تسجيل الدخول

الأرجوزة الميئية (5) / الجهر بالدعوة والهجرة للحبشة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح الأرجوزة المائية في ذكر حال أشراف البرية للإمام ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه، وقد وصل بنا المسير ونحن نسير في سيرة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في انتقال الدعوة المحمدية من المرحلة السرية إلى المرحلة الجهرية. فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعوام يدعو إلى الله، أسلم في هذه الأعوام ثلة من خيرة الناس ومن رجال التاريخ الذين حملوا رسالة الإسلام بعد ذلك على ظهورهم ونشروا هذه الدعوة في آفاق الأرض، كأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله من سادات الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

بعد مضي ثلاثة أعوام أحبتي، وكان خبر هذا الدين الجديد بدأ يفشو في بيوت مكة، وفي بداية السنة الرابعة من بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم، جاءه الأمر الإلهي بالجهر بالدعوة وبالبدء بمسيرة إرشاد الناس إلى هذا الدين وتعريفهم بربهم الحق ومحاربة المشركين ومواجهتهم ابتداء بالفكر والحوار والمجادلة والنقاش. أما الحرب العسكرية والمواجهة المباشرة فهذه كانت بعد أعوام أحبتي حينما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية. إذاً، في السنة الرابعة من بعثته صلى الله عليه وسلم جاءه الأمر الإلهي: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94]، وهذا يؤذن كما قلنا ببداية المواجهة وبداية الحرب التي كانت ابتداء تأخذ شكل الحرب الفكرية، حرب المفاهيم حرب العقائد بينه وبين كفار قريش.

يقص لنا ابن هشام رحمة الله عليه في سيرته تفاصيل هذا التحول في تاريخ الدعوة من الدعوة السرية إلى الدعوة الجهرية، وما صاحب ذلك من صعوبات وعوائق ومشاكل للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة الذين آمنوا معه عموماً. يقول ابن هشام: إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاء منه، وأن يبادي الناس بأمره، وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى النبي صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمر الله بإظهار دينه ثلاث سنين، يعني مدة الدعوة السرية من البعثة إلى أن أمر الله بالجهر هذه مدة كانت ثلاث سنين، ثم في السنة الرابعة أمر الله عز وجل بالجهر كما قلنا فجاء قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الششعراء: 214]، ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]، ﴿وَقُلْ إِنَّيْ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: 89].

لما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة وبدأ الاحتكاك المباشر بينه وبين صناديد قريش في مبادئهم التي يسيرون عليها، وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعيب عليهم آلهتهم، بدأ الاصطدام المباشر بينه وبينهم وبدأت الإيذاء وبدأت محاولة إقناع أبي طالب بالتخلي عن محمد صلى الله عليه وسلم. ابن هشام وكتاب السيرة يروون أحبتي أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء لما جهر بالدعوة من دون أن يمس آلهة قريش وأصنام قريش التي عبدوها من دون الله، كفار قريش لم يتأثروا كثيراً وتركوا محمداً صلى الله عليه وسلم وشأنه لأنه لم يصل بعد إلى الخطوط الحمراء بالنسبة لديهم؛ قالوا: رجل يدعو إلى دين جديد بما أنه لم يمس مبادئنا ولم ينتقل إلى مواجهة فكرية بيننا وبينه، إذاً دعه يقول ما يشاء.

لكن لما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيب آلهتهم وإلى المساس بمبادئهم التي يعتقدونها، هنا بدأت المواجهة فعلاً بين صناديد كفار قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبدأت مساومة أبي طالب على النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا أحبتي يدلنا على فكرة أحب أن تصل اليكم وأن تعوها جيدا: أن أهل الباطل في كل زمان قد يسمحون ويأذنون لأهل الحق أن يعملوا في حقهم ما دام أن أهل الحق لم يمسوا باطلهم، ما دام أهل الحق مشغولين بأمور عامة وبنصائح وإرشادات لعوام المسلمين، ولم يتطرق أهل الحق إلى الباطل الذي يثيره الطغاة، فإن الطغاة قد يغضون الطرف ويأذنون لأهل الحق أن يمارسوا شيئاً من دعوتهم ومن انتشارهم ومن لقائهم بالناس.

لكن متى وصل أهل الحق إلى مبادئ أهل الباطل أو إلى الخطوط الحمراء التي يسير عليها أهل الباطل وبدأوا يعترضون عليها ويبينون أوارها وفسادها، فإن أهل الباطل هنا يضعون حدا وتبدأ المواجهة الحقة بين أهل الحق وأهل الباطل. وفي هذه المرحلة بالتحديد على أهل الحق أن يثبتوا وأن يدفعوا الضريبة، والضريبة قد تكون غالية؛ ضريبة مواجهة أهل الباطل والاحتكاك معهم وبيان فساد ما هم عليه، الضريبة تكون غالية عادة أحبتي تكون بالدماء والأسلاف والأرواح والأموال وأنفس، نعم هذه هي الضريبة التي تدفع عادة. لذا على أهل الحق أن تكون عندهم كياسة في اختيار الوقت المناسب لإعلان المواجهة مع أهل الباطل وبدء التنديد بباطلهم والحديث عن مبادئهم ومعتقداتهم الفاسدة.

لا يصلح لأهل الحق أن يستعجلوا مواجهة أهل الباطل، لا يصلح لأهل الحق أعيدها مرة أخرى أن يستعجلوا المواجهة وأن يستعجلوا الدخول في أتون النزاعات مع أهل الباطل إذا كانت يد الباطل عالية في فترة من فترات هذه الأمة. لماذا؟ لأن هذا قد يكون سبباً في استئصال شأفتهم، قد يكون سبباً في القضاء على الدعوة وهي في مهدها، فاختيار الوقت المناسب والظروف المناسبة لمواجهة أهل الباطل في باطلهم هذا من الحكمة، وقد دعت الدعوة المحمدية وهذا الدين الحنيف دعا إلى هذه الحكمة وإلى عدم الاستعجال في قطف الثمار والى النهوض بالجماعة المسلمة.

فإن الجماعة المسلمة النقية الطاهرة تحتاج إلى إعداد روحاني إيماني عقدي تربية مستدامة حتى تنضج هذه الجماعة وتكون على قدر الاستعداد لمواجهة أهل الباطل في باطلهم، أما وهذه الجماعة ما زالت مشتتة والمبادئ العقدية الصحيحة عندها غير واضحة ولم تأخذ حظاً وافراً من التربية العقدية النقية الطاهرة، فإن الانتقال بها إلى مواجهة أهل الباطل يعني الانتحار الجماعي فعلاً، يعني القضاء على هذه الدعوة وذهاب المبادئ الصحيحة هنا وهناك، خاصة حينما يكون الإعلام ليس بيدك وإنما بيد غيرك، فإن أي عملية انتقال الجماعة الحق إلى مواجهة أهل الباطل واستعداء أهل الباطل عليهم عملية انتحار جماعي وقتل لهذه الثلة قبل أن تصل دعوتها وتستقر في نفوسهم وفي نفوس المجتمع، وقبل أن يعلم الناس حقيقة ما تدعو إليه هذه الثلة الطيبة الطاهرة. هذا فقط توجيه إيماني سلوكي نأخذه من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم ومن منهجه في التغيير.

المهم، انظروا ماذا قال ابن هشام: لما باشر رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله، لم يبعد عنه قومه، يعني لم يبعد عنه، لم تحدث خلافات كبيرة بينه وبين كفار قريش، فقط يعني كفار قريش ربما نقول كلمات هنا وهناك، أبو لهب قال له: تبّاً لك! إيش تدعو إلي؟ ما هذا الكلام الذي لا معنى له؟ كلمات عامة جداً، لكن لم يصل الأمر إلى كما قلنا المواجهة المباشرة وإلى الإيذاء المباشر. ولم يردوا عليه، يعني كفار قريش تركوا النبي صلى الله عليه وسلم وشأنه، حتى ذكر آلهتهم وعابها، يعني حتى وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخطوط الحمراء عند أهل الباطل، عند كفار قريش.

ذكر الآلهة، قال لهم: ما هذه الآلهة التي تعبدون من دون الله؟ هذه أصنام لا تضر ولا تنفع، أحجار قدستموها وهي لا تملك لكم شيئاً ولا تملك لكم ضراً ولا نفعاً. فلما فعل ذلك أعظموه ونكروه. أما مس الخطوط الحمراء لديهم بدأت المواجهة، عظموا ذلك: كيف تشتم آلهتنا؟ كيف تسب أصنامنا التي نعبدها ونتقرب بها إلى الله؟ وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله عز وجل منهم بالإسلام. إذاً عرفنا متى بدأت المواجهة فعلياً بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، هذا أمر مهم جداً عليكم أن تدركوه؛ المواجهة بدأت حينما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعيب آلهتهم وأصنامهم، لأن قريش اعتبرت محمداً صلى الله عليه وسلم الآن يهاجم المبادئ لديهم، يهاجم الأمور المعظمة المقدسة في حياتهم، فكان لابد من إيقافه.

طيب، كيف بدأت قريش محاولات إيقف محمد صلى الله عليه وسلم؟ بدأت بالذهاب إلى أبي طالب، لأنهم يعلمون أن أبا طالب هو الذي ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم، هو الذي يقف معه بعبارة معاصرة يشكل له غطاء أمني يمنع كفار قريش من الوصول إليه وإلى إيذائه، وأبو طالب كان متنفذاً في مكة ورأساً من رؤوسهم، بل كان هو الرأس الذي يرجع إليه أهل مكة في شؤونهم، فعرفوا أنه لا يمكن الآن أن نواجه محمداً صلى الله عليه وسلم وأن نؤذيه مباشرة، لابد من استعطاف عمه أبي طالب ليترك نصرته ومعاونته.

يقول ابن هشام: لما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء -يعني باختصار مش مريحهم، يعيب آلهتهم وينكر عليهم في المجالس والنوادي- أنكروا عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، أي التف عليه ونصره وقام دونه فلم يسلمه لهم. مشى رجال، يعني لما كان هذا هو المشهد الآن أبو طالب يقف مع النبي، سلموا كفار قريش.. لا تريدوا محمد صلى الله عليه وسلم أن يعيب الآلهة، ذهب رجال قريش وأشراف قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، يعني أنتم محلين، أما أن تقول له أن يذهب عنا يفعل ما يشاء لكن لا يشتم آلهتنا لا يقترب من مبادئنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه نحن نتفاهم معه.

فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا، يعني قالوا لهم كلمتين طيبات يعني بصير خير وإن شاء الله نتفاهم والامور إن شاء الله تسير إلى ما يرضيكم، المهم كلمات طيبات ردهم بها فهم قالوا: إذاً دعونا نرى ماذا سيفعل أبو طالب. مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شري الأمر بينه وبينهم، شري الأمر يعني اتسعت دائرة الخلاف بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، حتى تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها، يعني قريش في نواديها ومجالسها قالت: لا يمكن أن يستمر الأمر على هذه الصورة، صلى الله عليه وسلم يعيب آلهتنا ويسفه آباءنا، لا يمكن أن ندع محمداً صلى الله عليه وسلم يغير معالم ديننا، لابد أن نواجهه، وأما أن نبقي الأمر على ما هو عليه هذا أبو طالب ذهبنا إليه أول مرة لم يرد علينا، فرنا أنه سيكفينا محمداً صلى الله عليه وسلم لكنه لم يكفينا.

فقرروا أن يعودوا مرة أخرى إلى أبي طالب. انظروا الحوار الذي جرى بينهم في المرة الثانية، ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا -يعني أنت رجل محترم لك مكانة وعلو في مكة- وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، أي طلبنا منك في المرة الأولى أن تكفه عنا طردت لنا ردا جميلاً لكنك لم تحل لنا المشكلة، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياه في حتى يهلك أحد الفريقين.

إذن بدأت اللهجة ترتفع، أنت رجل محترم لك مكانة عندنا لكن الأمر تجاوز حده، هكذا كانت طريقة كفار قريش، فإما أن تنهوه وأن تطلب منه أن يكف عنا وإلا سنقاتل محمداً وسنققاتلك أيضاً. إذن هنا اللهجة كما قلنا ارتفعت وبدأ الأمر يشتد بين كفار قريش وبين أبي طالب. أبو طالب رأى ارتفاع اللهجة وأن كفار قريش ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهم، فدعا أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن اخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا بالذي قالوا له -يعني قالوا لي أنهم إما أن تنهى محمد صلى الله عليه وسلم وإما أن نقاتلك أنت ومحمد- ولا تحملني من الأمر ما لا طاقة لي بها. يعني أبو طالب كأنه بدأ يشعر بالخطر فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: لا تحملني من الأمر ما لا طاقة لي به.

النبي صلى الله عليه وسلم شعر بما في نفس أبي طالب من الخوف وأنه شعر ابتداء بالزعزعة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له كلمة: يا عم، ما أنا بقادر على أن أدع لكم ذلك، على أن تشعلوا لي من الشمس شعلة، يعني أنا لست لا أقدر أن أترك ما أنا عليه، هذا أمر الله أمرني أن أدعو إليه ولا يمكنني أن أعود أدراجي الآن، هذا أمر من الله أن أنشر هذا الدين وأن أتحقق التوحيد في الأرض، فسامحني لا استطيع أن أدع.

هذا دين الله عليّ أن أسير في الدعوة إليه إلى نهايته. ولربما في هذه القصة تذكر بعض كتب السير رواية أخرى هي التي ذكرها ابن هشام، أنا ذكرت الرواية الصحيحة المعتمدة لم يذكرها ابن هشام. أما الرواية التي ذكرها ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له والله يا عم لو الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله وأهلك دونه. لكن هذه الرواية وهذا اللفظ في الحقيقة ضعيف لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ما ثبت كما ذكر مجموعة من علماء السير حجر وغيره أنه ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أنا بأقدر على أن أعد لكم ذلك على أن تشعلوا لي من الشمس شعلة وهي ألفاظ متقاربة، لكن هذا هو اللفظ الثابت. وأما اللفظ المشهور الذي تعلمتموه فهذا سنده ضعيف لا يعتمد عليه.

المهم أبو طالب لما رأى هذا الثبات من محمد صلى الله عليه وسلم قال أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، يعني كأن أبا طالب قال يا محمد أقبل، أقبل قرب. قال له فالنبي صلى الله عليه وسلم اقترب منه، فقال له يا ابن أخي اذهب فقل ما أحببت. وأنا أبو طالب تشجع، عادت الروح المعنوية ترتفع، عندما رأى ذاك الجبل ثابت على عقيدته وعلى مبدأه، أدرك أن هذا الرجل صاحب حق، صاحب عقيدة، صاحب مبدأ، ليس صاحب ملك وليس صاحب هوى، وعرف أن محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الحق الذي يجب أن يتبع. فقال له يا ابن أخي اذهب فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا، لا يمكن أن أسلمك إليهم، خذ راحتك بعبارتنا.

النبي صلى الله عليه وسلم استمر في الدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى واتسعت دائرة الخلاف، الآن كفار قريش بلغ عندهم السيل الزبى، قالوا لا يمكن أن نبقى على هذا الحال، فذهبوا في المحاولة الثالثة والأخيرة إلى أبي طالب، لكن هذه المرة ذهبوا بحل أعنف، ماذا قالوا؟ ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلامه وأجمع على فراقهم في دارك.

مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، الوليد بن المغيرة ذكرناه في المحاضرة السابقة له ابن شاب فتى من أفدن فتيان قريش اسمه عمارة. فكفار قريش أخذوا عمارة وقالوا نذهب به إلى أبي طالب، انظروا العرض الذي عرضوه على أبي طالب الآن. فقالوا له يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنه فتى في قريش، يعني أجمل فتيان قريش، فخذه فلك عقله ونصرته، اعتبره ابن من أبناءك ينصرك ويقف معك، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك، ليس فقط ديننا قال دينك يا أبا طالب، هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، انظروا إلى الكلمات الاستعطافية وسفه أحلامهم فنقتله.

انظروا العبارة خذ عمر بن الوليد ربيه وأعطنا ابن أخيك حتى نقتله، هل هذا العرض يأبى به رجل شريف كأبي طالب؟ كلا. فقال والله لبئس ما تسومونني، أبو طالب إيش قال؟ قال ما هذه القسمة والله لبئس ما تسومونني، اتعطوني ابنكم أغذوه لكم، يعني أربيه لكم حتى يكبر، وأعطيكم ابني، أعتبر النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة ابنه وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله لا يكون أبدا.

فهنا المطعم بن عدي وهو رجل من أشراف قريش قال والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، يعني عجزتنا باختصار أتينا أول مرة وثاني مرة وثالث مرة، أنت لا تريد أن تحل لنا المشكلة. والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجاهدوا على التخلص مما تكرهه، يعني سعوا ألا يزعجوك وألا تغضب منهم، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، لا نراك تريد حل. فقال أبو طالب للمطعم والله ما أنصفوني، إيش هذه الحدود التي تعطوني؟ تريدون مني أن أسلمكم ابني لتقتلونه؟ هل هذا يقول عاقل؟ ولكنك يا مطعم قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك.

أبو طالب إذا أعلن الحرب عموما، يقول لهم أنا كشخص لن أسلم لكم محمد صلى الله عليه وسلم في حال من الأحوال، لن أسلم محمد صلى الله عليه وسلم بحال من الأحوال، محمد عليه الصلاة والسلام يبقى يدعو وأنتم لا تريدون أن تردوا عليه هذا شأنكم، لكن أن أحد يؤذيني في محمد هذا لا أقبله. وهم يعرفون وزن أبي طالب ووزن قبيلة هاشم وأخوان هاشم في قريش، فكفار قريش يدركون أن المواجهة الآن مع محمد صلى الله عليه وسلم محاولة القتل، محاولة الإيذاء، استعداء لطائفة كبيرة من قريش طائفة عظيمة لا يمكن.

لكن كما قلنا لما رد أبو طالب هذا الطلب الأخير من كفار قريش اتسعت دائرة الخلاف وحمي الوطيس واشتدت الضغينة بينه وبين صناديد أهل مكة. قال ابن هشام: ثم إن قريشا تزامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. إذا الحل الآن ماذا فعلت كفار قريش؟ رأوا الآن صعوبة في قتل محمد عليه الصلاة والسلام لأن محمد في حماية أبي طالب وفي حماية بني هاشم عموما، فقالوا ماذا نفعل؟ قالوا علينا الآن أن نتسلط على من أسلم وتابع محمد صلى الله عليه وسلم، فبدأوا يتسلطون على المستضعفين من المسلمين الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ويصومونهم سوء العذاب. أذكر لكم شيء من هذا التعذيب الذي تعرض له الصحابة في الدعوة الجهرية.

يسرد لنا ابن هشام رحمة الله عليه صور من هذا التعذيب يقول: فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة أي في صحاري مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم. فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصلب له ما يعصمه الله، يعني الصحابة كانوا على حال، قسم يفتن يعني يفتن أن يرد عليهم من يريدونه في ظاهر الأمر، يقول له اكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكفر به في الظاهر أما البلاء شديد والعذاب مر، ومنهم من يسلب ويثبت الله سبحانه وتعالى إلى آخر رمق.

من هؤلاء الذين ثبتوا وصبروا إلى آخر الرمق بلال بن رباح سيدنا بلال بن رباح رضي الله تعالى عنه، وكان بلال بن رباح مولى لطائفة من بني جمح جمع من قريش، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان الذي يعذبه من؟ هو رجل من بني جمح أمية بن خلف، هذا رجل من صناديد بني جمح كان هو الذي يعذب بلال بن رباح، ماذا كان يفعل به؟

قال وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، يعني يخرج بلال بن رباح في وقت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، يأخذ بلال في ظهر مكة، وطبعا ظهر مكة من عاصر مكة يعرف أن درجة الحرارة تفوق الخمسين درجة في حرارة الصيف، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة على الرمال رمال محرقة الشمس عليها درجة الحرارة عالية، بلال بن رباح يعرى ويوضع على هذه الرمال المحرقة، قال فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وتعبد اللات والعزى.

فماذا يقول بلال؟ بلال ممن من ثبته الله عز وجل قال بلال بن رباح قالوا كان يقول أحد أحد، ماذا يقول؟ أحد أحد، لا يمكن أن أساوم على ديني، انظروا الثبات على هذا الدين، إنسان يعذب أشد صور التعذيب، صدقوني أحبتي لو كنت أنا أو شخص منكم في موقف بلال بن رباح الله تعالى أعلم ماذا كان يحدث بنا، يعني بعض الناس اليوم يظن نفسه أنه راسخ الإيمان وثابت في العقيدة وهو لم يشاك في دين الله شوكة واحدة، لم تصبه شوكة واحدة في دين الله عز وجل.

أحبتي الإيمان والثبات على هذا الدين إنما يظهر في مواطن البلاء وليس في مواطن الراحة والعيش الرغيد، وأنت تأكل وفي ترف وعندك الطعام وما لذ من الشراب وتجلس مع أهلك وأبنائك لن يصومك أحد بعذاب ثم تقول أنا ثابت على هذا الدين، إياك أنت أن تظن بنفسك الثبات وإنما تسأل الله عز وجل أن يثبتك على هذا الدين إلى أن تلقاه، ودائما اجعل دعائك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.

وأما الثبات فهذا من عند الله سبحانه وتعالى، الصحابة رضوان الله تعالى عليهم نعم قاسوا أشد أنواع العذاب وثبتوا على هذا الدين، فالله سبحانه وتعالى أكرمهم في هذه الدنيا بالرفعة وفي الآخرة بجنات النعيم، والإنسا عليه أن يثبت ويصبر على هذا الدين ولا يظن أن الثبات على هذا الدين أمر سهل، وأن الثبات على أحكام الشريعة أمر هين يستطيع الإنسان أن يفعله وقت ما يشاء. أي والله لا يثبت على هذا الدين وعلى التمسك بأحكامه في زمن الفتن وفي زمن الهرج إلا من ثبته الله سبحانه وتعالى.

إذن بلال بن رباح يقول أحد أحد، ليس له أحد ينصرهم إلى عبد حبشي من من ينصره؟ ليس كحال كبار الصحابة الذين كان منهم أقوام يقفون معهم؟ كلا عبد حبشي خادم لكفار قريش، فكانوا يستضعفونه ويستهينون بحاله ويقذفونه في صحارى مكة، فيقول كما قال ابن هشام وفي ذلك البلاء أحد أحد. من كان يمر به ابتداء؟ قالوا كان يمر به ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك وهو يقول أحد أحد، فيقول ورقة بن نوفل أحد أحد والله يا بلال، يعني ورقة بن نوفل يريد أن يثبت بلالا فيقول له أحد أحد والله يا بلال، ثم يقبل على أمية بن خلف ومن يصنع ذلك به فيقول أحلف بالله لإن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانا، يعني ورقة بن نوفل يقول لإن مات بلال وهو يقول أحد أحد والله لتمكن به، أنولي من أولياء الله إنسان يموت على أحد أحد ولا يرضى أن يساوم على عقيدته، والله قال لاتبركن به، طبعا هذه كلمة أفهموها بحجمها أنه يعظم شأن بلال، كيف هذا العبد الحبشي الذي ليس له من ينصره يقرر الثبات على هذا الدين ويرفض أن يساوم على عقيدته؟

قالوا حتى مر به أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يوما وهم يصنعون به ذلك فقال لأمية بن خلف ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ فقال أنت الذي أفسدته فانقذه مما ترى، أمية بن خلف ماذا يقول لأبي بكر؟ أنت الذي أفسدت هذا العبد، ماذا يقصد أفسدته؟ أي جعلته يدخل في دين الإسلام، فانقذه مما ترى. فقال أبو بكر أفعل.

انظروا الرجولة المروءة الشهامة من أبي بكر، اليوم أحدنا يرى أخاه يفتن في دينه وهو يستطيع أن يبذل المال لاستنقاذه أو يستطيع أن يبذل جاهه لاستنقاذه ويسلم ولا يسعى في أن يقدم معروفا إلى أخيه، يخشى أن يصاب بأذى، يخشى أن يقال عنه، يخشى أن يدخل في مشاكل، لكن أبو بكر الصديق رجل شهم رجل عنده مروءة عرف أنه يستطيع أن يساعد بلال بن رباح فقدم له المساعدة مباشرة.

أمية بن خلف قال له انقذه، فقال أبو بكر مباشرة ومن دون تردد أنا أفعله، عندي عبد أسود وضخم وقوي يستطيع أن يخدمك بدل بلال، أعطني بلالا وخذ هذا العبد الذي أملكه، فرضي أمية بن خلف صاحب دنيا رجل يريد المال، فرضي أمية بن خلف وأخذ هذا العبد الأسود من أبي بكر الصديق وأعطاه بلال بن رباح.

التعذيب أيضا أحبتي الذي كان يتعرض له الصحابة ما ذكره خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه حين قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في الكعبة، كان النبي صلى الله عليه وسلم جالس عند الكعبة وقد توسد برده، فقال له خباب بن الأرت يا رسول الله ألا تدعوا لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ طبعا حتى تعرفوا خباب بن الأرت ماذا حصل له؟ خباب بن الأرت أحبتي تعرض لعذاب شديد في الحقيقة، يعني لم تخرج منه هذه الكلمة بسبب أن أحد شتمه وانتهى الأمر أو أحد ضربه ضربا خفيفا وانتهى الأمر.

خباب بن الأرت كان يوضع الحديد المحمى على ظهره فلا يطفئ النار عن ظهره إلا وودك ظهره يسيل عليه، يعني ظهره تشتعل نار بالحديد المحمى فلا يطفئ هذه النار إلا وودك الظهر يعني تقول دهن ظهره يسيل على هذه النار المحمى فتطفئ النار، رجل تعرض لبلاء شديد، ومن كان في مثل حال خباب بن الأرت فإن له أحقية أن يقول مثل هذا الكلام، أليس كذلك؟ بلاء شديد لا يثبت له إلا الرجال، فقال يا رسول الله ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعوا لنا؟

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان متكئا فجلس وقال: «لقد كان من كان قبلكم يحفر له في الأرض فيوضع فيها ثم يؤتى بالمنشار فيشق نصفين، لا يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون». النبي صلى الله عليه وسلم يعني انظروا سمات القائد الناجح، أولا أراد أن يصبر خباب بن الأرت على ما يلقاه.

فأعطاه من هو أشد بلاء منه، وهذه من الحكمة؛ أنه إذا أتاك رجل مبتلى وطلب منك أن تساعده أو شكا إليك همه، وأنت لا تستطيع في الحقيقة أن تنقذه من هذا البلاء الذي هو فيه. يعني النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يستطيع أن ينقذ خباباً وبلالاً لفعل ذلك، لكنه صلى الله عليه وسلم كان عاجزاً عن ذلك، ما عنده قدرة مالية، ما عنده أيضاً والله نصرة من عشيرته أن عشيرته تشتري بلالاً أو تشتري غيره.

يعني النبي عليه الصلاة والسلام في أوضاع وفي مسالك صعبة وعرة في بداية هذه الدعوة، لكنه كان يزرع الأمل في أصحابه ويصبرهم. فقال لخباب، أراد أن يثبته بها، فقالوا له: يا خباب، قد كان من قبلكم من الذين آمنوا مع الأنبياء السابقين، ماذا يفعل بهم أعداء الدين؟ يحفرون لهم حفرة في الأرض فيضعونهم فيها، ثم يأتون بالمنشار فيضعونه على رؤوسهم فيفرقون أجسامهم فريقين، مقابل أن يتركوا هذا الدين، فلا يرضون ترك هذا الدين.

يا خباب، قد كان من قبلكم أيضاً يؤتى بأمشاط الحديد فيمشطون بها ما دون لحمه وعظمه، يعني بأمشاط الحديد يفرز اللحم عن العظم مقابل أن يترك هذا الدين، فلا يتركه. يا خباب، انظر الآن خباب كيف ترتفع المعنويات؛ أنه أنا صحيح أني أذيت في هذا الدين، لكن لم أصل إلى درجة الأولياء الصالحين ممن كان قبلنا، فقد كانوا يعذبون بأشد مما أنا فيه.

هذه هي الرسالة التي وصلت إلى ذهن خباب بن الأرت: أن علي أن أثبت، فما زلت مقارنة مع من سبق لم أتعرض لذلك البلاء الشديد. ثم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر له قصة من كان قبله من الصالحين وكيف ثبتوا على هذا الدين، في نفس الوقت يزرع الأمل، فقال: يا خباب، والله ليتمن الله هذا الأمر.

انظر خباب الآن أيضاً بعد أن صبره النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً، غرس فيه الأمل: والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت. يعني هذه مسافة -طبعا أهل اليمن يدركون أكثر مني- مسافة طويلة شاسعة، يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه.

يعني أكثر ما يخافه بعد الله عز وجل أن يأتي الذئب فيهجم على غنمه، انتشار الأمان وانتشار العدل، عدل الإسلام الحق، لكنكم تستعجلون. فهي دعوة، لا تستعجل يا خباب، نعم الأمر ابتداءً فيه صعوبة، فيه عذاب، فيه شدة، لكن والله لتكونن العاقبة لنا، لكنكم تستعجلون، تحتاج القضية إلى صبر.

وهذه رسالة لهذه الأمة المحمدية إلى قيام الساعة، في أي لحظة استضعاف علينا دائماً أن نهتم بأمرين: أن نتذكر حال من اشتد بلاؤهم من الصحابة الكرام ومن كان قبل الصحابة من اتباع الأنبياء السابقين، وثانياً علينا أن ندرك أن الله سبحانه وتعالى وعد هذه الأمة بالنصر قطعاً وأن العاقبة للمتقين.

لكن هي سنة المدافعة، أن الله عز وجل يسلط على عباده المؤمنين ثلة من الكافرين يسومونهم سوء العذاب، حتى يختبر الله عز وجل المؤمن الصادق من المتزعزع في الإيمان، من الذين في قلوبهم مرض، ليظهر الله عز وجل تلك الثلة الصابرة الثابتة التي عضت على النواجذ وقبضت على الجمار مدة طويلة، ثم بعد ذلك تكون العاقبة لها.

وإن لم تكن العاقبة لها فهي للأجيال اللاحقة التي تستنير بنورها وتستضيء بضوئها، لأن الذين ثبتوا على الحق في زمن الاستضعاف تبقى الثوابت التي غرسوها في هذه الأمة نوراً تستضيء به الأجيال اللاحقة، يذكرون همسات الدعاة الذين قضوا نحبهم من أجل لا إله إلا الله، تذكرون مواقف الثبات.

يصبح هؤلاء الدعاة الذين ماتوا من أجل هذا الدين قدوات، وتصبح هذه الكلمات حية تحيا بينهم، تنفض غبار العجز والكسل عنهم، تبعث الأمل في قلوب الأجيال اللاحقة إلى أن يأذن الله عز وجل لهذه الأمة بالنهوض مرة أخرى.

أعطيك شاهداً ثالثاً وأخيراً على قضايا التعذيب؛ سعيد بن جبير يسأل شيخه عبد الله بن عباس فيقول له: يا عبد الله بن عباس، أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ يعني هل وصل تعذيب كفار قريش للصصحابة لمرحلة أنهم يعذرون في التكلم بالكفر من أجل أن يبتعد عنهم كفار قريش ويتركوهم وشأنهم؟ هل وصلوا لهذه الدرجة من العذاب؟ فقال عبد الله بن عباس: نعم والله.

إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه الضرب الجوع، ويعطشونه العطش، حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة. الله أكبر! يعني لا يتركونك، جوع، تعطيش، تعذيب، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، يعني حتى يقول لهم ما يرضيهم.

كما وقع عمار بن ياسر ولغيره من الصحابة، يقولون: سب محمداً، فيسبونه، يسب محمداً عليه الصلاة والسلام لكنه في داخله محترق، لا يريد أن يسبه، لكن شدة العذاب التي وقعت به لا تسمح له أن يصبر أكثر من ذلك.

قال: حتى يقولوا له -يعني حتى يقول كفار قريش لهذا الصحابي الذي عذب وجوع- اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم (بده يخلص، بده يفتك)، اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول هذا الرجل من الصحابة الذي يعذب ويقاسي أقصى أنواع الاضطهاد: نعم.

قال: حتى إن الجُعْل ليمر بهم فيقولون له: هذا الجُعل إلهك من دون الله؟ (الجُعل حشرة)، انظروا كيف الطغيان حينما يستشيط غضباً على أهل الحق يصبح يرتكبون مثل هذه الحماقات، يمر الجُعل -شيء كالنملة حشرة صغيرة- تمر بهم فيقولون لهذا الصحابي الذي تحت وطأتهم وتحت عذابهم والجوع: الإله من دون الله؟ يريدون منه أن يقول نعم، فيقول هذا الصحابي نعم افتداءً منهم مما يبلغون من جهده.

هكذا يقول عبد الله بن عباس، يعني ما هي شدة العذاب هذه؟ عذاب مستمر، جوع، عطش، في الصحاري يلقون على ظهورهم، يربطون مع بعضهم البعض، يعرون من ملابسهم ومن ثيابهم، يحمون على ظهورهم بالنار والودك، عذاب شديد يضطر كثير من الصحابة بسبب هذا العذاب أن يرضي كفار قريش بكلمتين بثلاث كلمات، لكن قلبه مطمئن بالإيمان.

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم جاءه عمار بن ياسر فقال: يا رسول الله، والله إني لأضطر أن أتكلم بما يرضيهم ولكن هذا يزعجني ويؤلمني. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا عمار، إن عادوا فعد، بما أن قلبك مطمئن بالإيمان يا عمار إن عادوا لإيذائك فقل ما يرضيهم إلى أن يجعل الله عز وجل لنا فرجاً ومخرجاً.

إذاً هذه القصص أحبتي تعطي دلالة كم هو مقدار العذاب، كم هي مقدار المشقة التي وصل إليها الجيل الأول من الصحابة، حتى تعرف أن هذا الدين الذي أخذته أنت غضاً طرياً من آبائك وعشت في مجتمع مسلم، لم يصل إليك إلا على الأشلاء وعلى الدماء وعلى الجماجم، لما ضحى الجيل الأول من الصحابة وثبتوا على هذا الدين من أجل أن يصل هذا الدين إلى أصقاع الأرض.

نعم، حينئذ ارتفع هذا الدين وعلا شأنه، فعلينا دائماً أن نقدر وأن نترضى وأن نترحم على ذاك الجيل الفريد الذي ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم، ودفع ثمناً غاليا من المهج والأرواح، أحدهم فقد أباه، وأحدهم فقد أمه، وأحدهم فقد أبناءه، وأحدهم ترك كل ثروته، وأحدهم هاجر عن موطنه.

تعرضوا لأقصى أنواع العذاب والاضطهاد والجوع والعطش من أجل فقط أن يبقى هذا الدين قائماً، من أجل أن كلمة لا إله إلا الله تصل إليك ولك. فهؤلاء الصحابة الكرام يستحقون منا التبجيل، الاحترام، التقدير، الدعاء، أن لا نسمح لأي أحد أن يتطاول عليهم وأن يتكلم فيما وقع بينهم.

نعم، في النهاية وقعت بعض النزاعات والخلافات بين بعض الصحابة، لكن علينا أن ننظر إلى الجانب الأكبر في حياتهم؛ جانب الثبات والصبر والدفاع عن دين الله وإعلاء هذه الكلمة ودفع الغالي والنفيس، وأما من وقع بينهم بعد ذلك من مشاحنات النفس فهذا نسكت عنه ونغض الطرف، فإن الله سبحانه وتعالى قد رضي عنهم وأرضاهم.

إذاً هذه قصة التعذيب التي تعرض لها الصحابة، والقصص كثيرة، لكن لا أُريد أن يطول الأمر أكثر من ذلك حتى نسير في هذه المنظومة، لكن كان لابد أن أسلط الضوء على بعض القضايا التي لم تشر إليها الأرجوزة المائية، مثل قصة التعذيب.

قضية التعذيب والاضطهاد الذي وقع للصحابة رضوان الله تعالى عليهم هو الذي دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى محاولة إيجاد حل للصحابة من هذه الإشكالية التي وقعوا فيها. فكان الحل أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى أن يذهبوا إلى أرض الحبشة.

لكن قبل أن أسير بكم إلى قصة الهجرة دعوني أقرأ البيت الذي تكلم به ابن أبي العز الحنفي عن الدعوة الجهرية، قال في البيت السادس والعشرين: ثم دعا في أربع الأعوام بالامر جهرة إلى الإسلام. أي لما النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى السنة الرابعة من البعثة جهر بهذه الدعوة كما قلنا ودعا الناس إلى الدخول في هذا الدين، وبدأت المعركة الفكرية بينه وبين كفار قريش.

لما اشتد العذاب وأعطيناكم قصة خباب بن الأرت، قصة بلال بن رباح، وما ذكره عبد الله بن عباس سعيد بن جبير، أن شدة العذاب الذي كانت يقع بالصحابة كانت تضطرهم أحياناً إلى أن يقولوا ما يرضي كفار قريش حتى يفتكوا من إذاهم ومن عدائهم، النبي صلى الله عليه وسلم شفقة بأصحابه ورحمة بهم، ما قال لهم عليكم أن تأخذوا السلاح وأن تخرجوا على كفار قريش أبيدوهم عن بكرة أبيهم، لم يفعل ذلك، إنه صلى الله عليه وسلم يرسم منهجاً لهذه الأمة.

النبي صلى الله عليه وسلم أحبتي يريد أن يعلم هذه الأمة إلى يوم القيامة منهج التغيير، وكيف تكون السياسة الشرعية؟ وكيف أن القائد المحنك يحاول أن يأخذ بالأسباب وأن يحافظ على الثلة الطيبة معه، وألا يستعجل الاقتحام بها في مأزق الأمور وفي مضائقها؟

على هذه الجماعة الطيبة الطاهرة أن تتربى، وأن يتجذر الإيمان في قلبها، وأن تستحكم من أمرها، ثم بعد ذلك حينما يشتد عودها تستطيع العسكرية وتستطيع أن تحارب. لكن قبل ذلك علينا أن نحافظ على هذه الجماعة أكبر قدر ممكن من الوقت قبل أن تنتقل للمواجهة المباشرة العسكرية.

لأن هذه الجماعة يجب أن تكبر، يجب أن تجد منطقة تستطيع أن تضع فيها ثقلها، يجب أن تتضح معالم هذه أكثر وأكثر. صدقوني أحبتي أحياناً يفكر الإنسان: لو أن محمداً صلى الله عليه وسلم استعجل المواجهة مع كفار قريش، لكان الخبر السائد في جزيرة العرب أن هناك رجل خرج في مكة، حارب، خرج على قومه وحارب قومه، نبذ آلهة قومه، فأذاه أو فعاداه قومه وقتلوه وانتهى الأمر.

طيب، ما هو المبدأ الذي يدعو إليه هذا الرجل؟ كفار قريش بأدواتهم الإعلامية ماذا سيقولون؟ كما يقولون دائماً وكما يفعل إعلامنا اليوم: هذا الرجل سفه أحلامنا، هذا الرجل آذى آباءنا، هذا الرجل خرج عن قيم المجتمع التي عشنا عليها.

صحيح؟ فلو أن محمداً صلى الله عليه وسلم استعجل في المواجهة لم تصل دعوته وأفكاره ومبادئه الصحيحة إلى سائر أنحاء الجزيرة العربية، وهذا الشيء هو الذي لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يحدث، لو استعجل المواجهة لسقطت هذه الدعوة.

أعيدها لكم: لو أن محمداً صلى الله عليه وسلم استعجل المواجهة لقضى عليه كفار قريش وأبادوا الجيل الأول عن بكرة أبيهم، وأذاعوا في أنحاء الجزيرة العربية أن هناك رجل خرج عن قيم المجتمع، رجل يطرح فكراً يخالف الفكر الصحيح النقي الذي نشأنا عليه.

بين تلك الدعاوى التي كان ينشرها كفار قريش وبين الدعاوى التي ينشرها الإعلام اليوم، كما قلنا: رجل يريد أن ينشر أفكار تخالف قيم المجتمع العليا التي نشأنا عليه ما تربينا عليه، فكان لابد أن نقضي عليه وانتهى الأمر، وتهت قصة محمد صلى الله عليه وسلم وانتهت هذه الدعوة.

لكن محمد عليه الصلاة والسلام الله هداه، كان يرسم المنهج الصحيح في الدعوة: إياك أن تستعجل في المواجهة قبل أن تتضح الأفكار وقبل أن تنتشر دعوتك وتصل إلى آذان الناس، لابد أن يعرف الناس أولاً ما هو الشيء الذي تدعو إليه؟ ما هو الحق الذي تملكه؟ ويتضح لهم هذا الحق بجلاء.

بعد ذلك إذا قضي عليك انتهى أمرك، فإن هذه الدعوة لن تموت، لأنها بقيت حية في عقول الناس، الناس كلهم عرفوا ما هو الشيء الذي مات من أجله محمد صلى الله عليه وسلم؟ ما هي المبادئ الحق الشريفة التي كان يدعو إليها هذا الرجل؟

فهذه من حكمة الدعاة، أن تبقى هذه الدعوة حية، عليكم ألا تستعجلوا، عليكم ألا تقفزوا في المراحل، اهتموا بوضوح العقائد الحقة، اهتموا بالعلم، اهتموا بنشر الوعي الديني الصحيح في المجتمع. حينما يصل الناس إلى الأفكار الصحيحة وتنتشر هذه المبادئ الحقة بين الناس، حتى لو انتهى صاحب هذه الدعوة، حتى لو قضي على كثير من أفرادها، فإن هذه الدعوة حينئذ تبقى حية، لأنه أصبح لها رجال وانتشرت وعلم الناس صفاء العقائد وصفاء المبادئ التي قامت من أجلها.

وأما ما يفعله بعض المستعجلين وبعض الجهال من الانتقال مباشرة إلى مواجهة الباطل قبل أن يعرف الناس ما هو الحق الذي يملكه هؤلاء، فإن هذا كما قلنا صورة للانتحار الجماعي ومخالف للمنهج المحمدي في الدعوة وفي نشر هذا الدين وفي بناء الفكر الإسلامي الصحيح.

إذا النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا حرصاً على الجماعة الأولى، وحرصاً على النواة الأولى للمسلمين، لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم خيار المواجهة، وفي نفس الوقت لم يستطع أن يدفع الأذى عن أصحابه. فبماذا وجههم؟ وجههم إلى الهجرة إلى الحبشة. قال: لأن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد أبداً، وهو أصحمه النجاشي رضي الله تعالى عنه ورحمه الله، فقد أسلم وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول ابن هشام: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية، يعني النبي عليه الصلاة والسلام كان في منعة بسبب وجود أبي طالب وبنو هاشم عموماً كانوا يمنعون قريشاً من الأذى المباشر الجسدي، لكن كانوا يشتمونه ويسبونه ويسفهون آراءه وهذا كان ظاهراً، لكن قضية الأذى الجسدي كان صعباً على كفار قريش. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما رأى نفسه في منعة وحماية، ورأى أصحابه يعذبون ويقهرون، أراد أن يجد لهم حلاً شفقة ورأفة بهم، فقال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه.

انظروا كيف القائد الصالح المحنك الحكيم يجد المخارج للثلة المؤمنة التي تسير معه، عليه أن يفكر دائماً لإيجاد الحلول. وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم استثمر هذه القضية؛ النجاشي كان ابتداءً رجل كافر، لم يكن موحداً لله، لكن كان معروفاً بأن له أخلاقاً ومروءات عالية جداً. النبي صلى الله عليه وسلم وظف هذه المروءة التي عند النجاشي واستغلها من أجل مصلحة أصحابه. لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم أبداً: كيف نذهب إلى أرض هذا الرجل الكافر ونعيش تحت حكمه؟ كيف أوجع أصحابي إلى أن يلجأوا إلى أرض رجل غير موحد لله ويستظلوا بظله؟ لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. وهذا من باب الأخذ بالأسباب، وقضية الأخذ بالأسباب في البناء الدعوي قضية أحب دائماً أن أوجّه إليها أحبابي من طلبة العلم.

انظروا كيف النبي صلى الله عليه وسلم استغل كل الظروف الممكنة بين يديه. وهذا وحي من الله أحبتي، يعني هذه التصرفات النبوية ليست من اجتهادات شخصية، بل وحي إلهي حتى تتعلم الأمة إلى قيام الساعة كيف تواجه المشاكل في مسيرتها الدعوية. النبي صلى الله عليه وسلم استفاد من وجود هذا الرجل النصراني، لكنه كان معروفاً بالعدل والمروءة والأخلاق، فأمر الصحابة أن يخرجوا إليه وأن يقيموا عنده، فقال: إن هذه الأرض أرض صدق، وإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد أبداً، قال: حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجا مما أنتم فيه.

فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة. وكانت هذه الهجرة الأولى إلى الحبشة، وكان فيها اثنا عشر رجلاً من الصحابة الكرام، وفيها أيضاً أربع نسوة. الهجرة الأولى إلى الحبشة كانت في السنة الخامسة من البعثة. النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالدعوة في السنة الرابعة، خلال سنة كاملة من العذاب والاضطهاد للصحة، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجد لهم حلاً فنصحهم أن يذهبوا إلى أرض الحبشة.

في الهجرة الأولى ذهب اثنا عشر رجلاً من الصحابة وأربع نسوة. عندما وصلوا إلى أرض الحبشة، سرعان ما انتشرت إشاعة بينهم أن كفار مكة أسلموا. فما سبب انتشار هذه الإشاعة؟ قيل يروى في كتب السيرة أن سبب انتشار هذه الإشاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت نزلت عليه سورة النجم في مكة، فلما وصل إلى آخر الآية، إيش آخر آية في سورة النجم؟ ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62]. كفار قريش سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه السورة، ومن شدة وطأة هذه الآية عليهم، لما سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم قال: سجد كفار قريش.

تصوروا كيف وقع القرآن على قلوبهم مع أنهم كفار. قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم وسمعها كفار قريش في مكة، فلما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم تلاها إلى آخرها وقرأ ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ آخر آية من سورة النجم، سجدوا جميعاً. قيل حتى أن أمية بن خلف، لشدة تكبره، لما سمع فاسجدوا لله واعبدوا، أخذ حفنة من تراب لا يريد أن يضع جبهته على الأرض سجوداً لله عتواً وتكبراً. قالوا: أخذ حفنة من التراب فرفعها إلى جبهته وقال: هذا يكفيني. يعني هو في النهاية شعر بزلزلة هذه السورة، شعر بشدة وطأتها عظيمة جليلة تتكلم عن مفاصل التوحيد.

فلما سمع ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ كما قلنا سجد كفار قريش إلا هذا المتكبر أمية بن خلف، ماذا فعل؟ قالوا: أخذ حفنة من تراب الأرض ورفعها إلى جبهته، قال: هكذا يعني أنا سجدت خلاص، لا أُريد أن أضع جبهتي على الأرض استكباراً. فكانت نهايته في غزوة بدر أن ذبح، هذه نهاية المجرمين. الله عز وجل يسخر من ينتقم منك.

المهم كما قلنا لما وقعت هذه الحادثة انتشرت إشاعة وحتى وصلت المسلمين إلى أرض الحبشة أن كفار قريش أسلموا. بسبب هذه الواقعة ظن المسلمون الذين هاجروا إلى الحبشة أن أهل مكة دخلوا في الإسلام، لكن في الواقع هم لم يدخلوا، وإنما هم تأثروا بشكل كبير بهذه السورة فسجدوا، وإلا في الواقع هم بقوا على عنادهم. فبسبب هذه الإشاعة عادوا إلى مكة مرة أخرى، فوجدوا كفار قريش على كفرهم وعلى حالهم، والعذاب اشتد، وقرروا أن يعودوا مرة أخرى إلى أرض الحبشة.

فكانت هذه الهجرة الثانية إلى الحبشة، لكن في هذه المرة عدد الذين خرجوا إلى الحبشة كبير. خرج إلى الحبشة في المرة الثانية ثلاثة وثمانون رجلاً وثماني عشرة امرأة. نعم، وثماني عشرة امرأة إلى الحبشة في الهجرة الثانية. لاحظوا كيف العدد زاد، لأن العذاب اشتد، فكان شيئاً طبيعياً أن المسلمين يريدون أن يخرجوا من هذه القرية الظالم أهلها.

في الهجرة الثانية إلى الحبشة، ماذا حدث للصحابة الكرام وهم في أرض الحبشة؟ دعونا ننتقل الآن إلى هذا المشهد، نغادر مكة قليلاً ونذهب معاً إلى أرض الحبشة لننظر الهجرة الثانية، كيف كان واقع المسلمين في تلك الديار؟ وما هو الحدث المشهور الذي وقع بينهم وبين النجاشي، الذي سيروي لنا القصة هي أم سلمة رضي الله تعالى عنها.

تقول أم سلمة أم المؤمنين، طبعا أم سلمة كانت متزوجة من أبي سلمة وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، طبعا أم سلمة كما سنعلم إن شاء الله في كتب التاريخ أن زوجها توفي بعد ذلك في المدينة النبوية وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة زوجها، لكن هي الآن تروي القصة لما هاجرت مع زوجها أبي سلمة إلى الحبشة، ماذا وقع هناك؟ قالت: لما نزلت أرض الحبشة أي مع زوجي ومع جميع المسلمين، جاورنا بها خير جوار وهو النجاشي، وآمننا على ديننا، قال لنا: افعلوا ما تشاؤون، فنعم الملك العادل.

قال: وعبدنا الله سبحانه وتعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشاً، ائتمروا بينهم كفار قريش، انزعجوا: كيف يقيم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بأمان واطمئنان عند النجاشي؟ لابد أن نؤذيهم. انظروا الكفر حينما يريد أن يؤذي جميع المؤمنين في جميع أصقاع الأرض. طيب، أنتم كفار قريش إيش دخلكم بالذين ذهبوا إلى الحبشة وتركوكم؟ لماذا تريدون أن تؤذوهم وقد تركوكم؟ لماذا هذه النفسية المؤذية، النفسية التي تريد أن تؤذي عباد الله؟ وانظروا أحبتي اليوم في بعض الدول التي تؤذي المسلمين الذين هاجروا من عندها وتركوها لشأنهم، لكنهم يريدون أن يوصلوا أذاهم إلى المسلمين في أصقاع الأرض، يعني كيف سبحان الله الباطل نفسيته واحدة، جبروته واحد، طريقته في العتو والاستكبار واحدة.

لما بلغ ذلك قريشاً، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي رجلين جلدين، قالوا: نريد أن نبعث إلى النجاشي برجلين أقوياء، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، يعني هدايا جميلة جداً يهدونها إلى النجاشي وإلى حاشية النجاشي. وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، يعني النجاشي كان يعجب من أهل مكة الجلود، كان يحب جلود مكة ويحب أن يؤتى بها إلى الحبشة. فقالوا: إذاً دعونا نهدي إلى النجاشي مجموعة من الجلود النفيسة، فجمعوا له منها شيئاً كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا إليه هدية.

ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص. إذاً، عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص قبل أن يسلم عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه كان على قومه، بعثهما كفار قريش إلى النجاشي بكل هذه الهدايا للنجاشي ولحاشية النجاشي حتى يسترضوا الجميع، وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما: كفار قريش أعطوا توجيهات لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة: المهمة التي وكلتم بها هي على النحو التالي: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي، يعني إذا وصلتم الحبشة ماذا تفعلون أول شيء؟ تدفعون الهدايا إلى البطارقة، يدفعون الهدايا إلى من؟ إلى البطارقة، هذه أول خطوة قبل أن تدخلوا على النجاشي، حتى تسترضوا الحاشية. انظروا إلى مكرهم.

قال: ثم قدما إلى النجاشي هدايا، ثم بعد ذلك ادخلا إلى النجاشي وقدما له الهدايا، ثم سالاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم، يعني اطلبوا من النجاشي أن يسلم المسلمين الذين هاجروا إليكم قبل أن يخاطبهم النجاشي، لأنهم كانوا يدركون كفار قريش أن النجاشي إذا خاطب المسلمين وسمع منهم لربما يستميلونه، لأنه رجل صاحب حق صاحب مبدأ. فقالوا: يعني هذه خطة نحاول أن نأخذ المسلمين قبل أن يسمع منهم النجاشي.

فخرجا حتى قدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفع إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقال لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد ملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً أي أبصر بهم واعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم.

يعني باختصار عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة اشتروا ذمة البطارقة، أعطوهم هدايا وقالوا لهم: نحن نريد أن ندخل على النجاشي ونريد أن نخبره بكذا وكذا من التفاصيل، فإذا نحن أخبرنا بذلك أشيروا على النجاشي بما قلنا لكم. اشتروا ذمتهم بالهدايا.

قال: ثم إنهما أي عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه. المهم دخل عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بالهدايا النفيسة إلى النجاشي ووضعوها بين يديه، ثم كلمه فقال: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء -انظروا الدعاية كيف تصنع في كل زمان ومكان- غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشيرتهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً أي أبصر بهم كما قلنا، واعلم بما عابوا عليهم.

قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من.. التي قالت؟ أم سلمة لأنها هي التي تروي القصة، قالت: لم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي، لأنهم تعرفون أن النجاشي رجل صاحب حق، صاحب مبدأ، صاحب مروءة، إذا سمع كلامهم سيستميلونه.

فقالت بطارقته وحوله، الآن البطارقة في وضعية الاستعداد، عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص تكلموا بالكلام، البطارقة الآن اتفقوا مع هذين الرجلين: بعد أن نتكلم، قولوا للنجاشي: صدق هؤلاء. فقالت البطارقة حوله -أناس مأجورون دفعت إليهم هدايا فباعوا ذمتهم، ما عندهم مشكلة، ليسوا كالنجاشي أصحاب حق- فقالت بطارقته حوله: صدق أيها الملك، قومهم أعلى بهم عيناً واعلم بما عابوا عليهم، فاسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم.

النجاشي يا أحبتي لم يكن رجلاً سفيهاً حتى الحاشية لا تستطيع أن تضحك عليه وأن تستميله، فهذه فراسة النبي صلى الله عليه وسلم فيه صدقت، رجل صاحب مبدأ، صاحب مروءة، صاحب حق. قال: فغضب النجاشي ثم قال: لا وها الله، يعني كلا والله، إذاً لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم عما يقول هذان في أمرهم، أناس أتَوا إلى دياري وإلى بلادي واختاروا جواري على من سواي وتفرسوا فيّ خيراً، ثم بعد ذلك أسلمهم إلى قومهم؟ كلا والله، لابد أن أدعوهم وأن أسألهم عن تفاصيل ما وقع بينهم وبين قومهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم.

ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا لم يخطئوا، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم وحميتهم وأحسنْت جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم.

النجاشي الآن بعث برقية إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من كان رئيس الصحابة في ذلك الوقت؟ كان سيدنا جعفر بن أبي طالب، كان أيضاً هو ممن هاجر. فوصل مبعوث الملك إلى الصحابة، وقال لهم: الملك يدعوكم إلى مقابلته.

قال: فلما جاءهم رسوله، اجتمعوا، الصحابة الآن اجتمعوا، ماذا نفعل؟ هل نذهب إلى زيارة الملك؟ الظاهر أن الأمور بدأت تتعقد أكثر وأكثر. قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ بدأوا يتشاورون، ماذا نفعل؟ قالوا يعني ماذا نقول للنجاشي إذا لقينا؟ هل نقول ونصرح بدعوتنا إلى التوحيد وأننا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وأن دعوتنا كذا وكذا؟ هم خافوا أن النجاشي لا يقتنع بهذا الأمر.

قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائناً في ذلك ما هو كائن. إن خلص الصحابة كما نقول باعوا أنفسهم لله. قالوا: سنقول الحق، رضي ما رضي، خلاص نحن نبيع أنفسنا لهذا الدين.

فقال لهم: المهم دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، جاء النجاشي، مجلس مهيب، جاء البطارقة الذين باعوا ذمتهم، جاءوا ووضعوا أمامهم مصاحف ووضعوا أمامهم الأوراق وكل شيء، الآن مجلس مهيب. النجاشي دخل عليه جعفر بن أبي طالب وصحبه، فماذا قال له؟ فقال لهم: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟ ما هذا الدين الجديد الذي أتيتم به؟ سؤال صريح وواضح.

فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك -الخطبة المشهورة-، يا أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه.

فدعانا إلى الله لنعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء.

لاحظ هو كيف يدلل الأخلاق الفاضلة التي دعا إليها محمد صلى الله عليه وسلم؟ لأن رجلاً عاقلاً كالنجاشي يدرك أن هذه الصفات الفاضلة لا يدعو إليها إلا نبي. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -قلت فعدد عليه أمور الإسلام-، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله.

فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا. فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلم عندك أيها الملك.

ما رأيكم بهذه الخطبة أحبتي؟ خطبة دبلوماسية عالية جداً، خطبة عالية جداً تدل على حنكة جعفر بن أبي طالب، وأنه يستحق فعلاً أن يكون قائداً. كيف استطاع في هذه الخطبة أن يستميل النجاشي، وأن يبين له حقيقة الدعوة المحمدية بأوضح طرق وأسهل طرق وأخسر طرق، من دون أن يستثير النجاشي ومن دون أن يستثير من حوله؟ لاحظ أنه ابتداءً لم يتطرق إلى قضية عيسى بن Mريم، لأنه يدرك أن هذه قضية حساسة عند النصارى، وإنما تطرق إلى الأخلاق الفاضلة التي تدعو إليها النفوس البشرية جميعها.

أي إنسان بفطرته مهما كان دينه، نصراني، بوذي، مسلم، مهما كان دينه، إنه يسعى في الأصل إلى الأخلاق الفاضلة ويعظمها ويحترمها، حتى لو كان يفعل القبائح، يعظم الأخلاق الفاضلة، ويدرك أن هذه الأخلاق الفاضلة لا تخرج إلا من فاضل. فجعفر بن أبي طالب ركز على القضايا التي تنبع من الفطرة؛ قضية الإيمان بالله، قضية الأخلاق الفاضلة. وصور له أنهم أناس مظلومون، قال: خرجنا بهذه الأخلاق الفاضلة فعدا علينا قومنا فآذونا، ثم اخترنا أن نأتي إلى جوارك.

انظر كيف استطاع أن يستعطف النجاشي وأن يتكلم، ليس استعطافاً بالباطل، استعطافاً بالحق، لكن ركز على الكلام الحساس الذي يصيب به قلب النجاشي. هذا يدل على دبلوماسية عالية، حنكة عالية، فهم عالي، إدراك واقع لا يستفز النجاشي كما قلنا بكلمات لم يحن وقتها بعد. ركز على الكلام العام الذي يتفق العقلاء على قبوله.

النجاشي الآن قال: هل معك شيء مما جاء به هذا الرجل؟ أو مما جاء به صاحبكم؟ معك شيء من القرآن الذي قلت إن صاحبكم قد أتى به؟ قال له: نعم. فقال له: إذن اقرأ عليّ.

فقرأ عليه صدراً من سورة كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى اخضرت لحيته، وبكت أساقفته حتى أقبلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلى عليهم. ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرجان من مشكاة واحدة، يعني كلام هذا الرجل وكلام عيسى بن مريم يخرج من مشكاة واحدة. انطلقا فوالله لا أسلمهما إليكما ولا يكادان -قال لعمرو بن العاص لعبدالله بن أبي ربيعة-: هؤلاء القوم لا يمكن أن أسلمهما إليكما.

فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم. عمرو بن العاص كان من دهاة العرب، فكان يعرف المآزق التي يمكن أن يحشر بها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بين يدي النجاشي، وكان رجلاً كما قلنا عنيداً قوياً وصاحب دهاء رضي الله تعالى عنه.

فققال له عبدالله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا -يعني عبدالله بن أبي ربيعة كان لسه عنده مشاعر تجاه المسلمين، عمرو بن العاص في تلك اللحظات كان يريد استئصال خضراء المسلمين-، عبدالله بن أبي ربيعة قال له: لا تفعل، خلاص يعني يكفي اللي عملناه، حاولنا وسعينا، ما نريد الرجل، دعنا نذهب ونعود. قال: لا تفعل ذلك يا عمرو، فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا.

سبحان الله، دائما حتى داخل منظومة أهل الباطل تجد رجلاً شديداً وتجد رجلاً خفيفاً، وهذا من تسخير الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين. لكن عمرو بن العاص قال: لا والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد.

عمرو بن العاص بدهاؤه كان يدرك أن هذه القضية حساسة عند أهل الحبشة عموماً، عند النجاشي وعند من حوله من البطارقة. ثم غدا عليه من غد، في الصباح الباكر ذهب عمرو بن العاص مع عبدالله بن أبي ربيعة، استأذنوا على الملك فدخلوا عليه، فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيماً، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه.

الآن عمرو بن العاص كما قلنا أدرك النقطة الصعبة فدخل على الملك وقال له: يا أيها الملك، ترى هؤلاء القوم يتكلمون في عيسى بكلام عظيم أنت لا ترضى به. النجاشي، يعني استُثيرت القضية واستُفز الموضوع، فأرسل إليهم لينظر ما هذا الكلام العظيم، فأرسل إليهم ليسألهم عنه.

قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط، يعني هذه كانت المصيبة التي حاولنا أولاً أن نجتنبها ونبتعد عنها ولا نشير إليها حتى لا نثير النجاشي ومن حوله، لكن للأسف الأمر عاد بنا إلى هذه النقطة من جديد.

قال: فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض -عرفوا أن هذا هو السؤال-، فقالوا: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله ما قال الله وما جاءنا به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن. وهذا أيضاً أحبتي لو نظرنا في الجانب الآخر؛ شجاعة، جرأة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وهم في أرض بعيدة أرض غربة، يمكن للنجاشي أن يغضب فيستأصل خضراءهم كما أراد عمرو بن العاص. في الحقيقة كان عندهم جرأة وثبات ووضوح في العقيدة ولم يرضوا المساومة على دين الله.

فلما دخلوا عليه قال لهم النجاشي: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، إذاً هو ليس إلهاً كما تزعمون.

فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: والله ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود. سبحان الله كيف أن النجاشي مباشرة خضع للحق! وهذا في الحقيقة لا ندري يعني ما سببه؟ هل كان النجاشي ابتداءً غير مقتنع بعقيدة النصارى وإنما كان يظهرها إرضاء لقومه؟ ما هو سبب خضوع النجاشي مرة واحدة لما قال له جعفر بن أبي طالب؟ هل سورة مريم التي قرأها جعفر بن أبي طالب البارحة حركت مشاعره؟

المهم مباشرة النجاشي أقرّ جعفر بن أبي طالب بقوله. وهذا من تقدير الله سبحانه وتعالى ومن لطفه بعبيده، وأن الإنسان يعلم أن الصدع بالحق والثبات على الحق ليس سبباً دائماً في الهلاك وفناء الدنيا وذهابها، بل هذه الدنيا إنما تفنى بأقدار الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل يوفق العبد الصالح ويثبته على قول الحق، ثم الله عز وجل يلين الطرف الآخر حينما يرى منك الثبات ويرى منك الجرأة، يلين الطرف الآخر وإن كان من أهل الباطل لصالحك.

هذه كلها أحبتي تقدير الله وتدابير الله، فلا تظنن دائماً أن الجهر بالحق والثبات على الدين سبب في الفناء وسبب في الهلاك وفي مضيعة الأعمار. نعم، الثبات على الدين سبحانه وتعالى له ثمن، لكن إياك أن تظن كما يفعل الجهال اليوم إذا رأوا عالماً من علماء الأمة صدع بالحق، قالوا: لماذا هذا الرجل تجرأ؟ أضاع نفسه، أضاع عمره.

لا، هؤلاء الكبار الذين يصدعون بالحق ويثبتون على دين الله سبحانه وتعالى، الله يسخر لهم العباد، والله سبحانه وتعالى يهیئ لهم من اللطف والرحمة والجود والرعاية حتى وهم في مضائقهم، وهم في سجونهم، وهم في صعوبات الحياة، وهم يتعرضون لأققصى أنواع السجن والعذاب، الله عز وجل يدبر لهم وينزل عليهم السكينة والثبات والرحمة، وثم الله عز وجل يهلك عدوهم، فهذه كلها من أقدار الله سبحانه وتعالى أحبتي، فالله عز وجل يرى الظالم والمظلوم، يرى المؤمن ويرى الكافر، وهي أقدار تجري بحكمة منه سبحانه وتعالى.

قال: لما سمع البطارقة النجاشي خضع لقول جعفر بن أبي طالب غضبوا، أنه أنت يا أيها النجاشي نحن وضعناك حاكماً علينا لأنك موافق لديننا، أما أن تبدأ تخالف ديننا فهذا خط أحمر. انظر دائماً أحبتي كما قلت لكم، لما يصل النزاع إلى الخطوط الحمراء يحدث الغضب وتستثير النفوس. دائماً البطارقة في اليوم الأول ما غضبوا من النجاشي لأنه لم يشعروا أن النجاشي تجاوز الخطوط الحمراء أو المبادئ العقدية عند النصارى، لكن في اليوم الثاني النجاشي مس الخط الأحمر عند النصارى، مسألة حساسة جداً، مسألة عيسى بن مريم، فهنا البطارقة غضبوا واستشاطوا غضباً وقالوا له: ما هذا الكلام الذي قلته؟

فالنجاشي ماذا قال لهم؟ النجاشي رجل جريء، قال لهم: وإن نخرتم والله، يعني افعلوا ما تشاؤون أنتم أيها البطارقة، والله إنه لحق. جرأة في الحقيقة، جرأة كبيرة من النجاشي رضي الله تعالى عنه. قال: اذهبوا، فأنتم شيوم بأرض من سبكم غُرِم، من غُرِم، ما أحب أن لي دِبراً من ذهب وأني آذيت رجلاً منكم.

عرف النجاشي أنهم أصحاب حق، أنهم أصحاب مبدأ، أنهم أصحاب عقيدة، أنهم أصحاب ثبات على دين الله، أنهم أناس يتبعون نبياً، ولذلك تبعهم وآمن بهم. طبعاً على خلاف بعض كتب السير تقول ليس النجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، هذا رجل هو نجاشي آخر أسلم، يعني جاء بعد هذا النجاشي نجاشي آخر. وقيل إن النجاشي هو -طبعاً هو لقب لكل ملك من ملوك الحبشة يسمى ماذا؟ نجاشي-، فقيل إن هذا النجاشي هلك وجاء بعده نجاشي آخر أيضاً عادل، وذاك النجاشي هو الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم. ومنهم من يقول: لا، هو نفس هذا الرجل، فالله تعالى أعلم بالحال.

ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها. انظروا النجاشي ماذا قال؟ قال: أتيتم تشتروني بهذه الهدايا؟ -يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه- أتيتم تشتروني بهذه الهدايا؟ ردوا إليهما الهدايا لا نريدها. ثم قال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً -الآن يخاطب جعفر بن أبي طالب-.

النجاشي الآن يخاطب جعفر بن أبي طالب وقال له: اذهب يا ابن أخي. انظروا الآن كيف بدأ يخاطبهم بالأخوة كأنه يعني اعتبر نفسه عمّاً لجعفر بن أبي طالب، النجاشي رجل كبير في السن وجعفر شاب في ريعان الشباب، فكأنه يعامله كأنه عمه: اذهب يا ابن أخي فقل ما شئت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً.

قالت أم سلمة: فخرجا من عنده مقبوحين، خرج عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة يجران أذيال الخيبة خلفهما مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. إذاً هذه قصة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم المشهد العظيم الذي وقع.

عندهم في الحبشة. وفي الحقيقة لو أنني أريد أن أقف عند كل موقف من مواقف السيرة واستنبط منه العبر والأحكام والمقاصد، وكيف نستثمر مثل هذه مواقف بناء الدعوة، لطالت هذه المجالس كثيرا كثيرا. لكن كانت إشارات سريعة في كيف الإنسان يستغل الأسباب المتوفرة عنده في نصرة هذا الدين.

كيف أن الإنسان يكون حكيماً في كلامه، لا يستفز الشخص الذي أمامه إذا لم يكن هناك داع للاستفزاز، كيف يركز على القضايا الكلية التي يستفيد من في استثمار طاقة الشخص الذي يقف أمامه ويخاطبه. وكيف يثبت على دين الله وأنه ليس دائما الجهر بالحق والثبات على الدين هو الخطأ كما يرى البعض، بعض الناس دائما منهج الاستسلام وأنه إذا قالوا لكم هكذا خلص اتركوا مبادئ الدين وقولوا لهم ما يرضيهم. الصحابة في الحبشة ما فعلوا ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يخطئهم وإن كان قد يمكن أن يدفعوا الثمن عاليا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخطئهم ولم يرسل لهم ما الذي فعلتموه؟ وكيف جهرتم بالحق؟ وكان يمكن أن تستأصلوا لولا أن الله رحمكم. بل النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك.

فهذا يدل دائما كما قلنا أن الإنسان قضية التوازن أو الاتزان والوقوف في الموقف الصحيح يحتاج إلى توفيق من الله سبحانه وتعالى، يحتاج إلى حكمة. فالإنسان يثبت على دين الله ولا يبيع دينه مباشرة بعرض من الدنيا بخس، ما في داعي. لكن في نفس الوقت يكون حكيما في طريقة الخطاب، لا يستفز من حوله إذا لم يكن هناك داع لهذا الأمر. إذا كنت تستطيع أن تخرج من مأزق بطريقة من دون جراح ومن دون إصابات، فخرج.

فعلينا أحبتي ونحن نقرأ في ثنايا هذه السيرة أن نتأمل وأن نعتبر وأن نتفكر وأن نتعلم كيف نستنبط وكيف نأخذ الأحكام في البناء من منهج محمد صلى الله عليه وسلم ومنهج صحبه. ماذا قال ابن أبي العز الحنفي في قصة الحبشة؟ قال: ورابع من النساء واثنى عشر من الرجال الصحب كل قد هجر إلى بلاد الحبش في خامس عام وفيه عادوا. ثم عادوا يا همام.

يقول عن الهجرة الأولى: قال ورابع من النساء، أربع من النساء واثنا عشر من الرجال هم الذين هاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة في خامس الأعوام. ثم عادوا إلى مكة بعد أن ثارت إشاعة أن أهل مكة أسلموا، فلما وجدوا أن أهل مكة على حالهم وأن العذاب اشتد، عادوا مرة أخرى إلى أرض الحبشة. قال وفيه عادوا إلى مكة ثم عادوا أي إلى الحبشة مرة أخرى لا ملام عليهم في هذا العود.

لكن لما عادوا في المرة الثانية قال: ثلاثة هم وثمانون رجل ومعهم جماعة حتى كمل. من يقصد معهم جماعة؟ هل يقصد بالجماعة الذين معهم هم أناس تبعوا هؤلاء الثلاثة والثمانين من أهل مكة؟ أم كان يقصد بذلك أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وأهل اليمن؟ أبو موسى الأشعري وأهل اليمن الذين أسلموا معه يسموهم الأشعريون، هؤلاء أرادوا أن يذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لكن السفينة التي ركبوها استقلوها من اليمن باتجاه المدينة ألقتمتهم إلى الحبشة، يعني كان من أصلها تتجه السفينة باتجاه المدينة لكن مع الرياح السفينة ألقتمتهم إلى الحبشة. فلما وصلوا الحبشة وتكسرت وتكسر القارب هناك، نزلوا فوجدوا جعفر بن أبي طالب، فمكثوا عنده وأتوا مع جعفر بن أبي طالب لما وصل إلى المدينة في غزوة خيبر كما سنعلم إن شاء الله. فلربما يقصد بالجماعة الذين تبعوا الثلاثة والثمانين من أبو موسى الأشعري ومن معه، وإن كان البعض لا يقول ليس هذا هو المقصود، وإنما هناك أناس من الرجال الصحابة تبعوا الثلاثة والثمانين، فالله تعالى أعلم بالحال. وأما عدد النساء قال: وهن عشر وثمان. ثم قد اسلم في السادس حمزة الأسد.

قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب ربما لليوم أطلنا عليكم في هذا المجلس، لعلي أدعها إلى مجلس آخر بإذن الله، نتكلم عن قصة إسلام حمزة وما حدث من امتداد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك.

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا حبا صادقا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن يعمق جذور الحب في قلوبنا لهذا النبي العظيم، وأن يرزقنا التأسي والاقتداء بمنهجه الفكري والدعوي والبنائي والتصحيحي حتى نصنع واقعا جديدا لهذه الأمة يقوم على نهج محمد صلى الله عليه وسلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.