تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس السادس والعشرون سورة الأعراف إلى الآية 102

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

صوت جيد اخواننا، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، اللهم يسر واعن.

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اتقى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. حياكم الله أيها الكرام في عودة ميمونة بإذن الله إلى هذا المجلس الطيب المبارك، رحلة الإنسان في القرآن، ودائماً ما نقول إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وهذا المجلس بحمد الله عز وجل مستمر من بداية شهر رمضان، والهدف منه أن نمر على جماليات القرآن، وعن البحث ما المطلوب من هذا الإنسان أن يفهمه من كتاب الله سبحانه وتعالى مروراَ جمالياً، فإن التعامل مع القرآن وإن استثارة القرآن لها طرق وأساليب شتى.

فهناك الدرس التفسيري التفصيلي الذي يهدف إلى المرور على كل آية آية واستخراج المقاصد منها، وهناك الدرس الجملي، وهو الذي يهدف إلى أن يمر الإنسان على القرآن مروراً جملياً ليععرف الرسالات العامة والمنارات العامة والأفكار العامة التي لا يجوز له أن يغفل عنها وهو يسير في رحلة الحياة. فإن الله سبحانه وتعالى ضمن في كتابه العظيم خارطة الإنسان في رحله الحياة، وما هي القواعد الأساسية الكليه التي يجب أن تكون محط الاهتمام والنظر في هذا المسير العظيم لئلا يشقى الإنسان ولئلا يغفل ولئلا يضيع عن الصراط المستقيم.

وبالتالي جاءت رحلة الإنسان في القرآن منذ بداية رمضان، كما قلنا، للمرور على مقاصد السور والافكار العامة فيها التي لابد لكل مسلم ومسلمة أن يكون على إحاطة بها، فإن الأفكار التفصيلية يعني قد يكون بعض الناس أو كثر الناس في غفلة عنها أو قد يضعفون عن فهم بعض معانيها، لكن الأفكار العامة لا يعذر أحد في جهلها، فإنها رسالة الله سبحانه وتعالى للبشرية جمعاء. فنسأل عز وجل أن يرزقنا حسن الفهم لكتابه، وحسن التدبر له، وأن لا يحرمنا من هذه المعاني ومن العيش في أفيائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلنا في رحلة الإنسان في القرآن نحن بدأنا -خاصة الإخوة الجدد الذين يتابعوننا- بدأنا أيها الكرام من سورة الناس، وها نحن الآن وصلنا إلى منتصف سورة الأعراف، فيما أذكر كان المجلس الأخير عند الآية 58. خاص الإخوة الذين والأخوات الذين يتابعوننا قد يدركون المكان الذي انتهينا إليه، أننا توقفنا قبل عيد الأضحى، ونحن إن شاء الله نستانف ما بقي من سور القرآن، فنحن مررنا من الجزء الثلاثين إلى الحادي والعشرين إلى الثامن والعشرين، وها نحن وصلنا بحمد لله إلى الجزء الثامن. وفي كل مجلس من مجالس الفجر نمر على ما يسمح به الوقت، وما يمن الله سبحانه وتعالى به علينا.

سورة الأعراف أيها الكرام ابتدأت بقوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، المص، كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُذْكِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ. اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ. هذه الآية الثانية أو الثالثة هي جوهر هذه السورة، وهي المنطلق المهم في حياة كل انسان: اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ.

الله سبحانه وتعالى يضع للانسان قاعده مركزية في حياته، وهي ضرورة التمسك بالوحي، وضرورة التمسك بشرع الإله، وألا يتبعوا أولياء من دونه. هؤلاء الأولياء يختلفون في أشكالهم عبر الزمن، قد يكونوا أصناماً وأحجاراً، قد يكونوا نجوم وكواكب، قد يكون بشراً وسادات وزعامات يتبعونهم من دون الله، قد يكونوا أبقاراً وحيوانات وبهائم يعبدها بعض الناس، قد يكون المادة والرأسمالية والحياة وعبادة الدنيا.

ولا تتبعوا من دونه أولياء؛ كل إنسان اتخذ ولياً، الولي هو المحبوب الذي تناصر وتقف معه وتتشبث به، فكل من اتخذ ولياً من دون الله فقد أخطأ السبيل. وقد أخبرنا ربنا سبحانه وتعالى، كما سياتي معنا في السور القادمة: إِنَّمَا وَلِيُكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَن يَتَوَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ. الله عز وجل في القرآن يحدد للانسان مجال الولاية، ويخبره: يا أيها الإنسان، تريد الفلاح في هذه الحياة الدنيا، تريد الاستقامة، عليك أن تحدد مجال الولاية، ولايتك بوصلتها إلى الله ورسوله، وإلى اتباع الله ورسوله الذين آمنوا.

وكل من اتبع أولياء من دون الله فقد ضل سواء السبيل، ولذلك جاء الأمر واضحاً في سورة الأعراف: اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ. وأكثر الناس اليوم أيها الكرام في غفلة عن هذا الأمر الإلهي، أكثر الناس اليوم اتخذوا أولياء من دون الله، حتى ولو كان يلبس عباءة الإسلام، لكن كثير منهم اتخذوا أولياء وأحباب وأنصار يقاتلون من أجلهم من دون الله سبحانه وتعالى. فهم يعبدون الدنيا والدينار والدرهم والشهوات والأهواء والافكار المختلفة، الرأسمالية والبراغماتية والليبرالية والعلمانية، اتخذوا أصناماً بشرية، اتخذوا رجالات وأفكار وقوميات ووطنيات وشعارات، كل هذه الشعارات هي أولياء اتخذتم من دون الله، ومن اتخذها بعيدا عن منهج الله سبحانه وتعالى فقد ضل سواء السبيل.

هنا في مطلع الآية 59، وهو ما انتهينا إليه في مدارسة سورة الأعراف، بدأت سورة الأعراف تتحدث عن الصراع بين الحق والباطل في مسيرة البشرية. الصراع بين الحق والباطل الذي يتمثل في صراعات الأنبياء مع أقوامهم حول الفكرة الأساسية التي وجد من أجلها الإنسان، الفكرة الأساسية التي بدينا نربطها الآن في بداية سورة الأعراف، فكرة أن ولاء الإنسان يكون لله ورسوله، وهذا هو التوحيد. كأنك وحدت الولاية، الولاية بوصلتها الله والرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يبلغ شرع الله، والمؤمنون هم أنصار الله.

فسورة الأعراف الآن عندما تتكلم عن قصة نوح مع قومه، ثم بعد ذلك تتبعها بقصة هود مع قومه، ثم بقصة صالح، ثم بقصة شعيب، ثم بالقصة التي أخذت المساحة الأكبر وهي قصة موسى سواء مع فرعون ثم مع إشكالات بني إسرائيل المتعدده ومحاولة التفلت وتغيير الولاءات، حقيقة هذه القصص تعطي نظرة مهمة للإنسان في الحياة. وهو كأن القصة -وهذا ما أشعر به أحياناً- أن القصة تريد أن تخبر الإنسان أن الصراع الحقيقي الذي ينبغي أن تعيشه أيها الإنسان في هذه الحياة، أهم صراع هو الصراع بين الحق والباطل، بين الولاية الصحيحة ولاية الله وتدافع عنها وتدعو إليها، ضد الولاية الباطله وهي ولاية الشهوات والاصنام والأهواء والملذات.

فقوم نوح وقوم عاد وقوم صالح وقوم شعيب هم قوم، حتى فرعون وبنو إسرائيل، هم نموذج لقوم جعلوا ولايتهم لشهواتهم وملذاتهم، وكل طائفة منهم أعجبت بشيء، فقوم نوح أعجبوا بشيء، وقوم عاد أعجبوا بشيء، وقوم صالح لهم قدرات معينة، وقوم شعيب لهم مجالات أخرى، وفرعون وهكذا. فالصراع الحقيقي الذي يستحق أن يسمى صراعاً ويعيش الإنسان الحياة من أجله هو الصراع بين الحق والباطل، بين الولاية الحقة والولاية الفاسدة.

لأن كثير من الناس للأسف يعيشون صراعات تافهة، يعيشون صراعات على لقمه عيش، يعيشون صراعات من أجل شهوة أو ملذ أو هوى من الأهواء، يعيشون صراعات على قطعة أرض في ميراث. انظروا إلى صراعات الإنسان في هذه الدنيا، تشقون على هذا الإنسان؟ تعيش من أجل مال؟ تعيش من أجل شهوة؟ تعيش من أجل جنس؟ تعيش من أجل ماذا؟ انظر القرآن الذي يصنع الصراعات الحقيقية التي ينبغي للانسان أن يعيش من أجلها ويضحي حياته من أجلها، معركة الدين.

أكثر الناس اليوم إذا أتيت تقول له معركة الدين يقول لك: للدين رب يحميه، أما أنا المهم عندي أنني أخذ شهادة جامعية وأتوظف وأتزوج وأعيش الحياة وأتمتع، والدين هي تلك الركعات الخفيفة الركيكة التي يصليها في المسجد، وأكثرها بدون خشوع وبعيد عن معاني الركوع والسجود، وإذا أخرج شيئاً من زكاة ماله يعني فحي هلا. ثم الإسلام وقضايا الإسلام وقضايا الصراع بين الحق والباطل هذه أبعد المعاني عن ذهن ذلك الإنسان الذي يزعم أنه مؤمن.

وهنا يأتي القرآن ودور القرآن ليعيد توجيه البوصلة، لمن يتدبر القرآن يعرف أن القرآن يحدد لك الصراعات التي يستحق العيش من أجلها. أنت تصارع خلف لقمه عيش ولا خلف دنيا؟ ليست هذه! لم أخلق من أجل هذا! كأن الله عز وجل يقول لك في هذه القصص: انظر إلى الصراعات الشريفة، انظر إلى الحياة التي ينبغي أن تعاش، والمواجهات والقضايا التي يعيشها الإنسان.

يعيش قضية نوح مع قومه، وقضية عاد مع قومه، وقضية صالح مع قومه، لكن تعيش في زمنك وفي الفترة أو الحقبة التي خلقك الله سبحانه وتعالى فيها، فتبقى هكذا بهذه الصراعات امتداداً لسلسلة الأنبياء، من ورثة الأنبياء، ورثة ذلك النور الذين عاشوا من أجل الأهداف الشريفة، وهو التوحيد وتحديد الولاء الصح، وإثبات التمسك بالوحي. وهذا كله يعود إلى بداية سورة الأعراف: اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ.

للأسف كثير من الأطروحات المعاصرة أصبحت تطرح قضايا العقيدة وقضايا التوحيد وقضايا الإيمان على أنها قضايا شخصية، أو قضايا لا ينبغي أن تأخذ تلك المساحة الكبيرة من حياة الشعوب، وأن القضايا الكبيرة التي ينبغي أن تهتم بها الشعوب قضايا الوحدة الوطنية والقومية العربية والأفكار الاجتماعية وأن هذه هي الأفكار التي يعاش من أجلها ويفكر فيها. وأما قضايا التوحيد قضايا أنه أنت مسلم ذاك يهودي أو نصراني، أنت يعني متمسك بدينك أو علماني، هذه كلها أمور شخصية لا تؤثر على الحياة الاجتماعية.

وهنا انقلبت الحكاية عند كثير من الناس، هنا انقلبت الحكاية وانقلبت الولاءات وانقلب الفكر وأصبحت العلمانية هي التي تحكم، وهذا طبعا ضريبة من ضرائب العولمة، ضريبة من ضرائب الهيمنه الأمريكية والصهيونية العالمية على العالم، من خلال أذرعتها في الإعلام، الإعلام العربي والإعلام والكتب والمناهج والمدارس والجامعات وتصدير بعض المتأسلمين الذين يتكلمون باسم الغرب وباسم هذه الأفكار الذين كان هدفهم مع الوقت تهوين مسائل العقيدة في الشعوب، وتهوين الصراع من أجل الحق والباطل في الشعوب، وإظهار أن هذه أمور لا يستحق أن يعاش من أجلها، وإنما الذي يستحق أن يعاش من أجله هو أن تلهث خلف لقمة العيش، وأن تعيش لشهوتك وحياتك، ثم بعد ذلك تموت وتعود إلى الله سبحانه وتعالى.

وغفلوا أن الإنسان إذا نزل في قبره فإن أول ما يسأل عنه ليس راتب الشهر ولا الملذات التي عاش من أجلها، وإنما يسأل عن القضية الأساسية وهي التوحيد: من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ هذه الأسئله الثلاثة إنما يجيب عنها في قبره من عاش من أجلها. فدعونا ننظر سريعاً في كيف ترسخ قصص الأنبياء قضية الصراعات الحقيقية التي ينبغي أن يعيشها الإنسان، والرسائل التي تضمن داخل هذه الصراعات.

فهنا ابتدأت سورة الأعراف بنموذج قوم نوح، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. هنا كالعاده، أي إنسان يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، إلى الولاءات الصحيحة، سيواجه بملا من الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال الذين أغرقتهم الدنيا وتشبثوا بها، يرفضون دعوة الدين لأنهم يرون أن الدين سيحرمهم من المتع واللذات والشهوات ويقيد أهواءهم فلذلك قال الملأ من قومه -الملا عادة تطلق على عليّة القوم الطبقة المترفة الطبقة العليا، وعادة اتباع الأنبياء من يكونون في التاريخ الإنساني؟ اتباع الأنبياء في العادة يكونون من الطبقة المتواضعة الهادئة حتى الفقيرة والضعيفة.

لذلك ملك الروم لما استدعى أبا سفيان بن حرب وسأله عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من يتبعه الأغنياء أم الضعفاء؟ قال: بل الضعفاء. فقال ملك الروم: وهكذا اتباع الأنبياء، لأن سبحان الله المال والثروة والمناصب في الدنيا يخلق عند كثير من الناس ابتعاد عن الدين، لأنه يصبح يرى الدين هكذا يراه بضعفه يراه مقيداً لشهواته وأهوائه.

فقال سبحانه: قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ -الملأ المترف في الدنيا- إِنَّ لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. يعني تدعونا إلى توحيد وقضايا عقيدة وايمان بالله؟ يا اخي احنا عندنا عادات وتقاليد وأفكار ودنيا نعيش من أجلها، أنت مسكين في ضلال مبين! شو قضايا التوحيد هذه التي تدعو إليها وتقاتل من أجلها وتريدنا أن نتبعك فيها؟ لاحظ كيف تنقلب الحكاية، يصبح ذاك الرجل الذي يحمل شهادة جامعية ومتخصص في جامعة كامبرج أو شيء يرى أنه المثقف وهو العاقل، ويرى أهل الخير والصلاح في ضلال، مساكين يعني فقراء مستضعفون لا يملكون معارف كما امتلكت.

المهم قال: يَا قَوْمِ لَيْسَ بِضَلَالَةٍ هنا الثبات، الثبات على الفكرة التي ينبغي أن تكون شخصية المؤمن قائمة عليها. ترى ليس بضلالة ولا بجنون ولا عندي أي ضعف، وإنما الضعف عندك أنت! لَيْسَ بِضَلَالَةٍ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبْلِغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. نعم فالمؤمن الذي عرف الله عنده علم بالله لا يوجد عند ذلك المخالف المنغمس في الدنيا، فإنه لو عرف الله عز وجل حق المعرفة وعظمه حق التعظيم ووقف على أسمائه وصفاته وجلاله لما أعرض عن معاني التوحيد والإيمان.

طيب أي طبعاً سأنا لن امر على كل آية آية حتى يتسع المقام فهم كالعادة كعادة أكثر الأقوام مع أنبيائهم فكذبوه، وطبعا هي فكذبوه فانجيناه 950 سنة اخواني، فكذبوه فانجيناه والذين معه.

هنا مختصره لكن في السوره القرانيه الاخرى وضحت ان هذه فكذبوه فانجيناه، جلس 950 سنه في حياه سيدنا نوح عليه السلام فانجيناه والذين معه في الفلك. فالحياه الماديه والشهوات والاهواء التي تعيش من اجل اها مهما عشت فكذبوه فانجيناه والذين معه في النهايه في النهايه سيسقط الباطل، ست ستسقط الماديه، ستسقط الشهوات، ستسقط الاهواء، ويرفع الله الذين امنوا منكم. هكذا هي سنه الله سبحانه وتعالى، ولو طال الامر، ولو طال البلاء على اهل الايمان، ولو استشهد منهم من استشهد في طريق الدعوات، لكن في النهايه سيكون العلو لاهل الايمان وسيخسر كثيرا من عاشوا من اجل تفاهاتهم.

فكذبوه فانجيناه والذين معه في الفلك واغرقنا الذين كذبوا باياتنا. شوف النهايه، اغراق، انتهى كل شيء، غرقوا جميعا في اوحال شهواتهم، مما خطيئاتهم اغرقوا فادخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله انصارا. غرق في الدنيا وغرق في الاخره في نار جهنم، لماذا؟ لانكم غيرتم الولاءات ولم يكن ولائكم بالاتجاه الصحيح.

ايضا نموذج اخر، والى عاد اخاهم هودا، والمراد بالاخوه هنا اخوه النسب، المراد اخوه النسب، اخاهم هودا لانه كان من صلبهم، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره. هذه هي دعوه الانبياء، هي القضيه العظيمه، اياك انك تستهين بمسائل التوحيد وتقول انها مسائل هامشيه. نوح عليه السلام: اعبدوا الله ما لكم من اله غيره، هود عليه السلام: قضيه التوحيد هي الحاضره في حياته: اعبدوا الله ما لكم من اله غيره. ما لك اي ولاء واي انتماء واي شيء ضد الله سبحانه وتعالى، ما لكم من اله غيره، افلا تتقون؟

نفس الشيء قال الملا، اهل الترف، اهل الدنيا، قال الملا، قال الملا الذين كفروا من قومه: انا لنراك في سفاه. شوف قوم نوح ماذا قالوا لنوح: انا لنراك في ضلال مبين، انت انسان مسكين بسيط يعني لست على هدايه ولا على معرفه كما نحن. قوم هود ماذا قالوا لهود: اننا نراك في سفاهة، سفيه يعني انسان جاهل انسان بسيط، اخي تقاتل من اجل التوحيد، انظر الى الصناعات التي انشانا يعني نموذج عاد يا ناس تمثل امريكا اليوم، تمثل راس ماليه وتمثل الصناعات حتى في التاريخ القديم.

فيقول: انا لنراك في سفاهة، وانا لنظرك من الكاذبين. قال: يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين، ابلغكم رسالات ربي وانا لكم ناصح امين. يعني انا مشفق عليكم وادرك انكم غارقون بالماديات وباتباع للعادات والتقاليد الاباء، انا رسول ناصح من رب العالمين اريدكم ان تخرجوا من الظلمات الى النور. فيقول لقومه: اوعجبتم ان جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم، واذكروا اذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة، لان قوم عاد كانوا اشداء ضخام وبنوا كما جاء في سوره الشعراء، ومر معنا وكيف كانوا يبنون المصانع ويبنون وعندهم من امدكم بانعام وبنين وجنات وعيون، كانوا قوم بناء وقوم زراعه وقوم انعام ملوا الارض بجبروتهم.

قال فاذكروا آلاء الله، هذه النعم اللي انت فيها في حياتك، آلاء الله هذه النعم، نعمه مثلا الثروه، ونعمه الحياه الهادئه، والبيت الهادئ، والسياره، والشغل، والامن والامان، والعافيه، هذه آلاء ونعم تستحق منك الشكر لله سبحانه وتعالى وليس الكفر والعتو والاعراض عن مسائل الدين والتوحيد. فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون.

فقالوا: أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا؟ احنا ان عاداتنا وتقاليدنا وتراثنا وكذا تريد نترك كل العادات والتقاليد ونتمسك بما تسميه توحيداً؟ طيب فائتنا بما تعدنا! بدات السخريه، فائتنا بما تعدنا خلينا نرى هذا العذاب الذي وعدتنا به.

فانذر وحذرهم، قال: قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب، اتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم؟ يعني أنتم تتمسكون بأصناف أنتم سميتموها اسماء انها آلهه لكن في الواقع لا تضر ولا تنفع ولا تخدم ولا شيء، مجرد عادات وتقاليد فارغه لا تسمن ولا تغني من جوع. قال: فانتظروا إني معكم من المنتظرين. دعونا نرى هل هذا العذاب هو مزحه استهزاء ام حقيقه، ان نصر الله اد.

فانجيناه والذين معه، الله عز وجل هنا يركز على النهايات، النهايات بعد طول العناء والدعوه الى الله سبحانه وتعالى يقع الهلاك على الكافرين والنجاه لاهل الايمان، وان كان هذا يكون بعد قرن أو قرنين ما هي مشكله، لأن بعض الناس يظن فانجيناه لازم تكون يعني بعد خمس ست سنوات من الدعوة لازم تأتي فانجيناه، لا لا هذه فانجيناه ممكن تاخذ قرن، ممكن تاخذ 150 سنه، 200، 300، ذلك علم الله سبحانه وتعالى.

ايضا والى ثمود اخاهم صالحا، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره. لاحظوا وحده رساله الانبياء، هذه الرساله الحقيقية التي يعاش من أجلها: التوحيد الخالص لخالق الاكوان سبحانه وتعالى. وأخبرهم أن الله عز وجل ارسل لكم بينه، بينه وهي ناقه صالح، هذه المعجزه الباهره التي خرجت لهم من الصخر، لأن قوم صالح ثمود كانوا مشهورين بماذا؟ بالنحت في الصخور ويصنعون منها قصوراً وذلل من النحت هذه مهارتهم العاليه، فاخرج الله لهم ناقه امامهم تمشي وتسير وتحلب، هذه الناقه خرجت من الصخر امام أعينهم. قد جاءتكم بينه من ربكم، هذه ناقه الله لكم آية، فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.

ثم ذكر قال: واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً، فاذكروا آلاء الله. احذر أن تستعمل ما أنعم الله عز وجل به عليك في معصيته، هذه رساله الانبياء لأقوامهم. فاذكروا آلاء الله تذكر أنه ما أنت فيه من المال والامن والامان نعمه من نعم الله، فلا تستعمل نعم الله في الاعراض والمحاربه له كحال الراسماليه اليوم، كل هذه التكنولوجيا وكل هذه الصناعات وكل هذه الثروات التي خرجت من الارض بدل للاسف أن توظف في طاعة الله وفي عمارة الأرض، توظف في قتل المسلمين وفي الحرب على الاسلام، نسال الله العفو والعافيه.

قال الملأ الذين استكبروا من قومه، دائما مين اللي يحارب الدعوات الصالحه؟ اصحاب الثروات، اهل الانغماس في الدنيا، ويكون الفقراء المغفلون أحياناً تبعاً لأصحاب الثروات ومأجورين لهم، وإلا الإنسان العاقل ينتبه. قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا، راح المستكبرين ذهبوا إلى المستضعفين فقالوا لهم: صالح يقول لكم إنه مرسل من ربه. فقال المستضعفون المتيقظون طبعا: إنا بما أرسل به مؤمنون. فقال الذين استكبروا: إنا بالذي آمنتم به كافرون. فعقروا الناقه وعتوا عن أمر ربهم، وبدات مرحله الاستهزاء بالدعوه وباهل الدعوه وباهل الصلاح وباهل التوحيد، فكانت النتيجة سهلة جداً.

فاخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. مجرد صيحة من السماء أطلقها جبريل أو ملك من الملائكة، صيحة لم تأخذ ثواني معدودة، كان قوم صالح بكل منتجاتهم العمرانيه والاقتصادية وكل منتجاتهم بصيحه واحدة لم تتجاوز ثواني، أصبحوا جثثا هامدة في بيوتهم. فمر عليهم صالح في نهاية الامر وقال: لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين. انا كنت ناصح وحاولت أن أبين لكم، لكن للأسف أنتم رضيتم لأنفسكم هذه النهاية.

وهذه نهاية كل انسان مادي، كل انسان قلل من شان التوحيد وقلل من شان الاله واعتبرها مسائل على هامش الحياه وعاش الحياه من أجل المادة، هذه نهاية كل انسان لما يأتي يوعظ بالخوف من الله وتوحيد الله وتوحيد شرع الله يهون هذه الامور ويقللها ويستهزئ باهل الخير والصلاح الذين يسيرون على خطى الانبياء. النهاية لك ستكون هي نهاية ثمود وعاد وإن اختلفت اشكالها وإن اختلفت امورها، لكن ستكون لك نهاية وخيمة في هذه الحياة الدنيا والعياذ بالله.

نفس الشيء لوط، سيدنا لوط عليه السلام، ولوطاً إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين؟ يعني ليس فقط شرك بل حتى شذوذ جنسي وانتكاسة في الفطر والعياذ بالله. إنكم لتاتون الرجال شهوة من دون النساء، خالفتم كل البشرية في فطرها بل أنتم قوم مسرفون.

وما كان جواب قومه إلا شوف الاجوبة، جواب قومه شوف كيف جواب القوم، هذا المفهوم كيف عالجوا دعوة لوط عليه السلام؟ لاحظ الشقاء لإنسان الغارق في شهواته، قالوا: أخرجوهم من قريتكم، اخرجوا لوطاً والمؤمنين معه من القرية إنهم أناس يتطهرون، ناس بدهم الطهارة وأن ايش بدكم القذاره سبحان الله. انهم أناس يتطهرون، يتنزهون عن هذه القاذورات، يعني انتم ما بدكم تتنزهوا عن القاذورات انتم بدكم تنغمسوا في هذه القاذورات، لأنه الطهارة هي النظافة من الأدناس والقاذورات الحسية أو المعنوية. فلما فعلاً بلسانهم قالوا ان قوم ان لوط والمؤمنين معه يتطهرون عن قذارتنا، إذاً انتم قوم عندكم قذارة، أليس كذلك؟ طيب النهاية فانجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. أهلكها الله سبحانه وتعالى مع من أهلك.

وأمطرنا عليهم مطراً، الله عز وجل أمطر عليهم حاصباً، وأيضاً قلبت قريتهم بطرف جناح جبريل رأساً على عقب لفعلتهم الشائنة.

نموذج رابع، والى مدين أخاهم شعيباً، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره. شعيب أرسل إلى مدين ويخبرهم بدعوة التوحيد أيضاً، وأخبرهم أن الله عز وجل قد أرسل إليكم من البينات ما أرسل، فأوفوا الكيل والميزان. قوم شعيب مشكلتهم المادية هي مشكلة المال والتلاعب بأرزاق الناس ومكاييل وموازين، يعني اذا بتلاحظ كل قوم لهم مشكلة، يعني قوم عاد الصناعة والتجارة والأموال، قوم ثمود النحت والبناء والعمران، قوم لوط شهوة الجنس بس أفضع وأسوأ اشكالها، وقوم شعيب التلاعب بالموازين والمكاييل، كلها دنيا اتخذوها أولياء من دون الله.

كل هذا يعود إلى أول السورة: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء. فكل هؤلاء الاقوام انغمسوا في شهوات الدنيا وملذاتها مبتعدين عن اعبدوا الله ما لكم من اله غيره، مبتعدين عن منهج الله سبحانه وتعالى. فها هو شعيب يقول لهم: فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به.

قوم شعيب كانوا يجلسون لأهل الإيمان، لكل واحد ليلتزم، لكل واحد يريد أن يدخل في طريق الهداية، يجلسون له على طريق الاستقامة يخوفونه: معقول بدك تصير شيخ؟ معقول بدك تصبح تصلي الفجر في المسجد؟ معقول بدك اختي الكريمه تتحجبي وتلبسي النقاب أو شيء أو الجلباب وتصبحي من اهل الاستقامة؟ يجلسون للملتزمين لأهل الخير والصلاح يخوفون، يوعدون، يتوعدون: رح نحرم، ما رح نعطيكم، رح نلاحقكم، سنمنع كل شيء عنكم.

فشعيب يقول لهؤلاء: ولا تقعدوا بكل صراط لا تجلسوا في طرق أهل الإيمان توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به. تتوعد أهل الإيمان وتصدون عن سبيل الله برامج وأعلام وفساد أخلاقي وسلوكي، وتبغونها عوجاً، يريدون أن تبقى حياة الناس في اعوجاج. شوف سبحان الله وتبغونها عوجاً! والله إخواني أن الإنسان يعني يشاهد هذه الآيات في الواقع، يبغونها عوجاً، لا يريدون للناس الاستقامة، لا يريدون للناس الهداية، لا يريدون للناس أن يبقوا في درب الصلاح والخير، يبغونها عوجاً يريدون للناس أن يبقوا في شهواتهم وأهوائهم وملذاتهم ودنياهم.

وإذا شخص التزم أو انضم إلى أهل الخير والصلاح والالتزام يصبح يهدد، يخوف، يستدعى: ليش بتصلي الفجر في المسجد؟ انت صاحي بدك تصير ملتزم؟ بدك كذا؟ بدك تترك مستقبلك وتصير مع الشيوخ أو الدعاة؟ انت ناوي معقول يعني تصير بح مع عهد الالتزام والخير وتلبس الحجاب؟ ويريدونها عوجاً، ويصنعوا لك أفلام مسلسلات استهزاء بهذا الخير والصلاح، برامج آليات ثقافية وتربوية، كلها الهدف أن يبقى الناس في اعوجاج. لاحظوا وتبغونها عوجاً!

والله غريب ذلك الإنسان الذي لم يكتفي أنه هو يعيش من أجل شهواته بل يريد الناس أن يعيشوا مثله، يريد للناس أن يعيشوا مثله. يا أخي، إذا أنت ضعفت عن الاستقامة خلي الناس تستقيم، انت ايش علاقتك بالناس؟ إذا أنت راغب أن تعيش من أجل شهواتك وأهواك خلي الناس تعيش من أجل معاني شريفة. لماذا لا؟ أنت فاسد وتريد الناس أن يفسدوا معك، أنت ضال وتريد الناس أن يضلوا معك، وتتوعد أهل الخير والالتزام وتحارب في دروسهم وبرامجهم ومشاريعهم وخيرهم، تريد الناس أن يصبحوا مثلك؟ سبحان الله، أسأل الله العفو والعافية، هذا قمة شقاء الإنسان أنه ليس فقط ليس فقط هو الضال بل يريد الناس أن يبقوا على ما هو عليه وأن يعيشوا كحياته الفاسدة وتبغونها عوجاً.

طيب نقفز إلى الجواب، قال الملأ الذين استكبروا من قومه، لاحظ الملأ المستكبرين اصحاب الثروات، أصحاب الدنيا، المنتفعين من حالة الفساد سميهم، أنا المنتفعين من حالة الفساد ويروا أن الشريعة ستتحول بينهم وبين الوصول إلى انتفاعهم بالشهوات وبالمحرمات. لنخرجنك يا شعيب، شوف اللهجة القاسية، لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا. طبعا لتعودن في ملتنا لا يدل على أن شعيب كان على ملتهم ثم تركها لا، وإنما المراد لتعودن في ملتنا يعني لتدخلن في ديننا وتتركوا ما أنتم عليه.

فشعيب يقول لهم: طيب أو لو كنا كارهين؟ طيب إذا احنا كرهنا ونرفض تماماً أن نخضع لمبادئ وشهوات وأفكاركم وعقائدكم وكنا مصرين أن نبقى على درب الالتزام، أفترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم؟ خيانة لله سبحانه وتعالى أن نترك درب الالتزام ودرب الصلاح ودرب الخير اللي شفنا ثماره وآثاره الطيبة في حياتنا، نترك كل هذا من أجل لعاعة من الفاسدين والمستكبرين والمتلاعبين بأرزاق الناس وحياتهم؟ خيانة، قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا.

وهذا، طبعا، هو لا يجوز لهم أن يعودوا في دين الكفر، وتعليق ذلك على المشيئة كما قال المفسرون يكون من معانيه أن كل شيء بمشيئة الله، يعني نحن نخضع لمشيئة الإله الذي يأمرنا ربنا نفعله رح نفعله، أمرنا نكون هون نكون هنا، أمرنا أن نكون هنا نكون هنا؛ فهو إخبار أن كل شيء يفعله الإنسان خاضع لمشيئته، وليس إخبار أن الله عز وجل يريد من الإنسان أن يعود إلى ملة الكفر، حاشاه سبحانه وتعالى أن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر.

طيب، وسع ربنا كل شيء علما. في النهاية على الله توكلنا، يعني اعمدوا اللي بدكم إياه على الله توكلنا اللي بيطلع في إيدكم سووه بلغتنا العامية. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ.

بدأت، طبعا، يعني الدعوة أو المحاربة والمواجهة لشعيب والدعاية الإعلامية، وقال الملأ الذين كفروا من قومه. بدأ الملأ المستكبرين يذهبون إلى أهل الإيمان يقولون لهم: لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون. هذا رجل رح يحرمك من أنك تعيش حياتك، رح تخسر إذا اتبعت أهل الإيمان وأهل الخير والاستقامة والصلاح، رح يقل راتبك وراح يقل وظيفتك، وأنت أيتها الفتاة الجميلة سيحرمونك من أن تظهري جمالك ومفاتنك للناس وكذا، ترى رح تخسروا كثير إذا اتبعتم أهل الخير والاستقامة.

طيب، فجاءت النتيجة النهائية، وقفتم في وجه الدعوات، وقفتم في وجه الإله. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ. كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي. إذا النهاية: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ. وفي سورة الشعراء: أَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْفِيهَا. الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا. الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ.

ما معنى؟ شوف أنا هذا التعبير مخيف: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا، يعني كأنهم ما عاشوا في الدنيا، كأنهم ما أقاموا في ديارهم، وكأنهم لم يتمتعوا بشيء؛ لأنه كم مدة الحياة الدنيا؟ كم مدة الحياة الدنيا أيها الكرام؟ والله الحياة الدنيا غمضة عين، بعيش الإنسان 60، 70، 80، سريعة تركض ركضا، ومسكين اللي عاش هي الـ 60 والـ 70 في وجه الدعوة محاربا لله ورسوله. الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا، اللي وقفوا في وجه الدعوة ووقفوا في وجه الإسلام، وقفوا في وجه أصحاب الدعوات، لما يأتيهم الموت وياتيهم الدمار يتذكرون شريط الحياة، الحياة لحظة انتهت، لكن كيف انتهت حياتك؟ انتهت بكآبة وشقاء وابتعاد عن منهج الله سبحانه وتعالى، كأنهم لم يتمتعوا بشيء. شو قيمة حياة شهوات وملذات وجنس ورأس مالية وسيارة وشيء، ثم بعد ذلك تنتهي بسخط الله وعذاب الله والخلود في نار جهنم؟ فعلا كأن لم يغنوا فيها، ما عاشوا. الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ. نسأل الله العفو والعافية.

فشعيب مر على ديارهم وهم هلكى صرعى، كما مر قبله صالح، فقال لقومه وهم صرعى أمامه: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ، يعني أنا بينت كل شيء ووضحت كل شيء، لكن للاسف أنتم أصررتم أن تكون هذه نهايتكم، فكيف آسى على قوم كافرين؟

ثم يخبرنا الله عز وجل هنا بسنة عامة قبل أن يدخل السياق في قصة قوم، في قصة موسى وهارون مع قومهم، يخبرنا الله عز وجل بسياق عام: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ. هذه سنة الله المتكررة أننا لا نرسل نبيا في قرية من القرى إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء.

يخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه عندما يرسل أنبيائه إلى القرى، عندما يرسل أنبيائه إلى القرى فإنه سبحانه وتعالى يبدل عليهم الحال، الله عز وجل يبدل الحال على البشرية، فأحيانا يكون حالهم في بأساء وضراء، لعل الشدة والبأساء والضراء في أبدانهم وأموالهم تكون سببا في استيقاظهم، وبعض الناس لا تزيده الشدة والبأساء والضراء إلا بعدا، وبعض الناس تزيده البأساء والضراء قربا من الله.

فالله يخبر عن سنته الجارية أنه ينوع الأحوال على البشر، ينوع الأحوال، فأحيانا ينزل عليهم البأساء والضراء في أموالهم وأبدانهم لعلهم، يعني لاحظوا ماذا قال: لعلهم يتضرعون، لعل هذا الإنسان في لحظة المرض، في لحظة الضعف، في لحظة الفقر يتذكر رب العالمين ويعود متضرعا بين يديه منكسرا لإلهه وخالقه، لكن بعض الأشقياء لا يزيده البلاء إلا بعدا.

ثم يبدل الله بعد الشقاء، الشدة، يبدل الله سبحانه وتعالى ذاك بماذا؟ مكان السيئة الحسنة، يعني مكان الشدة والبلاء تأتي الحسنة، المراد بالحسنة الرخاء والسعة، ويغدق عليهم الأموال والنعم، لعل بعضهم يستيقظ ويتذكر أن الذي أنعم وبدل الحال إلى أحسن حال هو الله عز وجل فيقترب، ولكن للأسف أكثر البشرية عندما تاتيهم النعمة بعد الشدة والرخاء بعد الضيق يظنون أن هذا شيء يستحقونه هم، وذاك بذكائهم وعملهم: إنما أوتيته على علم عندي، فيقوده، حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء.

يعني الجيل الثاني، الابناء بتلاقي أبوه مثلا كان في وضع مادي صعب وحياته مرهقة وتعب، ثم جاء بعد ذلك هذا الابن فأخذ الميراث على البارد المستريح وكانت حياته فرقاء وكذا وبقول والله أبوي كان وضعه صعب وأجدادنا كانت حياته بس الحمد، يعني يا ريت بحكي الحمد احنا لا احنا لأنه عرفنا نستثمر الأموال ونوفره وكنا أذكى من آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا، استطعنا انه نعمل حياة أوسع ورغد في العيش، لم ينسب الشيء إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما قالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء، يعني قضية الشدة اللي كان فيها آبائنا وأجدادنا تاريخ، وأما احنا الآن في أمورنا طيبة والحياة موجودة وهذا بفضل قدرتنا وذكائنا وتخصصاتنا الجامعية وأفكارنا والمشاريع اللي عملناها.

طيب، فنسوا رب العالمين ونسبوا كل شيء إلى دنياهم وإلى ذكائهم وجعلوا موضوع العبادة والدين مواضيع هامشية لم يعيشوا من أجلها. قال الله عز وجل: فكل هؤلاء عبر التاريخ أخذناهم بغتة. شوف، أخذناهم بغتة. شوف عنصر المفاجأة، بتلاقيه هو في قمة حياته المادية، في قمة سيارته وشهوته ولذته فيأتيه الموت على حين بغتة يخطف من هذه الحياة ليذكره، أنت أيها الانسان بدلا من أن تجعل هذه النعم وهذه الآلاء سببا في شكر الله والخضوع لأمر الله جعلتها سببا في نسيان أمر الله والاستهزاء بأهل الخير والصلاح والالتزام، ومعجب أنت بذكائك وتخرجك وجامعتك ووظيفتك على حساب شرع الله وأمر الله، فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون.

ثم يخبر الله سبحانه وتعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا، الناس لو سلكوا درب الاستقامة والصلاح لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، لوسع الله عليهم بركة التوحيد وبركة الايمان وبركة الخير والصلاح، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون.

أفأمن أهل القرى أن ياتيهم باسنا بياتا وهم نائمون؟ يعني الله عز وجل كأنه ينكر على أهل القرى ويتعجب من هذا الأمان الزائف الذي يعيشونه وهم مصرون على معصية الله: يا أهل القرى، يا أهل البلدان الذين تقيمون على معصية الله سبحانه وتعالى، والله غريب حالكم، يعني أمنتم أن الله عز وجل وأنتم في ليلة من الليالي نائمون يرسل صاعقة من السماء أو عذاب من السماء فيهلك هذا البلد بكل من فيه؟ أو أمن أهل القرى أن ياتيهم باسنا ضحى وهم يلعبون؟ أو أمنوا، يعني وهم لا مش في ساعات الليل، هم في الصباح يركضون ويلهثون خلف وظائفهم وأعمالهم معرضون عن شرع الله وأمر الله، أن ياتيهم العذاب في تلك الساعة؟

أفأمنوا مكر الله؟ أمنتم مكر الله؟ أمنتم أن يعذبكم الله؟ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، الذي يأمن مكر الله هو إنسان خاسر نسي أن هناك إلها يحكم هذا الكون ووضع قوانين هذا الكون وكل شيء يسير بأمره، وظنوا أن الدنيا هي مجرد القواعد المادية التي يحكمهم ويحكومون.

أولم يهدي للذين يرثون الأرض من بعد أهلها؟ المشكله كذلك الأجيال اللاحقة، وهذه رسالة لكفار قريش ولكل الكفار إلى يومنا هذا، لأمريكا، لروسيا، لكل الأفكار التي تبتعد عن دين الله، الذين يرثون الأرض من بعد أهلها، الذين ورثوا أماكن قوم نوح وقوم عاد وقوم صالح، الذين ورثوا الاقوام الماضين وهم الآن موجودون وتعرفون قصص الاقوام الماضين وماذا أنزل الله بهم من العذاب.

كثير من الناس يعيشون في مكان وفي مناطق يعرفون أنها في الماضي كانت مناطق عذاب أو كانت لأقوام صدوا عن دين الله فأهلكهم الله. أولم يهدي للذين يرثون الأرض من بعد أهلها؟ يعني ما خطر ببالهم؟ ما اجا في ذهنهم أن لو نشاء أصبيناهم بذنوبهم؟ المشكلة أنك أنت عايش في مكان بتعرف أنه مكان عذاب ومع ذلك مش معتبر ومصر أنك تعيد نفس الكرة ونفس العتو ونفس الاستكبار عن شرع الله سبحانه.

طيب، أنت تعيش في مكان أو في قرى، يعني عفوا، أراضي العرب هي أراضي قوم عاد وثمود، ترى أراضي العرب هي أراضي قوم عاد وثمود ونوح، وأكثر الصراعات وأكثر العذاب وقوم كلها كانت في بلاد الشام وجزيرة العرب، هكذا كان العالم قديما ونحن نعيش قريب من ديار قوم لوط وقريب من ديار قوم ثمود، ديار قوم ثمود يا اخواني شمال المدينة النبوية وقريب من ديار قوم عاد جهة اليمن ونعلم أن هذه مناطق عذب الله أهلها لأنهم استكبروا عن شرع الله، ومع ذلك يأتي جيل جديد يسكن هذه المناطى ويعيد نفس المأساة ونفس الكفر ونفس الإعراض عن دين الله.

فالله يقول لهذا الجيل الجديد اللي ورث الأرض من بعد أهلها: ما خطر ببالك أننا نعذبك؟ كذبنا هؤلاء، ولكن سبحان الله ونطبع على قلوبهم، هي مشكلة أن من ناحية عقلية الإنسان ذكاءك قد تنحرف عن شرع الله، إيش اللي يجعلك تقوم بحفلات نائية راقصة في مناطق عذب الله عز وجل فيها القوم الفاسدين؟ في مناطق عذب الله فيها القوم الفاسدين أنت تاتي بالراقصين والراقصات والمغنين والمغنيات في تلك المناطق وكأنك تحارب الله وتعاند الله وتقول: يا رب، في أماكن العذاب أنا سأضع الحفلات من المجون والفجور. هذه قمة العتو، لكن هي مشكلة نطبع على قلوبهم، الحرمان من التوفيق، قال سبحانه: وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ والعياذ بالله، الغفلة، طبع على القلب أنه هذا قلب خلاص للكفر، هذا قلب للنار، هذا قلب فاسد خبيث، فالله عز وجل يطبع فلا ينتفع ولا يستفيد ولا يعتبر من أحوال القوم الماضين.

تلك القرى نقص عليك من أنبائها، ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات. كل تلك القرى، ثمود وعاد ونوح وبرجع بقول الله عز وجل في القرآن لما خاطب كفار قريش ابتداء بهذه الديار؛ لأن هذه الديار كفار قريش يعرفون أماكنها، كفار قريش يعرفون أين كان قوم عاد وأين أماكن عذابهم، ويعرفون أين قوم ثمود وأين أماكن عذابهم، وأين قوم شعيب وأماكن عذابهم، وأين قوم يعرفون تلك المناطق، وفي رحلة الشتاء والصيف يمرون عليها.

فالله يقول لنبيه ولمحاربة قريش: وَعَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين. تمام، طبعا شوف، يعني قضية الطبع والختم كأن الله يقول: الجيل الثاني وكفار قريش وكل من سحارب الله ورسوله في هذه الديار للأسف قوم طبع الله على قلوبهم، قوم بهت، قوم فساد فلن يؤمنوا كما لم يؤمن الذين من قبلهم، لن يسيروا على هداية واستقامة؛ لأنه نفس المشكلة تعرضوا لها فطبع الله على قلوب المعاصرين كما طبع على قلوب الاقدمين، فلا يعتبرون ولا ينزجرون ولا ينتبهون أنه هذه المناطق في يوم من الأيام حدثت فيها عذابات إلهية مخيفه، حدثت فيها صاعقة إلهية ورجفة إلهية وإغراق وإهلاك.

لكن سبحان الله الكفر ملة واحدة عبر التاريخ، طبع الله على قلوبهم فلا يهتدون ولا يعتبرون، نسأل الله السلامة والعافية. وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّن عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ، وهذا هو سبب الطبع على قلوبهم، أنهم قوم تشربوا الشهوات وتشربوا حب الدنيا وتشربوا الفسق وهو الخروج عن شرع الله فطبع الله بسبب ذلك على قلوبهم وأصبحوا لا يعتبرون.

سأقف اليوم عند هذا المقدار، ثم نكمل إن شاء الله الحلقة الأكبر في قصة سورة الأعراف وهي قصة موسى مع فرعون، ثم قصة موسى مع بني إسرائيل، وهذه قصة طويلة ومليئة بالعبر في الصراع بين الحق والباطل، والصراع من أجل القضايا الشريفة، وكيف تم مقابلتها، وكيف يهلك الله القوم الفاسدين، والصراع الأبدي أو الطويل دعونا نقول مع بني إسرائيل.

نسأل الله عز وجل أن يهلكهم وأن يبعد شرهم عن بلاد المسلمين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. ونلتقي إن شاء الله في مجلس آخر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.