس له يقوده. يعني سلمة بن الأكوع كان خارجاً كأنه للصيد في منطقة الغابة ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله يتصيدان صيداً حتى إذا علا ثنية الوداع، هناك في منطقة تسمى منطقة ثنية الوداع سلمة بن الأكوع على هذه المنطقة على هذه الثنية يريد أن ينزل باتجاه الغابة.

يعني هو الآن متجه باتجاه الغابة، في الطريق هناك ثنية تسمى ثنية الوداع ارتقى عليها يريد أن ينزل منها باتجاه الغابة، فلما ارتقى سلمة بن الأكوع على ثنية الوداع شاهد خيول عيينة بن حصن الفزاري زعيم غطفان وهي تسرق نوق النبي صلى الله عليه وسلم وتخرج. دعونا نكمل مسألة سلمة بن الأكوع كيف كان المشهد: حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف في ناحية سلع ثم صرخ.

لما رأى هذا المشهد وماذا يحدث، صرخ بأعلى صوته سلمة بن الأكوع: وصباحاه وصباحاه. هذه كلمة يعني دارية إنذار أنه في خطر يهدد المدينة. صرخها بأعلى صوته، ثم يعني ما أنظر الصحابة من شجاعة سلمة بن الأكوع، ويقولون كان هو أسرع رجل في الصحابة. أسرع رجل في الصحابة يركض على رجليه سلمة بن الأكوع.

نادى بس هذه الصيحة وصباحه وصباحاه، ثم هبط باتجاه الغابة يركض على قدميه، يريد أن يلحق عيينة بن حصن الفزاري. وكان سلمة بن الأكوع رامياً ماهراً جداً، يقول ابن هشام: ثم خرج يشتد في آثار القوم، يريد أن يدرك القوم على قدميه. يعني تخيلوا عيينة بن حصن الفزاري على الخيل والخيول تجري، وسلمة بن الأكوع على قدمه يجري ورائهم.

وهناك بدأت معركة الركض. يقول ابن هشام: وكان مثل السبع في سرعته، يتبع وراهم حتى استطاع أن يدرك القوم رضي الله عنه. لشدة سرعته وهو على قدميه استطاع أن يدرك القوم، فمسك نباله وشدها وكان يرمي عليهم ويقول: خذوها أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع.

الرضع هنا جمع راضع. أرادوا بالراضع اللئيم، المراد بالراضع هنا ليس الطفل الذي يرضع، بل تأتي في اللغة بمعنى اللئيم. واليوم يوم الرضع يعني اليوم يوم اللؤماء، أنا سأحاسب اللؤماء. فيرمي بالسهام، يضعها في أحدهم، يرمي بالسهم ويضعه في أحدهم. خذها أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع.

فالخيل تلتف تريد أن تلحق سلمة بن الأكوع، الآن رماهم بالنبل، أصاب منهم، فأرادت الخيل أن تلحقه. فهم يريدون الآن أن يلحقوا سلمة بن الأكوع ليقتلوه. فسلمة يهرب ويختفي، ثم يعودون بالهروب من جديد قوم عيينة بن حصن، فسلمة بن الأكوع يلحقهم من جديد ويرمي عليهم النبال: خذوها أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع.

ثم يلتفون عليه، ينفروا به، فيهرب سلمة بن الأكوع ويختبئ، ثم يهربون. وهكذا معركة كر وفر بين رجل واحد، سلمة بن الأكوع مع مجموعة من فرسان غطفان، هو يلحقهم ثم يرميهم، ثم هم يلحقون ويختبئ، إلى أن لحقه المسلمون.

دعونا ننظر كيف انتهى الأمر: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم صياح ابن الأكوع، فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع. فترامت الخيول واستبق الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وكان أول من وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الفرسان المقداد بن عمرو، ثم عباد بن بشر، ثم سعد بن زيد، ثم أسيد بن ظهير، وعكاشة بن محصن، ومحرز بن نضلة، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، ومجموعة من فرسان الصحابة.

أول ما سمعوا نداء النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعوا حوله، فلما اجتمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليهم عليه الصلاة والسلام، أمر عليهم سعد بن زيد، ثم قال: اخرج يا سعد بمن معك في طلب هؤلاء القوم، وأنا سأتبعك بالناس. يعني النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يقدم الفرسان سريعا أمامه، حتى يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع جنوده في المدينة، ثم يلحق بهذه الكتيبة.

الآن انطلقت هذه الكتيبة من الفرسان تريد أن تلحق بعيينة بن حصن الفزاري. عمليات مطاردة الآن في جزيرة العرب، ولما تلاحقت الخيل استطاع أبو قتادة -يعني الآن وصل فرسان الصحابة إلى جنود أو إلى خيول عيينة بن حصن ومن معه- طبعا هيك ما قلنا عملية.

فأبو قتادة رضي الله عنه الصحابي الجليل أحد فرسان هذه الكتيبة المباركة، استطاع أن يدرك حبيب بن عيينة بن حصن. يعني ابن عيينة بن حصن اسمه حبيب، استطاع أبو قتادة أن يدركه وأن يقتله. فلما قتله أبو قتادة وضع عليه بردته، لماذا؟ ليعلم الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم الذين سيلحقون أن هذا الرجل قتله أبو قتادة ليكون السلب؛ لأنه هو النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي السلب، معدات المقتول من المشركين يعطيها النبي صلى الله عليه وسلم لمن قتله من الصحابة. فأبو قتادة حتى يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الرجل أنا الذي قتلته يا رسول الله، مباشرة خلع رداءه ووضعه على حبيب بن عيينة بن حصن.

أقبل النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من جنود المسلمين، وهيلاقوا عمليات ملاحقة كما قلنا. فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يرى حبيب بن عيينة بن حصن مسجى ببرد، يعني مغطى ببردة لأبي قتادة.

الان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعيد رأوا بردة أبي قتادة على الأرض، فإيش ظنوا ابتداء؟ ظنوا أن أبا قتادة هو المقتول، فقالوا: يا رسول الله استشهد أبو قتادة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ليس أبو قتادة هو المقتول، بل هو القاتل. ليس أبو قتادة المقتول بل القاتل. وإنما النبي صلى الله عليه وسلم عرف ماذا يريد أبو قتادة، أراد أبو قتادة أن يخبرنا أنه هو الذي قتل، أراد أن يخبرنا أنه هو الذي قتل. وفعلا كشفوا الصحابة فوجدوا أن المقتول هو حبيب بن عيينة بن حصن.

أيضا من فرسان الكتيبة المقدمة عكاشة بن محصن، قتل رجلين من جنود عيينة بن حصن، قتل رجل يسمى أوبار وابنه عمرو بن أوبار، قتل الأب وابنه وهما على بعير واحد، فانتظرهما برمح واحد. برمح واحد قضى على الاثنين معا وخر صريعين.

واستنقذوا بعض اللقاح، أن استطاعت كتيبة الفرسان التي قدمها النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنقذوا بعض اللقاح. استطاعوا أن يردوا بعض نوق النبي صلى الله عليه وسلم، وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذي قرد، يعني منتهى سير النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه كان إلى جبل ذي قرد. لذلك سميت هذه الغزوة بغزوة ذي قرد، لأنه آخر منطقة وصلها النبي صلى الله عليه وسلم منطقة ذي قرد.

طبعا الناس كلها اجتمعت مع النبي صلى الله عليه وسلم في ذاك المشهد، وسلمة بن الأكوع ما زال يلحق، يعني سلمة بن الأكوع أصلاً سابق جيش المسلمين وسابق كتيبة الفرسان من فترة طويلة وهو يلحق ويلحق ويلحق ويلحق حتى يريد أن يدخل بهؤلاء القوم ويأخذ منهم نوق النبي عليه الصلاة والسلام. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم بذي قرد وأقام فيها يوماً وليلة.

جاء سلمة بن الأكوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعاد إليه وقال: يا رسول الله، لو سرحتني في مئة رجل لاستنقذت بقية النوق. يعني يا رسول الله فقط اعطيني أنا مئة رجل وأنا أرد لك كل النوق التي أخذها القوم منك.

النبي صلى الله عليه وسلم قال لسلمة بن الأكوع: إنهم الآن ليغبقون في غطفان. النبي صلى الله عليه وسلم بعلمه بالوحي قال لسلمة بن الأكوع: يعني شجاعتك وكذا لكن القوم وصلوا بالنوق إلى بلدانهم، ونحن الآن لم نتجهز لأن نحارب قبيلة بني غطفان. فالمصلحة العسكرية كانت تقتضي أن تتوقف المطاردة إلى هذه المرحلة، المسلمون لم يخرجوا لغزو هذه القبيلة وقد وصلت باقي النوق إليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا أقام في ذي قرد يوماً وليلة.

المرأة الغفارية، لم نذكر أن عيينة بن حصن أخذ معه امرأة غفارية بعد أن قتل زوجها، ماذا حدث بهذه المرأة من بني غفار؟ هذه المرأة أحبتي تروي الكتب الصحيحة أنها وهي في الوثاق في قبيلة بني غطفان، وفي ليلة من الليالي شعرت أن الوثاق قد خف عن يديها، كأن الحبل الذي كان موضوع على يديها خف وارتخى فاستطاعت أن تفلت منه والقوم لا يشعرون.

انظروا المرأة الشجاعة، فتسللت إلى المكان الذي كان يحتفظ فيه القوم بالنوق التي سرقوها من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من بين هذه النوق القصواء ناقة النبي عليه الصلاة والسلام كانت من بين هذه النوق المسروقة.

هذه المرأة الغفارية تخبر أنها بدأت تتفحص هذه النوق، تنظر أي النوق أفضل لأن تسير عليها. قالت: فوصلت إلى القصواء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فركبت القصواء وضربتها بقدمي فانطلقت، فسمع القوم الجلبة فركبوا وأرادوا أن يلحقوا هذه المرأة، ولكن الله سبحانه وتعالى كتب لها النجاة. استطاعت أن تلحق النبي صلى الله عليه وسلم وأن تصل إليه قبل أن يدركها بنو غطفان.

فلما دخلت المدينة الناس جميعا ينظرون، هذه القصواء هذه القصواء هذه ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورأوا المرأة الغفارية عليها فاستبشروا خيراً، فالمرأة الغفارية حينما وصلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي عليه الصلاة والسلام اطمأن على حالها، قالت: يا رسول الله إنني كنت نذرت إن نجاني الله عز وجل على القصواء أن أنحرها. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لها: بئس ما جزيتيها به. يعني هذه الناقة المسكينة التي أنقذتك نذرت لله أن أنقذك الله أن تنحريها بدل من أن تقدمي لها الطعام والأكل الطيب اللذيذ مقابل هذه الخدمة؟ أنقذتك من الموت تكافئيها بهذا النحر؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك. هي أصلاً ليست ملكاً لك، والإنسان إذا نذر أن يضحي أو بناقة ليست ملكاً له فإن نذره لا يكون معتبراً.

فهذه إذاً نهاية هذه الغزوة، كما قلنا غزوة لطيفة خفيفة، كان فارسها الأكبر سلمة بن الأكوع ثم كتيبة الفرسان ثم لحقهم النبي صلى الله عليه وسلم، واستطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنقذ بعض النوق، ولكن كما قلنا لم يكمل النبي صلى الله عليه وسلم مسيره باتجاه بني غطفان لأنه لم يكن مستعداً بعد المعركة تماماً.

الان أحبتي دعونا ننتقل لمشهد آخر، هذا المشهد هو المشهد الابرز في هذا العام. المشهد الأبرز والذي فيه كثير من الحكم والفوائد والمقاصد والسياسة الشرعية وكان له ما بعده من الفتوحات وفي ترسيخ النبي صلى الله عليه وسلم وترسيخ الدولة المسلمة، وهي أو وهو صلح الحديبية.

هذا المشهد العظيم كان في العام السادس من الهجرة، دعونا ننظر ما قصة صلح الحديبية وما هي الأحداث التي تتابعت في هذا الموضوع. بسم الله، نضبط الوقت ابتداء تمام. الحمد لله.

يقول ابن هشام رحمة الله عليه: فقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة شهر رمضان وشوال، وخرج في ذي القعدة معتمرا لا يريد حربها. طبعا يجوز نقول ذي القعدة وذي القعدة.

خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة معتمراً لا يريد حرباً، واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه. إذاً في العام السادس من هجرته صلى الله عليه وسلم وبعد شهر شوال في شهر ذي القعدة قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب عمرة إلى بيت الله الحرام في مكة ولم يرد حرباً مع كفار قريش، يريد فقط أن يذهب ليؤدي مناسك العمرة ويعود إلى المدينة. فاستنفر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في داخل المدينة واستنفر الأعراب الذين كانوا يسكنون حول المدينة، كانوا مسلمين لكن كان إيمانهم ضعيفاً هؤلاء الأعراب، واستنفر الأعراب الذين كانوا يسكنون في البوادي، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب أو يسدوه عن البيت.

يعني النبي عليه الصلاة والسلام كان حاسب حساب أنه ممكن كفار قريش يقاتلوا المسلمين ويقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام على كل حال أخذ أهبة الاستعداد لكنه لم يكن ناوياً للاقتتال.

فيقولون كثير من الأعراب تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم وهاب أن يشارك في هذه العمرة، خافوا من لقاء أهل مكة، قالوا لا أدري كيف ستكون الأحداث فهابوا من المشاركة. والله عز وجل أنزل فيهم قرآنا: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّه شيْئاً إن أرَادَكُمْ ضَرّاً أو أرَادَكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [الفتح: 11]. فالله عز وجل عاتبهم وحاسبهم على هذا الأمر. ثم قال: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: 16]. وهم مسلمون فان تطيعوا يؤتكم الله اجرا حسنا. وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليماً. وهؤلاء القوم الذين أخبر الله بأنهم أولو بأس شديد هم قوم مسيلمة الكذاب، الذين قاتلهم النبي، قاتله أبو بكر الصديق رضي الله عنه في حروب الردة. فلما قامت حروب الردة أبو بكر الصديق استدعى الأعراب الذين كانوا حول المدينة وطلب منهم أن يشاركوا في معارك الردة ضد مسيلمة الكذاب، فمنهم من استجاب وتاب من فعلته السابقة ومنهم من تولى كما تولى من قبل.

المهم خرج النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من الأعراب، وساق النبي صلى الله عليه وسلم معه الهدي. طبعا سوق الهدي كان هذا شعار المعتمرين وشعار الحجاج، والعرب كانت تهاب من أن تتعرض لقوم قد ساقوا الهدي. العرب جميعا يعني كانوا في جزيرة العرب يهابون أن يعترضوا لأي قوم يسوقون معهم الهدي متجهين باتجاه البيت الحرام، وكانوا يعتقدون أن من يفعل هذا الفعل الله عز وجل يسلط عليه عقاباً من السماء.

فكان النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يحقق هذه الغاية، فساق معه الإبل والهدي أمام الجيش ليعلم كفار قريش أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأت محارباً، وإنما أتى معتمراً.

أحرم النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت ومعظمًا له. خرج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في الطريق في بعض المناطق لقيه رجل يقال له بشر بن سفيان الكعبي.

فقال هذا الرجل: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا ومعهم العود المطافيل. العود المطافيل؛ يعني النوق التي معها أبناؤها، وهذه إنما تخرج للحروب لأن فيها لبنًا.

فالقوم إذا أرادوا غزوة أو معركة خرجوا معهم بالنوق التي ولدت جديدًا لأنها تكون معبأة باللبن فيستطيعون أن يحلبوها طويلة تساعدهم ما داموا في مسيرهم. فهو كناية يعني أن قريشًا قد استعدت للحرب، وأنها أخرجت معها النوق التي فيها اللبن حتى ولو طال مكثها في حربك فإنها سحاربك، وقد نزلوا بمنطقة تسمى بذي طوى، يعاهدون الله ألا تدخل عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد يا رسول الله قد قدموه إلى منطقة تسمى قراع الغميم.

إذا بشر بن سفيان الكعبي يخبر النبي صلى الله عليه وسلم التفاصيل: يا رسول الله، ترى القوم كفar قريش عرفوا أنك وهم استعدوا وخرجوا من مكة لقتالك معهم كل الاستعدادات، خالد بن الوليد معه مائتا فارس، الكل مستعد للحرب. فيعني أيه يا رسول الله؟ انظر هل المصلحة أن تكمل مسيرك أو تعود؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب». يعني هؤلاء القوم لا يعرفون سوى الحرب، هؤلاء القوم ما عندهم شيء إلا الحرب والقتال، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا. يعني العرب قتلتني كان هذا طموح كفar قريش وتحقق، أنا أموت.

وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإذا أظهرني الله عدا العرب، دخلتم يا كفار قريش في هذا الإسلام وانتهى الأمر، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ والله... انظروا الشجاعة، والله لا أزال أجاهد على الذي بعثني به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة. يعني ساستمر على الدعوة والبذل والعطاء لهذا الدين حتى يحققها الله عز وجل ويظهره أو تنقطع رقبتي.

هذا هو نبي هذه الأمة، النبي العظيم المضحي الذي لم يهب مرة من الكفار، الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل هذا الدين العظيم. صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم -النبي عليه الصلاة والسلام عرف الآن أين كفار قريش عسكروا؟ وأين خالد بن الوليد عسكر؟- فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغير المسير حتى لا يصطدم بكفار قريش، فقال لأصحابه: «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟». من يعرف لنا طريقًا آخر إلى مكة سوى هذا الطريق الذي ينتظرنا فيه كفار قريش؟ يريد أن يغير الطريق.

رجل من بني أسلم قال: أنا يا رسول الله، أنا أدلك على طريق آخر لا تلتقي فيه بكفار قريش. فسلك بهم هذا الرجل طريقًا وعرا أجرد بين شعاب. يعني طريق صعب متعب جدا.

فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: «قولوا نستغفر الله ونتوب إليه». فقالوا: نستغفر الله ونتوب إليه. فقال صلى الله عليه وسلم: «والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل».

فلم يقولوها. الله عز وجل يقص علينا أنه قال لبني إسرائيل: قولوا حطة. بنو إسرائيل أصبحوا يستهزئون بكلمة الله لهم، فأصبحوا يقولون حنطة في شعيرة أو حبة في شعيرة، يستهزؤون بهذه الكلمة.

فالله عز وجل عاقبهم عقابًا شديدًا وجعلهم يتيهون في الأرض. النبي صلى الله عليه وسلم يقول للصحابة: قولوا استغفر الله وأتوب إليه. الصحابة الكرام ليسوا مثل بني إسرائيل، صحابة كانوا محبين منقادين متبعين لنبيهم وللقائد الأعظم.

فقالوا كما قال: نستغفر الله ونتوب إليه. فقال صلى الله عليه وسلم: «هذه هي الحطة التي عرضها الله على بني إسرائيل فأبوا أن يستغفر الله ويتوب إليه، أنا أحطها لما طلبها». يصير ما معنى أحطة؟ أي حط عنا ذنوبنا.

هذا معنى حطة، أي حط عنا ذنوبنا. بنو إسرائيل لا يريدون ذلك، أصبحوا يستهزئون بهذه الكلمة حبة في شعيرة وعنطة في شعيرة، فعاقبهم الله سبحانه وتعالى، وأما الصحابة فكانوا أهل اتباع واقتداء وليسوا أهل منازعة وعصيان.

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: «اسلكوا ذات اليمين». حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم في مهبط الحديبية من أسفل مكة، فإن الحديبية كانت منطقة من أسفل مكة نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم لينظر كيف ستنتهي الأمور بينه وبين كفار قريش. إذا الحديبية اسم منطقة كانت قريبة من مكة عسكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم لينظر ماذا سيؤول الأمر بينه وبين كفار قريش في موضوع عمرته.

الآن لما رأت خيل قريش قطرة الجيش -الآن أكيد قريش كان لها جواسيس وعيون في كل مكان، فهؤلاء الجواسيس رأوا قطرة جيش النبي صلى الله عليه وسلم، القطرة الغبار، أي جيش يسير خاصة جيش فيه تقريبا كان عدد من الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ألف وأربعمائة رجل، هؤلاء يثيرون غبارًا كثيفًا، فعيون قريش رأت غبار جيش النبي صلى الله عليه وسلم- فعادوا مسرعين إلى كفار قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم غير الطريق وسلك طريقًا آخر وهو الآن معسكر في الحديبية.

تمام، الآن النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا نزل في هذه المنطقة وقال: «لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة -يعني إلى اتفاقية يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها-». يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هذا اليوم لن يكون يوم حرب، إذا قريش دعتني إلى أي مصالحة لا تهضم حقوق المسلمين وفيها وصل لأرحامنا، لأنه بين المهاجرين وبين كفار قريش أرحام، أي شيء سيحقن الدماء اليوم باختصار، أي شيء يحقن الدماء اليوم من الخطة والمصالحة من دون أن يهدم ذلك حقوق المسلمين فساسير باتجاهه.

ثم قال للناس: «انزلوا». فقيل له: يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه؟ منطقة الحديبية ما كان فيها ماء، كان فيه آبار جافة لا يوجد فيها قطرة ماء. فقالوا: يا رسول الله أين ننزل في الحديبية ولا يوجد قطرة ماء؟

فالنبي صلى الله عليه وسلم إحدى معجزاته أنه أعطى رجلًا من الصحابة سهماً وأمره أن يغرس هذا السهم في بئر من الآبار الجافة، فإذا هذا البئر يعود ليخرج الماء من جديد، فسقى الصحابة وشربوا واطمأنوا، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم، رمح غرسه في بئر فنبع الماء من هذا البئر. بأبي أنت وأمي يا رسول الله!

يعني انظروا أحبتي، أن أحيانًا الإنسان يتفاجأ طب يقول: إذا كاد النبي صلى الله عليه وسلم يستطيع برمح أن يخرج الماء معجزة من معجزات الله له، فلماذا لا يقضي على كفار قريش وتنتهي القضية؟ لماذا المصالحات والمحاورات والحروب والاقتتال؟ لماذا لا يدعو الله عز وجل معجزة أن يقضي على كفار قريش وينتهي الأمر؟

فالأخير أحبتي الأمر ليس بهذه الصورة، الله عز وجل له سنن في هذه الحياة وفي هذا الكون، سنة المدافعة بين الحق والباطل، الله عز وجل يريد هذه أن تبقى من لدن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة. المواجهة بين الحق والباطل تمحيص للصف المسلم، البيان من هو المنافق من هو المؤمن بحق، بيان من الذين هم على استعداد لدفع المهج والأرواح وبيعها لله سبحانه وتعالى، وهذه الأمور وهذه الحكم لا إلا مع هذه المدافعات والمصارعات، وهذه لن تكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقط، بل في كل زمن وفي كل وقت وفي كل مكان المدافعة بين الحق والباطل قائمة ليميز الله الخبيث من الطيب، وليظهر معادن أهل الإسلام وأهل التضحية، وليكرم الشهداء، وليرفع منازلهم، وليباهي بعباده الذين يحبونه يعبدونه طوعًا ملائكته.

هذه حكم عظيمة لا تخرج إلا من رحم البلاء، فلذلك الله عز وجل جعل نبيه صلى الله عليه وسلم يسير في سنته على ما سيكون إلى قيام الساعة من مدافعة ومنافعة بين الحق والباطل، والمسلمون عليهم أن يأخذوا بالأسباب وينظروا في كل السياسات الرشيدة ويتبعوها كما فعل محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الآن يرسل خطط. يعني النبي عليه السلام عنده معجزة، طب الذين سيأتون بعد النبي صلى الله عليه وسلم ما عندهم معجزات، فكيف سيواجهون أعداءهم؟

فالنبي عليه الصلاة والسلام رسم المنهج واتبع أسباب ليخبروا الأمة إلى يوم القيامة أنكم لابد وأن تأخذوا بأسباب الانتصار حتى تحققوا الحضارة، لتحققوا الرفعة، لتحققوا العز لهذا الدين، فليس مجرد أنكم مؤمنون هذا يكفي لأن ينصركم الله سبحانه، بل لا بد من بذل المهج والأرواح والأوقات والأعمار في نصرة هذا الدين.

إذا النبي صلى الله عليه وسلم الآن عسكر في منطقة الحديبية، بدأ كفار قريش يرسلون إليه رجلًا تلو رجل ليتحاوروا مع النبي صلى الله عليه وسلم وينظروا ما الذي يريده النبي صلى الله عليه وسلم وكيف يمكن أن يتعاملوا معه؟

أول شخص بعثه كفار قريش إلى معسكر المسلمين ليتحاور مع النبي صلى الله عليه وسلم هو رجل يقال له بديل بن ورقاء. دعونا ننظر في هذا المشهد.

لما أطمئن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي، طبعا قبيلة خزاعة بشكل عام كما ذكرنا سابقا القبيلة كانت محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتنصحه مسلمها ومشركها كانوا محبين ومناصرين للنبي صلى الله عليه وسلم. فقريش أولًا بعثت هذا الرجل بديل بن ورقاء الخزاعي، كان مشركًا، فأتـى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله ما الذي جاء بك يا محمد؟

فاخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يأتي يريد حربًا، وإنما جاء زائرًا معظما للبيت ومعظمًا لحرمته، ثم قال لهم نحوًا مما قال لبشر بن سفيان أن يعني ما في النهاية هي عبارة عن عمرة، أتيت أؤدي المناسك وأنني لم أتي للحرب، ولكن من كفار قريش أرادت أن تقاتل وتحارب فنحن لهذه الحرب.

فهذا الرجل عاد إلى قريش وقال: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد. يعني أنتم تظنون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خرج لقتالكم، إن محمدًا لم يأتي لقتال وإنما جاء زارًا للبيت، فدعوا بينه وبين البيت.

فاتهموه وقالوا: وأنت يا بديل رجل متهم، أنت من قبيلة خزاعة، وأنتم خزاعة تحبون النبي صلى الله عليه وسلم وتناصرونه، وقالوا: وإن كان جاء لا يريد قتالاً فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدًا. يعني حتى لا كفار قريش ايش قالوا لبديل؟ حتى ولو لم يرد قتالاً، والله لن ندع محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يدخل علينا مكة هكذا جهارًا أمام العرب. هذه كانت حارقة لكفار قريش أن يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم جهارًا.

هذه الصورة الآن، قريش قررت أن تبعث رجلًا آخر، قالوا هذا بديل ما نفع، بعثه رجل يقال له مكرز بن حفص بن الأخياف.

فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم مقبلًا من بعيد فقال: «هذا رجل غادر». شف النبي صلى الله عليه وسلم له نظرة في الرجال، وهكذا ينبغي أن يكون القائد أن يعرف طبائع الرجال الذين يحاورونه. النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى مكرز قادم من بعيد قال لأصحابه: «هذا رجل غادر»، يعني أحذروه وتكلموا معه بكل اتزان.

فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما الذي جاء بك يا محمد؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال لبديل: إننا لم نأت للحرب وإنما أتينا معظمين للبيت لبيت الله أتينا لأداء المناسك، ولكن قريش أرادت أن تقاتل فنحن للقتال. هذا الرجل عاد إلى كفار قريش في الحقيقة بما أنه الجواب كان واضحًا، عاد إلى كفار قريش وأخبرهم بما قال له النبي صلى الله عليه وسلم.

قريش ما عجبها الأمر، بعثوا رجلًا ثالثًا يقال له الحليس بن علقمة. الحليس بن علقمة كان هذا الرجل سيد الأحابيش -الأحابيش يعني أناس كانوا يسكنون حول مكة والمناطق الأعراب، وكان لهم عدد كبير ووزن كبير يقاتلون ويساعدون كفار قريش في معاركهم وفي غزواتهم- الأحابيش كما قلنا يعني أناس ليسوا مواطنين رسميين في عرفنا المعاصر، أناس درجة ثانية كانوا يسكنون حول مكة وقريش تستعين بهم في حروبها، وكان عددهم كبير.

فقريش قالوا: دعونا نبعث سيد الأحابيش لدينا، رجل يقال له الحليس بن علقمة، وكان يومئذ سيد الأحابيش.

فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم مقبلًا من بعيد قال لأصحابه: «أتنظرون ذاك الرجل؟ هؤلاء قوم يتألهون». هؤلاء عندهم تأله عمومًا، صح عندهم شرك لكنهم يعظمون الأمور التألهية، «فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه». يعني دعوا النوق تسير يراها هذا الرجل وهي مقلدة، واضح أن هذه النوق إنما أتت لتذبح ولتنحر عند بيت الله الحرام.

فالصحابة فعلوا كما نصحهم النبي صلى الله عليه وسلم، جعلوا النوق تسير في الحديبية أمام ناظر الحليس، فلما رأى الحليس الهدي يسيل في الحديبية وفيه قلائده التي تدل على أنه إنما أتي به قربانا للبيت، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، وانه هذه النوق بدأت تتلف ووبرها بدأ يظهر فيه الأمراض لأنها تأخرت عن موعدها في الذبح، قبل ما وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، فعلا فراسة النبي صلى الله عليه وسلم في مكانها، ما وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، التفت وعاد إلى كفار قريش.

إعظاماً لما رأى من هذه الهيبة. فقال لهم فقال لهم ذلك؛ يعني قال لكفار قريش: إن هذا الرجل أتى معتمراً وهذه القلائد، كيف تمنعون هذا الرجل عن زيارة البيت؟

فقالوا له -يعني كفار قريش- ماذا قالوا؟ للحليس: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك بذلك؛ يعني أنت مواطن درجة ثانية ما عندك خبرة في هذه الأمور. فغضب عند ذلك الحليس وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم؛ يعني احنا الأعراب صح درجة ثانية أصحاب عُدة عدد، ولم نحالفكم على هذا؛ أن تمنعوا الناس من زيارة بيت الله.

انظر كيف كانوا على شركهم وكفرهم عندهم تعظيم للشعائر، واليوم نجد بعض من يلبس لباس أهل الإسلام ويستهين بشعائر الله ويستهزئ بها، نسأل الله السلامة والعافية.

قال: يا قريش، والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظماً له؟ والذي نفس الحليس بيده، لتخلن محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد؛ يعني لا تدع محمد صلى الله عليه وسلم يدخل أو لأجعلن كلحابيش عليكم لحربكم.

فقالوا له: مه، يعني طول بالك يا رجل ودعنا نتفاهم معك بطريقة أخرى، مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا؛ يعني دعنا خلاص نحن نتفاهم، فهذا الرجل أنت استرح من دون مشاكل.

ثم بعثه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل آخر، انظروا رجل تلو رجل؛ بعثوا عروة بن مسعود الثقفي. فخرج عروة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه. عروة رجل محاور، فقال: يا محمد، أجمعْتَ أوشاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفتضها بهم؟ يعني جمعت أوباش الناس؛ يعني طغام الناس وعوام الناس، وأتيت بهم من المدينة حتى تغزو بهم بيضتك، يريد بالبيضة هنا قبيلتك؛ يعني يا جماعة أوباش الأعراب والناس اللي حوالين المدينة يا محمد، وجئت تغزو بهم قبيلتك وتفتضهم بها، أي أتريد أن تستأصل قبيلتك بهؤلاء الناس؟ إنها قريش يا محمد قد خرجت معها العُود الأطافيل؛ يعني خرجت مستعدة للحرب كما ذكرنا، وقد لبسوا جلود النمور، ودون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبداً.

وأيْمُ الله يا محمد -هذا قسم كان يقسمون به- وأيْمُ الله يا محمد، والله يا محمد، لكأني بهؤلاء الذين حولك من الصحابة يقصد، قد انكشفوا عنك غداً. عروة بن مسعود أولاً حاول أن يزرع الرعب في النبي صلى الله عليه وسلم يظن أنه يستطيع أن يفعل ذلك، فأصبح يخوف النبي صلى الله عليه وسلم أنه يا محمد ترى كفار قريش خرجت وقد لبست جلود النمور والقوم مستأسدون سيقاتلك، وانت ماذا ستفعل بهؤلاء الضعاف الذين حولك غداً ينفضون عنك وتبقى وحدك، فماذا أنت فاعل؟

إذاً من الذي سمع هذا الكلام؟ أبو بكر الصديق رضي الله عنه. هنا أبو بكر الصديق شتم عروة بن مسعود شتيمة عالية؛ يعني مستواها عالي، أنا لن أذكرها، شتمه شتيمة عالية أنه يستحقها هذا الرجل ليظهر عزة الإسلام في ذاك الموقف. وقال له بعد أن شتمه: أنحن ننكشف عن رسول الله؟

فهنا عروة بن مسعود لما رأى هذا الرجل انتفض، شتمه شتيمة قبيحة وقال له: أنحن ننفض عن رسول الله؟ قال: يا محمد من هذا الرجل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا ابن أبي قحفة يا عروة»؛ يعني هذا أبو بكر الصديق.

فقال عروة -طبعا عروة الآن يحترق من الداخل لأن أبابكر شتمه شتيمة عارية-: أما والله لولا يد كانت لك عندي في الجاهلية لكافئتك بها؛ يعني لولا أنه أنت صنعت لي معروفاً يا أبابكر الصديق أيام الجاهلية لكان رددت عليك هذه بشتيمة، لكن هذه بتجيك؛ يعني اليد التي لك علي غفرت لك هذه الشتيمة، هكذا قال له.

ثم عروة بن مسعود عاد ليتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يتحدث مع النبي عليه الصلاة والسلام في كل حين يضع يده على لحية النبي صلى الله عليه وسلم. عروة بن مسعود رجل محنك في النقاش، كل شوي يضع يده على لحية النبي صلى الله عليه وسلم يتمسح بها. من الذي كان واقف فوق النبي صلى الله عليه وسلم لحراسته؟ فارس عظيم من فرسان الإسلام، المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. طبعا المغيرة بن شعبة داهية أحبتي ورجل حرب، واقرؤوا مواقفه في الخلافة الراشدة، رجل داهية جداً وعسكري وعنيد.

فالمغيرة بن شعبة لما رأى عروة ابن مسعود كل فترة يمسك لحية النبي صلى الله عليه وسلم ويلعب بها، ضرب يد عروة بكعب سيفه، وقال: دونك يدك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني أبعد يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول ابن هشام: فجعل يقرع يده إذا تناولت لحية النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألا تصل إليك. انظروا العبارة! هذه عزة الإسلام التي نشتاق إليها؛ يعني أبعد يدك ولا تحطها قبل أنها ما ترجع بك.

ما معنى قبل ألا تصل إليك؟ يعني رد يدك قبل ألا تعود إليك مرة أخرى؛ يعني أقطعها.

عروة نظر وقال: ويحك ما أفضك وأغرضك أيها الرجل! فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ فقال له: «هذا ابن أخيك يا عروة، هذا المغيرة بن شعبة»؛ يعني كان المغيرة الأقرب لعروة، لكن الصحابة ما كان عندهم قضية رحم لما يصل الأمر إلى القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم.

طبعا تخيلوا المشهد الهيبة، عروة بن مسعود الآن ينصدم، عروة ما كان يتوقع أن محمد صلى الله عليه وسلم بلغ به المجد والعزة والكبرياء أن أصحابه يفدونه بكل شيء، هذا أبو بكر الصديق يشتمه لعروة، وهذا المغيرة بن شعبة يضرب يد عروة بكعب سيفه ويقول: ارجع يدك قبل ألا تصل إليك.

فطبعا المغيرة بن شعبة لما نظر -عفواً- عروة بن مسعود لما نظر إلى المغيرة بن شعبة قال له: هل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟ كان المغيرة بن شعبة -كما تروي كتب التاريخ- قد قتل مجموعة من كفار قريش قبل أن يفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً مسلما. فيعني المغيرة يعني عروة بن مسعود يقول المغيرة بن شعبة: يعني أنت البارحة غدرت غدرتك ثم هربت إلى محمد صلى الله عليه وسلم مسلما.

المهم النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يتحاور مع عروة بن مسعود أنه نحن لم نأت للحرب وهذه النوق واضحة أمامك، لكن إذا كانت الحرب ستفرض علينا فنحن وَهْن الحرب. المهم عروة بن مسعود يتابع المشهد الذي يحدث أمامه في معسكر النبي صلى الله عليه وسلم، ينظر في الصحابة. عروة بن مسعود كان يشاهد ويلاحظ، ينظر كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بصق بصاقاً ابتدره الصحابة، كل شخص يريد أن يقع بصاق النبي صلى الله عليه وسلم في يده ليتبرك به.

يلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ وضوءاً، كل الصحابة يتقاتلون على وضوء النبي صلى الله عليه وسلم يريدون أن يظفروا بشيء من بركة النبي عليه الصلاة والسلام. عروة بن مسعود اندهش وانبهر لشدة هذا الحب والتألق والتفاني لهذا الرجل، ما كانوا يتوقعوا ابن مسعود أن الصحابة وصل انتماؤهم وحبهم وتعلقهم بالنبي صلى الله عليه وسلم لهذه الدرجة، يعني هذا شيء لم يكن مألوفاً عند العرب.

انظروا الآن ماذا سيقول كفار قريش حينما يعود إليهم، انظروا ماذا قال لهم؛ رجع عروة إلى كفار قريش وقال: يا معشر قريش -يعني بدي أعطيكم الخبر في النهاية- يا معشر قريش، إني قد جئت كسرى في ملكه، واتيت قيصر ملك الروم في ملكه، واتيت النجاشي في ملكه، يعني أكيد ملوك الأرض، واني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد صلى الله عليه وسلم في أصحابه؛ يعني أنا ما رأيت ملكاً يحترم أصحابه ويعظموه صدقاً من أعماق قلوبهم كما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمداً. وقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً؛ يعني هؤلاء القوم الذين حول محمد صلى الله عليه وسلم لن يسلموا هذا الرجل إليكم حتى تبقي آخر قطرة من مائهم؛ يعني لآخر نفس، فأنا رأيي دعوكم من هذا الرجل ومن حربه ودعوه يفعل ما يشاء.

النبي صلى الله عليه وسلم بدأ الآن هو الذي يبعث رجالاً من طرفه باتجاه كفار قريش ليحاورهم؛ بعد أولاً رجل يقال له خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له. فلما دخل خراش بن أمية الخزاعي مكة ووصل إلى رجال قريش، رجال قريش ماذا فعلوا؟ عقروا الناقة، عقروا الناقة التي أاتى بها خراش وأرادوا أن يقتلوه، لكن من الذي منعهم؟ الأحابيش؛ جماعة الحليس بن علقمة، الأحابيش منعوا كفار قريش من أن يقتلوا خراش بن أمية الخزاعي؛ يعني فزعوا له كما نقول، فما استطاعوا أن يقتلوه، فعاد خراش إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما فعل كفار قريش معه.

ثم النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبعث عمر بن الخطاب. عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله في الحقيقة أنا لا يوجد لي قرابة وجماعة في مكة تحمي ظهري، فأنصحك أن تبعث رجلاً له قوم ومكنة في مكة من أقاربه بحيث يكون له ظهر يحميه. من هو يا عمر؟ قال: يا رسول الله ابعث عثمان بن عفان.

فعلاً النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بمشورة عمر بن الخطاب وقرر أن يبعث عثمان بن عفان، لأن أقارب عثمان بن عفان في مكة كثر الأمويون، وهم كقبيلة أو فخذ بني أمية كثير الوجود في مكة المكرمة، فأقارب عثمان كثر فيصعب على كفار قريش أن تقتل عثمان لأن أقاربهم سينتفضون له حتى ولو كانوا مشركين. ففعلاً النبي صلى الله عليه وسلم يستدعي عثمان وأمره أن يتجه إلى كفار قريش ليحاورهم.

خرج عثمان إلى مكة، فمن الذي لقيه على باب مكة؟ لقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني أبان وصل عثمان بن عفان إلى كفار قريش وقال: هو في جواري ما أحد يتعرض له. كلمهم، إيش الرسالة التي تريد أن توصلها؟ أن النبي عليه الصلاة والسلام فكلمهم عثمان بن عفان بالرسالة.

فقالوا لعثمان حين فرغوا من الرسالة: إن شئت يا عثمان؛ كفار قريش فعلاً كانت تحترم عثمان بن عفان لأن عشيرته موجودة بقوة حاضرة بقوة في مكة. فقالوا: يا عثمان إن أردت أنت أن تطوف بالبيت فطف. عثمان قال لهم: كيف أطوف والنبي صلى الله عليه وسلم لا يطوف؟ لا يمكن ذلك في حال من الأحوال. فكفار قريش ماذا فعلوا؟ حبسوا عثمان بن عفان عندهم؛ يعني هم صحيح احترموه لكنهم قالوا: يا عثمان اجلس عندنا شوي لن نردك الآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاحتبسوا عثمان بن عفان عندهم.

فالأنباء وصلت إلى معسكر المسلمين لما تأخر عثمان بن عفان ولم يصل، بدأت الأنباء طرف الجيش أن كفار قريش قتلوا عثمان بن عفان، خاصة أن كفار قريش حاولوا أن يقتلوا خراش بن أمية لكن الأحابيش فزعوا لهم، فلما عثمان تأخر ولم يأت النبي صلى الله عليه وسلم، هنا كما قلنا انتشرت شائعة قوية في المعسكر أن عثمان قُتِلَ، والنبي عليه الصلاة والسلام فعلاً ما كان يعرف ماذا حدث بعثمان.

فلما وصلت إليه الأنباء أنه يمكن أن يكون عثمان قُتِلَ، هنا النبي صلى الله عليه وسلم وضع نقطة الصفر، انتهى الآن المشهد؛ بما أنه وصل لنا أن دم مسلم واحد تم انتهاكه من غير وجه حق، دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى بيعة عظيمة خلدها التاريخ ورضي عن أصحابها، وهي بيعة الرضوان.

جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت شجرة في الحديبية وقال: «من يبايعني على الموت؟». فأتى الصحابة جميعاً فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الموت إلا رجل من أهل النفاق كان يقال له الجد بن قيس، هذا كان مختبئاً خلف بعيره ورفض أن يبايع. وإلا الألف وأربعمائة بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى عثمان بن عفان بايعه.

كيف يا شيخ بايعه أليست هذه البيعة ثأراً لعثمان؟ النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن وضع الصحابة أيديهم وبايعوه وضع يده فوق أيدي الصحابة وقال: «وهذه عن عثمان». فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعطي عثمان بن عفان ثواب هذه البيعة وإن كانت هذه البيعة من أجل الثأر له.

المهم بلغ النبي أن عثمان قد قُتِلَ فقال: «لا نبرأ حتى نناجز القوم». طبعا انظروا إلى الآن النبي صلى الله عليه وسلم فقط معك السيوف يا رسول الله، وأنت غير مستعد للمعركة بكل حذافيرها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يرسل رسالة إلى يوم القيامة أننا قوم لا نستذل، أننا لا نرضى بأن تهضم حقوقنا وأن تستباح دماؤنا، هذه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لكم أيها المسلمون؛ إياكم أن تضعفوا، إياكم أن تستباح أموالكم ودماؤكم وأنتم تنظرون.

أعدوا العدة واستعدوا بالعلم والمعرفة والبناء والجسد؛ لأن الحرب والمعارك قادمة مع أعداء الأمة. لكن جميل تحتاج إلى نوع من الحنكة، نوع من هدوء، نوع من الفطنة، مع عدم العجلة، لكن ما أخذ بالقوة لا يمكن أحبتي أن يسترد إلا بالقوة. كان النبي صلى الله عليه وسلم بايعهم على الموت، وقيل إنه بايعهم على ألا يفروا، بغض النظر، المهم بيعة على القتال إلى آخر لحظة.

الآن بعد يعني البيعة التي رضي الله عز وجل عن أصحابها: ﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنينَ إِذ يُبايِعونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ فَعَلمَ ما في قُلوبِهِم فَأَنزَلَ السَّكينَةَ عَلَيهِم وَأَثابَهُم﴾ [الفتح: 18]. طبعا لماذا هذه البيعة احتفى بها القرآن؟ لأنها بيعة تدل على عظمة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين بايعوه، والولاء والانتماء والنصرة، وكانوا على استعداد أن يبذلوا أرواحهم ومهجهم وأن تضحى بها جميعا من أجل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ودفاعا عن حرمة هذا الدين.

أحبتي تخيلوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يبلغه بقتل عثمان، فيعود باتجاه المدينة ويقول: خلاص مات عثمان رضي الله عنه، رحمك الله يا عثمان، يشجب ويستنكر كما يفعل اليوم -يعني جزاهم الله خيرا الذين يفاوضون عن المسلمين- يشجبون ويستنكرون، إلى آخر الكلام الفارغ. هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ أما النبي صلى الله عليه وسلم قال: لن أعود حتى أقاتل إلى آخر رجل. هذه المفاهيم أحبتي يجب ألا تمر علينا مرور الكرام، هذه مفاهيم تدل على أن محمد صلى الله عليه وسلم ما كان يقابل عداء أعدائه معه بالورود، كما يحاول اليوم الضعاف والمنهزمون أن يصوروا وأن يعرضوا سيرته صلى الله عليه وسلم أنه حينما يجيء كفار قريش يبتسم ويهش في وجههم، أنه لم يرد أن يحاربهم بالسيف، أنه ماذا تقولون يا قوم؟

وهل الجهاد في سبيل الله إلا جهاد بالسيف والسنان بعد اللسان والبيان؟ كيف تقولون محمد صلى الله عليه وسلم لم يحمل سيفا ولم يقاتل بسيفه ولم يتوجه إلى أعداء الأمة يجاهد ونافح وبذل روحه ومهجه؟ هذا جهاد عظيم وركن ركين أداه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن جاهد بلسانه وقاموا الحجة وثلاثة عشر عاما من الحوار والنقاش والإقناع. جاءت مرحلة أخرى من الجهاد، جهاد السيف وجهاد المعارك والغزو في سبيل الله واسترداد الحقوق بالقوة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم نعم قال في بداية نزوله في الحديبية: أنا سارضى بأي صلح -يعني بيني وبين كفار قريش- نحقن به الدماء، إلا أن يستهان بنا، إلا أن يسفك دماء المسلمين، إلا أن يغدر بنا، فهنا تختلف وجوهنا ونصبح شجعانا فرسانا ندافع عن هذا الدين. أصحاب غيرة، أصحاب نخوة، أصحاب فداء وتضحية؛ لأن تهدم الكعبة حجرا حجرا أهون عند الله عز وجل من أن يسفك دم امرئ مسلم. هذا النبي صلى الله عليه وسلم أصّل هذه القاعدة في نفوس أصحابه أن دماء المسلمين غالية ليست دماء هدر. اليوم يقتل مئات ومئات والآلاف يطحنون ويذبحون ويقتلون، ولا تنطفئ الغيرة في أهل هذا الدين وفي رجاله إلا من رحم ربي. هذه الغيرة التي كان يغرسها محمد صلى الله عليه وسلم في أصحابه وهي رسالة للأمة من بعده.

ألف وأرباعمائة رجل يبايعون على الموت في لحظة واحدة، الموت مقابل عثمان بن عفان رضي الله عنه. لكن الله سبحانه وتعالى يقدر أنه بعد سويعات إذا بعثمان بن عفان يفرج عنه أهل مكة ويأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيبتهج المسلمون بذلك، ويعني تنحل هذه العضلة، لكن بعد أن أثبت الصحابة الولاء كما قلنا والاستعداد التام للتضحية لهذا الدين.

كفار قريش بعثوا الوافد الأخير، الوافد الأخير من كفار قريش باتجاه النبي صلى الله عليه وسلم هو سهيل بن عمرو. سهيل بن عمرو لم يكن مسلما، وإنما أسلم بعد ذلك لفتح مكة. سهيل بن عمرو من رجالات مكة الكبار ومن صناديد كفار قريش في ذاك الزمان. بعثوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له قبل أن يذهب: يا سهيل، كفار قريش يقولون: سهيل، ائت محمد فصالح، خلص، مشي الأمور بالمصالحة ولا يكن في صلحه... لكن دير بالك، هناك شرط مهم: لا يكن في هذا الصلح إلا أن يرجع في هذا العام ويعتمر في العام القادم. فكفار قريش خلاص رضوا بهذا الحال وقالوا: ما في فائدة الآن من أن نقاتل محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بما أن ثبت أن الرجل جاء معتمرا ومعه الهدي، فأي عملية مهاجمة لجيشه في الحقيقة سيخرج دعاية عريضة سيئة عن كفار قريش في جزيرة العرب أنهم لا يعظمون بيت الله، أنهم قتلوا المعتمرين، قتلوا الحجاج القاصدين لبيت الله الحرام. فكفار قريش كانوا بشكل عام حريصين على أن تبقى السمعة طيبة نقية في هذا الموضوع، فقالوا: صالح محمد صلى الله عليه وسلم على أن يعتمر في العام المقبل، أما هذا العام يعود حتى لا تقل أو حتى لا تقول العرب إن محمدا دخل عنوة على أهل مكة.

سهيل بن عمرو اتجه باتجاه معسكر المسلمين. لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من بعيد قادما قال لأصحابه: سهلت عليكم أموركم. وهذا من باب الفأل الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم تفاءل باسم سهيل بن عمرو. سهيل بن عمرو، كلمة سهيل تدل على السهولة. النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة: سهلت عليكم اموركم بما أن هذا الرجل هو الذي جاء.

فلما انتهى سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلم سهيل فاطال الكلام، ومن ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فاطال الكلام، وتراجع وحوار ونقاش إلى أن توافقوا على الصلح وعلى شروط الصلح. فلما التئم الأمر ولم يبق إلا كتابة الصلح والشروط -سنذكرها الآن بعد قليل- من الذي غضب؟ عمر بن الخطاب. عمر بن الخطاب رجل من فرسان الاسلام صاحب نخوة وصاحب غيرة وحمية نصرة هذا الدين. لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يتفق مع كفار قريش على هدنة، غضب عمر رضي الله عنه وذهب إلى أبي بكر الصديق من شدة الغضب. وقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: بلى. فقال: يا أبا بكر، أولسنا مسلمين؟ فقال أبو بكر: بلى. فقال: أليسوا بمشركين؟ فقال أبو بكر: بلى. فقال: فعلام نعطي الدنية في أمور النخوة والحمية لهذا الدين؟ لكن أبو بكر كان هنا عاقلا جدا، قال: يا عمر، الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله -يعني ضع قدمك خلف قدم النبي صلى الله عليه وسلم وإياك أن تستعجل، فإنه رسول الله-. فقال عمر: وانا أشهد أنه رسول الله. لكن عمر ما تمالك نفسه، ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه. قال: يا رسول الله، أولست رسول الله؟ فقال: بلى. فقال: يا رسول الله، السنا مسلمين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بلى. فقال: يا رسول الله، أليسوا مشركين؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: بلى. فقال: فعلام نعطي الدنية في ديننا يا رسول الله؟

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا عمر، أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني. إذا هي رسالة لعمر بن الخطاب، هذا الذي وقع الآن أمر إلهي، تشريع رباني. إذا كما أن موضوع الحرب والجهاد في سبيل الله تشريع رباني، كذلك موضوع الهدنة والصلح ورعاية السياسة الشرعية والنظر في مآلات أيضا هذا حكم رباني. يعني المشكلة أننا نعاني ما بين إفراط أو تفريط؛ أما أناس يريدون أن يذهبوا وأن يشطحوا بهذه الأمة إلى الموت الذي لا حدود قبله، وأما قوم يريدون أن يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا بخس، ويوقعون على مصالحات ومعاهدات تضيع حق هذه الأمة. وفي الحقيقة لا، هناك موازنات يجب أن تتبع، هناك ثبات وعزة ومبادئ وجهاد وقتال، وهناك في نفس الوقت مراعاة للمصالح الشرعية والأمور المرعية في دين الله سبحانه وتعالى، ومهادنات ومصالحات تحقق مصالح هذا الدين، المهادنات والمصالحات التي تحقق مصالح هذا الدين وليس تحقيق مصالح الكفار والمشركين وهذا الدين يذهب حقه وتذهب دماء أصحابه، لا. المصالح والهدن فيها مراعاة لحقوق المسلمين ولمصالح هذا الدين.

عمر بن الخطاب يقول: ما زلت من يومها أتصدق وأصوم وأصلي خوفا من الذي صنعت، مخافة أن أهلك بسبب هذا الكلام. يعني عمر كأنه راجع نفسه وأنّب نفسه أنه ربما أخطأت في هذا الكلام، وكيف تجرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأراد أن يكفر هذا بكثرة صلاة وصيام وصوم وتصدق. رضي الله عنك يا عمر بن الخطاب، كيف كان خائفا من الله سبحانه وتعالى، مبجلا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، يخشى أن يتكلم بكلمة واحدة فيها قلة أدب فيها تجاوز!

واليوم نجد عمائم ملحّة تتجاوز أحاديث محمد صلى الله عليه وسلم، ترد أحاديث محمد صلى الله عليه وسلم بعقولها وأهوائها، تشرعن لهذه الأمة بمزاجها وأفكارها بعيدا عن نبراسه صلى الله عليه وسلم، ولا يخشون من لقاء الله. يفتون بسفك دماء المسلمين ولا يخشون من لقاء الله، يعتقلون المسلمين خلف القضبان ويعتقلون العلماء خلف القضبان ولا يخشون من لقاء الله. فرحمة الله عليك يا عمر بن الخطاب.

دعا النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ليكتب هو الصلح، وكان علي كاتبا. وقال: يا علي، اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فسهيل قال: قف، لا نعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: اكتب باسمك اللهم، ما عندنا مشكلة. ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. فسهيل قال: قف، لم أشهد أنك رسول الله، لو أني أعلم أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب يا محمد اسمك واسم أبيك، اكتب محمد بن عبد الله فقط. طبعا هنا تروي كتب السيرة أن هذا لم يذكره ابن هشام هنا، لكن ترى الكتب أن علي بن أبي طالب غضب من ذلك ورفض أن يمحو محمد رسول الله. رفض أن يمحوها، النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: أعطني الصحيفة يا علي. فقام النبي صلى الله عليه وسلم بمسحها بنفسه. قال: أرني أين الكلمة؟ فوضع يده عليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم مسحها بنفسه. علي بن أبي طالب ما استطاع -يعني من غيظه على سهيل- ما استطاع عليه، قال: هذا لن أمحو هذه الكلمة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يمشي بهذه القضية، وهذا فيه بشارة أحبتي أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يرسل رسالة -يعني الآن مثل هذه الأمور وإن كانت حقا وإن كان هو رسول الله، لكن الآن نحن نوقع صلحا نحقق فيه مصالح عظمى- فالتركيز على هذه القضايا ليس هو الأمر الأعم والأعظم الآن. نعم، محمد رسول الله هذه حقيقة وواقع، وبسم الله الرحمن الرحيم حقيقة وواقع، لكن الآن ضمن هذه الوقائع وضمن هذه الاحداثيات التي نعيشها مثل هذه الأمور نعتبرها درجة ثانية، دعونا نفكر في المصلحة العظمى في تحقيق الصلح والاستقرار، وهذا سيحقق لنا انتصارا عظيما أيها المسلمون.

هذا ما وقع فعلا بعد صلح الحديبية، لذلك سماه الله فتحا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]. ما هو الفتح؟ صلح الحديبية؛ لأن ثمار هذا الصلح المباركة وعدد الناس الذين دخلوا في دين الله أفواجا بعد هذا الصلح عدد كبير جدا. وستلاحظون هذا، عدد المسلمين في صلح الحديبية ألف وأربعمائة، لكن لما عادوا لفتح مكة عشرة آلاف، نقلة نوعية في العدد.

صلح الحديبية موقف جليل عظيم علينا أن نستخلص منه حكمة النبي صلى الله عليه وسلم، وما هي الثوابت وما هي المتغيرات؟ ما الأمور التي تقبل التأجيل أو التأخير ولكنها لا تتناقض مع أصول الدين ومبادئه؟ فلو محونا محمد رسول الله، هذه رسالة النبي عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب، لو محوناها من الكتابة فلن تغير الواقع يا علي، فامحها من الكتابة ودعنا نمشي هذه الصورة لتحقيق المقاصد العظيمة وهذه الحقائق لن تتغير. بسم الله الرحمن الرحيم لن تتغير كحقيقة، فلو محوناها من الكتابة المبدأ قائم، فامحوها. لكن لم نكتب كلمة شرك، لم نكتب باسم الله والعزى، لم نعترف بآلهة المشركين، نعم هنا تتغير المبادئ؛ لو كتب باسم الله والعزى لكان تغييرا في المبادئ، لكن مع الرحمن الرحيم أو مع رسول الله لن تؤثر في الواقع شيئا. لكن في نفس الوقت لا نخضع لشروط المشركين لآلهتهم لأصنامهم لطواغيتهم، فكتب في النهاية النبي صلى الله عليه وسلم على يد علي بن أبي طالب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو.

ما هي بنود الصلح؟ أولا: اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، خلاص نضع الحرب مدة عشر سنين، يأمن فيها الناس بعضهم على بعض ويكف بعضهم عن بعض، تحقيق استقرار وأمان في المنطقة، وهذا كان مهم جدا للنبي صلى الله عليه وسلم بعد ست من الهجرة إلى المدينة ومعارك طاحنة، كان يحتاج النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الفترة من الهدوء حتى يستأنف حياته الدعوية في دعوة القبائل والقرى والأمصار وهو يشعر بالأمان والاطمئنان أن كفار قريش لن تغدره. كان هذا المقصد يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحققه خلال هذه الفترة، فترة العشر سنوات الذي لم تتم كما سيتضح معنا في مجريات السيرة.

الشرط الثاني هو أن من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، وأما من جاء قريشاً ممن مع محمد فلم يردوه عليه. طبعا هذا الشرط من يقرأه يشعر أن فيه نوعاً من الجور والظلم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم مشى هذا الشرط لأنه في النهاية سيحقق مصلحة كبرى للمسلمين في أخذ قسط من الاطمئنان والهدوء والأمان للاستمرار في الدعوة.

طبعا هذا الشرط إيش صورته؟ أنه أي مسلم يأتي من قبل كفار قريش مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من دون إذن أوليائه، على النبي عليه الصلاة والسلام أن يرده لكفار قريش. أي رجل مسلم يهرب من مكة باتجاه المدينة باتجاه النبي صلى الله عليه وسلم من دون إذن أوليائه، على محمد صلى الله عليه وسلم أن يرده.

وأما العكس؛ لو أن رجلاً من المسلمين ارتد عن دينه ولحق بكفار قريش في مكة، فكفار قريش لا يوجد عليهم شرط أن يردوه بل لا يردونه. وفي الحقيقة لو تأملت هذا الشرط لوجدت أن أي إنسان مسلم سيرتد عن دينه ويلحق بكفار قريش، فلا حاجة للمسلمين به أصلاً، نحن لا نريدهم في الصف المسلم ونحن برآء منه، ونظفر به في وقت آخر لنقتله ونطبق عليه حد الردة.

لكن نحن لسنا بحاجة أصلاً إلى رده، وإن كان أصلاً هذا لم يقع؛ لأن من دخل الإسلام قلبه ووجد حلاوة الإيمان، لا يمكن أحبتي أن يرتد وأن يعود باتجاه كفار قريش، لكن ضعاف النفوس المنافقون هم الذين تصيبهم مثل هذه القوارع.

يا شيخ الجهة المقابلة؛ يعني رجل مسلم خرج فاراً بدينه باتجاه المدينة، كيف يرده النبي صلى الله عليه وسلم؟ في الحقيقة هذا الشرط كان وحياً إلهياً من الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يدرك مآلات هذا الشرط، ويدرك أن كفار قريش لن يستحملوا ولن يطيقوا تطبيق هذا الشرط، وهذا فعلاً ما حدث مع قصة أبي بصير رحمة الله عليه الذي هرب باتجاه المدينة.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم رده وقال: أنا على صلح مع كفار قريش، ولن أستطيع استقبالك، فدبر نفسك يا أبا بصير. فأبو بصير وافق لكن ما عاد إلى مكة، هرب باتجاه الساحل وشكل عصابة أبي بصير رضي الله عنه الذين أصبحوا يتحينون لكفار قريش يرصدون تجارتهم.

فكفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، خذ أبا بصير عندك، وخذ كل الصحابة الذين هربوا باتجاهك عندك، ولا تبقهم يترصدون على الطرقات. فمآلات هذه الشروط كانت خيرة ونافعة للمسلمين.

الشرط الثالث كان هو أن من أحب أن يدخل في عقد قريش فليدخل، ومن أحب أن يدخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم فليدخل. هذا شرط عالٍ جداً، يدل على أن محمد صلى الله عليه وسلم أصبح قوة في جزيرة العرب لا يستهان بها، حيث أصبح رأس من رؤوس جزيرة العرب له حلف.

هناك قبائل تدخل في حلفه وتتعاون معه في مقابلة كفار قريش وحلفها. هذا من كفار قريش؛ أفخم وأعظم قبيلة في جزيرة العرب، اعتراف بأن محمد صلى الله عليه وسلم أصبح قوة عظمى لا يستهان بها، له حلفاؤه، وله الحق في أن يعقد المفاوضات والعهود.

وهذا كما قلنا إعلاء من شأن الإسلام؛ هنا أصبحت كل جزيرة العرب تحسب حساباً للنبي صلى الله عليه وسلم، من هذا الرجل الذي استطاع أن يعود بعد ست سنوات ليعقد صلحاً مع كفار قريش يثبت فيه حقه ووجوده وأنه صاحب حلف، وأن من أراد أن يدخل في حلفه فليدخل.

أحبتي أنتم تتخيلون القضية؛ محمد صلى الله عليه وسلم قبل ست سنوات فقط خرج مهاجراً فاراً بدينه مع أبي بكر الصديق باتجاه المدينة. ست سنوات فقط ومحمد صلى الله عليه وسلم يفرض على كفار قريش الهدنة والمصالحة وبشروط تحفظ حقوق الطرفين عموماً، وإن كانت مآلات لمصلحة المسلمين، لكن في النهاية شروط لا يوجد فيها إذن للمسلمين، لا يوجد فيها هضم لحقوقهم، شروط فيها اعتراف بكيان إسلامي حاضر وبقوة الآن لا يمكن أن يستهان به.

فقبيلة بني خزاعة مباشرة قالت: نحن مع حلف محمد صلى الله عليه وسلم، لأن هذه القبيلة كانت تحب النبي عليه الصلاة والسلام. بينما قبيلة بني بكر قالوا: نحن ننضم إلى حلف كفار قريش. إذاً أشهر قبيلتين دخلتا في هذا العقد: قبيلة بني خزاعة انضمت إلى حلف النبي صلى الله عليه وسلم وكانت من أنصاره، بينما قبيلة بني بكر كانوا من أنصار كفار قريش.

والشرط الاخير هو الشرط المعروف؛ أن ترجع في عامك هذا ولا تدخل علينا مكة وتعتمر في العام القابل، العمرة لن تنفذ في هذا العام، لكنها في العام القادم ستنفذ. وهذا إذا ترى اعتراف أحبتي، لا تستهينوا بالموضوع.

ست سنوات والنبي صلى الله عليه وسلم يجبر كفار قريش أن يصلوا إلى هذا النوع العالي من الاعتراف وقبول الجلوس والتفاوض ووضع مثل هذه الشروط، أمر أبداً ليس بالهين، ويدل على مكنة النبي صلى الله عليه وسلم ومقدار الثقل والوجع الذي أوجعه لكفار قريش.

إذاً هذه شروط صلح الحديبية. بينما النبي صلى الله عليه وسلم يكتب هذا، مشهد وقع أثناء الكتابة سريعاً أقصه لجماليته ودلالة على وفاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ بينما النبي صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء رجل من الصحابة كان مسلماً في مكة. من هو هذا الرجل؟ هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو. سهيل بن عمرو الذي يكتب الصلح الآن مع النبي صلى الله عليه وسلم، له ابن مسلم اسمه أبو جندل، وكان سهيل بن عمرو حابسه في مكة ولا يريد له أن يهاجر إلى المدينة.

فجاء أبو جندل، استطاع أبو جندل أن يفك من قيوده وأتى يركض إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورمى نفسه بين أظهر المسلمين، وقد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. القصة ذكر بعض ثناياها؛ لما رأى سهيل أبا جندل قد ألقى نفسه بين أظهر المسلمين قام إليه سهيل، يعني سهيل قام إلى ابنه أبي جندل فضرب وجهه بيده وأخذ بتلابيب ثيابه ثم بدأ يجره.

إذاً سهيل بن عمرو أتى إلى ابنه الذي رمى نفسه بين أظهر المسلمين فضرب وجهه بيديه وأخذه بتلابيب ثيابه وبدأ يجره. ويقول سهيل الآن للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، قد لجي القضية بيني وبينك، يعني الصلح قد تم بيني وبينك، ونحن الآن فقط نكتب، فبما أنه الصلح تم بيني وبينك لن أسمح لك أن تأخذ هذا معك، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا.

النبي صلى الله عليه وسلم يدرك ذلك، أنه فعلاً الصلح قد تم والاتفاق تم، وإنما نحن الآن فقط في كتابة الشروط في هذا الورق، فقال: صدقت يا سهيل. مع أنه النبي صلى الله عليه وسلم حزن على أبي جندل ويريد أن يأخذه، لكن القضية يصبح فيها وفاء، يصبح فيها كتابة، يصبح فيها عقود، ما في مجال أن ننسف قضية عظمى لكتاب التاريخ للمسلمين لمصلحة جزئية تتعلق بأبي جندل الآن. هذه مصلحة أكيد، لكنها مصلحة جزئية في مقابل مصلحة عظمى، مصلحة الاعتراف بالإسلام وتحقيق مصالح كبرى للجيوش المسلمة الوليدة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: صدقت يا سهيل. فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش. يعني سهيل بن عمرو يسحب فيه ويشحط، لكن جعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟

طبعا الآن بدكم أحبتي تتصوروا المشهد كامل؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم متألم من داخله لكنه يدرك أن الصلح انتهى. المسلمون ليس من عادتهم أن يشاهدوا مثل هذا المشهد، كانوا دائماً أسوداً في المعارك، يعني ينقضون على عدوهم انقضاض السبع على فريسته، فالمهم هذا المشهد وما استطاعوا أن يصبروا والقلوب تغلي، هل يعقل أن يرد أبو جندل إلى صفوف المشركين؟

وأبو جندل يصرخ ويبكي: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد ذلك هم الناس، يعني كثير من الصحابة هو أصلاً ما كان يدرك الحكمة من هذا الصلح الذي عقده النبي صلى الله عليه وسلم مع سهيل بن عمرو. كثير من الصحابة كان في داخله متألماً، ويشعر أن هذا الصلح يهضم حقهم، وأنهم يريدون أن يدخلوا مكة اليوم اليوم ولا يريدون من كفار قريش أن يكون لهم أي يد أو طاول على المسلمين.

حمية لهذا الدين والحرقة عليه كانت هي التي تغلي الآن في قلوب الصحابة، كثير منهم ما كان يعرف كما قلنا ما هي الحكمة العظيمة التي يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسخها بهذه الشروط، خاصة قضية أنه من جاءنا منهم رددناه عليهم، أنه كيف يا رسول الله نرد عليهم من أسلم؟

فبعض المسلمين كما قلنا كان يحترق من الداخل ويغلي، فجاء موقف أبي جندل ليزيد الأمور غلياناً، والصحابة ينظرون ويأكلون بعضهم بعضاً: أنه كيف يا أبا جندل ترد؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم، يعني زاد الناس حرقة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا جندل. النبي صلى الله عليه وسلم الآن يخاطب هذا الإنسان بروحه ووجدانه: اصبر واحتسب يا أبا جندل، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً.

وفعلاً أبو جندل كان ممن انضم إلى عصابة أبي بصير رضي الله عنهم جميعاً واستطاعوا أن يشكلوا عصابة تتربص بقوافل قريش حتى اضطرت كفار قريش أن تقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: خذ أبا بصير وخذ أبا جندل وارحنا من كل هذه المشاكل على الطرقات.

يا أبا جندل، ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يكمل خطابه مع أبا جندل: يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإننا لا نستطيع أن نغدر بهم. انتهى الأمر، لا نغدر يا أبا جندل.

الآن من الذي وثب؟ عمر بن الخطاب. قال عمر بن الخطاب: فوثبت مع أبي جندل، أمشي إلى جنبه وأقول له: يا أبا جندل، اصبر يا أبا جندل، إنهم مشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب. يعني عمر بن الخطاب الآن خلص، وصلت معه هدومه إلى نهايتها. طبعا عمر بن الخطاب كان قد وضع سيفه بقربه ومشى بجنب أبي جندل وبدأ يصبر في الظاهر، لكنه يريد من أبي جندل أن يتناول السيف ويقتل أباه.

فيقول عمر: فوثبت إلى أبي جندل، وأخذت أمشي إلى قربه وجنبه، وأقول: اصبر يا أبا جندل، فإنهم مشركون، وإن دماءهم دماء كلاب. قال عمر: وأدني السيف منه، وأدني السيف منه، رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه، لكنه لم يفعل رضي الله عنه.

فلما فرغ من الكتاب، أشهَد النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الرجال من المسلمين، وأشهَد سهيل بن عمرو مجموعة من المشركين على هذا الكتاب وعلى مضمونه، ووقعت جميع الأطراف على هذا الصلح ليكون بذلك معلناً لانطلاقة جديدة ولنفس جديد في الدعوة المحمدية وفي كيان الدولة المسلمة في المدينة النبوية.

طبعا بما أن الشرط كان يقتضي أن المسلمين لن يكملوا عمرتهم في هذا العام، النبي صلى الله عليه وسلم ذهب ليتحلل وأمر الصحابة أن يتحللوا وأن ينحروا بدنهم في الحديبية. طبعا كما قلنا أكثر الصحابة كان متألماً من داخله محترقاً على ما حدث، طب لماذا كل هذا الاحتراق؟

هناك حقيقة أمر ينبغي أن أذكره لتفهموا أكثر وأكثر إيش دوافع الصحابة؛ قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية، كان أخبر الصحابة وهو في المدينة أنه رأى رؤيا في المنام: «أنكم تدخلون المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون». هذا في المدينة قبل أن يخرج لصلح الحديبية كان أخبر الصحابة أنكم ستدخلون المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون.

لما النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يتجهزوا لعمرة الحديبية، كل الصحابة استعدوا بهذه النفسية: أن هذه العمرة سندخل فيها مكة آمنين ونحلق ونقصر ولا أحد يتكلم معنا، وإن شاء الله ستكون رحلة جميلة جداً.

الآن لما آلت الأمور إلى هذا المشهد أنهم ما استطاعوا أن يدخلوا مكة كما كان هذا في حسبانهم، وأنهم اضطروا للرجوع، وأنهم سيعودون العام القادم، هذه كما نقول في عاميتنا كسفة لنفوسهم؛ شعروا أنهم كشفوا وأنهم ما استطاعوا أن يحققوا آمالهم وأمنياتهم أن يدخلوا البيت الحرام آمنين مطمئنين. فهذا زاد من حزنهم في قلوبهم.

فلما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا في الحديبية وأن ينحروا، ابتداءً بقي الصحابة جالسسين، ما أحد تحرك، الكل مصدوم من المشهد، الكل مصدوم أن هذه العمرة لن تتم، لن نستطيع أن نحقق الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم.

فالنبي صلى الله عليه وسلم تفاجأ كيف أن الصحابة الذين عادتهم أن يهبوا لأي أمر منه هبة رجل واحد، في هذا الموقف وقفوا مدهوشين، ما استطاعوا في تلك اللحظة أن ينفذوا الأمر. فدخل على بيت أم سلمة حزيناً مكتئباً بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، فرأت أم سلمة الحزن في وجهه فقالت: ما الذي أحزنك يا رسول الله؟ فقال:

كيف لا أحزن وأنا أمر بالأمر فلا يتبع؟ يعني كيف لا أحزن يا أم سلمة؟ وها أنا أمر أصحابي بالأمر فلا يتبعوني ولا يفعل ما أمرهم وأوجههم إليه. فأم سلمة المرأة الحكيمة، وانظروا الرجل حينما يستشير يستشير زوجته ويستفيد من نصائحها. حتى النساء تستشارنا ويستفاد من نصائحهن فإنهن ينطقهن الله عز وجل بالحكمة. هذا النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ نصيحة زوجته ويحدثها ويشاورها في أمر عظيم من أمور المسلمين. انظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم القائد.

ما دخل على أم سلمة طبعا هي ليست بيته، طبعا هي الخيمة التي كانت فيها أم سلمة لأنهم كانوا في رحلة. لما دخل على الخيمة التي فيها أم سلمة ما قال: اذهبي عني، لا أرغب في الكلام معك، لأنه منزعج. يعني كثير من الأزواج اليوم حينما يدخلون إلى بيوت نسائهم ويكون منزعجاً أو أصيب بشيء تجده يدخل كل حزنه وكل غضبه ينفث في هذه الزوجة المسكينة، وهذا ليس من نهج محمد صلى الله عليه وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام بكل الحزن يدخل على أم سلمة وتحاوره ويحاورها ويتبادل أطراف الحديث. تشير عليه أم سلمة برأي يكون فيه صلاح المسلمين، وكما قال بعض العلماء يعني نجاة الصحابة من غضب الله سبحانه كيف لا تطيعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فأم سلمة أشارت برأي رشيد حكيم. قالت: يا رسول الله، اخرج إلى الصحابة فاحلق رأسك أمامهم، فإنك إذا حلقت اتبعوك جميعا. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعجبته هذه الفكرة من أم سلمة رضي الله عنها، وخرج ودعا الحلاق أمام الصحابة وحلق. الصحابة لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يحلق أمامهم، نظر بعضهم إلى بعض وبدأ كل رجل منهم يأخذ صاحبه من شدة الغلو القاهر يأخذ بعنق صاحبه ويجرها إليه ويبدأ يحلقها بالموسى. الموس كان مشهور عندهم في زمانهم، كما يروون، كان مشهد طريف أنه كل صحابي يأخذ بعنق صاحبه بالقهر. يعني خلاص الأمور انتهت، يعني سنفعل سنفعل، يأخذ بعنق صاحبه ويبدأ يحلق له إجباسا.

انتهى هذا المشهد. إذا النبي صلى الله عليه وسلم انتهى من صلح الحديبية، الصحابة تحللوا عادوا باتجاه المدينة، كما قلنا لتبدأ صفحة جديدة من صفحات الدعوة. الآن عشر سنوات الأصل ما في اقتتال، الكل لا أحد يغدر بغيره. فالنبي صلى الله عليه وسلم وجد فرصة جيدة جدا لأن يتوسع في دعوته وليصل إلى أناس لم يستطع الوصول إليهم قبل ذلك خشية من كفار قريش ومن حروبهم. الآن أمن النبي صلى الله عليه وسلم في مدينته واستطاع أن يرسل وفودا وفودا ويدخل الناس في دين الله أفواجا خلال سنتين فقط. يصل عدد المسلمين من ألف وأربعمائة خرجوا معه في الحديبية إلى عشرة آلاف سيدخلون معه مكة. هذه المشاهد وغيرها دعونا نكملها في مجلس آخر من مجالس غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ