تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (7)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح الأرجوزة المائية للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حيّاكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح نظم الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية للإمام ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه. وما زلنا نسير مع هذا الإمام وهو يتحدث عن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم لنزداد تعرّفاً له، وشوقاً إليه، وحبّاً وتعلّقاً بهذا النبي العظيم صلوات ربي وسلامه عليه. ننظر كيف تعب النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أصابه الجهد والهموم والابتلاءات حتى يصل إلينا هذا الدين غضّاً طريّاً، نحيا فيه في مجتمعاتنا بأمن وإيمان وسلامة وإسلام.

نعم، محمد صلى الله عليه وسلم أحبتي مهما ذكرنا في وصفه، ومهما تعرّفنا على أحواله وأخلاقه وهديه وشمائله، فإننا لن نقدره قدره ولن نعرف حقّه حقّ معرفة بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. فهو إنسان فرد خرج في عالم مليء بالجاهلية العمياء، خرج ليدعو الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. جاء فرداً وتحمّل أعباء هذه الدعوة المباركة على كاهله، لتصل إلى الأجيال اللاحقة، ولتصل رسالة التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلى الآفاق، ليخرج الناس من الحيرة والجهل والشك والشرك والظلم إلى العدل والرحمة والإنصاف والخير، فصلوات ربي وسلامه عليه.

في المجلس السابق أحبتي تحدثنا عن حادثة الإسراء والمعراج، وتوقفنا عندها. حادثة الإسراء والمعراج عرفنا أنها وقعت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين أو ثلاث على خلاف بين علماء السير. عرفنا أن هذه الواقعة كانت تثبيتاً من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد أن ابتلي بالبلاء الشديد بوفاة زوجته الصابرة المؤمنة خديجة بنت خويلد، ووفاة عمه الذي كان مناصراً له أبي طالب، فجاءت حادثة الإسراء والمعراج تثبيتاً وتسلية وتضميناً من الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 3]، فكانت هذه الواقعة مصداقاً لهذه الآية والسورة المباركة. عرفنا الإسراء والمعراج وما وقع فيه من التفاصيل، واليوم أحبتي نعود لنكمل في رحلة النبي صلى الله عليه وسلم وما هي الأحداث التي تبعت الإسراء والمعراج.

تروي لنا كتب السير أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه أبي طالب خصوصاً كان يكثر من عرض نفسه على القبائل التي كانت تأتي إلى مكة في مواسم الحج. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغل هذه الفرصة، يستغل وجود قبائل عديدة من العرب تجتمع في موسم الحج ليعرض نفسه عليها، لعل قبيلة من هذه القبائل تتبنى هذه الدعوة المباركة، فينتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جوارها بدلاً من أن يبقى محارباً من قومه وأهل مكة عموماً.

فالنبي صلى الله عليه وسلم عرض نفسه على عدد من القبائل، يروي لنا ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض نفسه على قبيلة كندة. قال ابن إسحاق: حدثنا ابن شهاب الزهري أنه صلى الله عليه وسلم في موسم الحج عرض نفسه ودعوته على قبيلة كندة في منازلهم التي نزلوا فيها في مكة، وفيهم سيد يقال له مليح، فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه. قبيلة كندة من القبائل المشهورة عند العرب ومنها كان الشاعر المعروف امرؤ القيس، النبي صلى الله عليه وسلم عرض دعوته عليهم وعرض عليهم الإسلام وأن ينصروه ويعاونوه، فأبوا أن يدخلوا في هذا الدين.

أيضاً من القبائل التي عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه عليها قبيلة بني عامر بن صعصعة، يقول ابن هشام: دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له بحيرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله عز وجل على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟

إذاً، هذا الرجل هو بحيرة بن فراس فيما يظهر كان يبحث عن ملك، يبحث عن عز وفخر له في العرب، ما كان يبحث عن دعوة وعن إيمان وعن نصرة لدين الله سبحانه وتعالى. فهو أولاً قال لقومه: لو أننا أخذنا هذا الفتى لملكنا به العرب، ثم خاطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا محمد، لو أن الله نصرك وعلا شأنك، هل سيكون لنا الأمر من بعدك في الخلافة والملك؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ قال: «الأمر لله يضعه حيث يشاء».

إذا كنتم ابتداء تريدون أن تدخلوا في هذه الدعوة بهذه النية الفاسدة وطلباً للملك، فنحن لا نريد منكم القبول؛ نحن نريد أناساً يحملون هذه الدعوة نقية طاهرة لأجل الله سبحانه وتعالى، والشيء الوحيد الذي أعدهم به هو الجنة، هذا هو الشيء الوحيد الذي أعدكم به، وإلا فأمور الدنيا الملك فيها لله يضعه حيث يشاء. فقال له هذا الرجل: أفنهدف للعرب دونك؟ يعني تريد منا أن نقاتل العرب دونك ونحميك، فإن أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك. انظروا إذاً الدواعي التي كانت سائدة عند القبائل العربية: تريد الملك، تريد النفوذ، تريد السيطرة، وهذا للأسف حال هذه القبائل التي كانت متناحرة في جزيرة العرب.

أيضاً يروي عبد الله بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة، وأيضاً هؤلاء من جهة نجد، أتاهم في منازلهم فدعاهم إلى الله سبحانه وتعالى فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردّاً منهم؛ ردّوا على النبي صلى الله عليه وسلم ردّاً قبيحاً.

ويروي لنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه فيما أخذه من كبار الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يجول في الموسم على القبائل ليعرض نفسه عليها، كان يتبعه دائماً عمه أبو لهب. فكلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبيلة يعرفهم بالله سبحانه وتعالى ويدعوهم إلى التوحيد ويخبرهم بالثمن الذي يعدهم الله عز وجل به إن أطاعوه واتبعوه في الجنة، كلما أتى إلى قبيلة يكون عمه أبو لهب عليه من الله ما يستحق خلفه، بمجرد أن ينتهي النبي صلى الله عليه وسلم من خطاب هذه القبيلة يصعد أبو لهب ويقول لهم: إياكم أن تصدقوا هذا الرجل فإنه يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى، ويريد منكم أن تخرجوا من دين آبائكم إلى دين جديد. ويبدأ يسيء برأي النبي صلى الله عليه وسلم ويهون من هذا الأمر. فالقبائل حينما ترى عم هذا الرجل يحذر الناس منه وينفرهم من اتباعه، فكثير من القبائل كانت تأخذ هذا المنحى: دعوه مع قومه، هم بأنفسهم يتفاهمون مع بعضهم البعض، أما نحن فما لنا ولهذا الأمر؟

إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على القبائل رجاء أن يفتح الله سبحانه وتعالى على قبيلة من هذه القبائل فتتبنى هذه الدعوة المباركة، وفعلاً جاء الأمر الإلهي والإذن الإلهي في أحد مواسم الحج. أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو سائر في طريقه يتفقد القبائل، مر به ستة أو سبعة أشخاص من قبيلة تدعى الخزرج، وهذه القبيلة كانت تسكن في يثرب التي هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وأصبح اسمها طيبة أو المدينة النبوية. إذاً ستة أو سبعة أشخاص من قبيلة الخزرج أتوا إلى موسم الحج ليشهدوا الموسم، فالنبي صلى الله عليه وسلم مر بهم وسألهم: من أنتم؟ وما الذي جاء بكم؟ إلى آخر التفاصيل التي سنسردها إن شاء الله الآن من كلام ابن هشام.

يقول ابن هشام رحمة الله عليه: لما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً.

وهنا أحبتي دعوني أتوقف عند هذا المشهد، وانظروا إلى دقة كلام ابن هشام؛ قال: لما أراد الله بنبيه خيراً وأن يعزّه. هذا أحبتي يدل على أمر معين في فقه الدعوة إلى الله عز وجل وفي البناء الحركي والدعوي لهذه الأمة، وهو أن لحظة الانتصار ولحظة التقدم النهائية هذه لحظة تُترك إلى أقدار الله سبحانه وتعالى، وليس لإنسان أو داعية أن يستعجلها وأن يقطفها من عنده. ما معنى هذا الكلام أكثر يا شيخ؟

نحن علينا أحبتي في حياتنا الدعوية أن نبذل الأسباب بالدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى، والثبات على المبادئ العقدية الحقّة، ولا نساوم على شيء من هذه المبادئ، ولا نجعلها في المزاد: من يعطينا ملكاً أو يعطينا سلطة أو وزارة فإننا نساومه على مسائل الاعتقاد. كلا، إن فقه الدعوة يعني أن نثبت على دين الله، على المبادئ العقدية الثوابت التي لا تقبل التغيير والمساومة، ونبقى ندعو إلى الله سبحانه وتعالى. وأما اللحظة التي سيأتي فيها النصر، وتنتقل فيها هذه الدعوة من السرية إلى العلنية، ومن العلنية إلى المواجهة والحرب العسكرية، فهذا كله في أقدار الله سبحانه وتعالى؛ هو الذي يختار لنا الوقت واللحظة المناسبة للانطلاق في هذه الميادين.

وأما استعجال قطف الثمار قبل أن يحين وقتها فهذا في الحقيقة هدر للجهود الدعوية العظيمة التي بُذلت عبر السنين. برأيكم أحبتي، النبي صلى الله عليه وسلم هل كان عنده حساب معين أنني سأدعو عدة سنوات في مكة ثم سأذهب إلى المدينة لأتولى حكمها؟ هل كان هذا في حسابه؟ هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أنه سينتقل إلى المدينة وسيؤمن به الأوس والخزرج؟ أم جاءت هذه اللحظة لحظة قدرية من دون أن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم بها، مكافأة من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم على ثباته وصبره طوال تلك السنوات التي فاتت؟ أليس هذا هو الواقع؟

نعم، النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه رؤيا أنه سيهاجر إلى أرض جرداء وفيها نخل وما شابه ذلك، لكنه ما كان يعرف بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه ما هي هذه الأرض؟ وما طبيعة أهلها؟ وأين محلها بالضبط؟ فلذلك كان يبذل الأسباب التي أمره الله عز وجل بها: الدعوة إلى دين الله، مواجهة المشركين بالحجة والبيان والقول، ولم يؤمر لا بحرب ولا بالدفاع العسكري، ولم يؤمر أيضاً بأن ينتقل هو بنفسه إلى المرحلة النهائية؛ مرحلة بناء الدولة في المدينة النبوية. هو بقي قائماً على الأسباب الشرعية وينتظر اللحظة المناسبة لينتقل فيها إلى مدينة أخرى ينصر فيها دعوته ويقيم بها هذه الدولة المباركة، دولة الإسلام ودولة التوحيد.

فما أريد أن أقوله هنا أن كثيراً من الدعاة للأسف من أجل الاستعجال ومن أجل قطف الثمرة بشكل مبكر تجدهم يقفزون مراحل ويحملون الدعوة وأبناء الدعوة ما لا يطيقون، فتضيع هذه الثمرة؛ ثمرة الدعوة وثمرة البذل والعطاء على مدة سنوات طوال تذهب في لحظة واحدة، وتنتهي هذه الدعوة وهذا المسلك الدعوي الذي سلكه فلان. إذاً علينا أن نكون على وعي من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وألا نصاب باليأس أيضاً من زاوية أخرى، لأن بعض الناس يقول: يا شيخ، متى النصر؟ ومتى ستقوم هذه الأمة؟ ومتى ستنهض من جديد؟

فانظر في حال هذا السائل الذي يسأل متى النصر ومتى ستنهض هذه الأمة؛ انظر في صلاته، في تمسكه، في علاقته بربه؛ فإذا العبادة هزيلة، وإذا العلاقة بالرب ضعيفة، وإذا هو يقدم هواه على شرع الله سبحانه وتعالى، وإذا هو ينتظر اللحظات ويقتنصها من أجل أن يفعل المحرمات وينظر إلى ما يغضب الرب سبحانه وتعالى. فانظر في حاله، ويتساءل هذا الرجل لماذا يسأل عن النصر الإلهي ومتى تنهض هذه الأمة وهو لم يأخذ بالسبب بعد؟ هو في نفسه وفي أمور أسرته لم يراقب الله سبحانه وتعالى، لم يبذل جهداً في الحفاظ عليها وعلى قيمها وعلى أخلاقها وعلى سلوكياتها وعلى التزامها بالحرام والحلال.

عندما تكون أنت مواظباً على حدود الله سبحانه وتعالى وتأخذ بالأسباب وتستمر وتتعب، تأتيك الجائزة في الوقت المناسب الذي يختاره الله سبحانه وتعالى وليس في الوقت الذي تختاره أنت، ولربما أيضاً لا تأتيك في هذه الدنيا؛ لربما أنت تبذل الأسباب وتنتهي القصة والحكاية في هذه الحياة وتطوى تحت التراب، والنصر يأتي بعد ذلك بسنوات وسنوات. لكن المهم أنك ثبتّ على المبادئ الحقّة ولم تساوم عليها، ولم تلعب بدين الله سبحانه وتعالى، ولم تكن إنساناً متفرجاً تسأل عن النصر وأنت لا تبذل له الأسباب.

فما أريد أن أختم به إذاً الآن أن النبي صلى الله عليه وسلم في لحظة قدرية الله سبحانه وتعالى هو الذي هيأها له، كان على قدر بلقاء شباب من الخزرج؛ هكذا هو يسير في الموسم فجأة لقي شباباً من الخزرج من دون ميعاد سابق، لكن الله سبحانه وتعالى يعلم ما هو مخبأ له. فلقي هؤلاء الشباب، فانظروا في الحوار الذي دار بينهم؛ لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «من أنتم؟» فقالوا: نفر من الخزرج، فقال: «أمن موالي اليهود؟» لأن اليهود كانوا يسكنون يثرب.

قالوا نعم. قال: «أفلا تجلسون؟ أكلمكم؟ دعونا نجلس نتحدث». قالوا: بلى، تجلس ما عندنا مشكلة. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، بينما كان الخزرج والأوس أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوههم ببلادهم. فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبياً مبعوثاً الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

يخبر ابن هشام أن اليهود كانوا قد غزوا المدينة وأقاموا بها وسكنوا مع الأنصار، مع الأوس والخزرج، في هذه المنطقة، وكان بين اليهود وبين الأوس والخزرج مواجهات ومنافحات، فكان اليهود دائماً يتوعدون الأوس والخزرج ويقولون: انتظروا علينا، أنتم تقاتلوننا الآن، انتظروا؛ فإن هذا زمان يطل فيه نبي جديد على هذه الأمة، وسنؤمن به ونقاتلكم معه. فكان الأوس والخزرج يسمعون هذا كثيراً من اليهود أن هناك نبياً سيخرج. واليهود هم أهل كتب سابقة، فهم يعلمون فعلاً أن موعد خروج النبي الجديد اقترب، لكن ما كانوا يظنون أن هذا النبي سيكون من العرب وليس منهم.

فالمهم، الأوس والخزرج كانوا يسمعون كثيراً من اليهود ذاك التهديد وذاك الوعيد: بأننا سنقاتلكم أيها الأوس والخزرج بهذا النبي العظيم الذي قد أطل زمانه. الخزرج وهم يتحاورون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويتبادلون معه الكلام في الدعوة والتوحيد والدين الجديد، تذكروا تلك القصة التي كان اليهود يهددونهم بها، قصة النبي الجديد الذي أطل زمانه. فماذا قال بعضهم لبعض؟ فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه.

أصبح الخزرج، هؤلاء النفر الستة أو السبعة، يتحدثون مع بعضهم يقولون: والله إن هذا الرجل هو النبي الذي يخوفكم به اليهود، فدعونا نسبقهم إلى الإيمان به. فاستغل هؤلاء الفتيان الفرصة فأجابوه فيما دعاهم إليه، آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدقوه وقبلوا ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى الله أن يجمعهم بك.

الآن أيضاً تروي لنا كتب التاريخ كما أن الأوس والخزرج كان لهم مشاكل وحروب مع اليهود، كانت لهم أيضاً مشاكل مع بعضهم، فكان هناك معارك كثيرة بين الأوس والخزرج؛ أحياناً تكون الدائرة للخزرج وأحياناً تكون الدائرة للأوس. ومن أشهر تلك المشاهد موقعة بعاث التي كانت قبل إسلام الأوس والخزرج بسنوات معدودة، وقعت بينهم واقعة كان فيها سفك للدماء وهلك فيها كثير من رجالات القبيلتين. فهؤلاء النفر الستة حينما رأوا هذه الدعوة المباركة والأخلاق العالية التي يدعو إليها النبي صلى الله عليه وسلم، أملوا أن تكون هذه الدعوة سبباً في توحيد الأوس والخزرج وانتهاء النزاع والصراع بينهم في يثرب.

فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبين إخواننا صراعاً وحروباً، وإننا نسأل الله أن يجمعهم بك، فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. يعني إذا اجتمعت الأوس والخزرج عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم فسيكون لك العز والفخر. ثم صرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا.

قال وهم فيما ذكر لي ستة نفر من الخزرج. إذاً ابن هشام يذهب إلى أنهم كانوا ستة نفر من الخزرج وليس سبعة كما ذهب البعض. المهم لما قدموا المدينة التي كانت تسمى يثرب في ذاك الوقت، قدم هؤلاء الستة إلى أهلهم من الخزرج، وأيضاً ذهبوا إلى الأوس وعرضوا عليهم هذا الدين الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فانتشر خبر النبي صلى الله عليه وسلم في بيوت المدينة، وأن هناك ديناً جديداً يدعو إليه رجل، وأن هذا الدين يحمل الفضائل والأخلاق العالية إلى آخر تلك التفاصيل، فأصبح لسان النبي صلى الله عليه وسلم في كل بيت من بيوت الأوس والخزرج.

في العام القادم، في الموسم القادم الذي أتى، خرج وفد جديد من يثرب تجاه مكة حتى يشهد موسم الحج، وكان هذا الوفد الجديد يتكون من اثني عشر رجلاً، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، كانوا آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فانطلقوا في هذا الموسم إلى الحج حتى يلقوا هذا النبي العظيم ويبايعوه على السمع والطاعة.

عن ابن هشام سيسرد لنا ماذا وقع في بيعة العقبة الأولى، يقول ابن هشام: حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً فلقوه بالعقبة. أي التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في العقبة، والعقبة هي في منى، والآن في وقتنا الحالي هي في منى، لا يوجد هناك العقبة، جمرة العقبة الكبرى والصغرى والوسطى، فالعقبة هذه منطقة في منى ويقولون بين منى ومكة. فالتقى النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء النفر في العقبة.

وكان الكفار بشكل عام لما يحجوا في الجاهلية كانوا يأتون إلى العقبة أو إلى منى فيقفون عندها ويرمون عندها، فالآن النبي صلى الله عليه وسلم التقى هذا الوفد في العقبة، فبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم على بيعة عرفت في التاريخ باسم بيعة النساء. لماذا سميت باسم بيعة النساء؟ لأن هذه البيعة لم يكن فيها بيعة على القتال والحرب، ولم يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم بعد في خوض المعارك مع معانديه مع كفار قريش، فلذلك بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان يبايع عليه النساء فيما بعد، وهو ما ذكره الله عز وجل في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ﴾ [الممتحنة: 12].

هذه البنود هي التي بايع عليها النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة الأولى لهؤلاء النفر الذين أتوا من يثرب، وسميت هذه البيعة بيعة النساء؛ لأنه لم يذكر فيها أمر الحرب، وإنما بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم على المبادئ التي كان يبايع عليها النساء فيما بعد. إذاً فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء، وذلك قبل أن تُفترض عليهم الحرب. وكان من ضمن هذا الوفد أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وعبادة بن الصامت، وأبو الهيثم بن التيهان، زعماء كبار في الأوس والخزرج.

الآن هؤلاء الوفد القلة، أرسل طلباً من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل معهم رجلاً ليعلمهم دينهم في يثرب. فالنبي صلى الله عليه وسلم بكياسته وفطانته ما قال لأحدهم أن تتولى تعليم الناس؛ لأنه كان يعلم بوجود المشاكل بين الأوس والخزرج، لو أن شخصاً من الأوس أو الخزرج هو الذي تولى الدعوة ربما هذا زاد في الشحناء بين القبيلتين. فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل سيدنا مصعب بن عمير ليكون داعية إلى الله سبحانه وتعالى وسفيراً للنبي عليه الصلاة والسلام في مدينة يثرب.

قال ابن إسحاق: فلما انصرف عنه القوم، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن، وأن يعلمهم الإسلام، وأن يفقههم في الدين، فكان إماماً في المدينة بالمقرئ، وكان يصلي بهم؛ وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه البعض، ما كانوا يحبون إلى الآن، القلوب لم تأتلف بعد بينهم بسبب كثرة الدماء، فما كانوا يحبون والله أن يكون إمام يثرب قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم رجل من الخزرج لأن الأوس قلوبهم ستشتعل، وكذلك في المقابل لو كان الإمام من الأوس قلوب الخزرج ستشتعل. فالنبي صلى الله عليه وسلم أراحهم من هذا النزاع الدائم، وبعث سفيراً من عنده هو مصعب بن عمير ليكون هو الإمام الذي يقتدي به القوم.

إذاً كانت هذه يا أحبتي تفاصيل بيعة العقبة الأولى، الآن هؤلاء الاثنا عشر مع مصعب بن عمير عادوا إلى يثرب، وبدأ مصعب بن عمير يؤدي المهمة التي وكله النبي صلى الله عليه وسلم بها، هي مهمة الدعوة وتعليم الناس القرآن وتعليم مبادئ الإسلام والإيمان به. فبدأ الحمد لله الإسلام ينتشر في يثرب، وما من بيت إلا وقد دخله الإسلام وأسلم فيه نفر من الرجال والنساء.

يقول ابن هشام: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة. الآن بدأ يتحدث ابن هشام عن البيعة الثانية للعقبة. مصعب بن عمير ذهب يدعو في بيوتات يثرب فانتشر الإسلام كما قلنا في البيوت وفي القرى التي حول المدينة. عندما جاء الموسم الآخر للحج بعد ذلك في العام المقبل، أراد الأنصار من الأوس والخزرج أن يأتوا بوفد كبير لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم كانوا يدركون خطر هذه الرحلة، فخرجوا مع المشركين من قومهم. الآن ليس كل الأوس والخزرج دخلوا في هذا الدين، دخلت طائفة كبيرة نعم، لكن بقي كثير منهم على الشرك.

فحينما جاء العام المقبل وجاءت قافلة الحج من يثرب تجاه مكة، كان المسلمون يستخفون مع هذه العناصر من القبيلة من المشركين، فكانت هذه القافلة باختصار مختلطة، فيها أهل الشرك من أهل يثرب، وفيها المسلمون من أهل يثرب، أتوا في قافلة واحدة، والمسلمون من أهل يثرب لم يخبروا من كان معهم من المشركين بالهدف من الحضور، وأن هناك بيعة، حتى لا يفشوا أمرهم في مكة فيعترض عليهم كفار قريش أو يصبح هناك قتال وما شابه ذلك، فكتموا قضية البيعة بينهم ولم يحدثوا بها من أتى معهم من المشركين.

وعد المسلمون الذين أتوا إلى الكعبة أو إلى مكة في هذا الموسم النبي صلى الله عليه وسلم بالبيعة في نفس المكان الذي عقدت فيه البيعة في المرة السابقة، أين؟ أيضاً عند منطقة العقبة. وكان عدد الرجال في هذه البيعة على خلاف بين علماء السير، منهم من قال كان عددهم سبعين رجلاً، ومنهم من قال كان عددهم ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين. وفي الحقيقة تحديد الرقم بحد ذاته ليس له كبير فائدة يُبنى عليها حكم شرعي، سواء قلنا كانوا سبعين أو كانوا ثلاثة وسبعين، الأمر في ذلك هين، لكن كثير ما يشتهر أنهم كانوا ثلاثة وسبعين رجلاً ومعهم امرأتان.

الآن سنتعرف أكثر على تفاصيل هذه البيعة، يقول البراء بن معرور، أحد رؤوس الخزرج الذين أتوا إلى بيعة النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة الثانية وخرج مع الوفد، يقول البراء: ثم خرجنا إلى الحج ووعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند جمرة العقبة في أوسط أيام التشريق.

ممكن واحد يقول: طب يا شيخ هم كفار مكة والعرب كيف كانوا يعرفون قضية الحج أيام التشريق؟ نقول أحبتي، كانت بقايا دين إبراهيم موجودة عندهم، هم كانوا يحملون بقايا دين إبراهيم عليه السلام، والحج هذا من تفاصيله ومن ملة إبراهيم عليه السلام، ليس شيئاً جديداً في الشريعة الإسلامية، لكن الذي كان جديداً عليهم ما هو؟ التفاصيل التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم في فرائض الحج وأركانه. وإلا فأصل الحج كان معروفاً عندهم، وكانت المشاعر في العموم معروفة عندهم، لكن الإسلام أتى ببعض التفاصيل وتعديل بعض الأخطاء التي كانوا يرتكبونها في أداء هذه العبادة.

المهم تواعدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق عند الجمرة. قال البراء: فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر -سيدنا جابر بن عبد الله كان والده ممن حضر هذه العقبة أو هذه البيعة- لكن متى حضرها؟ هو لما قدم معهم كان مشركاً، وما كان يعلم أن هناك بيعة ستحدث، لكن الذي وقع أن المسلمين من الأوس والخزرج أرادوا أن يجعلوا عبد الله بن حرام يسلم ويدخل معهم في هذا الدين لأنه كان رجلاً كبيراً من رجالاتهم.

فالمهم أتى المسلمون من الأوس والخزرج على عبد الله بن حرام وعرضوا عليه الإسلام، هذه الدعوة المباركة، وكان رأساً من رؤوسهم فرضي وقبل ودخل معهم في هذا الدين، وأخبروه أن هناك بيعة ستحدث مع النبي صلى الله عليه وسلم في منتصف الليل في منطقة العقبة أوسط أيام التشريق، وكان كما قلنا عبد الله شريفاً من شرفائنا أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا؛ أي ما كنا نخبر من معنا من المشركين ممن خرجوا معنا من يثرب أمرنا، وأننا على دين هذا الرجل وأننا أتينا لبيعته، ما أخبرناهم.

قال: فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار، ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد الرسول صلى الله عليه وسلم إيانا عند العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيباً من النقباء، ووزيراً من الوزراء الذين عينهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء البيعة.

قال البراء: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا. انظروا كيف كان المحافظة على الهدوء حتى لا يعرض أي صخب وأي جلبة في ذاك الموسم. قالوا: نمنا إلى منتصف الليل في رحالنا.

حتى إذا مضى شيء من الليل، خرجنا من رحالنا يتسللون تسللاً لميعاد رسول الله ﷺ. قال: كنا نتسلل كما تتسلل القطا، طيور الفراخ الصغيرة، مستخفين حتى إذا اجتمعنا في الشعب، أي في شق في الأرض عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا، وهي نسيبة بنت كعب رضي الله عنها، وأسماء بنت عمرو رضي الله عنها. اجتمعنا في هذه ننتظر حضور النبي ﷺ.

حتى جاءنا ودخل علينا النبي ﷺ، وكان معه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه. العباس كما هو معلوم لديكم أسلم متأخراً بعد غزوة بدر، وشارك في غزوة بدر مع المشركين لكنه أخرج إجباراً؛ إذ لم يكن يريد الخروج، فهو كان مناصراً للنبي ﷺ يحاول أن يشكل له غطاءً أمنياً كما كان شقيقه أبو طالب يشكل أمنياً، لكن العباس لم يكن في تلك المنزلة العالية من قريش كما كان لأبي طالب. المهم، النبي ﷺ كان يأخذ معه العباس وإن كان العباس لم يؤمن بعد، لكنه كان يستأمنه عليه الصلاة والسلام على أسراره.

فيروي لنا الأوس والخزرج أن النبي ﷺ قدم عليهم مع عمه العباس بن عبد المطلب، قالوا: وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلس، كان أول متكلم هو العباس بن عبد المطلب. قال: يا معشر الخزرج والأوس، إن محمداً منا حيث قد علمتم، صحيح نحن لسنا على دين محمد لكن محمداً ﷺ محمي عندنا، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزة من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعونه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده.

طبعاً النبي ﷺ لم يكن في كمال العزة والمنعة في قومه، لكن في النهاية أن يبقى بين أعمامه وأقاربه أفضل له من أن يخرج إلى قوم لا يعرف كيف سيعاملونه وتتفرد به العرب. فالعباس هذه الرسالة التي أراد أن يوصلها للأوس والخزرج: محمد ﷺ يريد أن يذهب إليكم، أنتم تريدون استقباله؛ إذا كنتم على قدر هذا الاستقبال وعلى قدر الثبات معه وأن تنصروه فليذهب إليكم، وإلا إن كنتم تخشون من أن تخذلوه ولا تقفوا معه فدعوه بين أهله وقومه ومعشره.

أجابوه الأوس والخزرج بماذا؟ قالوا للعباس بن عبد المطلب: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم النبي ﷺ فبدأ بتلاوة القرآن ودعاهم إلى الله ورغبهم في الإسلام ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم». هذه تسمى بيعة الحرب والقتال، فإنه هنا لم يبايعهم على ما بايع عليه في البيعة السابقة؛ البيعة السابقة كانت في أمور أخلاقية: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [الممتحنة: 12] أحكام عامة، لكن هنا كانت بيعة قتال وحرب.

النبي ﷺ أراد أن يتأكد هل يستطيع أن يهاجر إليكم أو لا أستطيع الهجرة، فأراد أن يحتاط ولا يريد أن يحملهم ما لا يطيقون. فقام البراء بن معرور وكان من سادات قومه ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا؛ وكانوا يكنون عن النساء بالأزر لأنكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن. وقال البراء بن معرور مقولة عظيمة: سنمنعك مما نمنع به نساءنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب، والحلقة هي السلاح، أورثناها كابراً عن كابر.

فاعترض قوله رجل من عقلاء الخزرج هو أبو الهيثم بن التيهان، وكان ممن حضر البيعة الأولى، لكن هذا الرجل كان يريد أن يأخذ من أفواههم الكلمة. قال لهم: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال -يقصد بالرجال اليهود- حبالاً أي عهوداً، وإنا قاطعوها؛ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ يعني إذا انتصرنا يا رسول الله هل ستعود إلى قومك في مكة وتدعنا في المدينة؟ وإلا ستبقى معنا؟ هؤلاء لم يكونوا طالبين للملك، كانوا يريدون شخص النبي ﷺ أن يبقى بينهم، وهذا حق لهم وشرف عظيم.

فتبسم النبي ﷺ تبسم الثقة وقال لهم: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أُسالم من سالمتُم وأُحارب من حاربتُم». يعني الآن سنمتزج مع بعضنا، ستمتزج أرواحنا ودماؤنا وسيختلط تاريخنا. إياكم أن تظنوا بعد كل هذا الوفاء الذي ستبذلونه أيها الأنصار أنني أترككم وأعود إلى بلادي وإلى مكة، كلا؛ بما أنكم حملتم هذه الدعوة على أكتافكم وستبذلون من أجلها فإنني أبقى معكم إلى أن ألقى الله سبحانه وتعالى. دمي دمكم وهدمي هدمكم، أُسالم من سالمتُم وأُحارب من حاربتُم.

فبايعه الجميع حينئذ بيعة الموت، فقالوا: يا رسول الله بماذا تعدنا إذا نحن أوفينا بهذه البيعة؟ قال: «بشيء واحد؛ الجنة». فقالوا: رضينا البيعة، لا نقيل ولا نستقيل. فعلاً كان الأنصار رجالاً، كانوا ثابتين راسخين في عقائدهم وفي إيمانهم، صدقوا الله فصدقهم الله سبحانه وتعالى وأثنى عليهم في كتابه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾ [التوبة: 100].

الآن بعد أن تمت البيعة، أراد النبي ﷺ أن يخرج نقباء؛ أي وزراء ومندوبين يديرون شؤون الأوس والخزرج في المدينة إلى أن يقدم النبي ﷺ إليها. فأخرج اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وكان أول من وضع يده في يد النبي ﷺ للبيعة هو البراء بن معرور، ثم تتابع القوم بعد ذلك على البيعة.

لما انتهى القوم من بيعة النبي ﷺ أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يعودوا إلى رحالهم. فقام رجل منهم أخذته الحمية لهذا الدين، يقال له العباس بن عبادة رضي الله عنه، فقال: والذي بعثك بالحق يا رسول الله إن شئت لنميلن عليهم الليلة بأسيافنا. يريد أن يظهر للنبي ﷺ أنه من الآن مستعد لبذل الروح والمهج ولمواجهة المشركين. فالنبي ﷺ ذاك القائد الحكيم قال له: «لم نؤمر بعد بذلك». ليس هذا وقت المواجهة ولم يحن وقتها، فالنبي ﷺ لا يريد أن يستعجل بهذه الثلة الجديدة، بل يريد دائماً النظر في مقاصد التصرفات ومآلاتها.

لو كان هناك عجلة في اتخاذ أي قرار، فإن العجلة تئد هذه الدعوة في مهدها. النبي عليه الصلاة والسلام حقق انتصاراً جيداً، وجد ثلة مؤمنة مستعدة أن تستقبله في مدينة تحميه وتنصره ويستطيع أن يؤسس دولة جديدة، فلا يريد أن يستعجل الخطى، بل يريد أن ينتقل إلى تلك الديار ويؤسس دولته ويقيم منهجه ويرفع لهذا الدين صرحاً، ثم بعد ذلك عود للمواجهات العسكرية مع المعاندين. وهذا المنهج يجب على الدعاة إلى الله أن ينتبهوا إليه؛ إن الاستعجال في المواجهات قبل أن يُنظر في مآلات الأمور وفي مقاصد الشريعة هو انتحار جماعي تعرض فيه نفسك ومن اتبعك للغيبة وسفك الدماء من دون أن تكون الثمرة واضحة.

يجب أن تكون الخطوات محسوبة، يجب أن يكون هناك تنظيم وترتيب وتهيئة للظروف قبل أي مواجهة غير متكافئة الأطراف. لذلك النبي ﷺ كان يسير وفق وحي الله سبحانه وتعالى؛ وهذا الوحي يرسم لهذه الأمة منهجاً إلى يوم القيامة، كيف ينظر فيما آلات التصرفات وألا يستعجلوا ولا يقحموا أنفسهم في مواجهات قبل أن يستعدوا لها حق الاستعداد.

فقال النبي ﷺ للعباس بن عبادة: «لم نؤمر بعد بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم». قالوا: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا. فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش فقالوا: يا معشر الخزرج، كأن هناك خبراً تسرب لصناديد قريش؛ لقد حدث لقاء بين محمد ﷺ وبين جماعة من أهلها. فأتى كفار قريش في الصباح إلى المكان الذي نزلت فيه قافلة أهل يثرب في منى فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.

يعني أنتم أيها الخزرج يا أهل يثرب، بيننا وبينكم ود؛ وكان أهل مكة إذا خرجوا في تجارتهم إلى الشام يمرون بيثرب، فكان هناك علاقات تجارية وطيدة. فكفار مكة أتوا وقالوا لهم: نحن لا نريد أن نخسركم ولا نحب أن تندلع حروب بيننا وبينكم، فلماذا فعلتم هذا الفعل مع هذا الرجل الذي حاربنا وخرج عن دين آبائه وهاجم أصنامنا؟

فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، ما علمناه، وقد صدقوا؛ لأن المسلمين الذين خرجوا معهم قابلوا محمد ﷺ في منتصف الليل، فكما قال ابن هشام: المشركون من أهل يثرب قالوا لأهل مكة: نحن لم نقابل هذا الرجل ولم يعرف بيننا وبينهم أي لقاء، فمن أين أتيتم بهذا المقال؟ وأما المسلمون فسكتوا، وصنعوا كأنهم لا يعلمون شيئاً، نظر بعضهم إلى بعض: هل وقع شيء؟ لم يقع لا شيء.

ثم يكمل ابن هشام سرد هذه القصة: نفر الناس من منى، وانتهى موسم الحج، وعاد أهل يثرب إلى مناطقهم وبلادهم، لكن كفار قريش تأكدوا من دقة المعلومة التي بلغتهم، تأكدوا أن هناك لقاءً ليلياً وقع بين محمد ﷺ وبين جماعة من أهل يثرب، تواعدوا فيه على أن ينصروا النبي ﷺ وأن يهاجر إليهم وأن يحموه كما يحمون نساءهم. فخرج كفار قريش في طلب القوم، فما استطاعوا أن يدركوا منهم إلا رجلين؛ سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو.

أما المنذر فأعجز القوم، حاول أن يتفلت منهم فاستطاع أن يهرب. وأما سعد بن عبادة فأخذوه، وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله؛ أي ألقى كفار قريش القبض عليه، وربطوا يديه مع عنقه من خلال الحبل الذي كان على دابته، وأهانوه وأدخلوه مكة وهم يضربونه ويؤذونه. فاستصرخ سعد بن عبادة بجبير بن مطعم بن عدي، وكان هذا من رجالات قريش، كان إذا قدم إلى يثرب يحميه سعد بن عبادة ويحمي تجارته ويوفر له سبل الراحة.

فحينما أدخل كفار قريش سعد بن عبادة إلى مكة بالضرب والشتم والإهانة ووضعوه في المسجد الحرام، صرخ سعد بن عبادة منادياً لجبير بن مطعم، فوصلت صرخته إليه، فقيل لجبير: إن سعد بن عبادة يستصرخ بك ويذكرك الولاء الذي بينك وبينه. ففعلاً أتى جبير بن مطعم، وأخذته الحمية العربية، واستنقذ سعد بن عبادة من أيدي صناديد مكة وأطلق سراحه، فعاد سعد بن عبادة أدراجه إلى يثرب. كانت هذه قصة بيعة العقبة الثانية.

شهدها ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من الأنصار. وأما على طريقة ابن أبي العز الحنفي فيقول: والبيعة الأولى مع اثني عشر من أهل طيبة، كما قد ذكر ابن أبي العز الحنفي؛ يقول: البيعة الأولى للعقبة شهدها اثنا عشر رجلاً من أهل طيبة. قال: وبعد ثنتين وخمسين أتى، أي حينما أصبح عمر النبي ﷺ اثنين وخمسين عاماً، أي بعد بيعة العقبة الأولى بعام، أتى سبعون في الموسم، هذا ثبت.

فإذاً ابن أبي العز يرى أن عدد الذين بايعوا النبي ﷺ في بيعة العقبة الثانية أن عددهم سبعون، لكن ابن هشام يرى أنهم كانوا ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين. وهذا خلاف كما قلنا في التعداد، لا ينبني عليه حكم شرعي والله تعالى أعلم، فلا حرج فيه. المهم انتهت بيعة العقبة الثانية، وعاد المسلمون إلى يثرب، وبدأت الاستعدادات والتحضيرات لاستقبال المهاجرين من مكة واستقبال النبي ﷺ.

يقول ابن هشام رحمة الله عليه قبل أن نبدأ بذكر موضوع الهجرة: وكان رسول الله ﷺ قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب، ولم تحلل له الدماء، وإنما يؤمر بالدعاء إلى الله عز وجل والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل. فكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم، فهم من بين مفتون في دينه، ومن بين معذب في أيديهم، ومن بين هارب في البلاد فراراً منهم.

فلما أتت قريش على الله عز وجل وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة من خلال هذا الدين، وكذبوا بنبيه ﷺ، وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه، أذن الله عز وجل لنبيه في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم. فكانت أول آية في الكتاب تبيح للمؤمنين قتال المشركين قوله تعالى في سورة الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 39-41].

فجاءت هذه الآيات من سورة الحج تعلن إباحة القتال للمؤمنين الذين ظلموا واضطهدوا على أيدي المشركين. فكان هذا أول نص إلهي يبيح لهم القتال، لكن مع ذلك النبي ﷺ أخر موضوع المواجهة حتى تتم الهجرة إلى المدينة النبوية ويتم تأسيس الكيان الإسلامي المنظم، ثم بعد ذلك ستبدأ المواجهات مع هؤلاء المشركين.

أذن الله تعالى لنبيه ﷺ إذاً في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له في بيعة العقبة الثانية، فأمر النبي ﷺ حينئذ أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بأن يبدأوا الهجرة إلى المدينة. الآن جاء أمر من النبي ﷺ لأهل مكة ممن أسلم معهم أن يبدأوا الهجرة إلى المدينة، ففعلاً بدأ المسلمون يتسربون رويداً رويداً باتجاه المدينة النبوية ويلحقون بإخوانهم من الأنصار. وقد قال النبي ﷺ لمن في مكة: «إن الله عز وجل قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها». فخرجوا أرسالاً، وأقام النبي ﷺ بمكة ولم يهاجر بعد، ينتظر أن يأتيه الأمر الإلهي من الله سبحانه وتعالى بالهجرة.

كان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين رجل من بني مخزوم يقال له أبو سلمة. أبو سلمة هو زوج أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها، وكانت أولاً عند أبي سلمة، فلما توفي أبو سلمة تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام. أبو سلمة بن عبد الأسد قصة هجرته إلى المدينة النبوية صارت محزنة ومؤثرة جداً في الحقيقة، وتدل على عمق إيمان هذا الرجل بربه سبحانه وتعالى، وكيف كان الصحابة يضحون بكل شيء في الحياة، بمعنى كل شيء، من أجل أن يبقى لهم هذا الدين. أبو سلمة بن عبد الأسد حينما أذن له النبي ﷺ وللمسلمين عموماً في مكة بالهجرة، أخبر أم سلمة بذلك فاستعدوا للرحيل إلى المدينة.

وفي صباح اليوم الموعود ذهب أبو سلمة بزوجته أم سلمة على ناقة وانطلقا معاً باتجاه المدينة، وقبل أن يغادر أبو سلمة حدود مكة وهو على تخومها، أدركه أهل أم سلمة، أقارب أم سلمة أدركوه ولحقوا أبا سلمة فقالوا له: والله لا ندعك تهاجر بابنتنا. وكان مع أبي سلمة وأم سلمة ابنهم سلمة، كان معهم في الهجرة، فبعد عناد ومفاصلة وحوار ونقاش واحتدم الأمر بين أبي سلمة وبين أهل أم سلمة، قالوا له: لا يمكن، لن نقبل أن تذهب بأم سلمة. في تلك اللحظة كان هناك مدافعة: إما أن يبقى أبو سلمة في مكة ويمكن أن يفتن في دينه ويتعرض لأقسى العقوبات والعذاب من كفار قريش، وإما أن يبيع هذه الروح وهذه النفس لله سبحانه وتعالى ويرضى بقضاء الله وقدره ويعض على الصعوبات وينطلق باتجاه المدينة وحده. فأبو سلمة اتخذ القرار الصعب فعلاً، وهو القرار الصائب بإذن الله، وتوجه نحو المدينة تاركاً زوجته وابنه عند أهل أم سلمة.

الآن عاد أقارب أم سلمة بأم سلمة وبابنها إلى بيوتهم، فمن عرف بالموضوع؟ عرف بالموضوع أقارب أبي سلمة، فذهب أقارب أبي سلمة إلى أهل أم سلمة فقالوا لهم: تركتم الرجل يهاجر وحده وفرقتموه عن زوجته، ثم تأخذون ابننا؟ لأن ابن أبو سلمة (ابن أبي سلمة) ينسب إليهم فينسب إلى قبيلة أبيه، ثم تأخذون بعد ذلك ابننا؟ والله لا تأخذونه. فأصبح هناك تجاذب لهذا الطفل الصغير؛ أهل أبي سلمة يجذبونه إليهم، وأهل أم سلمة يجذبونه إليهم. قال علماء السير: حتى قطعت يده وخلعت في أثناء هذه المنازعة. انظروا إلى الصعوبة كيف اشتدت أكثر يوماً بعد يوم على أبي سلمة وعلى أم سلمة، وفي النهاية أهل أبي سلمة هم الذين أخذوا الصبي بعد أن خلعت يده.

فتفرقت وتشتت هذه العائلة؛ أبو سلمة في المدينة، وأم سلمة عند أقاربها وأهلها، وابنها عند أقارب زوجها. تشتت كامل للعائلة، فكانت أم سلمة رضي الله تعالى عنها كما تروي كتب السير تخرج في كل يوم إلى البطحاء من الصباح حتى المساء، إلى بطحاء مكة إلى صحرائها، تبكي على تلك الواقعة المؤلمة التي حدثت لها ولزوجها، ثم تعود في المساء إلى أقاربها، ثم في اليوم الثاني تخرج تبكي من الصباح إلى المساء. جلست على هذه الحال سنة كاملة، سنة كاملة أحبتي وهي تشعر بالألم والمرارة بسبب هذه الفرقة وهذا التشتت الذي أصاب عائلتها.

وفي يوم من الأيام وهي تبكي في بطحاء مكة، جاء رجل من أهل النخوة من كفار قريش فمر بها ورآها تبكي، فعاد إلى أهلها وقال لهم: ألا ترحمون هذه المرأة المسكينة؟ أعيدوا لها ابنها ودعوها تلحق بزوجها، إيش تريدون بها؟ انظروا الله سبحانه وتعالى كيف يسخر عباده، وهذا مصداق الحديث: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». فعلاً أحياناً سبحان الله تجد رجل فاجر مشرك لكن الله سبحانه وتعالى يأتي بالخير على يديه، وهذا من تسخير الله سبحانه وتعالى لعباده. فذهب أهل أم سلمة إلى أقارب أبي سلمة وقالوا لهم: نحن قررنا أن نجعل أم سلمة تلتحق بزوجها في المدينة، فنحن نرى أن تعطوها ابنها ليلحق بها ويكتمل شمل هذه العائلة، وندعهم وشأنهم. ففعلاً حينما رأى أقارب أبي سلمة أن الأمور بدأت تحل، رضوا بأن يعطوا سلمة لأمه. فخرجت أم سلمة بابنها وانطلقت باتجاه المدينة.

إذن أم سلمة بابن لها صغير خرجت على ناقة، امرأة وحدها تخرج على ناقة وتغادر مكة باتجاه المدينة، لا تعلم ماذا يمكن أن يتعرض لها في الطريق من أخطار من دواب من وحوش من قطاع طرق، لكن الحرقة لهذا الدين والخوف على أن تفتن في دينها جعلها ترتكب كل هذه الأمور وتخوض كل هذه الصعاب. وأم سلمة في الطريق الله سبحانه وتعالى بتدبيره لعباده، وانظروا كيف أن الله عز وجل والله لا ينسى عباده في أحلك اللحظات وفي أصعبها، يسخر الله سبحانه وتعالى لك من يخفف، من يساعد، من يسندك، حتى ولو كان مخالفاً لك في المنهج أو في الدين.

فمن الذي لقي أم سلمة في الطريق؟ لقيها رجل يقال له عثمان بن أبي طلحة، وكان هذا الرجل أيضاً من كبار أهل مكة وكان بيده مفتاح الكعبة، فلقيها وكان يعرف أبا سلمة وأم سلمة فقال لها: أين تريدين يا أم سلمة؟ فأخبرته أننا نريد المدينة. فهذا الرجل بنخوة العرب التي نفقدها اليوم للأسف عند كثير من المسلمين، قال: امرأة مثلك يا أم سلمة تذهب من مكة إلى المدينة وحدها وتخوض هذه الصحاري؟ والله لا يكون ذلك. فأصر أن يوصلها إلى المدينة ثم هو يعود إلى مكة. طبعاً يوصلها للمدينة أحبتي هذا ليس مشوار نصف ساعة كما يقولون، هذه رحلة أيام، لكن النخوة العربية والشرف العربي كان يأبى على رجل شهم مثل عثمان بن أبي طلحة أن يترك امرأة كهذه تسير وحدها في الصحاري، فأوصلها إلى المدينة. وعند مسجد منطقة قباء تركها وقال لها: هذه المدينة فادخلي، وعاد أدراجه إلى مكة. عثمان بن أبي طلحة الله سبحانه وتعالى حفظ له هذا المعروف فهداه إلى الإسلام، وإن كان أسلم متأخراً قبيل فتح مكة، لكن في النهاية الله عز وجل هداه للإسلام. فانظروا أحبتي كيف صنائع المعروف فعلاً تقي مصارع السوء، فهدى الله عز وجل هذا الرجل إلى الإسلام بسبب صنائع المعروف التي كان يمتلكها ويؤديها لغيره من الناس.

هذا نموذج فقط من نماذج الهجرة إلى المدينة، نماذج مؤلمة؛ حتى تعرفوا أحبتي كما قلنا دائماً أن هذا الدين إنما أتى على الأشلاء والدماء والتضحية والنصب والتعب، بذلت مهج وأرواح وأعمار، تشتت أناس وفقدت أرواح وتيتم أطفال، كل هذا من أجل لا إله إلا الله، من أجل محمد رسول الله، من أجل أن ينتشر هذا الدين في الأرض بذلت كل هذه الأرواح والمهج. وأصيبت العائلات بالنكبات وتشتت، وكانت الهموم والأحزان والأحداث المؤلمة، كل هذا من أجل لا إله إلا الله، لأن الصحابة وضعوا بين أعينهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: 111].

الصحابة وثقوا بوعد الله سبحانه وتعالى فبذلوا كل شيء من أجل مرضاته، واستعدوا للتضحية بكل شيء؛ بالأموال، بالمهج، بالأنفس، بالأهالي، بالأقارب، من أجل فقط أن تبقى لا إله إلا الله تصدع، ومن أجل أن يقوم صرح لهذا الدين. اليوم تأتي على إنسان تساومه على الصلاة، تساومه على ترك الربا، تساومه على ترك النظر إلى الحرام، تساومه على بر الوالدين على صلة الأرحام، فقط هذا ما نريده منك، تصعب هذه الأمور ويقول: يا شيخ لا تشدد علينا، وهذا الدين فيه سعة، ويبدأ يتعذر. أحبتي انظروا الفرق بيننا وبين الصحابة الكرام، كيف أن هؤلاء القوم ضحوا بكل شيء في حياتهم.

نعم الصحابة ضحوا بكل شيء في حياتهم وبذلوا كل شيء من أجل هذا الدين، ونحن ماذا قدمنا لهذا الدين؟ هل بذلنا أموالنا وأوقاتنا وأعمارنا لطلب العلم ولتعليم هذه الشريعة الغراء ولنفقه الناس في دين الله ولنوعي المجتمع، نصنع حضارة جديدة لهذه الأمة؟ أم أننا رضينا بالدون ورضينا بالكسل والنوم في بيوتنا؟ نعم علينا أن نعرف كيف كانوا وكيف نحن الآن. خرج كثير أيضاً من أهل مكة باتجاه المدينة، وهناك مثلاً عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى، أبي حثمة أيضاً، عبد الله بن جحش خرج بأهله وأبنائه وأقاربه باتجاه المدينة، أيضاً عمر بن الخطاب وقصة الهجرة المشهورة لدي من أبي ربيعة إلى غيره من المهاجرين الأبرار، انتقلوا باتجاه المدينة إلى الديار التي أعدها الله سبحانه وتعالى وكتب لها أن تكون هي مهد الدولة الإسلامية، ومنها ستنطلق الجحافل والجيوش لنصرة هذا الدين.

النبي ﷺ لم يهاجر بعد، لم يهاجر بعد، ينتظر الإذن الإلهي من الله سبحانه وتعالى. وكان يأتيه أبو بكر الصديق فيستأذنه في الهجرة، أبو بكر الصديق كان يأتي للنبي ﷺ فيستأذنه بالهجرة إلى المدينة، فالنبي ﷺ يأمره بأن يتريث لعل الله أن يجعل لك رفيقاً، كان يأمره أن يتريث ويقول له: «لعل الله أن يجعل لك صاحباً ورفيقاً»، فكان أبو بكر يطمع أن يكون هذا الصاحب والرفيق هو النبي ﷺ. الآن كفار قريش أحبتي بدأ الخوف في قلوبهم يزداد أكثر وأكثر، حينما رأوا أن المسلمين في مكة بدأوا يخرجون باتجاه يثرب لإقامة الدولة الجديدة، خشي كفار قريش من أن يهاجر النبي ﷺ أيضاً إلى المدينة، كانت هذه النقطة بالنسبة لهم نقطة مقلقة جداً. إنهم يدركون أن النبي ﷺ إذا هاجر إلى المدينة فهذا يعني أن هناك مواجهة عسكرية ستبدأ بينه وبين أهل مكة، فأرادوا أن يمنعوا النبي ﷺ بأي طريقة من الهجرة، كما قص ربنا سبحانه وتعالى علينا في كتابه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30].

كفار قريش توعدوا أن يجتمعوا في دار الندوة، وهي دار كانت لقصي بن كلاب، وقريش لا تقطع شيئاً في أمرها حتى تجتمع فيها. توعدوا أن يجتمعوا في يوم معين في دار الندوة ليتناقشوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكيف يحلون هذه الإشكالية.

ابن عباس رضي الله تعالى عنه يروي لنا تفاصيل هذا اللقاء، يقول لما أجمعوا لذلك أي للاجتماع في دار الندوة من أجل النقاش في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وابتدروا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. غدوا في اليوم الذي هو اليوم الموعود المتفق على اللقاء فيه، خرج صناديد مكة ليجتمعوا في دار الندوة، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة. فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل من الذي حضر هذا اللقاء وأراد أن يدخل فيه؟ إبليس عليه من الله ما يستحق.

إبليس أتى على صورة رجل، قالوا رجل يماني وعليه لباس جليلة، تظن أهل مكة أن هذا الرجل من التجار الذين قدموا إلى مكة للتجارة، فوجدوه واقفاً على باب دار الندوة. فلما رأوه واقفاً على الباب قالوا: من الشيخ؟ ومن أين أنت؟ فقال: أنا شيخ من أهل نجد، والبعض يقول كما قلنا إنه شيخ من أهل اليمن، المهم قال شيخ من أهل نجد، سمع بالذي ابتدرتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأياً ونصحاً، أي لعلكم تستفيدون مني. أنا شيخ سمعت أن لكم لقاء في هذا اليوم لتتناقشوا في أمر هذا الرجل الذي أفسد عليكم دينكم، فأحببت أن أحضر معكم هذا اللقاء لأفيدكم بشيء من النصائح. قالوا: أجل فادخل، عندما رأوه رجلاً بهيئة فخمة والظاهر أنه رجل صاحب ثروة ومال، ما عرفوا أنه إبليس، قالوا له: ادخل لعلنا نستفيد منك.

فدخل معهم وقد اجتمع في هذه الدار أشراف قريش، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فأنا والله ما آمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، يعني نخشى أن يثب علينا مع هؤلاء الذين أسلموا معه من أهل يثرب، فأجمعوا فيه رأياً دعونا نتفق على حل نحل الآن فيه. فتشاوروا فيما بينهم، فقال قائل منهم: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً، ثم تربصوا به ما أصاب أشبهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيراً والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم، يعني احبسوه حتى الموت. هذا باختصار، فالشيخ النجدي أو اليماني الذي هو إبليس ماذا قال؟ قال: لا والله ما هذا برأيي، يعني هذا ليس حلاً، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه، فلا أوشك أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم، يعني أنصار الآن الذين في يثرب إذا سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتقل وهو مأسور سيثبون عليكم سيستخرجونه من بين أيديكم، فليس هذا حلاً.

فتشاوروا بينهم، جاء رجل واقترح اقتراحاً آخر، فقالوا: نخرجه من بين ظهورنا فننفيه من بلادنا، اختار رجل النفي، قالوا: ننفيه من البلاد فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه. فإبليس الشيخ النجدي اليماني قال: لا والله أيضاً ليس هذا برأي ناجع، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم ليأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد هو، يعني إبليس قال لهم هذا ليس حلاً لأنكم إذا نفيتموه يذهب إلى القبائل الأخرى وبمنطقه العذب يستطيع أن يتلاعب بعقولهم كما يقول إبليس، ويتبعونه ثم بعد ذلك يأتي بهم إليكم ليستأصلكم من بلادكم ويفعل بكم ما يريد.

فقال أبو جهل بن هشام: أنا الذي أجد حلاً، والله إن لي رأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ فقال: ما رأيكم أن نأخذ من كل قبيلة شاباً جلداً قوياً ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يعمد إلى محمد فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه، ثم يتفرق دمه بين القبائل جميعاً، فلا يقوى أقارب محمد صلى الله عليه وسلم من بني عبد مناف على حربنا جميعاً، وتنتهي قصة هذا الرجل. إبليس فرح بهذا الرأي، لاحظوا رأي أبي جهل كان رأياً جيداً جداً بالنسبة لإبليس، رأي لم يقترحه إبليس نفسه، فلما سمع إبليس هذا الاقتراح من أبي جهل سر به وقال: القول ما قال هذا الرجل، ولا رأي غيره، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له.

الآن إذا انتهى الحوار بين أهل مكة واتفقوا على رأي أبي جهل، أنهم يأتون من كل قبيلة من قبائل قريش بشاب جلد قوي يعطونه سيفاً ويجتمعون عند باب بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم ضربوه بالسيف ضربة رجل واحد، وحينئذ لن يستطيع بنو عبد مناف أن يواجهوا جميع القبائل وبالتالي ينتهي أمرهم. أتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إياكم أن تظنوا أن الله سبحانه وتعالى سيخذل نبيه في هذه اللحظات، مباشرة أتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا محمد لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، الليلة لا تبيت في بيتك لأن هناك مؤامرة يحيكها الكفار لك.

فلما كانت عتمة من الليل في أطراف الليل وحينما خيم الظلام على مكة، اجتمعوا على بابه، اجتمعت كفار قريش بفتيانها على باب النبي صلى الله عليه وسلم يرصدونه متى ينام فيثبون عليه. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي الليلة وتسجى ببردي، أي تغطى بثيابي، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم. طبعاً قصة نوم علي بن أبي طالب مكان النبي صلى الله عليه وسلم على فراشه هذه قصة اختلف فيها علماء السير، البعض يثبتها والبعض يضعفها، البعض يثبتها ويقول فعلاً صح أن علي بن أبي طالب نام على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، والبعض يأبى ذلك ويقول بل هذا لم يصح وإنما هذه من الأحاديث المدخولة في السيرة، فالله تعالى أعلم بالحال هل فعلاً ثبت نوم علي بن أبي طالب ولم يثبت، لكن المهم أن جبريل أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأمره ألا يبيت في فراشه الليلة.

محمد بن كعب القرظي أحد رواة السير يقول: لما اجتمعوا له أي لما اجتمع كفار قريش وفتيان قريش على باب النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم أبو جهل بن هشام، فقال وهم على بابه، أبو جهل الآن يخاطب هؤلاء الفتيان الذين استعدوا لقتل النبي عليه الصلاة والسلام، قال لهم: إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوك العرب، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، هذا يدل على أن الأردن في زمنهم كانت جنان، قال: وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها. المهم بدأ أبو جهل يستهزئ بالتعاليم الشرعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها أهل مكة، ويقول لهم: هذا الرجل يعدكم أنكم ستملكون الأرض إن اتبعتموه، وإن هناك جنة تنتظركم، وإن لم تتبعوه فإنه سيذبحكم، وأنه ستكون هناك معارك بينكم ثم تموتون ثم يأتي يوم القيامة تدخلون جهنم.

المهم بدأ يستهزئ بتعاليم هذا الدين وبما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم الناس، في تلك اللحظات خرج النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم وأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: أنا أقول ذلك، أنت أحدهم. ماذا يعني ذلك؟ النبي صلى الله عليه وسلم كما يروي ابن هشام سمع ما قاله أبو جهل من استهزائه بتعاليم هذا الدين، فحينما خرج النبي صلى الله عليه وسلم خرج أمامهم لكنهم لم يروه، أعْمى الله سبحانه وتعالى أبصارهم عنه، وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام أنه خرج أمامهم وقال قولاً لم يسمعه حتى أبو جهل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أقول ذلك، أنت أحدهم، يعني هذا الكلام الذي تستهزئ به أنا أقوله، وأنت أحد هؤلاء الذين سيذبحون يا أبا جهل وستقتل وستبعث وستلقى في نار جهنم، لكن الذي يظهر أن هذا لم يسمعه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جهل، وإنما قاله في نفسه وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من سورة يس: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 1-9].

عن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من تراب ووضع على رأس كلفة من فتيان قريش الذين أتوا ليقتلوا حفنة ثم خرج حتى فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه تراباً، ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هم ما زالوا ينتظرون خروج النبي صلى الله عليه وسلم وما علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ووضع على رؤوسهم التراب يظنون هو النائم في داخل البيت، فبينما هم ينتظرونه إذ أتاهم آتٍ فقال لهم: من تنتظرون هنا؟ فقالوا: ننتظر محمداً ليخرج إلينا، قال: خيبكم الله، والله قد خرج محمد أمام أعينكم، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه التراب فعلاً، ثم جعلوا يتطلعون في الحجرة فيلحظون رجلاً نائماً ولم يعرفوا أنه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فظنوا أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فبقي القوم يقولون: لا لا كلامك ليس بصحيح، هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم ها هو نائم على فراشه بعد، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، أي انقضت الليلة وجاء الصباح ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يخرج.

فهنا لما جاء الصباح علي رضي الله تعالى عنه إن ثبتت هذه القصة أقول إن ثبتت قام من الفراش، فاندهش كفار قريش من هذا الموقف، وعرفوا أنهم خدعوا وأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد فر من أيديهم. أين ذهب النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة عندما خرج؟ وكيف ستستمر تفاصيل تلك الرحلة المباركة، رحلة الهجرة إلى المدينة النبوية؟ هذا ما نتكلم عنه إن شاء الله في مجلس آخر من مجالس شرح الأرجوزة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.