تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (4)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد في شرح هذه المنظومة الرائقة أرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية لإمام عظيم من أئمة المسلمين، وهو الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه. نسير في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم ونقف على أيامه وعلى هديه وأخلاقه وشمائله. نتعلم منه عليه الصلاة والسلام، نقتدي به ونروي حبنا له بالوقوف على تفاصيل حياته؛ فإن المسلم كلما وقف على سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وتعرف على عطفه وحنانه وتعرف على صبره وثباته وتعرف على جرأته وشجاعته، ازداد حبه فازداد شوقاً ازداد تعلقاً، وصلاة وسلاماً على هذا النبي العظيم الذي فتح الله سبحانه وتعالى به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً.

فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجمعنا به في جنات النعيم، وأن يرزقنا شربة من حوضه الشريف بيده الشريفة إنه ولي ذلك والقادر عليه. وقفنا في المحاضرة السابقة أحبتي على النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة، توقفنا عند هذه النقطة وتعرفنا على هذا الزواج الميمون وكيف كانت تفاصيله وأحداثه، وعرفنا أولاد النبي صلى الله عليه وسلم ذكوراً وإناثاً الذين أنجبتهم خديجة رضي الله تعالى عنها. اليوم ينتقل بنا ابن أبي العز عليه رحمة الله تعالى إلى مشهد جديد من مشاهد حياة النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت قبل مبعثه، وهذا المشهد هو مشهد بناء الكعبة.

وسأسرد لكم قصة بناء الكعبة وكيف كان للنبي صلى الله عليه وسلم دور بارز فيها حتى خلد هذا المشهد في حياته وبقي يسرد في كتب السير وكتب التواريخ عموماً. ما الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المشهد؟ دعونا ننظر في كلام ابن هشام رحمة الله عليه في سيرته؛ يقول ابن هشام: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين. إذاً، هذه القصة حينما أصبح عمر النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين في هذا العام، اجتمعت قريش لبناء الكعبة المشرفة وكانت قريش تريد أن تبني سقفاً للكعبة، لم يكن هناك سقف للكعبة. يقول: وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها.

يعني قريش لماذا أرادوا أن تهدم الكعبة وتعيش بناءها من جديد؟ قالوا: أولاً حتى يسقفوا الكعبة، ثانياً قالوا: وإنما كانت ردماً فوق القامة. ما معنى هذا؟ كانت الكعبة عبارة عن حجارة مرتبة فوق بعضها البعض ولم يكن بينها مادة لاصقة كالأسمنت وما شابه ذلك، هذا معنى أنها ردم، أي حجارة مرتبة فوق بعضها من دون وجود مادة لاصقة، ردم فوق القامة، أي أن ارتفاعها فوق قامة الإنسان بقليل. والسبب في ذلك لربما عوامل الحياة من السيول والفيضانات وما تعرضت له مكة المكرمة عبر التاريخ الطويل من الرياح إلى آخر ذلك، هذا لربما سبب تزعزعا في بنيان الكعبة وانهدمت وأعاد قوم بناءها ثم انهدمت مرة أخرى وأعيد بناءها حتى في عهد الخلفاء بنيت الكعبة مرات ومرات. المهم كانت الكعبة التي يرأسها كفار قريش كانت الكعبة عبارة عن حجارة مرتبة فوق بعضها البعض تصل إلى ما فوق القامة بقليل ولم يكن لها سقف، فاجتمع كفار قريش وقرروا أن يعيدوا بناء الكعبة بالشكل الجيد ويضعوا سقفا لها.

والذي ساعدهم على ذلك، كما تروي كتب السير وكما يذكر ابن هشام، قالوا: البحر الأحمر ألقى سفينة خشبية متينة على شواطئ جدة، مدينة جدة في بلاد الحرمين؛ البحر ألقى عليها سفينة رومية لها خشب جيد وقد تعطلت هذه السفينة ولم تعد صالحة للإبحار، فأخذ كفار قريش هذه الأخشاب المتينة وقرروا أن يسقفوا بها سقف الكعبة وأن يعيدوا بناء الكعبة من جديد. إذاً، قال ابن هشام: وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم، إذاً هذه السفينة كانت لتاجر رومي تحطمت هذه السفينة فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفه، اخذوا الخشب من هذه السفينة وجهزوه حتى يسقفوا بها الكعبة. تمام.

الآن كفار قريش كانوا يهابون من عملية بناء الكعبة، لماذا؟ لأنهم لما رأوا ما وقع بأبرهة الأشرم وكيف أن الله سبحانه وتعالى سلط على جنوده طيراً أبابيل، ورأوا العقاب الإلهي لمن أراد أن يهدم الكعبة؛ بقيت هذه القصة في ذاكرتهم فكان عندهم خشية من أن يهدموا الكعبة ويعيدوها من جديد، فماذا فعلوا؟ أولاً، يعني هو في نية للبناء وفي تجهيزات وتحضيرات، لكن في نفس الوقت هناك خشية ومهابة. وهذا يدلنا كما قلنا على أن قريش التي حاربت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تعلم بوجود الله سبحانه وتعالى وتؤمن بهذا الإله، وكانت تعبد الله عز وجل، لكن مشكلتها أنها كانت تشرك معه غيره، هذه مشكلة أنها كانت تشرك عبادة الأصنام مع عبادة الله عز وجل. قريش المهم كما قلنا استعدت لبناء الكعبة ومن ضمن استعداداتها أنها جهزت الخشب للبناء، جمعت الأموال الطيب الحلال لبناء الكعبة، اتفقت قريش فيما بينها أننا لن نبني هذا البيت إلا من مال طيب حلال.

هؤلاء كفار أحبتي وكانوا يدركون قيمة المال الطيب الحلال، كانوا يتعاملون بالحرام لكنهم كانوا يدركون في أنفسهم قيمة المال الطيب الحلال والبركة فيه، فقالوا: لا نبني بيت الله عز وجل إلا من مال طيب حلال. فجهدوا المواد وجمعوا المال وقسموا مهمة بناء الكعبة بينهم؛ لأن قريش أكثر من فخذ فقسم عملية بناء الكعبة بين أفخاذها. فماذا، كيف كانت القسمة؟

يقول ابن هشام: ثم إن قريشاً جزأت الكعبة؛ فكان شق الباب لبني عبد مناف وبنو زهرة، بنو عبد مناف وبنو زهرة لهم واجهة الباب هذا القسم الذي فيه باب الكعبة، وما بين الركن الأسود والركن اليماني هذا القسم من الكعبة يبنيه من؟ قالوا: هذا يبنيه بنو مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليها. طيب، وكان ظهر الكعبة من الذي يبنيه؟ قالوا: هذا لبني جمح وبني سهم، وشق الحجر حجر إسماعيل هذا الشق الأخير وشق الحجر قالوا: هذه المنطقة الأخيرة يبنيها بنو عبد الدار بن قصي وبنو أسد بن عبد العزى وبنو عدي بن كعب. المهم قسموا أجزاء الكعبة الأربع بين قبائل قريش، كل مجموعة من القبائل تتولى بناء واجهة من واجهات الكعبة. لكن ما زالت كل هذه الأمور تحضيرات ولم يتم العمل بعد؛ لأن الهيبة والخشية ما زالت قائمة.

ماذا يقول ابن هشام؟ كيف تشجع كفار قريش لهدم البيت لإعادة بنائه؟ قال: ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه أي خافوا منه. فقال الوليد بن المغيرة -الوليد بن المغيرة هو والد سيدنا خالد بن الوليد ولم يسلم هذا الرجل مات كافرا وفيه نزلت آيات من كتاب الله عز وجل في سورة المدثر- لكن المهم الوليد بن المغيرة والد خالد بن الوليد ماذا قال لكفار قريش؟ قال: أنا أبدأكم في هدمها. قال وتشجع هو قال: أنا أبدأ في هدمها يريد أن الناس تتبعه. قال: فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم نزغ، اللهم لا نريد إلا الخير. يعني الوليد بن المغيرة اخذ المعول وبدأ يهدم في جدران الكعبة ويقول: اللهم إننا لا نريد ببيتك إلا الخير.

قال: ثم هدم من ناحية الركنين أي من بدأ بالهدم من هذه الجهة؛ فتربص الناس تلك الليلة، الناس لم تتشجع قالوا: ننتظر هذه الليلة ننظر ماذا يحدث بالوليد بن المغيرة، أنحل به عقاب إلهي كففنا عن هدم الكعبة، وإن مشت الأمور على خير أكملنا معه المسير. فتربص الناس تلك الليلة وقالوا: ننظر فإن أصيب أي أصيب بشر لم نهدم منها شيئاً ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله عن صنعنا فبدأنا نعمل معه. فأصبح الوليد من ليلته غادياً على عمله، أتى الصباح رأوا الوليد بن المغيرة ماسك المعول مرة أخرى ويريد أن يذهب إلى هدم الكعبة، فبدأ يهدم والناس تشجعت عرفت أن الله عز وجل لم يغضب على هذا الفعل؛ لأنهم كانوا فعلا يريدون الصلاح، فبدأ الناس يأخذون معاويلهم ويتبعون الوليد بن المغيرة في الهدم.

قال: فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس التي هي قواعد إبراهيم الخليل عليه السلام القواعد التي بنى عليها إبراهيم البيت، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أي أساس إبراهيم عليه السلام، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنم، أخذ بعضها بعضاً. إبراهيم عليه السلام كان قد بنى الكعبة ورفع أساسها من حجارة خضر؛ الله تعالى أعلم ما نوع هذه الحجارة، لكن تروي لنا كتب التاريخ أنها عبارة عن حجارة خضر كالأسنم، هذه هي الأساسات التي وضعها إبراهيم عليه السلام. المهم وصلوا إلى أساس إبراهيم، لما وصلوا إلى أساس إبراهيم بدأوا يبنون عليه ويكملون عليه الكعبة.

ثم القبائل من قريش جمعت حجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة تجمع حجارتها وحدها ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن، بالركن هنا الحجر الأسود؛ يعني كل قبيلة بدأت ببناء الشق الذي يختص بها، انتهى البنيان تقريباً وبقي عليهم أن يضعوا الحجر الأسود. فماذا فعلوا؟ قال: فاختصموا فيه. هنا بدأ النزاع بينهم، من الذي يحظى بشرف وضع الحجر الأسود في مكانه؟ كل قبيلة تريد لنفسها هذا الشرف أن تقول نحن الذي وضعنا الحجر الأسود. إذاً فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحالفوا وأعدوا للقتال. أصبحت هناك تحالفات؛ القبيلة الفلانية تتحالف مع القبيلة الفلانية ضد القبيلة الأخرى وهذه تتحالف مع زملائها ضد الأخرى، فبدأت التحالفات ووصل الأمر إلى حمل السلاح.

انظروا كيف كان تعظيمهم مع أنهم مشركون، كيف كان تعظيمهم لأمر الكعبة ولأمر الحجر الأسود! نستغرب اليوم أحبتي من أناس يزعمون أنهم من أهل القبلة من أهل الإسلام، والله لا يميلون في قلوبهم من توقير الله عز وجل ومن تعظيمه ربع ما كان يحمله كفار قريش من تعظيم لشعائر الله، على شركهم وكفرهم! أناس ينسبون أنفسهم إلى الإسلام يستهينون بهذه بعقيدة الإسلام، يستهينون بشعائر الإسلام، يستهينون أو يهينون القرآن ويهينون الكعبة ويهينون شعائر الدين، يقولون نحن مسلمون! عرفتم؟ أناس والعياذ بالله يتجرؤون على شتم الله عز وجل صراحة، أناس يتجرؤون على شتم المصحف على شتم النبي عليه الصلاة والسلام والعياذ بالله ثم يزعمون أنها لحظة غضب وأنهم مسلمون!

أحبتي، هؤلاء كفرة قريش كان عندهم من تعظيم الله ومن تعظيم شعائر الله ما يفوق حال كثير من المسلمين اليوم، فنسأل الله العظيم العافية أي والله نسأل الله العظيم العافية أن يكون الكافر المشرك عنده من تعظيم الله أكثر من تعظيم انسان يزعم أنه مسلم؟! أي والله إنه لعجب عجاب.

المهم كفار قريش كما قلنا بدأ النزاع بينهم ووصل الأمر إلى حد حمل السلاح، لكن هناك رجل عاقل اسمه أبو أمية بن المغيرة، هذا رجل قيل كان من أسن الناس في رجل كبير في السن، عندما رأى القوم تداعوا إلى حمل السلاح أراد أن يجد أن يضع حلاً لهذه الإشكالية حتى لا تسفك الدماء عند الكعبة المشرفة، فقال لهم: لماذا لا تحكمون بينكم أول رجل يدخل من باب الحرم؟ لماذا لا تحكمون بينكم؟ اقترح حل قال: لماذا لا نحكم بيننا أول رجل يدخل علينا من هذا الباب؟

فكفار قريش والقبائل اتفقت قالوا: خلاص، أول رجل يدخل من هذا الباب بغض النظر منه سوف نحكمه. فكان من تقدير الله سبحانه وتعالى ومن تدبير الله عز وجل لبيته أن كان الذي دخل من هذا الباب هو محمد صلى الله عليه وسلم، ففرح كفار قريش بذلك وقالوا: هذا الأمين هذا الأمين. يعني في إمام دخل الرجل المناسب في المكان وفي الوقت المناسب، فأتوا إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا كان قبل المبعث كان عمره خمساً أو خمسة وثلاثين عاماً.

فأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعرضوا عليه المشكلة، فالنبي عليه الصلاة والسلام بما آتاه الله عز وجل من الحكمة والفطنة قال لهم: أنا أقترح عليكم حلاً. ماذا كان حله عليه الصلاة والسلام؟ قال: أتوا بثوب. فأتوا بثوبه، وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحجر على هذا الثوب، قال: لتأخذ كل قبيلة من القبائل التي شاركت في بناء الكعبة بطرف هذا الثوب. فكل قبيلة بدأت تأخذ بطرف من هذا الثوب ورفعوا الحجر الأسود على هذه القطعة من القماش وبدأت كل القبائل تسير رويداً رويداً حتى وصلت إلى مكان الحجر الأسود.

الله سبحانه وتعالى أكرم نبينا عليه الصلاة والسلام أن حمل الحجر بيديه الشريفتين ووضع هذا الحجر في مكانه الصحيح، هكذا انتهى النزاع بين أهل مكة ورضي القوم جميعاً بأن الجميع نال نصيباً من شرف وضع الحجر الأسود، تركوا في بناء الكعبة. فكانت هذه هي واقعة بناء الكعبة التي احتكم فيها كفار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يشهدون له بالأمانة والصدق والعفة والطهارة.

لكن لماذا وقعت المشاكل بعد ذلك؟ طب أنتم يا كفار قريش، ألم تعلموا وتتيقنوا من حكمة محمد صلى الله عليه وسلم ومن صدقه ومن أمانته؟ لماذا عاديتم؟ لماذا حاربتم؟ لماذا واجهتم؟

نعم، إنه الاستكبار على الدين والاتباع للهوى يقود الإنسان إلى جحد الحقائق، نعم يقود الإنسان إلى جحد الحقائق التي كان يعلمها والاستعلاء عليها اتباعاً لهواه ولآبائه وأسلافه وليس اتباعاً للحق. ونسأل الله العظيم أن

دائماً إلى الصواب، وأن يرينا الحق حقاً وأن نثبت عليه، وأن يرينا الباطل باطلاً وأن نجتنبه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

إذاً، ابن أبي العز في البيت العشرين يقول: وبعد خمس وثلاثين حضر - أي حضر النبي صلى الله عليه وسلم - وبعد خمس وثلاثين من عمره حضر بنيان بيت الله لما اندثر؛ أي لما أن وقع البيت.

طبعا هو يعني كما تروي لنا كتب السيرة، إنه لم يكن هناك وقوع وذهاب وإنما كان كما قلنا البيت متزعزعا في بعضه، بسبب أنه كان مبني على حجارة فقط، حجارة لا يوجد بينها مادة لاصقة، ولم يكن لها لهذا البيت سقف.

فلما كان البيت بهذه الصورة المتآكلة، قرر كفار قريش أن يعيدوا بناءه، فليست القضية كما يفهم من ظاهر هذه المنظومة الذي من ظاهره أن البيت كان واقعا، قال: لما اندثر؛ أي لما أن ذهب وزال، وفي الحقيقة هو لم يكن مندثرا مندرسا، بل كان قائماً، لكنه كان فيه ضعف بسبب -كما قلنا- عوامل الطبيعة المختلفة التي مرت على البيت عبر قرون متطاولة.

إذاً، وبعد خمس وثلاثين حضر بنيان بيت الله لما اندثر، وحكموه وأرضوا بما حكم في وضع ذاك الحجر الأسود ثم، أي رضي القوم بما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم في وضعه ذاك الحجر الأسود، ثم أي هناك في مكانه الذي يوضع فيه، وفي المكان المعروف المتعاهد عليه.

وعرفنا تفاصيل عملية الحكم التي قام بها النبي صلى الله عليه، فهنا ابن أبي العز لقصر الأبيات يعطيك فقط إشارة للقصة، وعليك أنت أن تتعرف عليها من خلال كتب السير، قصة تحكيم النبي عليه الصلاة والسلام في مسألة وضع الحجر الأسود.

طيب، هنا بعد هذا البيت سينتقل ابن أبي العز بنا إلى المشهد العظيم، إلى المشهد الكبير، إلى المشهد الذي أذن الله سبحانه وتعالى به لتتغير هذه الأرض، ليتغير مجرى التاريخ؟ نعم، هذا المشهد هو بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

أذن الله سبحانه وتعالى لهذه الأرض أن يصلح حالها وأن ينتشر فيها الخير من جديد بعد أن عم فيها الشرك والكفر والظلام، فكان الإذن الإلهي نزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معلناً تاريخاً جديداً للناس، معلناً تغييراً تاريخياً قادماً مؤذناً بفجر حضارة ستقود هذه الأرض إلى قيام الساعة.

نعم، هذه الحضارة تأتيها لحظات ضعف كما نحيا نحن اليوم، وكما مر في عصور إسلامية سابقة، لكن هذه الحضارة لن تموت بإذن الله، تأتي فيها لحظات ضعف وتنهض، وفي لحظات الضعف الخير باقي، والله عز وجل يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته.

ولكن هي سنة الله عز وجل، لحظات الضعف ثم لحظات الانتصار، ثم يعود الضعف لتتبقى سنة المصارعة والمدافعة بين الحق والباطل قائمة إلى قيام الساعة.

فإذاً، ننتقل الآن إلى مشهد البعث مع ابن أبي العز، قال في البيت الثاني والعشرين: وبعد عام أربعين أرسل في يوم الاثنين يقيناً فانقلا، في رمضان أو ربيع لو ولي، وسورة تقرأ أول المنزلين.

قبل أن نشرح هذه الأبيات التي تتكلم عن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، نود أن ننقل شيئاً مما نقله علماء السير في كتبهم في الأمارات والدلائل والارهاصات التي تقدمت على بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

هناك إرهاصات، هناك دلائل حدثت مع النبي صلى الله عليه وسلم هيأه الله عز وجل بها للحظة البعث لهذه الأمة، ما هذه الإرهاصات؟ سأذكر ثلاثة منها ذكرها ابن هشام رحمة الله تعالى عليه، علامات وإرهاصات وقعت مع النبي صلى الله عليه وسلم أعدته ليكون رسولاً ونبياً لهذه الأمة.

أول إرهاص وأول علامة ما روته عائشة رضي الله تعالى عنها حين قالت: إن أول ما بدء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمته الرؤيا الصادقة، هذا أول إرهاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه كان يرى رؤى صادقة في منامه، يستيقظ في الصباح فتأتي الرؤيا كما رأها، فهذا أول إرهاص وأول علامة وأول إشارة للنبي صلى الله عليه وسلم.

قالت عائشة: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤيا في منامه إلا جاءت كفلق الصبح، يعني إذا استيقظ الصباح ما رآه في منامه يراه عياناً.

طيب، هذه إذاً العلامة الأولى قضية الرؤى الصادقة كانت كما قلنا من الإرهاصات، العلامة الثانية ما ذكره عبد الملك بن عبيد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد الله أن يكرمه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحصر عنه البيوت، يعني أبعد حتى يخرج من بين بيوت الناس، كان إذا أراد أن يقضي حاجته.

قديماً ما كان هناك بيوت للخلاء، كان الناس إذا أرادوا الخلاء والتبرز يخرجون إلى الصحاري أو إلى أماكن بعيدة عن بيوت الناس يقضون حوائجهم، وقال: وكان يفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها يقضي حاجته بعيداً بعيداً عن الناس.

وعندما يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ليقضي حاجته في أثناء طريقه، قال: لا يمر عليه الصلاة والسلام بحجر ولا بشجر إلا قال ذلك الحجر وذلك الشجر: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يميناً وشمالاً من الذي يسلم عليه فلا يجد أحداً.

فمكث النبي صلى الله عليه وسلم كذلك يرى ويسمع، يعني مكث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحالة مدة من الزمن حتى جاءه الوحي، فحينئذ عرف سر كل تلك الإشارات والعلامات والدلائل التي تقدمت، وعرف لماذا كان الحجر والشجر يسلم عليه؟

ابتداءً ما كان يعرف عليه الصلاة والسلام لماذا تسلم عليه الأحجار بهذا الكلام، ولا يدري من أين يأتيه الصوت، لكنه عرف بعد ذلك كل شيء.

أيضاً، إذاً هذه العلامة الثانية قضية تسليم الحجر والشجر عليه، العلامة الثالثة قضية أنه حبب إليه صلى الله عليه وسلم التحنث أي التعبد والاختلاء في غار حراء في مكة المشرفة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصعد إليه شهراً في كل عام، في السنوات الأخيرة قبل المبعث في آخر سنواته كان يصعد إلى غار حراء شهراً في العام.

يأتي لخديجة يقول لها: حضري لي الطعام والزاد، يأخذ هذا الطعام والزاد ويصعد إلى غار حراء يبدأ يتحنث ويتعبد وينظر في ملكوت السماوات والأرض، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يمارس الشرك أبداً، ووقاه الله عز وجل من الكفر وما فعل ما يفعل أهل مكة، بل كان مدركاً أن هناك سراً عظيماً وإلهاً عظيماً لهذا الكون، لكنه كان يبحث عن تفاصيل هذه الحقيقة وينتظر أن ينزل شيء يقود إلى الله عز وجل.

فكان فعلاً ما كان ينتظره صلى الله عليه وسلم، في يوم من الأيام وهو في غار حراء نزل عليه الوحي الإلهي من الله عز وجل.

دعونا ننظر قصة نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء يتحنث، قال عليه الصلاة والسلام: جاءني جبريل بنمط من ديباج فيه كتاب.

نزل جبريل -وهو الملك الذي يوكله الله عز وجل بإرسال الرسالات والنبوات- جاء جبريل ونزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بنمط من ديباج، يعني كأنها قماشة من ديباج فيها كتاب.

فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم -طبعا لك أن تتخيل النبي صلى الله عليه وسلم مدهوش، دخل عليه رجل لا يعرفه، أو يعني ما هي الصورة التي أتى عليها جبريل في هذه المرة الابتدائية؟ لا يظهر أنه أتى بصورته الحقيقية، لأن كما سنعلم إن شاء الله أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته الحقيقية في مرتين.

ما هي الصورة التي أتى بها جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء؟ هل أتى على صورة رجل غريب؟ هل أتى على صور أخرى؟ أنا ما عندي تفاصيل حقيقية دقيقة أستطيع أن أفهَم بها كيف كان أول نزول لجبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المهم أن النبي قال: جاءني جبريل.

كيف جاءه؟ هل جاءه على صورة رجل؟ قد يكون هذا أقرب شيء، لكن الرجل لا يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أي صورة الرجال جاء؟ المهم جاءه جبريل، هذا الذي يهمنا في هذه القصة.

جاءه جبريل كما قلنا قماش فيه كتاب فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ.

طبعا ما أنا بقارئ اختلف العلماء فيها علماء السيرة، بعضهم قال: ما أنا بقارئ أي أنه نفى، أي أنا رجل لا أقرأ ولا أكتب، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام بابي هو وامي أمياً لا يقرأ ولا يكتب.

وقيل: إن ما أقرأ هذا ليس إخباراً منه أنه لا يقرأ ونفياً للقراءة، وإنما هو استفهام أي ما أقرأ؟ أي ماذا تريد مني أن أقرأ؟ فهذا فهم وهذا فهم للعلماء.

المهم النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما أقرأ؟ قال: فأخذني جبريل فغطني غطة شديدة حتى تصبب مني العرق أو كما قال عليه الصلاة والسلام، ثم أطلقه جبريل فقال له مرة ثانية: اقرأ. فقال: ما أقرأ. فأخذه جبريل فغطه غطة ثانية فتصبب منه العرق، ثم تركه وأطلقه فقال له: اقرأ.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أقرأ على سبيل الاستفهام إذا أخذنا هذا الرأي، فأخذه فغطه الثالثة ثم أطلقه وقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العسق: 1-5].

نعم، بدأ الله سبحانه وتعالى رسالته لهذه الأمة برسالة العلم، رسالة القراءة، رسالة القلم والكتابة والفهم، لتكون هذه الأمة هي أمة اقرأ، أمة طلب العلم، أمة البحث، يعني المعرفة، أمة الإنجاز، أمة الحضارة، لا لتكون أمة النوم والكسل والعبث واللهو والضعف والعجز، أمة تعبث بها الأمم.

حينما نقارن أحبتي حال أمتنا اليوم بحال أعدائنا، وتنظرون في الدراسات والقراءات التي تتكلم عن حجم القراءة التي تمارسها الأمة العربية والإسلامية، شيء مبكي! حجم طلب العلم، حجم المعرفة، حجم الإنجاز الحضاري الكتابي التصنيفي، نجد شيئاً مبكياً حينما نقارن أنفسنا بأعدائنا.

أعداؤنا يقرؤون أكثر منا، أعداؤنا يهتمون بالأبحاث والدراسات أكثر منا، ونحن نهتم باللعب والعبث، أمة اقرأ التي قال الله عز وجل لها في أول رسالة منه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ رسالة ودعوة إلى المعرفة، رسالة واضحة: تعلموا، انظروا في أسرار الكون، انظروا في الحياة، استخرجوا هذه القوانين وظفوها وأعمروا بها هذه الأرض وفق منهج الله سبحانه وتعالى، اطلبوا العلم.

أما أن نبقى كسالى نعبث ونلهو، وإذا أتتنا مجالس العلم والمعرفة سرعان ما ننقطع عنها ونتكاسل ونخلد إلى لهو الحياة وعبثها، والله ليس هذا دأب أمة اقرأ، ليس هذا دأب الأمة التي تريد أن تنجز وأن تتقدم وأن تبني وأن تسود الأمم، الأمة التي تريد أن تعيد المقدسات التي سلبت، الأمة التي تريد أن تعيد الشريعة التي طمست وذهبت آثارها.

نعم، هذه الأمة لابد لها أن تتعلم وأن تبدأ رحلتها من القراءة، من طلب العلم، من طرق أبواب المعرفة، لأن الله قال لها: اقرأ.

إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم في لحظة الندهاش وصلته هذه الآيات من جبريل عليه السلام وما زال النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف ما الذي يحدث الآن.

طيب، دعونا نكمل مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يروي لنا هذه القصة، قال: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني.

جبريل بعد أن قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الخمس آيات، النبي صلى الله عليه وسلم قرأها ثم انتهى هذا اللقاء بينه وبين جبريل، قال: فانصرف عني، قال: فكأنما كتبت في قلبي كتاباً.

يعني هذه الآيات الخمس كأنما حفرت ونقشت في قلبه حفراً، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، قال: فخرجت -الآن تتخيل إنسان يحدث معه مثل هذا المشهد، بالتأكيد سيخرج فزعاً مدهوشاً، لا يعرف ما الذي يحدث الآن، هناك حدث عظيم جلل، الأمور لا تسير وفق الحالة الطبيعية- فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً.

قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل -كان في وسط الجبال، هو الآن خرج فزعاً يريد أن يعود إلى خديجة إلى منزله ليخبرها بهذا الحادث العظيم الذي وقع معه- قال: لما نزلت في وسط الجبل قال: سمعت صوتاً من السماء، سمع صوتاً ماذا يقول؟ يقول: يا محمد، أنت رسول الله، أنا جبريل.

قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، قال: فاذا جبريل في صورة رجل، لاحظوا في صورة رجل، لذلك أنا رجحت ابتداءً أن يكون جبريل أتى في أول مرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصورة رجل، لكن على أي صورة الرجال؟ الله تعالى أعلم.

المهم قال: فإذا جبريل في صورة رجل صافٍ قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل.

قال: فوقفت أنظر إليه، مشهد عظيم! تخيل صوت يأتي من السماء يجلجل في أرجاء السماء لم يسمعه إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الصوت ينادي عليه ويقول: يا محمد، أنت رسول الله.

والله مشهد عظيم أحبتي، إنسان يتخيل النبي عليه الصلاة والسلام وهو في ذاك الموقف وهو يعيش اللحظات الأولى من لحظات مبعثه إلى هذه الأمة.

قال: فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتاخر، تسمر في مكانه، ينظر إلى السماء إلى هذا الرجل الذي ينادي بصوت مرتفع: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل.

قال: فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك.

يعني النبي عليه الصلاة والسلام كان موعد رجوعه إلى خديجة قد حان ولكنه تأخر عليها. فخديجة لها موعد معتاد مع النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا موعد قدومه، فلما تأخر النبي عليه الصلاة والسلام خديجة المرأة الصالحة خافت على زوجها فأرسلت رسلها يبحثون عن محمد صلى الله عليه وسلم في أعالي مكة، ويذهبون ويصعدون وما يعرفون أين محمد، لا يعلمون أن محمد في وسط الجبال يقف مدهوشا ينظر إلى جبريل وهو يناديه. إذن خديجة بعثت رسلها تبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم لكنهم لم يجدوا محمدا.

لماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم كان قد تسمر في مكانه ينظر إلى هذا المشهد العظيم ثم ذهب جبريل وانصرف. فالنبي صلى الله عليه وسلم ازداد خوفه ازداد فزعه فذهب مسرعا يركض إلى بيت خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها، قال: انصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست عندها مضيفا إليها أي مائلا إليها إلى صدرها وفخذها استلقى في حضن زوجته ذاك الحضن الدافئ، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت أين كنت يا محمد يا أبا القاسم.

قال: فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ، لقد أرسلت رسلي في طلبك وبحثوا عنك لم يجدوك أين كنت؟ ثم حدثتها بالذي رأيت. بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يحدث خديجة بذاك المشهد العظيم الذي رآه.

فانظروا كيف كان موقف المرأة الصالحة، وهذا الموقف يجب أن تقفه كل امرأة داعية مع زوجها، كل امرأة تريد أن تثبت زوجها في دعوته إلى الله سبحانه وتعالى وفي مسيره في حياته لخدمة هذا الدين. المرأة الصالحة وظيفتها أساسية في أن تثبته وأن تشد من أزره وأن تعضده، فثبات طالب العلم في طلبه للعلم هذا شاء الله بالزوجة الصالحة المثبتة العاقلة، وثبات الداعية في طريقه إلى الله عز وجل على ما يلقاه من الأذى في سبيل الله هذا يكون بالمرأة الصالحة المطيعة لله المحتسبة عند الله عز وجل، فهذه المرأة هي خير متاع الدنيا.

فالنبي صلى الله عليه وفقه الله عز وجل لامرأة عاقلة رشيدة كخديجة بنت خويلد. انظروا خديجة بنت خويلد كيف عالجت هذا الموقف؟ خديجة بنت خويلد آتاها النبي صلى الله عليه وسلم فزعا واتكأ في حضنها وهي تعلم أخلاقه وشمائله، فحينما قص لها النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه التفاصيل أدركت أن زوجها سيكون له شأن، وأن هذا شأن العظماء الشرفاء أمثال محمد صلى الله عليه وسلم، ما قالت له يا فلان ماذا تتكلم؟ إيش هذه القصص؟ ماذا حدث بعقلك؟ كلا كلا. امرأة عاقلة رشيدة تعرف من محمد صلى الله عليه وسلم؟ تدرك أن هذا الرجل لا يهذي، لا بالعبث، وأن هذا الرجل على أخلاقه وشمائله لابد وأن يكون له شأن. فقالت له: يا ابن عم أبشر واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.

كان هذه المرأة قد أضمرت في قلبها شيئا عبر سنوات من الحب الصادق بينها وبين محمد صلى الله عليه وسلم، كانت تدرك أن شمائل هذا الرجل وأن صفات هذا الإنسان ليست كغيره، هذه شمائل لا تكون إلا لأنسان هيأه الله عز وجل لأمر، فلما وقع هذا الأمر بفراستها الصادقة أدركت أن هذا هو الأمر الذي كانت تضمره وكانت تنتظره، أن الله عز وجل سيجعله نبيا لهذه الأمة.

وأكملت كما تروي لنا الأحاديث الصحيحة تروي، أكملت تثبيتها لزوجها وتصبيرها له في هذا الموقف العظيم تريد أن تثبت هذا القلب. قالت له: والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف أي تعطي الضيوف الضيافة المحترمة الكريمة التي تدل على كرمك، إنك لتصل الرحم وتكسب المعدوم، الإنسان المعدوم تعطيه، وتقري الضيف، الضيف الذي يأتيك تكرمه، وتعين على نوائب الحق، تعين الناس على مصائبهم وعلى حياتهم، فإنسان مثلك بهذه الصفات العالية يصل رحمه ويساعد الناس وينهم واقف معهم في شدائدهم لا يخزيه الله أبدا، بل هو إنسان موفق والله عز وجل سيرشده إلى الخير. انظروا كيف استدلت؟ كيف بنت على أن النبي عليه الصلاة والسلام من أخلاقه من شمائله من هديه أدركت أن هذا الرجل لا يمكن أن يتصف بهذه الصفات العليا إلا لأنه مهيأ لهذه الأمة؟

ثم مباشرة بعد أن انتهى مجلسها مع النبي عليه الصلاة والسلام قامت فجمعت خديجة ثيابها وذهبت إلى ابن عم لها تنصر، لكنه تنصر على عقيدة التوحيد، تنصر على عقيدة التوحيد وهو ورقة بن نوفل، وورقة بن نوفل كان عنده علم بالكتب السماوية السابقة، ويعرف التوراة ويعرف الإنجيل، فجاءت خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل فأخبرته بما حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم وبما رأى وبما سمع.

فقال ورقة: قدوس قدوس، يعني تنزيه تنزيه، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر، الناموس الأكبر هو اسم لجبريل عليه السلام في الكتب السابقة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه السلام، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت.

النبي عليه الصلاة والسلام لم يأت بعد في هذا اللقاء الأول بين خديجة وورقة بن نوفل. خديجة تلقفت هذه الكلمات من ورقة بن نوفل وعادت إلى محمد صلى الله عليه وسلم سريعا لتشره ولتزيده ثباتا. فرجعت خديجة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة.

فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فقال: يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت. المهم يعني النبي صلى الله عليه وسلم سمع من خديجة ماذا قال ورقة بن نوفل، كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان كلما نزل من غار حراء وعاد إلى زوجته أنه يذهب إلى الكعبة يطوف بها ثم يعود إلى خديجة. لكن هذه المرة من شدة فزعه عليه الصلاة والسلام ذهب مباشرة إلى خديجة ولم يطف بالكعبة من شدة فزعه، فعندما حينما هدأ روعه عليه الصلاة والسلام وعادت إليه قواه خرج فعاد فطاف بالكعبة ليقضي ما فاته، ثم ذهب بنفسه إلى ورقة بن نوفل.

فماذا قال له ورقة بن نوفل؟ قال له ورقة بن نوفل: يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت. ورقة بن نوفل يريد أن يتأكد، ورقة كان ممن يبحث عن التوحيد، يبحث عن الحقيقة الصادقة ولم يكن وثنيا كحال كفار قريش، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى وبما سمع، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتذبن ولتؤذين ولتخرجن ولتقاتلن.

انظروا الكلمات التي واجه بها ورقة بن نوفل النبي عليه الصلاة والسلام، يريد أن يخبر محمد صلى الله عليه وسلم بالحقيقة التي تنتظره وتنتظر كل إنسان يحمل هم هذا الدين، أي إنسان يحمل هم هذا الدين لابد وأن يصيب به ما أصيب به محمد صلى الله عليه وسلم، والله لتكذبن ولتؤذين ولتخرجن أي من بلدك ولتقاتلن.

هذا هو منهج الأنبياء ومنهج ورثة الأنبياء من العلماء ومن الدعاة. نعم، العلماء الربانيون الصادقون الدعاة الذين يسيرون على منهج محمد صلى الله عليه وسلم بثبات لابد وأن يؤذوا، لابد وأن يحاربوا، لابد وأن يسجنوا، لابد وأن تغيب أجسادهم الطاهرة، لابد وأن يسلط عليهم الأعداء لتبقى المدافعة بين الحق والباطل قائمة كما أراد الله، هي سنة كونية خلق الله عز وجل هذا الكون عليها.

سنة المدافعة بين الحق والباطل يسلط الله عز وجل على أهل الحق على أهل العلم على أهل الدعوة أناسا من الفجرة الكفرة يصومونهم يعذبونهم يطاردونهم يلاحقونهم ليباهي الرب سبحانه وتعالى بهؤلاء الصابرين بهؤلاء الأولياء من العلماء والدعاة يباهي بهم ملائكته. الملائكة التي قالت للرب سبحانه وتعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]. الله عز وجل قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]. فالله عز وجل يباهي بهؤلاء الخلق الذين عبدوه ونصروا دينه مع أن مقتضى الشهوة ومقتضى الراحة موجود عند الأنبياء وموجود عند الدعاة وموجود عند العلماء لكنهم آثروا طاعة ربهم على شهوتهم، آثروا محبتهم لله على محبة الدنيا فتحملوا وصبروا على الأذى، على التهجير، على التقتيل، على سفك الدماء، على التغريب.

نعم آمنوا وصبروا لأنهم أدركوا طبيعة هذا الطريق، لكنهم في نفس الوقت يدركون الثمن الذي ينتظرونهم عند الله سبحانه وتعالى. إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم.

نعم الأنبياء والدعاة والعلماء الصادقون وهبوا أرواحهم ووهبوا حياتهم ووهبوا لله سبحانه وتعالى هذه الأرواح وهذه الأنفس ستفنى من أجله عز وجل، نعم ربما تباد، ربما تؤسر، ربما تطرد تعذب، لكن في النهاية الله عز وجل اشترى ونعم الصفقة التي يكون فيها الله عز وجل هو المشتري، ونعم الثمن الذي ينتظركم أيها العلماء والدعاة.

إذا ورقة بن نوفل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم يعرفه الطريق يقول لتذبن ولتقتلن ولتخرجن ولتؤذين. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لورقة: أو مخرجيهم؟ النبي عليه الصلاة والسلام ما تخيل أن كفار قريش الذين كانوا يحكمونه في أمور حياتهم ويقولون هذا الصادق الأمين لم يتوقع أن هؤلاء القوم الذين كانوا يحملون له الحب والود ويثقون به في يوم من الأيام سيخرجونه من دياره ويطردونه طردا ما كان يتخيل، قال: أو مخرجيهم يا ورقة؟ قال: لم يأت أحد بمثل ما أتيتم به إلا عودي. لم يأت أحد بمثل ما أتيت به يا محمد إلا عودي، هذه هي السنة يا محمد فوطن نفسك على ما ينتظرك.

النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عند ورقة بن نوفل وعاد إلى منزله، طبعا هو فقط على الهامش ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رآه في الجنة في ثياب بيض رجل مات موحدا لله سبحانه وتعالى مؤمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو بإذن الله من أهل الجنة، رضي الله عن ورقة بن نوفل وعن خديجة بنت خويلد وعن كل الصحابة الكرام.

تمام، إذا نعود إلى ابن أبي العز الحنفي بعد أن سردنا قصة بعث النبي عليه الصلاة والسلام. ابن أبي العز يقول: وبعد عام أربعين أرسل، لم، عندما أكمل النبي صلى الله عليه وسلم الأربعين من عمره أرسله الله عز وجل. في أي يوم بعث؟ يعني في أي يوم جاءه جبريل وقال له اقرأ قال ما أنا بقارئ؟ هذه قصة في أي يوم؟ في يوم الاثنين، والذي أخبرنا أنها في يوم الاثنين هو النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم قال عن يوم الاثنين: «ذلك يوم ولدت فيه وبعثت فيه». فأخبر أن المبعث كان في يوم الاثنين قال في يوم الاثنين يقينا فنقوله.

طيب، إذا هو لما أكمل النبي صلى الله عليه وسلم الأربعين من عمره، وفي أي يوم؟ في يوم الاثنين. طيب في أي شهر كان المبعث؟ في الحقيقة هناك خلاف بين علماء السير في الشهر. أنتم ربما المعهود لديكم أن المسألة محسومة، أن المبعث كان في شهر رمضان. لا، في الحقيقة هناك خلاف بين علماء السير، وأكثر علماء السير على أنه لم يكن في شهر رمضان. معلومة جديدة، أكثر علماء السير أن أول مشهد وأول لقاء بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جبريل لم يكن في شهر رمضان. أكثر العلماء، هناك من قال في شهر رمضان، لكن أكثر العلماء على أنه كان في شهر ربيع الأول. لذلك ابن العز ذكر الخلاف، قال: في رمضان أو ربيع الأول وسورة تقرأ وأول المنزل هذا المشهد مشهد البعثة كان إما في رمضان أو في ربيع الأول.

وهنا أنقل لكم ما ذكره ابن القيم في زاد المعاد، يقول الإمام ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في زاد المعاد: ولا خلاف أن مبعثه صلى الله عليه وسلم كان يوم الاثنين، واختلف في شهر المبعث، فقيل لثمان مضين من ربيع الأول، هذا الرأي الأول الذي ينقله ابن القيم أنه قيل إنه كان في ثمانية من شهر ربيع الأول اليوم الثامن من شهر ربيع الأول في سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، قال: هذا قول الأكثرين، إذا قول أكثر العلماء على أن البعثة كانت في شهر ربيع الأول في الثامن من ربيع الأول.

وقيل، بل كان ذلك في رمضان. والذين قالوا إنه في رمضان احتجوا بماذا؟ احتجوا بقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]. قالوا إذا القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أي شهر؟ في شهر رمضان، إذن لابد أن يكون اللقاء الأول بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جبريل الذي وقع فيه حادثة اقرأ وما أنا بقارئ لابد أن يكون وقع في شهر رمضان. إذا احتج هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، قالوا أول ما أكرمه الله أن أنزل عليه القرآن، وهذا كما قلنا طائفة من العلماء. طب الأولون؟

الأكثر الذين قالوا إن المشهد الأول بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جبريل كان في شهر ربيع الأول، كيف يردون على حجة القول الثاني؟ القول الثاني لديهم حجة جيدة، أن الله عز وجل يقول: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، قالوا إذاً ظاهر هذا النص يدل على أن أول شيء نزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم كان في شهر رمضان.

قالوا إذاً الواقعة التي حدثت بين جبريل وبين النبي صلى الله عليه وسلم ونزل فيها أول شيء من القرآن لابد وأن تكون في شهر رمضان. لكن أكثر العلماء لا يفهمون هذه الآية على هذا الفهم الذي يفهمه الفريق الثاني، بل ماذا يقولون؟ يقولون معنى هذه الآية، معنى أنزلناه في ليلة القدر ومعنى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تخبر أن القرآن نزل في شهر رمضان، المراد بها نزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا.

هناك قول كثير من العلماء أن الذي نزل في ليلة القدر ليس جزء معين من القرآن، بل القرآن كله نزل في ليلة القدر. طب كيف القرآن كله نزل في ليلة القدر؟ قال: نحن نعرف أن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم منجماً أي متفرقاً على مدة ثلاث وعشرين عاماً مدة الدعوة، فكيف تقول يا شيخ إن القرآن نزل كله في ليلة القدر؟ يقول العلماء: القرآن نزل كله في شهر رمضان في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وهذا رواه ابن عباس وطائفة من الصحابة الكرام، وثبت عنهم بأسانيد جيدة.

أن القرآن نزل كله من السماء من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أخذ ينزل متفرقاً منجماً على النبي صلى الله عليه وسلم مدة ثلاثة وعشرين عاماً. فالآيات التي تقول إن القرآن أنزل في ليلة القدر وفي شهر رمضان ليس المراد منها أول خمس آيات من سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، بل المراد بنزول القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان أنه نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة، بيت اسمه بيت العزة في السماء الدنيا، الله أعلم كيف هو، ثم بعد ذلك ينزل القرآن منجماً على مدة ثلاثة وعشرين عاماً.

وأما أول خمس آيات من سورة العلق فكان نزولها على النبي صلى الله عليه وسلم متى؟ في ثامن من شهر ربيع الأول. إذاً هذا الرأي كما قلنا ذهب إليه أكثر العلماء، أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أول لقاء بينه وبين جبريل كان في الثامن من ربيع الأول، وأن معنى نزول القرآن في ليلة القدر نزول جملة أي بأكمله إلى بيت العزة في السماء الدنيا فقط، ثم أخذ ينزل منجماً بعد ذلك.

هناك رأي آخر لا، إنه المراد أن أنزل القرآن في ليلة القدر وأنزل في شهر رمضان هي أول خمس آيات التي أتى بها جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء، وبالتالي يكون مبعث النبي عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان. فهذا الخلاف الدائر بين العلماء في هذه القضية، إذاً في رمضان أو ربيع الأول؟ وسورة اقرأ أول المنزلين؟ أكيد أول خمس آيات طبعاً من سورة اقرأ هي أول شيء نزل على النبي صلى الله عليه وسلم كما تبين لنا.

طيب النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل بعد ذلك بفترة، وعلمه جبريل الوضوء والصلاة، وكانت الصلاة ابتداء ركعتان في الصباح أو ركعتين في الصباح وركعتين في المساء. هذا الذي ذهب ابن أبي العز ليفصله بعد أن قال: وسورة اقرأ أول المنزل، قال: ثم الوضوء والصلاة علمه جبريل وهي ركعتان محكمة، وهي ركعتان محكمة. إذاً ما هي قصة تعليم جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام الوضوء والصلاة؟ دعونا ننظر ماذا ذكر علماء السير في هذه القصة، أنقلها لكم من كلام ابن إسحاق.

قصة تعليم جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة، يعني أنا أنص على هذا المشهد لأن ابن أبي العز ذكره في المنظومة فكان علي أن أذكره. يقول ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حينها افترضت على النبي صلى الله عليه وسلم، ليس المراد فرض خمس الصلوات لا، هذا في البداية في أول الأمر حين افترضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، اتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين، أي نبعت عين ماء من بطن الوادي.

توضأ جبريل أمام النبي صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ليريه، أي ليعلم جبريل النبي صلى الله عليه وسلم كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ النبي صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل توضأ. أنظروا كيف التعليم بالفعل، يعني جبريل توضأ أمام النبي عليه الصلاة والسلام، ثم طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يتوضأ أمامه ليتأكد أن المعلومة وصلت إليه. ثم قام به جبريل فصلى به، قام جبريل فصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان مأموماً خلفه.

ثم انصرف جبريل وعلمه أن عليك يا محمد ركعتان في الصباح وركعتان في المساء، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت خديجة وتعلمت من النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء، ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت خديجة بنت خويلد هي أول شخص آمن بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتوضأ وصلى معه.

طبعاً هذا الحديث بعض علماء السير يضاعفه كالسهيلي في الروض الأنف، يقول هذا الحديث حديث نزول جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم في بداية البيت هو تعليم الوضوء بالصلاة حديث فيه انقطاع، وفي إسناده ابن لهيعة، وابن لهيعة معروف ضعفه عند العلماء. لكن هذا الحديث في الحقيقة وإن كان فيه ضعف، لكنه له متابعات وله عدة طرق. وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم من حديث زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل اتاه، أي اتى النبي عليه الصلاة والسلام في أول ما أوحي إليه فعلمه الوضوء والصلاة.

فإذاً في الحقيقة قضية تعليم جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة في بداية البعثة حديث له عدة طرق، لذلك يرى ابن أبي العز الحنفي أنه ثابت، وقد أورده كثير من العلماء المحققين من المعاصرين في كتب السير، لذلك نحن بإذن الله نعتمده لوجود المتابعات له. إذاً نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر وعلمه الوضوء وعلمه كيف يصلي، وكان الأمر ابتداء ركعتان كما قلنا في الصباح وركعتان في المساء.

ثم قال في البيت الخامس والعشرين: ثم مضت عشرون يوماً كاملة، فرمت الجن نجوم هائلة. الجن مفعول به مقدم، ونجوم فاعل مؤخر. يعني رمت النجوم الهائلة الجن. ما هي أيضاً هذه القصة؟ سأعود أحبتي لسرد ماذا وقع مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته والتعذيب، لكن الآن سأشرح هذه الأبيات، ثم أعود لقضية ما وقع مع النبي صلى الله عليه وسلم وأسرد لكم ما ذكره ابن هشام، لكن يهمني أن أعلّق على هذه الأبيات.

البيت في البيت الخامس والعشرين: ثم مضت عشرون يوماً كاملة، فرمت الجن نجوم هائلة. ما معنى النجوم الهائلة هنا؟ وما هي هذه القصة؟ ابن الجوزي رحمة الله عليه إمام كبير له كتب وتعليقات في السير، ماذا يقول؟ يقول في صفة الصفوة، يقول: قال علماء السير: رأت قريش النجوم يرمى بها بعد عشرين يوماً من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي بعد عشرين يوم من لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بجبريل في غار حراء، بعد عشرين يوم كفار قريش رأوا أن السماء تكثر فيها النجوم التي تهوي، رأت قريش النجوم يرمى بها نجوم تهوي وشهب تنزل بعد عشرين يوم من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

هنا وقف ابن الجوزي، لكن في الحقيقة القضية فيها أحاديث، روى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يسمعون الوحي. عادة الجن كانت أنها تتسلق إلى السماء حتى تسمع من الوحي، وتأخذ الكلمات من الملائكة ما يدار في الملأ الأعلى، تأخذ وتلتقط بعض الكلمات وتأتي بها إلى الكهان وإلى العرافين يتكلمون به. إذاً كان الجن يصعدون إلى السماء يسترقون السمع ويسمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعة، يعني يسمعون كلمة من الحق ويخلطون معها تسعة من الكذب.

بل كما سيأتي معنا إن شاء الله ربما في شرحنا على أامية ابن الوردي، قول النبي صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمة من الحق التي يقولها الكهان إنما يقذفها الجن في أذن وليه فيخلطون معها مئة كذبة، يعني هي كلمة واحدة من الحق ومعها مئة كذبة. هذه عورة الجن وعورة اتباع الجن من الكهان والعرافين وغير ذلك من المنجمين، أنهم يخلطون الحق الذي استرقوه بباطل كثير.

قال: فأما الكلمة فتكون حقاً، وأما ما زاد الجن فيكون باطلاً. المهم فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن الله ببعثته منعوا مقاعدهم، يعني كان ابتداء الله سبحانه وتعالى يعلم أنهم يصعدون إلى السماء ويعلم عز وجل أنهم يسترقون السمع، لكن لم يكن عز وجل مانعاً لهم، تركهم على حالهم، لكن لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم انتهى الأمر، أغلق عليهم باب استراق السمع، وقد ورد ذلك في سورة الجن، ألا تقرؤوك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 9]. هذه هي القصة، أن الله عز وجل كان تاركاً لهم يسترقون من كلام الملائكة في الملأ الأعلى ما يسترقون، لكن لما أذن الله ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم صدر أمر إلهي بمنعهم تماماً من استراق السمع، فلن يستطيعوا أن يعارضوا أمر الإله العظيم.

المهم كما قلنا الجن كانوا ابتداء يسترقون السمع من الملائكة، ثم بعد عشرين يوم من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أراد الجن أن يصعدوا ليسترقوا السمع كعادتهم، فوجدوا أن السماء محروسة من الملائكة وأنهم ممنوعون تماماً من استراق السمع، فتعجبوا من هذا الأمر، يعني ما الذي حدث؟ لابد وأن هناك شيئاً حدث كان سبب هذا الانقلاب في عالم الملكوت، فذكروا ذلك لإبليس، أتوا إلى سيدهم الأكبر إبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، ما كانوا يعتادون أن النجوم تلحقهم لتقتلهم.

فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض. هذه القصة قصة أنكم تمنعون من استراق السمع، لابد أن هناك شيئاً حدث في الأرض، فانظروا ماذا حدث. فبعث جنوده، بعث إبليس جنوده الدوريات حتى تلف على المناطق في البقاع الأرضية، فوصلوا إلى أنحاء الأرض وإلى أقطارها، وكانت منهم طائفة توجهت إلى مكة وإلى تهامة، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذه الطائفة التي توجهت إلى مكة وجدت النبي صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي بين جبلين. النبي عليه الصلاة والسلام في بداية ما كان يستطيع أن يجهر بالصلاة بين أهل مكة، ولم يكن أصلاً وصله الأمر بالجهر بالدعوة، فلذلك كان يصلي متخفياً بين جبال مكة حيث لا يراه أحد. فطائفة من الجن التي هي دوريات إبليس التي أرسلت للبحث عما حدث، طائفة من الجن وصلت إلى هذا الجبل فرأت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فعادت إلى إبليس فأخبرته أن هناك رجلاً يفعل كذا وكذا.

فقال إبليس: هذا هو الحدث الذي حدث في الأرض. إذاً إبليس كان يدرك أن الله عز وجل لن يدع الأمر على ما هو عليه ولن يبقى هذا الظلام مسيطراً عاماً على هذه الأرض، بل إذا أذن الله عز وجل بأمر هيأ له أسبابه، فقال إبليس: هذا الحدث هو الذي حدث في الأرض. فهذه قصة ثم مضت عشرون يوماً كاملة، فرمت الجن نجوم هائلة، أي بعد عشرين يوم من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بدأت السماء ترمي الشهب والنجوم على الشياطين والجن الذين يحاولون استراق السمع.

طيب في البيت السادس والعشرين سينتقل ابن أبي العز للكلام عن موضوع متى أذن للنبي صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة، قال: ثم دعا في أربع الاعوام بالامر جهرة إلى الإسلام. أي بعد أن انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاث سنوات من بعثته ودخل في السنة الرابعة، أذن له في السنة الرابعة بالجهر بالدعوة.

لكن أنا قبل ما أدخل في السنة الرابعة سنة الجهر بالدعوة أريد أن نقف مع بعضنا على شيء من ملامح الدعوة السرية التي استمرت ثلاث سنوات، لا نريد أن نقطع المشاهد قطعاً حاداً، لأننا لو شرحنا كلام ابن أبي العز بتفاصيله من دون أن نتوسع سيكون هناك انقطاع في بعض المشاهد، وأنا في الحقيقة أريد أن تكتمل صورة السيرة بشكل مختصر لدينا.

فالنبي صلى الله عليه وسلم خلال ثلاث سنوات أحبتي من الدعوة السرية بدأ يحاول أن يلتقط الزملاء والأحباب والأنصار له، لكن بشكل سري جدا، ولا يحاول أن يجهر بهذا أمام كفار قريش، وإن كان الأمر بدأ يتسرب رويدا رويدا إلى بيوت مكة أن هناك دينا جديدا، ومحمدا صلى الله عليه وسلم يدعو إلى أمر، لكن التفاصيل ما كانت ظاهرة بعد، لأن الأمر كان سرا.

من أول الناس الذين اسلموا بالنبي مع النبي صلى الله عليه وسلم خلال الدعوة السرية؟ أول من أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك خديجة بنت خويلد، تلك الزوجة الصالحة الطيبة الطاهرة التي نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ليقول له: يا محمد، أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب، القصب هو اللؤلؤ المجوف.

انظروا، الله عز وجل تكريما لهذه المرأة الصالحة التي وقفت مع زوجها وثبتته وعضدته وأزرته، انظروا، الله عز وجل لا ينسى، الله لا يضيع أجر المحسنين أحبتي. والله من ثبت وصبر وعضد وآزر واستعلى على شهوة نفسه وكابر من أجل أن يعلي دين الله سبحانه وتعالى ولأن يخدم هذا الدين بأقل مقدار. يعني خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها نصرت هذا الدين بلسانها، أزرت النبي صلى الله عليه وسلم بالدعم المعنوي، بالتحفيز، بالتشجيع، بالتثبيت، فالله عز وجل لم ينس لها هذا الموقف، فانزل جبريل من فوق سبع سماوات ليقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب.

القصب كما قلنا هو اللؤلؤ المجوف أي في الجنة لا صخب فيه ولا نصب. نعم يا خديجة، هناك نصب في الحياة الدنيا، محمد صلى الله عليه وسلم وطريق الدعوة طريق ستتعبون بها جميعا، لكنكم في النهاية موعودون ببيوت رائعة جميلة جدا في جنات النعيم، بيت من لؤلؤة لا صخب فيه ولا نصب، ما فيه تعب، لكن اتعبوا في هذه الحياة الدنيا وعضوا بالنواجذ واقبضوا على الجمار، والراحة تنتظركم في جنات النعيم.

لذلك حينما سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: يا إمام، متى الراحة؟ فقال: عند أول قدم تضعها في الجنة. أي والله أحبتي، من ظن أن هذه الدنيا فيها راحة فقد أخطأ المسلك، من أراد وطلب الراحة في هذه الحياة الدنيا ما عرف الطريق إلى الله عز وجل. الطريق إلى الله طريق فيه تعب، فيه سهر ليال، فيه ظمأ هواجر، فيه هجرة عن الأوطان، فيه أذى، ولكن الراحة أن الله سبحانه وتعالى من خاف في هذه الدنيا الله سبحانه يؤمنه يوم القيامة، من تعب في هذه الدنيا الله عز وجل يريحه يوم يلقاه.

فأي إنسان مبتلى ابتلاه الله عز وجل بمرض أو فقر أو ضيق أو بزوج سيء المعشر أو بزوجة سيئة الخلق أو ابتلاه الله عز وجل بأذى الأعداء، ابتلاه الله بأي أذى ليصبر وليحتسب وليعلم أن هذه الدنيا إنما جبلت على الأكدار، هذه الحياة الدنيا أتريدها صفوا وقد جبلت على الأكدار؟ لا يمكن أحبتي، لابد أن تبتلى، ولكن الراحة عند الله عز وجل في جنات النعيم. يا محمد، جئت لأبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

بدأ النبي صلى الله عليه وسلم رحلته الدعوية مع زوجته الصالحة الصابرة خديجة بنت خويلد وبدأ كما قلنا يركز على دائرة المقربين منه، فكان من أوائل من أسلم معه علي بن أبي طالب. لماذا علي بن أبي طالب بالتحديد؟ يروي علماء السير أن أبا طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام كثر عياله وكان فقيرا لم يكن ذا مال كثير، فالنبي عليه الصلاة والسلام وفاء لعمه ولما أسدى له من رعاية في فترة الصغر أراد أن يساعد عمه في رعاية بعض أبنائه، فأتى للعباس بن عبد المطلب وهو شقيق أبي طالب فقال: يا عم، يعني يا عباس، ما رأيك أن نتعاون أنا وانت في رعاية بعض أبناء عمي أبي طالب، لعلنا نخفف عنه من المؤونة؟ فقبل العباس ذلك.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ من أبناء أبي طالب عليا، والعباس أخذ جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فهما والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ علي بن أبي طالب، فكان علي بن أبي طالب يتربى في بيت النبي عليه الصلاة والسلام. وبالتالي لما أسلم، لما جاء أو جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبدأت الدعوة، كان شيئا طبيعيا أن يكون علي بن أبي طالب من أول الناس الذين يعرفون بتفاصيل هذه الدعوة، بتفاصيل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام.

فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر علي بن أبي طالب، وكان شابا حدثا، إن كان في الثامنة وقيل كان في العاشرة وقيل كان أكبر قليلا، المهم كان شابا صغيرا، أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بتفاصيل الأمر وأن هناك دعوة جديدة قامت، دعوة إلى توحيد الله عز وجل، فعلي بن أبي طالب مباشرة من دون تردد تبع نبيها صلى الله عليه وسلم، ولكن كما قلنا كان فتى صغيرا.

وذكر بعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حضر وقت الصلاة التي علمها جبريل له خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه ومن جميع أعمامه، يعني علي بن أبي طالب لم يخبر أحدا بتفاصيل الموضوع لأنه يعلم أو علمه النبي صلى الله عليه وسلم كتمان السر، فيصليان مع بعضهما الصلوات، فاذا جاء وقت المساء رجع إلى خديجة.

فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكثا، حتى عثر عليهما يوما وهما يصليان، أبو طالب كأنه مرة من المرات كان يمر في شعاب مكة فوجد النبي صلى الله عليه وسلم ووجد ابنه عليا يصليان، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ ايش هالموضوع؟ فقال: أي عم، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم، بعثني الله به رسولا إلى العباد، وأنت يا عم أحق من بذلت له نصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه.

فقال أبو طالب: يا ابن أخي، إني لا استطيع أن أفارق دين آبائي وما عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت. للاسف يعني كنا نحب حقيقة أن يؤمن أبو طالب، ذاك الرجل الوفي للنبي صلى الله عليه وسلم الذي عضد النبي صلى الله عليه وسلم وآزره، ولكن هذا أمر الله عز وجل وهذه حكمة الله النافذة. أبو طالب للاسف كما قلنا بقي متمسكا بدين الأباء وما استطاع أن يتجاوز هذه العقبة في حياته. انظروا إلى المشكلة، إنسان عنده أخلاق، أبو طالب إنسان عنده الوفاء، عنده الرجولة، عنده الشهامة، عنده المروءة، لكن هذه العقبة الكؤود لم يستطع أن يتجاوزها، لكن عض عليها أصابع الندم، أمرها شديد استحق عليها الخلود في النار.

نعم، هو أخف الناس عذابا في نار جهنم من الكفار، لكن للاسف دخل النار في النهاية لأنه لم يستطع أن يستعلي على نفسه وأن يتجاوز ما وجد عليه الآباء. فيا طالب العلم، متى رأيت الحق فاتبعه، وإياك أن تتعلق بالآباء والأجداد والطرائق والشيوخ، ووالله لن ينفعك شيء أمام الله إلا الحق الذي رأيته، ووالله إن أراك الله عز وجل الحق ورفضت أن تتبعه حتى لا تترك ما تربيت عليه عند آبائك وأجدادك أو شيوخك أو طرائقك، فإن الحساب عسير وإن الموقف شديد بين يدي الله سبحانه.

الأمر خطير، الأمر ما فيه محسوبيات أحبتي، قضية والدي أو شيخي أو طريقتي أو أو هذه العبارة أو جماعتي، الأمر يتعلق بدين، بحق يجب أن تحقه، متى هداك الله عز وجل واراك إياه، إياك أن تتعذر بشيء، فإن العذر بعد أن ترى الحق مرفوض.

أيضا ممن أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم في البداية زيد بن حارثة. دعوني فقط أنتهي من من أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم في البداية ونترك ونؤجل الجهر بالدعوة إلى المجلس القادم بإذن الله.

ثم أسلم زيد بن حارثة، وممن أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم في البداية زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة قصته باختصار أن حكيم بن حزام، وقد أسلم حكيم بن حزام في وقت لاحق من الدعوة متأخرة لكنه أسلم، حكيم بن حزام قدم من الشام ومعه مجموعة من الغلمان من العبيد باختصار، فأتى إلى عمته خديجة، خديجة كانت عمة حكيم بن حزام، فخديجة لما دخلت على بيت حكيم بن حزام، حكيم بن حزام أحب أن يهدي عمته هدية، فقال: يا عمة، هذه أو هؤلاء عبيد وغلمان أتيت بهم من الشام، اختاري منهم واحدا.

فأراد الله السعادة لخادم من هؤلاء، أراد الله السعادة لزيد بن حارثة، فأخذت خديجة زيد بن حارثة ما اختارت وأتت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم استوهبه منها، أي قال لها: اعطني هذا الغلام وهبيني هذا الغلام لي. خديجة أرادت أن تكرم زوجها، أي محمد عليه الصلاة والسلام، فمنحته هذا الغلام وهذا العبد هدية له.

فالنبي صلى الله عليه وسلم ماذا فعل؟ هل استخدمه كعبد؟ قال لا، أعتقه النبي عليه الصلاة والسلام وتبناه، وكان التبني في بداية الأمر ما فيه نهي إلهي كما ذكر الله عز وجل في سورة الأحزاب، ثم بعد ذلك جاء النهي الإلهي عن التبني. فكان زيد بن حارثة لما تبناه النبي عليه الصلاة والسلام يعرف بين الناس بزيد بن محمد، لما حرم الله التبني عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أنت زيد بن حارثة.

لكن هذه قصة اختيار خديجة لزيد بن حارثة وكيف أصبح زيد بن حارثة ملازما للنبي عليه الصلاة والسلام، فكان إذا أيضا من الأمر الطبيعي أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر هذا الشاب الصغير الذي يدعى زيد بن حارثة وكان ينادى في ذاك الوقت زيد بن محمد، يخبره بتفاصيل الدعوة ليدخل معه في هذا الدين.

وكان أيضا ممن أسلم في البداية الصديق الحميم، وثاني اثنين إذ هما في الغار، والرجل الشهم الوفي الصادق خليل النبي صلى الله عليه وسلم وحبه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكني خليل الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لو أردت أن أتخذ خليلا لاتخذت أبا بكر، يستحق لكل مواقفه المشهودة في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ولكن صاحبكم خليل الله.

فلذلك يعني هل يقال أبو بكر خليل النبي عليه الصلاة والسلام بما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا لكني خليل الله، هذا يدل على أن أبا بكر لا نستطيع أن نمنعه صفة الخلة بهذا المعنى، نقول والله خليل النبي عليه الصلاة والسلام هذا تعديل، لا نمنعه صفة الخلة، لكن كان يستحقها عليه الصلاة والسلام أو رضي الله عنه بشهادة النبي عليه الصلاة والسلام له. أبو بكر كان يستحق صفة الخلة بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم له، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه اتخذ ربه خليلا.

المهم، أبو بكر بن أبي قحافة كان من أصدقاء النبي صلى الله عليه وسلم الأوفياء، فاسلم وبدأ هو يمارس الدعوة أيضا، بدأ أبو بكر ضمن معارفه يمارس الدعوة، فدخل على يديه طيب من فرسان الإسلام العظام الذين قادوا حركة التاريخ بعد ذلك. يعني هذا الجيل الأول زيد بن حارثة، علي بن أبي طالب، أبو بكر الصديق، ومن أسلم على يد أبي بكر الصديق؟ أسلم على يديه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة.

أتسمعون هذه الأسماء؟ هذه الأسماء هي التي قادت التاريخ بعد ذلك، هؤلاء الثلة الطيبة الذين خرجوا من بيوت مكة ضعافا، كانوا خائفين يهربون من كفار قريش ولا يريدون أن يعلموا حالهم، الذين كانوا مطرودين ويعذبون ويؤذون، هذه الثلة الطيبة هي التي ست تقوم هذه الحضارة على أكتافهم، هي التي قادت المعارك وصالت الجولات وخاضت الحروب وأعلنت هذا الدين وقامت خلافة على أيديهم من مشارق الأرض إلى مغاربها.

هذه الثلة تذكروا معي، هذه الثلة المستضعفة الآن كيف سيكون حالها بعد عشرين عاما أو بعد ثلاث وعشرين عاما؟ حال الرفعة والعزة والملك، لكن هكذا تبدأ الدعوات، استضعاف، تعب، إرهاق، تخفي، لكن مع الصبر والثبات والسير على سنن التغيير الحقة الله عز وجل يرفع هؤلاء المستضعفين ويعلي مكانهم ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5].

وانتظرونا في مجلس قادم بإذن الله من مجالس غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.