تسجيل الدخول

شرح الأرجوزة الميئية (3)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وما حج للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نروي فيه جذور الحب لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

نقف فيه على سيرته العطرة، وعلى أحواله النضرة، وعلى هديه وأخلاقه وشمائله ومشاهد حياته؛ حتى نأخذ العبر ونتعلم ابتداء والائتساء بهذا النبي العظيم. ما زلنا نسير مع ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه، وكنا في المجلس السابق تحدثنا عن نسبه الشريف صلوات ربي وسلامه عليه، وتعرفنا على أعمامه وعماته وعلى أخواله وخالاته وعلى أسمائه التي اشتهر بها، وعرفنا نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدنان، وعرفنا أن ما بعد عدنان إلى آدم اختلفت فيه الآراء واضطربت فيه الاقوال، فكان الأولى أن ضرب عنه الذكر صفحاً.

واليوم بإذن الله سينتقل بنا ابن أبي العز إلى بيان مولده عليه الصلاة والسلام وما تبع ذلك من رضاعه ووفاة أمه ووفاة جده، إلى أن ينتهي بنا هذا المجلس بإذن الله. فنبدأ إذاً مع ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه المسير وهو يذكر لنا سيرة الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، ونبدأ بمولده الشريف. قال ابن أبي العز الحنفي: مولده في عاشر الفضيل ربيع الأول عام الفيل، لكن ما المشهور ثاني عشره، في يوم الاثنين طلوع فجره، ووافق العشرين من نيسان، وقبله حين أبيه حانا.

في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول وعند طلوع الفجر، كان العالم وكان هذا الكون على موعد مع ولادة خير إنسان على هذه الأرض. كان العالم على موعد مع ولادة الإنسان الذي سيغير مجرى التاريخ وسيعيد صناعة الحضارة على ما يرضي الرب سبحانه وتعالى. نعم، كان العالم على موعد مع ولادة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً بيوم الاثنين من شهر ربيع الأول وعند طلوع الفجر. احفظوا أحبتي هذا الموعد.

لكن في أي يوم من شهر ربيع الأول هنا وقع الخلاف بين أهل العلم؛ فذكر بعضهم أنه كان في الثاني من شهر ربيع الأول، وقال بعضهم بل ولد في الثامن من شهر ربيع الأول، وهناك قول ثالث أنه ولد في العاشر من شهر ربيع الأول وهو الذي ذكره ابن أبي العز، والقول الرابع والأخير وهو المشهور لديكم فيما أظن أنه ولد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول. إذاً هناك أربعة أقوال في تحديد اليوم الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالتاريخ، وولد يوم الاثنين اتفاقاً؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نص على ذلك.

لكن في أي يوم من شهر ربيع الأول؟ هل هو في الثاني أم في الثامن أم في العاشر أم في الثاني عشر؟ فهذه المسألة اختلف فيها العلماء وأصحاب السير، فرجح بعضهم أنه في الثاني، ورجح بعضهم أنه في الثامن وهذا فيه سند صحيح، ورجح بعضهم أنه في العاشر، ورجح بعضهم أنه في الثاني عشر، وهذا القول الأخير أنه في الثاني عشر من شهر ربيع الأول هو الذي يذكره كثير من علماء السير وهو المتعارف عليه بين الناس. وهذا الاختلاف أحبتي في تاريخ مولده ينبهنا على قضية، وهي أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم مع شدة حبهم وتعلقهم بالنبي عليه الصلاة والسلام والائتساء بأحواله في كل خطوة خطوة وفي كل حركة حركة، لم يهتموا بتحرير هذا التاريخ بالضبط، أليس كذلك؟

لو أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم اهتموا بتحرير في أي يوم ولد النبي صلى الله عليه وسلم من شهر ربيع الأول، لكان ذلك وصل إلينا واضحاً بيناً ولم نكن في هذا الخلاف، لكن وجود هذا الخلاف وبهذه القوة يدل على أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لم يكن من دأبهم الاهتمام في أي يوم بالضبط ولد النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يضرهم، بل كانوا رضي الله تعالى عنهم أشد حبا وائتساء واقتداء وتعلقا بالنبي صلى الله عليه وسلم ممن جاء بعدهم، فعليكم أن تنتبهوا يا رعاكم الله أن القضية ليست أن تحرر في أي يوم ولد النبي صلى الله عليه وسلم بالتاريخ وأن تقيم الاحتفالات والجلسات وقلبك بعيد عن هديه وعن سنته وعن الحب الصادق له.

ذاك الحب الذي يولد الوقوف عند حدوده؛ ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم تمتثل، وما نهاك عنه تجتنبه. هذا هو الحب الصادق النابع من القلب، هنا تظهر المحبة؛ محبة الطاعة، محبة الشوق تألق، هذا هو الحب الصادق وليس الحب أن ترنم في يوم تاريخ أو في تاريخ مولده، ثم بعد ذلك حينما ننظر في واقعه عليه الصلاة والسلام إذا أنت مخالف لهديه. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوفير اللحى فإذا أنت تخالف ذلك، أمر النبي صلى الله عليه وسلم باجتناب المعازف والملاهي فإذا أنت تخالف ذلك، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقوى الله حق تقاته إذا أنت تخالف ذلك، ثم تزعم بعد ذلك حبا! إن المحب لمن يحب مطيع.

إذاً، الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لم يحرروا هذا اليوم بالتحديد بأنهم كانوا مشغولين بما هو أهم وأعظم وأجل في الحب؛ في الاتباع والائتساء والاقتداء، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور دينهم وسألوه عن كيفية الائتساء به والاقتداء به في كل شئون حياتهم التي تقربهم من الله سبحانه وتعالى. وفي الحقيقة هنا أنبهكم على قضية أن الاهتمام بتاريخ المولد عموماً مولد الأشخاص، هذا ليس من بني الإسلام، وإنما هو مستعار من الأديان الأخرى ومن الحضارات الأخرى. في الفكر الإسلامي لم تكن قضية الاهتمام بالمولد عموماً تاريخ الميلاد عموماً لأي شخص لم تكن واردة، وإنما هي مأخوذة من الأديان والحضارات الأخرى فهي دخيلة على الفكر الإسلامي، دخيلة على هذا الفكر وليست من أسس الفكر الإسلامي الصحيح، فانتبهوا على هذه القضية لتعلموا ما هو الشأن في حب محمد صلى الله عليه وسلم وما هي الحقيقة في هذه المحبة الصادقة.

إذاً، قال: مولده في عاشر الفضيل ربيع الأول. ربيع الأول هو بدل من كلمة الفضيل، وهو أراد أن يصف شهر ربيع الأول بالفضل لأن ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وقعت فيه، فقدم كلمة الفضيل ثم أتى بعد ذلك بالبدل، فقوله: مولده في عاشر الفضيل ربيع الأول، ربيع هو بدل من كلمة الفضيل، عام الفيل. إذاً هذا تحديد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما هو مشهور ولد في عام الفيل، وعام الفيل هو العام الذي هاجم فيه أبرهة الأشرم مكة المشرفة بقصد أن يهدم الكعبة ليصرف الناس عن الكعبة المشرفة هذا البيت الذي أعظمه الله سبحانه وتعالى ويدفع الناس إلى أن يحجوا إلى الكنيسة التي بناها في أرض اليمن.

ولكن القصة كما هي معلومة لديكم أنه حينما جاء أبا الفيل أن يسير لهدم الكعبة المشرفة ومنعه الله سبحانه وتعالى وحبسه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حبسه حابس الفيل»، حينما أتوا إلى منطقة وادي محسر. المهم فالله سبحانه وتعالى صرف أبرهة الأشرم وصرف جنده عن هذه الكعبة وحماها في قصة مطولة، وعندما عادوا أدراجهم إلى الطير يعني كيف حمى الله سبحانه وتعالى الكعبة؟ أرسل الله عز وجل كما ذكر وقص علينا في سورة الفيل أنه أرسل على أبرهة وعلى جنده طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول.

كل طير معه ثلاثة أحجار؛ حجر في منقاره وحجر في قدميه، يلقونها على جيش أبرهة حتى ماتوا عن بكرة أبيهم، وما وصل أبرهة إلى اليمن إلا هو كالفروخ كما ذكر أصحاب السير، سرعان ما مات وانتهى. هذا حال كل جبار يحارب الله ورسوله، وأن الله عز وجل يستدرجه ويمهله، لكن في النهاية إذا جاء البطش الإلهي فإن الله عز وجل لا يبقي منهم أحداً، لكن القضية تحتاج إلى صبر تحتاج إلى تمهل إلى أن يأتي وعد الله عز وجل.

في هذا العام عام الفيل ولد النبي صلى الله عليه وسلم، عدا الصحيح من أقوال أهل السير اختلفوا هل ولد بعد خمسين يوم من قصة الفيل أو ولد بعدها ثمانية وخمسين يوماً من حادثة الفيل؟ هناك خلاف بين أهل السير في أيضاً كم كان بين مولد النبي صلى الله عليه وسلم وبين حادثة الفيل، لكن في الجملة أنه ولد في هذا العام، والخلاف وقع الخلاف المحقق الخلاف الشديد وقع في تحديد أي يوم من شهر ربيع الأول كما قصصناه عليكم. إذاً: مولده في عاشر الفضيل ربيع الأول عام الفيل، لكن ما المشهور، أي المشهور عند علماء السير وعند الناس عامة أنه في الثاني عشر.

قال: لكن ما المشهور ثاني عشره. فهو ابتداء في البيت الثالث ذكر قولا في تاريخ ولادته عليه الصلاة والسلام أنه في العاشر من شهر ربيع الأول، ثم في البيت الرابع ذكر القول الثاني وهو أنه ولد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وأنا ذكرت لكم أن هناك قولين آخرين؛ قول إنه ولد في الثاني من شهر ربيع الأول، وقول إنه ولد في الثامن من شهر ربيع الأول، وهذه الأقوال يجدونها عند ابن كثير في كتاب الفصول.

قال: لكن ما المشهور ثاني عشره في يوم الاثنين طلوع فجره. أنه ولد في يوم الاثنين عند طلوع الفجر، لاحظوا كل هذه التحديدات؛ أولاً شهر ربيع الأول، ثم ذكر الخلاف أي يوم من ربيع الأول، ثم عام الفيل في يوم الاثنين الساعة بالضبط عند طلوع الفجر. طيب بالتاريخ الميلادي كما يقولون متى ولد النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال ابن أبي العز: ووافق العشرين من نيسان، ولد النبي صلى الله عليه وسلم في العشرين من شهر نيسان يعني عشرين أربعة عام خمسمائة وواحد وسبعين ميلادي، عشرين أربعة عام خمسمائة وواحد وسبعين ميلادي.

فإذا عرفنا مولد النبي صلى الله عليه وسلم بتاريخنا الهجري وبتاريخنا الميلادي، والعلامات التي تذكر أحبتي في مولد النبي صلى الله عليه وسلم؛ ما هي العلامات التي حدثت في الكون؟ وما هي الأمارات التي منها ما هو صحيح ثابت، ومنها ما هو بأسانيد تروى لكنها لم تثبت ثبوتاً واضحاً عن أصحابها؟ فمن أشهر العلامات الثابتة في علامات مولده وأمارات هذا المولد الشريف أنه عليه الصلاة والسلام حينما ولد رأت أمه آمنة بنت وهب نوراً خرج من بطنها أضاءت له قصور الشام، وهذا ثبت بإسناد قوي عند ابن إسحاق ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أمه حين ولدته خرج من بطنها نور أضاءت له قصور الشام. هذه علامة ثابتة بإسناد قوي وقواه ابن كثير أيضاً رحمة الله عليه.

أيضاً من العلامات الثابتة في مولده أو أمارات مولده أنه عليه الصلاة والسلام حينما ولد خر على يديه وبصره شاخص إلى السماء، هذا صح عن الزهري بإسناد مرسل لكنه مرسل قوي أنه عليه الصلاة والسلام حينما خرج من بطن والد أمه خر على يديه وبصره شاخص إلى السماء. هذه أشهر العلامات الثابتة حقيقة، ما يذكر من أن إيوان كسري سقطت منه أربعة عشر شرفة أو أربع عشرة شرفة، ما يذكر من أن نار المجوس قد خمدت في ذلك اليوم، إلى غير ذلك من العلامات والدلائل؛ ففي الحقيقة لا نجد لها إسناداً قوياً ينهض، لا نجد لها إسناداً قوياً ينهض لذلك أضربت عنها واهتممت بما هو ثابت في الجملة.

أنه عليه الصلاة والسلام حينما ولد رأت أمه نوراً خرج من بطنها أضاءت له قصور الشام، وانه خر على يديه رافعاً بصره إلى السماء بابيه وأمه صلوات ربي وسلامه عليه، وهذا من كرامات مولده ومن دلائل هذا الشرف الذي ينتظر هذه الأمة. طيب إذاً: ووافق العشرين من نيسان وقبله حين أبيه حانا. خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الدنيا يتيماً. نعم حينما كانت أمه قد حملت به خرج والده عبدالله في تجارة إلى بلاد الشام، وحينما عاد عبدالله وهو في طريق العودة إلى مكة أصيب بمرض فاضطر أن ينزل عند أخواله من بني النجار ليستشفي عندهم.

السؤال الآن قبل أن أدخل في هذه القصة هو: كيف يكون بنو النجار أخوالاً لعبدالله؟ من حضر الدرس السابق يعرف ذلك، نحن ذكرنا أحبتي في المجلس السابق أن عبدالمطلب أمه من؟ سلمى! سلمى تزوجها هاشم كما قلنا وهو ذاهب في تجارته إلى الشام. ألم نقل في المحاضرة السابقة أن هاشم وهو جد عبدالله وهو ذاهب إلى الشام في تجارة مر بيثرب فتزوج سلمى وهي امرأة من بني النجار، ثم ذهب إلى تجارته فمات في غزة، وبقيت سلمى حامل في هذا الطفل وهو شيبة الحمد وولدته؟

ثم جاء أخو هاشم وهو المطلب جاء إلى يثرب فأخذ شيبة الحمد وعاد به إلى مكة، فحينما رآه الناس خلفه قالوا: هذا عبدالمطلب! هذا عبدالمطلب! ذكرت هذه القصة في المجلس السابق. فعبدالمطلب هو ابن سلمى امرأة من بني النجار، عبدالمطلب ولد له عشرة من الأبناء كما ذكرنا في المحاضرة السابقة، من هو عبدالله والد النبي صلى الله عليه وسلم؟ ففي الحقيقة بنو النجار هم أخوال.

عبدالمطلب هم أخوال عبدالمطلب، فبالتالي تبعا يكونون أخوالا لابنه عبدالله، وتبعاً أن يكونوا أخوالا لمن؟ للنبي صلى الله عليه وسلم. فإذا سمعتم أن عبدالله نزل عند أخواله من بني النجار، أو إذا سمعتم بعض كتاب السير يقولون إن بني النجار هم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا باعتبار عبدالمطلب؛ لأن عبدالمطلب أخواله بنو النجار؛ لأن هاشماً تزوج سلمى، وهي امرأة من بني النجار، وسلمى أنجبت عبدالمطلب. فبالتالي إخوان سلمى وبنو النجار -وهو منهم- أخوال عبدالمطلب. فبعد ذلك يقولون كتاب السير: إذاً هم أخوال عبدالله ابن عبدالمطلب، هم أخوال النبي عليه الصلاة والسلام.

فهكذا يكون عبدالله حينما عاد من تجارته إلى الشام، تجارته من الشام، نزل عند أخواله من بني النجار في يثرب حتى يستشفي عندهم، لكن قدر الله سبحانه وتعالى أن يموت عبدالله في يثرب. الظاهر ربما كان طاعون أو وباء شديد حل به فمات ودفن، وهذا في الصحيح، كان قبل ولادة النبي عليه الصلاة والسلام. لذلك قال ابن أبي العز وقبله حين أبيه حان، أي قبل ولادة النبي صلى الله عليه وسلم حين أبيه. الحين هنا بمعنى الموت والمنية، فيقول ابن أبي العز: وقبله أي قبل ولادة النبي صلى الله عليه وسلم حين أبيه أي منية أبيه حانت. حين أبيه حان، أي منية أبيه حان وقتها المقدر لها في علم الله عز وجل.

إذاً ولد النبي صلى الله عليه وسلم وخرج إلى هذه الدنيا يتيماً بأم دون أب. وانظروا قسوة الحياة كيف بدأت مع النبي صلى الله عليه وسلم منذ البداية، حتى يعلم الإنسان أن محبة الله سبحانه وتعالى لعبده وأن تقريبه له لا يعني بالضرورة سعة الدنيا وأن يكون هذا الإنسان غنياً. فحب الله عز وجل للإنسان لا يرتبط بفخره أو بغناه، بل هي المحبة المبنية على طاعة هذا العبد لمولاه، فكل من كان طائعاً لله منقاداً له فإن الله عز وجل يجتبيه ويقربه، وليس من شرط هذا التقريب وهذا الاصطفاء وهذا سعة الحياة الدنيا وأن تكون ثرياً تبسط لك الحياة بالورود، بل قد تبتلى.

فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم وهو أحب الخلق إلى الله، الناس على الله، إذا كان محمد عليه الصلاة والسلام ابتلي ببلاء تلو بلاء كما سيمر معنا، ولاقى من شدة العناء في هذه الحياة الدنيا، سواء في حياته الدنيوية أو في حياته الدعوية، ما قاساه وثبت وصبر وهو من أحب الخلق إلى الله، فما بالك غيره عليه الصلاة والسلام؟ إذاً علينا أن نتعلم أن المحبة الإلهية لا تعني بالضرورة الرفاه في الحياة الدنيا وسعتها، وأن يكون الإنسان مرفهاً في قصور وعلى أنهار وبحار، كلا كلا. المقياس المحبة الإلهية وفي حب الله لعبده أن يتقرب هذا العبد من مولاه، وأن يوفقك الله عز وجل للطاعة تلو الطاعة، فإن هذا التوفيق وهذا الثبات على دين الله هو أمارة الاصطفاء والحب الإلهي لعبده بإذن الله.

المهم، كما قلنا، خرج النبي صلى الله عليه وسلم يتيماً فكفله أو كفلته أمه آمنة بنت وهب، هي التي اهتمت به وبالتعاون مع جده عبدالمطلب، فكان عبدالمطلب يحب ابن ابنه حباً شديداً كما تذكر لنا كتب السير. عبدالمطلب كان سيداً من سادات قريش، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إلى مجلس عبدالمطلب يتسلق على ظهره ويتسلق على مجلسه ويقبله ويداعبه، فكان عبدالمطلب يحمل حباً عميقاً غرسه الله عز وجل في قلبه لهذا الطفل. وكان عبدالمطلب ينظر في عيني هذا الطفل وهو متأكد أنه سيكون له شيء في المستقبل. عبدالمطلب رجل مطلع مثقف، كان عنده دراية بما يوقله الكهان وما تقوله أو ما يقوله أهل الكتاب. ففعلا كانت له فراسة في هذا الطفل أنه سيكون له شأن في المستقبل. لذلك، كما قلنا، هو الذي سمى هذا الطفل محمداً وأراد أن يحمده الناس.

المهم النبي صلى الله عليه وسلم كان في كفالة أمه آمنة بنت وهب، وفي رعايتها، وفي كفالة جده عبدالمطلب. وكان من عادة أهل مكة أنهم يرسلون أبناءهم إلى البوادي في بداية الحياة حتى يسترضعوا فيها، لينشأ الطفل قوي البدن، قوي اللسان، سليماً من الآفات والأمراض والأوبئة. ولأن هذه العادة كانت منتشرة عند أهل مكة، فكان نساء الأعراب والبوادي يأتين إلى مكة ليأخذوا هؤلاء الأطفال يعودون بهم إلى البوادي، وهناك يتربي الطفل في بيئة صحية نقية سليمة، ويأخذ فصاحة اللسان النقية.

جاء نسوة من قبيلة سعد بن بكر إلى مكة المكرمة، مجموعة من النسوة من قبيلة سعد بن بكر ومن أهل البوادي. أتوا إلى مكة المكرمة ليأخذوا أطفال قريش ليسترضعوهم. فعندما جاء هؤلاء النسوة، بدأت كل امرأة منهن تبحث عن طفل والده ثري. لماذا؟ لأن الطفل إذا كان والده ثرياً سيغدق على هذه المرأة بالعطايا والهدايا. فبدأ عبدالمطلب وآمنة بنت وهب يعرض طفلهما على هؤلاء النسوة، فما من امرأة تعلم أن هذا الطفل يتيم إلا وتعرض عنه؛ لأنها لا تتوقع كثرة العطاء. يتيم، من الذي يعطي هذه المرأة العطايا والأموال الكثيرة؟ فجعل النسوة يعرضن عنه ويذهبن إلى أولاد الأثرياء.

ومن هؤلاء النسوة كانت حليمة التي قدمت مع زوجها الحارث بن عبد العزى ومع طفل لها صغير إلى مكة لتبحث عن طفل لترضعه، وكانت تلك السنة سنة جدباء، أي سنة قحط. حتى إن حليمة لم يكن في ثديها لبن لترضع طفلها، ما كان عندها لبن حتى ترضع طفلها. وأتت على أتان هزيل ضعيف، بدأت حليمة مثل النسوة تبحث عن طفل لتسترضعه، فلم تظفر بذاك الطفل الذي والده ثري. وعندما أراد النسوة أن يعدن إلى ديارهن، تشاورت حليمة مع زوجها الحارث وقالت: كل النسوة عدن بأطفال وأنا لم أعد بشيء، ولكن هناك طفل يتيم فهل ترى أن أعود به على يتمه؟ فالحارث بن عبد العزى قال لحليمة: اذهبي فخذي ذاك الطفل فلعلنا نرزق ببركة. كلمة القاها الحارث بن عبد العزى وما كان يدري عظمة تلك النسمة التي أخذها.

فعلا ذهبت حليمة إلى آمنة بنت وهب أم النبي عليه الصلاة والسلام وقالت لها: اعطني هذا الطفل أنا آخذه. فأخذت حليمة النبي عليه الصلاة والسلام وما تدري -كما قلنا- شرف وعظمة تلك النسمة التي أخذتها والبركة التي ستنالها. فبمجرد أن عادت حليمة إلى رحلها، فاذا بثديها يدر لبناً! فتعجبت من ذلك، تعجبت من ذلك، هذه أول البركات: أن ثديها در لبناً على طفلها، فرضع طفلها ورضع النبي عليه الصلاة والسلام.

ثم ركبت على الأتان وأرادت أن تعود مع صحيباتها إلى البادية، فإذا هذا الأتان الذي جاء إلى مكة هزيلاً ضعيفاً يصبح قوياً يسبق كل الراحلة وكل القافلة، حتى أصبح النسوة يصرخن على حليمة: يا حليمة، هل هذه هي الأتان التي أتيت بها؟ فتقول: أي والله إنها الأتان التي أتيت بها، ولكن ما أدري ما أخذت هذا الطفل إلا وبدأت البركة تحل علي.

وهذه بركة النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك دائماً نقول: إن كثرة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام والله فيها من البركة، وفيها من علاج الأدواء والأمراض والبركة وسعة الرزق والراحة ما لا يعلم به إلا الله سبحانه. لذلك كان العلماء والسلف الصالح يحرصون ويؤكدون على أهمية كثرة الصلاة والسلام على هذا النبي العظيم. إذا كانت حليمة السعدية بمجرد أن حملت النبي صلى الله عليه وسلم ووضعته على رحلها إذا فيها يدر لبناً، وإذا بهذا الأتان يسرع بها، وهذه بركته وهو في طفولته، فما بالكم ببركته عليه الصلاة والسلام حينما أصبح نبياً رسولاً وهادياً وقائداً ومرشداً!

لذلك عليكم أحبتي أن تكثروا من الصلاة والسلام على هذا النبي العظيم حتى تنالوا بركته، فإن هذه البركة لا تنقطع بوفاته، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. نعم، إذا أردتم أن تتداووا من الأمراض فعليكم بالصلاة والسلام على النبي العظيم. إذا أردتم سعة الرزق فعليكم بالصلاة والسلام على النبي العظيم. إذا أردتم قضاء الديون وزوال الهموم عليكم بالصلاة والسلام على هذا النبي العظيم. إذا أردتم النجاح والفلاح في هذه الحياة الدنيا فعليكم بالصلاة والسلام على هذا النبي العظيم، فإن الصلاة عليه بركة تحل بكم إلى يوم القيامة.

إذاً عادت حليمة السعدية بهذا النبي العظيم وهي لا تدري أنه نبي وأنه سيغير مجرى التاريخ. وعلى فكرة -يعني هذه على الهامش- اختلف العلماء: هل أسلمت حليمة السعدية أم لم تسلم؟ هناك خلاف بين علماء السير: هل حليمة السعدية بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أسلمت أم لم تسلم؟ فهذا خلاف بين العلماء فالله تعالى أعلم به. لكن المهم أن الله عز وجل شرف هذه المرأة بأن تكون مرضعة لهذا النبي العظيم.

عادت حليمة إلى البادية، إلى بادية بني سعد بن بكر، وهناك في البادية بدأت البركات تحل أكثر وأكثر على حليمة. كانت السنة كما قلنا سنة جدب وقحط، فكان الغنم يرعى في تلك البادية فتعود هذه الأغنام من دون لبن في الضرع لأنه لا يوجد عشب ترعى منه، إلا غنم حليمة السعدية، فإنها إذا ترى تعود معبأة باللبن، حتى أصبح الناس يقولون: ارعوا حيث ترعى غنم حليمة. فيأتي الناس تريد الراعي حيث ترعى غنم حليمة، فيعود غنمهم خالياً من اللبن، بينما غنم حليمة يعود يبقى. وهذه من كرامات وبركات النبي عليه الصلاة والسلام.

رأت فعلا حليمة السعدية في سنتين كاملتين من الخير والبركة وسعة الرزق العجب العجاب. لذلك بعد السنتين عاد موعد إعادة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمه، فحليمة السعدية تشاورت مع زوجها وقالت: حان الموعد لإعادة هذا الطفل إلى أمه، فماذا نفعل؟ خشيت حليمة من أن تفوت تلك البركات، فأشار عليها زوجها أن تحاول مع أم هذا الطفل أن تبقيه عندهم مدة أطول.

فعندما عادت حليمة بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وأتت به إلى أمه، بدأت محاولة الإقناع لأمه أن تبقي محمداً صلى الله عليه وسلم عندها مدة أطول، وقالت: إن محمدًا عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى رعاية وبيئة البادية بيئة أنقى وأبعد عن الآفات والأوبئة وأفصح للنساء، فلو تركتيه عندنا مدة أطول أظن أنه سيكون أفضل وأسلم ثم أنقى. المهم بدأت النقاشات والحوارات بين آمنة وبين حليمة، آمنة ابتداء تمنعت تريد طفلها، وحليمة تحاول الإقناع. من شفقة آمنة بنت على طفلها، والظاهر أن حليمة السعدية كان عندها يعني قدرة على الإقناع إفهام الشخص الآخر وجهة النظر.

رضخت آمنة بنت وهب للامر الواقع ورضيت أن تعيد طفلها مع حليمة السعدية حرصاً على طفلها؛ لأنها تريد لهذا الطفل أن ينشأ قوياً سليماً بعيداً عن كل الآفات. ففعلاً آمنة بنت وهب رضخت لطلب حليمة الملِحّ، فأعادت حليمة بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بني سعد بن بكر مرة أخرى. لكن في هذه العودة الثانية ستحدث حادثة تضطر حليمة السعدية أن تعيد محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أمه مباشرة.

ما هي هذه الحادثة؟ دعونا أولاً نقرأ الابيات التي تكلم فيها ابن أبي العز الحنفي عن رضاع النبي صلى الله عليه وسلم، وسنعرف من خلالها هذه الحالة. قال ابن أبي العز في البيت السادس: وبعد عامين غدا فطيما * جاءت به مرضعُه سليما. أي بعد عامين من الرضاع في قبيلة سعد بن بكر عادت حليمة بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد فطم؛ لأن الرضاع في حولين كما قال تعالى. فلماذا بعد عامين في العادة يعيد النسوة الأطفال إلى آبائهم وأمهاتهم؟ لأن الفطام يتم خلال عامين. فبعد عامين من الرضاع في قبيلة سعد بن بكر عادت حليمة بالنبي صلى الله عليه وسلم مختوماً إلى أمه، لكن كما قلنا محاولات إقناع مستمرة أن يبقى محمد صلى الله عليه وسلم مدة أطول في بني سعد بن بكر حفاظاً على صحة. وإن كانت حليمة السعدية هي في الباطن وفي الحقيقة تريد البركة التي رأتها من بقاء النبي صلى الله عليه وسلم عندها.

إذاً، وبعد عامين غدا فطيما * جاءت به مرضعُه سليما. سليما: الحمد لله ما فيه أي آفة، ما فيه أي مرض، ما فيه أي شيء. جاءت به مرضعه وسليمة، حليمة حليمة بدل من كلمة مرضعه، أي جاءت به مرضعة التي هي حليمة سليماً. فكلمة حليمة في أول البيت السابع بدل من كلمة مرضعه: جاءت به مرضعة سليماً حليمة لأمه. أي جاءت مرضعته به سليماً. من هي مرضعته؟ حليمة. طيب، أتت به إلى من؟ وجاءت به إلى من؟ إلى أمه آمنة بنت وهب. حليمة لأمه وعادت به لأهلها كما أرادت، وعادت -اعتبروا الواو هنا واو عاطفة لكنها بمعنى ثم- أي ثم عادت به مرة أخرى حليمة إلى أهلها، أي إلى قبيلة سعد بن بكر، كما أرادت، كما هي كانت مريدة لذلك ومحبة له لذلك سعت في أقناع أمه أن يعيده معها.

فإذاً العودة الأولى كانت بعد عامين، حليمة أقنعت أم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبقى عندها فترة أطول، رضيت أم النبي عليه الصلاة والسلام بعد الحوار والنقاش، فعادت به حليمة مرة أخرى إلى أهلها في قبيلة سعد بن بكر. لكن كما قلنا حينما عادت به هذه المرة وقعت حادثة للنبي صلى الله عليه وسلم غريبة، استغربت منها حليمة، خافت على النبي عليه الصلاة والسلام وقررت أن ترجعه إلى أمه. ما هي هذه الحادثة؟ هذه الحادثة هي حادثة.

حادثة شق الصدر: حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام يلعب مع إخوته من الرضاعة خلف البيوت، جاءه رجلان فشقا صدره. وسأترك الحديث هنا للنبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بهذه الحادثة بالتفصيل، كما ذكرها ابن إسحاق في كتابه.

روى ابن إسحاق عن نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -وهذه القصة ذكرها ابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق في سيرته- أنهم قالوا: أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في جلسة هادئة يتحدثون فيها مع حبيبهم ومع قرة أعينهم محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، يعني أعطنا شيئاً من سيرتك من حياتك القديمة. فقال: نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى. ورأت أمي -هذه القضية التي أشرت لها قبل قليل- ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام. هنا قال حين حملت بأنه خرج منها نور، وبعض علماء السير يذكرون هذه العلامة حينما ولدته أمه وليس حين الحمل، حين الولادة. المهم هل كانت هذه العلامة، النور الذي أضاء له قصور الشام، حينما حملت به أثناء الحمل قبل الولادة، أم حينما ولدته ووضعته؟ داخل خلاف بين علماء السير. المهم: ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام.

قال: واسترضعت -هنا بدأت قصة الرضاع- واسترضيت في بني سعد بن بكر. قبيلة سعد بن بكر هي قبيلة حليمة السعدية. قال: فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا، خلف بيوتنا في القبيلة في قبيلة بني سعد بن بكر، فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا أي دواب لنا، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوء ثلجاً. إذ أتى رجلان من ذهب وهذا الطست ملئ بالثلج، قال: فاخذاني فشق بطني. انظروا صعوبة الموقف! فشق بطني واستخرج قلبي فشقاه. يعني أولاً شق بطنه عليه الصلاة والسلام، ثم أخرج القلب، ثم شق القلب فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء كأنها نقطة سوداء فطرحها، ثم غسل قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه.

ثم قال أحدهما لصاحبه -يعني أحد الرجلين قال لصاحبه-: زنه بعشرة من أمته. ووزنوني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته. ووزنوني بهم فوزنتهم، ثم قال -يعني أحدهما لصاحبه-: زنه بألف من أمته. ووزنوني بهم فوزنتهم. فقال أحدهما لصاحبه: دعه عنك، خلص لا توزن؛ فوالله لو وزنته بأمته لوزنها. وهذا دلالة على عظم قدره وشرفه عليه الصلاة والسلام. هذه العلقة السوداء هي نصيب الشيطان منه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: طهره الله عز وجل من نصيب الشيطان. كل واحد فينا أحبتي هناك من يوسوس له، وهناك قرين من الشياطين يوسوس له، وهناك قرين من الملائكة يحثه على الخير، فهو في صراع دائم بين الخير والشر. أما النبي صلى الله عليه وسلم فمن كرامته على ربه سبحانه وتعالى أن أعانه الله على نفسه، وطهره من حظ الشيطان منه منذ صغره.

وحادثة شق الصدر في الحقيقة، كما ذكر ابن حجر العسقلاني رحمة الله تعالى عليه، وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات. حادثة شق الصدر وقعت للنبي عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات، وهذا من باب العناية الإلهية بهذا النبي العظيم الذي سيغير مجرى التاريخ. المرة الأولى وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم وهو مسترضع في قبيلة سعد بن بكر، هذه الحادثة التي وقعت وهو عند حليمة السعدية. المرة الثانية عند مبعثه، وقعت له أيضاً حادثة شق بها صدره حينما بعثه الله عز وجل لهذه الأمة، أيضاً جاءه ملكان فشقا صدره وطهراه، كما أثبت ذلك ابن حجر العسقلاني. المرة الثالثة في ليلة الإسراء والمعراج، مرة ثالثة في ليلة الإسراء والمعراج أيضاً جاءه ملكان بطست من ذهب وقاما بشق صدره وتنقيته. فإذن حادثة شق الصدر وقعت، كما ذكر ابن حجر وهو من أئمة التحرير في النقل، وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات في حياته: المرة الأولى وهو مسترضع في قبيلة سعد بن بكر، المرة الثانية عند مبعثه عليه الصلاة والسلام، المرة الثالثة في ليلة الإسراء والمعراج. وهذه الحوادث كلها تدل على عناية الله عز وجل بهذا النبي العظيم، وعلى حرص أن يخرج عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة نقياً طاهراً من كل حظوظ النفس وحظوظ الشيطان، وهكذا كان بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.

إذاً، هذه الحادثة -حادثة شق الصدر- وقعت حينما عادت حليمة السعدية بالنبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى. واختلف أهل السير: هل وقعت بعد إعادة حليمة للنبي صلى الله عليه وسلم بشهرين؟ أم وقعت بعد إكمال النبي صلى الله عليه وسلم من أربع سنوات -يعني جلس عند حليمة السعدية أيضاً سنتين ثم بعد ذلك وقعت هذه الحادثة-؟ اختلف علماء السير، منهم من قال إن هذه الحادثة وقعت بعد شهرين من إعادة حليمة السعدية له مرة أخرى، وقال بعض علماء السير: لا، إنها وقعت بعد إتمام النبي صلى الله عليه وسلم للسنوات الأربع من عمره، فبالتالي يكون مكث في العودة الثانية كم سنة في العودة الثانية؟ يكون مكث كم سنة عند حليمة؟ يكون أيضاً مكث سنتين؛ لأنه استرضع سنتين ثم عادت حليمة به، ثم أقنعت أمه فعادت به مرة أخرى. إذا قلنا إنه شق صدره عندما بلغ أربع سنوات، إذاً يكون جلس أيضاً سنتين أخريين، وإذا قلنا الحادثة لا وقعت بعد عادت حليمة له بشهرين، بالتالي تكون حادثة شق الصدر وقعت له بعد سنتين ونيف، أو بعد سنتين وشهرين تقريباً. فهذا خلاف بين علماء السير.

لكن المهم أن حليمة السعدية، كما تروي كتب السير، ذهب أو أتى أطفالها إليها يصرخون ينادونها: يا أماه! إن محمداً صلى الله عليه وسلم قد شق بطنه. تخيلوا شدة الصدمة! الأطفال أتوا إلى حليمة السعدية: يا أماه! إن محمداً صلى الله عليه وسلم قد شق بطنه. فاتت حليمة تركض فزعة: كيف شق بطنه؟ ما الذي حدث؟ شيء عظيم مفزع. فعندما أتت حليمة، وصلت حليمة إلى محمد عليه الصلاة والسلام بعد أن انتهى الملكان من عملهما واستيقظ النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها رأت وجهه مستنقعاً بالصفرة، يعني رأته مدهوشاً مما حدث به، فخافت عليه وسألته: ما الذي حدث به؟ فأخبرها، فخافت أكثر وأكثر، فقررت أن تعيده مباشرة إلى أمه. فعادت حليمة بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى أمه وتذرت ولم تخبرها بصريح الأمر الذي وقع، حتى لا تخف أمه عليه، وإنما تعذرت بأعذار الحياة الدنيا بسبب إعادة محمد صلى الله عليه وسلم، ووضعته عند أمه وعادت أدراجها إلى قبيلتها. إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم بعد حادثة شق الصدر أعادته حليمة إلى أمه ليعود إلى كنفها الحاني لترعاه.

وحينما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم السادس من عمره -يعني يصعب علينا أحبتي أن نقف عند كل المشاهد، لكنني ساقتصر على المشاهد المهمة التي تم ابن أبي العز الحنفي بسردها- حينما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم السادس من عمره، أرادت أمه آمنة بنت وهب أن تجعل هذا الطفل يزور أخواله في يثرب. قررت آمنة بنت وهب أن يزور طفلها الصغير محمد صلى الله عليه وسلم أخواله في يثرب. طبعا أخواله كيف أخواله؟ هم أخوال أبيه وأخوال جده، فخرجت به إلى يثرب. وحينما وصلت يثرب وأقامت، أصيبت بمرض -وهذا من أقدار الله سبحانه وتعالى- أصيبت بمرض شديد وبحمى شديدة فماتت في يثرب ودفنت في منطقة الأبواء. فهنا فقد النبي صلى الله عليه وسلم الأم الحانية بعد أن فقد والده قبل أن يولد، الآن فقد أمه وهو في سن السادسة من عمره صلوات ربي وسلامه عليه. وهذا فعلاً شيء مفجع لطفل صغير في السادس من عمره أن يحيا من دون أب ولا أم؛ حياة قاسية، حياة فيها صعوبة، فيها مشقة، لكن الله سبحانه وتعالى يرعى هذا الطفل ليكون له شأن كبير في المستقبل بإذن الله.

عاد محمد صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وتولى حضانته أم أيمن. أم أيمن هذه مولاة للنبي صلى الله عليه وسلم ورثها النبي عليه الصلاة والسلام من أبيه، يعني عبد الله لما مات ترك ورثة، وإن لم تكن ورثة كثيرة، ورثة قليلة جداً، لكنه ترك ورثة، من هذه الورثة كانت أم أيمن. هذه أم أيمن هي التي تولت حضانة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أمه، ولكن كفالة النبي صلى الله عليه وسلم العامة كانت عند جده عبد المطلب. الكفالة العامة كانت عند جده عبد المطلب، أم أيمن وظيفتها إصلاح شأن هذا الطفل العظيم. وفي الثامنة من عمره توفي جده عبد المطلب. انظر كيف صعوبات الحياة تزداد يوماً بعد يوم! في الثامنة من عمره توفي جده عبد المطلب.

دعونا نققرأ ماذا قال ابن أبي العز في هذه الأحداث المهمة. قال: فبعد شهرين انشقاق بطنه، وقيل بعد أربع من سنه. ذكر ابن أبي العز الخلاف: متى وقعت حادثة شق البطن؟ هل بعد شهرين من عودة حليمة به إلى رحلها، أم بعد أربعة أعوام أي بعد إكمال النبي صلى الله عليه وسلم أربعة سنوات من عمره؟ هذا خلاف بين علماء السير. ثم قال: وبعد ست مع شهر جاءت وفاة أمه على الأبواء. أي بعد أن أقبل النبي صلى الله عليه وسلم السادس من عمره وذهبت به أمه إلى يثرب ليزور أخواله، توفيت أمه في الأبواء. فكما قلنا تولت حضانته أم أيمن، وكفله جده عبد المطلب. ثم توفي عبد المطلب حينما أكمل النبي صلى الله عليه وسلم الثامن من عمره، فقال: وجده لأب عبد المطلب بعد ثمان مات من غير كذب. جد النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبيه مات حينما أكمل النبي صلى الله عليه وسلم الثامنة من عمره، وهذا قول حق من غير كذب. يقول ابن أبي العز يعني هذه حقائق تاريخية لا كذب فيها.

طيب، من الذي كفل النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة جده عبد المطلب؟ من الذي أخذه وتولاه؟ عمه أبو طالب. وأبو طالب كان شقيق عبد الله لأمه، يعني هو من أمه ومن أبيه. الآن قلنا عبد المطلب ولد له عشرة من الأبناء، أليس كذلك؟ لكن لم يكونوا من أم واحدة، كأن له أكثر من زوجة. أبو طالب كان شقيق عبد الله لأمه أيضاً، فهو الأخ الشقيق له، بخلاف باقي الإخوة فكانوا لعبد الله إخوان لكن من جهة الاب فقط، ولم يكونوا من جهة الأم. أما أبو طالب فكان شقيقاً له من جهة الأب ومن جهة الأم، فلذلك هو الذي تولى رعاية النبي صلى الله عليه وسلم بعد جده.

أخذ أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم وبدأ برعايته واحتضانه وتعليه مهارات الحياة. وحينما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سن الثانية عشرة، أراد أبو طالب أن يصحب محمداً عليه الصلاة والسلام معه في تجارة إلى الشام. إذن، حينما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الثاني عشرة، كان هذه أول رحلة له خارج مكة باتجاه الشام، خرج فيها مع عمه أبي طالب. لكن هذه الرحلة في الحقيقة لم تكتمل؛ لماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى الشام مع عمه أبي طالب، كانت هناك علامات ودلائل غريبة تظهر عليه يشاهدها كثير ممن حوله. من هذه العلامات أنه عليه الصلاة والسلام كان في طوال مسيره هناك غمامة تظله في طوال مسيره وفي رحلته، كان هناك غمامة تظله، وإذا مر بقرب شجرة تميل هذه الشجرة بأغصانها عليه.

وهو في الطريق مروا بصومعة راهب، هذا الراهب اسمه بحيرى. هذا الراهب لم يكن من عادته أن ينزل ليستقبل هذه القافلة القرشية، لكن في هذه المرة هذا الراهب وهو ينظر من صومعته رأى شيئاً غريبا في هذه القافلة: رأى ذاك الفتى في الثاني عشر من عمره تظلله غمامة، والأشجار تميل عليه في أثناء مسيره. وهذا الراهب بحيرى على علم بأن هذا الزمن هو زمن بعثة نبي عظيم سيغير مجرى التاريخ، وكانت علامات وأمارات هذا النبي معروفة لديهم في كتبهم. فحينما نظر الراهب بحيرى في هذه القافلة ونظر إلى ذاك الفتى بالتحديد، أدرك أن هذه القافلة لها شأن، فنزل من صومعته -ولم يكن من عادته أن ينزل من صومعته- نزل من صومعته ودعا هذه القافلة إلى طعام الغداء، قال لهم: يعني اعتبروها استراحة الطريق، طلب منهم أن ينزلوا عنده وأعد لهم غداء. وأتى إلى أبي طالب كونه زعيم القافلة، فقال له: لا أريد أن يتخلف أحد عن هذا الغداء. أبو طالب رضي وقبل: أبشر، يعني ما عندنا مشكلة، الكل يأتي.

حينما أتى موعد الغداء حضر الجميع، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه فتى صغير في الثاني عشر من عمره، أبقاه قومه في الرحل، ولم يدركوا أن الراهب بحيرى يريد ذاك الشاب بالتحديد. المهم حضر الجميع إلى هذا المجلس وإلى تناول طعام الغداء، الراهب بحيرى بدأ يتأملهم واحداً واحداً لينظر في ذاك الفتى الذي رأى فيه تلك العلامات والأمارات فلم يجده، فقال لأبي طالب: هل تخلف أحد عن طعام الغداء؟

فقال أبو طالب والقوم لم يتخلف أحد، لم يتوقعوا أن يكون الراهب بحيرة يريد ذاك الشاب الصغير. قال: هل تخلف أحد؟ فأعاد مرة أخرى السؤال، فقال أحد القوم: هناك فتى صغير تركناه عند رحلنا ليحرسه.

فقال الراهب بحيرة: أحضروه، أنا قلت لا يتخلف أحد، لماذا وضعتموه في الرحل؟ فأتوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأجلسوه معهم على المائدة. بدأ بحيرة ينظر للنبي صلى الله عليه وسلم، ينظر في الغمامة التي تظله، ينظر في أحواله، ينظر في ظهره ورأى خاتم النبوة في ظهره. حينئذ أدرك الراهب بحيرة أن هذا الفتى الصغير هو النبي الذي سيغير مجرى التاريخ، وهو النبي الذي بشرت به الكتب والرسالات السابقة، فذهب إلى أبي طالب.

قال: هل أنت ولي هذا الطفل أو هذا الشاب الصغير؟ قال: نعم أنا وليه. فقال: إياك أن تكمل به المسير إلى بلاد الشام، فإن اليهود إذا رأته قتلته، فإن اليهود إذا رأته قتلته، وهذا شأن اليهود في محاربة الأنبياء قديماً وحديثاً. فأبو طالب خاف على ابن أخيه، وفعلا قال لجماعة من القرشيين الذين معه: عد بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى مكة، ولا تجعلوه يكمل المسيرة معنا.

فإذاً هذه الرحلة الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الشام لم تكتمل، بل توقفت في منتصفها؛ لأن الراهب بحيرة نصح أبا طالب ألا يكمل المسيرة بمحمد صلى الله عليه وسلم حرصاً على حياته. ننظر ماذا قال ابن أبي العز الحنفي في هذه الحادثة، قال في البيت الحادي عشر: ثم أبو طالب العم كفل. أي كفله عمه أبو طالب بعد وفاة جده. ثم أبو طالب العم كفل، إيش كفل؟ خدمة النبي صلى الله عليه وسلم ورعاية شؤونه. قال: ثم إلى الشام رحل. هاي الرحلة الأولى له إلى بلاد الشام لكنها لم تكتمل. متى كانت؟ قال: وذاك بعد عام. يعني هذا البيت من الأبيات التي فيها إشكال، لكن النسخة الصحيحة والله تعالى أعلم، وكان ذاك -النسخ التي بين أيدي كثير منكم-: وذاك بعد عام اثني عشر. لكن هذه النسخة يكون البيت فيه كسر، لا يصلح الوزن الشعري على هذا: وذاك بعد عام اثني عشر، فلابد أن تضاف كلمة، وهذه الكلمة موجودة في بعض النسخ، وهي كلمة: وكان ذاك. فلذلك من كانت عنده النسخة التي فيها خطأ فليعدلها، وليضف كلمة: وكان ذاك بعد عام اثني عشر. بعض النسخ سقطت منها كلمة: وكان، وبدونها ينكسر البيت، لا يصلح، والنسخة الصحيحة هي التي فيها إضافة كان: وكان ذاك بعد عام اثني عشر * وكان من أمر بحيرة ما اشتهر.

فاعتمدوا هذه النسخة؛ إذاً رحلته إلى الشام الأولى كانت بعد أن أكمل الثاني عشر من عمره: وكان ذاك بعد عام اثني عشر. وهذه الرحلة إيش كان فيها؟ كان فيها قصة بحيرة المشهورة: وكان من أمر بحيرة ما اشتهر. انظروا أحبتي هذه الأبيات، كيف هي أبيات رائقة مختصرة يجب علينا أن نحفظها وأن نعلمها لأبنائنا. الذي يعجبني في منظومة ابن أبي العز الحنفي أنها مختصرة جداً وتصلح للأطفال وللشباب الناشئ ولطلبة العلم، إذا أرادوا أن يحفظوا التواريخ المهمة وأبرز الأحداث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك عليكم أن تعتنوا بهذه الأرجوزة اعتناء كبيرا: وكان ذاك بعد عام اثني عشر * وكان من أمر بحيرا ما اشتهر.

طيب، الرحلة الثانية الآن، الرحلة الثانية للنبي صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الشام، متى كانت؟ الآن النبي صلى الله عليه وسلم ترعرع بين أعمامه وبين قبيلته، ونشأ شاباً قوياً مشتهراً بالأمانة والصدق والعفاف والرجولة، اكتملت فيه خصال المروءة وخصال الرجل الشريف، واشتهر صيته بين أهل مكة بأنه صادق أمين، لا يغدر لا يخون، رجل في المواقف صلب، شجاع في المشاهد. هذه الصفات الحميدة العالية الرفيعة وصلت إلى إسماع امرأة قرشية ثرية، وهي خديجة بنت خويلد، امرأة ثرية من نساء قريش، وصل إلى إسماعها أمانة وصدق وشهامة ومروءة هذا الشاب القرشي الذي ترعرع بين أعمامه.

فأرادت أن تخرجه في تجارة لها إلى بلاد الشام على سبيل المضاربة، دعت محمد صلى الله عليه وسلم وقالت: يا محمد، اريد أن أعطيك مالا تتاجر به إلى الشام، وحينما تعود نتقاسم الأرباح. فوافق النبي عليه الصلاة والسلام وخرج بصحبة غلام لخديجة اسمه ميسرة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع ميسرة بأموال خديجة تجاه الشام. وفي هذه المرة بلغ النبي صلى الله عليه وسلم بلاد الشام وتخومها، وتاجر وربح ربحاً وافياً عظيماً، وعاد إلى مكة بربح كبير. عندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم بذاك الربح الوافر إلى خديجة، سألت خديجة غلامها ميسرة عن حال هذا الشاب، فأخبرها بالعجب العجاب في صدقه وأمانته ومروءته وصفاته وخصاله. فأعجبت خديجة بنت الأربعين عاما بهذا الشاب، وأرادت أن تتزوجه.

خديجة بنت خويلد كانت مطلوبة لرجال مكة، امرأة شريفة ثرية صاحبة مروءة وأخلاق من الشريفات، فكانت مطلوبة لكفار مكة لكنها كانت تأبى الزواج منهم. لكن حينما علمت بخصال النبي صلى الله عليه وسلم وشرفه وعظيم مروءته وصدقه وأمانته، أرادت الوصال به، ونعم الوصال أي والله. فبعثت إلى محمد صلى الله عليه وسلم تطلب منه الزواج. النبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى أعمامه، النبي صلى الله عليه وسلم فرح بهذا لأن خديجة كانت امرأة ثرية وشريفة وعالية، والنبي عليه الصلاة والسلام رجل شريف وعظيم من عظماء مكة، فكان هذا النسب نسباً مناسباً له.

طبعا كم كان عمر النبي عليه الصلاة والسلام حينما ذهب في الرحلة الثانية إلى الشام وحينما تزوج خديجة؟ خديجة كما سيأتي معنا، كان عمره خمسة وعشرين عاما، كان عمره خمسة وعشرين عاماً، فهذه الحادثة ربما نسيت أن أذكر التاريخ. إذاً حينما كان عمر النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين عاماً ذهب في تجارة إلى بلاد الشام، وفي هذا العمر أيضاً تزوج من خديجة مباشرة بعد أن عاد وعلمت خديجة بخصاله الشريفة طلبت منه الزواج. فالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى أعمامه، أخبرهم بهذا الخبر أن خديجة تريد أن تتزوجه. طبعا أعمامه أكيد فبالتالي سيقبلون مباشرة هذا العرض لأنها خديجة امرأة مشهورة شريفة، فهذا النسب سيكون أو هذه المصاهرة ستكون مصاهرة عظيمة. فذهب أعمام النبي صلى الله عليه وسلم إلى خديجة ليطلبوا يد خديجة للنبي عليه الصلاة والسلام. كم كان عمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ عمره خمسة وعشرون عاماً، وكم كان عمر خديجة؟ كان عمرها أربعين عاماً، وفعلا تم هذا الزواج الشريف بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين خديجة بنت خويلد، وبنى بها النبي صلى الله عليه وسلم ودخل بها في نفس العام.

ابن أبي العز يذكر لنا هذه القصص باختصار، قال في البيت الثالث عشر: وسار نحو الشام أشرف الورى * في عام خمسة وعشرين ذكرا. أي حينما بلغ هذا العام، أي كان عمره خمسة وعشرين عاما. لأمنا خديجة متجرا * وسار نحو الشام لمن؟ لأمنا خديجة، أي في تجارة لأمنا خديجة فهي من أمهات المؤمنين بعد أن آمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم وأزرته وعضدته في مسيرته الدعوية. قال: لأمنا خديجة متجرا * وعاد فيه رابحاً مستبشرا. أي في هذا العام نفسه وعاد في هذا العام رابحاً مستبشراً، فكان فيه عقده عليها * وبعده إفضاؤه إليها. أي في هذا السن أيضاً عقد عليها، فكان فيه عقده عليها. وبعده، أي بعد أن عقد عليها، إفضاؤه إليها، إفضاؤه إليها أي دخوله بها وبناؤه بها. رضي الله عن خديجة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

خديجة بنت خويلد هي التي ولدت للنبي صلى الله عليه وسلم جميع أبنائه إلا إبراهيم، هي التي ولدت للنبي صلى الله عليه وسلم جميع الأبناء إلا إبراهيم. فأبناء النبي صلى الله عليه وسلم ممن؟ من خديجة. لم تلد أمهات المؤمنين للنبي صلى الله عليه وسلم، التي ولدت فقط هي من؟ خديجة ومارية القبطية على خلاف: أتجوزها النبي صلى الله عليه وسلم أم بقيت أمة له؟ هي التي ولدت أيضاً. أما باقي أمهات المؤمنين فلم يلدن للنبي عليه الصلاة والسلام.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب خديجة وكان متعلقاً بها حتى بعد وفاتها، كما تروي لنا عائشة رضي الله تعالى عنها هذه الغيرة التي نشأت في قلبها لخديجة مع أن خديجة كانت متوفاة، رضي الله تعالى عن جميع أمهات المؤمنين لشدة حب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة، وكانت من خصالها الحميدة عند النبي صلى الله عليه وسلم أنها الوحيدة التي ولدت له، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حينما سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم عن سر هذا التعلق الكبير بخديجة، فذكر خصالها الحميدة، من تلك الخصال قال: وكان ولدي منها، هي التي أنجبت لي الأبناء.

طيب، من أولاد النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة؟ لعلنا نختم بهذه الفكرة. من أولاد النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة؟ أولاً زينب، نذكر الإناث ثم نذكر الذكور. زينب وهي كبرى بنات النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه معلومة جميلة أن تعرف من هي الكبرى من بنات النبي صلى الله عليه وسلم؟ زينب. هذا هو بالصحيح. ثم بعد ذلك رقية، ثم بعد ذلك وقع خلاف: هل أم كلثوم كانت أصغر من فاطمة؟ أم فاطمة كانت أصغر من أم كلثوم؟ وقع خلاف في الترتيب بين فاطمة وبين أم كلثوم بين العلماء. البعض يقول: أم كلثوم هي الصغرى. والبعض يقول: فاطمة هي الصغرى. ولعل المشهور بينكم أن فاطمة هي الصغرى، لكن الآن عليكم أن تتعلموا أن هناك خلاف؛ البعض يقول: فاطمة هي الصغرى، والبعض يقول: أم كلثوم هي الصغرى. المهم زينب هي الكبرى بشبه اتفاق، والخلاف في ذلك شاذ. زينب هي الكبرى ثم رقية ثم أم كلثوم على ما هو مشتهر عندكم، ثم فاطمة، وهناك كما قلنا من قال فاطمة ثم أم كلثوم.

هؤلاء بنات النبي عليه الصلاة والسلام، وبنات النبي عليه الصلاة والسلام أدركوا بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأسلمين. زينب من تزوجها؟ من كان زوجها؟ زوجها أبو العاص بن الربيع، وهو رجل شهم رفيع من رجال قريش. وهذا الرجل الشهم، حينما طلب كفار قريش، الآن لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وبدأت المعارك بينه وبين قومه، كفار قريش طلبوا من كل شخص تزوج بنتاً للنبي صلى الله عليه وسلم أن يردها وأن يطلقها. أبو لهب ابناه تزوجا بنات النبي صلى الله عليه وسلم رقية وأم كلثوم، فحينما طلبت قريش من كفار مكة أن يعيدوا بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأن يطلقوا بنات النبي صلى الله عليه وسلم، طلقوا بنات النبي صلى الله عليه وسلم أبناء أبي لهب طلقوا بنات النبي صلى الله عليه وسلم.

لكن أبو العاص بن الربيع رفض أن يطلق زينب، هو كافر لكنه شهم، عنده رجولة، عنده مروءة. أبو العاص بن الربيع رفض أن يطلق بنت النبي صلى الله عليه وسلم وأصر على البقاء معها، هناك حب صادق بينه وبين زوجته، مع أن أبو العاص بن الربيع أيضاً شارك مع كفار قريش في غزوة بدر يعني كان ضد المسلمين. لكن النبي صلى الله عليه وسلم فكه، لما بعثت زينب بفدائه بقلادة كانت لخديجة -انظروا حب النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة، وقع الآن، سامحونا على الاستطراد لكن بعض القصص تجر بعضها-. أبو العاص بن الربيع اشترك مع كفار قريش في حرب المسلمين في غزوة بدر ولعله كان مكرهأً، فوقع في الأسر، وقع في الأسر، لكن كان هو متزوجاً لزينب، لم يطلق النبي صلى الله عليه وسلم زينب لأنه لم يكن الأمر الإلهي نزل بحرمة زواج المسلمات من الكفار بعد، هذا أمر نزل بعد ذلك.

المهم حينما كان أبو العاص بن الربيع في أسرى أيدي المسلمين، زينب تدرك ما الذي يحرك مشاعر النبي صلى الله عليه وسلم، وتدرك الحب العميق الذي كان يمتلكه النبي عليه الصلاة والسلام لخديجة، فبعثت زينب بقلادة كانت خديجة أهدتها لها حينما تزوجت أبا العاص، لما تزوجت زينب من أبي العاص، خديجة أهدت ابنتها قلادة، زينب حينما أرادت أن تفدي أبا العاص من أيدي المسلمين بعثت بهذه القلادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فداء لزوجها. فحينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم القلادة -انظروا الوفاء المحمدي والحب الخديجي- حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذه القلادة رق قلبه وبكى، وقال لأصحابه: إن رأيتم أن تعيدوا لها أسيرها وأن تعيدوا إليها قلادتها فافعلوا. طبعا لم يجبر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة على ذلك، لأنه في النهاية هو حقهم في الفداء، لكن لشدة تعلقه وشوقه وحبه لخديجة تأثر النبي صلى الله عليه وسلم، إنسان صاحب مشاعر، صاحب حب، صاحب عاطفة صادقة، فقال لأصحابه: إن رأيتم أن تعيدوا لها أسيرها وقلادتها فافعلوا. وبالتأكيد الصحابة لحبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتعلقهم به فعلوا أمره.

أبو العاص بن الربيع كما قلنا هو زوج زينب، أبو العاص بن الربيع حفظ هذا الوفاء، حفظ هذا الموقف الشريف للنبي عليه الصلاة والسلام فأسلم بعد ذلك، صحيح تأخر في إسلامه لكنه أسلم بعد ذلك رضي الله تعالى عنه.

زينب أمانة أبي العاص؛ أنجبت من زينب أمانة، وكانت هذي أمانة تتسلق على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، وتلعب على ظهره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها وينزلها، وهذه كلها مشاهد تدل على عظمة هذا الإنسان العظيم، على عظمة النبي صلى الله عليه وسلم، المشاعر الصادقة، إنسان بكل معاني الإنسانية بأبي هو وأمي، صلوات ربي وسلامه عليه.

رقية وأم كلثوم كما قلنا عادتا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن طلقهما أبناء أبي لهب، لكن رقية تزوجها عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بعد ذلك، ثم ماتت رضي الله تعالى عنها متى؟ في غزوة بدر، في غزوة بدر أصابها داء شديد، وهو السبب الذي جعل عثمان بن عفان يتخلف عن غزوة بدر، أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم عند زوجته ليرعاها، فتوفيت رضي الله تعالى عنها، حزن عثمان بن عفان عليها حزنا شديدا، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرضاه وزوجه من ابنته الأخرى أم كلثوم.

ولكن أيضا أم كلثوم ماتت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وزينب أيضا -هذه قفزنا عنها- زينب أيضا بنت النبي صلى الله عليه وسلم ماتت في حياته، وغسلتها أم عطية في الحديث المشهور، فزينب ورقية وأم كلثوم جميعا ماتوا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وانظروا صعوبة الحياة، يعني النبي عليه الصلاة والسلام نشأ يتيما فقد أباه، فقد أمه، ثم فقد جده، ثم فقد عمه الذي نصره كما سيأتي معنا، وفقد زوجته وفقد بناته، وهذا كله يدل على صعوبات الحياة.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتقبل كل هذه بالقبول والتسليم والرضا عن الله عز وجل، أما أولاد النبي عليه الصلاة والسلام طبعا فاطمة هي الوحيدة التي عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الذي تزوج فاطمة؟ هذه معلومة معروفة لديكم، علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عمها هو الذي تزوجها، وبقيت على ذمته إلى أن مات، يعني علي بن أبي طالب لم يعدد عليها، حتى طبعا قصة أنه أراد أن يتزوج بنت أبي جهل لكن النبي صلى الله عليه وسلم رفض ذلك، وقال: لا تجتمع بنت رسول الله مع بنت عدو الله.

المهم بقي علي بن أبي طالب مع فاطمة إلى أن ماتت فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، يعني لم يطل بقاؤه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر ماتت فاطمة رضي الله عنها، فهذه أحوال بنات النبي صلى الله عليه وسلم.

أما الذكور من أبناء النبي صلى الله عليه وسلم فكلهم مات وهو صغير، أولهم القاسم وبه كني عليه الصلاة والسلام، ما كنيته؟ أبو القاسم، وثانيهم عبد الله، وهذا عبد الله له عدة ألقاب على الصحيح من كلام أهل السير، يلقب بالطاهر ويلقب بالطيب، عبد الله يلقب بالطاهر ويلقب بالطيب.

بعض علماء السير قالوا: لا، الطاهر والطيب هم أولاد آخرون للنبي عليه الصلاة والسلام ماتوا صغارا، هذا رأي لبعض علماء السير لكنه ضعيف، والمشهور والأقوى أن الطاهر والطيب ألقاب لعبد الله، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم له ابنان من خديجة: القاسم وبه كني عليه الصلاة والسلام، وعبد الله، وعبد الله لو لقب بالطاهر وبالطيب، وليس الطاهر والطيب أبناء آخرين للنبي صلى الله عليه وسلم.

أما إبراهيم فهذا ولد متأخرا من مارية القبطية، قال ابن أبي العز في تعداده لأبناء النبي صلى الله عليه وسلم: وولده منها، أي ولده أبناؤه من خديجة، خلا إبراهيم، أي عدا إبراهيم، يعني باستثناء إبراهيم، خلا أداة من أدوات الاستثناء كما تعلمنا في النحو، قال فالأول القاسم، هذا التكريم القاسم به كني النبي عليه الصلاة والسلام، ثم انتقل إلى بنات النبي صلى الله عليه وسلم، رتبهم على الترتيب الذي اختاره هو ورجحه من الكبرى إلى الصغرى، قال: وزينب رقية وفاطمة وأم كلثوم لهن خاتمة.

فابن أبي العز رضي الله عنه ورحمه يرى أن صغرى بنات النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا رأي كما قلنا لبعض علماء السير، والبعض يرى أن الصغرى هي فاطمة، إذا وزينب رقية وفاطمة وأم كلثوم لهن خاتمة، قال: طاهر الطيب وعبد الله، الطاهر الطيب من هو؟ الابن الثاني الذكر عبد الله، وقيل -لاحظوا التضعيف الإتيان بصيغة المبني للمجهول إشارة إلى ضعف القول الثاني- وقيل: إلى كل اسم لفرد زاهي، أي كل اسم يعني الطاهر اسم لفرد، والطيب اسم لفرد آخر لابن آخر، وعبد الله اسم لابن ثالث، فصار الطاهر طفل، والطيب طفل، وعبد الله طفل آخر.

ولكن هذا التقسيم يراه ابن أبي العز ضعيفا، لذلك قال: وقيل باسم لفرد زاهي، والكل في حياته، نعم جميع أبناء النبي صلى الله عليه وسلم حتى الذكور الكل مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولله عز وجل في ذلك أسرار وحكم، منها ما نص عليه العلماء حتى يعني لو كان أبناء النبي صلى الله عليه وسلم عاشوا بعده خاصة الابناء الذكور لو عاشوا بعده لاصبحت النبوة بالوراثة ولاصبح الملك بالوراثة، والله سبحانه وتعالى لا يريد ذلك، والله سبحانه وتعالى من حكمته أنه لا يريد ذلك أنه بتعرف يعني الناس لا تحتاج إلى ابتداع كما تعرفون من قصص التاريخ.

فلو كان أبناء النبي صلى الله عليه وسلم بقوا على الحياة لكان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم جعلهم الناس أنبياء وقدسوهم، إذا كان أبناء عمومة النبي صلى الله عليه وسلم كعلي بن أبي طالب والعباس وغيرهم بعض الناس قدسوهم وجعلوهم أنبياء وأهليها، فما بالكم لو بقي أبناء النبي صلى الله عليه وسلم؟ من رحمة الله سبحانه وتعالى من قضائه أنه قدر أن يموت أبناؤه عليه الصلاة والسلام في الصغر، جميع أبناء النبي صلى الله عليه وسلم وجميع بنات النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا في حياته باستثناء كما قلنا فاطمة التي بقيت بعد وفاته بستة أشهر.

قال والكل في حياته ذاق الحمام وبعده فاطمة، الحمام هو الموت، فيقول الكل ذاق الموت في حياته عليه الصلاة والسلام باستثناء فاطمة، قال: وبعده فاطمة بنصف عام، أي بعده الوحيد الذي ماتت بعده هي فاطمة، ماتت بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته بنصف عام، أي بستة أشهر.

طيب، إذن نكتفي هذا اليوم من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يزيدنا حبا وتعلقا وشوقا إلى هذا النبي العظيم، وأن يجعلنا في لقاء معه في هذه الحياة الدنيا مع سيرته وأخلاقه وشمائله، وأن نلقاه أيضا يوم القيامة، وأن نكون بجواره في جنات النعيم في مقعد صدق عند ملك مقتدر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.