يا السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله جميعا، الإخوة والأخوات الكرام والكريمات. أتأكد من جودة الصوت بارك الله فيكم، أيضا الإخوة الذين يتابعون عبر اليوتيوب. يا رب، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا.
طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وصل وسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أصبحنا على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين.
حياكم الله في مجلس جديد من مدارج القرآن وفي رحلة إنسان في القرآن، هذا المجلس الذي يتجدد بنا في صبيحة كل جمعة بحمد الله للحديث عن القواعد العامة والكليات العامة لآيات ربنا سبحانه وتعالى، هذه الكليات التي لا ينبغي أن يجهلها مسلم ولا يسع المسلم أن يجهلها وهو يسير في رحلته في هذه الحياة الدنيا. فإن القرآن أيها الكرام من مزاياه العظيمة أنه يعيد ترتيب المهمات في حياة الإنسان وترتيب الأولويات، ويعيد ترتيب نظرة الإنسان للأمور في حياته. هذه من جماليات القرآن العظيمة لكل مسلم أنه يعيد ترتيب أهميات الأمور أو مهمات الأمور، ويعيد ترتيب أولوياتها، ويعيد نظرتك للاشياء لترى الأشياء كما هي، كما يريد الله سبحانه وتعالى أن نراها وكما هي في الواقع.
ترى الدنيا تفاهتها وحقارتها وتقاتل الناس عليها، وترى الآخرة بعظمتها وجلالها وأهميتها، ترى الشهوات بحجمها وبشكلها الحقيقي، وترى الطاعات والقرب والاستقامة بطريقتها وصورتها الحقيقية، ترى طرق الضلال وطرق الظلمات والفساد كما هي، وترى طريق الاستقامة والنور والهدى بالمعايير التي أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون. لذلك الإنسان الذي تكون صحبته مع القرآن قوية تجده دائما مستيقظا منتبها على نفسه وعلى حياته، منتبها للصراعات التي يدخلها والمجالات التي يسلكها، تجده مرتبا لنفسه، مرتبا لزمانه لده، يعرف ما يصلحه في الدار الآخرة فيقبل عليه، ويرى الفساد والشهوات تصده عن طريق مولاه فيبتعد عنها.
وكلما كانت علاقتك بالقران أوثق، كلما كانت المهمات مرتبة في حياتك بشكل أوضح، وكلما كنت ترى الأشياء كما هي بشكل أوضح. هذه افهموها إخواني وأخواتي، كلما كانت علاقتك بالقرآن قوية تدبرا ونظرا وتملأ، كلما كانت قدرتك على أن ترى الأشياء كما هي من الخير والشر تكون قدرتك أفضل وأجود. ولما تكون علاقتك مع القرآن ضعيفة ومهزوزه، تكون نظرتك للأشياء ضعيفة ومهزوزة، بل والله إن الإنسان لا يجد هذا في نفسه بقدر اهتمامه بالورد القراني وشغفه به، وبقدر تقصيره في الورد القراني وابتعاده عنه.
تأتي عليك أيام تكون علاقتك بالورد القراني عالية، ويكون مرورك على معاني القرآن بتركيز، حتى طريقة قراءتك للورد القراني ليس فقط اهتمامك بأدائه اليومي بل طريقة القراءة، لأنه أحيانا ممكن أنت تقرا الورد القراني يوميا لكن بحالة من الغفلة وإنجاز مهمات أخرى أثناء قراءة القرآن، فأنت غير منتبه لمعاني القرآن. الذين يقراون الورد القراني يوميا وبجودة عالية هم الأقدر على أن يروا الأشياء كما هي بشكل واضح ومميز. والذين يقصرون في الورد القراني أو يقرؤون القرآن لكن ليس بطريقة جيدة، أو يقرؤونه وهم دون أعمال حياتية أو في حالة غفلة، المهم هؤلاء مع مرور الوقت، حتى ولو كان لديهم شيء من العلاقة بالقران تبدأ همتهم تضعف في هذه الحياة، تبدأ بصائرهم تضعف عن رؤية الأشياء كما هي، تبدأ الدنيا تعظم في نفوسهم.
في يوم من الأيام لما كان مقبلا على حلقات القرآن أو العلاقة مع القرآن بشكل جيد، كان زاهدا في الدنيا غير متأسف على ذهابها مقبلا على الله سبحانه وتعالى يبكي ويخشع، ثم رويدا رويدا بدأ يتاكل الورد القراني ويصبح أداؤه هزيلا. سبحان الله تجد نفس حياته تنعكس تبدأ الدنيا تتضخم في نفسه، أمور الحياة الدنيا والشهوات والملذات تأكل وقته ودماغه وفكره، وأصبح القرآن فقط على هامش الحياة. طيب، لماذا اختلف حالي؟ لأنه أنت ابتعدت عن المصدر الذي أنزله الله سبحانه وتعالى ليرتب الأولويات في حياتك، أنت ابتعدت عن الآيات الأقدر على أن تريك الأشياء كما هي، فابتعد هذا النور من عقلك وذهنك وقلبك، فشيء طبيعي أن تبدأ معاني أخرى هي التي تطغى وتدخل على حياتك ولها المساحة الأكبر.
شيء طبيعي أن تختل نظرتك للأمور، أن يختل نظرتك للحق والباطل والصراع بينهما، وما عدت ترى الحق كما هو وما عدت ترى الباطل كما هو، بدأت الأمور تختلط ويلتبس عليك كثير من بنيات الطريق، السبب أنك ابتعدت عن القرآن. فلذلك لما نتكلم عن علاقة الإنسان بالقران هي ليس فقط أن تحفظ الآيات وتتلوها وأنت بعيد عن معانيها وعن كلياتها، صدقوني أيها الأحبه أن هذا القرآن الذي شكل جيل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وصاغه وصاغ قلوبهم وصبغ حياتهم، لهو قادر على أن يعيد صباغة حياة كل شخص منا.
يعني الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم ما كان عندهم المصنفات التي عندنا في التزكية والكتب في الأخلاق والسلوك والعقائد، إنما كان كتابهم واحد القرآن أقبلوا عليه بشغف وبكل نهم وبكل اهتمام، كان هو الكتاب الوحيد في حياتهم. فلما أقبلوا عليه بكل اهتمام وشغف وحرص وتمسكوا به كما سياتي معنا والذين يمسكون بالكتاب، هؤلاء أيها الكرام استطاعوا أن يصنعوا أمة وجيلا وحضارة، استطاعوا بسبب القرآن لما جعل القرآن سبب لهدايتهم فعرفوا سبب الهدايه وتمسكوا به، استطاع القرآن أن يشكلهم من جديد، يشكل حياة ونفوسا سوية، وصنع منهم أبطالا ورجالا، وصنع أمهات عظيمات ونساء عظيمات، استطاع أن يغير وجه التاريخ.
وهذا القرآن قادر ما دام هذا القرآن صنع جيلا فغير وجه التاريخ، وقادر أن يعيد صناعة حياتك أنت يا من تسمعني وأن يغير كثير من الأمور ويعيد ترتيبها بعد أن كنت غارقا في أوحال الشهوات والدنيا والملذات والافكار والابتعاد عن الله سبحانه وتعالى، وكنت تعطي الدنيا مساحات كبيرة وتعظم وتعظم وتعظم. كلما ازدادت علاقتك بالقران واصبحت افضل وافضل، سيبدا كثير من الامور والمعارك في قلبك تهدا، كثير من الشكوك، كثير من الاضطرابات، كثير من الشهوات، كثير من الفتن، تبدا كثير من هذه الامور تهدا ويخفت امرها وتبدا معاني صحيحه هي التي تطفو على السطح وتحكم حياتك. نسال الله سبحانه وتعالى ان يبصرنا وان يزيد علاقتنا بالقران وان لا يحرمنا من هذا الاشعاع ومن هذا الخير ومن بركاته وان يجعلنا من اهل القرآن من اهل الله وخاصته، انه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلنا أيها الكرام في رحلة إنسان في القرآن إلى قصة موسى مع قومه، قصة موسى مع فرعون، وحقيقة قصة موسى مع فرعون ثم قصته وسجالاته مع بني إسرائيل من أعظم القصص القرآن المتكرر لأنه يجسد حالة عامة في الطبيعة الإنسانية والطبيعة البشرية، حالة عامة من الصراع بين الحق والباطل، هذا الصراع الذي هو مستدام إلى يوم قيامة. موسى عليه السلام ياتي بالحق وبالهدى إلى فرعون، فرعون رمز الطغيان البشري ورمز الفجور ورمز الاستبداد، ففرعون وجماعة من الملأ حوله من المستفيدين ومن المترفين ومن المنتفعين بالدنيا والانغماس والانغلاق فيها ويريدون السيادة والزعامه ولا يريدون لشيء أن يزاحمهم، يقفون في وجه الحق، الحق الذي جاء به موسى واتباع موسى، ويبدؤون بالتامر من أجل تدمير هذا الحق واضعافه.
فصاحب الحق يثبت امام هذه الهجمه الشرسه المستعره من اجل تشويه الحق الذي معه ويظهر على انه سفيه او انسان جاهل او انه لا يعرف شيئا. هذا الثبات على دين الله سبحانه وتعالى الذي اظهره موسى عليه السلام مع ما ايده عز وجل به من المعجزات، احرج فرعون والملا والمترفين المحيطين به المنتفعين من حاله الفساد العام. وسبحان الله كان هذا الثبات الاسطوري الذي فعله موسى عليه السلام سبب في ان بعض الناس الذين كانوا يقفون في جانب الباطل انتقلوا ووقفوا في جانب الحق السحرة ومن امن بموسى بعد ذلك وهم قلة من قوم فرعون.
لاحظوا أن السحرة في لحظة من اللحظات كانوا في صف الباطل يحاولون أن ينصروا الباطل ويعينوه في حربه ضد الإسلام، لكن وثوق موسى عليه السلام وثوق صاحب الدعوة بما معه من الحق وثباته جعل الموازين تنقلب. فهؤلاء الذين كانوا في صف الباطل في ساعة من الساعات ذهبوا ووقفوا بجانب الحق ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى. وأيضا مما نتعلمه من سياق هذه القصة أن هؤلاء الذين اختاروا أن يقفوا بجانب الحق بعد أن كانوا في صف الباطل، كانت النهاية لهم هي الشهادة في الدنيا، وليس شرطا أن ينتصروا الانتصار المادي المحسوس، وإنما كان انتصار السحرة عندما آمنوا وتوعدهم موسى أن يصلب هو انتصار المبادئ، انتصار القيم، انتصار الأفكار، انتصار المفاهيم التي انتقلوا إليها، وهذا حقيقة من اعظم اشكال الانتصار.
أن بعض الناس عندما ينتقل من صف الباطل إلى صف الحق يظن أنه خلص مباشرة يجب أن أنا أنتصر الانتصار المادي المحسوس وأرى الانتصار على يدي وأنني أنجو بنفسي في هذه الحياة الدنيا، ليس شرطا. صورة قصة موسى تعلمнам أن السحرة إنما كان ثواب الله سبحانه وتعالى لهم والثمن العظيم هو أنهم استشهدوا باعوا أنفسهم لله، والله عز وجل تقبل هذه الارواح ورزقهم الشهادة. فانتصار، انتصار قيم، انتصار فكرة، انتصار الثبات، وليس شرطا أن يكون الانتصار المادي المحسوس الذي دائما هو الذي يغلب على هواجسنا.
ثم يستمر الصراع بين موسى وبين فرعون والملا، سيبقى أهل الباطل وأهل الاستبداد مع أنهم رأوا من آيات الله العظمى ورأوا من تأييد الله للصادقين ما رأوا، لكن من نفسه خبيثة ستبقى خبيثة بقوا معاندين لموسى ولقوم موسى وللمؤمنين يحاربونه، يحاولون التضييق عليهم، محاصرة الحق، محاولة طمسه بكل الاشكال الممكنة. إلى أن جاءت اللحظة التاريخية في يوم عاشوراء الذي مر معنا قبل أيام، لحظة تاريخية في يوم عاشوراء عندما هرب موسى ومن معه من المؤمنين من بني اسرائيل من بطش فرعون ووصل إلى جانب البحر، وفرعون جمع عدته وعتاده من أجل أن يدركهم فيهلكهم، والثبات أيضا العظيم لموسى: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ. ويضرب بعصاه البحر وتحصل المعجزة العظيمة، وينفلق البحر ويمر بنو إسرائيل وينتقلون إلى سفينة إلى منطقة النجاة، ثم يتبعهم فرعون بكل غطرسته ويظن أنه قادر عليهم.
فاذا بالبحر يهلك فرعون ومن معه، ويحاول فرعون أن يتدارك نفسه في لحظات الغرغرة: آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ. لكن الآن وقد عصيت من قبل. ثم نجى بنو إسرائيل، شوف هكذا الحياة التاريخ عجله الحياة النفوس الإنسانية. بنو إسرائيل بعد أن كانوا مستضعفين في الارض على يد فرعون وقومه، اهلك الله عز وجل لهم فرعون امام اعينهم في آية عظيمة من آيات الله سبحانه وتعالى، وبمجرد أن نجوا وشعروا بالأمان وانتهاء حقبة من الصراع مع الباطل، هم هؤلاء القوم الذين من الله سبحانه وتعالى عليهم وجعلهم أئمة وجعلهم الوارثين وبعد صراع طويل مع دماء وأشلاء.
لاحظوا لاحظوا هذا الإنسان وراى كل هذا الخير والمعجزات الأمام الباهرة في إهلاك عدوه، بمجرد أن تجاوزوا إلى قرية من القرى مع موسى قالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. فكانت صدمة موسى عظيمة جدا ومذهلة. يا بني إسرائيل بعد كل هذا الصراع مع الباطل مع فرعون، وبعد كل هذه الآيات التي رأيتموها وهذه النجاة العظيمة التاريخية، ما تجاوزنا قرية قريتين إذا بكم تطلبون اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قال: أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا.
وهنا تبدأ القصة تتكلم عن نفوس بني إسرائيل، تلك النفوس غير السوية، تلك النفوس المجرمة، تلك النفوس التي أنعم الله عز وجل عليها بكامل الإنعم ووافر العافية وأعطاها من كل شيء ومع ذلك عاندت جحدت كفرت. شوف ذاك الانسان، طبعا الله عز وجل اخواني لما يقص قصه بني اسرائيل علينا هو يحذرنا من ان نكون على نهجهم وينبهنا نحن امه محمد صلى الله عليه وسلم احذروا وانتبهوا ان يكون حالكم كحال هؤلاء القوم. اذا كنتم في صراع مع الباطل ومن الله عز وجل عليكم وانتصرتم على الباطل وصعد الحق، احذروا يا اهل الحق ان تنقلب نفوسكم الى نفوس خبيثه، تقبلون على الدنيا وتتتو عليها وتنقلب المفاهيم.
هذا الذي حصل مع بني إسرائيل، كانوا في قمة الصراع مع الباطل، انتصروا في لحظة الانتصار وعندما أصبحوا أئمة انغمسوا في الدنيا وتحاسبوا فيما بينهم وعبدوا العجل واستهزؤوا بموسى وانقلبوا على كل الحقائق التي رأوها أمامهم. وهذا حال كثير من الناس والعياذ بالله، بعد أن يكون في شدة البأس وشدة الضراء والله عز وجل يكرمه بكثير بكثير من العطاء ينشغل عن مولاه ويعرض عنه ويعود إلى هو يصبح هو الباطل، يصبح هو المفسد بعد أن كان يحارب الفساد يصبح هو نفسه المفسد.
وهذه حقيقة من أعجب الصور في قصة موسى مع بني إسرائيل، كيف أن الذين كانوا أصحاب الحق ووقفوا في وجه الباطل بعد أن انهزم الباطل وذهب، كيف أن كثيرا كثيرا من أصحاب الحق أصبحوا دعاة للباطل. والله أنه شيء عجيب إخواني حقيقة ومذهل ويحتاج إلى وقوف، يعني كيف هذا الإنسان الذي كان يحمل الحق ويدافع عنه ويقف في وجه الطغاة والاستبداد لما انتهى أولئك الطغاة وأهلكهم الله أمام ناظريه وبشكل عجيب ونهاية تاريخية، يصبح ذاك الإنسان هو المستبد، صاحب الحق أصبح هو المستبد وهو الظالم وهو المسرف على نفسه وهو المبتعد عن شرع الله وهو الذي يستهزئ ويتهكم. فنعوذ بالله من انقلاب الحق، أي والله نعوذ بالله.
من انقلاب الحال، نعوذ بالله من هذه الانتكاسات النفسية. لاحظوا هذا الذي تخبرنا عنه سورة الأعراف، وهذا إخبار للصحابة ولكل من سيأتي بعد الصحابة ولنا، ولكل إنسان ملتزم محافظ والذي هو الآن في صف الحق: في لحظة من اللحظات أحذر أن تصبح أنت صاحب الباطل، وتدافع عن الباطل وتنصره وتؤيده بعد أن كنت تدافع عن الحق وانهزم الباطل أمامك، تصبح أنت بعد ذلك صاحب الباطل! والله مشكلة، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الانتكاس بعد الإقدام.
ثم بعد ذلك الآيات تترا على بني إسرائيل بكل أشكالها وألوانها، ومع ذلك يعاندون على الاستمرار في الباطل، وأتعبوا موسى ومن معه من المؤمنين الصالحين. وأيضاً هذا فيه إشارة يا أهل الإسلام: إن صراعكم مع بني إسرائيل هو صراع مع نفوس غير سوية، هو صراع تاريخي مع أقوام بقمة الرذالة.
وإياكم أن تواثر الطوفان أمامهم ورأوا البحر يغرق فرعون أمامهم ثم كفروا بعد أيام معدودة بالله سبحانه وتعالى، وانقلبوا على موسى، ثم عادوا ثم عادوا فاستهزأوا بموسى، ثم وقعوا في عبادة العجل وهكذا. هؤلاء قوم ليس لهم عهد ولا ميثاق، وإلى يومنا هذا لاحظوا ماذا يفعلون، يعلون بأهل الإيمان وبأهل الخير. لاحظوا ماذا يفعلون بأهل غزة وبالمجاميع، ويقتاتون على الدماء وعلى القتل وعلى الغدر وعلى الخيانة، هذا هو الصراع التاريخي معهم، فإياكم أن تركنوا إليهم.
والفوائد والعبر من قصة موسى مع فرعون ومع بني إسرائيل حقيقة فوائد عظيمة، يعني هي تجسد للإنسان كثيراً من المعاني في حياته التي لا يجب أن يغفل عنها. سريعاً لو أننا نمر على أبرز المواقف التي ذكرتها سورة الأعراف في قصة موسى مع فرعون ثم مع بني إسرائيل: نحن وصلنا إلى الآية مئة وثلاثة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا.
وقفوا ضد هذه الآيات والبينات والمعجزات الباهرات، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين. يعني بداية القصة هكذا: شوف ماذا سيحصل بهؤلاء المفسدين، انظر ماذا سيحصل عواقب الأمور، هل انتصر المفسدون؟ هل انتصر الظالمون؟ هل انتصر الذين يقفون في جانب الباطل؟ لا. طيب، كيف؟ انظر: وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق، قد جئتكم ببينه من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل. قال: إن كنت جئت باية فأت بها إن كنت من الصادقين.
يعني موسى يريد أن يخرج ببني إسرائيل من ظلم فرعون، طبعا فرعون ومن معه أصحاب ظلم واصحاب استبداد ومستفيدون من حالة الفساد وبقائها، وهم أعداء للصادقين. فالقى العصا ونزع يده، فالآن الملأ دائماً الملأ رمز الترف، رمز الاستبداد، المنتفعون من بقاء حالة الفساد.
وهؤلاء إخواني موجودون في كل مجتمع وإلى يومنا هذا، في كل بلد من بلداننا هناك طبقة من الملأ منتفعة من استمرار حالة الفساد بكل أشكال الفساد: الفساد المالي، والفساد الأخلاقي والسلوكي والإداري والسياسي وما شابه ذلك. هناك من يقتات ويعيش على الفساد في كل حقبة تاريخية وفي كل بلد من البلدان.
طيب، فهؤلاء الملأ بدأوا يقولون لعوام المصريين، يقولون عن موسى: إن هذا لساحر، إياكم يضحك عليكم هذا الرجل أنه مصلح وأنه صاحب رسالة حق، هذا إنسان مجرد ساحر من السحرة يلعب بالعقول. لاحظوا تشويه الحق واظهاره بأضعف صورة، يريد أن يخرجكم من أرضكم. شوف الدعاية، استعمال الدعاية، الدعاية التشويه: هي ترى هذا موسى إنسان يريد لكم الشر، يريد أن يخرجكم من أرضكم ويستبد هو بالحكم. هذا طاغية موسى، موسى ما هو هو إنسان من الذين يريدون أن ينتفعوا بحكم مصر. تشويه لصاحب الحق ولصاحب الرسالة بوسائل الإعلام المختلفة.
طيب، فماذا تأمرون؟ يعني ايش رايكم إيش نسوي فيه؟ قالوا: أرجئ وأخاه، يعني أخرهم شوي، وخلينا نجمع السحرة اللي عندنا، مادام موسى ساحر إذاً نحن أهل السحر، أهل مصر، فانظروا ماذا سنفعل بسحرك يا موسى ويا هارون.
وجاء السحرة فرعون. طبعا السحرة أيضاً كانوا طبقة من الفاسدين، بدهم ينتفعوا أيضاً ويكون لهم جزء من المصالح المادية داخل معركة الباطل. أجوا السحرة لفرعون قالوا: إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين؟ قال: نعم، وإنكم لمن المقربين. قالوا: يا موسى يلا يا أنت تلقي عصاك يا إحنا نلقي عصاك هنا. قال: ألقوا.
شوف ثقة موسى بالله، قال: ألقوا، بكل ثقة، الإنسان لما يتمسك بدينه ويقف في وجه يعني سلسلة الباطل وجماعة أهل الباطل ثقة بالله وبما أيده الله سبحانه وتعالى به، هنا الله عز وجل ينصره ويثبته، الثقة بالله سبحانه تصنع الأعاجيب. قال: ألقوا بكل قوة وبكل عنفوان المؤمن الواثق بربه، قال: ألقوا. فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم.
هم بدأوا بإلقاء عصيهم، وواضح أن هؤلاء السحرة كانوا في قمة الإحكام للسحر، وفي قمة الإتقان لهذه الصنعة، لكنها في النهاية سحر وليس حقائق، هو في النهاية سحر، لكنهم كانوا مهرة. فجاء موسى بالحق وليس بالسحر، وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك. فجاء المشهد المهيب أمام الجميع: عصا موسى تأكل كل ما فعله السحرة أمام أعينهم؛ لأن العصا انقلبت حية على وجه الحقيقة، وأما عصيهم فكانت حيات لكن ليس على وجه الحقيقة.
فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، لحظة الانتصار التاريخي لموسى أمام فرعون وقومه. طيب، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين. ظهرت الغلبة لأهل الإيمان، لكن هل إذا ظهرت الغلبة لأهل الإيمان بالمعجزات الباهرات والكرامات البينات هذا يستلزم أن كثيراً من أهل الباطل أو أن جميع أهل الباطل سيؤمنون بالحق؟
للاسف، هناك بالعكس، أكثر الجنس البشري يبقى معانداً للحق، مع أنه ظهر له الحق بالادله الواضحة الجلية. لكن بعض أهل الباطل يوفقه الله للاستيقاظ والانتباه، فينقلب إلى جانب الحق، وهذا الذي حصل مع السحرة. وألقي السحرة ساجدين، أعلنوا مباشرة الخضوع لله وتركهم جانب الباطل والانضمام لقافلة الحق. وزي ما حكينا، ماذا كان الثمن؟ هل كان ثمن السحرة ثمن إيمانهم أنه خلص أصبحوا منتصرين مادياً وحسياً؟
يجب أن يرتكز في كل واحد منا وهو أن وقوفك بجانب الحق وانتصارك هو انتصار القيم والمفاهيم، انتصار التوحيد والعقائد، انتصار لا إله إلا الله. أما أنا كشخص يمكن أن يكون يمكن أن أشاهد هذا الانتصار وادركه، ويمكن أن أستشهد على هذا الطريق، فانتصاري هو انتصار التوحيد الذي ثبت عليه، انتصاري أنني لم أبدل ولم أغير ولم أتحال مع القوم الظالمين ولم أركن إليهم ولم أستمر في حالة الظلم والفساد التي كنت فيها، وأصبحت مع قافلة الحق والنور.
قالوا: آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون. قال فرعون: آمنتم به قبل أن آذن لكم؟ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها، فسوف تعلمون. بدا فرعون يشن دعاية من أجل أن يحمي سطوته، فقال: هؤلاء السحرة واضح أنهم متحالفون مع موسى. أحذروا يا أيها الأقباط، أحذروا يا أهل مصر من هذه المؤامرة، مؤامرة السحرة واتفاق مع مين؟ مع موسى.
قبل شوي هو اللي جمع السحرة، وقبل شوي السحرة قالوا: إن لنا لأجرا، وفرعون يعدهم. وفي لحظة إيمان السحرة بموسى، انقلب الأمر وأصبحت مباشرة في دعاية اعلامية من أجل تدارك الموقف: أنه هذا مكر مكرتموه واتفقتم عليه مع موسى، أنتم بتطبقوا مسرحية علينا، مسرحية أنتم تقفون بجانب فرعون، أنتم طلعتم متآمرين مع موسى في مصر وفي قرية من القرى على أن يكون المشهد بهذا الختام من أجل أن تفسدوا علي المصريين، من أجل أن تفسدوا علي هذا النقاء الذي كنت فيه. فاحذروا يا أهل مصر من هذه المؤامرة التي تكاد بكم من موسى مع السحرة، فإنهم فإنهم تامروا بدون أن أعرف.
سبحان الله، كيف الدعايات إخواني، وكيف فاستخف قومه فأطاعوه! أي والله، هذا الذي حصل. لماذا الله عز وجل أهلك أقباط مصر مع فرعون؟ لأنهم سمعوا الدعاية الإعلامية وتقبلوا هذه الدعاية، فلما كانت العقول رديئة لهذه الدرجة كانوا يستحقون الإغراق مع فرعون، فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين.
طيب، طبعا موسى عفا فرعون توعد السحرة: لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف. وهذا حصل وتقبل الله، ونسأل الله أن يرحم هؤلاء السحرة. يعني كما جاء في بعض الآثار في كتب التفسير: كانوا في الصباح سحرة فجاراً، وأصبحوا في المساء شهداء أبرار. كانوا في الصباح سحرة فجار وكانوا في النهاية، في نهاية يومهم يعني قيل إن الموضوع لم يأخذ إلا يوم واحد، وكانوا في ختامه شهداء أبرار، فنسال الله أن يرحمهم.
قالوا: إنا إلى ربنا منقلبون، وما تنقم منا إلا أن آمنا بايات ربنا لما جاءتنا. وشوف كلمات الثبات عند السحرة لما أصبحوا من أهل الإيمان، كلمات الثبات والرضا عن الله والقناعة بالشهادة، وأننا لن نبدل بعد أن رأينا الحق كما هو وعرفنا الأشياء كما هي، نحن مستعدون أن ندفع الثمن لله سبحانه وتعالى. ثم انتهى مشهدهم، خلص هؤلاء انتقلوا إلى الله، وبقي الصراع بين موسى وبين فرعون قائماً.
قال الملأ مرة أخرى المنتفعون والمستفيدون من حالة الفساد: وقال الملأ من قوم فرعون. جاءت طبقة الفساد تتكلم مع فرعون: يا فرعون معقول أنت ناوي تترك موسى ومن معه من بني إسرائيل في مصر يعبدون إلههم ويذرون عبادتك؟ هنا فرعون اخذته أيضاً الحمية والأثم، قال: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، وإنا فوقهم قاهرون.
هنا موسى أمر بني إسرائيل بالصبر إلى أن يأتي أمر الله. قال موسى لقومه: استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله، هذه الأرض ليست لفرعون ولا لكل فراعنة الأرض ولا لكل المستبدين ولا لكل الفاسدين، هذه الأرض هي لله سبحانه وتعالى يورثها من يشاء من عباده والعواقب في الأمور للمتقين ولو بعد حين.
طيب، فهنا بنو إسرائيل بدأ يظهر منهم نفس التململ، قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، واحنا تعبنا من حالة الاستبداد الساقطة علينا. نفس قد يوجد في المجتمعات المسلمة التي يطول بها الاستبداد ويطول فترة الظلم والطغيان الواقع عليها، نفس اليأس والقنوط من فرج الله ومن نصر الله، هذا النفس كان موجوداً في بني إسرائيل من البداية: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا.
فموسى ماذا قال لهم؟ قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض. يعني بدنا نشوفكم يا بني إسرائيل، ماشي، أنتم الآن تتململون وتشكون من طول استبداد، تمام، راح نشوفكم بعد أن يهلك الله فرعون وقومه وتصبحوا أنتم الأئمة وأنتم الوارثون، سنرى أي حالة الإيمان المستدامة عندكم وحالة الإقبال على الله سبحانه وتعالى، ونرى أنتم الآن مظلومون، لكن سنرى عندما تنتصرون هل ستبقون مقبلين على الله عز وجل أم ستصبحون أنتم الظالمون؟
نعم، إذاً عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون. الله عز وجل يخبرها ما الذي حصل في فرعون وقومه، كيف أن الله سلط عليه من مجاعات، ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين بالسنين، يعني بالقحط وقلة المطر وقلة الأرزاق ونقص من الثمرات لعلهم لعل بعض الأقباط يتذكرون. فاذا جاءتهم الحسنة، إذا جاءت سنة خير عليهم قالوا: هذه احنا لنا، احنا نستحقها، وإن تصبهم سيئة أو سن قحط تطيروا بموسى ومن معه، قالوا: هذا بشؤم موسى والمؤمنين اللي معه من بني إسرائيل.
ثم أعلنوها صراحة، قالوا لموسى: مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين. يعني كل آياتك، سواء العصا اللي عملت فيها قصة، أو سواء الآيات والمعجزات التي ستسلط علينا، مهما تأتنا به من آية ما راح نؤمن. شوف قمة الاستبداد، قمة الثبات على الباطل، وفعلاً عجباً لثبات أهل الباطل على باطلهم مع رؤيتهم للحق أمامهم! هذه النفوس غير السوية وهذه ترى توجد في كثير حتى من الناس المحسوبين على المسلمين، لكنهم يرفضون طرق الاستقامة وطرق الثبات والتمسك بشرع الله مع أنهم رأوا أن الثابتين على شرع الله كيف ينصرهم الله وكيف يؤيدهم، رأوا الحياة الطيبة لهم السكينة والهدوء. لكن خلص هو في إنسان منتفع من حال الاستبداد، منتفع من حال الشهوات، يريد أن يبقى في هذا العالم وإن كان هو يرى الحقائق أمامه في الجهه الأخرى.
طيب، فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. الله عز وجل ابتلى فرعون وقومه بايات وكلها عذاب بعد عذاب: جراد تسلط عليهم، قمل، ضفادع، دم يشربونه كلما شربوا ماء ماء يتحول إلى دم، وآيات. وكلما وقع عليهم رجز أي شكل من أشكال العذاب عرفوا أن هذه من موسى، فيذهب إلى موسى مسرعين: ادع لنا ربك بما عهد عندك يا موسى، ادع ربك أنه يرفع عنا هذا العذاب الذي سلطه علينا.
والله يعني غريب هذا الإنسان، يعني أنتم تعرفون أن هذا العذاب الذي تسلط عليكم من رب موسى من رب العالمين، فتذهب ترتکضون إلى موسى: ادع لنا ربك. فإذا موسى دعا لهم الله أن يرفع عنهم هذا العذاب، رفع الجراد، عادوا إلى حالة الاستبداد والظلم والفساد، ثم يأتي القمل يذهبون إلى موسى يلهثون: ادع لنا ربك، فإذا رفع الله عز وجل عنهم العذاب عادوا إلى حالة الفساد.
طب أيها الإنسان، يا أيها الإنسان، إذا ربنا إذا أنت عارف أن الحل كان في دعوات موسى وأن الأمر والعذاب مسلط من رب موسى، أليس هذا من أكبر الأدلة أن موسى يملك الحق؟ إذا كان فرعون الذي دعا: أنا ربكم الأعلى، لا يستطيع أن يرفع عنكم العذاب، وفرعون ومن وملا فرعون والطبقة الفاسدة تترجى موسى وتجلس عنده: يا موسى فزعة انك ترفع عنا العذاب! وين هذه الربوبية التي أنت تدعيها يا فرعون إذا كنت لا تستطيع أن ترفع عذاب واحد عن قومك؟ أليس هذا من أكبر الأدلة يا أيها الأقباط أن موسى يمتلك الحق؟ لماذا العناد؟
خَفَّ قَوْمُهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ. فهم الفساد والفسق حقيقة مش فقط في فرعون، حتى نكون فاهمين الأمور كما هي. الفساد في فرعون، والمَلَأ المترفين حول فرعون، الطبقة الفاسدة المنتفعة، وأتباعهم من الجنود والشعوب اللي رضوا بحالة الفساد الأخلاقي والسلوكي، كلياتهم أصحاب فساد. الفاسد ما كان فرعون وحده إخواني، وليس فقط حتى المَلَأ اللي حوالين، بل هناك طبقات من الشعوب القبطية هي تشربت هذا الفساد السلوكي والأخلاقي والقيمي، ورضوا بوجود فرعون وتربع المَلَأ عليهم، واطمأنوا لهذه الحالة وتعايشوا معها، فاستحقوا العذاب مع فرعون. كلهم فراعنة وكلكم تستحقون العذاب والهلاك. فلا تجيوا يوم القيامة: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلة، ربنا آتِهم ضعفين من العذاب. لا، لا، أنتم كلكم فراعين. صح في مستبدين ومن هو أكثر استبداداً، لكن كلكم رضيتوا بهذه الحالة والعياذ بالله.
طيب، قال: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ. مرة، يعني ربنا أعطاكم يا أيها الأقباط مرة فرصتين ثلاث أربع، وكل مرة بتروحوا على موسى وموسى بدعو ويفترض، إلى أن خلاص وصلت نقطة الصفر فانتقمنا منهم نقطة الانتقام: فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ. كل الآيات الباهرة كذبت فيها، ولم تقروا بربوبيته سبحانه وألوهيته، وأعرضتم عنها وغفلتم عنها. الآن جاءت حقبة جديدة من التاريخ. جاءت حقبة جديدة من التاريخ، ممكن قوم فرعون استمروا في استبدادهم لبني إسرائيل قرون، لكن في النهاية: فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ.
الآن حقبة تاريخية، الذين كانوا مستضعفين وكانوا أصحاب الحق، أراد الله عز وجل أن يرفعهم، فقال سبحانه: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ. أصبحوا الآن هم السادة، لاحظوا هذا الانتقال التاريخي: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا. إذاً هنا الله عز وجل يقر أن بني إسرائيل في حقبة من الحقب نعم صبروا مع موسى، صبروا على استبداد فرعون وتحملوا. وهذه مشكلة الإنسان برجع بقول، المؤمن اللي يكون تحت الاستبداد والظلم ويصبر في ساعة الضراء، لكنه ينتكس في ساعة الرخاء. الإنسان اللي بيكون على إيمان ويكون في جانب الحق وفي ساعة الضراء والبأس كان صابر ومتحمل، وهذا حال بني إسرائيل: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا. إذاً بنو إسرائيل صبروا بنص القرآن.
لكن المشكلة لما جاءت ساعة الرخاء وأصبحت الدولة لهم، ماذا فعلوا؟ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ. مباشر، مباشر، وجاوزنا ببني إسرائيل البحر. ربنا أنعم عليهم ونجاهم وبدأت ولهم بمجرد أن تجاوزوا القنطرة فاتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ. شوف الصدمة لسيدنا موسى عليه السلام! يا جماعة، إحنا صبرنا سنين على فساد فرعون وقومه، صبرنا وآمنا بالله ووحدنا الله وصلينا سنوات كما جاء في سياقات سور أخرى، لما جاءت ساعة الرخاء وربنا جعلنا الأئمة وجعلنا الوارثين، نقابل هذه النعمة بالكفر؟ نقابل هذا الرخاء بأن نصبح نحن أهل الاستبداد وأهل الظلم وأهل الفساد؟ عيب عليك أيها الإنسان.
طيب قال: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. يا عيب عليكم يا بني إسرائيل، إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. ترى هؤلاء نهايتهم زي نهاية فرعون اللي شفتوها قبل شوي. قال: أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ -يعني لسه ما صار لناش يعني بيننا وبينهم أمتار وكيلوا- يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ. بعد كل هذه النعم انقلبتم على أمر الله وعلى شرع الله! فعلاً حالة مخيفة، نسأل الله سبحانه وتعالى الثبات في ساعة الرخاء وفي ساعة الشدة. أسأل الله الثبات في الرخاء وفي الشدة.
هنا جاءت قصة تكليم سبحانه وتعالى لموسى وبدايه حقبة جديدة والإيحاء بالتوراة له: وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. موسى سيذهب الآن لميقات الله، وقال لأخيه هارون: أنت الآن أَدِرْ بني إسرائيل إلى لحظة عودتي. وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. وقضية أنه طلب أن يرى الله، وأن الله أخبره أنه في الدنيا لا يرى، ولكن في الآخرة إن شاء الله يراه المؤمنون بإذن الله. وأخبر الله موسى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي، فهو كليم الله سبحانه: فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ -من التوراة وأحكامها- وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ على نعمه الهداية. وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ، يعني تمسك بالدين بقوة وبأحكامه ولا تتهاون في شرع الله، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ. سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
هنا بدأت التعاليم الآن: يا بني إسرائيل، يا بني إسرائيل أصبحتم الآن أنتم الأئمة في الأرض، أصبحت الدولة لكم الآن، خذوا القواعد من رب العالمين واحذروا: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا -لأنهم يرون الرشد يمنعهم من شهواتهم وأهوائهم- وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا -لأنهم يرونه مشبعاً لشهواتهم وأهوائهم-. الآن هذه قواعد عامة الله عز وجل أوحاها إلى موسى لياتي بها بني إسرائيل أو إلى بني إسرائيل بعد أن أصبحت الدولة لهم.
للأسف في لحظة غياب موسى وذهابه للقاء الله، كانت هناك كان هناك سقوط أخلاقي وقيمي وعقدي يحصل في بني إسرائيل في لحظة ذهاب موسى للقاء الله سبحانه وأخذ التعليمات الإالهية، وهي الأصل تكون لحظة افتخار عند بني إسرائيل أن نبيهم الآن يكلمه الله بدون واسطه، الله سبحانه بجلاله وعظمته يكلم موسى يكلم نبيكم بدون واسطة ويعطيه تعليمات المرحلة القادمة والأوامر والنواهي و و. وبدل من أن تكون لحظة افتخار وانتظار وترقب وسرور، كان هناك حالة من السقوط القيمي والعقدي في بني إسرائيل.
بنو إسرائيل مع السامري ما عبدوا العجل، اتخذوا عِجْلاً صنعه لهم السامري وألقوا فيه من الذهب الذي اخذوه من بقايا فرعون والأقباط، وصنع لهم عجلاً ذهبياً، وهذا العجل أصدر خواراً وصوتاً عبدوه! شوف العقول التافهة، شوف العقول السافلة الساقطة، مع أنهم كما قلنا قبل أيام أو أشهر كانوا مع في مشهد عظيم من آيات الله في أنجاهم من القوم الظالمين، الآن أصبحوا يعبدون عِجْل وبقر وبقر مصنع تصنيع، يعني حتى ليس بقرة حقيقية، بقرة مصنعة تصنيع. المهم: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ -من بعده أي من يعني بعد أن ذهب إلى لقاء الله- اتخذوا عِجْلًا مُّنْ حِلْيِهِمْ، الحلي هي قالوا هي التي غنمها من فرعون ومن قومه بعد أن أغرقهم الله، صنع لهم السامري عجلاً على صورة جسد، وهذا العجل ابتلاهم الله سبحانه وتعالى أن أصبح يصدر خواراً كخوار البقر، فالله عز وجل يريد أن يريك تفاهة عقول بني اسرائيل: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَهْ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا. يعني عجيب، الله الذي انجاكم بكل الآيات الباهرات تركتم عبادته واتيتم إلى عجل لا يستطيع الكلام أصلاً ولا أن يعبر عن نفسه، اتخذتموه والله عجيب هذا الإنسان: اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ.
حالة فساد وسقوط قيمي. ولما سقط في أيديهم رجع موسى والقصة الشهيرة وغضب عليهم وبهم، ودمر هذا العجل والسامري وربنا ابتلاه، استيقظ بنو إسرائيل سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا، جاءتهم حالة من اليقظة: إحنا شو اللي عملناه؟ معقول نجي نعبد عجل؟ قَالُوا لَّئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. حالة يقظة، ما في مشكلة، وموسى رجع غضبان أسفاً وقال: بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي، وأخذ برأس أخيه بعد أن ألقى الألواح وهو غاضب. طبعا هارون هو فعلياً ما له علاقة، هو حاول على وفق طاقته وعلى ما آتاه الله من السعة: قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ، يعني يا موسى تؤذيني أنا ما لي علاقة. موسى طبعا انتبه مباشرة أنها كانت لحظة غضب، قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ.
طبعاً سكت عن موسى الغضب، هدأ موسى أخذ ألواح، الله عز وجل أراد أن يري بني إسرائيل آية أخرى من الآيات، يعني لاحظوا كل الآيات اللي شافوها أيام فرعون ومع ذلك ما زال الله يريهم الآيات بعد الآيات لعل القوم يصلح حالهم لعلهم ينتبهون. واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا، ربنا قال لسيدنا موسى: ائتِ بسبعين رجلاً من قومك لميقات الله سبحانه وتعالى، خذ سبعين رجل من نقباء بني إسرائيل ومن ساداتهم ياتوا معك للقاء الله سبحانه وتعالى ويروك ستموت سبحانه، فلما وصلوا إلى فلما أخذتهم الرجفة لما وصلوا إلى موعد الميقات الذي سيحدث الله سبحانه وتعالى فيه موسى. طبعا هنا في كثير من القصص تطلق وتروى لأنني أريد الاختصار عليكم ولسنا في سياقه تفسير التفصيلي، ساختصر أن أخذتهم الرجفة، يعني أرادوا لما ذهبوا مع موسى هؤلاء السبعين أرادوا أيضاً أن يروا الله كفاحاً، فموسى قال لهم لا يمكن أن تروا والله كفاحاً، إذا كان موسى عليه السلام نفسه لم يرى الله سبحانه وتعالى كفاحاً وإنما سمع كلامه، لكن قوم بنو إسرائيل في كل جولة من الجولات هم أصحاب مشاكل، فالله عز وجل بسبب تعنتهم رجف بهم الأرض فسقطوا مغشياً عليهم، فموسى خاف، خاف أن الله يستأصل بني إسرائيل: قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِمَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ.
ثم أكمل موسى هذا الدعاء العظيم الجميل. وهنا جاء السياق بشكل جميل ورائع يخبر عن نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وارتباط رسالة النبي عليه الصلاة والسلام محمد برسالة النبي موسى، وإن كان بينهم عيسى لكن هنا يعني بسموه هذا ربط موضوع بموضوع، وإن كان سياق سيعود إلى بني إسرائيل لكن هنا كان في فائدة من ربط بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بقصة موسى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ. فالكلام الآن كأنه موجه لليهود اللي في المدينة النبوية الذين هم يرفضون اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ويزعمون أنهم اتباع موسى، فكان القرآن بده يعطيهم إشارة سريعة: يا أيها اليهود في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، تذكروا أن هذا النبي الأمي تجدونه مكتوباً عندكم في توراة موسى التي أعطاه الله عز وجل إياها، وفي الإنجيل أيضاً الذي نزل على عيسى، يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ بسبب تعنتهم، وَسيكون رحمة لمن اتبعه: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
ثم أيضاً بانتقالية جميلة كان الآن انتقل الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم، تكلم يا محمد صلى الله عليه وسلم وقل للبشرية جمعاء: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ -نصارى يهود فرس عرب لكل الأجناس- إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. استطراد، إذا هذا كله استطراد نسميه الآن في علم اللغة العربية استطراد ضمن قصة موسى.
ثم نعود الآن عدنا إلى قصة موسى: وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ. وهذا إنصاف القرآن، أن حالة الفساد الأخلاقي في بني إسرائيل هي حالة عامة، لكن هذا لا يمنع وجود طائفة من الحق أو طائفة من أهل الحق ثابتين مع موسى يقفون معه يثبتون أمام كل المراحل وفي كل الفتن وهم صادقون ومحبون لله، نعم على كل هذه حالة الطغيان والفساد لا تزال طائفة عن الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى هؤلاء كانوا موجودين في قومه أو كانوا نعم موجودين مع موسى عليه السلام: وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ -يعني طائفة- يَهْدُونَ بِالْحَقِّ، حتى لا يظن الإنسان أن كل كل اللي كانوا مع موسى أصحاب فساد، كان جلهم أصحاب فساد لكن بقي طائفة فيها خير من أصحاب الخير والصلاح ومن أصحاب الاتباع لله سبحانه وتعالى.
ربنا عز وجل قسم بني إسرائيل إلى اثنتي عشرة فرقة: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا. وأوحينا إلى موسى في رحلته في الانتقال: إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وكل طائفة أو كل سبط له عين أشرب منها، ربنا أنعم عليهم أيضاً: وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. الله يريد أن يريك حجم الخير العظيم الذي عممه على بني إسرائيل، ومع ذلك بنو إسرائيل معجزات باهرات وآيات عظيمات وأحوال وكرامات و و، كل هذا ما نفع معهم، كل هذا ما نفع مع بني إسرائيل، فالله يقول: وَمَا ظَلَمُونَا لما هم عصوا واستكبروا وعاندوا موسى وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، عم خسروا أنفسهم وبخسر حياتهم.
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ. من أحوالهم أيضاً التي ظلموا فيها أنفسهم لما قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم، أمرهم الله بالدخول إلى بيت المقدس -الآن هم طلعوا من مصر صح، مش نجوا من فرعون والطوفان وثم كانوا متجهين باتجاه بيت المقدس؟- أمرهم الله بالدخول إلى بيت المقدس وكان فيه قوم يعني حتى من العمالقة، وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا. أمرهم الله أن يدخلوا إلى بيت المقدس ويقولوا حطة، حطة يعني حط عنا ذنوبنا، دعاء حط يا رب ذنوبنا، فهم استخفوا بهذا الدعاء وصار يقولوا شو حطه يا موسى؟ خلينا نحكي حنطة أحسن، حنطة القمح! استخفاف.
بالدعاء، قالوا: بدل حطة نقول حنطة، شو رأيك؟ ادخلوا الباب سجداً، ما رضوا يدخلوا الباب سجداً ورفضوا يدخلوا إلى بيت المقدس ساجدين، بل دخلوه فيما جاء في بعض الكتب يزحفون على استاههم، يعني على أدبارهم. وادخلوا الباب سجدا، قال: فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم، قالوا بدل حطة خلينا نقول حنطة، استهزاءً واستخفافاً بالكلمة، فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء، أرسل الله عز وجل عليهم عذاباً من السماء بسبب هذا الظلم الذي ظلموا به أنفسهم.
ومن قصصهم أيضاً، من قصص العتو والاستبداد عند بني إسرائيل -لاحظوا، كانوا مظلومين، كانوا تحت الطغيان، أصبحوا هم الطغاة، أصبحوا هم الطغاة، واسألهم- وهذا حال بني إسرائيل طراً في كل زمان ومكان، يعني بنو إسرائيل قوم لا يصلح أن يعيشوا إلا وهم مداس، يداس عليهم. قوم متى ما جاءهم مساحة من الرخاء استبدوا، فلا حيلة مع بني إسرائيل إلا أن يعيشوا تحت حكم الإسلام، ويدفعوا الجزية، ويكونوا مداساً عليهم. هذه الحالة الوحيدة التي يصلح فيها أن يعيشوا، وأما أن يعطوا زمام الأمر في أي مكان بنو إسرائيل، يعطوا زمام الأمر أو يقدموا، هم قوم فاسدون، هذه عجينتهم وهذه نفوسهم.
طبعاً هذا الكلام عن الجملة العامة منهم، ويبقى إنصاف القرآن: وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ. لكن هي الحالة العامة فيهم. انظروا مثلاً هذه القرية الأخرى، واسألهم عن القرية، قرية كانت تسكن قبالة البحر، وكانت الحيتان والاسماك تأتيهم يوم السبت. ومعروف أن بني إسرائيل بالنسبة لهم يوم السبت، الله عز وجل شرع لهم أن هذا اليوم يكون وقفاً لله، لا تعملون فيه شيئاً ولا تصطادون وتكونوا فيه متعبدين، حياتكم لا تصطادون ولا تعملون شيئاً يوم السبت، كان في ديانتهم هذا اليوم أمرهم الله ألا يعملوا فيه شيئاً من أعمالهم، ويقتطع لله رب العالمين. وقيل من هنا أصلاً سمي السبت، السبت بمعنى القطع لأنهم قطعوه لله.
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ، يعني كانوا يعتدون على شرع الله في يوم السبت، لما كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرع. شوف كيف ربنا ابتلاهم حتى يريهم كم هم قوم فاسدون، ليسوا أصحاب اتباع وإنما أصحاب أهواء. ربنا ابتلاهم أن الاسماك كانت تأتيهم يوم السبت على شاطئ البحر وممنوع يصيدوا، ممتاز! وما ينقضي يوم السبت ويجيء يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، الحيتان والاسماك ما بتيجي! طبعاً بنو إسرائيل ما تحملوا، قوم أصحاب دنيا، ماديين، الدنيا كبيرة في نفوسهم. قالوا: نحن لمتى بدنا نضلنا نشوف يوم السبت الاسماك أمامنا ونتركها، ويوم من الأيام الشغل والعمل ما نلاقي سمك؟ قالوا: بدنا نحتال ونلف على شرع الله سبحانه وتعالى.
فإيش فعلوا؟ أصبحوا يأتون بالشبك ليلة الجمعة، يعني الجمعة مساءً، يضعون الشبك على البحر، ويروحون ينامون، وهم عارفين أن السمك لما يجي صباح السبت سيقع في الشبك وفي المصايد، ويبقى يقع يقع يقع في الشبك والمصايد، ثم يأتي صبيحة يوم الأحد، بيروح للمواها، الشبك بكل ما فيه من الاسماك، وبيقولوا: يا رب احنا ما صدنا، احنا بس حطينا الشبك ليلة الجمعة والسمك هو اللي وقع في الشبك ولمينا صيدته صبيحه الأحد. وهذا كلام كذب، أنتم فعلياً قمتم بالصيد يوم السبت، لستم مباشرين له لكنكم اتخذتم الآلات والوسائل التي يحصل بسببها الصيد في داخل يوم السبت، وأنتم تعرفون أن هذه حيلة على شرع الله سبحانه وتعالى أنتم احتلتم بها.
الآن نرجع بنقول: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق. هذه القرية كان فيها ناس فيهم خير وصلاح من بني إسرائيل، جاؤوا إلى هؤلاء الفاسدين الذين هم قفزوا عن شرع الله سبحانه وتعالى وتحايلوا عليه. وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ، وكذلك لما كان، وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا. الآن في طائفتين من بني إسرائيل كانوا موجودين، يعني نقول هذه القرية فيها ثلاث طوائف: فيها الذين تحايلوا على شرع الله اصطادوا بهذه الحيلة الخبيثة، وفيها أناس مؤمنون بس ما بدهم ينكروا المنكر الذي فعلوه إخوانهم، وفيهم ناس مؤمنون وبدهم ينكروا المنكر الذي فعلوه إخوانهم.
إذاً، كم طائفة عندنا؟ عندنا ثلاث طوائف: اللي فعلوا الحيلة وتجاوزوا شرع الله، قوم ما فعلوا الحيلة وما تجاوزوا شرع الله لكنهم يرون المنكر أمامهم ولا يريدون تغييره، والطائفة الثالثة: لا هم قوم مؤمنون متمسكون بشرع الله ويريدون إنكار المنكر وهؤلاء هم الذين مدحهم الله وذكرهم. فهؤلاء أنكروا على الذين تامروا على شرع الله. اهل الإيمان والامر بالمعروف الذين جمعوا بين الإيمان والأمر بالمعروف، أتُوا إلى القوم الفاسدين: اتقوا الله يا جماعة، أنتم يعني تتجاسرون على شريعة الله وتحتالون؟ احذروا من غضب الله وسخط الله.
فجاءت الطائفة المؤمنة الأخرى، اللي هم مؤمنون بس ما بدهم يتعبوا حالهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جاؤوا للآمرين بالمعروف أنه: إيش بدكم فيهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ؟ خليهم الله عز وجل يهلكهم، أنتم ليش متعبين حالكم بأمر بالمعروف ونهيهم عن المنكر؟ إذاً شوف عندك انسان مؤمن مصلح وفي انسان مؤمن بس ما بده يصلح، وفي انسان غارق في الفساد والطغيان.
الذين نجوا فيما ذكر هم من هم؟ القوم المصلحون. والذين ما فعلوا المنكر لكنهم لم ينكروه قالوا هؤلاء سكت الله عن حالهم، ما أخبرنا شو سوى فيهم، لأنهم لا يستحقون أن يذكروا، هم لم ينكروا شرع الله ولم ينبهوا ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر فأهملوا. كأنهم عذبوا مع المعذبين، عذبوا مع المعذبين لأنك رؤيتك للمنكر وعدم انكارك له وعدم تمعر وجهك فيه قد يكون سبب في انك تعذب مع اصحابه بشكل من الاشكال.
فالمهم الذين لا يأمرون بالمعروف قالوا للآمرين بالمعروف: أنتم ليش متعبين حالكم مع هؤلاء القوم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا؟ فأهل الأمر بالمعروف قالوا: مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ. نحن بنعمل الواجب اللي علينا، معذرة إلى ربكم، نحن بنعذر أنفسنا أمام الله أنه يا رب رأينا المنكر فأنكرنا، يا رب رأينا شرعك ينتهك فحذرنا ونبهنا ولم نكن سلبيين فقط همنا أنه احنا ناكل ونشرب وكذا. يعني أنه بعض الناس ترى في مجتمعاتنا هيك حالة، مثلاً انسان والعياذ بالله في الطرقات يسب أو يشتم رب العالمين فياتي اشخاص ينكرون عليه ويزجرونه، فبيجيك بعض الناس ايش بقولوا لك: يا اخي انت خلص هو غلطان وربنا بحاسبه انت ايش علاقتك فيه؟ غريب هذه الحالة!
تجد أناس في زنا وفحش وفجور، تاتي تنكر عليهم الزنا والفحش والفجور والعلاقات المحرمة، بيطلع لك ناس في المنتصف ما عندهم زنا وفجور بس ما بدهم اياك تغير ولا تنكر، بقول لك: يا شيخ خلص انت ايش بدك يا ربنا بحاسبه، انت ايش علاقتك تحاسبه؟ مش لهم رب؟ شوف هذا الكلام، هم هؤلاء الطائفة اللي في النص اللي قالوا لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ. فانت دائماً إذا قيل لك ذلك تقول: معذرة إلى ربكم. انا بعذر نفسي أمام الله أنه ربنا أمرني بالمعروف والنهي عن المنكر وانا مطلوب مني هذا التغيير بغض النظر هل سيستجيب لي أو لا، قال: وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. يعني برضه نحن نامر بالمعروف وننهى عن المنكر لعل هذا الإنسان الساقط في المنكر لعله يستيقظ، لعله ينجو، لعله ينتبه، وهذه من الشفقه على اهل المعاصي.
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِرُوا بِهِ، إذاً بقي الأمرون بالمعروف يأمرون بالمعروف ينهون عن المنكر، وبقي أصحاب الحيل يحتالون، وبقي أناس سلبيون ما لهم علاقة لا هنا ولا هنا. فالله عز وجل قال: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ. شوف شو ربنا قال؟ مين اللي نجى؟ قال: أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ. الآن الذين ظلموا، واحد: الذين تامروا وعملوا الحيلة، طيب الذين ما عملوا الحيلة بس سكتوا عن الظالمين، هل هم يدخلون مع الذين ظلموا؟ حقيقة لو بدنا نجي لعموم الآية بما انه الحالة قسمين: أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ، إذاً اللي ما نهوا عن السوء والواقعين في السوء كلاهما عذب، هذا حقيقة فهم من الفهوم المقدمة في الآية. فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، فحولهم الله إلى قردة والعياذ بالله تحويلاً حقيقياً.
ثم اخبر الله عز وجل ماذا فعل أيضاً في طبقات بني إسرائيل المتعددة: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۚ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. الآن بنو إسرائيل في عجلة الحياة جيل بعد جيل، ربنا قسمهم في الأرض، في منهم ناس صالحين ممكن بالتأكيد، وكثير منهم قوم فاسدون، وربنا عز وجل بلاهم بالحسنات والسيئات يعني يبلوهم أحياناً بالرخاء والسعة وأحياناً نبلوهم بالشدة. وهذا ليس فقط خاص ببني إسرائيل بل هي حالة متكررة في جميع طبقات البشر على مختلف أشكالهم وألوانهم، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً.
فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ، جيل جديد وأجيال جديدة من بني إسرائيل. هؤلاء الأجيال الجديدة فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ التوراة بين أيديهم وشرع موسى بين أيديهم، ولكنهم قوم فساد، يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا. يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون، مقرين بأنه ذنب، أنه سيغفر لنا. يعني باختصار هؤلاء قوم أو حقب من أجيال بني إسرائيل التوراة بين أيديهم ويعرفون شرع الله، ولكن كلما جاءت شهوة أو اغراء مادي يأخذونه قافزين عن شرع الله، وبينهم وبين أنفسهم شو بقول؟ خلص ربنا بيغفر لنا يا شيخ، يعني لا تشددوا علينا، وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا. وإن تاتيهم شهوة وغرض آخر يأخذوه وعايشين على قضية أنه ربنا غفور رحيم وربنا بيغفر لنا مع أنهم عارفين أنه حرام. هذه حالة متكررة كانت في أجيال بني إسرائيل وهذا كان من أسباب سحب النبوة منهم كما قال كثير من العلماء، سحب الله النبوة منهم وجعل خاتمتها في العرب لفضاضة جنسهم على أجناس بني إسرائيل، قوم بهت قوم مع، يعني الشرع بين أيديهم ويتلاعبون به.
فالله عز وجل طبعا يحذرنا نحن المسلمين أن نسلك هذا المسلك، وسبحان الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة. اليوم من المسلمين من يسير على نفس خطى بني إسرائيل، القرآن بين يديه ومنهج القرآن موجود وأحكام القرآن موجودة، لكن كلما خرجت له شهوة اخذها وتلقفها وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذوهُ ولا تصحبها يا مشايخ والدين ساعة وكذا، وإن ياتيهم عرض يأخذوه ويبقون يتلاعبون بشرع الله حذو القذة بالقذة.
وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. يعني هم هؤلاء، طبعا كلمة درسوا تحتم المعنيين: أنهم فعلوا هذه الشهوات مع أنهم يعرفون شرع الله في التوراة وسوها وتعلموها ومع ذلك أصروا على الاستبداد والظلم والمعاصي، أو كلمة الدرس تأتي بمعنى الإخفاء، أن علمائهم أخفوا كثيراً من شرائع موسى من أجل الانتفاع والاستمرار في حالة الفساد. فالدرس قد يكون بمعنى الدراسة وقد يكون بمعنى الإخفاء، وحقيقة كل هذا وقع في بني إسرائيل.
ثم ختمت الآية أو الصفحة هذه باية عظيمة، الله عز وجل يخبر عن فضيله المصلحين ومن هم المصلحون فقال سبحانه: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ. يا اهل الاسلام ويا كل مؤمن في هذا العالم، وظيفتك أن تمسك الناس بشرع الله، يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ، الذين يجعلون الناس يقبلون على شرع الله وأحكام الله ويمسكون بها آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، حتى لو ضاقت الدنيا وجارت ولو دارت ودارت، فالله لا يضيع اجر المصلحين.
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ. لو أنه حصل في الدنيا ما حصل من الانقلابات وحصل في الدنيا من الفساد والأمور الصعبة والعظيمة، فإن الله سبحانه وتعالى لا ينسى عبداً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، لا ينسى عبداً مسك الناس بشرع الله ولا ينسى الذين يأخذون بأيدي الناس إلى القرآن ويمسكونه بالقرآن، هؤلاء لا ينساهم الله وهؤلاء هم المصلحون حقاً.
طيب، آخر اربع صفحات من سورة الأعراف حتى ننهي السورة، أيضاً من مواقف بني إسرائيل: وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ. الله عز وجل رفع الجبل فوقهم واصبح يضلهم تخويفاً وتهديداً: يا بتاخدوه بالتوراة وتبعوا شريعة الله في التوراة، يا بنسقف الجبل عليكم. وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ، اسمعوا للتوراة واياكم تتلاعبوا بها. طبعاً قالوا: خلص يا رب ارفع عنا الجبل واحنا إن شاء الله راح ناخذ بالتوراة وما راح نقصر فيها. وربنا عز وجل سامحهم وانزل عنهم الجبل ورجعوا لعبوا بالتوراة هؤلاء بنو إسرائيل!
فالآن السياق هنا انتهى عن الكلام عن بني إسرائيل، أصبح السياق لتفصيل عام في الأفكار، قال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا. الله عز وجل يخبر أنه سبحانه وتعالى فطر قلوب بني آدم، الفطرة التي خلق الله عز وجل عليها قلوب بني آدم هي فطرة التوحيد. تمام؟ هذا من أشهر المعاني والتفسيرات للآية: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا. هذا الإشهاد فيما ذهب إليه ابن تيمية وابن كثير وغيرهما إنما هو فطرهم، فطرهم على التوحيد وأنهم يميلون إليه ويختارونه في حال لم يتعرض الإنسان لأي مؤثر خارجي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة، فابواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أي لئلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا، أي عن التوحيد وعن.
وجود الله كنا غافلين ما حدا حكى لنا، أو تقول: إنما أشرك آباؤنا من قبل ونحنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون. فالله يخبر عن طبيعة الجنس البشري: يا أيها الجنس البشري، لقد فطرتكم جميعا تعرفون وجود الله، لقد فطرتكم جميعا تميلون إلى التوحيد إذا لم يؤثر عليكم مؤثر. فمن أعظم الأدلة على توحيد الله وعلى وجوده، الفطرة التي فطرتكم عليها. لماذا فطرتكم على التوحيد؟ ولماذا جعلتم موحدين بفطر وخلقتم على هذه الصورة؟ حتى إذا أشركتم بعد ذلك بسبب المؤثرات الخارجية من آبائكم ومجتمعات والاعلام، لا تجوا يوم القيامة تقولوا: يا رب احنا ما كان عندنا أي شيء يعرفنا بك. كذب، كان هناك ما يعرفكم بوجودي. لما يجي الملحد يوم القيامة يقول: يا رب انا ما حدا خبرني. كذب، كان عندكم فطرة، كان عندكم فطرة تخبركم عن وجود الله. ففطرة الإنسان تخبره أن الله موجود، وتخبره بأن الله هو الواحد الأحد، ولا يمكن إلا أن يكون واحد أحد، والأدلة العقلية تقول ذلك، والشريعة الإلهية تقول ذلك. كل هذه الأدلة: الفطرة ثم العقل ثم الشرائع، تدل على وحدانية الله سبحانه وتعالى، فلا تجوا يوم القيامة تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين.
نعم، الله سبحانه وتعالى من كرمه وفضله لا يعذب أحدا بجهنم حتى يبعث رسولا، ولا يهلك الاقوام حتى يبعث رسولا من أنبياء أو من يقوم مقامهم. لكن حتى ولو لم يأت الرسول، نعم الله لا يعذب إنسان بدون أن ياتيه الرسول والرسالات، ويسمون هؤلاء أهل الفترات، لكن ما يجب أن يعرفه البشر أنكم جميعا حتى ولو بدون وجود الرسول، بفطرتكم التي فطرتكم عليها، تعرفون وجود الله وتعرفون وحدانيته. فلو أنك استقمت على مقتضى الفطرة وما يطلبه العقل، لعرفت بذلك التوحيد أساسا، وأما قضية تفاصيل الشرائع وكيف تعبد الله نعم هذا يحتاج إلى رسل، لكن أصل التوحيد لا يحتاج إلى رسول يبينه، وإنما الرسول يؤكد ما دلت عليه الفطرة.
طيب، الله عز وجل يخبر هنا، رسالة إلى العلماء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ. رسالة إلى كل إنسان عنده علم، لكنه يركن إلى القوم الظالمين ويقف بجانب الاستبداد: إياك أن تكون بلعام ابن باعوراء. بلعام ابن باعوراء عالم من علماء بني إسرائيل، ربنا أعطاه علم بالتوراة وبشرع الله عالم، ولكنه لم يقف بجانب الحق ووقف بجانب الطبقة المستبدة الفاسدة من بني إسرائيل. فالأخبر أنه كونك كنت عالم أو أنت عالم بالتوراة هذا ما راح يشفع لك عند رب العالمين، وقوفك مع صف الباطل وركونك إلى الظالمين. وهذه رسالة لكل علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لكل المفتين وهيئات الافتاء، ولكل هيئات الكبرى في أي بلد في أي مكان وفي أي عالم كنت: كونك عالم أو تحمل رسالة شريعة أو أستاذ دكتور في الشريعة، أو فعلا أنت متمكن في علمك، هذا كله لا يشفع لك عند الله سبحانه إذا وقفت بجانب الطبقة الظالمة الفاسدة المستبده في بلاد المسلمين: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ. العالم ليس هو فقط الحافظ معلومات، العالم مش هو اللي قارئ الكتب، العالم هو الذي يوظف علمه في الدفاع عن شرع الله، العالم هو الذي ينزه علمه عن مداهنة السلاطين الظالمين، العالم هو الذي يقف وقفة لله سبحانه وتعالى، هذا العالم الذي يمدحه الله.
أما إنسان دكتور شريعة وقارئ كتب، لكنه يقف بجانب الاستبداد والظلم: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا. كان علمك اللي بين جنبتي كان بامكانه يرفعك الله به إلى أعلى عليين، ويجعل درة الدنيا والاخره كما فعل الله بالعلماء الكبار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. شوف أحمد بن حنبل أصبح إمام أهل السنة والجماعة لما كان علمه خالص لله، ولم يقف بجانب الطبقة الفاسدة من خلفاء بني العباس في فتنة خلق القرآن، وقص على ذلك كل العلماء إلى يوم القيامة: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا. لكن هذا العالم بدو ياكل بعلم الدنيا، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه. هو صح عالم، عنده معلومات بمعنى أنه عنده معلومات وقارئ كتب وبيععرف في القرآن وبيحكي في الحديث وشاطر في اللغة والإنشاء ما شاء الله عسل، لكنه يشتري الدنيا، أخلد إلى الأرض واتبع هواه: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ. فشوف هذا المثل مثل الذي ياكل بعلمه ويكون هدفه فقط بالعلم أن يقته على موائد السلاطين الظالمين: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا.
طيب، الله عز وجل يخبر: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ. الآن لأننا في ختام سورة الأعراف، بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى الصراع الكبير في تاريخ البشرية بين الحق والباطل في سورة الأعراف، بدانا بقصة آدم وحواء مع الشيطان، بدانا الصراع من بدايته: الصراع نشأ آدم وحواء من جهة وشيطان من جهة، ثم بعد ذلك بدات الصراعات بين الحق والباطل تظهر. أخذنا صراع نوح مع قومه، أخذنا صراع هود مع قومه، صراع ثمود مع قومه، صراع شعيب مع قومه، صراع موسى مع قومه، مع فرعون ومع بني إسرائيل. هذا كله الآن يختم، فيقول الله عز وجل عن سنة الكون في الدنيا والآخرة: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ، يعني ولقد خلقنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس. ربنا خلق أناس كثير سيدخلون جهنم، وجن كثير سيدخلون جهنم، هذا هو الصراع في تاريخ الأرض وفي تاريخ البشرية إلى قيام الساعة. هؤلاء الذين سيذهبون إلى جهنم ربنا أعطاهم قلوب لكن لم يستعملوها بالشكل الصحيح لا يفقهون بها، وأعطاهم أعين يصرون بها الحقائق لكنهم لم يستعملوها لا يبصرون بها، وأعطاهم آذان ليسمعوا به الحق ولكن لم يستعملوها كما أراد الله. فهؤلاء كالأنعام بل هم أضل، حتى من الأنعام، لأنه الأنعام على الأقل تقوم بوظائفها الحياتية، وهؤلاء ربنا أعطاهم وظائف ولكن لم يقوموا بها.
أنتم يا أهل التوحيد تمسكوا بشرع الله، أنتم يا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ يميلون عن الحق فِيهَا. وممن خلقنا أمة يهدون بالحق، يعني وسيبقى على هذه الأرض إلى أن يرث الله الأرض، سيبقى أمة طائفة على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم. هذه الطائفة ستتبقى إلى قريب قيام الساعة، عندما يفنى كل أهل الإيمان وتقوم الساعة مباشرة عندئذ على شرار الخلق، هذا يكون في آخر الزمان. لكن تذكروا: ستبقى طائفة على الحق، وعليكم أن تعرفوا هذه الطائفة ومنهجها طرائقها وتتمسكوا بخطاهم حتى تنجوا ولا تكونوا من أهل النار.
الله عز وجل يخبر أن أي كفار قريش وعض اليهود كانوا يسالون النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي. وهذا جاء في حديث طويل لما جاء جبريل فسأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على صورة رجل: متى الساعة؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض، يعني موضوع الساعة هذا موضوع ثقيل لا تاتيكم إلا بغتة. يعني الساعة عندما تاتي ستخرج بغتة، يكون كما جاء في بعض الآثار: إنسان عم بليط البئر تاعه بيصلحه تقوم الساعة عليه، واخر يكون في منزله بيقوم ببعض الأمور المنزلية تقوم الساعة عليه، واخر في حقله واخر في غنمه وهكذا. الساعة لما تأتي إخواني ستاتي بغتة، وهذا نص القرآن: لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً. لكن ليس المطلوب أن تعرف متى وقتها، وإنما المطلوب ماذا أعددت لها؟ المطلوب هو هذا، أن تجيب ماذا أعددت للساعة. والنبي صلى الله عليه وسلم الآن يخبر قومه: قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ، لو كنت أعرف متى الساعة لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، إن أنا إلا نذير. أنا ليس علاقتي أن أعرف الأمور الغيبية عند الله، ما أخبرني به الله أخبرتكم به، وظيفتي أنني نذير وبشير.
وبما أن السورة ابتدات بادم وحواء، ستختم بادم وحواء: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا. فالزوج العلاقة الزوجية علاقة سكن، والرجل يسكن إلى زوجته ويهدأ إليها فلما تغشاها. الآن الله عز وجل يخبر أنه إنما خلق البشر على صورة ذكر وأنثى لتقوم هناك أسر على توحيد الله سبحانه وتعالى وعبوديته. لكن أكثر الناس يشركون مع الله سبحانه وتعالى حتى في أدق التفاصيل، حتى كما جاء في سبب هذه القصة: فلما تغشاها، أي جامع الرجل زوجته حملت حملا خفيفا بدأت تظهر أماراتها الحمل، فمرت به مر الحمل الشهر الأول الثاني الثالث، فلما أثقلت وبدا تظهر يعني أنها في الأشهر الأخيرة، دعوا الله ربهما لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
حالة الإنسان اللي بيكون يترقب الخير من الله ويدعو الله أنه يا رب نجني يا رب أعطني، زي حال بني إسرائيل اللي يا رب نجنا من فرعون نجنا، فلما جاءهم العطاء استبد. هذا حال مستمر في الإنسان، ليس فقط في بني إسرائيل بل هذه نفسية موجودة في كثير من البشر: لما جاء كان يدعو الله بالذرية ويا رب أعطني، لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فلما آتاهما صالحا، لما ربنا أعطاهم الذرية الطيبة جعل له شركاء فيما آتاهما. مما قيل في تفسيرها أن هذا رجل، قيل آدم وقيل هذا رجل من بعد آدم الله أعلم، كان يدعو الله بذرية الطيبة فلما آتاه الله الذرية، سمى ابنه باسم فيه شرك: سماه عبد الحارث أو عبد يغوث أو شيء من هذه الأسماء، حتى في تسمية ابنه مجرد مجرد تسمية ما سما عبد الله ولا عبد الرحمن، مع أنها أخف شيء يعني ما رح تأثر عليه، حتى في تسميته لابنه جعله عبدا لغير الله فسماه عبد الحارث.
فالله يخبر عن حالة الطغيان البشري، حتى في أبسط الأشياء يطغى الإنسان: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى، زي ما مر معنا في سورة العلق. بمجرد ما تاتيه النعم ينسى من أعطاه هذه النعم ومن بها عليه، ويبدأ يشرك مع الله في هذه النعم. سبحان الله، ذاك الإنسان وهذه تذكرة أن جميعا إخواني أن ينتبه الإنسان فعلا أنه في ساعة الرخاء لا تنسى رب العالمين اللي أعطاك، ووظف هذه النعم لخدمة مولاك. فلما آتاهما صالحا جعل له شركاء فيما آتاهما، بمعنى أنهم سموا هذا الطفل بعبد الحارث أو عبد يغوث أو باسم لا يوجد فيه تعبيد لله: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا.
هنا الآيات تختم في خطابها لكفار قريش ولكل من يسير على خطاهم: كيف تعبدون أصنام لا يستطيعون نصرا ولا أنفسهم ينصرون؟ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ. يعني أحجار لا تضر ولا تنفع ولا تتكلم. حالكم حال بني إسرائيل الذين اتخذوا العجل الذي لا يضرهم ولا ينفعهم: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا. يعني أنتم ماذا تعبدون يا كفار قريش؟ ماذا تعبدون؟ تعبدون أصنام ليس لها أعين ولا آذان ولا تمشي ولا تبطش ولا تتكلم. أين العقول؟ أين يذهب الإنسان بعقله؟
طيب: قُلِ ادْعُوَ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يقول هذه المقولة: ادعوا شركائكم، جيبوا كل الأصنام وكل الكهان وكل من تدعونه من دون الله، وحاولوا أن تجثو كيدوني. إن وليي الله، الثبات والثقة اللي كانت عند نوح وهود وصالح وشعيب وموسى لما ألقي، هي الثقة أيضا موجودة عند نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأعظم صورها وأشكالها: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ. أنا مش خايف، أنا ثابت على مبدئي وثابت على عقيدتي وواضح في طريق لا أتزحزح قيد أنملة: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. والذين تدعون من دونه وكل آلهتكم وأصنامكم وطواغيتكم لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون. وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ.
ما هي الأصنام؟ كانوا يرسمون عليها صورة أعين وكذا، فأنت الذي ينظر إلى الأصنام كان يتخيل أن الصنم ينظر إليه، لكن حقيقة هو لا يبصر شيئا. والله غريب يعني فكرة عبادة الأصنام والأحجار، فعلا تستغرب من قوم زي كفار قريش عندهم تجارات وأموال وفصاحه ولغة وبيان، كيف يذهب عقل الإنسان ليعبد حجر؟ غريب هذا الإنسان فعلا، يعني عندما تفكر فيها حتى بشكل منطقي يعني أنت كيف تمارس عبودية لحجر لا يضر ولا ينفع، ولا يوجد فيه أي شكل من أشكال القدرة على الحركة؟
طيب، قال سبحانه: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ، وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ.
نختم بهذه الفكرة، وهي أن الله عز وجل يعطي الفرق بين حالة المتقين والفاسدين. أهل التقوى أهل اليقظة، إذا حاول الشيطان أن يتسلل إلى قلوبهم وطاف حول قلوبهم، مباشرة -أنا بسميها بتعرفوا احنا في حياتنا شو بنسميه؟ الحساسات أو السنسر أو شي بيسموه عندهم الحساسات- متيقظ بشكل عالي جدا أهل الإيمان، أهل الاستقامة، بمجرد أن يلف الشيطان على قلوبهم ليوسوس بشهوة أو بفكرة شيطانية.
الحساسات عندهم شغالة بشكل قوي وفعال، فمباشرة وبيطلع أصوات: أحذر خطر، خطر، الشيطان يحاول أن يضع في قلبي شيئاً، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ. عم بتحاول تطوف لتدخل، تذكروا حالة يقظة وانتباه سريع فإذا هم مبصرون، مباشرة بقفل القلب يحاول أن يعالج الوسوسة، يطردها، يحاول يذهب هذا الخاطر ليعود له حالة الصفاء والنقاء.
وأما اللي فاتح قلبه للشياطين وساوسهم، وأما أولياء الشياطين وأصحاب الغفلات الذين لا يقرؤون القرآن ولا يحافظون على الصلوات ولا يذكرون الله بكرة وعشية، هؤلاء ما عندهم حساسات شغالة، الحساسات معطلة، فلما يأتي طائف من الشيطان بده يوسوس يجد كل الأبواب مفتحة فبكل سهولة يدخل، لذلك قال: وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ. إخوان الشياطين أولياء الشياطين الذين سمحوا للشياطين أن تعشعش، هؤلاء يمدونهم، الشياطين يمدونهم ويجعلونهم أكثر وأكثر يغرقون في أوحال الشهوات: جنس، نظر حرام، معاصي، علاقات محرمة يوم بعد يوم يمدونهم زيادة ورع غرق.
هذا الفرق بين المتقي والغافل، المتيقظ حرس قلبه، فأي لمحة للشيطان يوسوس، الحساسات اشتغلت سريعم وأما والعياذ بالله الإنسان الغافل عن الله القلبة مفتوح لكل الوساوس والخطرات، ماهو ايش اللي بليخلي الحساسات شغالة إخواني؟ اللي بليخلي الحساسات شغالة: قرآنك، صلاتك، ذكرك، عبادتك، إقبالك على الله، العلم الشرعي، هذا اللي بيخلي الحساسات شغالة.
طيب، إنسان لا قرآن بيقرا، ولا قيام الليل بصلي، ولا أذكار صباح ومساء، ولا صلاة في المسجد، ولا طلب علم، هذا ما عنده حساسات، هاي ضاربة حساساته، فأول ما يأتي هؤلاء من إخوان الشياطين، حتى لو كان مسلما ولا إله إلا الله وفي الهوية مكتوب مسلم، هؤلاء الشياطين يعشعشون في قلوبهم ويجعلونهم يغرقون في الشهوات، شوف التعبير القراني: يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ. خلص، ما بتوقف، بيغرق بيغرق، يوم بعد يوم عم بيغرق: شهوات، معاصي، جنس، إباحية، أفلام، مسلسلات، مقاهي، أرجيلة، جلسات شباب، غفلة، كله عم بيغرق ولا يقصر عن الانغماس في الشهوات، نسأل الله العفو والعافيه من هذه الحالة.
لذلك المخرج من هذه الحالة كما قال ربنا: الخروج من حالة الغفلة إلى حالة اليقظة: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّ تُرْحَمُونَ. واذكر ربك القرآن، ثم عموم الذكر: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وأنت خايف ووجل وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالْآصَالِ، أذكار الصباح والمساء، الغدو الصباح والآصال عند الغروب، أهم شيء يعني هذا الحد الأدنى، الحد الأدنى للذكر أذكار الصباح والمساء، واللي ما عنده أذكار صباح ومساء هذا قطع حتى الحد الأدنى، وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ، هي الرسالة الأخيرة في سورة الأعراف: كن مع أهل الحق وخذ بالأسباب التي تجعلك مستيقظ ومنتبه للحق، أحذر من الاصطفافات الخاطئة وتذكر كما أنك تعبد ربك في الأرض هناك من يعبد الله في السماء ولا يتوانى عن عبادته: إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ.
يعني سبحان الله سورة عظيمة وأفكارها كبيرة، معذرة أنا أطلت على يعني، وبعرف الدرس اخذ أكثر من ساعة ونصف، لكن كان لابد من ختم سورة الأعراف في هذا المجلس.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين، اجعلنا اللهم من أهل القرآن من المتشبثين بالقرآن نعيش على موائد القرآن، أيقظنا ونبهنا وخذ بأيدينا ولا تتوفنا إلا وأنت راض عنا، جزاكم الله كل خير على هذا التعب وعلى هذا الانتباه وعلى هذا الحضور، ونلتقي في مجلس آخر بإذنه تعالى إن كان في العمر بقية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل