الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، الحمد لله ربنا كما يحب ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. بسم الله، نستعين بالله، نتوكل عليه، نستهدي به، ونأخذ مجلسا جديدا مختصرا صغيرا في سلسلة زاد المصلحين. كنا قد أخذنا الحديث عن الإخلاص واليقين والدعاء والتوكل، واليوم الحديث عن الذكر؛ باعتبار أن الذكر من أهم ما يُعد زادا للمصلحين. وذكر الله سبحانه وتعالى قد جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى ارتباطا بينه وبين طريق الأنبياء. ولو تتذكرون قلنا إنه زاد المصلحين، أول ما تفكر في زاد المصلحين تفكر فيما جاء عن الأنبياء في كتاب الله في شأن الإصلاح.
فأنتم تعلمون أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر بعثة موسى وهارون، أوصاه سبحانه وتعالى وصية مباشرة وأمره أمرا مباشرا فقال: وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي. إيش الآية اللي قبلها؟ قبلها: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى. ولا، قبلها: وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي. إيش؟ لِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي. هذا لاحظ الآن وصية من الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون أن يذهبا بآيات الله إلى فرعون فيبلغا الرسالة ويقيما الدين وينصرا المستضعفين، ثم تكون الوصية المباشرة هي: وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي. ولا تنيا في ذكري؛ لا تفترا ولا تنقطعا عن ذكري. معناه أنه هناك علاقة بين المسلم أو المصلح في رسالته وطريقه وبين ذكر الله سبحانه وتعالى الذي يُعد زادا له في هذا الطريق.
ومن الأدلة كذلك في ارتباط الذكر بالزاد، أو في ارتباط الذكر بالإصلاح وبحاجة المصلح، قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. الآن هذا في أي سياق؟ سياق الجهاد في سبيل الله. يعني لاحظ، إنه شوف النظرة المادية كيف تختلف حتى أحيانا نظرة الغفلة، وإن كانت من مسلمين، أنه ما الحاجة؟ أين تمس الحاجة؟ أو ما هي الحاجة بالنسبة للمجاهد في سبيل الله في قضية الزاد في قضية قد ما يصل الإنسان لنتيجة الذكر؟ لا، الله سبحانه وتعالى يأمر أمرا مباشرا فيقول: إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. معنى ذلك أن المصلح والمجاهد والحامل لدين الله يحتاج أن يذكر الله سبحانه وتعالى كثيرا.
من أيضا الآيات التي تحتاج إلى تأمل في هذا السياق، هو أن الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة الأحزاب القتال مع المشركين الحصار وذكر المنافقين وأحوالهم، ثم قال سبحانه وتعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. والأسوة هنا بالنبي صلى الله عليه وسلم هي أسوة وإن كانت الآية عامة تشمل الأسوة في مختلف الأبواب، إلا أن من أولى ما يدخل فيها التأسي به في ثباته صلى الله عليه وسلم أمام الأعداء وفي يقينه بوعد الله سبحانه وتعالى. لكن من الذي يستطيع أن يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم أسوة؟ ومن الذي يستطيع يستفيد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ هو من ايش؟ من كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. فهذا أيضا من الجوانب الكاشفة لكون الذكر زادا للمصلحين وللعاملين لدين الله سبحانه وتعالى ولمعتبرين.
طيب الآن، الذكر من شرفه ومكانته في الإسلام أنه ليس هو مجرد مقدمة، كيف ليس مجرد مقدمة؟ يعني وليس مجرد وسيلة. يعني هو مقدمة ووسيلة وغاية. بمعنى، مع أنه ترى ليس الذكر مثلا هو مجرد وسيلة لطرد الغفلة فيكون شرفه لأنه تطرد به الغفلة، وليس شرف الذكر لأنه فقط يتحصن به من الشياطين، وإن كان يتحصن به من الشياطين، وليس فضل الذكر فقط لأنه مثلا جاء فيه نص معين في فضل الأذكار أو في فضل ذكر معين، وإن كان كذلك، وليس الذكر فقط لأنه سبب لنزول الملائكة وحضورها لمجالس الذكر، وإن كان كذلك، وإنما هو كما أنه مقدمات وكما أنه وسائل وكما أنه أسباب فهو غاية. يعني بعكس ذلك، يعمل الإنسان الأعمال الكثيرة الصالحة لتكون الغاية هي ذكر الله من هذه الأعمال. وأستحضر في هذا نصين، واحد من كتاب الله وواحد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ثلاثة نصوص، نصان من كتاب الله وواحد من السنة، يبين فيها أن الذكر غاية وليس وسيلة، وأنه نتيجة وليس فقط مقدمة، وإن كان أيضا يكون مقدمة وسببا. مين يستحضر شيئا من الآيات؟ نعم، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. واقم الصلاة لذكري؛ يعني بعض المفسرين قال: وأقم الصلاة لتذكرني فيها، هذه الغاية الآن الصلاة.
ومن الآيات كذلك التي قد يعني يفهم منها الأمر كذلك هو قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر. إيش معنى ولذكر الله أكبر؟ من العلماء من قال إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر هذه نتيجة، ها؟ ولما فيها من ذكر الله أكبر من كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر. يعني ولذكر الله أعظم وأكبر شأنا في الصلاة من الفائدة الأخرى والثمرة الأخرى من الصلاة التي هي أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. وهذا، هذه نصوص يعني تجعل تموضع الذكر بالنسبة للمؤمن تموضعا مختلفا؛ يعني الموضع موضع الذكر هنا لا يصبح أنه سبب لتحصيل الأجر فقط، وإنما يصبح هو أصلا مقصدا من مقاصد التعبد في الإسلام.
ومن السنة، وهو حديث مشهور في السنن قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله. تخيل! يعني أن تكون غاية وثمرة ومقصدا من مقاصد تشريع هذه العبادات أن يذكر الله سبحانه وتعالى. ممكن يعني تحتاج بس تأمل شوية، لكن هذه الآن النصوص واضحة في كونها يعني من الغايات ومن الثمرات الكبيرة جدا. فشاهد أنه ينبغي على المؤمن والمصلح أن لا يتعامل مع الذكر كما يتعامل مع يعني خلينا نقول مثلا سائر السنن، سائر... لا، الذكر وإن كان مستحبا وإن كان سنة، إلا أن شأنه في الإسلام عظيم جدا.
طيب، احنا نقول الذكر زاد للمصلحين، أو الذكر باعتباره زاد للمصلحين، في عدة اعتبارات في النظر إلى كون الذكر زادا. أولا بالاعتبار الذاتي، الذكر زاد للمصلح للوقاية من قواطع الطريق، وخاصة من الشياطين، لأن من أعظم من يتدخل في طريق المصلح هو الشيطان، ومن أعظم من يسعى لصد المصلح عن طريقه هو الشيطان. ومن يستحضر دليلا؟ من يستحضر دليلا من السنة على أن من أعظم ما يصد المصلح عن طريقه في الإصلاح تحديدا الشيطان؟ طيب، اسمعوا هذا الحديث، اسمعوا هذا الحديث، لا أدري ربما ربما لم يمر على البعض، وهو في سنن النسائي، هو حديث عظيم يبين كيف أنه الشيطان هو من مقاصده قطع طريق الإصلاح بالنسبة للمؤمن. جيد، أنا الآن ما أتكلم عن مجرد الغفلة، أنا أتكلم عن كيف يقطع عليه طريق الإصلاح. طيب، اسمعوا هذا الحديث عن سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك وسمائك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتُقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال؟ فعصاه فجاهد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن فعل ذلك كان حقا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، ومن قُتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة. والشاهد كيف أن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، كل طريق، الشيطان يقعد لابن آدم في هذا الطريق، وهنا النص على الطريق يعني ما نسميه اليوم الطريق الإصلاحي، اللي هو طريق الهجرة، طريق الجهاد في سبيل الله، وكيف أن الشيطان من شؤونه ومن عمله أنه هو يقطع طريق الإنسان المؤمن ويقطع طريق الإنسان المصلح.
طيب، إيش الدليل على أن الذكر يحصن الإنسان من الشيطان وبالتالي يكون زادا بالاعتبار الذاتي، باعتبار حصانة نفسه وقلبه؟ إيش الدليل؟ وأما أن ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله. جيد، بس أنا أبغى دليلا أوضح من ناحية الذكر له، "وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك"، أحسنت، هذا في لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، مائة مرة، إذا هذا في الفضل الخاص، لا نريد في الخاص، نريد في العام. كيف أن: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا، لا غير ذلك، أحسنت أحسنت. وصية زكريا عليه السلام، وفيها عفوا وصية يحيى من زكريا وفيها لما جمع الناس في بيت المقدس، فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن، وذكر الخمس كلمات، ومنها واسمعوا جيدا كيف الذكر الوقاية، قال: وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا، حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله. هذا ليس فيه أن الذكر فيه فائدة حرز، لا، أنه لا يحرز الشيطان نفسه، عفوا، لا يحرز الإنسان نفسه من الشيطان إلا بذكر الله. إذا الخلاصة الآن أنه الذكر يكون زادا للمصلح في ذاته؛ باعتبار أن الشيطان يقطع طريقه، يشوش عليه، يدخل له في نيته، فكي يحصن الإنسان نفسه، كي يحصن المصلح نفسه وهو في طريقه، ألا يلبس عليه الشيطان، ألا يدخل الشيطان عليه بعض النيات الفاسدة، فذكر الله سبحانه وتعالى هي الوسيلة الأساسية لتحرز النفس من الشيطان.
هذا الآن باعتبار الأمر الذاتي. باعتبار الأمر المتعدي، احنا قلنا أنه ترى من أعظم ما يستعان به على مواجهة المجرمين، من أعظم ما يستعان به على لأواء الطريق، من أعظم ما يستعان به على الجهاد في سبيل الله، الذكر لله سبحانه وتعالى، بدليل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. ترى يا جماعة الخير هنا قد يعني المقصد الأساسي، والله أعلم، من هذه الآية هل هو طرد الغفلة أم الاستعانة؟ الاستعانة، ليس كذلك؟ يعني هو موطن... يعني هو موطن اشتباك، موطن قتال، فوالله أعلم المقصد الأعظم من الأمر بالذكر هنا هو تحقيق الاستعانة، تحقيق الاستعانة بالله سبحانه وتعالى. ومن هنا قد يدخل الذكر في إياك نستعين، ها؟ قد يدخل الذكر في إياك نستعين حين يكون بنية الإنسان آتيا في سياق التخلص من الأعباء والاستعانة بالله على لأواء الطريق. يعني الآن ما الذي يدخل في إياك نستعين؟ يدخل فيها التوكل تمام، يدخل فيها الدعاء، لا، الإخلاص في إياك نعبد، يدخل فيها الدعاء، إذا دعوت الله بأن يعينك على طريق كذا قد يدخل الذكر أو بعض الذكر في إياك نستعين بهذا الاعتبار، خاصة بعض الأذكار التي أتت في سياق الاستعانة مثل قول ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. الآن حسبنا الله ونعم الوكيل، ذكر؟ أليس كذلك؟ وأصل التوكل أصله ايش؟ عمل قلبي، وهذا الذكر معبر عما في هذا العمل القلبي. إذا هذا الذكر هو مما من جملة ما يدخل في الاستعانة، ومن جملة ما يرتبط بالتوكل، لأنه يا جماعة الذكر هو جنة واسعة، ترى ترتبط بالاستعانة، ترتبط بالإخلاص، ترتبط بالتسبيح، ترتبط بالتنزيه، ترتبط بالتعظيم، ترتبط بالذكر، يدخل في شعب الإيمان المختلفة.
طيب، إذا يحتاج المصلح إلى الذكر باعتباره ايش؟ أول شيء باعتباره زادا ذاتيا وحاميا ذاتيا. طيب، ويدخل الذكر في زاد المصلح باعتباره أيضا سببا لإتمام الطريق، سببا لمقاومة الأعداء، سببا للثبات أمام الشدائد ولأواء. جيد، اسمعوا يا جماعة الخير، ومن هنا قد يبارك الله في أوقات معينة لأشخاص معينين بأذكار معينة، فيتضاعف أثرها في الاستعانة وأثرها في النصر، إلى درجة أنه سياتي يوم في آخر الزمان ستسقط مدينة من مدن الكفار كاملة بالذكر فقط، كما ثبت في الصحيح، صح ولا لا؟ حديث سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق، ها، فيقولون: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الذي في البر، ثم يقولون: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الذي في البحر. يعني شوف أنه ترى قد يصل الذكر أحيانا إلى هذا المعنى. طيب إبراهيم أُلقي في النار عليه السلام، ماذا قال؟ حسبنا الله ونعم الوكيل. هذا الذكر كان هو العاصم من شر الأعداء. ثم تأتي مواقف العلماء ومواقف الصالحين على مر التاريخ، تجد فيها تحقيق هذا المعنى بصورة واضحة، مثلا ابن تيمية يأتيك يقول لك يجلس بعد الفجر يذكر الله سبحانه وتعالى.
شوف الآن هو يذكر الله سبحانه وتعالى لي نفس الشيء؛ ليس لمجرد طرد الغفلة، ليس لمجرد تحصيل الأجور، وإنما بالضبط يذكر الله، هذا الذكر لكون هذا الذكر زاداً. لكون هذا الذكر زاداً، وكان يقول لتلميذه -يعني القيم يقول- هذا: هذه غدوتي، إن لم أتغدى خارت قواي، خارت قواي. طيب، طيب إذا رجعنا لمثلاً حديث علي وفاطمة، نريد خادماً، يأتي: ألا أدلكم على ما هو خير لكم من خادم؟ ها، ثم التسبيح 33، الحمد 33، التكبير 34. طيب، هل هذا خير من خادم من جهة أنه هذا شيء دنيوي وهذا شيء أخروي، ولا أنه له تأثير حتى في الاستعانة؟ أي إذا بعض العلماء لما يتكلم عن هذا الحديث يقول لك: لا ترى هذا الحديث وهذا الذكر تحديداً ترى مما يستعان به على الأعباء، مما يستعان به على الأعمال، مما يستعان به. فدلالة النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الذكر لم تكن لمجرد، يعني لم تكن لمجرد أنه هذه ترى أمر دنيوي وهذا الذكر أخروي فيقدم الأخروي على الدنيوي، لا، أنه هذا حتى له أثر ترى في.
طيب، الشاهد إحنا قلنا الآن ذكرناه إلى الآن باختصار، قلنا أول شيء أن الذكر ذكر في طريق الأنبياء، وإحنا أي مرة نتكلم عن زاد المصلحين لازم نذكر طريق الأنبياء باعتبار هم سادة المصلحين، ذكر في طريق الأنبياء في قصة موسى: وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، وأيضاً: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا. هذا واحد. اثنين، ذكرنا أنه من شرف الذكر وشأنه أنه ليس مجرد وسيلة لتحقيق الدرجات العليا والأجور، وإنما هو غاية تترتب على الأعمال الصالحة. هذا اثنين. ثلاثة، قلنا يتزود من الذكر باعتبار التحصين الذاتي، وباعتبار الاستعانة بالله سبحانه وتعالى على العمل، والاستعانة بالله سبحانه وتعالى على الأداء ومواجهة الشدائد واللأواء.
ويا أحبتي الكرام، هناك فرق هائل وكبير وعظيم وواسع، ومساحة شاسعة جداً بين مصلح يذكر الله ليلاً ونهاراً، ويستعين على أعماله الدعوية وأعماله الإصلاحية بكثرة ذكر الله، وبين مصلح يغفل عن هذا الاستمداد، فرق كبير جداً جداً جداً. وذلك يا جماعة الخير يعني ما أدري أنا أشعر أن الذكر هذا وكأنه وكأنه هدية من رب العالمين لهؤلاء الناس، لهذه البشر، لعباده المؤمنين، لعباده الذين يحبهم، كأنه هدية من رب العالمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم حتى نصاً قال: خفيفتان، فعلاً هي خفيفة، أسهل عبادة يمكن أو من أسهل العبادات الذكر، لكن في نفس الوقت مقدار ما أعد الله سبحانه وتعالى لهذا الذكر من الفضل، ولهذا الذكر من الثواب، ولهذا الذكر من الأثر في المعونة، من الأثر في القوة، ها أمر عجيب، أمر عجيب. ولذلك قد ترى من الخارج مؤمناً أو مصلحاً أو داعية أو مجاهداً في سبيل الله تتعجب من ثباته، تتعجب من قوته، تتعجب من استمراره، وربما إذا فتشت في السر قد يكون من أهم الأسرار هو كثرة ذكر الله سبحانه وتعالى.
على أنني هنا أنتقل إلى قضية مهمة جداً جداً جداً، وهي أنه كما أن هناك فرقاً هائل وشاسع بين من يستعين على طريقه الإصلاح بالذكر وبين من لا يستعين، فإن هناك فرقاً شاسعاً، ها شاسعاً بين من تكون استعانته بالله في هذا الذكر محققة تحقيقاً قلبياً، يتواطأ فيه القلب واللسان. يعني يبدأ الإنسان يدخل في دائرة العجز عن عن عن البيان في إثبات حقيقة الفرق، أو في إثبات عظم الفرق بين من يذكر الله سبحانه وتعالى ذكراً يواطئ فيه القلب اللسان، وبين من يذكر الله سبحانه وتعالى ذكراً بلسانه. طيب إحنا ما نقول لا يجوز ولا ينبغي أن يذكر الإنسان الله سبحانه وتعالى أبداً إلا إذا واطأ القلب اللسان، لا، ولكن نقول ترى هناك فرق كبير وهائل وعظيم، ها حتى يثبته تثبته تجربة، تجربة العباد، تجربة الصالحين، تجربة العلماء الذين يذكرون الله سبحانه وتعالى بقلوبهم ثم يكتبون مثل هذا المعنى، حتى ابن القيم له بعض الكتابات في هذا المعنى، هناك فرق هائل وكبير وشاسع بين الأمرين. ولاجل ذلك نقول المصلح يحتاج إلى مسارين في الذكر، يحتاج إلى مسار الذكر، خلنا نقول الذي هو قد يكون مستعجلاً فيه أحياناً، قد يكون يعني يعني أشبه ما يكون بالإنقاذ لقلبه، وفي بعض الأحيان يحتاج المصلح إلى أن يذكر الله ذكراً، ها شوف ورجل -إيش في السبعة- ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، وأنت تعلم أن الدمع هذا الذي ينزل، وبعدين ترى فاضت عيناه، يعني فاضت عيناه، شوف الله أعلم التحقيق اللغوي يحتاج يعني غوص معين، لكن أنا ألتمس من كلمة ففاضت عيناه، وَتَفِيضُ أَعْيُنُهُم، ألتمس أنها تعبر عن حالة امتلاء معين، امتلاء معين، فيفيض، عارف يفيض الدمع، أنه كأنه أنا من أكثر الآيات سبحان الله التي يعني أقف عندها في هذا المعنى قوله سبحانه وتعالى: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يعني أنا أذكر وقفت مع هذه وقفة في غيث الساري ما أدري أحد يتذكرها ولا لا، خاصة مما عرفوا من الحق، يعني يعني شوف أن تتذكر عظمة الله مثلاً ممكن تفيض عيناك، أو أن تتذكر الجنة والنار، بس أن تعرف الحق فتفيض عيناك، يعني في في أحياناً دهشة للحق، والإدراك إدراك عظمة هذا الإسلام والدين، ها تفيض عين.
فإحنا رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، أنا أظن والله أعلم أنه فاضت عيناه هذا ذكر الله خالياً أنه هو امتلا قلبه بالمعنى، ها امتلأت نفسه بالخشية، امتلأت حياءً يعني امتلأ كيانه بالتذكر والاستحضار، ها فجاءت الدموع هي يعني هي ليست بداية، هي خلاص نهاية، بعد أن فاض فاضت عيناه بعد أن فاض بالمعنى والامتلاء والخشية فاضت عيناه بالدمع. لكن لاحظ إيش سببها، إيش سببها ذكر الله خالياً، ذكر الله خالياً. وأنتم تعرفون أنه ذكر الله خالياً وفاضت عيناه هذه هاتان الجملتان لا شك أنهما لا يستقيم معها الذكر الذي يكون من طرف اللسان دون حضور القلب، أكيد، فلا بد أن يجتمع في هذا الذكر الحضور. الخلوة هي ميدان من ميادين مواطأة القلب اللسان، ولذلك إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا. ناشئة الليل لها سمات، جيد، لها سمات في حضور قلبي معين، تعرف كثير من العلماء يقول ناشئة الليل لا بد أن يكون فيها استيقاظ بعد نوم، ها والليل نفسه له سر أصلاً في قضية السكون، في قضية الانفراد، في قضية ها الناس نائمة، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، وسكون الليل والنجوم وكذا، ثم يستيقظ الإنسان فيذكر الله سبحانه وتعالى، ما يمكن أن يقع في القلب في ذلك المقام يختلف كثيراً عما يقع في القلب إذا كان الذكر من طرف اللسان.
لذلك يا أحبتي الكرام نقول إن المصلح يحتاج إلى ساعات خلوة وإلى أوقات ينفرد فيها بنفسه، ماذا يعمل؟ يذكر الله، يذكر الله. ترى كون الإنسان ينفرد ثم هكذا بس، ها سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. مثل هذه الأذكار أن يقولها الإنسان منفرداً متأملاً، ها يعني وتنطبع الحقائق المعرفية داخل القلب وهو يقول هذا الذكر بلسانه، هنا يحدث للذكر أثر في الزاد للمصلح وللمؤمن لا يحدث بمجرد القول باللسان.
طيب، مما يعين على تحقيق هذا الاستحضار، على تحقيق هذا هذه الثمرة، وهذ يعني خلنا نقول أن يفيض تفيض النفس بالمعنى فيفيض الدمع نتيجة لذلك، وأن يكون القلب يواطئ فيه أو يكون الذكر يواطئ القلب فيه اللسان، مما يعين على ذلك: أن يوسع الإنسان من دائرة المعنى في الذكر الواحد، أن يوسع الإنسان من دائرة الاستحضار في الذكر الواحد؛ لأنه كما تعلمون الذكر الواحد قد يقال بعدة اعتبارات، فالحمد لله قد تقال لمجرد إيش جيد مجرد الشكر على نعمة، صح ولا لا؟ وتعرف أكلت الأكلة فتقول الحمد لله. وقد يقال الحمد ويراد به الثناء على الله لا لنعمة معينة رزقت بها، وإنما لأنه يستحق هذا الحمد والثناء لكماله سبحانه وتعالى، الآن هذا باب وهذا باب، صح ولا لا؟ أن تراوح في الاستحضار بين استحضار النعمة تارة واستحضار الكمال تارة، إيش اللي تغير في الذكر في اللسان؟ ما تغير شيء، ما تغير شيء، الحمد لله هو نفسه الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، لكن القلب إذا كان تارة يستحضر النعمة وتارة يستحضر العظمة والكمال، فهذا يجعل فهذا يجعل مواطأة القلب للسان أعلى.
وتعرف مشهور عند الفقهاء بعض العلماء يذكر أنه ترى من الأمور التي تعين على التذكر في الصلاة أنك تنوع الأذكار الواردة في الموضع الواحد، مرة تقول هذا ومرة تقول. طيب أدعية الاستفتاح عندك أدعية، إذا كل مرة تقول نفس الدعاء أحياناً يسبق لسانك فتقولها، لكن إذا كل مرة أنت تصلي وتقرر أنك تختار واحد من الأدعية هذا أدعى للاستحضار، واضح؟ وكذلك الرفع من الركوع، لا شوف الآن هذا في تنويع الذكر اللفظي ليكون سبباً لايش للاستحضار القلبي. هذه اللي إحنا نقولها بالعكس التنويع في الاستحضار القلبي مع توحد اللفظ، الحمد لله تارة هنا وتارة هنا. سبحان الله تأتي أيضاً على معنيين أو على اعتبارين، تنزيه وتعظيم، تارة يلاحظ الإنسان أن تنزه الله سبحانه وتعالى عن النقص، وطبعاً يستطيع أن يغوص أكثر، قد يستحضر مثلاً لأنه يأتي في القرآن أحياناً تاتي بعد مقولة شيء من المشركين تاتي، وأحياناً يقول سبحان الله لا لتنزيه الله لا لأنه يستحضر التنزه عن النقص أو التنزيه عن النقص، وإنما لأنه يستحضر العظمة والكمال، وتعرف سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا، ها سبحان، إيش يعني؟ تعظيم، ليست ليست متعلقة بالتنزيه. وفي نفس السورة في سورة الإسراء أتت سبحانه بمعنى التنزيه: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، واضح تماماً أنه هي هذه الآن تنزيه عن إيه، ف طيب مثلاً لا إله إلا الله، إيش ممكن يستحضر فيها من معاني قلبية؟ لا إله إلا الله يمكن يستحضر فيها أشياء كثيرة، وأنا برأيي يعني في كلمتين في إله منفية وفي الله مثبتة. لا إله خاصة في بعض المقامات التي فيها مصادمات بين الحق والباطل والمؤمنين والمشركين ترى أحياناً يقع في لا إله مما تدعون، مما تزعمون، مما تعبدون، مما تدورون حوله، مما تعظمونه، يعني يستحضر فيه مثل هذا ترى كلها وقع في النفي في النفي كلها وقع، ها في بعض الأمثلة، لكن عموماً إلا الله، الله سبحانه وتعالى يعني أيضاً ترى ممكن تكون كلمة الله بوابة لاستحضار مجموعة من الأسماء والصفات، لا إله إلا الله، وتعرفوا هي لا إله إلا الله في القرآن تأتي مع أسماء وصفات صح ولا لا؟ وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ، شوف جاءت مع الرحمن الرحيم، وفي آل عمران: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، واضح فهذا أيضاً باب.
لا حول ولا قوة إلا بالله، ها ممكن تستحضر فيها الضعف الذاتي، يعني لا حول لي أنا ولا قوة لي إلا بالله، وهذا استحضار الذاتي، قد تستحضر فيه المعنى الحالي المعين، ها يعني مثلاً عندك مهمة أو شغلة أو عمل إصلاحي ودعوي الآن يحتاج الاستعانة، الآن بتقول لا حول ولا قوة إلا بالله وقصدك أنه يا ربي لا حول لي ولا قوة في تحقيق هذا الأمر الذي أنا ذاهب إليه الآن إلا بك، جيد. وقد يكون لا حول ولا قوة إلا بالله يعني يا ربي لا حول لي ولا قوة إلا بالله إلا بك في كل شيء، أنا أقول ما يقع في القلب، ليس لا أتكلم عن دلالة اللفظ، وقد يكون ما يقع في القلب لا حول ولا قوة إلا بالله أكبر وأوسع من دائرة الذات، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول لأحد في هذا الوجود ولا قوة له إلا بالله، هذه تارة أوسع من مجرد استحضار عارف دائرة النفس أنه لا حول لي أنا ولا قوة، لا لا أنا كل شيء، لا حول ولا قوة إلا بالله. فاهمين التراوح في المعاني وتوسعتها مع أن اللفظ واحد، اللفظ واحد لكن أنت جالس تبحر في سماءات، ها مرة تروح لنفي الحول والقوة عن البشر، مرة تروح نفي الحول والقوة عنك أنت، ومرة عنك أنت بشكل عام، مرة عنك أنت بشكل خاص في مهمة. وهنا تجي أنه أصلاً الذكر ترى قد يتناسب مع أحوال وقد يأتي مطلقاً، فحسبنا الله ونعم الوكيل حين قال إبراهيم ترى حسبنا الله ونعم الوكيل في هذه النار، وفي هؤلاء الذي هذه النار التي هو متوجه إليها، ها وحسبنا الله ونعم الوكيل التي قالها الصحابة بعد أحد ترى حسبنا الله ونعم الوكيل فيما جاءهم من خبر عن المشركين الذين سيعودون إليهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل قد يقولها الإنسان بشكل عام، حسبنا الله ونعم الوكيل في كل الأحوال وفي كل وفي جميع الظروف.
ومن هنا تأتي يعني هذه الساعة كيف أنها تكون سبباً عظيماً لسعة القلب وانشراح النفس وتعدد المعاني، وسبحان الله من هنا من هنا أقصد يدخل الإنسان في السماء الواسعة، يدخل الإنسان في البحر الواسع من العبادة، من النور، ها من من الجنة الدنيا. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من.
الذاكرين، وأن يجعلنا من الشاكرين، وأن يجعلنا من المنيبين، وأن يجعلنا من المتقين.
ولا يستغني المصلح في أي حال من أحواله عن كثرة ذكر ربه، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا كذلك.
أكتفي بهذا القدر والكلام في الذكر كثير، لكن أكتفي بهذا القدر، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المقبولين عنده، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد