بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي في مجلس جديد من مجالس غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، نطرق فيه باب علم جديد شريف، هذا العلم يتحدث عن حياة إنسان استطاع أن يغير هذا العالم ويعيد صياغته من جديد، وقدم للبشرية النموذج الأكمل والأسْمى والأعلى للإنسان على هذه الأرض. نعم، حديثنا في هذه المجالس عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم وسيره وأيامه. واعلموا رحمكم الله أن الحديث عن محمد صلى الله عليه وسلم وهديه وأخلاقه وشمائله وأيامه تنشرح له الصدور، وتزول به الهموم والغموم، وترتفع به الهمم.
كيف لا ونحن نتحدث عن المعلم الأول، والقائد الأعلى، والرسول المجتبى، وخيرة الله من خلقه؟ نعم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين، وهدى للناس أجمعين؛ جنهم وإنسهم، عربهم وعجمهم؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الشك إلى اليقين، ومن ضنك الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
ومن نظر أحبتي في حب الصحابة الكرام في حب الجيل الأول لمحمد صلى الله عليه وسلم، وما وقر في قلوبهم من إجلاله وتعظيمه وتوقيره، يدرك أن سر هذا الحب وسر هذا التوقير والإجلال والتعظيم يكمن في كمال اطلاعهم على هديه صلى الله عليه وسلم، وعلى شمائله وأخلاقه وصفاته وحسن معشره. شاهدوا ذلك بأعينهم، وسمعوه بآذانهم، فأسَرَّ قلوبهم حباً، وامتلك أفئدتهم طاعةً وانقياداً وتأسياً وشوقاً. فسطروا لنا أجمل قصص في الدفاع والتضحية عنه صلى الله عليه وسلم، وفي الوفاء له، وفي التأسي بهديه وخلقه وسيرته وسنته.
نعم، قصص تروى وكأنها الخيال تحكي لنا قصة عشق وشوق وحب بين الصحابة الكرام وبين معلمهم ومربيهم محمد صلى الله عليه وسلم. هذه القصص لم توجد في أكاسرة ولا في القياصرة ولا في الجبابرة ولا في ملك من ملوك الأرض، وجدت هذه القصة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين صحبه رضوان الله تعالى عليهم. وإن كنا أحبتي لم نحظ بشرف الصحبة كما حظي الصحابة الكرام، ولم نكتحل برؤيته صلى الله عليه وسلم كما اكتحلوا، ولم نشنف أسماعنا بلذيذ كلامه كما سمعوا، لكن لا نستطيع أن نلحق بركبهم، وأن نسير بسيرهم، وأن نحذو حذوهم؟ فهذه أخباره صلى الله عليه وسلم محفوظة، وشؤونه منقولة. هذه سيرته العطرة وأحواله النضرة مبثوثات في كتب السير والآثار، نقلها لنا السلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم لنشاهد النبي صلى الله عليه وسلم كما شاهدوه. نقلوا لنا سيرته دقيق التفاصيل، ولم تُنقل حياة إنسان بتفاصيلها الدقيقة كما نُقلت حياة محمد صلى الله عليه وسلم.
نقلوا لنا أحبتي رمش عينيه وأظفار يديه، نقلوا لنا عدد الشيب في رأسه، نقلوا لنا وصف أسنانه بين شفتيه، نقلوا لنا تبسمه وغضبه وحزنه ودمعه وفرحه وأخلاقه وهديه بأدق التفاصيل. إذاً فالطريق الصحيح إذا أردنا أن نعمق جذور الحب في قلوبنا لمحمد صلى الله عليه وسلم، والطريق الصحيح إذا أردنا أن نروي هذا الحب لينمو عبر الأيام واللحظات والأنفاس، هو أن نتعرف على سيره وأحواله وأيامه وشمائله وأخلاقه. نعم، من كان بمحمد صلى الله عليه وسلم أعرف كان له أشد حباً وأكثر تعلقاً وشوقاً، ومن كان بمحمد صلى الله عليه وسلم أجهل كان حبه ضعيفاً هزيلاً لا يثمر.
نعم أحبتي، فرق بين حبين: حب مجمل تزعم فيه أنك تحب محمداً صلى الله عليه وسلم، لكنك لا تعرف شيئاً عن سيره وأيامه وأخلاقه وشمائله، فهذا حب ضعيف هزيل لا يورث تأساً وتعلقاً وشوقاً مع مرور الأيام. وهناك حب آخر، حب يقف فيه المحب على دقائق حياة المحبوب، على تفاصيلها، على أيامها ولياليها؛ هذا الحب هو الحب الصادق الذي يثمر مع الأيام تعلقاً وشوقاً وتأسياً واقتداءً بالنبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه.
إذاً المنهج الصحيح أن نتضلع من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، أن نمر على صفحات حياته صفحة صفحة، أن نمر بأنفسنا وأن نعلم أبناءنا ليبقى همسه صلى الله عليه وسلم في حياتنا ناصحاً ومربياً وموجهاً وآمراً وناهياً. من أجل كل ذلك عقدنا في غراس العلم هذا المجلس المبارك في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم من خلال منظومة مختصرة رائقة لطيفة توقفنا على أهم المشاهد في حياته صلى الله عليه وسلم. هذه المنظومة علينا أن نتعلمها نحن الكبار، وعلينا أن نحفظها لأبنائنا، فهي سهلة ميسرة. لكن ينبغي أن تكون هناك إرادة في التعلم، إرادة في الوقوف على هدي محمد صلى الله عليه وسلم، إرادة لتعميق جذور الحب له صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
هذه الأرجوزة التي بين أيدينا أحبتي هي الأرجوزة الميئية في حال أشرف البرية، نظمها العلامة الكبير والإمام النحرير علي بن علاء الدين الدمشقي، المشهور بابن أبي العز الحنفي، إمام كبير من علماء أهل السنة والجماعة. ولد عام إحدى وثلاثين وسبعمئة للهجرة، وتوفي عام اثنتين وتسعين وسبعمئة لهجرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وسميت بالأرجوزة لأنها جاءت على بحر الرجز. وهذا البحر في الجملة أحبتي أكثر علماء الشريعة من نظم العلم عليه؛ فتجد المنظومات الأصولية والنحوية والعقدية وكذلك في السيرة تنظم على بحر الرجز. لماذا؟ لأنه بحر سهل يمكن أن تحفظ عليه المنظومة بسهولة، لذلك أكثر العلماء من نظم المنظومات عليه.
وسميت بالمئية لأنها من مائة بيت، هي مائة بيت في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم. انظروا كم هذه المنظومة مختصرة لكن فيها علم شريف ووقائع عظيمة، من حفظها نال علماً غزيراً بإذن الله بعد أن يستشرحها شرحاً وافياً. وقد قررنا أيضاً في هذه الدورة أحبتي أن نقرأ كتاباً مختصراً في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والكتاب الذي قررناه هو كتاب الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعلينا دائماً في هذه المجالس أن نكثر من الصلاة والسلام على محمد عليه الصلاة والسلام. نعم دائماً أكثروا، اجعلوا ألسنتكم تلهج بالثناء والصلاة والدعاء على الحبيب المصطفى والنبي المجتبى. والله لو لم يكن لهذه المجالس فائدة إلا أن نديم الصلاة والسلام على حبيب القلوب بأبي هو وأمي لكفى بها، فكيف ونحن نقف على هديه وشمائله وأيامه وأخلاقه ونتعلم منها؟
إذاً أحبتي، كتاب السير الذي عليكم أن تقرؤوه، وسنقرأ بعض المشاهد منه في هذه المجالس، هو كتاب الفصول في سيرة الرسول للإمام ابن كثير الدمشقي رحمة الله تعالى عليه، المتوفى عام سبعمئة وأربعة وسبعين من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام. وهو كتاب مفيد جداً، نافع جداً لطالب العلم المبتدئ في علم السيرة. كتاب في صحيح السيرة، كتاب مختصر لكن اختصاره ليس مخلاً؛ وقف على أهم مشاهد السيرة وسردها لطالب العلم، فينبغي أن يقرأ هذا الكتاب بتمعن. وليس هذا الكتاب بالحجم الكبير، وليس فيه استطراد ولا يوجد فيه حشو، لذلك هذا الكتاب أرى أنه ينبغي أن يقرر في المعاهد وفي الجامعات ويدرس في المراكز وفي المساجد، لأنه احتوى على السيرة الصحيحة لمحمد صلى الله عليه وسلم باختصار ووضوح وجلاء في العبارة، وستلاحظونها أنتم ذلك بأنفسكم بإذن الله حين تشرعون في قراءة هذا الكتاب النافع العظيم.
وبالجملة أحبتي، فإن المصنفات والمنظومات التي كتبها أهل العلم في السير كثيرة ومتنوعة، واختلفت طرائق العلماء في التصنيف في علم السير في الحقيقة. وهناك علماء ركزوا على جوانب، وآخرون ركزوا على جوانب أخرى من هذه المسيرة العطرة، وبسبب هذا التباين في التصنيف واختلاف طرائق العلماء في التركيز على حياة محمد صلى الله عليه وسلم، تنوعت علوم السير. أنت الآن تظن أن السيرة النبوية هي مجرد علم واحد، لكن في الحقيقة بسبب تنوع العلماء في الجهات التي يدرسونها من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، تنوعت علوم السير إلى أصناف وأنواع متعددة، كلها في النهاية تصب في الحديث عن محمد صلى الله عليه وسلم، لكن كل نوع ركز على جهة معينة.
وسأذهب الآن إلى الشاشة لأعرض لكم باختصار بإذن الله أهم الفنون التي تدخل تحت علم السيرة النبوية. وتذكروا أن هذه الفنون ما سبب نشوئها؟ اختلاف طرائق العلماء في التصنيف والمواطن التي ركزوا عليها في حياة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فذاك ركز على جانب، وهذا ركز على جانب آخر، وهذا ركز على جانب ثالث. إذاً دعونا ننتقل لنتعرف على أهم الفنون التي تندرج تحت علم السيرة النبوية.
دعونا أحبتي نتعرف على أهم الفنون إذاً التي اشتملتها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بسبب اختلاف طرائق العلماء في التصنيف.
الفن الأول هو السرد التاريخي: السرد التاريخي لحياة محمد صلى الله عليه وسلم من مبدأها إلى منتهاها؛ تُسرد فيه أحداث سيرته صلى الله عليه وسلم وأهم مشاهد حياته سرداً تاريخياً من دون تطرق إلى الأحكام والفوائد والعبر التي تُستخلص منها. وهذا السرد التاريخي لربما هو الذي يذهب إلى أذهانكم حينما تسمعون علم السيرة النبوية؛ أي إنسان لو قلت له نحن ندرس السيرة النبوية، يذهب ذهنه إلى هذا العلم الأول من علوم السيرة النبوية، وهو العلم الذي اهتم بالسرد التاريخي لأحداث حياة محمد صلى الله عليه وسلم، من ولادته وحتى التحاقه بالرفيق الأعلى. وإمام هذا الفن هو الإمام محمد بن إسحاق رحمة الله تعالى عليه، فهو رأس كبير في المغازي مع غيره أيضاً من العلماء الذين صنفوا في هذا الباب، كابن سعد وكذلك ابن كثير في كتابه الفصول في سيرة الرسول وغيرهم من العلماء الأفاضل الذين اهتموا بالسرد التاريخي لحياة محمد صلى الله عليه وسلم. إذاً هذا هو النوع الأول من علوم السيرة النبوية، السرد التاريخي، وهو العلم المتبادر إلى أذهانكم في البداية.
النوع الثاني من علوم السيرة النبوية علم السنة: علم السنة أحبتي هو العلم الذي يركز على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أفعاله وتقريراته وعلى صفاته الخلقية والخُلُقية ليستخلص منها الأحكام والعقائد. وهذا النوع يهتم به الفقهاء كثيراً، هذا النوع هو الذي يهتم به الفقهاء لأن عملهم هو الذهاب إلى أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أفعاله، إلى تقريراته، ليستنبطوا منها الأحكام الفقهية والعقائد. ومن أشهر الكتب التي تتكلم عن علم السنة: كتب السنن المعروفة لديكم والمسانيد، ككتاب سنن أبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ومسند أحمد وغيرها من هذه الكتب التي تطرقت إلى علم السنة.
العلم الثالث علم الدلائل: علم الدلائل أحبتي هو العلم الذي يتحدث عن الأمارات، علامات التي تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته، الأمارات والعلامات التي تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته، سواء من كلام الأنبياء السابقين أو من كلام الكتب السابقة التي بشرت بمحمد عليه الصلاة والسلام، بل حتى من كلام الكهان الذين أعلم الناس بأن هناك زماناً قد أطل عليهم يخرج فيه نبي يغير معالم هذه الأرض. ويتكلمون فيه أيضاً الإرهاصات، ولادته وما ظهر قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم وقبل ولادته من الإشارات التي نبأت بقدوم نبي عظيم. هذه الأمور التي سردتها لكم اعتبروها من علم الدلائل: ما تكلم به الأنبياء السابقون من البشارة به، ما تكلمت به الكتب القديمة من البشارة به، ما تكلم به الأناس على أنواعهم من الكهان وغيرهم، ما حدث من إرهاصات أثناء ولادة آمنة رضي الله تعالى عنها للنبي صلى الله عليه وسلم وما حدث وما ذكر في تلك الولادة من الإشارات والأمارات الدالة على عظم شأن هذا المولود العظيم. ثم بعد ذلك طبعاً أهم الكتب التي صُنفت في الدلائل: كتاب دلائل النبوة للإمام أبي نعيم الأصفهاني رحمة الله تعالى عليه، وأيضاً كتاب دلائل النبوة للإمام البيهقي، وهذا كتاب شهير جداً، دلائل النبوة للإمام البيهقي من الكتب الشهيرة جداً في علم الدلائل. فهذا هو تصور مختصر عن علم الدلائل.
علم المعجزات: علم المعجزات هو العلم الذي يتحدث عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً الأمور التي خرق الله عز وجل فيها العادة لمحمد عليه الصلاة والسلام لتكون دليلاً على صدقه. وبعض أهل العلم يدخل علم المعجزات تحت علم الدلائل ويعتبره ضمن علم الدلائل، لأن الدلائل لو وسعناها كل ما يثبت صدق محمد صلى الله عليه وسلم فهو من علم الدلائل، والمعجزات تثبت صدق النبي عليه الصلاة والسلام فلا مانع من إدخالها تحت علم الدلائل، لكن بعض أهل العلم يفصلها ويعتبرونها علماً مستقلاً.
العلم الخامس علم المغازي: علم المغازي أيضاً هو شكل من أشكال فنون السيرة النبوية، ويتحدث عن مغازي النبي صلى الله عليه وسلم فقط، يركز على المغازي وما وقع في هذه المغازي من أحداث، من معارك، من نتائج. هذا العلم أيضاً من أصناف أو من طرق العلماء في التصنيف في السيرة النبوية: التركيز فقط على المغازي دون سائر الأحداث الأخرى. ومن أشهر الكتب التي كتبت في علم المغازي: كتاب المغازي.
ابن إسحاق رحمه الله عليه، وكتاب المغازي للإمام الواقدي، وأيضاً من علوم السيرة النبوية علم الخصائص. علم الخصائص علم يتحدث عن خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يشمل الخصائص التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء السابقين، وخصائص النبي صلى الله عليه وسلم التي اختص بها عن أمته، سواء اختص بها حكماً وفعلاً أو في الحكم فقط.
فكما تعلمون في الفقه هناك مسائل يقولون هذه من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، كنكاح أكثر من أربع مثلاً؛ فهذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك مثلاً الوتر ذكر البعض أنه كان واجباً على النبي عليه الصلاة والسلام ومندوباً في حق أمته، فبالتالي يكون من خصائصه. إذاً هناك باب أو علم يسمى علم الخصائص، يركز فقط على دراسة ما هي خصائص النبي عليه الصلاة والسلام التي اختص بها عن الأنبياء السابقين والتي اختص بها عن أمته، ويدخلون فيها أيضاً خصائص هذه الأمة، الأمة المحمدية، عن الأمم السابقة، البعض يدخلها ويبحثها أيضاً تحت علم الخصائص.
العلم السابع: علم حقوق النبي عليه الصلاة والسلام. ما هي حقوق النبي صلى الله عليه وسلم علينا؟ وما واجباتنا تجاه هذا النبي العظيم؟ من المحبة، والتصديق، والانقياد، والنصرة، والتوقير، والإجلال، والاتباع، والتعلق، والشوق، كل هذه الأمور تسمى حقوق النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا يسمى علم الحقوق، علم حقوق النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أشهر من صنف فيه الإمام القاضي عياض في كتابه الشفاء في أحوال النبي أو في كتاب الشفا في حقوق النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا علم آخر أيضاً من علوم السيرة النبوية.
وأيضاً هناك علم بعده يأتي علم الشمائل. علم الشمائل علم يركز على صفات النبي صلى الله عليه وسلم الظاهرة والباطنة، ويركز على أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم؛ كيف كان يفعل في مطعمه ومشربه وملبسه وذهابه وعودته ودخوله وخروجه، ويتكلمون فيه أيضاً عن أسماء دوابه وسيوفه ورماحه، يتحدثون فيه إذاً عن الأخلاق والسمات والشمائل والصفات الظاهرة والباطنة له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو فن لطيف من فنون السيرة النبوية، ومن أفضل وأشهر الكتب التي كتبت في علم الشمائل كتاب شمائل النبي صلى الله عليه وسلم للإمام الترمذي رحمه الله عليه، وهو كتاب مشهور يقرأ ويسند به.
أذهب إلى العلم التاسع والأخير من علوم السيرة النبوية وهو علم فقه السيرة. علم فقه السيرة في الحقيقة لربما أقول إنه علم ظهر متأخراً في الأزمنة المتأخرة، ولا أذكر أني وقفت على كتاب بهذا النمط من الكتب المتقدمة، وإنما ظهر التصنيف بهذا الشكل في الأزمنة المتأخرة. ما معنى فقه السيرة؟ هو أن تسرد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتركز على استنباط الفوائد والعبر منها؛ يأتي المصنف يسرد السيرة، مشهد من مشاهد السيرة، ثم يستخلص منها الفوائد والعبر والسياسة الشرعية والأحكام القضائية وكيف تصرف النبي صلى الله عليه وسلم وهذا المشهد على ماذا يدل، هذا يسمى فقه السيرة، أن تدرسها دراسة أصولية تحليلية وليس مجرد سرد تاريخي. ومن أشهر الكتب التي كتبت على هذا المنوال كتاب السيرة النبوية دروس وعبر للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى عليه، والكتب كثيرة أيضاً في هذا النمط في واقعنا المعاصر.
إذاً أحبتي، أنا باختصار حاولت أن أجمع لكم أهم فنون العلوم التي تدون تحت السيرة النبوية، فعلم السيرة النبوية علم واسع اشتمل على كل هذه الفنون، ولو لاحظتم أن كل هذه الفنون في النهاية تصب حول حياة شخص واحد، حول حياة محمد صلى الله عليه وسلم، لكن كل إمام وكل مصنف تطرق إلى هذه الحياة من جانب؛ هناك من يهتم بالسرد التاريخي، هناك من يهتم بعلم السنة واستنباط الأحكام، هناك من اهتم بدلائل نبوته ومعجزاته، هناك من بمغازيه فقط، هناك من اهتم بخصائصه، هناك من اهتم بحقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، هناك من اهتم بأخلاقه وصفاته، وهناك من اهتم باستنباط الدروس والعبر من سيره، وكلها في النهاية تدخل تحت هذا العلم، علم السيرة النبوية.
إذاً دعونا الآن نعود إلى مجلسنا لنكمل حديثنا في هذه المحاضرة، والآن ننطلق بإذن الله إلى الكلام عن المبادئ العشرة لعلم السيرة النبوية في غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. يهتم العلماء أحبتي في بداية تعليمهم للعلوم الشرعية عموماً، سواء في الفقه أو النحو أو اللغة أو الأصول أو الاعتقاد، بل حتى السيرة، بتعريف الطالب المبادئ العشرة للعلم الذي يريد أن يقتحمه ويبدأ بدراسته، وهذه المبادئ العشرة نحن في غراس العلم كما تلاحظون نحاول أن نبينها للطالب؛ لأنها في الحقيقة مدخل مهم يساعد الطالب على تصور هذا العلم الذي يقدم على دراسته، يساعد الطالب على تصور هذا العلم نوع تصور، طبعاً أنت في المبادئ العشرة فقط تأخذ فكرة عامة جداً جداً عن هذا العلم قبل أن تدخل في مسائله.
فالمبادئ العشرة مهم جداً أن يتقنها الطالب في كل علم من علوم الشريعة أو علوم اللغة التي يتعلمها، أن يقف عندها وأن يحللها وأن يفهمها؛ لأنها تعطيك تصوراً واضحاً عن هذا العلم الذي تريد أن تلج فيه، وأما أن يشرع الطالب مباشرة في مسائل العلم وهو لا يملك صورة مسبقة عن هذا العلم، فهذا في الحقيقة ليس من المنهج السديد في التعلم. أنت في العلم أهم شيء أن تخرج بتعريف العلم الذي تريد أن تدرسه، بحقيقته، بموضوعه، بأهميته؛ تعرف أهمية هذا العلم، هذا موضوع مهم جداً، لربما بعض العلوم تواجه أنه لا أهمية تخصك فتبعده عنها ولا تستمر في دراستها، فمعرفة ثمرة هذا العلم وفضل هذا العلم وقيمة هذا العلم مع تعريفهم، هذا أمر أساسي ومهم جداً لطالب العلم قبل أن يلج ويقتحم العلوم بتعمق.
فدعونا إذاً نتعرف على المبادئ العشرة لعلم السيرة النبوية، لكن قبل ذلك علينا أن نعرف الطالب -وإن كنا تكلمنا عن ذلك في دورات سابقة- ما المقصود بالمبادئ العشرة؟ هذه المبادئ نظمها العلامة الصبان رحمه الله تعالى في ثلاثة أبيات رائقة يقول فيها -وأتمنى من الإخوة أن يعرضوها على الشاشة للطلبة-:
إِنَّ مَبَادِئَ كُلِّ فَنٍّ عَشَرَهْ ... الْحَدُّ وَالْمَوْضُوعُ ثُمَّ الثَّمَرَهْ وَنِسْبَةٌ وَفَضْلُهُ وَالْوَاضِعُ ... وَالاسْمُ الاسْتِمْدَادُ حُكْمُ الشَّارِعِ مَسَائِلٌ وَالْبَعْضُ بِالْبَعْضِ اكْتَفَى ... وَمَنْ دَرَى الْجَمِيعَ حَازَ الشَّرَفَا
إذاً هذه الأبيات تجمع لنا المبادئ العشرة عموماً، وعليكم أن تطبقوا هذه المبادئ على كل فن تدرسونه. إن مبادئ كل فن عشرة: ما هي؟ الحد، أي تعريف هذا العلم؛ موضوعه، موضوع هذا العلم الذي أريد دراسته؛ ثم الثمرة، ثمرة هذا العلم ما هي الفائدة من دراسته؟ نسبة، نسبة هذا العلم للعلوم الأخرى؛ وفضله، فضل هذا العلم بين العلوم الشرعية؛ والواضع، من أول من صنف في هذا العلم؟ الواضع هو أول من صنف وليس من أوجد العلم؛ والاسم، اسم هذا العلم؛ الاستمداد، مما استمد هذا العلم؛ حكم الشارع، ما هو حكم الله في تعلم هذا العلم؟ هل هو فرض عين، فرض كفاية، سنة؛ مسائل، أي مسائل هذا العلم، ما هي المسائل التي تدرس؟ ومسائل العلم هو كل شيء ستدرسه في العلم، هذا يسمى مسائل العلم. ومسائل والبعض بالبعض اكتفى، ما معنى هذا الكلام؟ أي بعض العلماء اكتفى بتدريس بعض المبادئ العشرة، ولم يدرسها بأسرها، ومن درى الجميع حاز الشرف، من يتعرف على كل المبادئ العشرة للعلم حاز الشرف والكمال.
دعونا إذاً أحبتي نطبق هذه المبادئ العشرة إذاً سريعاً على ماذا؟ على علم السيرة النبوية. نبدأ بالحد: إن مبادئ كل فن عشرة الحد، أي التعريف. ما تعريف علم السيرة؟ السيرة في اللغة هي الطريقة، سيرة فلان، سيرة فلان، سيرة فلان، وأنتم مثلاً حينما تقدمون لعمل لوظيفة ألا يقولون لكم قدموا لنا السيرة الذاتية؟ إذاً السيرة هي الطريقة. وأما السيرة في الاصطلاح الشرعي فهو العلم الذي يهتم بدراسة حياة محمد صلى الله عليه وسلم، منذ ولادته وحتى لحوقه بالرفيق الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه، هذا هو علم أو تعريف علم السيرة باختصار. فلو الشخص الآن سألك ما هو علم السيرة؟ تقول له هو علم يدرس حياة النبي عليه الصلاة والسلام من مبدئها إلى نهايتها. ولعل هذا التعريف لعلم السيرة النبوية يمس النوع الأول من علوم السيرة النبوية وهو السرد التاريخي، أليس كذلك؟ أظن أن هذا التعريف المشهور لعلم السيرة النبوية يمس النوع الأول من علوم السيرة التي ذكرناها لكم قبل قليل وهو علم السرد التاريخي، الذي يهتم بسرد حياة النبي صلى الله عليه وسلم من مبدئها إلى منتهاها. وعلم السيرة أصالة إذا أطلق فإنما يراد به السرد التاريخي، لكن أنا بينت لكم أنه في الواقع العملي أصبح علم السيرة يشتمل على عدة علوم أخرى تنضوي تحته. إذاً عرفنا تعريف علم السيرة.
انتقل إلى المبدأ الثاني: ما هو موضوع هذا العلم؟ موضوع هذا العلم هو حياة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أفضل شيء يمكن أن نعبر به. حياة النبي صلى الله عليه وسلم هي موضوع هذا العلم، والبعض يقول لا الموضوع هو نفس النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه أمور لا مشاحة فيها. فالمهم موضوع العلم يختلف عن العلم؛ العلم هي الأحداث والوقائع والمشاهد والصفات والأخلاق هذا هو علم السيرة، لكن موضوعه يعني ما هو المحور الذي يحوم حوله؟ المحور الذي يحوم حوله هو حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أو قل إن محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما أن علم الطب هو عبارة عن المسائل التي تتكلم عن الأمراض والصحة وتشخيصات الأمراض، ولكن ما موضوع علم الطب؟ بدن الإنسان. فموضوع العلم دائماً نقول للأحبة هو المحور، محور يدور حوله مسائل العلم، فدائماً أي علم تدرس عليك أن تعرف موضوعه، لا يصلح لك أن تستمر فيه وأنت لا تعرف ما هو الموضوع الذي أدرسه بالضبط. فموضوع علم السيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وأما علم السيرة فهي الأحداث والوقائع والمشاهد والأخلاق والصفات التي تتعلق بهذا الموضوع، أي بمحمد عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي.
انتهينا من المبدأ الثاني، إن مبادئ كل فن عشرة الحد والموضوع ثم الثمرة. ما أهمية هذا العلم؟ في الحقيقة ثمرة هذا العلم وأهميته سأؤجل الحديث عنها إلى نهاية محاضرة اليوم بإذن الله، يعني بعد أن أنتهي من المبادئ العشرة سأختم محاضرة اليوم بالحديث عن أهمية السيرة النبوية في حياتنا ولماذا نتعلمها. ثم إذاً ننتقل الآن إلى المبدأ الرابع: الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة، ما معنى النسبة؟ أي هذا العلم ما نسبته للعلوم الأخرى؟ هل هو من علوم الشريعة أم من علوم العربية أم من علوم الاجتماع؟ وهل هو من علوم الوسائل أم من علوم المقاصد؟ والنسب كثيرة. ونقول ابتداءً علم السيرة النبوية في الحقيقة هو من علوم الشريعة المشرفة، ليس من علوم النحو وليس من علوم الاجتماع، وإنما هو من علوم الشريعة المشرفة. وهل هو من علوم الآلات أو من علوم المقاصد؟ البعض قد يصنفه من علوم المقاصد، ولكن قد يكون أقرب إلى علم الآلة؛ لأن المقصود من الوقوف على حياة النبي عليه الصلاة والسلام أن نستخلص منها العبر وأن نأتسي ونقتدي بها، فالاقتداء والاتساء بمحمد صلى الله عليه وسلم هو المقصود، والوسيلة إلى تحقيق هذا الاتساع يكون في الوقوف على سيرته، فالوقوف على سيرته آلة تساعدك على أن تقتدي به وأن تأتسي به في أمور حياتك.
إذاً قال ونسبة وفضله والواضع، طبعاً الحد هو الموضوع ثم ثمرة ونسبة وفضل، طبعاً فضل هذا العلم ما فضل علم السيرة النبوية؟ طبعاً ما هو الفرق بين أهمية العلم وفضل العلم؟ فضل العلم يتكلم عن الشرف، نتكلم عن شرف هذا العلم ولا يخوض في الثمار المقصودة لذاتها من تعلم العلم، يتكلم عن شرف العلم عموماً، وشرف العلم يتبع شرف المعلوم، فكلما كان موضوع العلم ومعلوم هذا العلم شريفاً في نفسه، كلما كان هذا العلم أشرف وأفضل، لذلك علم الاعتقاد لما كان يتحدث عن الله سبحانه وتعالى كان أشرف علوم الشريعة؛ لأن موضوعه وحديثه يوم على الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وقضائه وقدره، لذلك كان أشرف علم. ثم تأتي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً علم جليل شريف جداً؛ لأن موضوعه يتحدث عن محمد عليه الصلاة والسلام بهديه وأخلاقه وشمائله، وهذا أيضاً شرف عظيم، فلذلك شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلوم هذا العلم هو النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً هو قطعاً علم شريف جليل لا يماري أحد في ذلك.
إذاً ونسبة وفضله والواضع، من الذي وضع لنا هذا العلم؟ العلماء يقولون واضع علم السيرة النبوية هم علماء السلف الذين نقلوا لنا حياة محمد صلى الله عليه وسلم، علماء السلف.
من الصحابة ومن التابعين الذين اشتركوا مع بعضهم البعض في نقل مشاهد هذه السيرة إلى الأجيال اللاحقة هم من وضعوا لنا هذا العلم. فلو سألت من هو واضع علم السيرة؟ فتقول: هم السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا، نسبة فضله والواضع، ما اسم هذا العلم؟ علم السيرة النبوية، هذا واضح وظنه جلي، إذا اسم العلم هذا أسهل مبدأ من المبادئ العشرة. الاستمداد: من أين استمد هذا العلم؟ من أين نأخذ مادة هذا العلم؟ أولاً من القرآن الكريم، ألم يشر القرآن الكريم لكثير من جوانب حياة النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته؟ بلى، إذاً القرآن الكريم. ثانياً من الآثار التي نقلها لنا السلف الصالح، الآثار المبثوثة في كتب المغازي وكتب السير وكتب السنن وكتب الصحاح والمسانيد هي التي نستخلص منها مادة هذا العلم. فالاستمداد أولاً من القرآن الكريم، وثانياً من كتب السنن والآثار التي تمت بنقل حياة النبي صلى الله عليه وسلم على اختلاف أنواعها.
حكم الشارع في تعلم هذا العلم، ما هو حكم تعلم هذا العلم؟ تعلم هذا العلم فرض كفاية، وإذا قام به من يكفي من الأمة سقط الإثم عن الباقين. لكن حتى لو كان فرض كفاية، لا ينبغي لمسلم صادق يحب محمداً صلى الله عليه وسلم حق المحبة أن ينصرف عن تعلم هذا العلم. لا بد أن يكون لك رصيد ولأبنائك رصيد في تحقيق هذا العلم وفي تحصيله، وإلا فمحبتك مدخولة، فعليك أن تنتبه لهذا.
مسائل العلم هي كل ما سندرسه في هذا العلم، هي كل الأحداث والوقائع والمشاهد التي سنقف عليها من مولده صلى الله عليه وسلم وحتى وفاته واللحاق بالرفيق الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه. وإياكم أن تسأموا من كثرة الصلاة والسلام عليه، اجعلوا هذه المجالس فرصة ليتكثر الصلاة على الحبيب المصطفى بأبي هو وأمي. والله أحبتي أننا مقصرون في الصلاة والسلام على هذا النبي العظيم، مقصرون ومفرطون، فنستغل مثل هذه المجالس المباركة بإذن الله حتى تلهج ألسنتنا بالصلاة والسلام عليه، لنروي نور الحب في قلوبنا، لنعمق هذا الحب لعله يثمر في قابل الأيام ائتساءً وشوقاً وتعلّقاً واشتياقاً له صلى الله عليه وسلم. نسأل الله أن يجمعنا به في الرفيق الأعلى، وأن يجعلنا بقربه في جنات النعيم، وألا يحرمنا من النظر إلى وجهه ومن التلذذ بسماع حديثه بأبي هو وأمي.
أختم هذا المجلس بالحديث عن أهمية السيرة. نحن قلنا لكم سنؤجل المبدأ الثالث من المبادئ العشرة وهو أهمية تعلم السيرة النبوية، أجلتها لكم لأنني سأختم بها، وأقف معكم هنا في أربعة مشاهد هي التي تدل على أهمية تعلم السيرة النبوية.
أولاً: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أحبتي تمثل لنا المنهج الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى للخلق، فهي تمثل الحياة المثالية التي يجب أن يحذو حذوها المسلم الذي يريد أن يصل إلى نهاية الطريق بسلام وأمان، مبتعداً عن الانحراف والزيغ والضلال والابتداع. وفي هذه الفترة أحبتي، الأمة تموج بها الفتن موج الجبال، وفي هذه الفترة الظلمات متراكمة، فأصبحت هناك حاجة ماسة لنقف على حياة محمد صلى الله عليه وسلم، ولنعرف كيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم الصعوبات والعوائق التي وقفت أمام دعوته، وكيف استطاع أن يحل هذه الصعوبات والعوائق والانحرافات باتزان وهدوء وعلم وحكمة. وأي إنسان يريد أن يغير حال هذه الأمة عليه أن يضع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نصب عينيه، وأن يعتبرها المثال والنموذج الذي يجب أن يقتدى به في أي عملية تغيير. وأي إنسان يريد أن يغير حال هذه الأمة وينهض بها من جوانب أخرى من دون اتساع والاقتداء بهذه السيرة العطرة، فاعلموا أن تجربته محكوم عليها بالفشل؛ هذه التجربة التي يجربها على هذه الأمة إذا لم تكن من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم منطلقة فهي محكوم عليها بالفشل ابتداءً.
لذلك نقول: لا يمكن أن تصل الأمة إلى تحقيق نهضة حقيقية، وإلى بناء حقيقي، وإلى إنجاز حقيقي، إلا من خلال اقتداء حقيقي بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، واستخلاص العبر منها، ومعرفة منهجه صلى الله عليه وسلم في التغيير. لأن منهجه في التغيير هو المنهج الذي يرتضيه الإله عز وجل، هذا تشريع من الله، سيرة نبوية ليست اجتهاداً من النبي عليه الصلاة والسلام بل هي تشريع رباني ضمنه الله سبحانه وتعالى في شخصه صلى الله عليه وسلم. إذاً هذه الفائدة الأولى: أن نعرف المنهج الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة جماعات وأفراداً لنحذو حذو هذا المنهج ونسير على منواله لنصل إلى بر الأمان بإذن الله، وهذا مقصد عظيم شريف جليل لا يمكن أن نصل إليه من دون دراسة في السيرة النبوية بتركيز واهتمام وتحليل ونظر وتمعن.
الفائدة الثانية والأهمية الثانية لدراسة السيرة النبوية أحبتي هو أن نروي جذور الحب في قلوبنا للنبي صلى الله عليه وسلم، وليزداد توقيره وإجلاله وتعظيمه واحترامه في حياتنا. فإن هذا الإجلال والتوقير كما ذكرنا وقررنا لا يمكن أن ينمو ولا يزداد إلا بازدياد تعرفنا على أحواله. عندما يتعرف المسلم كيف تعب النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف نصب من أجل أن يوصل هذه الدعوة إلينا، أصابه النصب والتعب من أجل أن تصل دعوة الإسلام إلى هذه الأمة بيضاء نقية على المحجة البيضاء. نعم أحبتي تعب عليه الصلاة والسلام، لكن من منا يعرف حجم هذا التعب؟ لا يعرفه إلا من درس سيرته دراسة محققة، عرف كيف حُصِر النبي صلى الله عليه وسلم في شعب أبي طالب، وكيف أوذي، وكيف ذهب إلى الطائف وضربوه بالحجارة، وكيف أُدمي في غزوة أحد، وكيف واجهه أعداء هذه الأمة ومكروا له من اليهود ومن المشركين ومن عبدة الأوثان. تقف على مشاهد الصبر والتعب والنصب في حياته صلى الله عليه وسلم، حينئذ صدقني ستحبه أكثر وأكثر. حينما تتعرف على النبي صلى الله عليه وسلم في علاقته مع ربه، في علاقته مع أزواجه، في علاقته مع أصحابه، في علاقته مع الأعراب، بل حتى في علاقته مع أعدائه، تنظر إلى الاتزان، إلى الهدوء، إلى الحكمة في التصرفات؛ صدقني ستحبه أكثر وأكثر. فإذاً نحن نتعلم سيرة النبي عليه الصلاة والسلام لنحبه، لنروي هذا الحب ليزداد ولينمو مع الساعات والأيام والأنفاس.
أيضاً أحبتي من فوائد دراسة السيرة النبوية أن يملك الإنسان سلاحاً قوياً في مواجهة الشبهات التي يثيرها أعداء الأمة حول شخصه عليه الصلاة والسلام وحول أحداث حياته. أعداء كثر دائماً يثيرون شبهات على المسلمين في هذا الجانب بالتحديد: لماذا فعل محمد صلى الله عليه وسلم كذا؟ لماذا تزوج أكثر من أربع نسوة؟ لماذا ولماذا ولماذا؟ وهناك أحبتي قصص موضوعة على النبي عليه الصلاة والسلام، وهناك قصص مجتزأة من سياقها، وهناك قصص لا يمكن أن تفهمها إلا بجمع أحداث السيرة بعضها مع بعض فتكتمل عندك الصورة. فإذا أردت أن تحارب الشبهات وتملك سلاحاً قوياً لمواجهتها في حياتك، الشبهات التي يثيرها أعداء الأمة حول حياة محمد صلى الله عليه وسلم، فعليك بعلم السيرة النبوية تدرسه محققاً معمقاً، هذا بإذن الله يكون كفيلاً في رد أي شبهة يثيرها أعداء الأمة على ذهنك وعلى فكرك.
المقصد الرابع أو الأهمية الرابعة والأخيرة التي أريدها في هذا الباب هو أن تعلم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والوقوف على مشاهد حياته يجدد انتماءنا لديننا ويزيد علاقتنا بهويتنا الإسلامية. فأنت حينما تدرس السيرة أنت ترتبط بعماد الدين، بالأساس الذي انطلق منه الدين في حياتنا بمحمد صلى الله عليه وسلم، هذا الارتباط الوثيق يجعل عندك انتماء، يجعل عندك هوية إسلامية، يجعل عندك وعي إسلامي. أحبتي لو نظرتم في الأديان الأخرى، في اليهود والنصارى وفي غيرهم، تجدون معرفة الشخص منهم بسيرة أنبيائه وبكتبه وتعاليم دينه معرفة هزيلة ضعيفة جداً، لذلك تجد انتباههم لأديانهم انتماء ضعيفاً هشاً لا يقوى مع الحياة المادية. أما المسلم فانتماؤه لدينه قوي، وهذا الانتماء يزداد أكثر وأكثر حينما يتعرف على النبي الأمي محمد عليه الصلاة والسلام، ويتعرف على سيرته وأحواله وأيامه، فيشعر بهذا الانتماء ينمو أكثر وأكثر مع مرور الأيام. والله أحبتي من أدام النظر في كتب السير، ومن أدام النظر في كتب السنن وفي كتب المغازي وفي كتب الدلائل وفي كتب الخصائص، سيشعر بهذا الانتماء، سيشعر بهذا الارتباط، سيشعر بهذا الحب وبهذا الشوق.
لذلك علينا أن نعلم السير لأزواجنا، أن نعلم السير لأبنائنا، بدلاً من أن يبقى أبناؤنا على شاشات التلفاز ينظرون إلى المشاهد القبيحة أمام وسائل التواصل الاجتماعي، علينا أن نوجههم إلى تعلم سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم لنزيد انتماءهم إلى هذا الدين. الإمام علي بن الحسين زين العابدين يقول: كنا نعلم السيرة أو أحوال النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن. هكذا كان السلف الصالح، كانوا يحرصون على تعليم أبنائهم السير والوقائع في حياة النبي عليه الصلاة والسلام كما يعلمونهم السورة من القرآن. إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص يقول: كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول لنا: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها. انظروا كيف يصنعون الانتماء، انظروا كيف يغرسون الهوية، انظروا كيف يغرسون بذور الحب في قلوب أبنائهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، في صغرهم يعلمونهم كيف غزا النبي صلى الله عليه وسلم، كيف صبر، كيف تعب، كيف واجه، يعلمونهم أخلاقه وشمائله وهديه حتى يبقى محمد صلى الله عليه وسلم هو القدوة المثلى في حياة أبنائنا، هو النموذج الأسمى، هو المنهج الذي يسير أبناؤنا على منواله فتبقى سيرهم عطرة وأحوالهم على استقامة.
بدلاً من أن تصنع لهم وسائل الإعلام نماذج قذرة من اللاعبين والمغنيين والفجار والفسقة، اصنع أنت القدوة لابنك منذ صغره، عرفه بنبيه، اجعل جذوة الحب تشتعل في قلبه من الصغر، اجعل هذا الطفل يشعر بهذا الارتباط العميق عبر التاريخ بنبي عظيم، هو المعلم الأول والقائد الأعلى، نعم هو محمد صلى الله عليه وسلم. إذا لم نرتبط به منذ الآن، إذا لم نربط أبناءنا به من صغرهم، متى يرتبطون به؟ حينما يكبرون، إذا كبر أبناؤنا أحبتي فاعلموا أن هناك من صاغ عقولهم بعيداً عن منهج الإسلام الصحيح. إياك أن تنتظر بابنك حتى يكبر لتوقفه على أحداث وحياة محمد صلى الله عليه وسلم، من الآن اعقد في بيتك مجلساً أسرياً لطيفاً تجمع فيه زوجتك مع أبنائك، وتعلمهم سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وتقص عليهم هذه السير بأسلوب لطيف تحببهم بهذا النبي العظيم، وتعلمهم أن لهم آباء وأجداداً من الصحابة الكرام بذلوا وضحوا ودافعوا عن محمد صلى الله عليه وسلم وعن رسالته. هكذا ينمو الحب، وهكذا تصنع الحضارة، وهكذا تتحقق النهضة، وهكذا نصنع واقعاً جديداً لأمتنا بإذن الله.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يعيننا على تعميق جذور الحب في قلوبنا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن يعيننا على أداء حقوقه علينا بأبي هو وأمه صلوات ربي وسلامه عليه. في المجلس القادم أحبتي، دعونا ننطلق في دراسة هذه السيرة العطرة، ونقف على مبدأها ومعالمها من نسبه عليه الصلاة والسلام، سنبدأ من بداية الأمور التي بدأ بها علماء السير، يذكرون نسب النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ننطلق لنروي جذور الحب، فانتظرونا في مجلس قادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل