يا رب، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات جميعا في هذا الصباح الطيب المبارك. هل الصوت عبر اليوتيوب جيد؟ أرجو أن يكون جيدا، فإن لم يكن جيدا فأخبروني. طبعا الإخوة عبر التليجرام، لا أدري إلى كم سيسعني هذا الجوال. اليوم سأنزل كل الإشكالات التي تؤثر على الشحن، فإن انقطع الشحن عندكم تتابعون عبر اليوتيوب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. اللهم اهدنا إليك، قودنا إليك، اجعلنا اللهم من الذين يمسكون بالكتاب. اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم علمنا منه ما جهلنا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسوينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا. اللهم أنسنا بالقرآن ولا، ونعوذ بك أن نستوحي منه. اللهم أنسنا بالقرآن ونعوذ بك أن نستوحي منه.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس رحلة الإنسان في القرآن، وقد انتهينا من الحديث من بداية سورة الناس، وها نحن نضع رحالنا في سورة الأنعام بحمد الله. سورة الأنعام أيها الكرام من السور المكية العظيمة، وقد جاء في السير والآثار أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة. هذه السورة نزلت دفعة واحدة، ونزولها دفعة واحدة يدل على أنها ثقيلة في موضوعها ومهمة جدا، وتدل أيضا على أن محاورها مترابطة لدرجه عالية لا تقبل الانفكاك، كما يقولون إن محاورها مترابطة لدرجة عالية فلا تقبل الانفكاك، بخلاف السور الأخرى التي جاءت منجمة؛ يعني مقطعة على حسب المواقف والأحداث والأسباب.
فسورة الأنعام من السور المركزية في القرآن المكي التي جاءت لتؤسس لمفاهيم العقيدة، وتعالج موضوع الصراع بين الحق والباطل، وتعالج كثير من الأفكار والتصورات الجاهلية والشرك، وتصلحها وتصوبها، وتعيد توجيه بوصلة البشرية نحو الإله الحق سبحانه وتعالى.
ونبتدئ قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ. ابتدأت السورة بتحديد مرجعيه كل عناصر هذا الكون. ابتدأت السورة بالحمد والثناء لمن يستحق الحمد والثناء الجميل الكامل، وهو الله سبحانه وتعالى. وكأن السورة من بدايتها تخبر البشرية أن الثناء الحقيقي والحمد الكامل، وأن كل خير يدب في أرجاء هذا الكون، إنما مرجعه إلى الإله الحق سبحانه وتعالى. الحمد لله. الحمد هو الثناء، وكما قال ابن القيم هو ذكر محاسن المحمود مع محبته وتعظيمه، هذا معنى الحمد: ذكر محاسن المحمود مع محبته وتعظيمه. فابتدا السورة ببيان المرجعية التي ينبغي أن يرجع إليها، وأن وأن ينظر إليها وأن يلتفت إليها البشرية جمعاء. فكل ما سوى الله سبحانه وتعالى أسباب، والله سبحانه وتعالى هو الخالق الحقيقي. كل ما سوى الله أسباب وأدوات وآلات في هذا الكون، وأما الفاعل الحقيقي في هذا الكون، والمقدر الحقيقي لهذا الكون، والخالق الحقيقي لهذا الكون هو ربنا سبحانه وتعالى. فأنت أيها الإنسان وجدت بالله وإليه ستعود، وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. فعلى الإنسان دوما أن يتذكر هذه المرجعية في حياته وهو يسير بصحة وعافيه وأمن وأمان ورزق وخير، وهو يسير مع كل لقمة يأكلها، ومع كل شربة يشربها، ومع كل حدث يراه.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ. ابتدأ بذكر هذين المخلوقين العظيمين؛ السماوات والأرض، فهما من أكثر الأمور المحسوسة لدينا عظمة. الآن بالتاكيد العرش أعظم من السماوات والأرض، لكن بالنسبة لما هو محسوس للإنسان وما يدركه بحواسه، فالسماء الدنيا هي إشارة إلى ما فوقها، والأرض إشارة إلى ما تحتها. فذكرت السماوات والأرض في هذه السياقات لتعظيم قدرة الله سبحانه وعظمته في ذهن الإنسان، باعتبار أن هذه الأمور من أعظم، أو هي أعظم المخلوقات المحسوسة أمام عينيه. كأنه يقول: الحمد لله الذي خلق هذين المخلوقين العظيمين؛ السماوات الدنيا وما فوقها، والأرض وما تحتها. هذا في جانب المحسوسات.
وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ. وهذه الظلمات والنور كثير من المفسرين يحملها على الأمور الدينية والعقائد؛ يعني وجعل ظلمات كثيرة من الضلالات، وجعل النور وهو الهدايه واحد. فطرق الضلال كثير، أديان منحرفه وأفكار ضالة وتائهة وحائرة، وجعل النور الحقيقي منبعه واحد، منبعه ومصدره من الوحي الإلهي. وجعل الظلمات لذلك جمعها: ظلمات، ونور. ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. يعني يتأسف على هذا الإنسان الذي يرى خلق السماوات والأرض، وجاءه الوحي ليوضح له معالم الظلمات ومعالم النور، ثم بعد ذلك يصر هذا الإنسان على أن يعدل بربه سواه، ويشرك مع مصدر النور مع من يستحق الثناء والحمد والتبجيل. ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ؛ يعدلون بربهم غيره ويجعلون له نظراء وشركاء في هذا الكون.
عجيب هذا الإنسان! وهذه هي الصرخة التي وجهت في وجه كفار قريش عندما نزلت هذه السورة دفعة واحدة: يا كفار قريش، انتم ترون وتعلمون وتقرون –كفار قريش كانوا يقرون أن الذي خلق السماوات والأرض هو الله– ويا كفار قريش، جاءكم هذا الوحي وهذا الرسول ليبين لكم الظلمات –وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ كما سياتي– ليبين لكم الظلمات ويبين لكم سبيل النور، ومع كل هذه النعم المحسوسة والنعم المعنوية والإيمانية، أصررتم على هذا الموقف الخائب، عدلتم بالله سبحانه وتعالى غيره وأصررتم على الشرك!
هذه اعظم خطيئة في حياة الإنسان؛ اعظم خطيئة في حياة الإنسان أن يشرك بربه سواه، وأعظم حسنة يفعلها الإنسان هي حسنة التوحيد، وإن كنا نعيش في واقع معاصر ما عاد يعظم حسنة التوحيد وما عاد يستقبح جريمة الشرك، وأصبحت هذه الأمور اختيارات انسانية وأذواق شخصية، والمهم فقط هو أن تكون إنسان جيد أخلاقيا وسلوكيا، فهذا الذي يرفعك عند الناس وهذا الذي يخفضك عند الناس. وإن كانت الأخلاق مهمة وهي جزء لا يتجزأ من مفهوم العقيدة والتوحيد، لكن هذه الأخلاق تبع التوحيد الخالص، فإن الإنسان لو عاش طوال حياته في حسن خلق ولكنه مات مشركا، لا تنفعه كل أخلاقه الحسنة في دخول الجنة. أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، قمة الأخلاقية، قمة المروءة، قمة الرجولة، لكنه مات مشركا فما تنفعته أخلاقه في أنه كان من أخف أهل النار عذابا. لم تنفعه اخلاقه في دخول الجنة، أخف اهل النار عذابا من الكفار والذي توضع تحت قدميه جمره يغلي منها دماغه والعياذ بالله! هكذا القرآن لما يعيد ترتيب الأولويات والمفاهيم في حياة الإنسان المسلم، لييبقى الإنسان متذكرا أن أعظم جريمة هي: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. هي أن الإنسان الكافر –كفروا طبعا الكفر اخواني هو التغطية، الكفر في اللغة ما هو؟ هو التغطية– فلاش استعمال كلمة الكفر هنا: ثم الذين كفروا، كأنهم غطوا كل هذه الحقائق الضخمة، غطوا حقائق الذي خلق السماوات والأرض، وغطوا حقيقة الذي جعل الظلمات والنور، غطوا هذه الحقائق وإن كانت واضحة أمام أعينهم، غطوها واصروا على أن يشركوا بهذا الإله أصنامهم وما عبده من دون الله.
نكمل هذه السورة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ. أي خلق أبونا آدم، لما يقول: خلقكم من طين، أي باعتبار أصلنا باعتبار أبينا آدم: خلقكم من طين. ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا. أي جعل لكل انسان أجله الخاص به، فكل انسان منا له عمره الذي سينتهي إليه؛ هذا يعيش إلى الـ، هذا إلى الـ50. قال: وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ. وهذا الأجل الثاني ما هو؟ ويوم القيامة الذي له ساعته المحدودة، فكل انسان له قيامته الخاصة، ثم تاتي القيامة العامة حين يقوم الناس لرب العالمين. وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ. وما زلتم يا كفار قريش ويا أيها الكفرة، مع أنكم ترون هذه الدنيا تنقضي والآجال تذهب، وما زلتم تشكون وتجادلون في توحيد الله سبحانه وتعالى وفي الإله الحق.
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ. وهذه الآية يفهمها كثير من الناس خطأ، يظنون أن المراد: وهو الله، أن ذات الله موجودة في السماوات وأن ذات الله موجودة في الأرض، وعني ناخذ بعقائد الجهمية أن الله في كل مكان! هذا خطأ. ما معنى وهو الله في السماوات وفي الأرض؟ يعني وهو المعبود في السماوات وفي الأرض، فالله هنا بمعنى ذكرت بمعنى الوصفية، يعني وهو المعبود؛ لأن معنى الله المعبود، هذا معنى اسم الله. فالمعنى: وهو المعبود في السماوات، فأهل السماوات يعبدون الله سبحانه وتعالى، وهو المعبود في الارض ويعبده اهل الأرض من أشجار وجبال وبحار وبهائم، وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وإن كان هناك بعض الشراذم الشاذة من المخلوقات؛ من هؤلاء الكفرة، كفرة الانس والجن، الذين خرجوا عن عبودية الله سبحانه وتعالى وعبدوا أهوائهم، لكن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبودية، فهو يخبر بقاعدة عامة أنه سبحانه هو الذي يعبده أهل السماوات ويعبده أهل الأرض، وأما أنتم يا أيها الكفرة فانتم عنصر شاذ عن مخلوقات الكون الذي خلقه الله. هذه المخلوقات تسبح بحمده وتقر له بالتوحيد والعبودية، وكل من اشرك بالله وعدل بالله غيره فقد خرج عن هذا النظام، ومن خرج عن النظام لابد وأن يستاصل، ومن خرج عن النظام ستكون معيشته ضنكا، ومن خرج عن النظام –وإن كان سبحانه وتعالى يمهل فرصة لعله يعود إلى أن يكون ضمن هذه المنظومة المتكاملة التي تخضع لله– لكن إذا بقي مصرا على موقفه فليس له إلا النار والعياذ بالله والخلود الأبدي في النار: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ.
لذلك أيها المسلم وأيتها المسلمة، عليك أن تعظم التوحيد في قلبك وتعظم هذه المسالة وتؤتيها الحجم الذي وضع في القرآن، ولا تنظر إلى الأفكار المعاصرة التي تقلل من شأنها وتجعلها مسألة ذوقية هامشية، وتعظم الأمور الأخلاقية أو الأمور السلوكية، المواقف الجيدة على حب مسائل التوحيد. فتوحيد الإنسان ولو كان سيء الأخلاق يبقى أعلى من الإنسان حسن الأخلاق وان كان مشر، وهو مشرك؛ يعني عندك انسان سيء الأخلاق، سيء العشرة، وهو موحد لله سبحانه، هذا بالتاكيد أعظم في النظر الإلهي من إنسان مشرك بالله ولكنه صاحب أخلاق! وبالتأكيد المطلوب من الإنسان أن يجمع بين التوحيد ومن متطلباته وكمالاته حسن الأخلاق، لكن أنا أقصد أن لا تضيع عندك البوصلة فتاتي وتجل وتجل مشركين وتجل مشركين لحسن صنائعهم، وتجعلهم أعلى أعلى من موحدين لسوء صنيعهم!
بعض الناس اليوم للأسف يتساهل في: والله هذا النصراني والله احسن من ألف مسلم! هذه كلمة خطيرة، أحيانا لما يقول لك هذا النصراني أو اليهودي أو البوذي، ولا هذا أحسن من ألف مسلم، هيك بقول لبعض الناس بسهولة. ليه؟ والله يا اخي شوف كيف مواقف كذا، شوف هذا الانسان، ما هو سائل يا اخي! ما هذا مسلم مقصر، لكن حسنة التوحيد عند هذا تربو على كل حسنات، على كل أخلاقيات المشركين ولو كانوا في قمة الأخلاقية. هذا ناشئ عن ماذا؟ عن تعظيم مفهوم الإله في النفس البشرية؛ الذي يعظم الله في قلبه ويعرف من هو الله وما يستحقه من التوحيد والإفراد، ويعرف جريمة الشرك وأنه أصلا أكبر خطا أخلاقي وأكبر سوء هو أن تشرك بالله. يعني إذا رايت الإنسان حسن الأخلاق مع الناس لكنه مشرك بالله، فاعلم أنه سيء الأخلاق مع الله! فأنت اخترت أن تكون حسن الخلق مع البشر، سيء الخلق مع الله سبحانه وتعالى، بينما ذاك الرجل المسلم الذي هو ضعيف الرصيد الأخلاقي، هو عنده قلة أخلاق مع البشر، لكنه اختار حسن الخلق مع ربه عندما وحده سبحانه وتعالى. فحتى الشرك هو أزمة أخلاق لو نظرت اليه من بعد آخر؛ الشرك هو أزمة أخلاق لأنك تشتم الله وتسب الله عندما تجعل له ندا وشريكا ومبودا تقصده معه، تقلل من شأن الله الذي منحك وأنعم عليك وأعطاك وكل شيء منه، ثم بعد ذلك تقلل من شأنه فتشرك معه غيره.
دائما إخواني التوحيد هو اعظم شيء في الوجود، ودائما أدعيت وأذكار مليئة بالتوحيد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. كم وردت في الأذكار وكم وردت في الآيات وكم وردت في الأحاديث؟ ومن الصباح إلى المساء كم وردت هذه المعاني التي بها قوام حياة الإنسان وفلاحه؟
قال سبحانه وتعالى في الآية الرابعة: وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. سورة الأنعام تتحدث عن الصراع بين الحق والباطل في المجتمع المكي؛ صراع النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين بأفكارهم وتوجهاتهم، وهي أفكار يجب أن تستثار حتى في صراع العلماء مع أهل الشرك في كل زمان ومكان. وعليك أن تستثير هذه الآيات لتخرج منها أو تحصل منها معالم هذا الصراع، ومعالم النفوس المشركة عبر التاريخ، فإن هذه الطباع طباع متكررة، هذه الطباع طباع متكررة وليست خاصة باهل الشرك في زمن معين. فصفات المشركين المعاندين أنه: وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ، وعلامة واضحة فارقة، إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ. فهذه علامة المشرك؛ أن مهما ظهرت له الأدلة الواضحة الجلية والحقائق الباهرة على توحيد الله وفردانيته، يبقى معرضا غافلا لأن الشرك هو يلبي شهواته أهواءه وهو يريد أن يبقى في استدامة لهذه الحالة من الفساد. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. لهجة الوعيد موجودة هنا: كذبتم بالحق، سياتيكم هذا الحق. كذبتم بيوم
القيامة كذبتم بالجنة كذبتم بالنار، ستأتي أنباء هذه الأمور التي استهزأت بها واستخففت بها. ثم بدأ يذكرهم بمصائر من قبلهم من الأمم الذين يعرفون أماكن سكناهم؛ فأهل مكة -كما ذكرنا مراراً وتكراراً- كانوا يعرفون أماكن قوم ثمود، وأماكن قوم عاد في اليمن، وأماكن قوم لوط في الشام، وأماكن قوم نوح، يعرفون أماكن هؤلاء القوم وأنهم كانوا أكثر منهم قوة وبطشاً، ثم أبادهم الله سبحانه وتعالى. فالإنسان يجب أن يعتبر يستفيد من المواقف والأخطاء السابقة، ولا يكرر أخطاء السابقين التي جلبت لهم النهاية الوخيمة والعياذ بالله: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مَّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا، كان الخير والنعيم وافر عليهم، وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ. ومع كل هذه النعم أصروا على كفرهم، أنظر اليوم لأمريكا رأس الكفر، وأنظر إلى حلفائها وأوليائها، تجدهم فعلاً من حيث الأمور المادية مكناهم في الأرض وعندهم من وفرة الطبيعة وال النفط والامور من فوق ومن تحت والقدرات المادية، لكن هذا الموقف وهو موقف العناد لرب هذا الكون سبحانه سيؤول بهم إلى هذه النتيجة عما قريب بإذن الله: فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ، والذنوب هنا أعظمها الشرك، فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ. جيل من الأجيال، قرن من القرون سينتهي، وحركة من حركات التاريخ ستنتهي، أمريكا ليست إلهاً وأنصارها ليسوا آلهة، وكل شيء سيؤول إلى الزوال، وسيبقى الإله الحق سبحانه وتعالى، وستأتي عجلات أخرى وأقوام آخرون، فأنتم أمريكا كفار قريش قديماً حديثاً، يعني اربط الماضي بالحاضر كلكم جزء من جزء التاريخ من حركات التاريخ الإنساني، وهذا التاريخ له سنن وضعها الله سبحانه وتعالى ستنفذ بلا شك.
وَلَوْ نَزَلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ. الله عز وجل يخبر محمد صلى الله عليه وسلم عن منهجية المشركين، أن هؤلاء يا أيها النبي هؤلاء قوم تشربوا الشرك تشربوا حب الشرك وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم، فهم بالتالي كلما اقترحوا عليك آية -وهذا كثيراً ما كان يفعل كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم اقتراح الآيات: انزل علينا شيء من السماء، اخرج لنا كذا، افعل لنا كذا، يعني يحاولون الاستهزاء والتهكم- فالله عز وجل يقول لنبينا صلى الله عليه وسلم: لو أنزلنا عليك يا محمد عليه الصلاة والسلام لو أنزلنا كتاباً من السماء في قرطاس في أوراق، فلمس هذا الكتاب بأيديهم ووجدوه نزل عليهم من السماء أمام أعينهم ناظراً، ترى ماذا سيقولون لك؟ سيقولون لك أنت سحرت أعيننا، لن يؤمنوا بهذه الآية، لن يؤمنوا بهذه المعجزة لو راوها أمام أعينهم، كتاب ينزل من السماء وأوراق ويلمسها بأيديهم سيستمرون على منهجية المواربة والهروب من الحق؛ لأن هؤلاء هم لو كانوا يبحثون عن الحق فإن الحق لا يحتاج إلى معجزات، ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، هل الاستدلال على وجود الإله الحق وأنه واحد لا شريك له يفتقر إلى وجود معجزات؟ بالله عليكم أيها الكرام، أعظم حقيقة في الوجود وجود الإله، أعظم حقيقة وحدانية الله، فلا تظنن أن القوم صادقون في طلب الآيات، فوالله لو رأوا كتاباً ينزل ويلمسوه بأيديهم لأواربوا وقالوا: لا، أنت سحرتنا يا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقالوا لولا أنزل عليه ملك؟ من اقتراحاتهم: طب لماذا لا نرى ملكاً ينزل عليك مباشرة؟ أنت تقول يوحى إليك من السماء، نريد أن نرى هذا الملك الذي ينزل عليك بصورته. وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ، لا يعرفون أن من رحمة الله، من رحمة الله بكم عدم نزول الملك؛ لأنه لو نزل لن ينزل إلا بالعذاب، لو أنزلنا هذا الملك لقضي الأمر، يعني لنزل بعذابكم، فاسكت يا كفار قريش تراك ما تدرون ماذا تتكلمون، إذا لقضي الأمر ثم لا ينظرون. وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا، يعني الآن على سبيل التنزل، ولو جعلناه ملكاً، يعني لو أردنا أن ننزل عليه ملكاً على سبيل التنزل لن يستطيعوا ولن يستحملوا أن يروه بصورته الملائكية فهي صورة عظيمة جداً، فإننا سننزله بصورة رجل آدمي على صورتهم، كما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصورة رجل، وجلس بين يديه، ووضع ركبتيه على ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فإن الصحابة لن يقووا على أن يروا جبريل بصورته الملائكية. إذاً، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا، فاذا نزل رجلاً لبس سناً عليهم ما يلبسون، عاد اللبس الذي هم يستشكلونه، لقالوا: لا، هذا ليس ملك، هذا رجل، فبدأ تقنعهم: لا، هذا ملك على صورة رجل وعاد لبسه الذي يتوهمون.
وهكذا، فهؤلاء ولقد استهزئ... يعني هؤلاء قوم يستهزئون النبي عليه الصلاة والسلام، يعني هذا يعطيك مشاعر النبي عليه الصلاة والسلام كأنه كان في داخله كلما جاء كفار قريش يقترحون عليه آيات: اعمل لنا كذا، طب اعمل لنا كذا، طب سوي لنا كذا، كان النبي عليه الصلاة والسلام كان ينتظر أن تحصل هذه الآيات أو يترقب، فالله عز وجل يريد أن يخبر حقائق يا محمد صلى الله عليه وسلم عليك أن تفهم نفوس هؤلاء القوم، هؤلاء ليسوا طلاب آيات، هؤلاء طلاب أهواء، فلذلك اطمئن: وَلَقَدْ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ، هذه المنهجية من الاستهزاء منهجية متكررة، وَلَقَدْ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، أي أحاط بهم استهزاؤهم، كانوا يستهزئون بالدار الآخرة، كانوا يستهزئون بعذاب الله، هذا كله سيحيط بهم وكان سببا في هلاكهم في يوم من الأيام.
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، يا كفار قريش سيروا في شمال الجزيرة العربية إلى الشام وفي جنوبها، ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين، أنتم تعرفون أماكنهم جيداً فسيروا وانظروا كيف كانت عاقبتهم.
طيب، الآن انتهى المقطع الأول من السورة، بدأت هناك مقطع ثاني في تقرير مسائل التوحيد وعقيدة: قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، سؤال: لمن ما في السماوات؟ من الذي يملك ما في السماوات والأرض؟ قُل لِّلَّهِ، المالك الوحيد، المالك الوحيد لكل شيء في السماوات ولكل شيء في الأرض الله: قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، سبحانه وتعالى؛ لأنه كتب على نفسه الرحمة أخر عذاب هؤلاء الكافرين؛ لأنه يمهل ولا يهمل سبحانه، من رحمته بالبشر المعاندين، من رحمته التي كتبها على نفسه أنه يمهل الإنسان ويعطيه الفرص، حتى هؤلاء الكفار من اليهود والصليبيين ويعطي الفرص سبحانه وتعالى لعل أحدهم يتوب لعل أحدهم يستيقظ، نعم في ضمن هذه الفرص يستشهد كثير من أهل الإيمان ويكون هناك معارك ضارية وقتال، وهذا خير للمؤمنين من حيث رفعة الدرجات والحسنات ويتخذ منكم شهداء، ولكن أيضاً سبحانه وتعالى لأنه عز وجل يعلم أن الدنيا قصيرة ولا تزن شيئاً في ميزان الآخرة، فهو يعطي الإنسان فرصة واسعة جداً ليتوب.
نعم، هذا الإنسان بطغيانه وظلمه قد يظلم كثير من الناس ويقتل كثير من الناس وتكون معارك بين الإسلام والكفر، لكن سبحانه وتعالى يقول لأهل الإيمان: ما وقع عليكم من الضرر بسبب هؤلاء الكافرين فهذه رفعه لكم في جنات النعيم، ولا تحزنوا فالدنيا فانية والسعادة الأبدية تنتظركم هناك، بنيت لكم جنات وقصور وانهار وحور، فالدنيا قصيرة، وما تصدي الكافرين عليكم إلا لرفعة درجاتكم، وأما بالنسبة للكافر فالله عز وجل يعطيه من المساحة كما أعطى كفار قريش مساحة خمسة عشر ثلاث عشرة سنة والنبي صلى الله عليه وسلم بينهم، ثلاث عشرة سنة النبي عليه الصلاة والسلام يدعوهم يذكرهم ينبههم ثم بعد ذلك سنوات بين السجال والعسكري بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام، تاب منهم من تاب خلال هذه السنوات واستيقظ منهم من استيقظ، نعم البعض استيقظ متأخراً لكنه استيقظ وأصبح من الصحابة الكرام، خالد بن الوليد، عمرو بن العاص، أبو سفيان وعكرمة بن أبي جهل أصبحوا من عظماء الصحابة وإن تأخر كثير منهم، لكن في النهاية وصلوا وصل. فهذا الإمهال للكافرين هي من جملة الرحمة التي كتبها سبحانه وتعالى على نفسه، يعني ألزمني نفسه بها وهو سبحانه يلزم نفسه بما شاء: كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
ثم قال: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ، هذه جملة أخرى، لَيَجْمَعَنَّكُمْ هذه لام القسم، والله ليتمن جمعكم إلى يوم القيامة، الَّذِينَ خَسِرُوهُمْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، اللي بده يخسر نفسه في الدنيا وفي الآخرة ويوم القيامة خصوصاً هو الذي لا يؤمن، اللي بده يخسر نفسه هم الذين لا يؤمنون: الَّذِينَ خَسِرُوهُمْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. ثم مرة أخرى ينبه على المالك الحقيقي والمتصرف الحقيقي في الكون: وَلَهُ، شوف كلها آيات الملك قبل قليل: قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، هنا وَلَهُ دون غيره مَّا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، كل ما سكن في الليل وفي النهار فهو لله سبحانه وتعالى وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا، معقول قل قل وجه إليهم الخطاب يا محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا، معقول ألجأ وأشرك وأفزع إلى غير هذا الإله العظيم، هذا الإله الذي فطر، الذي خلق السماوات والأرض وشقها وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعِمُ، وهو يطعم يعني هو الذي يمنح ويعطي وَلَا يُطْعِمُ، فهو ليس مفتقراً ملتجئاً إلى من يعينه أو يسنده، فالله هو قمة الغنى ونحن البشر وكل معبودات البشر هي كلها قمة الافتقار والله قمة الغنى، فالله سبحانه إذاً المالك الفاطر الغني كل هذه معاني يبث في سورة الأنعام.
هذا الإله الذي لَهُ مَّا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، هذا الإله فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، هذا الإله الغني ونحن الفقراء هل يمكن أن أتخذ غيره ولياً؟ هل يمكن أن ألجأ إلى غيره وأفزع إلى غيره ويكون ولائي لغيره مع علمي بأنه سبحانه وتعالى هو صاحب هذه الكمالات؟ الآن أمر بالمفاصل القضية واضحة ما فيها بالتاكيد لن تتخذ ولياً إلا الله سبحانه وتعالى، قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ، في هذه الأمة في هذا الجيل أمرت أن أكون أول من أسلم ويخضع لهذا الإله: وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، يعني معقول أعصي الله فأشرك به سواه، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عذاب يوم عظيم، هذا العذاب من يصرف عنه؟ مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ، أنت متخيل يعني اللي ما بدخل النار مرحوم، حتى لو ما في جنة حتى لو ما في جنة مجرد أنك تصرف عن النار فقد رحمه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا وأن يلطف بنا سبحانه وتعالى، مجرد أنك تصرف عن النار مكسب ولو لم يكن هناك جنة فما بالك أن الصرف عن النار يعني دخول الجنة: مَن يُصْرَفْ عَنْهُ أي عن هذا العذاب يومئذ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ.
هذا الانتصار الكبير، هذه معاني الانتصار، معاني الانتصار التي يعلي القرآن من شأنها، الانتصار ليس هو أن تنتصر في لعبة كرة قدم، الانتصار مش معناه أنك تنتصر على أخوك تاكل حقه، الانتصار لا يعني أنك تكون صاحب ثراء ودنيا، مش هذه الانتصار، هذه مكاسب دنيوية زائلة، الانتصار الحقيقي والفوز الحقيقي هو أن تفوز في قصة الإنسان، أن تفوز في هذه المدة الزمنية التي منحتها يا أيها الإنسان، أن تفوز وتنهيها بنجاح وتستطيع أن تكللها بختام فاخر تبتعد به عن النار وتدخل الجنة، هذا هو معنى الفوز الحقيقي، هذا هو معاني هكذا يعلي القرآن من معنى الفوز، الْفَوْزُ الْمُبِينُ الفوز الواضح الفوز الحقيقي الذي ينبغي أن يتعب الإنسان من أجله ويشغل هم الإنسان وفكره هو كيف يفوز في قصة الحياة وكيف يخرج من الدنيا بسلام ويصل إلى الله سبحانه وتعالى بأمان.
إذا نجحت في كبح الشهوات والصبر على البليات وتحمل مصائب الدنيا وغض الطرف عن زينتها وصبرت على ما ابتلاك الله به، وكلنا أصحاب بلاء وكلنا هنا أصحاب بلاء وكل انسان عنده من البلاء ما يشغله ويجعله ينصرف عن النظر إلى بلاءات غيره، هي هكذا الدنيا، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ليعرف الله سبحانه وتعالى من سينجح في النهاية ومن سيخسر، هذه أيضاً من المفاهيم الأساسية التي يرسمها القرآن للإنسان، عليك أن تعرف ما هو الفوز الحقيقي، الفوز الحقيقي مش أنك والله تتواصل مع فتاة معينة وكذا ويصير بين بينها قصة حب وعشق وتكسبها وخلص وتكسب قلب بعض الناس هذا هو أعلى فوز في حياته، مش أنك هناك لقمة مال في شيء معين أو أو مش تخصص معين انك تصير فيه كذا وكذا جيد الإنسان يدرس بس برضه في النهاية هي دنيا يعني جزاك الله خير يعني، لكن الفوز الحقيقي هو الفوز الإيماني؛ لأنه كثير من الناس هو عنده فوز دنيوي لكنه فاشل إيمانياً، كثير من الناس تجلس معها بتفتخر والله أودي يعني أنا افتخر بهم تخرجوا من جامعات أكسفورد وكامبريدج وجايين من الغرب ودارسين في أمريكا ودارسين في بريطانيا وبيتكلموا بالفلين في اللغة الإنجليزية وطلق، لكن تنظر في حال أبنائه لا يصلون، طب أنظر في حال نسائهم تزوجوا نساء متبرجات، أنظر في حال أبنائهم قصار همهم الكلام بلهجة الكافرين ولا يعرفون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، فأقول هذا الأب الذي يفتخر بهؤلاء الأبناء بماذا تفتخر؟ طب ما هو ابنك إذا مات على هذه الصلة هو من أهل النار، يعني كل شهاداته اللي في أكسفورد وكامبريدج تحرق معه في نار جهنم، أنت فاهم يعني إذا مات لا يصلي ولا يعرف ربه سبحانه وتعالى، طب فبماذا أنت تفتخر؟
وبماذا أنت تتشدق على الناس وترى أنك منجز؟ ما هو الإجاز بمفهومك؟ هل الإجاز هو شهادة في جامعة؟ هل الإجاز هو الدنيا تصل إليها؟ هذه كلها توافي، كلها زائلة، غدا سيكبر هذا الابن ويصبح عمره في الستين والسبعين، ويجر إلى القبر، والله أعلم هل يجت قبرا يدفن فيه في مقابر المسلمين أم يدفن في مقابر النصارى وفي مزبلة التاريخ في تلك الدول؟
فالإنسان يا إخواني ينتبه، الله يكرمكم، لمعاني الفوز الحقيقي، قبل ما تضيع نفسك وتضيع أبناءك ومستقبلكم الحقيقة. الله عز وجل... لماذا القرآن مهم؟ أعود فأقول: القرآن يرتب أولوياتك وفكرك ويرتب اهتماماتك، أنه الدنيا آخذ منها على قدر ما ينفعني، لكن ديني أهم، عقيدتي أهم، عقيدة أولادي أهم من كل شيء. ليس شرطا أن يأخذ من شهادات من عوالم أجنبية، خلها يأخذ في بلاد المسلمين ويعيش معهم، على الأقل تبقى له الهوية الإسلامية والفكر والانتماء وصاحب روح إيمانية.
لماذا أقتل معاني الإسلام ومعاني هذه الهوية ومعاني القرآن والتدين فأرمي بهم إلى مزبلة الغرب؟ يأتيني بعد ذلك ايش؟ متخصص في شيء من الطب ولا في حقل في الفيزياء ولا حقل في الهندسة أو المال وشيء، ثم ماذا؟ ثم ماذا بعد ذلك؟ كل شيء سينتهي. مكنهم في الأرض ما لم نمكن لكم مكنهم في الأرض ما لم نمكن لكم، والسيطرة والهيمنة، لكن كل شيء سيزول، ولن يبقى إلا التوحيد هو الذي يعطي للحياة قيمة ومعنى، لم يبق إلا العمل الصالح الذي عشت من أجله، لن يبقى إلا الثبات أمام الفتن والشهوات.
هذه المعاني التي تجلها الشريعه وترفعها وتبقى المعاني الأخرى دنيا ثانية. نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بهذه الحقائق وأن لا تضعف نفوسنا أمام الأضواء، أحيانا إخواني الأضواء بتسحر، والشيطان يحسن تزيين وزخرفه الأمور وإظهارها على غير ما هي عليه، فتضعف أبصارنا عن رؤية الأمور كما هي. لذلك، كما مر معنا مع ابن الجوزي في صيد الخاطر، لما قال: اللهم أرنا الأشياء كما هي. من نعمة الله عليك أن ترى الأشياء كما هي، أن ترى الدنيا دنيا، ترى الجامعات الغربية مجرد دنيا، ترى الأموال والبزنس والأعمال دنيا، ترى النساء -وهذا زين للناس بالشهوات من النساء- تبقى تراها كما هي.
نعم، ليس معنى هذا أنك لن تحب المال أو لن ترتبط بامرأة، لكن تبقى تراها كما هي، أنها دنيا وانه ليس شيء أعيش من أجله وأفني حياتي في ساحاته، لا، تبقى نظرتي للأخرة، للعقيدة، للتوحيد، لمعاني الإيمان، لأن أحافظ على ديني وثباتي، لأن أخذ بزمام نفسي، أربي أبنائي على الخير والصلاح ومحبه الله وتعظيم أمره وشرعه. هذه هي المعاني التي يعاش من أجلها، وكل ما سوى ذلك دنيا تبقى بحجمها ولا يزاد عليها.
طيب، وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ... لاحظوا أن الآيات هذه، جمالية القرآن، جمالية القرآن أنه يتكلم عن الله ثم يعود ليخوض بالتوحيد. فلاحظوا هذا التكرار والتناوب في صفحات سورة الأنعام، عاد مرة أخرى يتكلم عن أفعال الله في هذا الكون: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ. من الذي يكشف الضر إلا هو سبحانه؟ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فهو صاحب العطاء، فهو على كل شيء قدير، وهو القاهر فوق عباده، وهذه فوقية مكان فوقية ذات، فهو سبحانه فوق السماوات على العرش استوى. وفوقية وعلو قهر، فهو القاهر أيضا عباده سبحانه وتعالى، وهو الحكيم الخبير.
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً؟ يقول سبحانه وتعالى لعباده: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. تمام، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. ما وظيفة هذا القرآن الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم؟ أوحي إلي هذا القرآن، يا كفار قريش، لأنذركم به، لأنبه على هذه الحقائق وأنبه على هذه المعاني لعلكم تستيقظون قبل فوات القرآن لأنذركم به، فأنتم أول من خطبت به، ثم وَمَنْ بَلَغَ، ومن بلغه هذا القرآن إلى نهاية الزمان فهذا القرآن حجة عليه.
إذا هذا القرآن، إخواني، هل هو فقط حجة على كفار قريش؟ لا، لأنذركم به فانتم أول من خوطب به، لكنه لكل زمان ومكان: لأنذركم به ومن بلغ. فكل من بلغه القرآن وعرضت عليه معاني القرآن ثم أعرض عن هذه المعاني ولم يعمل بها، فهذا معنى أنه قامت عليه الحجة الإلهية وقامت عليه الرساله وبالتالي سيكون مخلدا في نار جهනම් إذا لم ينصع لهذه الرسالة. لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ معقول يا كفار قريش أنكم تشهدون وتقرون أن مع الله آلهة أخرى؟ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل لا أشهد، أنا لا أشهد شهادتكم، هذا كذب، هذا قلب للحقائق وتزوير الواقع، هو إله واحد. قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّ تُشْرِكُونَ. هذه أعظم قضية في الدنيا، وأعظم شيء يجب على المسلم أن يقول في حياته: إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون.
هذه عقيدة يربي الانسان عليها قلبه ويبقى يتذكرها، أن المعبود الذي يتوجه اليه بالمحبه والانابه والخوف والرجاء والخشية والتوكل وبكل معاني القلوب وبكل انصياع الجوارح هو الله سبحانه وتعالى، وأنني بريء من كل مظاهر الشرك وصوره دون الله عز وجل. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ... إشارة سريعة لليهود والنصارى أصحاب الكتب السماوية، الذين كان كفار قريش أحيانا يلتجئون إليهم ويطلبون منهم المساعدة والحيل. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ من اليهود والنصارى، آتيناهم الكتاب، يعني الكتب السماوية السابقة، يعرفونه، يعرفون أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو النبي الحق بالعلامات التي ذكرت في كتبهم، يعرفونه كما يعرفون أبنائهم. كيف أنا أقول لك: والله بعرف هل الشغلة زي ما بعرف ابني؟ كيف أنت ما بتخربط في ابنك؟ كذلك كفار قريش يعرفون صدق النبي عليه الصلاة والسلام كما بيعرفون أبنائهم، ما بخربط في هذه المعلومة.
طيب، لماذا أيضا هم لم ينصاعوا ما دامهم متاكد تماما انه هو النبي الذي بشروا به؟ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. فالأولى كانت خسروا أنفسهم في سياق كفار قريش، والثانية خسروا أنفسهم في سياق اليهود والنصارى. فكل يهودي ونصراني سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به، الذين خسروا أنفسهم... ما في عندنا يهود ونصارى سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم والإسلام بس لأنهم ناس مناح وكذا وماتوا على طبعا اليهودية والنصرانية بس لأنهم ناس مناح وكانوا يقفوا مع القضية الفلسطينية وينصروه ويروج لها ويقفوا مع قضايا إخواننا في السودان وعندهم مساعدات، كل هؤلاء إلى جهنم بنص القرآن.
هذه العقيدة، أنه ما بدي أخلي العاطفة تغلب ما يريد الله عز وجل أن يكون وأن يحق. كل من سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرف دعوته وعرف دعوته ولم يؤمن به فقد قامت عليه الحجة، فإذا مات على حاله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. انتهى.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّافْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا؟ شوف لما قلنا قبل شوي أنه اعظم ظلم وأعظم سوء خلق أنك تشرك بالله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ. لا تيجي تقول لي هو محسن في أخلاقه وسلوكياته، لا تقول لي إنسان راقي يا شيخ في تصرفاته، يا أخي شوف كيف بدعم القضية الفلسطينية ويقف مع إخواننا في اليمن ومع أزمة الشباب في سوريا ومع... لا تقول لي هذا الكلام، لا تقول لي هذا رجل يقف مع العدالة ويقف مع الإنسانية، هي الخطابات اللي شوية أدلجت عقولنا وصرفتها عن معاني التوحيد.
شوف القرآن لا، بيرتب لي الأفكار من جديد. ترى هذا أكثر ظالم، هذا المشرك، هذا اليهودي أو النصراني أو البوذي أو هذا، أظلم شيء بنص القرآن وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فادعى أن الله ثالث ثلاثة، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فادعى أن عزيرا ابن الله، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فجعل أصناما وأحجارا وبوذا وغيرهم آلهة، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فقال لا وجود لإله في هذا الكون؟
تيجي تقول لي بعد ذلك: شوف ما أحسنه، شوف عدالته؟ شوف الله يقول لك: ومن أظلم، يعني لا يوجد أظلم وأسوأ خلق وأسوأ نفسية وطينة ممن يكذب على الله فيجعل له شركاء، ما في. هذه أعظم صور الظلم، حتى لا تنغر بأشياء. يعود فأقول: الآن كونه محسن في أشياء هذا يشكر عليه، الدنيا الدنيا يشكر عليها، لكن في النهاية لا أعطيها حسنة أعلى من حسنة التوحيد وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ.
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا... الله عز وجل يأخذهم الآن لمشهد يوم القيامة وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ؟ قررتم الشرك، تعالوا، أين شركاؤكم الذين كنتم تعبدونهم من دون الله؟ أصنام، بشر، آلهة، كل الأمور التي جعلتموها شريكة لله، أرونا إياهم. فَلَمَّا رَأَوُا العذاب وهم في ساحة الآخرة -هذا اللي رح يصير لما يشوف نار جهنم أمامهم وتظهر لهم الحقائق- سيقولون: ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. ترى يا رب احنا ما أشركنا! وجايين تكذبوا كمان يوم القيامة؟ انظر كيف كذبوا على أنفسهم. يعني حتى يوم القيامة ما زلتم تمارسون الكذب؟ بتقولوا ما أشركنا؟ أنتم في الدنيا كذبتم على الله، وجايين يوم القيامة تستمروا في هي الدوامة وتفكروا أنه القضية خلص ستستمر سريعا وانه مسألة الشرك رح تنحل بمفاوضات؟
لا، المفاوضات هي في الدنيا بين الدول والأفراد، لكن يوم القيامة ما في مفاوضات. في مسلم عاش للتوحيد فيدخل الجنة ولو بعد حين، وفي كافر أشرك بالله سيدخل النار ولو كان في قمة سلوكيات الدنيويه الجيدة. هذه هي المعايير الإلهية انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون. كل أصنامهم وآلهتهم ضلت وذهبت وذهب ما يزعمونه من فوائد لها وما شابه ذلك.
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ... من هؤلاء المشركين من يستمع إليك يا محمد صلى الله عليه وسلم وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً، كأن قلوبهم في أغلفة أَن يَفْقَهُوهُ، لكي لا يفقهوه، لأن الله لأن قلوبهم اشربت الكفر وعنادهم استمات فالله عز وجل طبع على قلوبهم فكان قلوبهم في أغلفة فلا يفقهون، هنا ما تقول قلوبهم أكن أن يفقهوه وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، وكانه في آذانهم ثقل، فهم صح أمامك جالسين بيسمعوا كلامك بس ما بتاثر، لا هم يفقهون كلامك وينتفعون به ولا هم يسمعون الاستماع النافع المفيد.
كان قلوبهم في أغلفة فلا يتصل إليها مادة الإيمان، وآذان فيها ثقل فكان الأصوات لا تصل، وإن كانت الأصوات تصل لكنهم لا ينتفعون. فصور حالة عدم انتفاعهم بهذه الدعوة بهذه الصورة المقيتة، وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّؤُؤْمِنُوا بِهَا، ولو جئتهم بكل معجزة، ولو لبيت لهم كل أحلامهم لن يؤمنوا، قوم بهت، قوم اشربوا الكفر.
حَتَّىٰ إِذَا جَاؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. إذا جاؤوك يجادلونك ماذا يقول الكفر عن الآيات التي أتيت بها يا محمد صلى الله عليه وسلم؟ هذه أساطير وقصص أنت أتيت بها من يهودي أو فارسي أو أعجمي، أساطير وحكايات، هذا ليس من الله سبحانه وتعالى.
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ. يستمرون ينهون عنه، أي ينهون الناس عن اتباع هذا القران وعن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وينأون عن، أي يبتعدون بأنفسهم عن الاتباع، فجمعوا بين السوت والعياذ بالله، لا هو بده يهتدي ولا بده غيره يهتدي! لا هو بده يهتدي ولا بده غيره يهتدي وينتفع بالحق، والعياذ بالله. وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ. في النهاية، في النهاية بدك تفهموا، الذين خسروا أنفسهم يهلكون أنفسهم.
شوف هذا المفهوم، مفهوم الخسارة والفوز في الصفحات الأولى مر معنا في الصفحة الماضية: خسروا أنفسهم، وبداية هي الصفحة: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ... الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ. وهنا في النهاية: وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ، أنتم عم بتضيعوا حالكم، أنتم عم تخسروا أنفسكم، أنتم الذين تقودون أنفسكم إلى الهاوية، وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ.
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ... الله يريهم المشاهد الأخيرة فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. لما يوقف على نار جهنم وخلص بقي الدفشة الأخيرة، سيعطون أصابع الندم ويبدءون بالتمني: يا ليتنا نرد ولا نكذب بايات ربنا ونرجع مؤمنين، بس اعطونا فرصة نرجع للدنيا. بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ. نعم، الأشياء التي كانوا يكذبون بها وكانوا يعرفون أن محمد صلى الله عليه وسلم صادق بس أهوائكم ما بدها تؤمن بها، ظهرت لكم الأشياء هذه الآن أمام أعينكم، كنتم تعلمون صدقه وتعلمون صدق ما أتى به لكن كبريائكم وعجرفتكم وتقليدكم لابائكم منعكم، فلما رايتم هذه الحقائق بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل.
وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. ولو ردوا لعادوا... الله يخبر أن النفسية الكافرة هي نفسية مواربة، ولو رجعناهم للحياة الدنيا وعادوا إلى رغد الدنيا الذي كانوا فيه لعادوا إلى نفسية التكذيب، لأن هذه نفسية مرضية هم يعيشون بها، فحتى قولهم: يا ليتنا نرد ولا نكذب، هو قول غير صادق، لأنه حتى لو ردوا إلى الحياة الدنيا سيعودون إلى الكفر. معقول يا شيخ ما راح يستفيدوا من تجربتهم؟ ما راح يستفيدوا، يعني معقول لو رجعوا للحياة الدنيا لعادوا، ما راح يستفيدوا؟
التجربة، نعم. ليه؟ لأنها هي نفوس بشرية خبيثة. والنفس الخبيثة بتشوف أنت الواحد بوقع في معاصي في الدنيا وبيدعو: يا رب نجيني، وما رح أرجع للمعصية، وفعلاً ربنا بنجيه، وبيرجع للمعصية، وبرجع يقع في بلية أخرى: ويا رب يا رب بدي أتوب، ويا رب رح أرجع أصلي وأسير منيح بس نجيني مرة ثانية، وبرجع ربنا ينجيه وبعطيه فرصة وبيرجع للمعصية.
إذاً هي هذه النفسية، إنه هو رأى أن المعاصي أو وقعته في البلايا ورأى أنه في النهاية اللي أنقذه من هذه البلايا الرب سبحانه وتعالى، ومع ذلك عاد إلى سوء صنعه، لأنه نفس خبيثة. فلذلك يقول الله عز وجل: وَلَوْ رَأَوْا نَارًا ثُمَّ أُعِيدُوا إِلَى الدُّنْيَا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ. وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا، يعني هم أصلاً في الحياة الدنيا ما كانوا مؤمنين بالدار الآخرة، هذا من مقولات الكفار في الحياة الدنيا.
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ، أنتم كنتوا تحكوا في الدنيا وما نحن بمبعوثين، فالله مباشرة أخذهم إلى مشهد الآخرة عندما سيقفون أمام ربهم فيقول: فعلا طلعتوا مش مبعوثين. تخيل الكافر اللي كان يحكي فيش دار آخره لما يجي يوم القيامة ويوقف بين يدي الله ويحكي له الله سبحانه وتعالى: أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ؟ طلع في دار آخره ولا لا؟ طلع في عذاب قبر ولا لا؟ قالوا: بلى وربي، طلع والله نعم، فقالوا: وربنا قال: فَذُوقُوا الْعَذَابَ. إذاً اذهبوا إلى مزبلة التاريخ واذهبوا إلى جهنم وبئس المصير.
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ، هذه أكبر خسارة، رجع مرة أخرى مفهوم الخسارة، كيف تخسر نفسك؟ أن تبتعد عن معاني التوحيد، هذه أكبر خسارة: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ. لما تبتعد عن معاني التوحيد وعن إيمانك بالدار الآخرة وتأتيك الساعة ستعد أصابع النادم وتَقُولُ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا، كنا مهتمين فقط بالدنيا والله خلف شهواتنا وأموالنا وجامعات ودنيا ومصاري وكذا، وما كنا مؤمنين حقيقة بدار آخره فأتينا مفلسين، لا صلوات، لا ذكر، لا إيمان، استهزاء بأحكام الشريعة، استهتار، حتى لو اسمه في الهوية مسلم بس كل معاني الإسلام ما هي موجودة في حياته.
طيب، يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا، هم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون. وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ، شوف الحقائق، الله القرآن يريك الحقائق، كل الدنيا بكل ما فيها لعب ولهو، هذه حقيقتها: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ من حيث انشغال الناس بها ومنهكهم بها الآن. اللي استعمل حياة الدنيا في الطاعة والتوحيد والتعلم وإفادة الأمة ونصرتها عاش الدنيا كما أراد الله، لكن هنا الكلام عن من يعيش الدنيا بشهواته واللذائذ ويعيش من أجلها، فربنا بقول له: شو الدنيا اللي عشتها؟ لعب ولهو. إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ، هي الدنيا اللي عايشها أهل المادة والماديين. وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. افهموا أيها البشر، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة.
قَدْ نَعْلَمُ، ثم يعود الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم اللي كان متألم من حالة العناد المستمر لكفار قريش: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ، ترى هم عارفين انك صاحب حق ويعرفون صدقك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون. هي حالة جحد ظاهري عناداً واستكباراً وتمسكاً بإرث الآباء والأهواء، لكن هم في الباطن زي ما قلنا قبل هم يعرفون صدق ما تقول، ولكن طيب إيش اللي يمنعهم؟ الكبر، أمراض نفوسهم.
طيب وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ، وهذه رسالة للدعاة، فصبروا، بدكم تصبروا يا أيها الدعاة يا حملة هذا الدين للبشرية جمعاء، بدكم تصبروا، فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا في اللحظة التي يقدرها الله وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ. وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ، أنت بتعرف قصص السابقين، بتعرف كيف نجى نوح وكيف نجى هود وصالح والقوم. وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ، يعني إذا كبر عليك إعراضهم عنك وعدم تصديقهم لرسالتك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضَ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَاتِيَهُمْ بِآيَةٍ، تمام، يعني الآيات إنما يأتي بها الله سبحانه وتعالى.
كان الله عز وجل يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: لا تتزعزع، اثبت يا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تتماشى معهم في قضية كلما اقترحوا آية تطلبها من الله سبحانه وتعالى. كان النبي عليه الصلاة والسلام لشده حرصه لشده شفقته وحبه أن يؤمن قومه، كان كلما مثلا اقترحوا شيء أو آية أو كأنه يأتي إلى ربه فيطلب منه أن تحقق هذه الآية لعل هؤلاء القوم يؤمنون، هذا حرصا وشفقة منه صلى الله عليه وسلم بهذه الأمة فهو رحمة للعالمين. ولكن الله عز وجل يريد أن يضع له القاعدة في هذا المكان أنه يا محمد صلى الله عليه وسلم هؤلاء قوم لو جئتهم بكل الآيات والمعجزات هؤلاء قوم تشربوا الكفر وتشربوا الأهواء، فإخراج أو طلب الآيات منهم ليس عن مصداقية تمام.
إذاً يقول الله عز وجل له: إذا كان شق عليك وصعب عليك إعراضهم عن رسالتك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ تدخل في الأرض تجيب لهم آية من الأرض السابعة أو تطلع في سلم في السماء يجيب لهم آية من السماء السابعة فَتَاتِيَهُمْ بِآيَةٍ فَافْعَلْ ذَلِكَ، اعمل ذلك وجيب لهم الآيات اللي بدهم اياها، بس بدك تكون منتبه أنه لن يفيدهم شيئاً لأن الحقيقة أن هؤلاء القوم ليس كفرهم بسبب عدم وضوح الحقائق أمامهم، بل كفرهم بسبب فساد نفوسهم، خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون. فلذلك ختم الآية قال: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ.
خلاص انتبه وتعرف على طبائعهم، ساكتفي اليوم بهذا المقدار إن شاء الله، ونكمل بداية الحزب القادم في الجلسة القادمة. اللهم ربنا وعلمنا وانفع بنا واجعلنا هداة مهتدين واجعلنا سببا لمن اهتدى. بارك الله فيكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل