الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على رسول الله. يا أهلاً وسهلاً ومرحباً. وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي.
اخذنا ثلاثة مجالس في قصة يوسف عليه السلام. عنونت للقصة بي: وقد أحسن بي، وهذا المجلس الرابع. كنا قد وصلنا إلى: ثُمَّ بَدَاهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ. كلمنا عن الابتلاءات اللي مر بيها يوسف عليه السلام، وعن الألطاف الإلهية التي حفت به. الآن ندخل إلى السجن مع يوسف عليه السلام، ولنرى نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، لنرى كيف عاش في هذه الأزقة الضيقة والغرف المحصورة المحاطة بالأسوار التي يتخللها السلاسل والقيود. كيف عاش يوسف عليه السلام في تلك الزنازين الضيقة؟
الله سبحانه وتعالى قال: ثُمَّ بَدَاهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحُدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا. خمراً المقصود هنا العنب. فقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه، نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين. اللي يلفت انتباهي في هذه الآية فعلاً هو قولهم: إنا نراك من المحسنين. المعدن الأصيل، الإنسان المعطاء، الإنسان صاحب المبادئ، صاحب المشروع، صاحب الرسالة؛ لا يتوقف لا داخل الابتلاء ولا خارجه، لا داخل السجن ولا خارجه. فهم قد عرفوا أن يوسف من المحسنين لإحسانه داخل السجن.
فالتمسوا من هذا الإحسان علامات التوفيق وعلامات الرؤية والبصر، فأتوا إليه برؤياهم وقالوا: نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين. ايش الإحسان الذي رأوه من يوسف حتى وصفوه بذلك؟ كيف قالوا له: إنا نراك من المحسنين؟ الخلق. ها، غيره؟ جيد، لذلك ألم تجد المفسرين يفسرون الإحسان هنا بأنه كان يقف مع حاجات المساجين داخل السجن؟ إذا مرض أحدهم يسهر معه، إذا احتاج أحدهم يسنده، هذا الإحسان الذي كان عليه يوسف عليه السلام داخل السجن. ولا يمنع أن يكون الإحسان أيضاً بمعناه الذاتي؛ اللي هو تحقيق الإحسان والعمل.
لأنكم تعرفون أن الإحسان على معنيين؛ إحسان ذاتي وهو الذي فيه حديث جبريل: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك. وفي الإحسان اللي هو الإحسان المتعدي إلى غيره. فهذا هنا المفسرون يذكرون الإحسان المتعدي، ولا يمنع أن يكون الإحسان الذاتي أيضاً موجوداً. يعني نستلهم من هذا أن وجود الإحسان إلى الناس سبب في قبولهم الحق الذي لديك، وسبب في إقبالهم إليك، وسبب في رواج الرسالة المحمودة التي لديك. هم لماذا التفتوا حول يوسف؟ لأنهم رأوه من المحسنين، واضح؟
رفع الرسالة الشرعية بالإحسان الاجتماعي وبالإحسان المادي هو من الأسباب والوسائل التي تخدم الرسالة الشريفة. وقد يقول قائل: إذا كانت رسالتي الشريفة فما الحاجة أن تتبعه بإحسان؟ الجواب هو أن الرسالة هذه متعلقة بنفوس بشرية، والنفوس البشرية لها مفاتيح. وكما أن الله قد أمر موسى عليه السلام أن يأخذ مفتاح القول اللين إذا ذهب إلى فرعون، فقال الله له: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا مع أنه كان يقتل الأطفال، يعذب بني إسرائيل، لكن لما كان المقام مقام دعوة؛ المفتاح البشري هنا هو القول اللين، واضح؟ بعدين تأتي مقامات أخرى. الإحسان وسيلة إيصال الرسائل الحسنة والمفيدة.
قال: لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بَالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ. وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي. هذه الآية فيها فوائد كثيرة وجميلة وعميقة جداً. من ضمنها أن تحقيق الانقياد والاخلاص والتوحيد لله سبحانه وتعالى سبب في الفتح والبركات على الإنسان. أحياناً أنت تجد إنساناً موفقاً، يعني يفتح عليه ما لا يفتح عليك. بتوقل: يا اخي هو ليش احسن مني؟ الست أقرأ ما يقرأ؟ ألم أدرس أكثر منه؟ لماذا هو لديه توفيق وبركة؟
التوفيق والبركة يا حبيبي لا تأتي دائماً بالحسابات المعرفية المادية. هنا: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بَالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ. وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وكأنه يقول: إن سبب البركة التي عندي من هذا العلم -اللي هو: لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي- إنني تركت ملة قوم.. كأنه يقول: إن هناك علاقة بين تخلصي من المعيقات وتخلصي من المشتتات وتخلصي من الصارفات عن طريق الله إلى التوحيد أو التوحد إلى طريق الله سبحانه وتعالى؛ أن ذلك من أسباب نعمة الله علي بايش؟ بهذا العلم البركة بهذا التوفيق.
نتعلم من يوسف عليه السلام بشكل واضح تماماً نسبة الفضل في العلم إلى الله سبحانه وتعالى. ذلكما مما علمني ربي، والآية اللي بعدها: ذَٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ. دائماً استحضارك فضل الله سبحانه وتعالى عليك وحمدك الله على هذا الفضل الذي أنزل عليك هو من أعظم الأسباب للمباركة فيما لديك، وللزيادة فيما ليس عندك، واضح؟ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ. الله سبحانه وتعالى يثني على أنبيائه بأنهم شاكرون. كما قال سبحانه وتعالى: كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ. سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا.
هنا ذلكما مما علمني ربي النتيجة هي أن يعلمه الله المزيد. ذَٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ النتيجة مزيد فضل من الله سبحانه وتعالى علينا، وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ. يا صاحبي السجن، الآن بدأ بالتعبير. هم جاو ليش؟ لتعبير الرؤيا صح؟ طيب: أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؟ وين التعبير؟
طبعا أسألكم سؤال: أيهما أنفع لهما؟ الحاجة التي أتيا لأجلها التي هي التعبير، أم الكلام الذي أعطاهما يوسف عليه السلام قبل التعبير؟ إذاً الداعية الموفق المصلح المسدد هو الذي -واحفظوا هذه- المصلح الموفق المسدد هو الذي يعطي الناس ما يحتاجون لا ما يريدون، هو الذي يعطي الناس ما يحتاجون لا ما يريدون. طيب، يعني يعطي الناس ما يحتاجون ويمنعهم ما يريدون؟ لا، المقصود أنه يعطيهم ما يحتاج مما يراه هو ويبصره في احتياجاتهم مما لا يرونه، ثم بعد ذلك يعطيهم ما يريدون لا بأس.
لكن الفكرة إذا قارنا بين هذه وهذه في التحديد، هو ما يحتاجه هما، لم يَقُلا ليوسف عليه السلام: أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ ولم يسألاه: ماذا تعبد وماذا نعبد؟ صح، وما سألاه: يا يوسف إنا نراك من المحسنين، عندنا رؤيا نرجو منك أن تعبرها. لكن لأن يوسف نبي ولانه مصلح يريد صلاح الناس؛ فهو يدرك أن إرشادهما إلى ما هو أعظم من تعبير رؤياهما أنفع لهما مما جاء لأجله. أعطاهما ما يحتاجان، ثم أعطاهما ما يريدان. فقال: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. صعب تعلق على هذا الأسلوب الجميل، وعلى هذه اللغة الحانية، وعلى هذا الأسلوب المقنع؛ اجتمع جمع فيه بين المنطق العقلي والأسلوب التقسيمي الجيد وبين اللغة الحانية.
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؟ هذا أم هذا؟ ثم أخذ يبطل لهم الخيار السيئ، وإذا أبطَلَ الخيار السيئ فإن الخيار الصحيح يزداد تألقاً، أليس كذلك؟ ولذلك من أهم الوسائل في تثبيت الإيمان هي إظهار شناعة الكفر. ألم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب حلاوة الإيمان أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار؟ بكرة نقذف في النار صح؟ واللي قبلها ايش؟ الأولى ايش؟ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. لاحظوا الثنتين؛ أحب هذا وأكره هذا، مو فقط أحب هذا، واضح؟
طب كراهيتي للكفر فرع عن حبي لله؟ لا، فرع ماشي. هو فرع عن حبه لله. بس هنا بالسياق العام اللي أتكلم فيه؛ فرع عن معرفتي بقبحه، واضح، ومعرفته بقبحه فرع عن معرفته بالله سبحانه وتعالى. الشاهد؛ يوسف عليه السلام هنا بدأ يقبح الكفر؛ لأن تقبيحه للكفر وتشنيعه له سيزيد من الخيار الآخر تألقاً. ثم قال: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا. اختيار الظرف المناسب للدعوة؛ النفوس متشوقة، ينتظرون منه التعبير، يريدون منه كلمة. قبل ما يعطيهم الكلمة التي يريدون، أعطاهم الكلمة التي يحتاجون. النفوس جاهزة مستعدة، قبلوها بكل وضوح، أعطاهم ما يريدون: أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا -اللي هو الملك- وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ. نقطة.
ثم هنا اتخاذ الأسباب وإن كان نبياً: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ليش؟ لعل وعسى أن يكون في هذا الذكر سبباً للخروج من السجن. وفي ذلك أن الطلب من الناس فيما فيه سبب دنيوي واضح، يعني يوافق السنن الإلهية، وليس فيه إشكال، أنه لا حرج فيه ولا ينافي كمال التوكل. فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ أي أنسى الشيطان الفتى الذي خرج من السجن، أنساه ذكر ربه اللي هو لذكر الملك. فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. يا الله على فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. شيء صعب، شيء صعب، والسبب مين؟ الشيطان.
مكيدة شيطانية أنسى بها الشيطان وذاك الرجل أن يذكر يوسف عند ربه، لبث يوسف في السجن بضع سنين. وهذا من جملة مكائد الشيطان للصالحين. ومن لا ينتبه من المصلحين لدور الشيطان في تعطيل الرسالة، وفي تشتيت الإنسان، وفي إرادة الكيد له، حتى كيد الذي يصل إلى الأمور الحسية. الآن هذا الكيد وصل لأمر الحسي ولا لا؟ وإن شاء.. يعني أنساه، فكانت النتيجة فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. طبعا هناك من يقول إنه في: فأنساها الشيطان ذكر ربه أي أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه، ولكن السياق يدل على الآخر، لأنه الآيات اللي بعدها ايش؟ وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة. ها واضح السياق أن الله سبحانه وتعالى قال: فأنساه، ثم قال: وادكر. والذكر واضح.. يعني واضح أن السياق حتى الآية نفسها: اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، ربك رب.. ربه اللي هو نفسه اللي هو الملك، واضح.
وما أشد خسارة من يغفل عن مكايد الشيطان ودوره في تضليل الإنسان.. عفواً، في الكيد للصالحين والمصلحين وإذاهم. فمن أوجب أو من أهم ما يحتاجه الإنسان المصلح هو دوام الاعتصام بالله سبحانه وتعالى، ودوام الاحتراز من الشيطان وكيده وإذاه.
ثم إن شاء الله في الجلسة القادمة نأخذ رؤيا الملك وما يتعلق بها من أحداث. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد