تسجيل الدخول

زاد المصلحين 04 | الدعاء

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد، أستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس سلسلة زاد المصلحين. وكان الحديث في اللقاء الماضي عن التوكل، ودخلنا إلى التوكل من قوله سبحانه: إياك نعبد وإياك نستعين، وقلنا إياك نعبد كانت متعلقة بأي شعبة من الزاد؟ الإخلاص، وإياك نستعين التوكل.

طيب، اليوم سأذكر أيضا ما يدخل تحت إياك نستعين، شيء من الزاد مما يدخل تحت إياك نستعين، وهو الدعاء. الدعاء باعتباره زادا للمصلح. طيب، إحنا الآن أي مرة نتكلم عن زاد المصلحين، نتذكر مقدمة هذه السلسلة لما تكلمنا عن أنه عن طريق الأنبياء، وأنه هذا الطريق الذي نتطلب الزاد له هو الطريق الذي سلكه قبلنا الأنبياء، وأن العين يجب أن توضع دائما في الطريق على ما الذي كان يتزود به الأنبياء في طريقهم هذا لتتزود كمثلهم. ولا شك أن الدعاء من أعظم الزاد الذي كان يتزود به الأنبياء لطريقهم.

وإذا تأملنا ما جاء في القرآن الكريم عن أدعية الأنبياء، سنجد أنها محطة مهمة ينبغي أن يتوقف المصلح عندها. وأدعية الأنبياء التي ذكرها الله في كتابه العزيز هي أدعية يعني مختلفة المتعلقات؛ منها أدعية متعلقة بجانب العبودية وحمد الله والثناء عليه، وما يتعلق بالجانب الديني المحض في العبادة. والقسم الثاني من الأدعية، أو المتعلق الثاني من الأدعية، هو الأدعية التي أشبه ما تكون بالاستغاثة، الأدعية المتعلقة بإزالة بعض العوائق، الأدعية المتعلقة بما إلى ذلك مما هو في أثناء الطريق، سواء في عوائق ذاتية في الجسد مثلا، أو عوائق من الأعداء. فمن يتأمل في سير الأنبياء وفيما ذكره الله عنهم في القرآن، ثم يتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، يخرج بنتيجة واضحة تماما، ألا وهي أن الدعاء من أعظم الزاد للمصلحين، أن الدعاء من أعظم الزاد للمصلحين.

تذكرون في أول درس لما قلنا الزاد على نوعين: مؤقت ودائم، وقلنا كذلك على نوعين في بدايات الطريق ومستمر. طيب، هل الدعاء هو من المواضع التي أكثر ما تأتي في بداية الطريق أم في أثنائه، أم في كليهما؟ في كليهما. ومن الأمثلة على أدعية الأنبياء في بداية الطريق ما جاء عن موسى عليه السلام في سورة طه، إذ كان أول ما قاله بعد أن علمه الله وبين له ثم قال له: اذهب إلى فرعون إنه طغى، أول شيء قاله هو الدعاء، أو أول شيء عمله هو الدعاء، قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، هذا فيما يتعلق بالأمر الداخلي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، هذا فيما يتعلق بإيش بالأمر الخارجي العوائق تسهيل الأمور، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، إلى آخر الآيات. فهذا في بداية الطريق وأوله.

ومن الأمثلة في كتاب الله سبحانه وتعالى على أدعية الأنبياء التي تأتي أثناء الطريق أو حتى في خواتيمه، أدعية كثيرة، منها استنصار نوح عليه السلام بربه بأن ينصره على القوم الكافرين، كما في سورة الأنبياء: وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وهذه الدعوة بينها الله سبحانه وتعالى في سورة القمر، فقال: بدايه قصة نوح في سورة القمر: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا. متى دعا هذه الدعوة؟ دعاها في ختام الطريق بعد مسيرة طويلة من الدعوة.

ومن الأمثلة اللافتة كذلك، طبعا سورة الأنبياء هي السورة من أهم السور التي تجمع أدعية الأنبياء، واللافت للانتباه في سورة الأنبياء وفي أدعية الأنبياء فيها تكرر بعض الألفاظ، اللي هو في البداية لفظ نادى، نادى، فنجد قوله سبحانه وتعالى: وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ، ونجد قوله سبحانه وتعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ، ونجد في يونس عليه السلام: وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ، وزكريا: إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا. لاحظ نادى، نادى، نادى، وهذه يعني قد تحمل شيئا من دلالة الافتقار. طيب ايش كان الجواب؟ في نوح: وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، وأيوب: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، وذا النون: فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، وزكريا: إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ. نادى فاستجبنا له، نادى فاستجبنا له، نادى فاستجبنا له، هذه سورة الأنبياء تكرر فيها لفظ نادى أربع مرات، وتكرر فيها لفظ فاستجبنا له أربع مرات كذلك.

فالعجيب في سورة الأنبياء أنه الحين نادى فاستجبنا، نادى فاستجبنا، نادى فاستجبنا، ثم جاءت آية أو جملة في آية تبين أنه ترى أصلا كثرة الدعاء هو من أسباب الاستجابة، قال الله سبحانه وتعالى: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ، إيش؟ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ. وَيَدْعُونَنَا، هذا لفظ يدل على الاستمرار.

لاحظوا هذه الأدعية، فيها ما هو متعلق بالجانب الذاتي التعبدي، وفيها ما هو متعلق بالجانب الاستنصار المرتبط بمواجهة الأعداء ومكابدة الطريق. الأدعية التي يظهر فيها الجانب الذاتي التعبدي دعاء يونس، دعاء يونس لأنه هو دعاء كان عبارة عن اعتراف: لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. أما دعاء نوح فهو دعاء استنصار: وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، وفي سورة القمر: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ، فَفَتَحْنَا لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ، وفي سورة الصافات إيش؟ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ.

طيب من أظهر الأنبياء الذين تظهر في أدعيته جانب العبودية، وجانب خلينا نقول الثناء على الله وحمده، والتنوع في جوانب الدعاء؟ إبراهيم عليه السلام. والملاحظ في إبراهيم عليه السلام في أدعية إبراهيم تحديدا، لاحظوا يا جماعة هذا كله الآن زاد للمصلحين يتعلمون ما الذي يدعون به، ما الذي يعتنون به. من أظهر الجوانب في أدعية إبراهيم عليه السلام، غير جانب الثناء على الله والتذلل له، من أظهر الجوانب جانب الرؤية المستقبلية، يعني أقصد ما يتعلق بالذرية، ما يتعلق بمستقبل أولاده. ها من أهم الأمثلة على ذلك ما جاء في سورة إبراهيم، قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا. شوف شوف لاحظ حضور الأبناء والذرية في قاموس أدعية إبراهيم، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ، شوف لاحظ وبني، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ، فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ. هذه ربنا ليقيموا الصلاة، هذه من وسائل التقرب إلى الله في الدعاء، هذه مثل دعاء موسى كي نسبحك كثيرا، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ. رَبَّنَا، شوف إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ، رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي، ها ومن ذريتي لاحظ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ.

هذا المقطع من سورة إبراهيم درس تفصيلي للمصلحين في زادهم من الدعاء، لاحظ شمولية هذا، والتركيز على قضية، طبعا نحن لنا علاقة بإبراهيم عليه السلام في دعوته، يعني أدعية إبراهيم ترى متصلة بنا، لأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلم عن نبوته قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، ما هي دعوة إبراهيم في شأن النبي صلى الله عليه وسلم؟ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هي استجابة لدعوة إبراهيم بأن يبعث الله في ذريته من يتلو عليهم آياته ويعلم الكتاب والحكمة ويزكيهم. ولاحظوا هذا يعني يؤخذ منه بالنسبة للمصلح الأدعية المتعلقة خلنا نقول بمستقبل الدعوة، ببقائها، باستمرار، وليس بالضرورة في الذرية الحسية التي هي الأبناء من الصلب، وإنما قد يكون كذلك في خلينا نقول الذرية المعنوية التي هي ما يتعلق بالدعاة والمصلحين وأبناء هذه الأمة الذين يمكن أن يحملوا الرسالة.

وهذا المقطع من سورة البقرة أيضا هو نموذج من أدعية الأنبياء مهم جدا، لاحظوا يا جماعة، إحنا كلنا الآن فقط في أدعية الأنبياء، لأنه إحنا قلنا زاد المصلحين باعتبار أن طريق المصلحين هو طريق الأنبياء في التركيز على ما جاء به الأنبياء، وما جاء عن الأنبياء هو أمر مهم في الزاد. المقطع في سورة البقرة أيضا هو من المقاطع المهمة في أدعية الأنبياء، قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، ايش يفكر إبراهيم؟ دائما ذرية، دائما مستقبل أبنائه دائما ها، قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي، قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. هذا عنوان في الدعاء في أوقات الأعمال الإصلاحية، ها أنه وقت العمل ووقت الجهد ووقت البذل، الدعاء بالقبول: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. والدعاء التالي يذكر الإنسان بأهمية الأدعية في أصول القضايا: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ، من يقولها؟ إبراهيم، وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا، الدعاء بالبصيرة، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فأدعية إبراهيم عليه السلام، سواء في سورة إبراهيم أو في سورة البقرة، هي من أهم المواضع لفهم زاد الدعاء بالنسبة للأنبياء، وبالتالي فهم زاد الدعاء بالنسبة للمصلحين.

أدعية زكريا عليه السلام هي من مظان من مواطن ومن مواضع التفكر في زاد الدعاء، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. ولاحظ إيش نادى نادى إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا، قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي، فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا. هذا الدعاء هو من الأدعية كذلك التي فيها عناية الأنبياء بمستقبل الدعوة، وبالتالي هذا باب من باب الدعاء للمصلحين، ألا لا يكون الدعاء خاصا بهم، وألا يكون الدعاء فقط في مواجهة أعدائهم، بل أن يكون الدعاء متعلقا بإيش؟ بمستقبل الدعوة كذلك، وهذا مهم المهم أن يفقه مهم أن يفهم، ومهم أن يعمل به، لأن هو وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي، ها ثم قال فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي، يرثني هذا هذا بعدين ها يقوم بالدين من بعدي، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا، ثم استجاب الله سبحانه وتعالى دعاءه ووهب له يحيى. هذه الآن من من مواطن وأمثلة الأدعية للأنبياء في القرآن الكريم.

طيب، هل الذين سلكوا الطريق قبلنا هم الأنبياء فقط، أو أن هناك من الصالحين من أتباع الأنبياء من سلك هذا الطريق قبلنا، وبالتالي أيضا نقتدي بهم ونتزود كما تزودوا؟ لا شك أنه كذلك. حسنا، هل أبرز الله لنا من أتباع الأنبياء ممن ساروا على هذا الطريق، من كان لهم زاد من الدعاء ومع الدعاء، وبالتالي نحن نحتاج أن نقتدي بهم؟ لما نقول نقتدي بهم ليس فقط في أصل الدعاء، وإنما نقتدي بهم في مواطن الدعاء، كيف دعوا، دعوا، ما هي أدعيتهم؟ شوف يا جماعة، لما الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى ينقل لنا في القرآن أدعية قوم معينين، هذا معناه أن دعاءهم ذلك كان عند الله بمكان، ها بحيث أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم دعاء أولئك الأنبياء أو أولئك الأتباع من الأنبياء أتباع الأنبياء، فمعنى ذلك أن الله يريد منا أن ندعو كما دعوا، وأن نتزود كما تزودوا. ومن أظهر مواطن أدعية أصحاب الأنبياء في القرآن الكريم في سورة آل عمران، في قول الله سبحانه وتعالى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، طبعا هذا يشمل الأنبياء ومن معه، وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وهنا يأتي الكلام بموضع الشاهد: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. هذا الآن إحنا طبعا الدرس ليس للوقفة مع كل دعاء، يعني إحنا بعدين هذه.

بقي له سلسلة خاصة، يعني تقف مع كل واحد مع أدعية الصالحين والأنبياء، كل دعاء أو كل مجموعة أدعية تقف معها في وقفة طويلة. لكن أنا قصدي أن هذا الزاد يستفاد منه في أشياء كثيرة.

مثلاً كيف كان يمكن لك أن تفقه أن من مواطن الاستغفار، ومن مواطن طلب الله سبحانه وتعالى أن يذهب الذنوب ويغفرها سبحانه وتعالى، هو مواطن الجهاد في سبيل الله، ومواطن مدافعة الباطل، بل ومواطن الابتلاء في سبيل الله؟ بحيث قد يظن الظان لأول وهلة أنه طالما أن الإنسان صبر وجاهد وابتلي وأوذي، فلم يهن ولم يحزن ولم يضعف ولم يستكن، أنه قد أدى ما عليه. العجيب أنه في هذا الموطن الذي بين الله سبحانه وتعالى فيه أنهم رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، بينما قد يرد عند الإنسان أنه أول ما تدعو به في مثل تلك المواطن هو أن يثبت الله القدم وأن ينصر العبد على القوم الكافرين، لكن أن يكون أول الدعاء هو طلب المغفرة رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا فهذا عجيب، هذا عجيب.

طيب، هذا من مواطن أدعية أصحاب الأنبياء. ومن مواطن أدعية أصحاب الأنبياء في القرآن، موطن الدعاء في سورة البقرة في قصة طالوت، بعد أن قال الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. ولما برزوا لجالوت وجنوده، وهنا يأتي موطن الشاهد، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فهزموهم بإذن الله، وقتل داوود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه، إلى آخره. طيب، هذه من أمثلة أدعية أصحاب الأنبياء.

أيضاً، ويرحمك الله، وهي مما أوصى به الأنبياء ما جاء في سورة يونس: وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ. فقالوا: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. ها هنا الدعاء: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. ترى من مواطن الزاد في الدعاء أن تدعو حتى بنفس الأدعية التي دعا بها من سلف، ومن الفقه في الدعاء أن تدعو في مثل الأحوال التي تشبه أحوال ما ذكره الله في القرآن بنفس الأدعية التي دعا بها الصالحون في تلك المواطن. وهذا يشبه ما جاء عن إبراهيم عليه السلام وقومه؛ إذ قالوا لقومهم: إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ، هنا يأتي موضع الشاهد: رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

لاحظوا، ترى لما تنظر للدائرة التي تكونت من هذه المجموعة من الأدعية، تجد أنها غطت مختلف الأحوال التي يمكن أن يمر بها العابد أو المصلح أو المؤمن، فأنت بعد ذلك تختار لكل موطن ما يناسبه مما ذكره الله من الأدعية. مين اللي كان يسألني أمس أو قبل أمس عن الأدعية الواردة؟ أنت سألت، إيه صح، إنه شوف كيف الأدعية الواردة في الكتاب وفي السنة كيف تغطي أحوال الاحتياج، وفيها من أنواع الفقه والعبودية الأمر العجيب والعظيم.

طيب، احنا نرجع شوية للأنبياء، ليس يعني باعتبار الرجوع لنفس الفقرة الماضية لا، وإنما باعتبار تغطية الأحوال، نجد ترى في مجموع الأدعية هذه الواردة في القرآن تغطية مختلف الأحوال، حتى في السياقات الإصلاحية. يعني مثلاً ذكرنا الأدعية اللي هي في حال التدافع، وحال: وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، و: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ. تمام؟ في أدعية وردت في تمام الدعوة، وطبعاً وذكرنا الأدعية الواردة في بداية الدعوة اللي هي: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. في أدعية وردت في تمام الدعوة، في تمام الطريق، وهي واردة عن نوح عليه السلام وعن يوسف عليه السلام. فعن نوح عليه السلام قول الله سبحانه وتعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. هذا تعليم من الله لنوح عليه السلام في أن يدعو الله في ذلك الحال بذلك الدعاء. وفي يوسف أيضاً هو دعاء عظيم وعجيب ينبغي أيضاً التفكر فيه، كيف أنه بعد كل ما ناله، ختم بهذا الدعاء: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.

من الفقه في أدعية الأنبياء أن تنظر إلى الأسماء الحسنى التي استعملوها في أدعيتهم، فتربط بين الأسماء الحسنى وبين الدعاء، تربط بين الاثنين، فيعني تنتبه لهذا الربط. ترى أحياناً يكون هذه الأسماء الحسنى من ذكر النبي نفسه، أو من ذكر الله سبحانه وتعالى لأسماء بعد أدعية الأنبياء. يعني مثلاً قال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. كيف ربطت "السميع العليم". دعاء سورة الممتحنة، دعاء إبراهيم وقومه: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. هنا ذكر العزيز الحكيم، وكذلك في دعاء يوسف: فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وفي أدعية إبراهيم الخليل أيضاً: إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في سورة البقرة، وكذلك في سورة إبراهيم جاء ذكر شيء من صفات الله سبحانه وتعالى. فهذا أيضاً من مواطن التفقه في أدعية الأنبياء. احنا طبعاً هذا جانب من الجوانب فيما يتعلق بالزاد المرتبط بالدعاء، اللي هو ما أتى بأدعية الأنبياء. بقي درة التاج فيما يتعلق بأدعية الأنبياء، وهو ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أدعية، ينبغي أن تكون محلاً للاقتداء بالنسبة للمصلح الذي يتطلب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في سيره، اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه، اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته.

ومن أهم المواطن التي ورد فيها دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالمواطن الإصلاحية هو ما جاء يوم بدر، وقد أشار إليه الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال فقال: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، فذكر بلفظ الاستغاثة، إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ. وكان سيد المستغيثين في ذلك المقام هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس عن عمر رضي الله تعالى عنه ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستغاثة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، حتى أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أعرف مقام استغاث فيه بالله سبحانه وتعالى كاستغاثته في ذلك اليوم. ومن فقه ذلك اليوم في الدعاء -وهذا من أهم ما يحتاجه المصلح- أن المصلح وإن اتخذ الأسباب، وإن كان متفائلاً، وإن كان متوكلاً، وإن كان مستبشراً، وإن كان مبشراً، فإنه لا يستغني عن أن يحقق الدعاء تحقيقاً تاماً، وأن يستغيث بالله استغاثة تامة تامة تامة في مثل مواطن يوم بدر. وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين، فلما أن ذهبت الطائفة التي هي العير، تعينت الطائفة الأخرى التي هي ذات الشوكة، أليس كذلك؟ وما دام أنها تعينت، فمعنى ذلك أنه النصر سيكون أمراً قطعياً بما أن الله أوحى به. ولذلك أنا عندي هذا من أعظم الدروس على الإطلاق في باب الدعاء بالنسبة للمصلحين، وهو أنه وبعد كل هذا الوعد، وبعد كل هذا الوضوح، وبعد كونه نزل من السماء وحياً على نبي الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه ومع ذلك فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو دعاء عظيماً طويلاً في غاية الاستغاثة، وفي غاية الإخلاص، وفي غاية التطلب من الله سبحانه وتعالى بأن يحقق له رجاءه مع كل هذا الوعد، وهو اليوم الذي ورد فيه أو ثبت فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مد يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وكان يقول: اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني. فجاء أبو بكر رضي الله عنه فوضع الرداء على منكبي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كفاك مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك. كفاك مناشدتك ربك، شوف مناشدة هذه! هذا الوصف واللفظ عجيب، "كفاك مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك". وأنجز الله سبحانه وتعالى له. شاهد ما هو؟ شاهد أن احتياج المصلحين، اللي هم أتباع الأنبياء، إلى الاستغاثة ثم الاستغاثة ثم الاستغاثة بالله سبحانه وتعالى في مواطن التحام أو في مواطن احتدام الصراع بين الحق والباطل، ويا ويل المصلحين ثم ويلهم إن قصروا أو فرطوا في هذا الجانب، لا تقول لي اتخاذ أسباب، لا تقول لي.. الإنسان ينبغي ألا يكسل عن هذا الجانب أبداً، وهذا من الأمانة. إذا يسر الله لك سياق دعوة وإصلاح وحمل للدين، إياك أن تقصر في دعوتك لربك سبحانه وتعالى بأن يثبتك من جهة، ويهديك وبصرك من جهة، وبأن يحفظ الله هذه الدعوة ويصرف عنها أعداءها، وينصر هذه الدعوة الإسلامية على أعدائها. هذا من الأمانة ومن العهد الذي هو من عهد الطريق في الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، لكونه من فعل الأنبياء، من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، على وجه الوضوح التام فيما حصل يوم بدر. واضح الفكرة؟

طيب، لما تتأمل في السيرة النبوية ستجد أن هذا الدعاء ورد مثله أو قريب منه يوم أحد، ودعاء: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"، ترى جاء يوم بدر وجاء يوم أحد أيضاً نفس الدعاء، هذا جاء يوم أحد كذلك. ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم كثير في مختلف المواطن. احنا طبعاً قلنا الدعاء على قسمين بالنسبة لأدعية الأنبياء، قسم اللي هو التعبد، ما يتعلق بسواء تذلل لله والثناء عليه، أو الاستغفار والتوبة والطلب الزيادة في الخير والثبات وما إلى ذلك، هذا قسم عظيم كبير رصيده في السنة عظيم وهائل جداً. وقسم آخر هو ما يتعلق بالدعوة والإصلاح والاستنصار ودفع الأعداء والنصرة على القوم الكافرين، وهذا كله باب آخر من أبواب الدعاء، دعا به الأنبياء ودعا به النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً. قلنا درة المواقف في ذلك ما حصل يوم بدر من الاستغاثة الذي أشار إليه الله سبحانه وتعالى في قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ.

من المواطن المشهورة التي تذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء من القسم الثاني -وإن كان من الأحاديث أو من الروايات المرسلة في السيرة النبوية ولكنها من الأدعية العظيمة- اللي هو الدعاء الوارد يوم الطائف حين رجوعه: "اللهم أشكو إليك ضعفي وقله حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، إلى من تكلني..." إلى آخر الحديث الذي فيه التذلل لله سبحانه وتعالى والدعاء والطلب والاستغاثة والانكسار بين يدي الله سبحانه وتعالى. وهذه كلها من المواطن التي ينبغي أن تستحضر دائماً في حياة المصلح، وتملأ حياته بحسب ورودها في سير الأنبياء سواء في القرآن الكريم أو في هدي النبي صلى الله عليه وسلم. إبراهيم عليه السلام احنا ذكرنا فقط الآيات، لكن في الأحاديث أيضاً في مواطن عظيمة من أدعية إبراهيم، في لما ترك هاجر وإسماعيل ثم غادر عن أعينهم، ثم أخذ يدعو. وكذلك لما أخذت سارة من الجبار الظالم، فكان يصلي إبراهيم عليه السلام. هذه مواطن كثيرة من التتبع يجد الشيء الكثير الكثير من أدعية الأنبياء وأدعية أتباعهم.

طيب، إذاً هذه شعبة جديدة من الزاد الذي يحتاجه المصلحون. أين مواطن استعمال هذه الشعبة؟ قلنا على طول الطريق، في بداية الطريق دعاء موسى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. في وسط الطريق ما جاء في أدعية الأنبياء المختلفة. في نهاية الطريق: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ... الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين. الأدعية الكثيرة الشاملة التي يؤخذ من مجموعها، ترى هي في الجملة تختصرها أنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً، يدعون، أصلاً هذا فعل يدل على الاستمرار، يدعون، يدعون، يدعون، هذا الدعاء.

بالليل وبالنهار، ها: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، هذا الدعاء يعني بالليل وبالنهار هو من أعظم ما ينبغي أن يلازمه المصلح.

طيب، إذا مع اليقين الذي أخذناه، والإخلاص الذي تحدثنا عنه، ثم التوكل الذي تدارسه وتفكر فيه، يأتي الدعاء ليكون ها هو كما يقال السيد المقدم المعبر عن هذا العبد. شوفوا يا جماعة، احنا قلنا ترتيب دعاء الموقن المخلص المتوكل، دعاء الموقن المخلص المتوكل، احنا أخذنا اليقين، الإخلاص، التوكل، من يحقق اليقين والإخلاص والتوكل دعاؤه لا يورد، يقين الموقن المخلص المتوكل دعاؤه لا يورد، ولذلك أن يأتي الدعاء ليس مستقلاً وحده، يعني شوف يا جماعة أحيانا الإنسان يكون مقصراً في أشياء كثيرة حتى يقينه فيه ضعف، وإخلاصه فيه ضعف، وتوكله فيه ضعف، ثم قد يلزم الدعاء، لابد لمثل هذا أن يكون دعاؤه، أنا ما أقول لا يستجاب له، لكن لابد أن يكون أثر دعائه أضعف بكثير من أثر دعاء من حقق.

ولذلك لما ذكر الله استجابته لزكريا، ايش قال؟ وبعد ما قال: أَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى، واصلحنا له زوجه يعني كأنه ذكر علة الإجابة أو لسبب من أسباب الإجابة: أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ. واحنا قلنا وكانوا لنا هذه فيها الإخلاص، فالدعاء بإخلاص أو ليس فقط، ما أقصد يا جماعة الإخلاص في الدعاء وحده فقط، أنا أقصد من الإنسان المخلص في جميع أموره، المتوكل على الله في شؤونه، والذي بنى كل ذلك على يقين تام سيكون دعاؤه عند الله بمكان، وسيكون دعاؤه عند الله مقبولاً مستجاباً بإذن الله سبحانه وتعالى.

ويكتفي بهذا القدر، نسأل الله أن يصلي ويسلم ويبارك على عبده ورسوله محمد، وأن يعفو عنا ويعافينا ويهدينا ويسدد، ونسأله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه وكتابه وسنة نبيه محمد، وأن يعلي كلمة الدين، وأن يذل أعداءه من المنافقين والمجرمين، اللهم سلط الظالمين على الظالمين، وأعز عبادك المؤمنين الصادقين يا رب العالمين يا كريم يا أرحم الراحمين، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد.