السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله وبياكم أيها الأكارم في هذا الصباح الطيب المبارك، وإن أعتذر على التأخير لتاخر وقت صلاة الفجر عندنا في بلادنا، ولعلنا نعدل الموعد إن شاء الله فيما يقدم من الأيام إن كان في العمر بقية، يعني ليصبح الخامسة والربع؛ أفضل، صلاة الفجر تنتهي على الساعة الخامسة عندنا، الله المستعان.
طيب، واضح أن الصوت جيد، إذا ننطلق إن شاء الله في رحلتنا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاةً تت... وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علوتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم نج المستضعفين من عبادك في كل مكان، اللهم نج المستضعفين من عبادك في غزة، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا واجعل لهم فرجاً عجباً يعجب منه عبادك. اللهم إنا نسألك أن تنزل على المجاهدين في غزة نصراً مؤزراً قریباً عاجلاً غير آجل، اللهم إنا نسألك أن تفرح قلوبنا بالتفريج عن إخواننا، ونسألك اللهم أن تنصر إخواننا أيضاً في السودان وفي سوريا وفي اليمن وفي كل بلاد الإسلام.
أسأل الله عز وجل أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه بكتابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. حياكم الله أيها الأكارم في صباح جديد من صباحات الجمعة المباركة مع درس جديد من دروس رحلة الإنسان في القرآن، هذه الدروس التي نتصفح فيها المعاني الكلية لكلام ربنا سبحانه وتعالى.
هذا التصفح وهذا الاستعراض لمعاني القرآن واستثارة... يجدد الإيمان في القلب، إذاً بعد ما يخلق، إن الإيمان يخلق إخواني ويبل كما يبل الثوب، فعليك أن تجدد معاني الإيمان في قلبك، ومن صور هذا التجديد ومما يعين على التجديد ورفع معنويات الإنسان وإيمانيات الإنسان، هو أن يعيد المرور على معاني القرآن، فما عظمه الله سبحانه وتعالى تعظمه، وما قدمه الله سبحانه وتعالى تقدمه، وما قلل من شأنه سبحانه وتعالى أنت تقلل من شأنه، هكذا المسلم المحب لربه سبحانه وتعالى العارف بطبيعة هذا الدين وبطبيعة هذه الحياة الدنيا.
ما زلنا نسير في سورة الأنعام بحمد الله سبحانه وتعالى، وصلنا إلى سورة الأنعام، وتكلمنا في المجلس الماضي عن عظمة هذه السورة وأنها نزلت دفعة واحدة لتعالج حلقة من حلقات الصراع التي كانت تدور في مكة المكرمة بين الحق والباطل، هذه الحلقات التي تتكرر في كل زمان ومكان، تختلف العناصر وتختلف الشكليات، لكن المضمون والفحوى للصراع بين الحق والباطل يبقى كما هو. وصلنا إلى قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.
تقرر هذه الآية قاعدة عظيمة، أن الذين يستجيبون لدعوة الإسلام، الذين ينصاعون ويذهبون إلى ما تدعوهم إليه أيها المسلم، إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ. المراد بالسمع هنا الاستجابة والقبول يعني، لأن كل الناس تسمع في الجمله يعني، حتى الكفار يسمعون، لكن ما المراد بالسمع؟ هل مراد السمع الحقيقي؟ لا، الذين يسمعون، الذين يسمعون سمع انتفاع، سمع استجابة، فالذين يستجيبون لدعوة الإسلام هم الذين ينتفعون بسماعهم حقيقية.
وكان الذي لا يستجيب لهذا الدين، وإن كانت الآيات تتلى عليه، وإن كان يسمع الوعظ والقرع والزجر، الذي لا يستجيب لهذا الدين، كان الله جعله من الذين لا يسمعون مباشرة، قال: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، فالذين لا يستجيبون لهذا الدين إذاً هم لا يسمعون، والمراد سمع الانتفاع، السمع الذي يقود الإنسان إلى ربه سبحانه وتعالى.
لذلك شوف التعبير القراني الفخم بعد ذلك لحالة الكفر، قال: وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، والموتى يعني موتى القلوب، هذا هو الموت الحقيقي، لا عبرة أن تعيش في الدنيا كجسد تأكل وتشرب وتقضي الشهوات والأوطار، لكنك لا تسير في درب الاستقامة وفي دروب هذا الدين، هؤلاء موتى، موتى القلوب والأرواح، وإن كانت الأبدان حية فهذه حياة ليست معتبرة شرعاً، قال سبحانه: وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، هؤلاء موتى القلوب يعيشون ما يعيشون، يبعثهم الله في الدنيا ليعيشوا ما يعيشوا وليقضوا من الأوطار ما يقضوا، ثم بعد ذلك ستأتي ساعة الحسم، قال: ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.
هذه قاعدة كلية، أن الله سبحانه... أن الذي ينتفع بهذا الدين ويقبل عليه، هو من رزقه الله سبحانه وتعالى الانتفاع بسمعه، وأن يوظف سمعه وعقله وفكره لما فيه صالح له، وأما من كان غافلاً فهذا سيعيش كما تعيش البهائم وينتهي. قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ. سورة الأنعام هي تركز على هذا النوع من الصراع بين الحق والباطل، وهو كثرة الاقتراح من المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم آية، لذلك في الصفحات الأولى كان هذا الاقتراح حاضراً في الصفحات الأولى من سورة الأنعام، عندما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَوْ نَزَلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ. وقالوا: لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا...
من أبرز من أبرز شبهات المشركين وطرائق دفاعهم و... عفواً، وطرائق مدافعاتهم للحق، أنهم كانوا يقترحون على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم آيات حتى يؤمنوا، والقران يوجهنا أن هذا الاقتراح لهذه الآيات كان ليس هدفه البحث عن الهداية في ثنايا هذه الآيات، وإنما كان هدفه التعجيز، وإنما هدفه المكابرة، ولذلك كل الكون هو آية تدل على الله سبحانه وتعالى، وسيرشا... وجل أن ينظروا في آيات السماوات والأرض، فكفى بها آية تدل على الحق سبحانه وتعالى لمن يريد أن يعتبر، وأما الأموات، أموات القلوب، فهؤلاء إنما كانوا يقترحون عليك الآية، ويقترحون عليك أن تفعل كذا وتعمل كذا وتعمل كذا مكابرة، ولو فعلت ما فعلت لن يؤمنوا، لأن هذا الطلب ليس طلباً جاداً حقيقياً، طلب من يبحث عن الحق والهدى في ثنايا الآيات.
لذلك سورة الأنعام تؤكد هذه الفكرة، فقال سبحانه وتعالى: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ، هذا الرجل الذي يدعونا إلى هذا الدين الجديد، هلا يعني انزل علينا آية معجزة باهرة رآها من ربه؟ فالله عز وجل يعطي نبيه الجواب: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً، الله عز وجل قادر على أن ينزل آية، وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
ولكن أيها الكفار هذا الدين ليس على أهوائكم ولا على أمزجتكم، أقمنا لكم من الحقائق والدلائل الواضحة ما يكفي من يريد الاعتبار، أما منهجية الاقتراح وكلما خطر في ذهن أحد منكم أن يقترح شيئاً يريد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يلبيه فنحن لسنا لعبة في أيديكم، النبي عليه الصلاة والسلام لن تتلاعب به، هو صاحب دعوة، صاحب بلاغ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ويكفيكم هذه المعجزة الباهرة بين أيديكم هذا القرآن، ورأيتم من المعجزات الكثيرة له، لكن أن يستهزأ ويتهكم بهذه الدعوة تحت شعار أرنا آية وأنزل علينا آية، لا، لن يسمح بهذا.
قال سبحانه: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ. يعني ترى أيها الكفار تستطيعون أن تنظروا في ملكوت السماوات والأرض، في دواب الأرض وفي الطيور التي تطير وهي أمم، وهذه الأمم أيضاً منصاعة لله سبحانه وتعالى ومنقادة له، أنتم فقط الشذاذ، أنتم فقط الذين خرجتم عن حركة هذا الكون وحركة مخلوقاته، مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ.
وهناك اختلاف بين المفسرين، ما معنى كلمة الكتاب هنا؟ هذا المراد بالكتاب هو القرآن، أي ما فرطنا في بيان معالم الإيمان وتوضيح كلياته، والبعض يقول: ما فرطنا في الكتاب، الكتاب هو اللوح المحفوظ، وهذا معنى، وهذا معنى، وليس هذا موطن تحرير النزاع في هذا.
قال سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظَّلُمَاتِ. الله يصف هؤلاء الكفار الذين جاءتهم آيات القرآن فكذبوا بها، يصف حالتهم: صم وبكم في ظلمات، وهكذا دائماً يصور القرآن حالة الذين لا ينصاعون للهدى والنور، حالة الذين يرون النور ولكن لا ينتفعون به، دائماً يصورها القرآن كما صورها قبل قليل: حالة موت والموتى يبعثهم الله، حالة صمم، حالة بكم، وهنا الصمم ليس هو الصمم الحسي المرضي، وإنما هو صمم الانتفاع بالحق، حالة بكم، ليس هو الخرص أن اللسان لا يستطيع الكلام، لكن عندما لا يتكلم اللسان بالحق فهو أبكم، لانه لا فائدة من آلة منحك الله إياها ولم تقُد إلى الله، لا فائدة من بصر لم يقودك إلى الله، لا فائدة من سمع لم يقودك إلى الله، لا فائدة من لسان لم يقودك إلى الله.
فدائماً القرآن يصور هذه الحالة للكافرين، أن هذه الأدوات والجوارح التي منحها الله لهم تقودهم إليه للأسف لم يوظفوها، فكأنه لا عبرة بهذه الآلات ولا عبرة بهذه الأدوات، تخيل إنسان صم وبكم في ظلمات، قمة السوداوية في الحياة، هذه حياة الكافر، هذه حياة من أعرض عن ذكر الله سبحانه وتعالى، ومفهوم المخالفة أن الذين يؤمنون بايات الله ويعيشون مع القرآن، هؤلاء في قمة الحياة وفي قمة النور، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا منهم.
فقال سبحانه: مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. في النهاية، في النهاية أصررتم على موقفكم أيها الكفرة، عليكم أن تعلموا أن الهداية بيد الله، والله لو شاء الله أن يهدي قلبك لهذا الدين لهداه، لكن الله عز وجل كتب عليكم الضلال، فعليكم فعليكم أن تعرفوا أن الأمر بيد الله أولاً وآخراً، وهذا أيضاً خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ليطمئن قلبه، لو شاء الله أن يهديهم لهداهم، فَمَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِن أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَاتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. وهذه حالة الكفار عموماً، أنهم كانوا في وقت الاضطرار وفي وقت الشدة يفزعون إلى الله سبحانه ويتركون أصنامهم، ويعرفون أنه لن ينقذهم في تلك الساعة إلا الرب عز وجل، فالله يخاطبهم بهذا المنطق الذي هم يعرفونه من أنفسهم: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ، هل تلتجئ إلى إله سوى الله؟ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ، وأنتم تعرفون ذلك أنكم في اوقات الاضطرار لا تفزع إلا إلى الله، فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ، ويعطيكم فرصة ويمنحكم وتنسون كل ما أشركتم من دون الله سبحانه وتعالى.
ثم هذا ليس حالكم فقط يا كفار قريش بل هو شأن الأمم من قبلكم: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ أَرْسَلْنَا رسلاً، فَأَخَذْنَاهُم، أي فأخذنا هؤلاء الاقوام المكذبين لرسلهم، فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، كنا ننزل عليهم المحن في أموالهم وفي أبدانهم، لعلهم لعل هذه البأساء والضراء والمحن تجعلهم يتضرعون إلى الله سبحانه وتعالى ويقبلون عليه في الشدة والرخاء.
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، هلا إذ جاءهم بأس اقبلوا ووحدوا الله؟ ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، هذا حال كفار قوم فرعون كما مر معنا في قصته مع موسى، كيف أن الله سبحانه وتعالى انزل عليهم الضفادع والدم والآيات التي فيها من البلاء الشديد، وكانوا يستهزئون بموسى: ادع لنا ربك، فلما كشفنا عنهم الرجز إذا هم ينكثون.
فالله سبحانه وتعالى من مكره بهؤلاء الماكرين يقول سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، لما جاءتهم هذه المواعظ وهذه التنبيهات فأعرضوا عنها، والنسيان هنا التغافل وعدم الالتفات، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، ما أرسله الله عليهم من البلاء لعلهم يتذكروا، فتحنا عليهم أبواب كل شيء، جعلنا النعيم ينزل عليهم ويصب صبا، فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى يستمروا في طغيانهم وَنُمْدُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مَّبْلِسُونَ، في قمة الإحباط وفي قمة القنوت. وهذا إخواني حقيقة من الأمور التي يجب أن ينتبه إليها الإنسان، أن الله سبحانه وتعالى من سننه في ابتلاء هذا الإنسان، أنه يسلط عليك أحياناً البلاء الجسدي، مرض، فقر، لعلك تنتبه وتتعب وتعود إلى الله سبحانه وتعالى، فاذا راك الله عز وجل معرضاً غافلاً، لست منتبهاً ولا متخذاً هذه البلايا جسراً يقودك إلى الله سبحانه وتعالى، هنا من استدراج الله للإنسان، من استدراج الله للإنسان، أنه قد يرفع عنك هذا البلاء في الجسد أو المال وتنزل عليك النعم وتصب صباً، فأنت تظن أنك أهل لهذه النعم وتقول ذهب الضراء عني وذهب الشر عني، فتغرق في الدنيا، فتغرق في الدنيا وتنغمس في شهواتها ولذاتها وتقول خلاص زال عني البلاء وفتحت لي الدنيا، فتزداد بعداً عن الله سبحانه وتعالى لياخذك الله على حين بغته.
شوف هذه سننن، هكذا القرآن يعلمنا، علينا أن نتفهم القرآن وهو يرسل هذه الرسالة، كم من مستدرج بالنعم وهو لا يدري، كم من مستدرج بالنعم وهو لا يدري، كم من إنسان كانت الحياة مغلقة في وجهه، ثم فتحت أمامه وظائف، فتحت أمامه دنيا، فتحت أمامه يعني أمور تجارية وأموال وارتقى حاله، فنسي ربه سبحانه وتعالى وأعرض عن سيده ومولاه، الله يخبر أنه يفعل ذلك، نعم، ليس شرطاً أن الكافر والفاسد ترى في الدنيا ما فقير ما عند مال، بل أكثرهم يغدق عليه من النعم الدنيا ليكون هذا استدراجاً ومكراً به والعياذ بالله.
حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً، في قمة سعادتك وتجبرك بأموالك ولذاتك، بغته، شوف عبارة بغته على حين غرة، على حين غفلة، وهو...
يظن أنه متمكن من الأرض، متمكن من اللذات والأوامر في قمة الاستعلاء المادي في الدنيا، بغتة ينتهي كل شيء فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ. المبلسون على هؤلاء الذين لم يعيشوا حياتهم لربهم سبحانه وتعالى وإنما كانوا عبيداً للدينار والدرهم والشهوات والأهواء والعياذ بالله. قال سبحانه: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. تمام، فقطع دابر القوم يعني هذا دلالة الاستئصال. لما أقول لك: قطعت دابر هذا الرجل أو هذه القرية أو هذه العشيرة، ما معنى قطعت دابرها؟ أي تم استئصالهم بالعذاب والعياذ بالله. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هذا فعل الله، وهذا الثناء الجميل عند استئصال الظالمين، عند استئصال الفاسدين من الأرض نقول دائماً: الحمد لله رب العالمين.
أرأيتم القرآن ما زال يناقش كفار قريش؟ فقبل قليل في الصفحة الماضية قال: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَاتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ. ثم يناقشهم مناقشة أخرى فيقول لهم: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ. إذا حرمكم الله سبحانه وتعالى من الانتفاع بهذه الأمور فبقيت بلا سمع وبلا بصر ولا عقل، هذا السمع والبصر والعقل اللي منحتكم إياه لتستدلوا به عليه وليكون سبباً في أن تؤمنوا بي، أنتم الآن استعملتموه في محاربة الله ورسوله، طيب تخيلوا أن الله سبحانه وتعالى حرمكم من السمع والبصر والعقل وأخذه فعلاً، أخذ هذه النعم منكم، مَّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ. هم يعرفون في قرارة أنفسهم أن أصنامهم لن تأتيهم بشيء من ذلك، والقران يريد أن يعني يذلهم بهذا، ويريد أن يخبرهم بهذه الحقيقة التي هم يعرفونها في قرارة أنفسهم، لذلك ما كان في جواب يعني، المرة الماضية كان في جواب: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ. هنا ما في جواب لأن الجواب واضح هم يعرفونه، فقال سبحانه: انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ. انظر يا محمد صلى الله عليه وسلم كيف نصرف لهم الحجج ونورد عليهم الأمور الواضحة البينة التي يقرون بها، ومع ذلك يعرضون عن الحق. حتى تعرف أن هؤلاء باقتراح الآيات وطلب الآيات، وأنزل علينا واعطنا واجعل لنا جبل أبي قبيس ذهباً، أنهم قوم بهت، قوم كذب، قوم لا يبحثون عن حق، فإنني أقيم عليهم من الحجج وأصرف الآيات لعلهم ينتبهون، ومع ذلك يصرون على مواقفهم.
إذاً، نقاش آخر: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ. وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ، هذه وظيفة الرسل وهذه وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ، الذي يريد أن يسلك درب الإيمان والصلاح فهؤلاء من أحرزوا السعادة لأنفسهم، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، كذبوا بالآيات القرآنية والآيات الكونية ولم يعطوها حقها، يَمْسُهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ.
قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم في ضمن هذا الجدال: قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ، في النهاية هم يقترحون ويطلبون آيات، فقل لهم قل لهم: أنا كرسول من عند الله أنا لا أملك خزائن الله حتى أعطيكم من الآيات أو أعطيكم من الآيات ما تشتهون، وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِن أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ، هذه وظيفة الرسول ووظيفه اتباع الرسل ووظيفه الدعاة: إِن أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ.
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ، شوف عاد القرآن إلى بيان آية محاكاة حال الكافر وحال المؤمن. الكافر في عمى، لاحظوا كيف يعبر القرآن عن الكافر مرة أنه في عمى، مرة أنه في صمم، مرة أنه في بكم، ومرة أنه ميت، لأنه لم يوظف الأدوات التي منحها الله إياه ليستدل بها على الله سبحانه. فقال سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ، أعمى البَصيرة، وَالْبَصِيرُ الذي يرى النور فيتبعه؟ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ. وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ، هذا القرآن الذي بين أيدينا، هذا القرآن، وَأَنذِرْ بِهِ، من الذي ينتفع بهذه الآيات؟ من الذي يستفيد منها؟ من الذي يستثمرها؟ قال: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ، الذين يخافون الله سبحانه وتعالى، هؤلاء الذين ينتفعون بآيات الله سبحانه، وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ.
ويقول ويؤكد يا محمد صلى الله عليه وسلم: التزم من آمن، التزم من آمن معك من أصحابك حتى ولو كانوا من الفقراء ومن المستضعفين، وإياك أن تنحيهم وأن تجنبهم، هؤلاء المستضعفون هم زينة الدنيا، هؤلاء الفقراء الذين آمنوا بدعوتك الآن في مكة، هؤلاء من سيقودون الأجيال في الفترات القادمة. من الذي كان فقيهاً من فقهاء الصحابة؟ عبد الله بن مسعود، الذي كان مستضعفاً في مكة وراعياً ويلطم، ولطم أبو جهل وجهه فاسقط أذنه، عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ليكون فقيه العراق بعد سنوات. وبلال بن رباح الذي كان أحد قاده الجيوش الإسلامية وغيرهم من الصحابه الكرام، كانوا مستضعفين في مكة ثم أصبحوا سادة الدنيا رضوان الله تعالى عليهم. قال: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ. شوف كيف آيات القرآن تعلمنا ألا نستصغر مسلما ولا نحقر مسلماً مهما بلغ وضعه الاقتصادي ووضعه الدنيوي، ومهما كانت منزلته العشائرية. في دين الله سبحانه وتعالى المؤمن عظيم عند الله، المؤمن عظيم عند الله سبحانه وتعالى ولو كان أشعث أغبر لا يملك من الدنيا شيء، أنت عظيم عند الله.
شوف كيف ربنا يصور الفقراء والمستضعفين من الصحابة، أنه لما تصبح أنت داعية وتكون عندك دعوه وتحب أن تنتصر هذه الدعوة، أحياناً ياتيك شعور داخلي أنني اريد أن يؤمن بدعوتي الكبار، اريد أن يكون حولي رجالات كبار لأشعر بالعزوة معهم والقوة. فيبقى الداعي عندما ينظر فيلتفت ذات اليمين وذات الشمال فيرى حوله صغاراً وفقراء ومستضعفين، قد يدخل في نفسه ما يدخل، فهنا كيف يربي القرآن نفس النبي صلى الله عليه وسلم ونفس الدعاة أنه لا تستقل هؤلاء ولا تنظر إليهم لأنهم فقراء أنهم لن يقيموا شأن هذه الدعوة ولن يرفعوا منها؟ والله أن هذا المستضعف، هذا الفقير الذي مرئ قلبه حباً لله سبحانه وتعالى لهو قادر على أن يصنع الأعاجيب، وهذا ما حصل فعلاً من هؤلاء الصحابة الكرام الذين كانوا من المستضعفين في مكة. لَا تَطْرُدْهُمْ، لَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ، هؤلاء لله سبحانه أنت مش مسؤول عن حسابهم ولا هم مسؤولين عن حسابك، فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ، تبعدهم عن مجلسك لأنك تريد أن تستقبل رجالات قريش، فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ.
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ، ترى هؤلاء الذين آمنوا بك من المستضعفين، ترى هؤلاء فتنة للمشركين الكبار الصناديد المترفين، لأن كفار قريش ودائماً أهل الترف، أهل الترف أصحاب الدنيا، أصحاب القصور، أصحاب الفلل، أصحاب السيارات، أصحاب المعرضين عن الله، إذا راوا أهل الايمان فزروا فيهم من المستضعفين والفقراء، يستهزئون بأهل الدعوة ويستهزئون بأصحابها. لذلك قال سبحانه: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ، يعني جعلنا هؤلاء المستضعفين فتنة لهؤلاء المترفين، لماذا؟ لِيَقُولُوا، أي ليقول المستكبرون المترفون: أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا؟ معقول يا محمد صلى الله عليه وسلم هؤلاء أذكى منا ليهتدوا؟ هؤلاء الذين لا ما عندهم فيزياء ولا كيمياء ولا درسوا في جامعات كامبرج والجامعات الكبرى، هؤلاء المساكين الدراويش، هؤلاء معقول يفهمون ويعرفون ويعقلون ويحسنون النظر أكثر منا، نحن الذين تخرجنا بالطب والهندسة من الجامعات الكبرى؟ مَّنْ هَٰؤُلَاءِ مَنْ آمَنَ؟ نظرة احتقار وازدراء: أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا؟ هي فتنة، نعم، فتنة أن الإيمان بدأ في هؤلاء المستضعفين، فتجد أهل الكبر وأهل الدنيا يستحقرون أنفسهم، يستحقرون أن ينزلوا لهذا المستوى، ويظنون أن يعني أن ما هم فيه من الغنى والمعرفة الدنيوية البحتة (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يجب أن يكون أعلى من أن ينزلوا لمستوى أن يؤمنوا بالله.
طيب، فيقول سبحانه وتعالى مجيباً: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. الله عز وجل أعلم من يستحق أن ينزل الإيمان في قلبه. في المقاييس الإالهية العبرة ليس بما معك من المال، ليس بما معك من الشهادات، ليس بأصلك ولا حسبك ولا نسبك، المقاييس عند الله سبحانه وتعالى: قلبك هل هو قلب نظيف نقي يستحق الإيمان أم قلب نتن مليء بالفساد والأدران؟ كل القلوب، القلوب النقية حتى ولو كان أشعث أغبر كما قلنا عند الله عظيم، عند الله عظيم، وذاك الرجل مهما بلغ من المال والثروة والثراء والحسب والنسب هو عند الله ذليل، لأن المعايير الإلهية ليست كالمعايير الدنيوية.
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا يا محمد صلى الله عليه وسلم، إذا جاءك هؤلاء المستضعفون الذين يؤمنون بالقرآن ويؤمنون بالله سبحانه وتعالى فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. يا محمد صلى الله عليه وسلم اسمع هؤلاء ممن آمن بك من المستضعفين، اسمعهم الإيجابية، اسمعهم الكلام الجميل، اقبل عليهم واخبرهم أن الله راحم لكم ما دمتم موحدين وما دمتم مقبلين على الله، حتى لو أخطأتم ولو زللتم بمعاصي وذنوب في لحظات الغفلات فإن الله يغفر، بإذن الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً، ومن مات على التوحيد فإن الله سبحانه وتعالى لا يخلده في نار جهنم أبداً، حاشاه سبحانه وتعالى أن يسوي بين موحد وبين مشرك، حاشاه سبحانه أن يسوي بين موحد وبين مشرك، وهذه من عظيم المعاني التي يلتفت إليها.
ثم جاءت آية عظيمة تبين مقصد من مقاصد القرآن، قال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ. من مقاصد القرآن هو إيضاح سبل المشركين ومناهجهم، من مقاصد انزال القرآن علينا ومن الأمور بالتالي التي يجب علينا أن نتأمل كثيراً كثيراً ونحن نققر القرآن لأن الله ينص بصورة واضحة أن من مقاصد إنزال القرآن أن تستبين، أن تتضح معالم المشركين ومعالم طرقهم ومناهجهم في محاربة الحق والصد عنه والوقوف في وجهه. وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ، لماذا يا رب؟ قال: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ، لتظهر سبلهم وطرائقهم ومناهجهم فتتضح لنا البوصلة نحن أهل الإيمان. لذلك كثيراً ما ركز القرآن على بني إسرائيل وطرق تفيرهم وأنماط معاندتهم لأنبيائه ورسلهم، لماذا؟ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ، لانه أكبر صراع تاريخي بين أمة الإسلام مع الأمم الكافرة إلى قيام الساعة هو الصراع مع بني إسرائيل، وأنتم ترون الصراع الآن كيف تشتد قوته وتشتد لهيبه حتى نكون نحن شرقي النهر وهم غربيه حتى ينادي الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتل، وهكذا. فلأن الصراع الكبير، الصراع إلى قيام الساعة مع رؤوس بني إسرائيل، سيكون هناك صراعات مع الصليبيين ومع غيرهم، لكن لكن الصراع الأضخم والأكبر لهذه الأمة مع بني إسرائيل، فالقرآن في سورة البقرة وفي قصص كثيرة بين قصة موسى مع بني إسرائيل، بعض الناس يقول: ما الفائدة من تكرار قصة موسى مع بني إسرائيل؟ لأنه يجب أن تفهم طبيعة بني إسرائيل، يجب أن تفهموا سبيل المجرمين كيف يفكر هؤلاء القوم وهذا الجنس من البشر من حثاله البشر، علينا أن نفهمهم لنعرف كيف نتعامل معهم وكيف يكون أسلوبنا في معاركهم وكيف يكون صراعنا معهم.
إذاً، بيان حال بني إسرائيل، أيضاً استفاضة القرآن في بيان حال المنافقين، لماذا يستفيض القرآن في بيان حال المنافقين في سورة البقرة وفي سورة التوبة؟ لماذا؟ قال: نقول لتستبين سبيل المجرمين حتى نفهم النتن من بني جلدتنا الذين يحومون حولنا فيظهرون الإيمان ويبطنون الكفر لنعرف حبائل وأنماط تفكيرهم وأساليبهم. كذلك بيان حال المشركين عموماً في كل زمان ومكان. القرآن جاء ومن مقاصد نزوله لتستبين، لتتضح هذه المعالم لك أيها المؤمن لتزداد ثقة بالله. سبحان الله، إذا رأيت بني إسرائيل في مكرهم وخداعهم تقول: والله صدق الله ورسوله، (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا). لما تشوف المنافقين في مجتمعك كيف يتصرفون تقول: إيه والله صدق الله ورسوله، (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)، وهكذا.
طيب، قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. وهذا موقف من مواقف المفاصلة التي ينبغي أن يحافظ المسلم عليه في حياته وهو ينظر إلى حالة الشرك والجاهلية العمياء التي تحيط به، أنه يثبت على التوحيد: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا، كن واضحاً، كن رجلاً، كن ثابتاً على عقيدتك وإياك أن تتزحزح عنها شبراً. قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي، أنا أعرف الطريق الذي أسلكه، هكذا المؤمن: إني على بينة، أنا أعرف ربي الحمد لله، لست تائهاً، لست حائراً، لست أحتاج إلى أدلة وقرائن وشواهد لتخبرني عن ربي فقد عرفته في كل شيء سبحانه وتعالى. قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ، أنتم اخترتم سبيل التكذيب، ما عندي ما تستعجلون به، هم كانوا يستهزئون يقولون: ائتنا بعذاب الله الذي تعدنا به، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: ما عندي موضوع متى ينزل عليكم العذاب، متى تأتي ساعة الصفر هذا ليس عندي، هذا من عند الله (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)، هذا حكم الله في قدر في كونه وهو صاحب القدر، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ). قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، يعني تعرفون يا كفار قريش لو أن العذاب الذي سينزل بكم موضوع عندي لكان...
انتهى الأمر بيني وبينكم منذ دهل طويل. قل: لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم. طيب، انتقلت الصورة لتبين عظمة الله سبحانه وتعالى: يا من تقترحون إنزال الآيات، انظروا في هذا الإله العظيم! ما في داعي تأتي معجزة خارقة لتستدل بها على الله سبحانه، عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.
وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار، ثم يبعثكم فيه أي في النهار ليقضى أجل مسمى، ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون. هو القاهر فوق عباده، ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفت رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق، ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين.
قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية. أعاد أعاد ليذكرهم بأساليب كيف أنهم إذا وقعوا في البأساء والضراء وفي وقت الاضطرار يلجؤون إلى الله: تدعونه تضرعاً وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين. قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ومن كل مصيبة ومن كل ضائقة. ينجيك الله أيها الإنسان مع أنك تكون وعدت الله: يا رب إذا شفيتني والله لن أفعلا إلا الصلاة، يا رب والله إذا شفيت ابنتي يا رب والله إذا فتحت علي. سالتم كثير ما أطلقت الوعود بينك وبين الله، قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب.
شوف هذه الآية التي يجب أن احنا نفكر فيها، هذه الآية ليست فقط للمشركين إخواني، هذه الآية لكل إنسان كان وعد ربه سبحانه وتعالى، وعد ربه أن يتوب وأن يصلح إذا رفع الله عنه البلاء. فلما رفع الله عنه البلاء شهر شهرين فانتكس وعاد إلى الدنيا وإلى الشهوات، ثم يبتليه الله ببلاء آخر فيقطع العهود بينه وبين الله: يا رب فقط إذا شفيتني، يا رب فقط إذا أعطيتني، يا رب إذا زوجتني، إذا منحتني، إذا... إذا تعطي ربك وعوداً: لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين. فالله يقول لك: قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب. الله ينجيك، ثم أنتم تشركون! هكذا أنت أيها الإنسان تفعل، هكذا تستغفر الإله تظن أنك تستطيع أن تستمر بهذا النهج؟ لا. سبحانه وتعالى يمهل يمهل لكن لا يهمل سبحانه.
قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم فيستأس... يعني بلحظة واحدة، أو يلبسكم شيعاً، يجعل هناك خلافات بينكم ويذيق بعضكم بأس بعض، يصير اقتتال حرب أهلية يقتل بعضكم بعضاً. الله قادر أن يسلط بعضكم على بعض، أنظر كيف نصرف الآيات! أنظر مرة أخرى يعني هذه العبارة أنظر كيف نصرف الآيات مرت معنا قبل قليل في آية ستة وأربعين: أنظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون، مرة أخرى في آية خمسة وستين: أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون. إذا الله سبحانه وتعالى ينوع في مخاطبة المشركين ويقيم عليهم الحجاج والأدلة من أفعال ومن تصرفاته ومن شهاداتهم هم على أنفسهم، والهدف: لعلهم يفقهون، لعل أحدهم ينتبه، لعل أحدهم يستيقظ، لعل أحدهم يعتبر قبل فوات الأوان.
وكذب به قومك وهو الحق. قومك كذبوا بهذا القرآن الذي يدلهم على كل خير وينهاهم عن كل شر ويقيم عليهم الحجاج: وكذب به قومك وهو الحق. قل لست عليكم بوكيل. لكل نبأ مستقر. شوف ما أعظم هذه الآية! لكل شيء وعدتم به في القرآن، ولكل إنذار تم إنذار به في القرآن، لكل نبأ مستقر، لكل شيء وقت سياتي وسوف تعلمون. شوف لغة التهديد الآن أن لا تظنوا أن هذه الآيات ستمر هكذا، لا تظنوا أن هذا الوعيد كان فقط مجرد كلمات للتخويف أو أرعبكم لكن ليس لها حقيقة في الخارج، لا تظنوا أننا عندما كنا نتوعد بالعذاب الأليم أننا يعني مجرد كلام عابر لا نستطيع أن ننفذه. لا، لكل نبأ مستقر، لكل قصة ولكل إنذار ولكل وعيد وقت سياتي وسوف تعلمون.
شوف هذه الآية مخيفة مرعبة، خاصة أن كفار قريش كانوا يعلمون صدق النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك عندما كان كفار قريش كانوا مزدحمين حول الكعبة فالنبي، وكانوا يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتمايلون ضحكاً، النبي صلى الله عليه وسلم التفت إليهم وقال وأشار إلى... وأشار إلى حلقه، بمعنى لقد جئتكم بالذبح. فقال نشف كفار قريش في تلك اللحظة فقالوا: والله ما كنت جاهلاً يا أبا القاسم. يعني خلاص مش رح نزودها أكثر من كده، وإن كانوا عادوا بعد ذلك إلى غيهم واستكبارهم، لكن هم يعرفون صدق النبي صلى الله عليه وسلم فهو الصادق الأمين، يعرفون أنه إذا تواعد بشيء سيقع، وفعلاً لقد جاءهم بالذبح فكانت ملحمة بدر الكبرى وكانت مصارع القوم أمامهم.
قال سبحانه وتعالى: وإذا رايت الذين يخوضون في آياتنا... ما موقف المؤمن عندما يستمر الفاجر ويستمر الكافر في الاستهزاء بدينه؟ ما موقف المؤمن في هذه المواقف؟ يقول سبحانه وتعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره. هكذا موقف المؤمن، هذا ليس فقط موقف النبي صلى الله عليه وسلم، بل هكذا ينبغي أن تكون في حياتك. إذا رأيت أقواماً علمانيين، ليبراليين، حداثيين، براغماتيين، سمهم ما شئت، نسويين، كل هؤلاء إذا رأيت الذين يستهزئون ويتحكمون بايات الله فاحذر أن تكون معهم وبين أظهرهم حتى لا تنزل عليك قارعة من السماء. وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا يعبثون بها يتلاعبون بشرع الله يستهزئون بايات الله سبحانه فأعرض عنهم، أحذر أن تجلس معهم.
وهذا كثير يجب أن ينتبه عليه الناس اليوم في الجلسات العائلية وفي الأمور والحفلات والمجالس والمحافل والصالونات الفكرية كما يسمونها، أن كثيراً من الناس يجلسون مع أقوام يستهزئون ويتهكمون بالدين ويقول: أنا ايش لي فيهم؟ لا، الك فيهم! أحذر أن تجلس بين ظهراني قوم يلعبون بايات الله حتى لا تنزل عليه قارعة من السماء إذا قدر الله أن يعذبهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وإما ينسينك الشيطان... يعني لو انك ما كنت منتبه في يوم من الأيام وكان في جلسة حدث فيها تهكم ثم انتبهت: وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين. وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء. أنت في النهاية إذا اتقيت مجالسهم وابتعدت عنهم وعرضت عن هؤلاء الذين يخوضون، أنت خلص كان أنت أنكرت المنكر، مجرد عدم جلوسك معهم في حال انك ما بتستطيع تنكر عليهم بالكلام أو تمنعهم من هذه المجالس، مجرد تركك لمكان المنكر هو رسالة.
وهذه سبحان الله يستفيد منها الإنسان في الكثير من أماكن المنكرات، ليس فقط في الذين يخوضون في آيات الله، الله عز وجل يعلمنا هنا منهجية اجتناب أماكن المنكرات في حال عدم قدرتنا على التغيير. كثير من الناس يعني يذهبون إلى الحفلات المختلطة والأعراس المليئة بالمعازف والفجور ويقول لك: والله يا شيخ ما استطيع وأمور عائلية وكذا وأخشى... الله عز وجل يعلم: وإذا رأيت الذين يخوضون فأعرض عنهم حتى يخوضوا، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى. إذاً هنا رسالة من الله سبحانه وتعالى أن المؤمن لا يجلس في أماكن المنكر ولا ينبغي أن يكون حاضراً فيها مهما كان طبيعة المنكر.
إذا جلست معهم وضحكت معهم وأنست وهم على منكر فانت منهم، لا تقول لي أنا مش راضي يا شيخ في قلبي بس أنا مضطر أجامل وأجلس وأسهر معهم، أنت منهم! أنت منهم، كما قال سبحانه في آية أخرى: إنكم إذاً مثلهم. أنت مسؤول عن تصرفاتك، مش قادر تنكر بلسانك، مش قادر تزيل المنكر بيدك، أمامك الإنكار بطريقة الاعتزال، اعتزل أماكن المنكرات لعلك تنجو، اعتزل أماكن المنكرات لعلك تنجو: وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون.
طيب، يقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا. شوف سبحان الله هذه الآيات يعني تجسد الواقع الذي نعيش اليوم للاسف مع كثير من حتى المسلمين من حولنا، يعني الآيات لا تتكلم فقط إخواني عن الكافرين، بل هي تتكلم عن حالة عامة في الإنسان في كثير البشر: وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا. الناس الماديين، الناس اللي الدين آخر اهتماماتهم، واتخذوا دينهم لعباً ولهواً، الدين يلاك على ألسنتهم، استهزاء بمشايخ بعلمائهم، استهزاء بالتراث الإسلامي، استهزاء بالأفكار الإسلامية وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، إيش اللي بدفعهم إلى هذا الاستهزاء؟ إلى هذا التهكم؟ وبعضهم قد يحمل شهادة ميلاد أنه مسلم، وشكله مسلم، قد يعيش في بلادنا بل قد يكون من أقاربك، لكنهم يتخذوا الدين لعباً واستهزاء ولهواً ومزحاً وضحكاً واستخفافاً؛ لأنه ايش؟ غرتهم الحياة الدنيا! هو يظن أن ما هو عليه من المادية وأن هذه الحياة التي فتحت أمام عينيه والأموال والسيارات واللذات والمناكير... كبير، وبالتالي يبقى موضوع الدين بالنسبة له أمور شكلية لا تستحق الاهتمام أو النظر، فما أسهل أن يستخف بشيء من شعائر الإسلام! ما أسهل أن يترك كثيراً من أمور الدين! ما أسهل أنه يأخذ من الدين ما يمشي على مزاجه ويترك من الدين ما لا يسير على هواه!
هذا الذي اتخذ دينه لعباً ولهواً وانغمس في الحياة الدنيا. شوف الحياة المادية كيف تسبب لكثير من الناس استخفافاً بدين الله وشرع الله، كيف في الانغماس في الحياة أحياناً يجعل الرؤية ضبابية ويجعلك تعرض عن كثير من أحكام الشريعة وتتلاعب فتأخذ من الدين ما تهوى وتترك ما لا تهوى! فالله عز وجل يقول: أحذر هذا الصنف من البشر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا. وذكر به، ذكر بهذا القرآن وذكر بهذا الدين أن تبسل نفس... أي لئلا تبسل نفس بما كسبت تمام، والإبسال هو الأسر والارتهان. يعني ذكرهم بالقرآن ذكرهم بهذا الدين حرصاً عليهم حتى لا تؤسر نفس يوم القيامة في قاع جهنم بسبب ما كسبت من الذنوب والخطايا نتيجة استخفافها بشرع الله وأمر الله. وذكر به أن تبسل نفس، يعني لئلا تبسل نفس وتحبس نفس وتؤسر في نار جهنم بسبب ما كسبت من الذنوب والخطايا ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع.
يوم القيامة هذه النفوس التي كانت في الدنيا تستخف بشرع الله لن تجد ولياً ولا شفيعاً يوم القيامة من دون الله، وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها. لو أنها أتت بقراب الأرض وافتدت بكل ما في الأرض من أجل أن تنجو من عذاب الله لن يؤخذ منها. فالعدل هنا هو الفداء، مثل الدية. لو أن هذه النفوس جاءت يوم القيامة ورات مصيرها في نار جهنم فأرادت أن تفتدي نفسها: أنه يا رب نفتدي بكل أموالنا وكل الأرض الكرة الأرضية مقابل انك ما تعذبنا! لا، لن ينفع؛ لأن الحسابات الإلهية الله عز وجل لما يعذبكم ليس مفتقراً إلى أموالكم ولا إلى دنياكم، وإنما يعذبكم لحق نفوسكم ولدناتها سبحانه وتعالى صاحب الأمر من قبل ومن بعد.
أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا، هؤلاء الذين اعتقلوا في جهنم هذا بسبب ما كسبوا في الحياة الدنيا، لما اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ويستهزئون به في المجالس وبأهل الخير والصلاح، لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون، هذه النتيجة التي يستحقونها.
قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله؟ كانوا كفار قريش يطالبون النبي صلى الله عليه وسلم يطالبون الصحابة يطالبون المستضعفين بالتراجع وترك الإيمان، ونرد! معقول نعود إلى هذه الحالة المقيتة؟ أن ندعو أصناماً لا تضر ولا تنفع؟ أن ندعو بشراً؟ أن ندعو بقرة؟ أن ندعو أي مخلوق ونذر الإله سبحانه وتعالى ونرد على أعقابنا وننكس والعياذ بالله بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا. قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين.
شوف حالة الإنسان المتردد اللي في له أصحاب يدعونه إلى الخير ويحاولون ياخدون بيده إلى تلك الدروب، وشياطين الانس والجن بالعكس عم بتشحذ تزخرف له وتزين له طرق الباطل بما فيها من الشهوات والأهواء واللذات. هذا الصراع الذي يعيشه الإنسان وهو يخوض رحلة الحياة إلى الله سبحانه وتعالى: استهوته الشياطين في الأرض حيران، له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا. قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين، وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون، وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق، ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة.
من أساليب القرآن أنه ياخدك جولة في صفات الكافرين في أحوالهم ثم يعود إلى تعظيم الله سبحانه وتعالى، ثم ياخدك جولة في إقامة الحجج والبراهين ثم يعود إلى تعظيم الله؛ لأن مناط الأمر من قبل ومن بعد هو أن تعظم الله. مناط الأمر هو أن تعظم الله في قلبك وأن تشاهد الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فإن أعظم ما يعزز الإيمان ويعظم الرب سبحانه وتعالى في القلب هو استحضار الإنسان لمعاني أسماء الله، صفات الله، أفعال الله.
فمثلاً هنا لما يقول: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق، فعل من أفعال الله العظيمة في هذه المخلوقات العظيمة السماوات والأرض. ويوم يقول كن فيكون، عظمة الإله في أنه إذا أراد شيئاً حصل وأنه سبحانه وتعالى لا... إذا لا يوجد شيء يعجزه، قال كن يكون مباشرة. وله الملك، له الملك في الدنيا والآخرة، لكن القرآن يركز على الملك يوم القيامة بالتحديد لأنه
يوم القيامة لن يأتي أحد يدعي ملكاً في الدنيا. فرعون ادعى أنه ملك، ملوك جبابرة الأرض اليوم يدعون أنهم ملوك ويملكون الأمور من قبل ومن بعد، وإن كان ملكاً زائفاً.
لكن يوم القيامة لن يستطيع أحد أن يدعي الملك الحقيقي، الكل سياتي ذليلاً، والجبابرة هم أول من سياتون أذلاء بين يدي الله: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.
هنا الله سبحانه وتعالى يخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويجعل له أسوة وقدوة بالدعاة من قبله من الأنبياء الصالحين، فبدأ بأبي الأنبياء، بدأ بإبراهيم عليه السلام، قال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ. خذ هذا النموذج، وأحياناً تنوع القرآن ما بين الوعظ، ما بين الزجر، ما بين القصص، هذا يجعل السورة سبحان الله تثير انتباهك، وفيها جماليات هذا التنقل من القصة إلى الوعظ، إلى التذكير بالله، إلى التخويف بالنار، إلى بيان طبيعة الصراع بين الحق والباطل. هذا أسلوب لذيذ جميل، والعرب تعرف جماليه هذا الأسلوب من طبيعة معرفة مثل العرب: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى.
إبراهيم عليه السلام من الناس الذين ربنا عز وجل فيما يظهر رزقهم التأمل في العلامات الكونية. يعني إنسان كان إذا نظر إلى الشمس، إلى القمر، إلى السماوات، إلى الأرض اعتبر. وهذه حقيقة من الصفات الجميلة التي ينبغي أن تكون في الإنسان: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. كان إبراهيم فتح عليه في الاستدلال بالآايات الكونية على الخالق سبحانه وتعالى. وهكذا المؤمن عموماً عليه أن يستدل بملكوت الله على الله، عليه أن يستدل بملكوت الله على الله سبحانه. فإبراهيم كان من هؤلاء أصحاب الاعتبار والاستبصار.
فلما حاج قومه حاج بهذه الآيات الكونية، دخل الليل، رأى كوكباً. فالآن على خلاف بين المفسرين مش هذا موضوعي تحرير المسألة، وسأذهب إلى القول الذي يقول إن إبراهيم فعل هذا على سبيل المجادلة وعلى سبيل التنبيه، سأختار هذا القول الآن. رأى كوكباً، قال: هذا ربي. بده يخاطب قومه ليريهم أنه الإله لا يصلح أن يكون إلهاً يغيب في ساعة من الساعات، وأنتم تعبدون من يغيبون عنكم. يعني هذه الأصنام التي تعبدونها هي لا تشاهد، ولو شاهدتكم تشاهد في داخل الغرف، فإذا خرجتم من عندها لا ترى، والإله يغيب، إله يآفل، هذا لا يتصور. فبدأ بهذه المحاجة يقنعهم أن الإله لا يجوز له أن يغيب.
فقال: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ لما غاب هذا الكوكب بطلوع الصباح، قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. قال: أنا ما بحب الآلهة التي تغيب، أعطاها أول فتيش كما يقولون، قال لا أحب الآفلين، أنا لا يمكن اقتنع بإله يغيب عن المشهد.
طيب، جاءت الليلة الثانية، فلما رأى القمر شاف القمر أكبر ومضيء، فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي، قال آه هذا شكله أفضل من الكوكب، الكوكب ما كان مضيء، هذا مضيء، إذاً يمكن يكون صالحاً للألوهية، قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ جاء الصباح فغاب، غاب هذا القمر، فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. قال: في مشكلة، أنا اتخذت إلهاً آخر، فإذا هذا الإله يغيب. وقيل إن هؤلاء القوم الذين كان يحاورهم هنا كانوا يعتقدون الألوهية في الأجرام السماوية، فهو أراد أن يثير انتباههم لهذه القضية أنه كيف الإله يغيب يكون بالليل لا يكون في النهار.
طيب، فلما رأى يعني كأنه يقول لهم لما رأى الآيات الليلية تغيب قال لهم خلص ناتي للآيات النهارية، ما هي الآية التي تكون في النهار؟ الشمس، ننظر في الشمس، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ. قال أكيد لا، هذه أكبر من القمر ومن الكوكب، أكيد هذه تصلح أن تكون إلهاً ولن تغيب، قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَت لما جاء غروب الشمس إذا بالشمس أيضاً تغيب، فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. قال هذا مش مقنع، عبادة نجم، عبادة قمر، عبادة شمس، قال هذا غير مقنع، لا تصلح هذه أن تكون إلهاً.
هؤلاء قوم قالوا من الصابئة، إبراهيم مر عليهم في حران في شمال سوريا، وكانوا يعبدون هذه الأجرام السماوية، فأراد أن ينبههم على هذا الخطأ. وهذا من النقاش العقلي العلمي الذي يجب على المسلم أن يعتمده في محاورة الكافرين، وأن ينبههم على غفلاتهم: يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، أنا لا يمكن اقتنع بهذه الآلهة، إله يغيب، إله ترى في وقت فإذا به يغيب في وقت آخر. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وحاجّه قومه، بدأوا بالمحادثات: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۖ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ. بدأوا يخوفونه، بلاش تضرك الشمس والقمر وزهرة وتحدث لك، قال: تظنون أنني أخاف من هذه الأجرام السماوية؟ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون؟ يعني أنا اللي بدي أخاف ولا أنتم؟ لازم يخاف من الذي يجب عليه أن يخاف، أنا أو أنتم؟ كيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً؟ فأي الفريقين أحق بالأمن؟
مين اللي لازم يكون مطمئن ومش خايف؟ أنا ولا أنتم؟ أنا الذي استدللت بالأدلة العلمية العقلية فعرفت ربي والتجأت إليه، أنا في قمة الوضوح في قُلْ إِنَّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي. زي ما مر معنا قبل شوي، نحن على وضوح، نحن نؤمن بوجود الإله سبحانه وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد. فهذا الإيمان الأصل يورثك أمناً داخلياً واطمئناناً أن هذا الكون هناك من يقوم على أمره الحي القيوم سبحانه وتعالى، فنحن لا نخاف، الذي يجب عليه أن يخاف أنتم مهما كنتم في جبروت وعلو مادي أنتم من عليه أن يخاف، لماذا؟ لأنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً.
فهنا تاتي آيات سورة الأنعام لتقرر مفهوم الأمن الحقيقي يقول سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا يعني لم يخلط إيمانهم بظلم، والظلم هنا هو الشرك: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُم بظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ.
هؤلاء الذين لهم الأمن الحقيقي، والأمن إخواني ليس هو بمفهوم الناس اليوم هو مجرد وجود الطعام والشراب وعدم وجود معركة وحرب، الأمن الحقيقي هو الأمن الداخلي. أن يكون قلبك شعث أغبر في شعاب الدار خائفاً فزِعاً، الإنسان قد يكون تحت أزيز الطائرات وتحت صوت المدافع ويكون في قمة الأمن. الأمن أنه على الطريق المستقيم، الأمن أنه يسير في طريق الله وفي ركب الله، الأمن أن هذا هو الهداية وهذا هو النور.
لذلك الصحابة الكرام وهم في غزوة الأحزاب وفي أشد الساعات: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. فالمؤمن الحق الموحد لله التوحيد يزيده ثقة بطريقه، فيشعر بالأمن، يشعر بالثقة، يشعر بالهدوء حتى في أحلك اللحظات.
والكافر مهما بلغت قوته العسكرية وعتاده وجبروته هو مضطرب، هو خائف، لأنه لا توجد بوصلة يتجه إليها قلبه، هو مؤمن بالدنيا، ويقاتل من أجل الدنيا، ويخشى أن تفوت الدنيا. لذلك الله عز وجل عندما تكلم عن بني إسرائيل قال: وَلَتَجَدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ. وإلى يوم القيامة سيبقون هكذا.
نعم، احنا بنشوف بني إسرائيل اليوم وراهم أمريكا وراهم بريطانيا، يمتلكون الأسلحة الفتاكة ويقتلون المجاهدين في أصقاع الأرض، نراهم بجبروتهم، لكن صدقوني أنهم أوهن من بيت العنكبوت، وأنهم يخافون على الدنيا وحريصون على بقائهم قدر المستطاع. نعم، ممكن الآلات عم تسعى أن تفتك بأهل الإيمان، لكن الذي يميزنا عنكم هو إيماننا بالله سبحانه، وايماننا بنهاية الطريق، وايماننا أن العاقبة للمتقين، وأن العاقبة لأهل الإيمان.
ولكن عما قريب، عما قريب مش ضروري كل شيء نشوفه نحن اليوم، لكن إن لم نره نحن ستراه الأجيال القادمة، ويكفينا شرفاً أننا ثبتنا في مقارعته، وأننا كنا شوكاً في حلوقهم. يكفي المجاهدين شرفاً أنهم وقفوا في وجه هذه الترسانة العسكرية المتغطرسة المتجبرة في قمة الشموخ الإيماني، وقمة الصمود في وجوه هؤلاء الكافرين العتاة المعتدين.
لكن كونوا واثقين أن الأمن الذي يمنحه هو الله سبحانه وتعالى، وأن الأمن الحقيقي ليس الأمن الغذائي ولا الأمن الاجتماعي ولا الأمن المناخي، وإنما هو الأمن الإيماني: أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ. لذلك الله سبحانه وتعالى هنا يشهد لإبراهيم بقمة العقلانية وبقمة المهارة في إقامة الحجج: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ. هذه الحجج تنبيهات هي من منن الله على الإنسان، من منن الله على الإنسان أن يوفقه للحجاج العقل الصحيح أمام المعارضين والمعاندين.
وبعد ذلك يا محمد صلى الله عليه وسلم خذ هذه السلسلة من النور: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ يعني حتى من قبل إبراهيم عليه السلام، وَمِن ذُرِّيَّتِهِ أي من ذرية إبراهيم عليه السلام على النفس الطويل من جهة إسحاق: دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ ۚ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ، ثم من الجناح الآخر: وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ.
كل هذا، هذه سلسلة النور، سلسلة الأنبياء، سلسلة الدعاة، سلسلة الثابتين على الحق، وأنت جزء من هذه السلسلة، وكل داعية إلى الله وكل إنسان معتز بايمانه ودينه هو ينتمي إلى هذه السلسلة الشريفة من الأنبياء والرسل السابقين: وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. ذَٰلِكَ هَُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا.
شايف؟ كل هؤلاء الرسل، كل هذه السلسلة من النور، هل تعرف لو أشركوا أين سيكون مصيرهم؟ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لكل حسناتهم تبخرت! وهذا تأكيد من القرآن إخواني على عظمة التوحيد، وأن حسنة التوحيد هي أهم حسنة، أعظم شيء ينبغي أن تحرص في حياتك. الآن شوف الدنيا قد تذهب وتاتي، المال يذهب ويأتي، تذهب وتاتي، لكن الشيء الذي عليك أن تخشى أنه إذا ذهب لا يعود: الإيمان، التوحيد! وأن الشرك إذا وقعت فيه والعياذ بالله خسرت دينك ودنياك، خسرت دينك ودنياك.
لذلك القرآن يعزز من قيمة هذه الطاعة، طاعة التوحيد: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. لأن الله عز وجل ما عنده محاباة، هذا ابن فلان، أو هذا كان نبي، أو كل إنسان سيحاسب على الشرك إذا وقع فيه.
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ يا محمد صلى الله عليه وسلم، إذا كفر قومك بهذه الرسالة التي أتيت بها: فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ. نسأل الله أن نكون من هؤلاء القوم.
شوف هذه العبارة الجميلة، إذا كفر قومك بهذه الرسالة لا تقلق، سياتي أقوام يحملونها: فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ. أسأل الله أن تكون منهم، قل يا رب اجعلني ممن وكلتهم بحمل رسالة التوحيد والدعوة إلى هذا الدين ورفع لوائه والذب عن حياضه: فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ.
هؤلاء أهل السنة والجماعة، أهل الخير والصلاح، أهل الإيمان الذين يحملون مشعل هذه الدعوة جيلاً بعد جيل، وينقلونها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. هؤلاء هم القدوة، هؤلاء هم السادات الكبار، إبراهيم عليه السلام ومن سار على دربه من الأنبياء، ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم أيضاً هؤلاء هم القدوات: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ.
اقتدي يا محمد صلى الله عليه وسلم بسلسلة النور، واقتدي يا من تقرأ القرآن إلى قيام الساعة بسلسلة النور، اقتدي بهم في سلوكياتهم، اقتدي بهم في ثباتهم، اقتدي بهم في شموخهم، اقتدي بهم بعدم الركون إلى الظالمين، اقتدي بهم في الثبات على التوحيد. هذا الاقتداء بكل مسالك حياتهم: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ.
ثم نختم اليوم بقوله تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ. في النهاية كل هذه الدعوة التي ندعوها لا نطالب عليها جزاءً ولا شكوراً، ولا نبحث عن أجر ولا عن منصب دنيوي، وإنما: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى. نحن نذكر البشرية جمعاء بدين الله سبحانه وتعالى وننتظر ثواباً عند الله. هذه هي دعوة الرسل، هذه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوة كل موحد يحمل هم هذا الدين ولا يبحث، لا يستغل الدين من أجل أن يجمع لعاعة الدنيا، بل هو يحمل هذا الدين ليذكر البشرية جمعاء بالله سبحانه.
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من سلسلة النور، وأن يعيننا على الثبات على هذا الدرب، ونعوذ به سبحانه وتعالى من الحول بعد الكون، إنه ولي ذلك والقادر عليه. جزاكم الله خيراً على الاستماع والحضور والمتابعة والدرس، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا، وأن يعلمنا منه ما جهلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الأمن بتوحيده وطاعته والاقبال عليه، ونعوذ به من الفزع بمعصيته والشرك والذنوب والخطايا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل