تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس الخامس والعشرون سورة الأعراف إلى الآية 58

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هل الصوت جيد عبر اليوتيوب؟ هل الصوت جيد يا رب؟ بسم الله.

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في رحلة الإنسان في القرآن، هذه الرحلة التي عشناها منذ شهر رمضان أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبله منا، وما زلنا نمر على المعاني الجملية في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، على معاني السور مرورا كليا حتى تبقى هذه المعاني حية في قلوبنا، وحتى يعرف الإنسان ما هي الرسالات الكلية التي يريد الله سبحانه وتعالى منه أن يتفهمها وأن يعرفها وأن يعقلها جيدا في رحلة الحياة.

وصلنا إلى سورة الأعراف، نحن ابتدانا من سورة الناس ووصل بنا الحديث إلى سورة الأعراف، ونحن في صبيحة الأول من ذي الحجة، وهذه الأيام أيام عظيمة مباركة، حري بالانسان أن يعمرها بالقرآن والانشغال بذكر الله عز وجل والاقبال عليه، فهي نفحة من نفحات ربنا، والنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء عند الطبراني بحديث في إسناده مقال لكنه من فضائل الأعمال يقول صلى الله عليه وسلم: إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدا.

هذا ما يسمى اقتناص الفرص أيها الإخوة والأخوات، فن اقتناص الفرص، كيف يستغل الإنسان فرص معينة في الحياة، الله سبحانه وتعالى يقبل فيها على عباده ويعطيهم فيها من الثواب والخير ما لا يعطيه في سائر العام، فالمسلم اليقظ هو الذي يحسن استغلال مثل هذه مواسم الطاعات والاقبال على الله سبحانه وتعالى وملازمه عتبات العبودية، وأن يحدث شيئا جديدا، واحذر أن تكون من الغافلين. المشكلة أن كثير من الناس أو كثير منا نشا على عدم تعظيم هذه الأيام أو على عدم الاكتراث بها أو أنها مثل سائر السنة، اللهم يأتي يوم عرفة يصومه وياتي يوم النحر وينتهي الأمر، ولكن المسلم اليقظ الذي عرف شرف الزمان وعرف الأحاديث الصحيحة في تفضيل هذه الأيام على كل أيام العام حتى على أيام رمضان من حيث النهار، يدرك أنه مقبل على أيام عظيمة عليه أن يعمرها قدر استطاعته بما يقربه من الله سبحانه وتعالى، ومن خير ما تعمر به هذه الأيام هو الاقبال على كتاب ربنا سبحانه وتعالى، الأصل يكون هناك ختمة تدبرية للإنسان ضمن هذه الأيام، ويزيد من ورده القراني، خلنا ثلاثة أجزاء، أربعة أجزاء، يختم، يمر على كلام ربه عز وجل ويسلك المسلك الذي نسلكه في رحلة الإنسان وهو أن يمر على المعاني الجملية.

حتى لا أطيل عليكم، نحن وصلنا إلى سورة الأعراف، وسورة الأعراف مثل مختلف السور المكية وهي وإن كانت طويلة لكنها تعالج مجموعة من القضايا، تعالج مجموعة من القضايا، وهذا حال السور الطويله أنها لا تأتي تعالج جزئية معينة بل كما هو الحال في سورة البقرة وفي سورة آل عمران وفي سورة النساء والمائدة والأنعام والأعراف، هذه السور الطويله تاتي لتعالج مجموعه من القيم والأفكار، منها ما هي قيم أخلاقية وبعضها وأكثرها قيم عقدية وأصول كلية في حياة الإنسان في بناء عقده مع الله سبحانه وتعالى، فهنا في سورة الأعراف كحال أكثر السور طبعا هي بدات بالاحرف المقطعه، وننتقل إلى الآية الثانية بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ.

تبدأ سورة الأعراف بتعظيم القرآن ومركزيتها في حياة الإنسان: كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِه وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ. ينبه ربنا سبحانه وتعالى -وهذه دعونا نسميها الديباجة أو هذه التوطئة- تبدأ السورة ببيان عظمة القرآن وهذا مررنا عليه كثيرا، سورة يونس: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ، سورة هود: الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ، الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. أغلب سور القرآن لابد وأن تبدأ بهذه الديباجة وكأنها توطئة تنبه الإنسان لعظيم هذا الكتاب ثم بعد ذلك يتم الشروع بالموضوع.

فهنا ربنا سبحانه وتعالى إذن يبدأ بتعظيم كلامه: كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أو شك، والكلام وإن كان موجه للنبي صلى الله عليه وسلم من حيث الصياغة لكنه موجه إلى غيره من باب أولى، النبي عليه الصلاة والسلام كان سليم القلب للقران الكريم مقبلا على تعلمه، لكن الكلام وإن خرج له في الصورة لكنه لغيره من حيث المعنى. قال سبحانه ما وظيفه القرآن: لِتُنذِرَ بِه وَذِكْرَىٰ، وهذه وظيفه متكررة للقران الكريم أو تكرر بيانه، وهو أن القرآن ينذر الكافرين ويذكر المؤمنين، ويذكر المؤمنين بكل شيء، يذكر المؤمنين بما يصلحهم بما ينفعهم بما يقربهم من الله سبحانه وتعالى، يذكر المؤمنين بأنكم إذا خرجتم عن الإيمان أو سلكتم مسالك الكافرين ماذا سيحل بكم، فاحذر أن تقرا آيات الكافرين وما حل بهم من العذاب وانت تظن أنها نزلت لأقوام من غيرك، لا، هي الآيات هذه نزلت لي ولك، هي تذكرنا بقيمه الإيمان الذي عندنا وأننا لو لم نسلك طريق الإيمان أو لم نثبت عليه إلى آخر الأزمنة فإنه سيحل بنا كما حل بأولئك الأقوام.

يقول سبحانه وتعالى موجها الحديث لنا جميعا: اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ. يأمرنا ربنا عز وجل باتباعه وحده واتباع ما أنزله هو، فهو مصدر التشريع، هو مصدر الحكم، هو مصدر ما يصلح الإنسان وما ينبغي للإنسان أن يسلكه في هذه الحياة الدنيا. شوف عظمة هذه الآية: اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ، يا أيها الإنسان في رحلتك في الحياة المرجعية والمصدر هي لما أنزل إليك من ربك، وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ، شوف كيف قد تقدم الجار والمجرور على الأولياء، التقدير ولا تتبعوا أولياء من دونه، لا يجوز لكم أن تصدروا في امور حياتكم، في تصرفاتكم واختياراتكم، من قوانين البشر ولا من أي مرجع بشري، الانطلاق من القرآن والاجتهاد المقبول هو الاجتهاد المبني على الوحي والقرآن، وأما ما يبنى على آراء الرجال بعيدا عن مركزية القرآن والوحي فهذا شقاء لك أيها الإنسان في الحياة، هذا شقاء للإنسان ألا يتبع وحي الله بما فيه من المصالح والخير والسعادة له، ولا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير سبحانه.

إذن هنا ربنا باية واضحة يامرنا بأن نتبع في حياتنا نحن البشر ما أنزل إلينا من ربنا، فنحكم بيننا وفي حياتنا وأسر ومجتمعاتنا، ويحذرنا: وَلَا تَتَّبِعُوا أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ، طبعا أنا أعيد ترتيب الآية حتى تفهمها، يحذرنا من أن نذهب إلى غيره لنلتقي لنتلقى منه ما فيه خيرنا قال: قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ.

وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا، هنا الله عز وجل يحذر الذين يتبعون أولياء من دونه ولا يرجع ولا يجعلون المرجعية للوحي في حياتهم، شوف لهجة التحديد الآن: وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا، يعني في الليل، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ وقت القيلولة عند الظهيره، فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، ظلمنا أنفسنا عندما لم نتبع الوحي ولم نتبع الشرعة الإلهية، فما كانت دعواهم إذ جاءهم باسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين، فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ، فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ.

هنا الله سبحانه وتعالى يتكلم عن كل قرية أو كل مجتمع وصله نبي من الأنبياء أو وصلته رسالة الأنبياء ولم ينصع لهذه الرسالة، يقول: فلنسألن الذين أرسل إليهم، يعني لنسألنهم: هل جاءكم رسل منكم يقصون عليكم آيات ربكم؟ ولنسألن المرسلين، أيضا كما ياتي معنا إن شاء الله في سورة في آخر سورة المائدة: يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم؟ سيسأل الله سبحانه وتعالى الأقوام: هل جاءكم رسل؟ هل جاءكم الوحي؟ هل جاءكم الهدى؟

وحتى هذه الآية لنا إخواني، كل انسان منكم قامت عليه الحجه واتاه القرآن سيسأل الله عز وجل: هل جاءك القرآن؟ هل جاءك من علمك سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل جاءتك الشريعة الإلهية؟ وكيف استقبلتها؟ هذا سؤال سيوجه لنا جميعا، كيف تعاملت مع الشرعة الإلهية عندما جاءت إليك؟ نعم نحن في زماننا لا يوجد رسل لكن يوجد ميراث الرسول صلى الله عليه وسلم، يوجد ما وصل إلينا من القرآن والسنة، فهذا أنت ستسأل عنه.

ثم يخبر سبحانه: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ، سنخبر كل الأمم من لدن آدم حتى قيام الساعة ماذا جرى على وجه هذه الأرض، سنخبرك أيها الإنسان بماذا فعلت، وسيقل الله عز وجل عليك بعلم، يعني سبحانه وتعالى لن يقول شيئا لم يحدث، فهو سبحانه المطلع الشاهد، فلنقصن عليهم بعلم فنحن علمنا كل شيء جرى وما كنا غائبين في يوم من الأيام عن مجريات حياة الإنسان على هذه البسيطة.

ويوم القيامة الموازين، موازين العدل، سيظهر العدل الإلهي فيقتص الله عز وجل من المظلوم أو من الظالم للمظلوم، والله عز وجل يرفع من عمل من عمل لآخرة ومن صبر وضحى وتعب، وينزل من عمل لدنياه وشهوته وهواه، فقال: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ.

الآن الله عز وجل سيسرد علينا قصة بدء الخلق، وقصة بدء الخلق أيها الكرام ستسرد علينا لعدة فوائد في سورة الأعراف، يعني هي سردت في سورة البقرة وسردت في سور كثيرة من السور التي سرد فيها بدء الخلق، سورة الأعراف وسنلاحظ أن المنحى الذي ركزت عليه سورة الأعراف في قضية بدء الخلق، وكيف خلق الله عز وجل آدم وكيف نزل، قضية الستر وضرورة أن يستر الإنسان عورته، وضرورة أن يتسم الإنسان بخلق الحياء وانكشاف العورات وما يدعو إليه الشيطان من ذلك إنما بدات قصته من لدن آدم عليه السلام.

طبعا هنا في البداية يقول ربنا يذكرنا بنعمة عظيمة، يقول: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ، يخبرنا سبحانه أن ذلل لنا هذه الأرض لنعيش عليها فصول هذه الحياة الدنيا، قال: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ، الآن سيبدأ بذكر قصة خلق آدم: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لادم فكانه قال: ولقد خلقناكم أي بخلق أبيكم آدم، الضمير وإن كان موجه لنا لكنه كلام عن أصل الخلقة، كان التقدير: ولقد خلقناكم لما ابتدانا خلق أبيكم آدم ثم تصويره ثم قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين، قال: ما منعك ألا تسجد إذ أمرت؟ قال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين. قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تكتكر فيها فاخرج إنك من الصاغرين.

كأن الله عز وجل يريد أن يخبر الإنسان عن بداية وجوده على هذه الأرض، يخبرنا ربنا كيف ابتدا وجودنا على هذه الأرض، وهو أننا في الحقيقة لم نكن على هذه الأرض، في الحقيقة نحن ابتدانا بابتداء أبينا آدم في الجنة، تمام، لأنه لما قال: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ، أيها الإنسان أنا أوجدت في الأرض وذللت لك السبل فاستغلها، قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ، استغل ما ذللت لك وما هياته لطاعتي وعبادتي، فكان السياق يقتضي أن يعرف الإنسان كيف ابتدا وجوده على هذه الأرض.

شوف هذه الحقائق العظمى التي لم تستطع لا الفلسفات الإغريقية ولا الفارسية ولا الهندية أن تقدم إجابة عن كيف ابتدا وجود الإنسان على هذه الأرض، اقرأوا في كل فلسفة أرسطو وفي كل فلسفة أهل فارس وفي كل فلسفة الهند، ما أحد يملك مثل هذه الحقائق إلا أصحاب الكتب السماوية، حتى من الاديان قبل يمتلكون حقيقه البدء، وأما كل من اعتمد على عقلي وهو لا يعرف الإنسان ماذا يفعل على الأرض ومن الذي أوجده هنا، نعرف قيمة أن تتلقى من الوحي بداية القصة والحكاية.

بدايه القصة أننا كنا في الجنة وأن الله عز وجل أمر الملائكة أن تسجد لادم، وأن إبليس كان من المامور أن يسجد بغض النظر هو من الملائكة أولا خلاف لا يهمنا تحريره الآن، فإبليس استكبر قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فالله عز وجل قال: فاهبط منها، أخرجه من الجنة. قال فابليس قال: رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، حتى أفسد هذا المخلوق وهو آدم وذريته، فالله يحذرنا انتبهوا، قال: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ.

إبليس قال: يا رب أنت أخرجتني من الجنة وكتبت علي الشقاء، لكنني أريد أن أبدل كل ما في استطاعتي لأضل هذا الرجل آدم عليه السلام وذريته، لأقعدن لهم صراطك المستقيم، شوف، يعني راح اتربط بهم وهم يسيرون إليك، كل من سيسير على الصراط المستقيم وكل من سيسلك إلى الله سيجد الشيطان جالس على جوانب الطريق يوسوس له، يحاول أن يتجاذبه يمينا وشمالا ليحذ وسله، قال: ثم لآتينهم من بين أيديهم أي من أمامهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم.

لذلك تجد الفتن محدقه بالانسان من هنا فتنة من هنا فتنة من هنا فتنة من كل فتنة، الشيطان اخوان، الشيطان توعد بني آدم بحرب ضروس، لذلك إنما حياة الإنسان هو حياة الصبر والتحمل ورباطة الجأش وإنما النصر صبر ساعة إذا أردنا أن نعود إلى ديارنا التي خرجنا منها. الشيطان توعد يعني وعدا والله عز وجل أذن له، يعني الشيطان هو لم يفعل شيء خارج قدرة الله حاشا، وإنما ربنا سبحانه وتعالى أذن له بالدخول في هذه المعمعة وأن يمارس إغواءه ليعرف سبحانه أو ليطلع سبحانه وهو العالم قبل ذلك لكنه.

ليعلمه حاضرا كما علمه غائبا، ليعلم سبحانه وتعالى الصابرين الثابتين الذين عرفوا قصة الحياة، وعرفوا أن هناك شيئاً اسمه إبليس وشياطين يحاولون أن يحرفوا فثبت وصابر.

فالمهم قال: أخرج منها مذموماً مدحوراً لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين. يقسم الله لمن هذه اللام لام أي القسم، يعني يقسم الله: والله من اتبعك من بني آدم لأملأن جهنم منكم أجمعين.

ثم الكلام يتوجه لآدم: يا آدم ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما.

فوسوس، الآن أنا سأقرأ الآيات سريعاً، طبعا ما نحتاج إليه: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا. يعني الشيطان وسوس لآدم ولزوجه حتى يكشف عوراتهما، وهنا بداية الحديث عن موضوع الستر.

يا بني آدم، فإن أول ما حصل انكشاف العورات في الجنة عندما عصى آدم وحواء ربنا سبحانه وتعالى انكشفت العورات. هذه بداية انكشاف العورة، هذا الانكشاف الذي يعتبره كثير من النساء والرجال اليوم نوعاً من التحضر ونوعاً من الجمال ونوعاً نوعاً، هذا التفسخ هذه بدايته، بدايته من الشيطان.

الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُمَا، أي ليظهر لآدم ولحواء مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا. آدم وحواء كانوا مستوري العورة، من الذي جعل العورات تنكشف؟ من الذي تسبب بذلك؟ الشيطان! فانتبهوا يا بني آدم إلى يوم القيامة، وانظروا السياق كيف سيأتي ليحذر من سلوك سبيل الشيطان في تقصده كشف عورات بني آدم.

وقال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا، أقسم لهما بالله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فدلاهما بغرور، جعلهما يغتر، فأقبلا فأكلا من الشجرة.

فلما ذاقا الشجرة، لما عصيا الله سبحانه وتعالى، بدت العورات، بدت لهما سوآتهما، انكشفت عوراتهما، وأخذا ياخذان من ورق الجنة يحاولان أن يسترا العورات.

وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. هذا الخطاب وإن كان لآدم وحواء لكنه لكل ذريتهما من بعدهما: ألم أنهك عن فعل كذا؟ ألم أنهك عن التفسخ؟ ألم أنهك عن النظر إلى الحرام؟ ألم أنهك عن عن عن كثير من الأمور؟

ويقول لنا ربنا في كثير من الآيات إن الشيطان لنا عدو مبين. إذا هي قصة إغواء الشيطان للبشر ومحاولة صرفهم عن جوانب الصواب، هذا بدأ من أبينا آدم. هي قصة قديمة في التاريخ الإنساني، لست أنت أول من حرفه الشيطان؛ الشيطان بدأ عملية الانحراف والوسوسة مع أبينا آدم وهو مستمر في هذا المنهج إلى يوم القيامة.

طيب، لكن آدم وحواء عادا وأنابا إلى الله واعترفا بخطأهما، قال ربنا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا. فنحن إذا غرنا الشيطان علينا أن نسلك سبيل أبينا آدم وأمنا حواء أن نقول: يا رب ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

هذا من الدعاء الذي ينبغي أن يحرص عليه الإنسان، لأن هذا دعاء سيدنا آدم وتقبله ربنا عز وجل، فإذا هو من الأدعية المرجوة، من الأدعية المرجوة لمن كثرت ذنوبه وخطاياه كحالنا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ.

فالله عز وجل هنا يخبر -ما زالت بداية قصة الانسان على الأرض تستمر- قال: اهبطوا، نعم غفرت لك يا آدم، لكن لابد من عقوبة على هذا الذنب حتى تتم التوبة. فكان مبتلى الله عز وجل به أنه أنزله وحواء من الجنة من السعادة الأبدية إلى دار النكد، إلى دار التعب.

هكذا هو الشيطان، الشيطان يجعلك تفقد السعادة، تفقد الراحة، فينزلك إلى نكد الدنيا. قال: اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. هكذا هي القصة، أنتم أيها البشر لكم استقرار على هذه البسيطة وحياة إلى حين، إلى حين يشاء الله انتهاء قصه الدنيا على الأرض وعودة الحياة إلى الدار الآخرة.

فالذين آمنوا وأنابوا وعرفوا طبيعة علاقتهم بالشيطان فحذروا وانتبهوا، سيعودون إلى دار أبيهم آدم، إلى الجنة. وأما من سمع للشيطان وأصغى له ومال إلى وساوسه ولم يهتد بالقرآن، مع أن القرآن حذر والقرآن نبه والقرآن أخبر والله أنزل كتاب فوق سبع سماوات لينبه الذين تغافلوا عن كل هذه الآيات وكل هذه التنبيهات وأصروا أن يكونوا من حزب الشيطان، فهؤلاء سيصدق عليهم القسم الذي أقسمه ربنا قبل قليل: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ. نسأل الله السلامة والعافية.

هنا يأتينا خطاب من الله انتهى قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون. انتهت قصة أنك الآن أنتم أيها البشر أنا وأنت وأنت أيها الانسان، قصتنا على الأرض وعدونا إبليس والحياة إلى حين وعلينا أن ننتبه، فيأتي هنا ارشاد رباني: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا.

يعني الله الآن يخبرنا: يا بني آدم ترى الذي أمر بكشف العورات أو الذي كان سببا في انكشاف العورات هو إبليس، فاياكم أن تسيروا وراء إبليس وهو يدعوكم إلى كشف العورات. للاسف هذا حال أكثر المجتمعات اليوم؛ أصبحت مجتمعات عارية، الرجال والنساء، بل النساء أكثر من الرجال في هذا الميدان.

يقول: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا. يعني اللباس أساسي لستر العورات، وريشاً لباس زائد تتجمل به وتتزين، يعني هذا معنى الريش، اللباس الذي يتجمل به ويتزين، ما هو زيادة حتى عن ستر العورات أنزله الله عز وجل، لأن الأصل في الإنسان الستر، وإنما حصل الانكشاف في العورات في آدم وحواء عندما أخطأا، فهو أثر خطيئة.

ركزوا، كشف العورة هو أثر خطيئة، فعلينا أن ننتبه وأن نتقي الله عز وجل، وأن نعود أنفسنا وأبناءنا وبناتنا الستر، ودائماً علموا أبناءكم وبناتكم إنما كان انكشاف العورة أثر معصية، فهو ليس شيئاً يحمد عليه بل هو شيء مذموم، وهذا هو سياق القرآن في تحذيره.

قال: وَلِبَاسُ التَّقْوَى، والأعلى من اللباس المحسوس هو أن تلبس قلبك الخير، وأن تلبس قلبك الخوف من الله عز وجل والاتقاء من عذابه، يعني هناك لباس عليك أن تلبسه، هناك لباس محسوس على بني آدم أن ينتبهوا له وهو لباس يغطي العورات، ولباس معنوي عليك أيضاً أن تتغطى به وأن تتدثر به وهو لباس التقوى والخوف من الجليل سبحانه وتعالى.

طيب، يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتَنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، شوف ربنا عز وجل يعطينا قصة على الأرض: لَا يَفْتَنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ. إذا كان آدم وحواء عليهم السلام أخطأا وأنابا وتقبلهما الله، فتعلموا من الخطأ يا ذرية آدم، شوف ربنا هنا ينادينا: يا بني آدم، حتى ينبهنا ويذكرنا بما حصل سابقاً في الجنة، ما تعيدوا نفس الخطا الذي وقع فيه الذي وقع فيه أبوكم آدم عليه السلام كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ.

السبب، التسبيح، أخرج أبانا آدم من حالة السعادة والرخاء والجمال إلى دنيا النكد، وذلك يفعل الشيطان، يخرجنا من الجنة، يخرجنا من جنة الدنيا وهي الطاعة والطمانينة وذكر الله وحياة الصالحين إلى نار الدنيا إلى المعاصي والذنوب والنكد والشقاء، ويخرجنا من جنة الآخرة إلى نار الآخرة. سبحان الله هذه الآية قال: كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ. تذكر أن الشيطان يخرجك من السعادة بس تذكر، إذا جاءك الشيطان يوسوس لك أن تنظر إلى حرام أو تفعل حراماً أو ترتكب، تذكر أن الشيطان يخرجك من السعادة كما أخرج أبويكم من الجنة يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا.

حقيقة، هل الشيطان ضمن السياق السابق هو الذي كان ينزع اللباس بيديه عن آدم وحواء؟ لا، وإنما هو تسبب بانكشاف العورات لما أخطأ آدم وحواء بسماعه لوساوس الشيطان تسبب هذا في انكشاف العورات، فجعل الله عز وجل الشيطان كأنه هو الذي ينزع الملابس بيديه، وإن كان هذا تصور مجازي، لكن لما كان هو السبب في نزع اللباس جعله الله كأنه هو النازع الحقيقي.

وهكذا هو يفعل فينا، هو ينزع عنا الحياء، وينزع عنا الأخلاق، وينزع عنا اللباس الحسي واللباس المعنوي. هذا الذي يفعله الشيطان أنه ينزع عنا اللباس الحسي فترى اليوم النساء والرجال عراة أو شبه عراة، ترى الفتيات في الجامعات عاريات وشبه عاريات وحتى في بلاد المسلمين للأسف، والشباب أيضاً عراة وكثير منهم لا يلبس لباس الحياء ولباس الستر.

وكذلك اللباس المعنوي ينزعه الشيطان عنا وهو لباس التقوى، بدعوتنا إلى المعاصي، ما هو أقسم مش قال: لَأَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ؟

إذاً يقول سبحانه وتعالى عن طبيعة علاقتنا بالشيطان يقول: يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ. هذه طبيعة علاقتنا بالجن، أن الجن يرانا ونحن لا نراه، هذا هو الأصل: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ.

الشياطين هم أصدقاء ومساعدون ومسؤولون ويقفون بجانب الذين لا يؤمنون بالله ولا بلقاء الله.

وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا. هنا الله عز وجل يتكلم عن البشر وما الذي يحصل على هذا الكوكب، يقول سبحانه: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً. كثير من هؤلاء البشر إذا فعلوا فاحشة كشفت فيها العورات وزنى فيها الرجال بالنساء وهذا كله انكشاف عورات والعياذ بالله، وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا.

هسا شوف، وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا هذا ممكن أنه آبائكم ورثوكم الفواحش، لكن قصة وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا هذا كذب، هذا كذب على الله وإنما هذا من الشيطان، الشيطان يعدكم الفقر ويامركم بالفحشاء، الله يعدكم مغفرة منه وفضلاً.

فأن تقول: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا هذا ممكن يكون أنت ورثت هذه المعاصي وتعلمتها من أبيك، لكن أن تقول إن الله أمرنا بها لا، إن الله لا يأمر بالفحشاء، وهذا نص القرآن يثبت أن الله عز وجل نبهنا: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ، يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتَنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ. فكيف تزعمون بعد كل هذا الخطاب العظيم أن الله يأمر بالفحشاء وهو سبحانه يامر بالستر، ستر العورات وأن يحرص الإنسان على أن لا يبدي عورة ولا يكشف عورة لا في نهار ولا في ليل إلا أمام من يحل له أن يكشف العورة أمامه؟ فكيف تقول إن الله يأمر؟ إن الله لا يأمر بالفحشاء، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ؟ تكذبون على الله وتنسبون قبحكم وسماعكم وانصياعكم لإبليس، تنسبون ذلك وتجعلونه ديناً وتنسبونه بدين الله.

قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ. الله يأمر بالحق، ومن الحق ستر العورة. ثم قال: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، يعني العبادة لله، وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. أي كما بدأتم في الدنيا ستعودون يوم القيامة: فَرِيقًا هَدَى، كيف تعودون؟ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة، لماذا؟ أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله.

يا أيها البشري، يا بني آدم، من اتخذ الشيطان ولياً من دون الله فلم يتبع شرع الله، وشوفوا هنا كيف بيربطنا هذا السياق بأول السورة: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ. الذين تركوا شرعة الله ودين الله وتعاليم الله واتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون، هؤلاء الذين حقت عليهم الضلالة وحق عليهم الشقاء.

ثم يعود ربنا يأمرنا بالستر مرة أخرى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ. وهنا الزينة بمعنى الثياب، والعلماء يستدلون بهذه الآية على وجوب ستر العورة في الصلاة، فقالوا عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي عند كل صلاة. يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، أي البسوا ثياباً واستروا العورات، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.

كما قلنا، هنا الله عز وجل يخبرنا عن رحلتنا في الأرض لما قال في آية رقم عشرة: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ. بعدين أخذنا سياق القرآن في بيان أصلاً ماذا نفعل نحن على هذا الكوكب وكيف وجدنا وكيف قصة أبونا آدم وكيف كان خطأ سيدنا آدم والشيطان كيف كان سبباً في انكشاف العورات، ويحذرنا ربنا أن نصغي للشيطان الذي يكشف العورات الحسية والمعنوية.

يقول لنا ربنا عز وجل: أنتم على هذه الأرض عليكم أن تستغلوها وفق مرضاة الله، كل، اشرب، متع، لكن لا תُصغِ للشيطان. ويحذر الله عز وجل حتى من التضييق على الناس في استغلال النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليهم، فقال: قُلْ مَنْ حَرَمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ؟ ترى لا يجوز أن تغلق الأبواب على الناس، فإن هذه الرزق، هذه الرزق وهذه النعم التي وضعها الله سبحانه وتعالى في الأرض من الرزق الحلال هذه للبشرية أباح الله عز وجل لنا الانتفاع بها، وهذه هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة.

هذا الرزق الذي وضعه الله في الأرض هو في الأصل الذي يستحق الانتفاع به من آمن بالله: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا. الطيبات التي في الأرض ليس للكفار فيها نصيب، وإن كانوا هم يشاركوننا في الدنيا لكن قال العلماء: هي في الدنيا للذين آمنوا، هم أحقاء بها لأنهم عبدوا الله وأخلصوا لله الدين، فهم من يستحق أن يتمتع بنعم الأرض، لكن الله عز وجل بواسع حكمته أذن للكفار أن يأكلوا منها وإن لم يكونوا أهلاً لها، وأذن للكفار أن يتمتعوا بها وإن لم يكونوا أهلاً لها، لكن في الآخرة ستكون هذه الخيرات وهذه البركات خالصة للذين آمنوا لأنهم الأحق بها في الدنيا وإن شاركهم فيها غيرهم فستكون خالصة لهم في الدار الآخرة.

طيب، قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ. نعم، الله عز وجل لا يحرم علينا أن نستغل الطيبات التي وضعها في الأرض، شوف حتى اسمها طيبات، إذاً الله عز وجل يبيح لنا أن نستغل كل ما هو طيب. طيب كيف نعرف الطيب؟ الشرع وما وضع في العقول السليمة من معرفة الطيبات، فالشريعة الإلهية.

تخبرنا ما هي الطيبات وما هي الخبائث، وفطرنا السليم لأصحاب النفوس الصحيحة وليس للشاذين ممن انقلبت نفوسهم؛ أصحاب النفوس السليمة يعرفون أيضاً الطيبات ما هي. فالله عز وجل لا يحرم طيباً، وإنما يحرم الفواحش يحرم الخبائث: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

هذه الأصول الخمسة للمحرمات؛ الله عز وجل يحرم الفواحش الخبائث الظاهرة والباطنة، ويحرم الآثام كل ما هو إثم وبغي وتجاوز للحق، فالإثم ابتداء، والبغي أن تفعل حقاً لكنك تتجاوز فيه فهذا أيضاً محرم. فالله يحرم إذاً الكبائر والفواحش، ويحرم الآثام كل ما هو معصية من الصغائر، ويحرم البغي وهو أن تتجاوز وتعتدي الحق الذي لك إلى غيرك، ويحرم أصل المعاصي والذنوب والخطايا وأكبرها وهو الشرك، ويحرم أن نقول على الله سبحانه وتعالى شيئاً لم يقله، وهذا يدخل فيه كل من افترى فرية ونسبها إلى الله، سواء من أصحاب الديانات ممن يقول الله قال كذا وهو لم يقل ذلك، وكذلك من أصحاب القوانين الوضعية ومن أصحاب الأفكار الخاطئة؛ كل من قال شيئاً لم يقله الله ونسبه إلى الله فهذا يدخل في هذه الآية أنه ممن يقول على الله ما لا يعلم.

ثم الآن السياق سيأينا، هل البشرية التي نبهها الله وأرسل إليها الرسل يخبرونهم بحقيقة علاقة الإنسان بالشيطان، هل البشرية سمعت كلام الله؟ هل البشرية انتبهت؟ إيه والله، إن أصل علاقتنا مع الشيطان العداوة، وأن الشيطان هو الذي أخرج أبانا آدم من الجنة، فعلينا أن ننتبه كيف تعاملت البشرية عموماً مع موضوع علاقة الإنسان بالشيطان، لأننا نحن لسنا أول من أرسل إلينا الانبياء، فهناك قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وغيرهم. دعونا نرى ماذا حصل في تاريخ البشرية، لكن هنا الله سبحانه وتعالى يخبر بقواعد عامة على هذه الأرض على الإنسان أن يتفهمها.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ؛ بدك تفهم يا أيها الإنسان هذه قواعد الدنيا، كل أمة من الأمم، كل حقبة تاريخية لها أجل محدد، إذا جاءت لحظة الصفر لحظة نهاية هذه الأمة لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون دقيقة، ما راح يتقدموا دقيقة وما راح يرجعوا. ساعة الصفر يا بني آدم، ما زال الخطاب يا بني آدم، لأن الصورة بدأت بقصة آدم، إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ. كل هذه تفاصيل من الله حتى نعرف ما الذي يحصل على هذه الأرض، إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي؛ سياتيكم رسل يذكرون بهذا الميثاق وينبهون على علاقتكم بالشيطان، ويأمرون بتوحيد الله عز وجل وعدم الوقوع في الخطأ الذي وقع فيه أبوكم آدم.

يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كذبوا باياتنا واستكبروا عنها ما بدهم ينصاعوا للوحي الإلهي أولئك أصحاب النار. هذه هي القصة واضحة أمامكم يا أيها البشر، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته؟ بعد كل هذا الوضوح وكل هذا الجلاء وكل هذه المكاشفة، فعلاً من أظلم الناس من يفتري على الله الكذب؟ الله يأمر بالتوحيد، يأمر بالأخلاق، يأمر بالقيم، ويأتي بعد ذلك أناس يعبدون أصناماً وأوثاناً وقريش ويا أيها الكفرة ويحسبون أن ذلك مما أمرهم الله به، قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَلَا يَأْمُرُ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَلَا يَأْمُرُ بِالشِّرْكِ، وإنما يأمر بالتوحيد والأخلاق والقيم وكل ما هو في صالح البشرية. فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته؟ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب، يعني سيعيشون المدة التي كتبت لهم في الدنيا، ماشي رح تاخد أجلك في الدنيا، حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ الملائكة الموت ستقول لهم: أينما كنتم تدعون من دون الله وتنسون أنهم شفعاء يقربون من الله؟ أين أصنامكم وأسيادكم ومعبوداتكم من دون الله؟ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا؛ كل شيء ذهب. ستعترف يا من كذبتم على الله أن كل شيء ذهب، وتشهدون على أنفسكم أنهم كانوا كافرين.

وعندئذ ستقول لكم الملائكة: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ. ياما حذرناكم، ياما قرئ علينا القرآن، ياما قيل لك يا أيها الإنسان احذر من الشيطان الذي يتصيد لك، ومع ذلك كل هذه التنبيهات وكل هذه التوصيات لم تؤت نتيجتها معك، أصررت أن تتبع الشيطان، أصررت أن تسير على خطاه، فحلك أو نهايتك أن تلحق بتلك الأمم التي انصاعت للشيطان. قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا؛ الامة السابقة حتى إذا اداركوا فيها جميعاً وتراكموا في نار جهنم، الله عز وجل يخبرنا كيف ستكون النهايات: قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا؛ الأولى هي التي أضلت الأمة التي قبلنا هي التي أضلت. فهنا الأمة القبلية تدافع عن نفسها وقالت أخراهم لأولاهم، أي عن أخراهم، فما كـ أو أخراهم هنا نعم بالمقابلة لا، لأنه قالت أخراهم لأولاهم، نعم قالت أخراهم عن أولاهم: رب هؤلاء أضلنا. فتاتي هنا الأولى تخاطب الأخرى: فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ؛ يعني نحن شركاء في الإثم وشركاء في المعصية، نحن اتبعتم الشيطان وأنتم اتبعتم الشيطان، عاد لا تقولوا أمام رب العالمين الأمة الماضية هي التي أضلت، لا لا، انتم سمعتم كلام الشيطان ووساوسه وخطراته، فحالنا كحالكم، فما كان لكم علينا من فضل، انتم مش أحسن منا يعني، فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ.

إن الذين كذبوا بآياتنا -شوف هذه كلها رسائل من الله، والله تنبيه يا إخوه، والله تنبيه- الذي يكذب بايات الله لا ينصاع لشرع الله ولا لأحكام الله، بعد كل هذا التنبيه الله يخبرنا من أين تنشأ الوساوس، من هو عدوك يا انسان بدك تنتبه؟ الشيطان يريدك أن تزل وأن تضل، وهناك آيات ووحي إلهي يضمن لك الهداية، إذا كذبت بهذه الآيات والتكذيب بهذه الآيات ليس فقط أنك لا تؤمن بالقران برضه أن لا تعمل بالقران ولا تلتفت هذا من التكذيب، يعني بعض الناس اليوم لما يقرأ هذه الآيات بقول هذه آيات في الكفار، لا ترى كثير من من ينسب نفسه إلى الاسلام اليوم ترى هو واقع في هذا، هو يكذب بالايات، بجوز بيقرا القرآن لكنه لم يحكم القرآن في حياته يوماً ما: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ.

لذلك لما تقبض الروح الخبيثة وتأتي لتصعد إلى السماء لا تفتح لها أبواب السماء، لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم، أرواحهم الخبيثة عندما تصعد فتلقى في الأرض كما جاء في حديث البراء بن عازب الطويل، وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ. وهذا من التعجيز قالوا: حتى يلج الجمل في سم الخياط، هذا من التعجيز، هل يمكن لجمل أن يدخل في خرم إبرة؟ لا، فكأن أقول لك: لن يدخل الجنة ولو حصل هذا، حتى يحصل هذا الشيء ويكون هذا الشيء لا يمكن أن يحصل، فهذا من باب زياده التعجيز يعني ما راح يشم ريح الجنة حتى الجمل يدخل من خرم الإبرة وهذا لا يكون، إذاً لن يدخلوا الجنة أبدا.

وكذلك نجزي المجرمين، لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ؛ هؤلاء خلص أصبح فرشهم جهنم، ويغطي ولحافه ظلل من النار تلتحف من فوقهم والعياذ بالله. شوف حال هذا الإنسان الشقي، ايش اللي بخلّي الواحد فينا يوصل حالة لمثل هذا الختام الكئيب؟ أنه يصبح فراشك جهنم، لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ؛ تغشاك غواش من النار هي التي تكون لحافاً لك والعياذ بالله. إخواني احنا الأيام هذه في الحر يعني الإنسان يتعب ويشقى وهو يسير في الطرقات، فنسأل الله العفو والعافية والسلامة من نار جهنم إي والله.

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ -لا نكلف نفساً إلا وسعها- شوف أولاً القاعدة العامة يا أهل الإيمان: أولاً الله عز وجل لا يحملكم إلا ما في وسعكم وفي طاقتكم، ولا يحملكم في هذه الدنيا أن تفعلوا شيئاً حتى تدخل الجنة خارج عن قدرتكم، افعل ما بوسعك في مكافحة الشيطان، افعل ما في وسعك في التزام شرع الله ودع الباقي على رب العالمين، فالله يدخلك الجنة برحمته بس افعل ما بوسعك ما تقصر: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلِّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ. فعلاً نعمة الهداية نعمة التمسك بشرع الله، نعمة فهم قصة الإنسان ماذا يريد الله منا أن يكون، هذه نعمة عظيمة.

وما زال مشهد الدار الآخرة حاضراً إلى الآن: وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ، عندما يدخل أهل الجنة الجنة ويدخل أهل النار النار أصحاب الجنة ينظرون إلى أهل النار ويقولون لهم بعد رحلة من الصبر والعناء في هذه الحياة الدنيا، بعد رحلة كان فيها شهداء ودماء وأشلاء وتعب، بعد رحلة كان الكفار يستهزئون بأهل الإيمان ويقولون أرونا ربكم وتتوعد بالنار، بعد كل هذه الرحله عندما جاءت الحقائق سينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا؛ نحن وجدنا الجنة وعدنا إلى موطننا الذي خرجنا منه بفضل الله سبحانه وتعالى، فَهَلْ وَجَدْتُم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ هل وجدتم ما كنا نقول لكم احذروا من النار؟ قالوا نعم؛ وهو اعتراف الذليل الحقير.

فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ بَيْنَ أَهْلِ الجنة: أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ؛ الذين ايش كان عملهم في الدنيا؟ يصدون عن سبيل الله، كان هدفه تشويه الفطر، كان هدفهم البرامج السيئة، كان هدفهم نشر الفحشاء، كان هدفهم تغيير القيم، كان هدفهم إفساد الأجيال، يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَبِغُونَهَا عِوَجًا؛ ما كانوا يريدون لهذه الأمة الاستقامة وللخير، ولم يكونوا يرشدوا أبنائنا، ولم يكونوا يصنعوا لهذا الجيل ما ينفعهم، بل كانوا يحرفون المناهج ويحرفون القيم وينشرون الرذيلة ويريدونها عوجاً يبغونها عوجاً هكذا يريدون حياة الناس، وهم بالآخرة كافرون.

وبين الجنة وبين النار هناك قوم اسمه أصحاب الأعراف، وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ؛ هناك حجاب يستر أهل الجنة عن أهل النار وأهل النار عن أهل الجنة، حاجز وإن كان يكشف ببعض الأحام. وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ؛ هناك على الأعراف ومسألة الأعراف والخلاف فيها ليس هذا تحرير فإن المسالة فيها طول، لكن عموماً هناك أناس تساوت حسناتهم وسيئاتهم وهذا أشهر الأقوال أو من أشهر الأقوال في أصحاب الأعراف، قوم يتاخرون لاستواء حسناتهم مع سيئاتهم لم يدخلوا الجنة بعد ولم يدخلوا النار. فهؤلاء وهم واقفون على هذا الحجاب على هذا السور الذي بين الجنة والنار هم ينظرون إلى أهل الجنة يسلمون عليهم سلام عليكم لم يدخلوها بعد لكنهم يطمعون أن الله يتجاوز عنهم ويدخلهم.

وهؤلاء أصحاب الأعراف إذا جاءتهم نظرة إلى النار وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا يا رب لا تجعلنا مع القوم الظالمين، يعني نحن لا نريد أن نكون مع هؤلاء نريد أن نكون مع هؤلاء. ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم؛ أصحاب الأعراف نادوا رجالاً من أهل النار يعرفونهم بأسمائهم وعلاماتهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون؟ يا فلان ترى أنت كنت في الدنيا ترى نفسك شيء كبير على الله وعلى شرع الله وأنك أعلى من أن تتبع إلهاً عظيماً سبحانه وتعالى، ما أغنى عنك كل أموالك وفللك وقصورك وحشمك وخدمك وكل استكبارك على الشرعة الإلهية؟

ثم ما زal أصحاب الأعراف يخاطبون أصحاب النار فيقولون لهم وهم يشيرون إلى أهل الجنة أصحاب الأعراف يقولون لأهل النار وهم يشيرون إلى أهل الجنة: أَهَاؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ؟ يا أهل النار كنتم تقولوا عن هؤلاء المشايخ وأهل الخير والصلاح هؤلاء مساكين دراويش أناس لا يعرف لا ينالهم الله برحمة لا خير لهم، هؤلاء هيهم ما شاء الله هم في السعادة الأبدية وأنتم في الشقاء الأبدي هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة انتهى الأد المشهد.

ثم يقول: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ. وهذه انتقالات القرآن الجميلة، أنت في نص المشهد ينتقل الانتقال: ادخل الجنة. قال المفسرون: يقول الله لأهل الأعراف ادخل الجنة لما عرف أهل الأعراف فضل أهل الجنة الحقهم الله بأهلها. أهل الأعراف كانوا يقولون لأهل النار شوفوا هي هؤلاء أهل السعادة، فلما عرفوا الحق لأهله وعرفوا الفضل من الله عليهم والحق بدرجات السعداء، ادخل الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.

في المقابل أصحاب النار سينادون أصحاب الجنة: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. شوف هذه حالة الكآبة الكافر وهو في نار جهنم، أهل النار وهم في نارها حتى من يدخلها من عصاة الموحدين عندما يكون ماء يشوي الوجوه وعندما يكون طعام هو الزقوم والغسلين، كل شيء متعب وكل الأجواء متعبة، وضمن هذه الأجواء المتعبة مما يزيد الطين بلة أن الله يري أهل النار النعيم الذي فيه أهل الجنة، فتأتيه الحسرات والويلات والكابات: ايش اللي ورطنا دخلنا في نار جهنم؟ لماذا لم نصبر على لأواء الدنيا صبر ساعة؟ لماذا إصرارنا على الفحشاء والزنا وإطلاق الأعين إلى المحرمات؟ يعني ايش اللي ورطنا مع أنه ربنا مراراً وتكراراً حذرنا من الشيطان والإصغاء له؟ في لحظة اليأس وفي لحظة الضعف وهم يرون النعيم والسعادة فيها أهل الجنة تخيل نفسك مع أهل الجنة وأنت تنظر إلى أهل النار، ثم تخيل اخي الكريم نفسك مع أهل النار وأنت تنظر إلى أهل الجنة، شوف كمية الكآبة وضيق الصدر التي ستمر بها، وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ.

أفيضوا علينا من الماء يعني كاس من الماء، بس، أو مما رزقكم الله من الطعام الجيد العظيم. قالوا: إن الله حرمهما على الكافرين. هذا اتفاق ما كنا فيه قبل قليل في آية رقم 32، مش قلنا: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الطيبات واللذائذ في الدنيا كنتم تشاركوننا فيها يا كفار، بل أحيانا كنتم تفوقنا فيها، لكن في الآخرة إن الله حرمهما، حرم الطعام الجميل والشراب الجميل على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، اللي كان في الدنيا مقضيها لهو ولعب واستهزاء بالدين وعدم انصياع لشرع الله، وغرتهم الحياة الدنيا.

فاليوم ننساهم، هنا الله يقول: فاليوم ننساهم اليوم، خلاص ربنا بيتركهم ويهملهم، كما نسوا، زي ما أنت نسيت لقاء ربنا وما كانت الآخرة أعظم شيء في حياتك، مع أن الله نبهك وحذرك وعظم الآخرة وبين منزلتها، لكن أنت كل هذه التنبيهات لم تلقَ عندك أذنا صاغية تمام، نسيت الحياة الآخرة وأقبلت على الدنيا بشهوات. طيب، ما دمت نسيت الآخرة، إحنا اليوم بدنا بدنا ننساك، إحنا اليوم بدنا ننساك، فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ.

ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم، إحنا أتيناكم بقرآن مفصل، وأعطيناك القصة من البداية، قلنا لك يا إنسان وأنت في الدنيا، تروح أحذر من الشيطان، إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ، ترى الشيطان أخرج أبوك من الجنة، انتبه، أحذر. وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ؟ الآن وأنتم في الدنيا كنتم تسمعون القرآن والقرآن يوعدكم بالدار الآخرة ويخبركم بأن هناك جنة وأن هناك نار وأن هناك حساب، كنتم تعرضون، لكن في الحقيقه أنتم لا تنتظرون إلا تأويله. ما معنى التأويل هنا؟ التأويل هنا في هذا السياق معناه وقوع ما أخبر به القرآن، هذا معنى التأويل هنا، وقوع ما أخبر به القرآن، أنتم لا تنتظرون يا أيها المعاندون، وكان الكلام هنا عاده إلى الدنيا والخطاب لكفار قريش ولكل من يسير على خطاهم إلى يوم القيامة، أنتم يا من تكذبون بالقران وبهذا الكتاب الذي فصلناه على علم، أنتم لا تنتظرون إلا وقوع ما أخبركم به القرآن من الدار الآخرة.

طيب سيتولى، أي سيقع ذلك، أنتم لا تنتظرون إلا يوم ياتي تأويله، يعني يعني يوم ياتي تطبيقه وحقائقه، يوم تاتي الدار الآخرة بكل ما فيها. يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ وَكَانُوا مُتَشَاجِرِينَ عَنْ الْقُرْآنِ ومستهزئين، قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا؟ ستبدأ تبحثون عن رحلة الشفعاء، تبحثون عن من يشفع لكم ويخلصكم من النار، لا ساعتها انتهى كل شيء، نحن نصحنا في الدنيا ووجهكم، يوم القيامة ما في شفعاء للمشركين، فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ، بس رجعونا للدنيا حتى نصلح، لا لا، هي الدنيا فرصة لن تتكرر مرة أخرى، قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فعلا قمة الخسران، قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ، كانوا يزعمون أن لهم العلو في الدنيا وأن لهم الخلود وأنهم إذا ردوا إلى آخرة لو ردوا سيكونون في نعيم لأنهم أهل للنعيم، كل هذه الافتراءات وكل هذه الترهات ذهبت.

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ، اعلان التوحيد، الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ. هنا يحدث الرب عن نفسه وعن أفعاله التي بها استحق أن يكون ربا مالكا معبودا سبحانه. يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا، يعني الليل يتبع النهار يطلبه حتى يطمس نوره، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا. الله يأمرنا بإصلاح الأرض وعمارتها وتوحيده، إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ.

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ. شوف شوف، إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ، ثم ذكر نموذج على رحمته في إرسال السحب بما فيها من المطر. حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ، أي حملت هذه الريح الريح تاتي وتحمل السحاب الثقال المعباه بالمياه، وكيف الله عز وجل يرسلها إلى البلد الميت، فَنَزَلَ بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ.

بعد كل هذا البيان المهيب والرسائل العظيمة للبشرية جمعاء، بدات سورة الأعراف بالقسم الآخر منها، الأخبار والتنبيه، ما الذي حصل مع البشرية من لدن نوح إلى عاد إلى صالح إلى موسى، وقصة موسى مع فرعون وموسى مع قومه أخذت المساحة الأكبر، لأنه هذه تطبيقات عملي حتى نحن نستخدم منها في أزمنتنا. هل البشرية سمعت خطاب الله؟ هل أنصاعت لشرع الله؟ هل سمعت دعوة الأنبياء؟ هل حذرت من الشيطان؟ ولا للاسف أكثر البشرية استقبلوا أنبياءهم بالكفر والعصيان. هذا القسم من السورة نتركه إن شاء الله لمجلس الجمعة القادمة إن كان في العمر بقية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.