تسجيل الدخول

الأرجوزة الميئية (6) / إسلام حمزة حتى الإسراء

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح الأرجوزة المائية للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نشرح فيه هذه المنظومة المباركة؛ الأرجوزة المائية في ذكر حال أشرف البرية للإام ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه. وفي المحاضرة السابقة أحبتي توقفنا عند الهجرة إلى الحبشة، فذكرنا تفاصيل هذه الهجرة وما وقع فيها من أحداث، وكيف حاولت قريش أن تعيد تلك الثلة الصابرة المؤمنة التي هاجرت إلى الحبشة فراراً بدينها إلى مكة، ومن الحوار الذي دار بين النجاشي وبين عمرو بن العاص إلى آخر تلك التفاصيل، وكيف فشلت فعلاً تلك المحاولة التي بذلها كفار قريش، وبقي المهاجرون إلى الحبشة في أمان في ظل حكم أصحمة النجاشي رحمة الله تعالى عليه.

وقفنا عند قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب؛ حيث قال ابن أبي العز: ورابع من النساء واثني عشر من الرجال الصحب كل قد هجر إلى بلاد الحبشي في خامس عام وفيه عادوا ثم عادوا لا ملام، تكلم عن الهجرة الثانية إلى الحبشة. الهجرة الثانية للحبشة كم عددهم؟ قال: ثلاثة هم وثمانون رجل، ثلاثة وثمانون رجلاً كما تعلمنا، ومعهم جماعة حتى كمل، وهن عشر وثمان ثم قد، وهن أي النساء. كان عندنا كما قلنا من النساء ثمان عشرة امرأة، هي التي هاجرت إلى الحبشة الهجرة الثانية. وهن عشر وثمان ثم قد، أسلم في السادس حمزة الأسد.

وقفنا إذا هنا عند إسلام حمزة بن عبد المطلب في السنة السادسة من البعثة، وأحب أن أنبه أحبائي الطلبة أن بعض تفاصيل السيرة النبوية غير متفق على تواريخها بالضبط والتحديد. فمثلاً قصة إسلام حمزة عند ابن هشام نجدها قبل الهجرة إلى الحبشة، والبعض يوردها بين الهجرة الأولى والهجرة الثانية إلى الحبشة، والبعض يؤخرها إلى ما بعد ذلك. فبعض تفاصيل الهجرة من حيث التواريخ أو أحاديث السيرة بشكل عام من حيث التواريخ غير منضبطة تماماً؛ فتختلف آراء علماء السير في تأريخ الأحداث، ومحمد بن إسحاق قد يؤرخ هذا الحدث في وقت، يأتي ابن كثير بعد التفحص والتبين نكتشف أن هذا الحدث له وقت آخر، ثم يأتي عالم ثالث فيبين وقتاً آخر وهكذا. فلذلك أنا لماذا أنبه على هذه القضية؟ لأن بعض طلبة العلم يقرأ في أكثر من كتاب من كتب السيرة، فيجد أن صاحب هذا الكتاب أرخ حادثة إسلام حمزة قبل الهجرة إلى الحبشة، ويأتي إلى كاتب آخر مثل ابن أبي العز الحنفي فإذا هو يؤرخها بعد الهجرة إلى الحبشة، فيظن أن هناك تناقضاً، وليس هو تناقضاً الحقيقة، وإنما هو أن مثل هذه القضايا لم تنقل بالتحرير متى وقعت هذه الحادثة بالضبط، ومتى فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا بالضبط. بالتحليل كثير من الوقائع خاصة التي كانت قبل الهجرة، التي كانت في مكة قبل الهجرة، لم تحرر تحريراً كاملاً من العلماء.

فالحادثة الصحيحة ثابتة، لكن متى وقعت بالضبط؟ هنا تأتي الروايات المختلفة. فالمهم في النهاية نحن أحبتي أن نأخذ العبرة، هذا هو المهم، أن نأخذ العبرة وأن نأخذ الحكمة وأن نستفيد من هذه القصة. أما وقعت بعد الهجرة أو قبل الهجرة إلى الحبشة، ففي النهاية هذا أمر يتسع فيه المقال والخلاف بين أهل العلم، وكل يرجح ما ظهر له.

المهم وصلنا إذاً إلى قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب، وابن أبي العز الحنفي جعلها بعد الهجرة إلى الحبشة؛ بعد وقوع هذه الحادثة في السنة السادسة من البعثة، سنة السادسة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أسلم حمزة بن عبد المطلب كما يرى ابن أبي العز الحنفي. ما هي قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب؟ دعونا نرى ماذا ذكر ابن هشام في هذه الواقعة. يقول: حدثني رجل من أسلم وكان واعية. طبعا هو كما قلنا ابن هشام ينقل عن شيخه محمد بن إسحاق بواسطة، أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا. القصة باختصار أن أبا جهل مر عند النبي صلى الله عليه وسلم والنبي عليه الصلاة والسلام عند جبل الصفا. فماذا فعل أبو جهل؟ شتم النبي عليه الصلاة والسلام وآذاه ونال منه بعض ما يكره من التعييب لدينه وما شابه ذلك.

النبي عليه الصلاة والسلام لم يكلمه وترك أبا جهل بجهله يشتم ويسب ويعيب دين الاسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يرد عليه. من الذي شاهد هذا الموقف؟ الذي شاهد هذا الموقف فتاة هي مولاة لعبد الله بن جدعان، إذاً فتاة كانت مولى أي أمة لعبد الله بن جدعان، شاهدت هذا المشهد من نافذة بيتها. ثم انصرف أبو جهل وعاد إلى نادي قريش، لم يلبث حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه أن أقبل متوشحاً سيفه. قالوا: حمزة بن عبد المطلب كان خارجاً في رحلة صيد، وهو عائد إلى مكة مر بهذه المولى، بهذه الفتاة.

فماذا قالت له؟ وهو طبعا ابن هشام ذكر بعض التفاصيل لما قال: لم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحاً قوسه راجعاً من قنص له، كان في قنص أي رحلة صيد، عاد إلى مكة وكان صاحب قنص يخرج إليه كثيراً، وكان إذا فعل ذلك يعني إذا عاد من رحلة القنص لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، يعني كان من عادته أنه عادة من رحلته إلى القنص يمر على نوادي قريش يتحدث ويتبادل أطراف الحديث مع رجالات أهل مكة. وكان حمزة أعز فتى في قريش، كان حمزة أعز فتى في قريش وأشده شكيمة، انسان قوي جداً تهابه أو يهابه أهل مكة وكفار قريش عموماً، لكنه لم يسلم بعد.

فلما مر بالمولى وهو عائد إلى مكة دخل الآن مكة، مر بهذه الفتاة التي شاهدت ذاك المشهد، فهذه الفتاة الله تعالى أعلم ما الذي دفعها إلى أن تقص على حمزة بن عبد المطلب ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من أبي جهل. طبعا حمزة بن عبد المطلب ما قرابته بالنبي عليه الصلاة والسلام؟ عم النبي عليه الصلاة والسلام. فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، قالت له هذه المولى: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفاً من أبي الحكم وهو أبو جهل. طبعا النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي كناه بأبي جهل تنقيصاً منه وإلا فشهرته بين كفار قريش أنه أبو الحكم. فقالت هذه الفتاة لحمزة بن عبد المطلب: لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفاً من أبي الحكم ابن هشام، وجده ها هنا جالساً فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره.

إذاً، هذه المولى صورت هذا المشهد لحمزة بن عبد المطلب، كيف أن أبا جهل آذى النبي صلى الله عليه وسلم. فاحتمل حمزة الغضب، يعني حمزة بن عبد المطلب تملكه الغضب، حل به الغضب وثارت ثائرته، كيف لأبي جهل أن يشتم ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم وينال منه، وأنا حمزة الفتى الأعز في قريش صاحب الشكيمة! شعر حمزة بن عبد المطلب بأن أبا جهل لم يعط أي اعتبار وأي اهتمام لآل أبي طالب ولا لآل عبد المطلب ولا لآل هاشم، فكما قلنا اخذته حمية ونصرة لابن أخيه، وكان هذا باب خير حتى يدخل حمزة بن عبد المطلب في هذا الدين، ويكون سبباً في تقوية الإسلام بحمزة بن عبد المطلب، ثم بعده بثلاثة أيام أسلم عمر بن الخطاب.

فماذا فعل حمزة حينما أخبرته هذه الفتاة بهذا الخبر؟ قالوا احتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، أي لما أراد الله أن يكرمه بالإسلام، فهذه كلها من تقديرات الله سبحانه وتعالى. فخرج يسعى ولم يقف على أحد، كما قلنا هو في كل مرة يدخل مكة بعد عودته من الرحلة يقف على نوادي قريش يتحدث يمزح يتبادل أطراف الحديث، هذه المرة لا، تغير وجهه اشتد غضبه توشح سيفه وذهب باتجاه نادي قريش وإلى أبي جهل بالتحديد. فخرج يسعى ولم يقف على أحد، معداً لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، حامل في قلبه إذا وصل لأبي جهل أن ينزل به.

فلما دخل المسجد الحرام نظر إليه أي نظر إلى أبي جهل جالساً في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه به فشجه شجة منكرة، فتى عزيز رجل وصل إلى أبي جهل ما استنى يتكلم معاه، أو هل فعلا فعلت هذا يا أبا جهل؟ مسك القوس وضرب به رأس أبي جهل فشجه شجة قوية أدماه. طبعا حمزة بن عبد المطلب هو لا يدمي إنساناً عادياً في كفار قريش، إنساناً مجهولاً أو إنساناً ليس له قبيلة أو عشيرة، لا، هو الآن يضرب أحد صناديد أهل مكة يدمي أبا جهل.

ماذا فعل أبو جهل؟ وكيف كانت ردة الفعل؟ ثم قال مباشرة حمزة بن عبد المطلب كما قلنا ضربه بالقوس على رأسه وقال: يا أبا جهل، اتشتمه وانا على دينه؟ هو الآن دخل في دين محمد عليه الصلاة والسلام، وهذه من كرامة الله سبحانه وتعالى؛ أن الله عز وجل جعل هذه الواقعة سبباً في إدخال حمزة بن عبد المطلب في ماذا؟ في هذا الدين. فحمزة بن عبد المطلب دخل في دين النبي صلى الله عليه وسلم الآن، وقال لأبي جهل: اتشتمه وانا على دينه يا أبا الحكم؟ فرد ذلك علي إن استطاعت، تستطيع ترد هذه الضربة ردها علي. انسان عزيز، فتى قوي.

فقامت رجال من بني مخزوم، والآن قبيلة أبي جهل ثارت، كيف لحمزة أن يضرب سيدها ورأسها؟ فقاموا لينصروا أبا جهل. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، دعوه يعني لا تردوا عليه، فاني والله قد سببت ابن أخيه سباً قبيحاً. أبو جهل شعر بالخطأ، أنه حتى ولو كنت معادي لمحمد صلى الله عليه وسلم، كان ينبغي أن أتمسك ولا أشتم هذا الشتم السيء الذي لا ترضاه الأنفية العربية. تمام، لاحظوا، هو لم يستخطئ أن النبي صلى الله عليه وسلم انسان صالح في وجهة نظر أبي جهل لا، وكان استخطاؤه أنه ما كان ينبغي حتى ولو كنت على عداوة مع محمد صلى الله عليه وسلم أن أشتم هذا الشتم القبيح السيء. الظاهر أنه يعني دخل كثيراً في الشتم وقبح في الكلام، فاستخطأ نفسه وشعر أنه هو المذنب، فطلب من قبيلته ألا ترد على حمزة بن عبد المطلب.

وفعلا انتهى المشهد هنا، عاد حمزة أدراجه إلى المنزل، وقد كان أعلن إسلامه أمام صناديد كفار مكة. وكانت قريش بعد هذه اللحظة تحسب حساباً كبيراً للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ما عاد أنصاره فقط ضعافاً، لا، الآن حمزة بن عبد المطلب، وبعد ثلاثة أيام بالضبط كما يروي علماء السير دخل عمر بن الخطاب في هذا الدين، فأصبح للمسلمين في مكة قوة لا يستهان بها. إنك أنت الآن تتكلم عن أقوى أهل مكة، عن رجالاتها وعن فتيانها الشجعان دخلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم، فهنا بدأ كفار مكة يشعرون بالخطر أكثر وأكثر يداهمهم. إذاً هذه كانت قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب، وجعلها كما قلنا ابن أبي العز الحنفي في السنة السادسة من البعثة.

طيب الآن ماذا وقع بعد ذلك؟ يقول ابن أبي العز في البيت الحادي، في البيت الواحد والثلاثين يقول: وبعد تسع من سنين رسالته مات أبو طالب ذو كفالته، وبعده خديجة توفيت من بعد أيام ثلاثة مضت. نعم، انتقل ابن أبي العز الحنفي إلى تلك الواقعة المريرة التي أثرت في النبي صلى الله عليه وسلم؛ هذه الواقعة المريرة المؤلمة كانت هي وفاة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، الذي عضده وناصره وآزره وكان يحميه طوال تلك الفترة حتى يبلغ دين الله سبحانه وتعالى، مع أن أبا طالب لم يسلم كما سنسرد الآن.

ثم بعد أبي طالب بثلاثة أيام جاءت الواقعة الأمر أن توفيت خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها، تلك المرأة المؤمنة الصابرة التي عضدت النبي صلى الله عليه وسلم في بداية أمره وثبتته وربطت جأشه. تلك المرأة الصابرة المؤمنة نعم انتقلت إلى رحمة الله رضي الله تعالى عنها. واقعتان بينهما ثلاثة أيام فقط، جاءتا على النبي صلى الله عليه وسلم ثقيلتين، بأنهما أو كانت هذه وقائع تعني بداية جديدة في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم لكفار قريش، ورحلة من التعب والألم بعد أن فقد النبي صلى الله عليه وسلم ناصره وآزره من الرجال ومن النساء. فقد كان ناصر النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والذي يعضده من كان أبا طالب، والذي ينصره النبي صلى الله عليه وسلم بين النساء ويشد من أزره كانت خديجة بنت خويلد. الواقعة كانت مريرة متعبة بكل تفاصيلها، أترك الآن الكلام لابن هشام ليسرد لنا تفاصيل وفاة أبي طالب ووفاة خديجة بنت خويلد.

رضي الله تعالى عنها. طبعا هناك خلاف بين علماء السير أيضا؛ هل كانت خديجة هي التي توفيت قبل أبي طالب؟ أم أبو طالب هو الذي توفي قبل خديجة؟ هذا أيضا خلاف، لكن ابن أبي العز الحنفي رجح قول المحققين من أهل السير أن أباه طالب هو الذي مات أولا ثم تبعته خديجة بعد ثلاثة أيام.

طيب، ما قصة وفاة أبي طالب ثم قصة وفاة خديجة؟ هي قصة مقتضبة نقصها سريعا. يقول ابن هشام رحمة الله تعالى عليه في سيرته: ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على النبي صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة وكانت له وزيرة صدق على الإسلام يشكو إليها، وبهلاك عمه أبي طالب وكان له عضدا وحرزا في أمره ومنعة وناصرا على قومه.

وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين، ابن أبي العز كما قال لكم ابن أبي العز يقول: في السنة التاسعة من البعثة، والبعض يقول في السنة العاشرة من البعثة. المهم خلال هذا التاريخ مات أبو طالب وماتت خديجة رضي الله تعالى عنهما. ما سيسرده هنا بعد ذلك ابن هشام هو قصة وفاة أبي طالب وما حدث فيها من التفاصيل، أما وفاة خديجة رضي الله عنها لا نملك تفاصيل مع طبيعة المرض الذي أصابها وكيف كانت تفاصيل الوفاة؟ هذا لم يتطرق إليه كتاب السير، وإنما تطرقوا لما وقع مع أبي طالب في أثناء الاحتضار وفي أثناء الموت؛ لأنها حادثة خلدها التاريخ.

يقول ابن هشام: لما اشتكى أبو طالب، يعني لما حل به مرض الموت وبلغ قريشا ثقله، يعني بلغ قريش أن أبا طالب يحتضر؛ ماذا فعلت؟ قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب قد أسلم، وهذه ورطة بالنسبة لهم، وقد فشا أمر محمد صلى الله عليه وسلم في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه أن يأخذ عهدا منه أن لا يؤذينا وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا. قال ابن عباس راوي الحديث: فمشوا إلى أبي طالب فكلموه وهم أشراف قومه.

من الذي ذهب إلى أبي طالب؟ عتبة بن ربيعة، شيبة بن ربيعة -وهذان قتلا في غزوة بدر، الأول قتله حمزة في المبارزة والثاني قتله علي بن أبي طالب-، وذهب أيضا أبو جهل بن هشام وأبي بن خلف وأبو سفيان بن حرب -قبل أن يسلم أبو سفيان- برجال من أشرافهم يعني كباريات أهل مكة. ذهبوا إلى أبي طالب وهو يحتضر ليتفاهموا معه التفاهم الأخير حول قضية محمد صلى الله عليه وسلم وكيف ستستمر الحياة بعد ذلك.

دخلوا على أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، يعني أنت رجل شريف فينا، أنت تعلم كم هي مكانتك عندنا، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك فدعه، فخذ له منا وخذ منا له. ادع الآن دعنا نتفاهم مفاوضات، هو يعطينا ونحن نعطيه، مفاوضات فيها اخذ وعطاء؛ هكذا طلبوا. إذا فادعه إلى المجلس فخذ له منا وخذ منا له ليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا ونحن ندعه ودينه.

إذا، كفار قريش كانت مشكلتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يتعرض لدينهم، يسفه الأصنام، يحاربها، يبين للناس فسادها، وهذا كان، وهذه هي المشكلة التي كانت تزعج كفار قريش. ما كانت مشكلة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى أمره من دون أن يتعرض لآلهتهم؛ كانوا يدعونه وشأنه، لكن المشكلة كما قلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم في نظر كفار قريش تجاوز الخطوط الحمراء، وصل إلى آلهتهم إلى أصنامهم، فاستكبروا وعتوا في أنفسهم، قالوا: كيف لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يعيب ما وجدنا عليه آباءنا؟ فطلبوا من أبي طالب أن يحل هذه المشكلة قبل أن يموت.

فماذا فعل أبو طالب؟ قال: فبعث إليه أبو طالب. أبو طالب بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا المجلس، فقال أبو طالب له: يا ابن اخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك. اجتمعوا حتى يعطوك عروض وأنت أيضا تعطيهم مفاوضات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، أنا ما عندي مشكلة، أنا فقط اريد منهم كلمة واحدة؛ لا اريد مالا، لا اريد قصورا، لا اريد زوجات، لا اريد أن يسودوني، لا اريد شيئا، اريد كلمة واحدة فقط منهم وهذا ما أطلبه.

ما هي الكلمة الواحدة؟ سأله كفار قريش. قال: قولوا لا إله إلا الله. فهنا صاح كفار قريش، قالوا: ألا هذه؟ اجعل الآلهة إلها واحدا! هذه كانت مشكلة كفار قريش، كانوا يدركون بدقة معنى لا إله إلا الله أكثر من بعض المسلمين اليوم. كانوا يدركون أن معنى لا إله إلا الله كلمة ثقيلة، كلمة التوحيد تعني إلغاء كل العبوديات من البشر والشجر والحجر والأصنام وكل الآلهة، ولا يكون إلها معبودا بحق إلا الله سبحانه وتعالى.

كفار قريش كانوا يعلمون معنى هذه الكلمة أكثر من بعض المسلمين اليوم للأسف، فقالوا: ألا هذه؟ هذه التي حاربناك عليها؟ طيب. فصفقوا بأيديهم ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟ كما ورد في سورة ص: ﴿أَعَجِبۡ أَن جَآءَ مِنۡكُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمْ﴾ [ص: 4] إن أمرك لعجب. لا نقبل هذا العرض.

ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون؛ لأن هذا الرجل لا يريد أن يفاوض، لا يريد أن يعطيكم ما تريدون وما تشتهون. فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. خلاص قالوا: ما في حل، لا يوجد عندنا إلا المواجهة والحروب بيننا وبينك يا محمد. المهم تفرق كفار قريش وعادوا.

فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذهب دفاة قريش وما بقي -يعني كما تروي بعض الكتب بقي رجلان فقط أبو جهل وشخص آخر معه- المهم أن أبو طالب ماذا قال للنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: والله يا ابن اخي، ما رأيتك سألتهم شططا. أبو طالب هذا الذي يؤسفنا أنه كان يعلم أن محمد صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الحق يدعو إلى التوحيد، لكن للأسف خوف العار، الخوف على ضياع الوجاهة، الخوف من مسبة كفار قريش له، هو الذي سبب إصراره للحظة الأخيرة أن يموت على دين عبد المطلب.

وانظروا هذا الدين ما فيه مجاملات، مع كل ما قدم أبو طالب من نصرة ووفاء للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن أخطأ الخطأ الكبير الفادح أنه جعل مقياس الناس عنده أعظم من مقياس الله. قدم الخوف من العار وأن يسب بعد موته من أهل مكة أن يقال بدل دينه خوفا من الموت، قدم خوف المعرة على توحيد الله سبحانه وتعالى، فهنا لا مجاملة، فمات كافرا.

لكن دعونا ننظر في تفاصيل اللحظات الأخيرة. أبو طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله يا ابن اخي ما رأيتك سألتهم شططا، أي كلاما خاطئا. فلما قالها أبو طالب، لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم أبا طالب يقول هذا الكلام؛ طمع أن عمه يسلم في اللحظات الأخيرة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصا على عمه: يا عم، بعد كل هذا التعب يا عمي وبعد كل هذا النصب والمجاهدة من أجلنا تموت كافرا! شيء مؤلم، أليس كذلك؟

النبي عليه الصلاة والسلام طمع أن يظفر بأبي طالب في اللحظات الأخيرة فجعل يقول له: يا عم، قلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة، يعني أنطق فقط قل هذه الكلمة وأنا لأشفعن لك بها عند الله عز وجل. فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو طالب رأى كم النبي صلى الله عليه وسلم حريص عليه؛ فماذا قال له؟ قال: يا ابن اخي، والله -انظر هنا الخطأ التاريخي الذي ارتكبه أبو طالب وكلفه كثيرا كثيرا، كلفه أنه من المخلدين في النار، أمر عظيم جدا يعني- هناك أخطاء أحبتي في الحياة الدنيا ما في مشكلة أن يخطئ في الحياة الدنيا وعند الله عز وجل رحمة ربنا واسعة، لكن أن تخطئ في الإسلام والكفر، هذا الخطأ الذي ما بعده خطأ أن تخطئ في الإسلام والكفر!

فماذا قال أبو طالب؟ قال: والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي وأن تظن قريش أنني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. يعني يقول له: لولا مخافة المسبة على آل عبد المطلب بعد موتي والله لقلت هذه الكلمة، ولا أقولها إلا لأن أسرك بها، وهذا يدل شدة حب أبي طالب للنبي عليه الصلاة والسلام.

فلما تقارب من أبي طالب الموت، نظر العباس إليه يحرك شفتيه؛ العباس بن عبد المطلب شقيق أبي طالب كان حاضرا لمجلس وفاته، فرأى أبا طالب يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه، العباس يحاول يسمع إيش يقول أبو طالب في اللحظات الأخيرة الآن النزع، فرأى العباس أبا طالب يحرك شفتيه، فقال: يا محمد يا ابن اخي، والله لقد قالها!

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لم أسمع، أنا لم أسمعه قالها. وفي الحقيقة هو لم يقلها، هو لم يقلها، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقي يقول: والله لأستغفرن لك -يعني بعد أن مات عبد المطلب وخرجت أنفاسه- قال النبي صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرن لك ما لم أُنه عنه، حتى جاء النهي الإلهي: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113].

فكف النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار له. حينما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: بماذا نفعت عمك وقد كان يعضدك ويؤازرك وينصرك؟ فقال: هو أخف أهل النار عذابا. بمعنى قوله صلى الله عليه وسلم -بمعنى الحديث- أنه أخف أهل النار عذابا يوم القيامة. طيب، إذا إيش راح يكون عذابه الآن؟ لما تتصور أنه أخف أهل النار عذابا معناته الأمور سهلة؟ لا! أخف أهل النار عذابا توضع تحت قدميه جمرة يوم القيامة يغلي منها دماغه، نسأل الله السلامة والعافية! هذا أخف أهل النار عذابا، توضع تحت قدميه جمرة تغلي منها دماغه. أنتم متصورون أحبتي شدة العذاب؟ عذاب شديد جدا جدا، لكنه أخف عذاب في نار جهنم.

وهذا لأبي طالب الذي قدم وبذل ودافع عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا الدين قانون واضح، ميزان واضح، لا مجاملات في باب التوحيد، لا مجاملات على الإسلام. من نصر هذا الدين ووقف مع هذا الدين صادقا محتسبا فإن الله يكرمه في جنات النعيم، وأما من لم يدخل في هذا الدين لو دفع الأموال للفقراء والمساكين، ولو شارك في كل الجمعيات الخيرية، ولو قدم كل التضحيات من أجل قضايا المسلمين العامة والخاصة، ومن أجل قضايا الإنسانية وحقوق الإنسان والمجتمع الدولي، وكان إنسانا رائعا سميحا خلوقا جمع كل هذه الأمور لكنه أبى أن يدخل هذا الدين؛ فهو في نار جهنم.

هذا الدين قانونه واضح أحبتي، لا مجاملة في مثل هذه القضايا. لو كان أحد يستحق العفو أن يخرج من نار جهنم لكان أبو طالب أول الناس بهذا؛ يعضد النبي عليه الصلاة والسلام يحميه حتى يبلغ رسالة ربه، ومع ذلك الحكم الإلهي أنه كان في نار جهنم.

فما بالكم بهؤلاء الناس اليوم -وهذا أقوله أحبتي لأن بعض من تلف عقله ممن يدعي أنه من دعاة الإسلام أو ما شابه ذلك يحاول أن يدخل كل المخالفين للملة المحمدية في عفو الله ورحمته، وأن يوسع هذه الدائرة ظنا منه أنه يحسن لهذا الدين وأنه يصور هذا الاسلام العظيم بصورة الدين السمح الرحمة دين الوساع الذي يسع الناس جميعا- وهذا ابتعاد عن منهج الله سبحانه!

الأمر أيها الداعي الكريم ليس لي ولا لك، هذا أمر الله سبحانه وتعالى هو الذي قال عندما أوحى إليه ربه، الله عز وجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس جميعا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. الله عز وجل أصدر قانونا إلهيا أنه لا يغفر لمن أشرك به، ما في مجال للمغفرة في حال من الأحوال ما دامت قامت الحجة الإلهية على هذا الشخص وبلغته الرسالة المحمدية وأبى أن يسلم، فإن هذا الرجل من الخالدين في النار إذا مات على كفره والعياذ بالله.

فالنبي صلى الله عليه وسلم حزن على موت أبي طالب، ثم قلنا بعد ثلاثة أيام من هذه الحادثة المفجعة للنبي عليه الصلاة والسلام جاءت الحادثة الأكثر ألما، هي حادثة موت خديجة بنت خويلد المرأة الصابرة الصادقة المثبتة. أحبتي، لو استشعرنا مشاعر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمر في تلك اللحظات، لحظة وفاة خديجة بنت خويلد؛ الإنسان حينما يفقد أعز الناس عليه، أحب الناس إليه، الإنسان الذي وقف بقربه وأزره وكان معه في أصعب لحظاته وفي أحلكها، حينما يفقد ذاك الشخص الذي يبث إليه شجونه وأحزانه وهمومه، النبي عليه الصلاة والسلام نعم فقد خديجة بنت خويلد فكان ألما مريرا في قلبه.

لكن هذا ماذا يعلمنا أحبتي؟ هذا يعلمنا أحبتي قضية مهمة، وهو أن الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى لابد وأن يتعرضوا للبلاء في سبيل هذا الدين، وألا يظن هذا الداعي أن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى وأن طريق الدعوة مفروش بالورود، كلا والله، النبي عليه الصلاة والسلام لاحظوا كلما ازداد في مسيره.

ازداد به البلاء وضاقت به الدنيا. لكن الله سبحانه وتعالى يريد ان يجعل محمد صلى الله عليه وسلم قدوة للدعاء الى يوم القيامة. ايها الداعي الذي سجنت ايها الداعي الذي اذيت ايها الداعي الذي ضربت وشتمت انظر في محمد صلى الله عليه وسلم ماذا وقع له سيهون عليك كل شيء. محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو اعز الخلق على الله اعز انسان على الله سبحانه وتعالى.

انظر ماذا حدث له في تاريخ الدعوة من فقد الاحبة من الاذى والشتم والضرب والسب والتسفيف والتجهيل. كل الامور تعرض لها محمد صلى الله عليه وسلم، وبقي شامخا ثابتا مرفوع الرأس. لانه يعلم قيمة ما يحمل لهذه الامة من قيم ومبادئ ومعتقدات ومنهج يسود العالم بعد مدة باذن الله اذا طريق الدعوة الى الله احبتي ليس طريق مشروط بالسلامة.

ان بعض الناس يقول انا ادعو الى الله فاذا ابتليت تركت واذا اصابه شيء من الاذى بسجن او ما شابه ذلك رفع يده وقال انا هذا الطريق والله صعب علي لا استطيع ان اكمله. لا احبتي، الدعاء الى الله هنا الطريق. الطريق ثمنه غال المدافعة بين الحق والباطل هذه طبيعة هذا الدين. طبيعة هذا الدين وطبيعة هذه الدعوة المدافعة المستمرة بين اهل الحق واهل الباطل. والثمن الذي سيدفعه اهل الحق ثمن غالي.

لذلك الله سبحانه وتعالى في اية صريحة في كتابه يخبر المؤمنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتُلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111]. الله عز وجل اخبر المؤمنين ابتداء هذي الطريق طريق الدين طريق الدعوة لابد فيه من ان تدفع الثمن لابد فيه ان تباع الارواح والانفس والاموال والمهج لله سبحانه وتعالى. والله اشتري الثمن غالي وسلعة الله غالية الا ان سلعة الله غالية، الا ان سلعة الله الجنة.

فالدعاء الى الله وضعوا بين اعينهم الجنة، جنة عرضها السماوات والارض. لم يضعوا ولم يدخلوا هذه الدعوة على شرط السلامة. لم يدخلوها على ان تفرش لهم القصور والورود وان يستقبلهم الناس والجماهير يصفقوا لهم. من كان يظن ان طريق الدعوة وما يراه على الاعلام من تبجيل الناس والثناء عليه والاشارة له بالبنان، وان يدعوه فلان الى وليمة وفلان الى عشاء الناس كلها تحتفل به ويظن هذه هي الدعوة الى الله بكل هذه الاريحية فهذا ما عرف الدعوة او فليراجع كيف يدعو لانه بعض الناس هو لا يدعو الى الله عز وجل حق الدعوة فليراجع منهجه في الدعوة والا فالدعوة الحق الى الله لابد فيها من بلاء لابد فيها من دفع الثمن لا بد فيها من التضحية وبذل المهج والارواح ثم ثم بعد ذلك يأتي النصر في الوقت الذي يريده الله سبحانه وتعالى وليس في الوقت الذي اريده انا وانت اخي الكريم.

اذا هذه الواقعة الثانية التي نتكلم عنها في محاضرة اليوم وهي وفاة ابي طالب وخديجة بنت خويلد في السنة التاسعة من البعثة. لما مات ابو طالب احبتي نال كفار قريش من النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يكونوا ينالونه قبل ذلك وان ابو طالب في الحقيقة بالنظرة في السيرة يعلم ان ابا طالب مدة عشر سنوات أو تسع سنوات كان يشكل للنبي صلى الله عليه وسلم غطاء في مكة مكرمة يستخدمه النبي صلى الله عليه وسلم ويوظفه للدعوة الى هذا الدين. لما ذهب هذا الغطاء وانكشف النبي عليه الصلاة والسلام الان لاهل مكة نالوا منه اذى وسبا وشتما وكانوا يرونه يصلي فيؤذونه بسلا الجزور وهذا يشتمه وهذا يعيبه وهذا يتعارض له في الطرقات.

المهم ازداد الاذى ازدادت الصعوبات في طريق الدعوة الى الله امام النبي عليه الصلاة والسلام. وكل هذا احبتي كان بتقدير الله وبتدبيره. اعلموا ان الله سبحانه وتعالى كان مطلعا على كل خطوة خطوة وكان الله عز وجل قادرا على ان ينصر حبيبه صلى الله عليه وسلم ابتداء وان يبيت كفار قريش لكن لماذا الله سبحانه وتعالى اذن لكل هذه الوقائع ان تحدث من الشدائد والصعوبات امام النبي عليه الصلاة والسلام. كما قلنا لان سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي المنهج الدعوي لهذه الامة الى يوم القيامة فعلى الدعاء الى الله ان ينظروا في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وان يأخذوا منها العبر وان يعلموا ان الدعوة الى الله لا تعني ان ينصروا مباشرة بل هناك جراحات واشلاء ودماء وتضيق الامور ويتكالب الاعداء والله سبحانه وتعالى مطلع لكن له حكما عز وجل يريدها ان تقع.

له حكم سبحانه وتعالى ومقاصد يريد ان يختبر الايمان في قلوب الدعاة يريد ان يختبر هل كل شخص احبتي قال انا مؤمن هو صادق هل كل انسان يقول انا داعية الى الله وهو صادق؟ كيف نميز اليوم احبتي بين الدعاء الصادقين وبين الدعاء الذين يتظاهرون بالدعوة الى الله وهم في الحقيقة يبحثون عن شهرة وعن اموال وعن ثناء الناس عليهم وان يعظموا في المجالس اين يمتاز هؤلاء؟ انتم اخبروني هؤلاء يمتحنون ويمتازون ان البلاء يظهر الداعي الصابر الثابت على مبدأه على عقيدته على دعوته ويظهر الداعية المأجور الذي اتخذ سبيل الدعوة للشهرة بالثناء ولجمع الاموال وما شابه ذلك. وهذا انتم تشاهدونه في الواقع.

فاذا البلاء مهم جدا حتى يتمحص الدعاء الصادقون الثابتون على مبادئهم الذين باعوا انفسهم ووقفوا ارواحهم لله عز وجل من الكاذبين الذين يتخذون الدعوة سبيلا لنيل مقاصدهم الدنيوية. فلابد اذا من البلاء حتى يمتاز هذا وهذا. لابد من البلاء ايضا حتى يظهر الله سبحانه وتعالى ان له عبادا عندهم اهواء وشهوات ودوافع نفسية وحب للراحة والدعة لكنهم استعلوا على كل هذه الشهوات والاهواء والدوافع النفسية باعوا كل هذا بثمن عظيم وهو لقاء الله سبحانه وتعالى وهو راض عنهم.

يريد الله سبحانه وتعالى ان يري ملائكته وان يري الخلق جميعا ان له عبادا عبدوه طوعا عبدوه باختيارهم وذهبوا اليه سبحانه وتعالى حبا وشوقا وارادة له. فاستعلوا على كل شيء كما قلنا. لم تفتنهم البهاريج دنيوية لم يفتنهم النساء لم تفتنهم القصور ولا الاموال لم تفتنهم الدنيا بلذاتها وشهواتها استعلوا على كل شيء. واختاروا ربهم سبحانه وتعالى مقصدا وغاية.

اذا النبي صلى الله عليه وسلم نال منه كفار قريش ليلا كبيرا بعد وفاة عمه ابي طالب. فاراد ان يبحث عن موطن جديد للدعوة لينشر فيه هذا الدين بعد ان وجد ان الغطاء الذي كان له في مكة ذهب عنه فان اختار النبي صلى الله عليه وسلم ان يذهب اختار ان يذهب الى الطائف. كيف كانت رحلته الى الطائف؟ ماذا حدث فيها من التفاصيل؟ والمشاهد المؤلمة حقيقة دعونا ننظر عند ابن هشام وهو يسرد هذه الحادثة.

نعم هذه لم يتطرق اليها ابن ابي العز لكن احب ان امنحكم مشاهد كثيرة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم حتى تزدادوا له حبا وبه تعلقا. تعرف كم تعب النبي صلى الله عليه وسلم بابي هو وامي حتى وصل اليكم هذا الدين، وانتم امنون في بيوت ابائكم وامهاتكم النبي صلى الله عليه وسلم يبحث لاصحابه ولنا وللامة عن موطن جديد لنشر هذه الدعوة كما قلنا فذهب الى الطائف.

ماذا حدث له في الطائف؟ لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الطائف يلتمس النصرة من قبيل الثقيف التي كانت تسكن في الطائف عمد الى نفر من رجالات هذه القبيلة وهم سادتها، ثلاثة اخوة عبد يا ليل ابن عمرو ومسعود ابن عمرو وحبيب ابن عمرو. هؤلاء الثلاث هم سادة قبيلة ثقيف فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليعرض عليهم هذا الدين ويعرض عليهم ان ينصروه ويعاضدوه. فجلس اليهم النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم الى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال له احدهم انا امرض ثيابي ان كان الله ارسلك.

انظروا الرد القاسي يقول احدهم احد هؤلاء الثلاثة انا امرض ثيابي يعني انا انزع ثيابي ان كان الله عز وجل قد بعثك من انت؟ يستقل من شأن النبي عليه الصلاة والسلام. وقال الاخر ما وجد الله نبيا غيرك انظروا ردود القاسية المؤلمة من كل شخص منهم. وقال الثالث والله لا اكلمك ابدا فان كنت رسولا من الله فعلا كما تقول لانت اعظم خطرا من ان اكلمك ولان كنت تكذب على الله ما ينبغي لمثلي ان يكلمك.

اذا ردود قاسية واجهها النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الثلاث فقام النبي صلى الله عليه وسلم من عندهم وقال لهم لا تريدوا أن تؤمنوا بي هذا شأنكم لكن اكتموا عني ولا تخبروا كفار قريش اني اتيت اليكم حتى لا يؤذوني فلم يفعلوا. واضح ان هؤلاء الثلاث كانوا شياطين وكانوا متجبرين ومتعنتين النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم لا تؤمنوا هذا امر يعود اليكم كما تريدون انا عرضت عليكم الدعوة احببت ان تدخلوا في دين الله هذا لصالحكم ما احببتم انتم وشأنكم الله عز وجل يحاسبكم لكن المهم الان ان تكتموا عني حتى لا يصل امر مسيري اليكم الى كفار قريش. فلم يفعلوا ذلك. واغروا به سفهائهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس.

الان دعونا نعيش هذا المشهد. لحظات خروج النبي صلى الله عليه وسلم من بيت هؤلاء الثلاث. هؤلاء الثلاث اغروا به السفهاء الصبيان سفهات الناس اغروهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلحقوه في الطرقات يشتموه يصيحون عليه يضربونه بالحجارة بابي هو وامه صلوات ربي وسلامه عليه. والنبي صلى الله عليه وسلم اخذ رفيقا له في هذه الرحلة كما تروي كتب السيرة وهو زيد ابن حارثة.

وكان زيد ابن حارثة يحاول ان يحمي النبي صلى الله عليه وسلم من الحجارة حتى ادميت قدماه رضي الله تعالى عنه والنبي عليه الصلاة والسلام ادمي واصابته الحجارة حتى الجأوه الى بستان. يعني ظل النبي صلى الله عليه وسلم يهرب من هؤلاء ويحاول ان يبتعد عن الحجارة. مشهد مؤلم وانت تشاهد نبيك صلى الله عليه وسلم يتعرض لكل هذا الاذى وهذا التعب من اجل هذه الدعوة الخالصة التي لا نريد نحن ان نتعب من اجلها يوما. لا نريد ان نطلب العلم ونحمل ميراث النبوة الى الاجيال اللاحقة. هذا النبي العظيم احبتي يتعب كل هذا التعب من اجلكم. من اجل ان يصلكم الاسلام غضا طريا نقيا.

اذا هؤلاء السفهاء يتبعون محمدا صلى الله عليه وسلم يلقون عليه الحجارة حتى اضطر النبي صلى الله عليه وسلم ان يفر الى بستان. هذا البستان كان لمن كان لرجلين من كفار مكة لعتبة ابن ربيعة والشيبة ابن ربيعة اللذان كانا يحاربان النبي صلى الله عليه وسلم كانا يحاربان النبي صلى الله عليه وسلم ويؤذيانه وهما اللذان قتلا كما قلنا قبل قليل في غزوة بدر وكانا موجودين في الحائط في البستان. الحائط بستان يسمونه حائطا في العربية.

كان عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة كانا موجودين داخل البستان قال لهم بستان قريب من الطائف فالنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا مع شدة الحجارة التي القيت عليه لجأ الى هذا البستان. هم اذن للنبي صلى الله عليه وسلم ان يدخل. رأي النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التعب وهذا الارهاق وقدماه تسيلان دما بابي هو وامي صلوات ربي وسلامه عليه. النبي صلى الله عليه وسلم دخل هذا البستان وذهب الى جذع شجرة واتكأ عليها من التعب من الارهاق صلوات ربي وسلامه عليه.

عتبة بن ربيعة شيبة بن ربيعة يرمقان النبي صلى الله عليه وسلم من بعيد ينظران الى حاله وما وقع معه فاخذتهما الشفقة على النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه القلوب بين يدي الله احبتي انظر هؤلاء مع شدة كرههم وبغضهم للنبي صلى الله عليه وسلم وشدة العناد بينه وبينهم حتى قتلا في غزوة بدر وهم اللذان قادا غزوة بدر لكن في هاي اللحظة بحد ذاتها الله عز وجل حرك الشفقة في قلوبهما.

فارسل عتبة ابن ربيعة وشيبة بن ربيعة عبدا له ما يخدمهما في هذا البستان اسمه عداس ارسلاه بعنقود من العنب حتى يضعوا بين النبي صلى الله عليه وسلم ومنطقة الطائف بشكل عام منطقة عالية احبتي منطقة جبلية عالية اجواءها قريبة من اجواء بلادنا هنا فينبته فيها العنب وغير ذلك من الفواكه فكما قلنا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ارسل عباس الى النبي صلى الله عليه وسلم بعنقود من العنب فوضعه عداس بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام.

فماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام؟ قالوا اخذ شيئا من هذا العنب وتناوله وقال بسم الله ووضعه في فيه هنا عباس تعجب وقال سمع شيئا لم يسمعه في اهل مكة بين اهل مكة واهل الطائف. كلام غير منتشر بين اهل هذه الديار ما سمع احد منهم يسمي الله سبحانه وتعالى وهو يأكل فتعجب فقال للنبي صلى الله عليه وسلم اني اسمعك تقول شيئا لا اسمعه عند هؤلاء القوم.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كانه استروح لهذا الفتى الشاب فاراد ان يتبادل معه اطراف الحديث ويستغل الفرصة ليدعوه الى هذا الدين لعل الله عز وجل يكتب له الهداية. هذا استغلال الفرص هذا فن استغلال الفرص. ان النبي عليه الصلاة والسلام رأى هذا الشاب بيئة خصبة قابل ان يتعلم فالنبي عليه الصلاة والسلام في شدة التعب في شدة الارهاق وقدمه تدمع ومع ذلك لم يضيع هذه الفرصة. انظروا ماذا قال له.

قال له: من أي البلاد أنت يا عباس؟ وما دينك؟ فقال عباس: أنا نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى من العراق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى.

هنا انصدم عباس، وقال من أين لهذا الرجل؟ هو يتكلم في نفسه: من أين لهذا الرجل معرفة بيونس بن متى؟ يونس بن متى هو النبي المشهور الذي قص الله عز وجل علينا قصصه في كتابه. وكان من أهل نينوى طبعا سيدنا يونس بن متى في العصور المتقدمة، لكن قصته كانت متوارثة بين أهل نينوى وكونه نشأ أو كونه نشأ في تلك الديار.

فقال له عباس: وما يدريك من يونس بن متى؟ وقال صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي. وهنا أدرك عباس أنه لا أحد جاء يفي يونس بن متى إلا وهو نبي يعني من خارج العراق وبعيد عنها تلك المسافات، ويعرف يونس بن متى مثل هذه القصص، قصص غير مشهورة إلا عند أهل تلك الديار.

فمن أين لرجل غريب في الحجاز أن يعرف قصة يونس بن متى؟ عرف عباس أن هذا الرجل صادق، فأكب على قدم النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها. فهنا من كان يرقب المشهد من بعيد؟ عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة.

فماذا قال عتبة لشيبة؟ قال له: والله لقد افسد علينا الغلام، يتحسران، كان ينبغي ألا نبعث هذا الغلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لقد أفسد علينا غلامنا. فقال أحدهما لصاحبه، يروي ابن هشام المشهد، يقول ابن ربيعة قال أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس، الآن عاد إلى سيادة، فقال له: ويلك يا عداس، مالك تقبل رأس هذا الرجل وتقبل قدميه؟

قال: يا سيدي، ما في هذه الأرض شيء خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. الدارس الآن يقول عتبة ولشيبة، فقال له: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. الآن هما هما أدركا أن هذا الشاب افترت وانه انضم إلى ركب محمد صلى الله عليه وسلم. فهما ينصحانه النصيحة الإبليسية ويقولان له: دعك من هذا الرجل وابقى على دينك دين النصرانية.

كفار قريش ما عندهم مشكلة أن تكون نصراني، وثني، المهم أنك لا تتبع محمد صلى الله عليه وسلم. إذا كما قلنا، النبي عليه الصلاة والسلام أصيب بالأذى، وأصيب بالأذى والشتم والسب من أهل الطائف، لم يستقبلوه، لم يرحبوا به. خرج منها صلى الله عليه وسلم بكد وتعب وجهد وعاد وهو يدمى بقدميه. إذا هذه الرحلة لم تكلل بالنجاح إلى مدينة الطائف.

فعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة مرة أخرى ودخل في جوار المطعم بن عدي. لاحظوا كيف النبي صلى الله عليه وسلم الآن يأخذ بالأسباب الكونية. النبي عليه الصلاة والسلام كان بإمكانه أن يدخل مكة ويقول: يا رب انصرني على كفار قريش واحمني منهم. لكن النبي عليه الصلاة والسلام، كما قلنا، يحاول أن يرسم لنا معالم الأخذ بالأسباب في فقه الدعوة.

كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب الأرضية؟ فبعث رسالة إلى المطعم بن عدي أنه يريد أن يدخل مكة في جواره وأن يحميه من كفار قريش، لأن هنا كما قلنا بعد وفاة أبي طالب ما عاد للنبي صلى الله عليه وسلم شخص يحميه وينصره. فكان لابد أن النبي صلى الله عليه وسلم يتخذ التدابير الأرضية مع التجاء القلب وارتباطه بالله سبحانه وتعالى.

لكن فقه الأخذ بالأسباب فقه في حياة النبي عليه الصلاة والسلام. ففعلا المطعم بن عدي سعادة أهل مكة، وكعادة العرب عندهم نخوة ورجولة، ليس كحال كثير من العرب اليوم عندهم نخوة ورجولة، فمع شدة عدائه للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه قبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم في جواره.

فهنا نادى المطعم بن عدي رؤساء عشيرته وقال لهم: احملوا السيوف، حملوا السيوف واتجهوا إلى الكعبة. انظروا رجولة ومروءة كفار قريش في هذا الموقف. المطعم بن عدي ينادي أهل العشيرة يطلب منهم أن يحملوا سيوفهم وأن يذهبوا عند الكعبة وأن يعلنوا أمام الناس أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد دخل في جوار المطعم بن عدي.

وبالتالي هنا يعلم كفار قريش أن محمد صلى الله عليه وسلم أصبح خط أحمر، لا يمكن لأحد أن يعتدي عليه، إنه من يعتدي عليه في عرف العرب يعني يعتدي على مطعم بن عدي. فكفار قريش سمعوا هذا الخبر وعرفوا أن محمد صلى الله عليه وسلم الآن تحت غطاء أمني آخر وهو غطاء المطعم ابن علي.

أثناء عودة النبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن يدخل إلى مكة، كما قلنا الآن النبي صلى الله عليه وسلم سيدخل مكة في جوار المطعم بن عدي، لكن قبل أن يدخل مكة وهو في طريق العودة إليها، حدثت له أيضا حادثة لطيفة أراد الله سبحانه وتعالى أن يثبت بها قلب النبي عليه الصلاة والسلام. وهي قصة إيمان وفد من الجن، قصة إيمان وفد من الجن قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوه وهو يصلي وسمعوا تلاوة القرآن فعادوا وأسلموا وأنذروا قومهم من الجن.

هذه القصة أشار إليها ابن أبي العز وسأقرأها من عند ابن هشام. ما هي هذه القصة في البيت الثالث والثلاثين؟ يقول ابن أبي العز: وبعد خمسين وربع أسلم جنون صبينا وعادوا فأعلما. جن نصيبين، نصيبين أحبتي هذه بلدة في جنوب تركيا بالقرب من الشام، بالقرب من بلاد سوريا، ما بين سوريا وتركيا، لكنها الآن تتبع إداريا إلى تركيا، بلدة اسمها نصيبين.

من يعرف الشام، هي فوق القامشلي، منطقة القامشلي في شمال سوريا، هي فوق القامشلي، لكن كما قلنا تعتبر من الأراضي التركية الآن. هذه المدينة كان فيها جن، والجن أحبتي موجودون في كل الأماكن، في كل بلد من البلدان هناك جن، والجن ومؤمن ومنهم من هو كافر. لكن ذاك العالم والله تعالى أعلم بتفاصيله، ونحن كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27]. فالله تعالى أعلم أين يكونوا.

لكن المهم تخبرنا قصص السيرة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء عودته عودته من الطائف إلى مكة وهو يصلي في منطقة اسمها نخلة، نخلة هذا اسم منطقة ليس المراد نخلة شجرة لا، النخلة اسم منطقة، اسم وادي بالقرب من مكة، اسم هذا الوادي نخلة. النبي صلى الله عليه وسلم نزل في هذا الوادي صلى فيه فمر عليه نفر من جني نصيبين.

يذكر لنا ابن هشام القصة فيقول: حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي. ومر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى في كتابه في قوله تعالى ماذا؟ ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: 29-31]. إلى آخر الآيات.

فهذه الآيات نزلت في جن نصيبين الذين مروا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في جوف الليل في وادي نخلة. كم كان عددهم؟ قالوا وقال ابن هشام: وهم فيما ذكر لي سبعة نفر من جن نصيبين استمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومه منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا.

طبعا هذا كلياته إيش أثره على قلب النبي صلى الله عليه وسلم؟ أنه مثبت له أن الله عز وجل لم ينسك يا محمد صلى الله عليه وسلم، الله عز وجل يتولاك بولايته. انظر هؤلاء جن أتوا من نصيبهم ومروا بك وسمعوا تلاوتك وامنوا بك. فكأن هذه الرسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أنا يا محمد من الله، أنا يا محمد قادر على أن يسلم كل الناس ويدخل في دين الله.

لكن لابد من أن تمر هذه الدعوة بمراحلها. هذه رسالة تثبيت، رسالة تطمين، رسالة نصرة من الله سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 3] والعاقبة للمتقين. لكن لابد كما قلنا أن تسير هذه الدعوة في مراحلها المقدرة لها في علم الله سبحانه وتعالى.

إذا عرفنا ماذا وقع للنبي صلى الله عليه وسلم بعد حادثة نصيبين. النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى مكة في جوار المطعم بن عدي. طيب ما هي الواقعة التي ذكرها بعد ذلك؟ أو المشهد الذي سرده ابن أبي العز الحنفي بعد ذلك؟ لأنه حقيقة هناك تفاصيل كثيرة في السيرة، لربما سرد كل التفاصيل سيأخذ منا وقت كبير، لكنني أحاول أن أوقفكم على أهم المشاهد بشكل متسلسل.

حتى تبقى الصورة واضحة لديكم، وحتى نبقى نستنبط العبر من كل مشهد ومن كل موقف من حياته عليه الصلاة والسلام. في البيت الرابع والثلاثين يسرد لنا من أبي العزة الآن قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم. من المرأة التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة بنت خويلد؟ هذا هو المشهد الذي سنتكلم عنه الآن، زواج النبي عليه الصلاة والسلام من سيدتنا سودة بنت زمعة.

بالتأكيد النبي صلى الله عليه وسلم أصبح يحتاج إلى زوجة بعد أن غادرته حبيبته وزوجته خديجة بنت خويلد رحمها الله ورضي الله تعالى عنها. فالإنسان يحتاج إلى امرأة معه في هذه الحياة تخوض معه رحلة الدعوة، تأزره وتناصره، يبث إليها أحزانه وشجونه، تثبته. فالمرأة دورها مهم جدا في حياة الدعاة، وإياك أن تظن أيها الداعي أنك بغنى عن زوجتك.

بل الزوجة هي المثبت، هي المعين، هي التي تأزرك وتشد من عزيمتك وترفع من شكيمتك وتبقي الهمم عالية. فوجود الزوجة في حياة الداعية أمر مهم جدا للأجواء لتهدئة النفوس، ليجد الداعي إلى الله السكن والراحة والطمأنينة والفتاة التي يلجأ إليها لتخفف عنه من هذه الحياة.

تروي لنا كتب السير أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بعد خديجة بنت خويلد بسيدتنا سودة بنت زمعة رضي الله تعالى عنها، إحدى أم المؤمنين. تبدأ بن زمعة كانت متزوجة قبل ذلك بالسكران بن عمرو. سودة بن زمعة والسكران بن عمرو كانا ممن أسلما في بداية البعثة وهاجرا إلى الحبشة. ثم لما بلغهم أن كفار قريش قد أسلموا في الهجرة الأولى من الحبشة، ألم يعد الصحابة إلى مكة مرة أخرى؟ عادت سودة بنت زمعة والسكران بن عمرو إلى مكة المكرمة وأقاما فيها، ما خرجوا مرة أخرى إلى الهجرة الثانية، من الأولى عاد إلى مكة وأقام فيها.

لكن السكران بن عمر ما لبث أن توفاه الله سبحانه وتعالى، أصبحت الآن سودة بنت زمعة من دون زوج، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضا من دون زوج. قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح هذه المرأة المؤمنة الصالحة الطيبة الطاهرة رضي الله تعالى عنها. فبعث الرسل بينه وبينها وتم الزواج المبارك بين سودة بن زمعة والنبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان. لذلك قال: ثم على سودات أمضى في رمضان، تمام.

إذا تزوج النبي صلى الله عليه وسلم سيدة بنت جمعاء كما بينا كل شهر كما يقول ابن أبي العز في شهر رمضان. ثم بعد ذلك بأشهر معدودة وفي شهر شوال، النبي صلى الله عليه وسلم قرر أن يعقد عقدا على زوجة أخرى. من هي هذه الزوجة الصالحة الطيبة التي دخلت التاريخ من أوسع أبوابه؟ هذه الزوجة التي قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعقد عليها هي سيدتنا عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.

وزواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة أحبتي كان ابتداء برؤية صادقة من الله له، كان برؤيا صادقة من الله له، ورؤيا الأنبياء حق كما تعلمون. النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح البخاري بعد أن تزوج عائشة وهو في المدينة في ليلة من الليالي يحارث زوجته ويقول لها: يا عائشة، كنت أريتك في المنام مرتين، تأتيني في سرقة من حرير (يعني في ثوب حرير) وأنت مغطاة.

فيقول لي (يعني كأنه ملك أو شيء من ذلك الله تعالى أعلم) المهم فيقول لي الذي أتى بك بسرقة من حرير: اكشف عنها (أي عن وجهها) فأكشف فإذا هي أنت. رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرؤية أول مرة قال: إن يكن خيرا يمضيه الله سبحانه. ثم رآها مرة أخرى هذه الرؤيا.

فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا توجيه من الله سبحانه وتعالى له بأن يعقد على هذه الفتاة الصغيرة. فعقد النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أرسل خولة بنت حكيم إلى أبي بكر الصديق ليخطب أو لتخطب له عائشة.

فلما بلغ أبو بكر الصديق، أول ما بلغ أبا بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخطب عائشة، قال لخولة بنت حكيم: قولي له: إنما أنا أخوك (يعني يا رسول الله إحنا إخوان) فهل فعلا يعني مقبول أن تنكح ابنتي؟ فأنكار أو تعجب أبي بكر لم يكن لصغر سن عائشة، وإنما كانت العلاقة الحميمة الشديدة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر جعلت أباطر يتوهم أن قال: إنه أنا واياك يا رسول الله إخوان وأنت تدخل إلى بيتي. وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من يزور.

صديقه الحميم أبا بكر في بيته، ويلقى بأهله، وتكون عائشة تلعب فتاة صغيرة في السادس من عمرها، فتعجب أبو بكر من ذلك وكأنه اندهش؛ يعني: يا رسول الله، إحنا إخوان وندخل على بعض، يعني هل يصلح لنا فعلا هذا النسب؟ مع أنه شرف لي أن تنكح ابنتي، لكن هو نوع الاندهاش عنصر المفاجأة.

فكما نقول، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: «أنت أخي في دين الله وكتابه»؛ يعني: نحن لسنا إخوة نسب، نحن إخوة في هذا الدين، وهي لي حلال. فمباشرة أبو بكر ماذا يريد أفضل من هذا النسب الشريف؟

فتم العقد، عقد النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة وهي في سن السادسة، وهذه القضية للأسف كانت قضية يثيرها أعداء الأمة اليوم: كيف ينكح النبي صلى الله عليه وسلم فتاة صغيرة في سن السادسة من عمرها؟

هذه للأسف بعض الجهال يثيرون مثل هذه القضايا، ويحاولون أن يطعنوا من خلالها في النبي عليه الصلاة والسلام، ولا مطعن عليه بأبيه وأمه رضوان الله تعالى عليه في ذلك؛ لأنه أولا كما قلنا الله عز وجل هو الذي أراد أن ينكح النبي صلى الله عليه وسلم عائشة لأمور يعلمها سبحانه، وظهرت هذه الأمور. فعائشة هي التي حفظت لنا حياة النبي صلى الله عليه وسلم في بيوته وأفعاله وهديه وسننه.

ماذا كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم في الخلاء، وفي معاشرته، وفي تعامله مع أسرته؟ كل أحكام الأحوال الشخصية كما يقولون نقلتها لنا عائشة رضي الله تعالى عنها، فقه عظيم جليل حملته عائشة لهذه الأمة؛ فهي أم المؤمنين، وهي ناقلة فقه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المكثرين من الصحابة في الرواية والفتيا، عالمة عظيمة جليلة كبيرة. فكان لابد أن تكون هذه الفتاة ابتداء في عمر صغير لديها القدرة على الحفظ، على استيعاب المشاهد، على سرعة البديهة؛ لأن لو كانت امرأة كبيرة في السن لربما فاتتها كثير من الأمور والتفاصيل، لكن سبحان الله الفتيان الصغار والفتيات الصغيرات أحبتي يدققون على التفاصيل في الحياة أكثر من الكبار. الفتيات الصغيرات وكذلك الفتيان الصغار كما ترون في الحياة عندهم تركيز على تفاصيل الحياة ومراقبة للأمور أكثر بكثير من الإنسان حينما يكبر ويتقدم به السن.

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم بعد أمر الله له اختار أن ينكح عائشة رضي الله تعالى عنها. وكما قلنا أيضا هناك قضية أخرى أحب أن أثيرها، هي قضية أعراف العرب؛ يعني في الحقيقة من نظر في سيرة العرب وفي سيرة النبي عليه الصلاة والسلام لم نجد أحدا من كفار قريش -مع شدة الداعي لنقد النبي صلى الله عليه وسلم- لم نجد أحدا منهم أنكر عقد النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة. اليس كذلك؟ يعني كفار قريش كانوا يريدون أن يمسكوا على النبي صلى الله عليه وسلم أي عيب حتى يطعنوا به، ولو كان هذا مطعنا فيه لوجد كفار قريش مدخلا يدخلون به على النبي صلى الله عليه وسلم للتقليل من شأنه، ومع ذلك لم تنقل لنا كتب السير أن أحدا من كفار قريش أو من العرب عير النبي صلى الله عليه وسلم بعقده على عائشة وهي بنت ست سنين.

فهذا يدل على أن الطبيعة العربية والأعراف العربية لم تكن تأبى هذا النمط من التعاقد، وهذا أمر كان موجود بينهم، ما عندهم كان إشكال في ذلك. طبعا النبي عليه الصلاة والسلام طبعا دخل بها وهي في سن التاسعة، وعقد عليها في السادسة، لكن الدخول كان في سن التاسعة حينما أصبحت قادرة على البناء والوضع، لكن ابتداء كعقد ما كان أبدا فيه عيب على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هذا أصلا منكرا عند العرب، فلم نسمع أن أحدا منهم عارض النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وأنكر عليه نكاحه من فتاة صغيرة.

فإذا عندما تنظر في الأمور وحينما توزنها، عليك أن تنظر في الأعراف العربية وفي طبيعة المجتمع آنذاك، عليك أن تنظر إلى الإرشاد الإلهي والوحي الإلهي، عليك أن تنظر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا أن يتزوج أجمل الجميلات وما شاء، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يمنحونه كل ما يريد، لكن هناك مقصد إلهي من نكاح النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

إذا ثم على سوداء أمضى عقده في رمضان ثم كان بعده عقد ابنة الصديق في شوال وبعد خمسين وعام تالي أسري به، والصلوات فرضت خمسا بخمسas قد حفظت.

المشهد الاخير الذي ساسرده عليكم احبتي من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولا ادري على هذا الوقت ازف في محاضرة اليوم المشهد الاخير الذي انقله لكم مشهد الاسراء والمعراج. هي الحادثة اختم بها اليوم. حادث الاسراء والمعراج ايضا وقع خلاف في تحديدها. فبعض علماء السير يقول ان حادثة الاسراء والمعراج وقعت قبل وفاة خديجة وأبي طالب، وبعض علماء السير يقول: لا، وقعت بعد وفاة خديجة وأبي طالب حتى يسلي الله سبحانه وتعالى نبيه ويخفف عنه من الأحزان، ويزداد النبي صلى الله عليه ثقة بأن الله ناصره.

إن هذه الرحلة رحلة تاريخية، رحلة عجيبة بكل تفاصيلها، النبي صلى الله عليه وسلم على موعد للقاء ربه سبحانه وتعالى يصعد إلى السماوات العلى بروحه وجسده ليلقى ربه وليسمعه، وليأمره الله عز وجل بما شاء. فهذه الرحلة من عجائب الدهر التي كتبها الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهي من معجزاته، وفيها تفاصيل كثيرة كثيرة، وأنا في الحقيقة ساختصر بما يليق بهذا المقام، ساركز على التفاصيل الأساسية في حادثة الإسراء والمعراج.

أولا: متى وقعت هذه الحادثة؟ يقول ابن أبي العز: عندما كان عمر النبي صلى الله عليه وسلم واحد وخمسين عاما، عندما كان عمره واحدا وخمسين عاما جاءت واقعة الإسراء والمعراج. لذلك قال: عقد ابنة الصديق في شوال وبعد خمسين وعام تالي؛ يعني عندما كان عمر النبي صلى الله عليه وسلم واحدا وخمسين عاما، وبالتالي تكون واقعة الإسراء على هذا التحديد قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بسنتين تقريبا.

وكما قلت لكم ستجدون خلافا بين علماء السير في التحديد الدقيق لوقت الواقعة، لكن بشكل عام النبي صلى الله عليه وسلم حدثت معه هذه المعجزة الإلهية تثبيتا من الله سبحانه وتعالى له. ما هي هذه الحادثة؟ باختصار.

طبعا في الحقيقة أحبتي، الأحاديث والروايات التي تكلمت عن واقعة الإسراء والمعراج كثيرة، ورويت عن عدد كبير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، والإنسان لو نظر في هذه الاحاديث نظرة ابتدائية لربما يلحظ أن هناك شيئا من الاختلاف في الرواية. فهذا الصحابي يروي تفاصيل لا يرويها ذاك، وهذا الصحابي يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به في المنام، وذاك يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به في اليقظة. فلذلك وقع خلاف بين علماء السير في تحديد بعض التفاصيل في واقعة الإسراء والمعراج.

من هذه التفاصيل التي وقع فيها الخلاف ابتداء: هل كان الإسراء والمعراج بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة أم مناما؟ ترى البعض قال: كان مناما، رؤيا منام ولم تكن في اليقظة. لكن هذا القول مرجوح، مش صحيح أنها كانت في اليقظة. طيب، إذا كانت في اليقظة وقع خلاف: هل كانت بروح النبي صلى الله عليه وسلم وبجسده أم بروحه فقط؟ أيضا هذا خلاف؛ لأنه إذا كانت اليقظة يمكن تكون بالروح فقط بإرادة الله سبحانه وتعالى بطريقة لا نعرفها، ويمكن تكون بالروح والجسد، فوقع خلاف أيضا بين علماء السير، والأكثر على أنه كان بالروح والجسد.

طيب، كيف نتعامل مع الروايات التي تدل على أن الأمر كان في المنام؟ في الحقيقة أحبتي هناك آراء كثيرة للعلماء في الجمع، لكن ما يطمئن إليه القلب أن النبي صلى الله عليه وسلم -يعني الروايات التي تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به إلى السماء وهو في منامه- هذه الروايات تتعلق بأمر قبل بعثته؛ أي من إرهاصات بعثة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي وبالنبوة.

ألم نقل كان هناك إرهاصات كثيرة؛ منها مثلا التعبد في غار حراء، ومنها أن الشجر والحجر كان يسلم عليه؟ من إرهاصات مبعثه أنه وهو نائم في ليلة من الليالي جاءه ثلاثة رجال -والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف ما هو الموضوع بعده ولم يصبح نبيا بعد- جاءوا ثلاثة رجال وكانوا ملائكة، جاؤوا على صورة رجل في نومه، فأشار أحدهما لصاحبه: من هو؟ فقال له: وذاك بين الرجلين، إلى آخر تفاصيل الحديث، فأخذوا به وانطلقوا به إلى سماء الدنيا، ثم فتح له، ثم إلى السماء الثانية والثالثة، حتى وصلت إلى السماء السابعة. فهناك حديث يخبر أن الأمر كان في منام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث الذي يقول إنه كان في منام النبي صلى الله عليه وسلم -وفي رواية كان بين نائم- لم يتطرق لموضوع الإسراء إلى المسجد الأقصى.

الرواية التي تكلمت على أن الأمر كان رؤيا منام، أو كان النبي صلى الله عليه وسلم بين النائم واليقظان، لم تتحدث عن موضوع الإسراء إلى المسجد الأقصى، وإنما تحدثت أنه عرج به إلى السماء الدنيا، ثم الثانية، ثم الثالثة، ولقي الأنبياء إلى أن لقي الله سبحانه وتعالى. طبعا لم يرى النبي صلى الله عليه وسلم ربه رؤية عيان على الصحيح من كلام أهل العلم، لكنه كما جاء نور أن رآه، لكنه سمع كلامه كما ذهب إلى ذلك المحققون من أهل العلم.

المهم النبي صلى الله عليه وسلم إذن قبل أن يبعث لهذه الأمة في ليلة من الليالي كان نائما، وفي أثناء النوم وقعت معه هذه الحادثة، رؤيا منام أنه جاءه ثلاثة رجال وأنه عرج به إلى السماوات العلى. فالنبي عليه الصلاة والسلام -كما قال أهل السير- بقيت هذه الحادثة التي رآها في المنام في ذهنه وهو متأكد أنها ستقع في يوم من الأيام عيانا، وفعلا وقعت بعد عشر سنوات تقريبا من مبعثه. وهذه الطريقة أجدها جيدة في الجمع بين الآثار والأحاديث المختلفة في باب الإسراء والمعراج؛ لأنكم ستجرؤون في كتب السير وفي كتب صحيح البخاري ومسلم وغيرها اختلاف وتباين في عرض الصحابة للواقعة، أحاديث تقول إنه كان نائما، وبنما أنا نائم، وبينما أنا بين النائم كما في بعض الروايات، وأخرى تقول إنه كان مستيقظا بروحه وجسده بمعناها. وطبعا فلذلك وقع الخلاف في الجمع بين هذه الروايات، وأنا أرى أن هذا الجمع قد يكون جمعا جيد، وينهي الخلاف في هذه المسألة: أن هناك رؤيا منام رآها النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة أنه عرج به إلى السماوات العلى، ثم تحققت هذه الواقعة والحادثة فعلا بروحه وجسده قبل هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بسنتين، والبعض يقول قبل هجرته بثلاث سنوات.

تمام، الآن دعوني أذهب إلى الواقعة الفعلية التي وقعت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بسنتين أو ثلاث. النبي صلى الله عليه وسلم يخبر التفاصيل التي وقعت معه، وأنا كما قلت لكم ساقتصر على أهم التفاصيل في ذلك.

البيهقي رحمة الله عليه من أكثر العلماء الذين اهتموا بسرد هذه الواقعة في كتابه الدلائل وغيره أيضا سردها، لكنني ساقتص كثيرا من كلام البيهقي ومن كلام غيره في هذه الواقعة. يقول البيهقي: إن النبي صلى الله عليه وسلم أم بأصحابه صلاة العتمة -طبعا هذه صلاة العتمة التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة ليست هي بالتأكيد العشاء، يعني لم تفرض الصلوات الخمس عليه، وإنما كما ذكرنا في مجالس سابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه ركعتان في الصباح وركعتان في المساء، فهاتان الركعتان اللتان في المساء صلاهما النبي صلى الله عليه وسلم بمن كان معه من أهل مكة من الصحابة الكرام- ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته.

فجاءه جبريل عليه السلام، جاءه جبريل بدابة، هذه الدابة تسمى البراق، وهي دون البغل وفوق الحمار، هذا حجمها. وهذه الدابة قالوا: دابة بيضاء، ومن شدة سرعتها أنها تضع حافرها عند منتهى بصرها؛ يعني المكان الذي ينتهي إليه بصرها يكون حافرها عنده من شدة السرعة، شيء مهول يعني، والله تعالى أعلم بحالها. هذه دابة من الله سبحانه وتعالى نزل بها جبريل وأركب النبي صلى الله عليه وسلم عليها.

وفي بعض الروايات -طبعا البعض قد ينكرها- أنها استصعبت على النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء، فجبريل أنها للنبي صلى الله عليه وسلم حتى ركب عليها النبي عليه الصلاة والسلام. لكن بعض العلماء ينكر هذه الرواية التي يذكرها البيهقي.

المهم ركب النبي صلى الله عليه وسلم البراق، وهذا البراق انطلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبجبريل باتجاه المسجد الأقصى. أيضا في هناك بعض الروايات ينكرها كثير من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إلى المسجد الأقصى وفي أثناء الرحلة نزل فصلى في يثرب، في المدينة النبوية، فقال لجبريل: ما هذه؟ قال: هذه يثرب الطيبة الطيبة. ثم صلى عند شجرة مدين التي نزل عندها موسى لما سقى للفتاتين، فصلى ركعتين ثم قال لجبريل: ما هذه؟ فقال: هذه شجرة موسى. ثم نزل في بيت لحم فصلى ركعتين.

ثم ذهب وصل بعد ذلك إلى المسجد الأقصى. البعض يعني أكثر أهل العلم ينكر هذه الرواية التي يذكرها البيهقي. لكن أنا أذكرها لكم حتى تعلموا إنكار كثير من أهل العلم لها.

المهم وإن كان البيهقي يقول إسناده صحيح لكن كثير من أهل العلم أنكرها. المهم ما هو مشهور وثابت عند أهل العلم أن البراق انتقل بالنبي صلى الله عليه وسلم باتجاه المسجد الأقصى وهناك النبي صلى الله عليه وسلم طبعا جبريل كما تروي كتب السير ربط دابة البراق وأدخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى والنبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين.

الآن هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في تلك اللحظة أم النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين وحده منفردا ثم عرج به جبريل إلى السماء ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى إلى المسجد الأقصى؟ فأما الأنبياء إذا أي بعد عودته من السماء هذا أيضا خلاف. بعض علماء السير يقول النبي عليه الصلاة والسلام أول ما وصل المسجد الأقصى صلى ركعتين وأما بالأنبياء والبعض ينكر ذلك.

بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد إلى فقابل الأنبياء في السماوات لم يعرفهم. هذا البعض يقول إن هذا دليل على أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى ركعتين منفردا ابتداء ثم عرج إلى السماء ثم لما عاد إلى الأرض عاد إلى المسجد الأقصى فصلى ركعتين بالأنبياء حينئذ ثم أعاده البراق إلى البيت الحرام. والله تعالى أعلم متى صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء فهذا خلاف بين علماء السير.

طيب الآن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كما قلنا ركعتين منفردا ثم عرج به جبريل إلى السماء. الآن كيف عرج جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء؟ بعض أهل العلم يقول بالبراق أيضا لكن البعض الآخر يقول لا ليس بالبراق بل ورد في بعض الآثار أنه عرج إلى السماء بالمعراج. المعراج هو سلم، سلم وضع للنبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عرج من خلاله إلى السماوات وليس بالبراق. فهذا أيضا خلاف. هل عرج النبي صلى الله عليه وسلم أو بالمعراج وهو سلم وضع للنبي صلى الله عليه وسلم وانتقل به إلى السماوات؟ فالله تعالى أعلم.

المهم النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا صعد إلى السماوات العلى مع جبريل عليه السلام. لما وصل إلى السماء الدنيا جبريل استفتح باب السماء الدنيا. فالملك الموضوع لحراسة السماء الدنيا قال: من أنت؟ قال: جبريل. قال: من معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قال: أوقد أرسل؟ قال: نعم. فقال: مرحبا بالنبي الصالح. الآن فتحت السماء الدنيا للنبي صلى الله عليه وسلم.

النبي عليه الصلاة والسلام من رأى في السماء الدنيا؟ رأى أولا أبا البشر آدم عليه السلام فسلم عليه النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه آدم السلام وقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء الثانية فرأى في السماء الثانية يحيى وعيسى. طبعا المشهد يتكرر. جبريل يأتي إلى السماء الثانية فيجد حارس السماء الثانية: من أنت؟ جبريل. من معك؟ محمد. أوقد أرسل؟ قال: نعم. قال: مرحبا به، فيفتح له فيدخل فيجد يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. فيسلم عليهما فيردان عليه السلام ويقولان: مرحبا بالأخ والنبي الصالح.

ثم في السماء الثالثة يجد النبي صلى الله عليه وسلم يوسف عليه السلام فيسلم عليه، ويخبر أنه أوتي شطر الحسن. ثم في السماء الرابعة يجد إدريس عليه السلام، ثم في السماء الخامسة يجد هارون عليه السلام، ثم في السماء السادسة يجد موسى عليه السلام، ثم في السماء السابعة يجد إبراهيم عليه السلام. إذا في كل سماء وجد النبي صلى الله عليه وسلم نبيا أو نبيين وسلم على كل نبي وردوا عليه السلام.

ثم بعد السماء السابعة انتقل جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، شجرة عظيمة تسمى سدرة المنتهى. وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه وهذه الشجرة شجرة السدر شجرة معروفة عند العرب لكن لأنها في السماء فوق السماء السابعة بالتأكيد ستكون هذه الشجرة بشكل وتفاصيل أخرى عجيبة. يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن سدرة المنتهى نبقها أي ثمرها. قال: كقلال هجر. الثمرة الواحدة كقلال هجر. وهذا قلال هجر يعرفها أهل مكة كانوا يعرفون قلال معروفة عندهم في منطقة هجر تسمى قلال هجر. فيقول: الحبة الواحدة من ثمار سدرة المنتهى كقلال هجر وأوراق شجرة سدرة المنتهى كآذان الفيلة. قدرة عظيمة جدا الله تعالى أعلم بكنهها.

ثم النبي صلى الله عليه وسلم طبعا يذكر قضية التفاصيل والأنهار التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم تخرج من أصل الشجرة، أن هناك نهرين في الجنة وأن هناك نهرين ينبعان منها وأصلهما منها وهما في الأرض كالنيل والفرات أو وهما النيل والفرات. إلى آخر التفاصيل أنا لا أريد أن أستوعب الأمور أنها ستطول. المهم طبعا إلى حد معين جبريل توقف ولم يستطع أن يتجاوز مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: انطلق. فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم للقاء ربه.

وهنا الله عز وجل أمر النبي عليه الصلاة والسلام بصلاة أو فرض عليه خمسين صلاة على أمته. فالنبي صلى الله عليه وسلم اخذ هذا الامر بالتسليم ابتداء وعاد. فرض الخمسين صلاة فرضت أين الصلوات؟ فرضت عند الله سبحانه بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ربه حتى تعلم عظم هذه الشعيرة. فالله عز وجل كما قلنا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسين صلاة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو عائد إلى السماء السابعة ثم إلى السماء السادسة. في السماء السادسة لقي موسى كما قلنا. فلما مر بموسى قال: بماذا أمرك ربك؟ قال: أمرني بخمسين صلاة. قال له موسى: إن أمتك لا تطيق ذلك. وصدق والله الناس أحبتي اليوم يفرطون في الخمس صلوات فما بالكم لو كانت خمسين صلاة! إن أمتك لا تطيق ذلك واني عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة. اذهب إلى ربك فسله التخفيف.

النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بنصيحة موسى وعاد إلى الله. فعندما عاد إلى الله الله عز وجل انزل عليه عشرا، أصبحت أربعين. فعاد النبي صلى الله عليه وسلم أدراجه فلما مر بالسماء السادسة إذا بموسى فكلمه، قال: كم ماذا فعلت مع ربك؟ قال له: إنزل منها عشرا. فقال: عد إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق. فعاد النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثانية فنزلت عشرا أخرى أصبحت ثلاثين. ثم عاد إلى موسى فدار نفس الحوار فعاد إلى الله عز وجل فأصبحت عشرين. وهكذا حتى أصبحت خمسة.

عندما أمر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم بخمس صلوات فقط عاد النبي عليه الصلاة والسلام فلقي موسى فقال لموسى: بماذا أمرك ربك؟ فقال: بخمس صلوات. قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: إني استحييت من ربي من مراجعتي له. يعني استحييت من كثرة مراجعتي لله سبحانه وتعالى. فنادى مناد في السماء: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي. نادى مناد في السماء بعد أن قُبل النبي صلى الله عليه وسلم بالخمس صلوات أن الأمر قد استقر: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي.

ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى مرة أخرى مع جبريل ثم عاد بعد ذلك إلى الكعبة والى البيت الحرام. في الصباح النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى كفار قريش ليخبرهم بالخبر. كفار قريش قالوا له: من أين لك يا محمد أن تذهب إلى المسجد الأقصى وتعود إليه في ليلة واحدة ونحن نحتاج أشهرا في رحلتنا في رحلة الشتاء والصيف ثلاثة أشهر حتى نقطعها؟ وهذا يدل أحبتي على صحة قول من قال إن الإسراء والمعراج كان في حال اليقظة بالروح والجسد لأن كفار قريش لو علموا أنها رؤية منام النبي صلى الله عليه وسلم يقص عليه وأني رأيته في منامي لما أنكروا عليه ذلك.

لكن لما أنكروا عليه ذلك وقالوا له: كيف تذهب إلى المسجد الأقصى وتعود في ليلة واحدة؟ وأصبحوا يستهزؤون به وذهبوا إلى أبي بكر الصديق فقالوا له: أنظر ماذا يقول صاحبك؟ يقول إنه ذهب إلى بيت المقدس ثم إلى سماء الدنيا ثم عاد السماوات العلى ثم عاد في ليلة واحدة. إذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكلم عن شيء حقيقي وقع معه بروحه وبجسده. فكما قلنا كذبوه فحزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك.

فجاء كفار قريش وجاء أبو بكر الصديق فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم ليصف لهم المسجد الأقصى. فإن أبا بكر الصديق كان يعلم المسجد الأقصى لأنه زاره في إحدى الرحلات. فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان يحفظ كل التفاصيل. الله سبحانه وتعالى من تدبيره له أن رفع له المسجد الأقصى أمامه يراه عيانا فجعل يصف لأبي بكر الصديق ولكفار مكة المداخل والمخارج والصفات بالتفاصيل. البيت أمامه من كرامة الله سبحانه وتعالى لنبيه.

فقال له أبو بكر الصديق صدقت. وكانوا قد أتوا إلى أبي بكر الصديق أصلا قبل ذلك وقالوا له: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى السماوات العلى في ليلة واحدة. فقال ابتداء: إن قال ذلك فقد صدق. أنظروا التصديق المباشر! قال ذلك فقد صدق. ثم جاء أبو بكر الصديق وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أوصاف بيت المقدس. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر كفار قريش بالأوصاف بعد أن رفع الله عز وجل له المسجد أمامه.

فهنا ازداد أبو بكر يقينا بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ومن تلك اللحظة سمي بأبي بكر الصديق لأنه كان مصدقا للنبي صلى الله عليه وسلم لا يساوره أي شك بأي معلومة يأخذها من الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام. إذا هذه نهاية قصة الإسراء والمعراج وأنا اختصرت كثيرا من تفاصيلها، فإن من تفاصيلها قضية أيضا أن جبريل أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإناءين: إناء فيه لبن وإناء فيه خمر -في بعض الروايات إناء فيه لبن وإناء فيه خمر وإناء فيه ماء. وفي بعض الروايات إناء فيه لبن وإناء فيه عسل-. فالروايات مختلفة حقيقة في هذا الباب. وأيضا هناك خلاف.

فأتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالآنية. ففي بعض الروايات أنه أتى بالآنية بعد أن صلى النبي صلى الله عليه وسلم الركعتين في المسجد الأقصى. وفي روايات أخرى أنه لا أُوتي بالآنية وهو في السماء السابعة بعد أن تجاوزوا السماء السابعة. والبعض يقول: لعل النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه الآنية مرتين؛ مرة وهو في المسجد الأقصى ومرة وهو في السماء السابعة. فهناك خلاف في بعض التفاصيل لكن القصة ثابتة في الجملة.

قصة النبي عليه الصلاة والسلام وانه صلى الله عليه وسلم فضل اللبن على غيره وأنه قيل له: هديت الفطرة وإنك لو أخذت الخمر لغوت أمتك. هذه التفاصيل ثابتة لكن هناك خلاف في بعض تفاصيلها. هل كانت الآنية ثلاث أم اثنين؟ ما هي طبيعة هذه الآنية؟ هذه لبن وخمر أو لبن وخمر وماء أو لبن وعسل. فهذه بعض التفاصيل التي يعني تجاوزت عنها وتجدونها مبسوطة في كتب السير.

إذا أحبتي هنا سنقف في محاضرة اليوم. في المجلس القادم سنبدأ تباشير بداية إنشاء دولة لهذا الدين العظيم. تلك التباشير أقبلت أنوارها من يثرب التي أصبحت بعد ذلك المدينة النبوية. تلك التباشير بتلك الثلة الطائفة المؤمنة؛ قلة من شباب الخزرج أتوا مكة فقابلهم النبي صلى الله عليه وسلم ودار ما دار من التفاصيل التي سنتحدث عنها بإذن الله في المجلس القادم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.