بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حيّاكم الله أيها الأكارم والكريمات في مجلس يتجدد بنا في رحلة الإنسان في القرآن؛ نبحث عن ذاتنا، نبحث عن تعاليم سيدنا ومولانا. نتذكر دائماً في ثنايا تلاوتنا للقرآن أننا عبيد لهذا الإله العظيم. وسبحان الله، من الأمور التي خطرت في ذهني في هذه الأيام من مقاصد تلاوة القرآن إخواني وأخواتي أن الإنسان كلما قرأ القرآن وشاهد آيات الله سبحانه وتعالى، وشاهد حديث ربنا عن نفسه: أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، يُرْسِلُ الرِّيَاحَ، وَمِنْ آيَاتِهِ كَذَا، وَمِنْ آيَاتِهِ كَذَا، يَعْرُجُ الْأَمْرُ إِلَيْهِ؛ الإنسان كلما قرأ الآيات وتدبرها يخرج من صخب الحياة المادية.
ترى الحياة أيها الأكارم الحياة آخذة، والإنسان مع ضجيج الحياة ومع انهماكه بالصراعات الحديثة والتكنولوجيا وحتى في ظروف الحياة الطبيعية مع الأولاد، في المستشفيات مع الأطباء، مع المهندسين؛ رويداً رويداً يبدأ يضعف تذكُّر أن الله سبحانه وتعالى هو المدبر، هو الفاعل الحقيقي، ويبدأ يشاهد فقط الأشياء المحسوسة أمامه؛ يشاهد طبيباً يعالج، يشاهد سيداً أو مديراً للشركة يطلب من موظفيه ويعطيهم الرواتب ويمنعهم، يشاهد خصومات، يشاهد دولة ومؤسسات وما شابه ذلك، وهذا يظلم وهذا لا يظلم، وهذا يعطي وهذا يمنع. مع كثرة الدخول في هذه الحياة وابتعادك عن القرآن لوهلة معينة، يضعف إيمانك بالله ويضعف تذكرك واستحضارك أن الله هو المحرك لكل هذا الذي أشاهده أمامي، من طبيب، من قاض، من أجهزة، من مسؤولين، من دولة، من حياة شخصية، من زوجة، من أبناء.
فعندما تأتي للقرآن وتلاحظ وتشاهد ربك سبحانه وتعالى وهو يقول لك: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ؛ أنت تحتاج أن تسمع كلمة الله، تحتاج أن تستحضر وجود الله سبحانه وتعالى في كل حركة من حركات هذا الكون وفي كل سكنة من سكناته. فالذي يغيب عن القرآن دهراً طويلاً تغلب على قلبه المادية، ولا يعود كلمة الله عز وجل تُحدث في قلبه طوفاناً وضجيجاً وصوتاً، هكذا يجعله يخشى من هذا الإله المتصرف المتنفذ؛ لأن حياته -وإن لم يكن يصرح أنه مادي- لكن هذا هو الواقع، المادية غلبت عليه، فما عاد يشاهد الله في كل تصرف من تصرفاته.
فيأتيك القرآن في كل صفحة من صفحاته كما تلاحظون يذكرك بهذا المعنى العظيم: تذكر يا إنسان، تذكر أنك تحت سيطرة هذا الإله، تذكر أن الإله هو المتصرف، وأن سيدك هو صاحب الأمر من قبل ومن بعد. إياك أن تنسى هذه القواعد وأنت تسير في رحلة الحياة وتظن أنك من يملك الأمور، أو أن البشر من حولك هم الذين يصرفون الأمور. فحقيقة القرآن شموخ القرآن، عزة للإنسان، القرآن طمأنينة له؛ لأنه يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ويعيد الأفكار بالاتجاه الصحيح. نعم هناك إله، نعم هناك رب مدبر، نعم هناك متصرف في هذا الكون، فالحياة ليست هكذا فوضى، وليس البشر هم الذين يحكمون على البشر، وليست المؤسسات ولا الأجهزة ولا المنظمات العالمية هي التي تعطي وتمنع وتسحب وترفع؛ الله سبحانه وتعالى هو صاحب الأمر من قبل ومن بعد. فحقيقة هذا المعنى جميل، وأنت هكذا تتلو آيات الله سبحانه وتعالى جميل أن تستحضره؛ الله يريد أن يعرفني عليه ويريد أن يذكرني بأنه المتصرف دوماً حتى لا أنسى ذلك.
في رحلتنا وصلنا أيها الكرام إلى سورة السجدة، إلى الجزء الحادي والعشرين. وصلنا إلى سورة السجدة، سنقرأ السجدة ولقمان والروم بإذن الله. سورة السجدة حقيقة هي تركز على قضيتين أساسيتين في الخطاب العقدي القرآني: القضية الأولى قضية مركزية الوحي وصدق القرآن، القضية الثانية قضية البعث، وهاتان القضيتان من أكثر القضايا الجدلية التي كان يثيرها كفار قريش أو الكفرة في ذاك الزمان وما زالت تثار إلى يومنا هذا، مصداقية الوحي ومصداقية وجود دار أخرى غير هذه الدار.
وحقيقة أيها الكرام ما أسوأ ذلك الإنسان الذي يمتن الله سبحانه وتعالى عليه ويتفضل عليه بأن ينزل له كتاباً من فوق سبع سماوات إلى هذا الإنسان ليهديه ويرشده ويعرفه ويقوم سلوكه، ثم هذا الإنسان بكل بجاحة وبكل استكبار يستهزئ بهذه الآيات القرآنية، ويعرض عنها، ولا يتعامل معها بالجدية، ويكفر بها، ويتهم محمداً صلى الله عليه وسلم أنه افتراها من عنده أو أنها من صنع يهودي أو ما شابه ذلك. أنتم تدركون كم حجم هذا الخطأ الفادح والضخم، ولذلك القرآن كرر هذا الموضوع. يا أيها الإنسان، الله يتفضل عليك بأن يسمعك طرفاً من كلامه، الله يتفضل عليك بأن ينزل عليك هذه الهدايات وهذه الآيات لتسمعها بأذنك مع أنه سبحانه وتعالى غني عنك وأنت المحتاج للقرآن، مع أنه سبحانه وتعالى القوي المتين وأنت الضعيف الفقير.
فبعد هذا المنّ وهذا العطاء وهذا الجود الرحماني، وينزل هذا القرآن بواسطة ملك السماء ليلاقي رسول الأرض لينتقل هذا القرآن إليك؛ بعد كل هذه الفخامة والعظمة والكرم تقابل هذا العطاء الرباني بالاستكبار والإعراض والتشكيك وعدم الاقتناع، ولعله من صنع مع أنك رأيت إعجازه، مع أنك تحديت به، مع أنه طلب منك أن تأتي بآية بسورة بعشر سور وعجزت عنه. بعد أن ظهرت هذه البراهين الساطعة وبعد أن ظهرت هذه العلامات الباهرة، بعد ذلك تقابل بالاستهزاء؟ فحقيقة الله سبحانه وتعالى غضب لكتابه، الله سبحانه وتعالى غضب لكتابه وأراد أن يرفع من شأنه ويبين عظمته لهؤلاء الذين تسول لهم نفوسهم التهكم أو الاستهزاء أو الاستنقاص أو عدم الاكتراث.
وهذا ليس فقط في الكفار، ترى حال كثير من المسلمين اليوم وعدم الاكتراث بهذه الحقيقة العظمى وهي القرآن الكريم، عدم اهتمام، وبالتالي القرآن يعلوه الغبار من رمضان إلى رمضان، وأحدهم يصل عمره إلى 60 و70 سنة وهو لا يعرف معاني القرآن ولا يعرف ماذا يريد الله في القرآن، هو فقط يقلب الصفحات هكذا في رمضان من غير وعي ولا إدراك. هذا سوء أدب، فعلاً هذا سوء أدب وقلة مروءة وعدم تعظيم لله سبحانه وتعالى، وما قدروا الله حق قدره، وإلا في الحقيقة لو أنك قدرت الله سبحانه وتعالى حق قدره لعرفت أن هذا الكتاب المنزل من هذا الإله العظيم ليهديني، أن هذا الإنسان الضعيف يستحق أن أعطيه كامل العناية. ولذلك ما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو صفت قلوبنا لما شبعنا من كلام ربنا. لو صفت قلوبنا وأدركت الحقائق وأصبحت ترى الأمور كما هي لعرفنا أننا أمام معجزة عظمى، وأمام شيء مذهل وهو أنني أسمع وأقرأ كلاماً للإله.
شوف هذه الحقيقة العظمى، سورة السجدة تطالعك بها فتقول لك: الم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. هذا كتاب نزل لا شك، لا مراء، لا جدال في هذه القضية، ومن أين نزل؟ من الرب المدبر المتصرف لهذا الكون. لكن للأسف كيف كانت المقابلة؟ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ؟ ما زلتم تشكون في مصداقيته؟ تقولون إن محمداً صلى الله عليه وسلم افتراه من عنده؟ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ. ولأن السياق سياق تهديد ركز على وظيفة الإنذار للقرآن، مع أن القرآن هو منذر ومبشر، لكن هنا لأنه سياق تهديدي ووعيدي فجاء التركيز على النذارة، فقال: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. هكذا جاء القرآن لينذر الإنسان حتى لا يسقط في حبائل أفكاره ووساوسه وشهواته وملذاته. ينذرك لتتنبه من الحقيقة العظمى وتبقى مستيقظاً أن هذه الحياة ستذهب، وأنك ستلقى الله سبحانه وتعالى، وأنك لم تُخلق سُدى، وأن هناك أوامر ونواهي.
إذاً: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. ثم الله عز وجل أخذ يتحدث عن نفسه، أخذ يتحدث عن نفسه لتعرف أن هذا الكتاب نزل من الله العليم بكل شيء، الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء، فحري بك أن تتعامل معه بالجدية: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ. مَا لَكُم مِّن دُونِهِ، أيها البشر، لا تملك ناصراً ولا شفيعاً، لا تملك ناصراً من دون الله ولا أحد يشفع لك إذا لم يأذن الله له بالشفاعة. أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ؟ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ. ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
فتكلم الله سبحانه وتعالى عن نفسه ليعرفك من هو الذي أنزل الكتاب، لأنك إذا عظمت الله ستعظم الكتاب. وأما إذا كان الله عز وجل أنت لا تشاهده في خلقه، ومن أعظم خلقه خلق السماوات والأرض، لذلك يتكرر ذكر خلق السماوات والأرض في القرآن لأنها من أعظم المخلوقات الحسية، وإن كان العرش أعظم منها، لكن العرش نحن لا نراه، لكن السماوات والأرض نحن نرى السماء الدنيا ونرى الأرض، ونعرف ما معنى بحار وجبال وسماء ونجوم وكواكب، ونعرف ما معنى قمر وشمس، فهذا الخلق العظيم من الذي خلقه؟ خلقه الله سبحانه. هذا الذي خلق كل هذا الخلق العظيم الذي أنت تراه محسوساً أمامك، ترى هو الذي أنزل عليك هذا الكتاب، فإياك أنك تظن أن هذا الكتاب عبث أو نزل هكذا تبركاً، أو أنه مجرد كتاب إيماني وعظي؛ هذا كتاب يغير تاريخ ويصنع حياة، من أجل هذا أُنزِل.
ثم بعد أن تكلم عن خلق السماوات والأرض أراد أن يعود للإنسان، فيذكرك: أنت أيضاً أيها الإنسان الذي ما زلت تكفر بكتاب الله ولا تصدق به، ماذا كنت؟ قال: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ. سيدنا آدم خُلق من طين، وقلنا الطين إذا بتتذكروا في الدروس السابقة ليست مادة نفيسة، يعني أنت أيها الإنسان المعرض المستغني أنت خُلقت من طين هذا أصلك، ثم أصلك من أبيك آدم، ثم بعد ذلك كيف يكون التناسل؟ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ. الماء المهين هو المني. الله يقول هذا المني هو عبارة عن ماء مهين، أنت أيها الرجل قد تستقذر منه، وأنت أيتها المرأة قد تستقذرين من هذا، خُلقتم، ثم بعد أن أصبحتم كباراً وبشراً تدبون على الأرض أصبحتم تعارضون هذا الوحي الإلهي.
ثم قال: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ. أعطاكم وسائل المعرفة، السمع حتى تأخذ الأخبار، والبصر حتى تشاهد المحسوسات، والأفئدة اللي هي العقول ومكانها القلوب ولها اتصال بالدماغ. فالله عز وجل منحنا وسائل المعرفة حتى نستعملها في شكر الله وفي الوصول إلى الله سبحانه، لكننا للأسف كثير منا مع أنه يعرف أنه خلق من مني يُمنى، وأنه خُلق من مادة مهينة، لكنه مع ذلك لا زال يستكبر ويستغني، ولا يلتفت أن هناك إلهاً مدبراً وأنت عبد ذليل.
بعد ذلك انتقل القرآن لنقاش آخر من نقاشات الكفرة، وهو النقاش المتكرر في قضية هل يُعقل أن هناك دار آخرة؟ وقضية الدار الآخرة تتكرر في القرآن لأن الدار الآخرة هي أيضاً من الحقائق العظمى، كما أن القرآن أيها الكرام حقيقة عظمى، كذلك الدار الآخرة حقيقة عظمى مذهلة. والله عز وجل يريد أن يعطيك معلومة أيها الإنسان: ترى الدنيا بكل ما فيها من بلاء ومحن ونعماء وضراء وسراء وجمال ونكد وكبد وصعوبة، كلها شيء تافه، حقير، قليل جداً جداً مقارنة أمام الحقيقة العظمى التي اسمها دار آخرة لا تنتهي. الذي يحصل عند الإنسان أنه يصبح عنده تضخم لموضوع الدنيا، وتضخم لموضوع اللذة والشهوة والبلاء والألم، وكل هذه الأمور تتضخم عنده جداً، وفي المقابل يصغر جداً قضية الدار الآخرة، وكأنه ملف لاحق يأتي إليه في وقته، وهذه مشكلة. هذه من المفاصل الأساسية في القرآن، أن القرآن يريد أن ينبهك إذا بقيت تضخم الدنيا على حساب الآخرة ستتعب، الحياة متعبة وكلها ما بين بلاء ومحنة وشدة وألم وفراق وصعوبة، فإذا بقيت الدنيا لها مساحتها الكبيرة ترى أنت تعبان أيها الإنسان ومسكين.
من أعظم مقاصد القرآن أن ينبه الإنسان أن الدنيا تافهة جداً جداً حجماً ومساحة، بل حتى آلامها وإشكالاتها وصعوباتها هي تافهة جداً جداً مقابل ما في الآخرة من أفراح وسعادة، وآلام ومشاق. يعني لو أردت أن تضع كل آلام الدنيا، أعظم بلاء يمكن يقع عليك أن تُجتث من الأرض، أعظم بلاء يمكن أن تقع عليك أن تعيش فقيراً، أعظم بلاء يقع عليك أن يسلط عليك الكفار، وهذا البلاء عند الله سبحانه وتعالى وفيما أخبرنا القرآن هو شيء تافه ويسير جداً مقابل أن تُبتلى بنار جهنم، مقابل أن تُغمس غمسة واحدة في نار جهنم.
بالتالي لا تستكثر، لا تقول: والله يا رب القرآن كثيراً تطرق لموضوع الدار الآخرة، لماذا لا يوجد مواضيع أخرى؟ بعض الناس ربما يأتي هذا، لماذا هذا التكرار؟ هذا التكرار لأنك أيها الإنسان ما زلت لم تفقه الدرس، ولم تتعلم الحقيقة، وما زلت تضخم الدنيا. الله يريد أن يثبت قضية الدار الآخرة لتكون الدار الآخرة نصب عينيك، وعندما تستيقظ وعندما تنام وعندما تخطط لمشروعك، وعندما تدخل الجامعة، وعندما تسيرين في الحياة، وعندما تتزوجين؛ كل شيء يجب أن يكون الدار الآخرة هي التي تحيط في كل اختياراتك وحركاتك. إذا كانت الدار الآخرة خلف الظهر والله الحياة ستكون صعبة، لن تكون مريحة أبداً الحياة الدنيا لإنسان ضخم الحياة الدنيا في قلبه كثيراً. فلذلك حقيقة لا تستكثر ولا تقل لماذا تحدث عن الدار الآخرة، لأنها حقيقة عظمى، وغداً عندما نُبعث إلى ربنا سبحانه وتعالى لعلك تقول: الحمد لله الذي كرر قضية الدار الآخرة.
كثيرا كثيرا، فوالله الموضوع جد، الموضوع جد. فرق الدار الآخرة عن الدنيا بكل تفاصيلها، قضية مجرد يعني لو فكرت أنت فقط في قضية الخلود الأبدي، قضية أن الدار الآخرة هي طبيعتها شيء أبدي، أبدي لا نهاية، إنفينتي يعني في الرياضيات تتكلم عن شيء لا نهاية له، هذا بحد ذاته يجعل الإنسان دائما في قلق وتوتر وخوف أنه أنا سأذهب الدنيا، سأرتحل عنها بأدنى الأسباب، يعني عفواً مرض صغير، جلطة قلبية، ارتفاع ضغط دم، سكر خفيف، تسلط عدو، حادث سير، أدنى شيء ينهي الدنيا، وأما الآخرة فلا يوجد شيء ينهيها.
أحيانا أنا بركز في هذه الأمور لأنني أعرف كيف قد يفكر الإنسان، أحيانا أنه هذه المواضيع لا يوجد فيها تكرار، لا لا، تكرار فيها بالمعنى الإيماني والروحاني لأن هذا الأمر أنت ما زلت فاشلاً في تصوره، وبالتالي أنت تحتاج في كل آية في القرآن أن تخبر عن الدار الآخرة، أنت محتاج في كل صفحة أن تتذكر فيه دار آخرة، أؤمن بالدار الآخرة، ستعطى كتابك بيمينك، ستمر على الصراط، ترى هناك جنة وفيها نعيم وكذا، ترى هناك نار وفيها جحيم وكذا، ويرجع يذكرك ويذكرك ويذكرك، لعلك في لحظة، لعلك في قراءة تنتبه، فيحدث لك هذه اليقظة، سعادة الدار الدنيا والآخرة.
لذلك الكفار من أكبر مشكلاتهم العظمى أنهم مش قادرين يتصوروا قضية دار آخرة، استهزاءً وعبثاً، فقال: وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، يعني معقول إذا أجسادنا تفرقت في الأرض وتحللنا، ضللنا في الأرض يعني تحللت أجسادنا في التراب، معقول هناك خلق جديد وشيء اسمه دار آخرة؟ كيف تعاد هذه الأجساد بعد أن تبلى؟ كيف تعاد الأجساد بعد أن تبلى؟
فالله عز وجل ماذا يقول لهم: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ. حقيقة بعض المفسرين أشار إلى لطيفة جميلة أنه أنتم مستغربين ومستصعبين قضية أن الله سبحانه وتعالى يرجع يحييكم من هذا التراب، طيب ألا تعرفون أن هناك ملك موت أيضاً يسحب هذه الروح الملتصقة بالجسد من كافة النواحي ويخرجها أيضاً؟ يعني كأن الله يريد أن يقول لهم هناك ما هو أصعب لو أنكم تدبرتم، هناك ما هو أصعب في العقل ويحصل، وهو أن ملك الموت لما يقبض روحكم هو ينتزع الروح من بداية من الأقدام، ويصل بها إلى الحلقوم، إلى كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، ثم تخرج.
يقول العلماء التصاق الروح بالجسد أعلى وأعجب من التصاق الجسد أو تحلل الجسد في ثنايا التراب، من الذي يستطيع أن يسحب روحك من كل جسدك ويسحب الحياة من جسدك ويخرجها؟ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ، ملك الموت يصنع ما هو أعجب وأنتم ترون ذلك أمامكم، فما العجب إذاً أيها الكرام؟ ما العجب أن هذا الجسد لما يبلى يجمعه الله سبحانه أو يأمر من يأمر أن يجمعه من ثنايا التراب ويعيده من جديد؟ أنتم ترون سحب الروح من الجسد يتوفاكم ملك الموت أمام أعينكم، هذه الروح التي تخرج من الذي أخرجها بعد أن كانت ملتصقة، ضالة في الجسد، موزعة في الجسد، فليس إذاً ذلك أعجب من قضية أن الله سبحانه بعد أن تضلوا في الأرض كما زعمتم أن يعيد أجسادكم لتخرج من جديد.
طيب ثم لأن الموضوع واضح ونوقش كثيراً في صور أخرى، الله سبحانه وتعالى مباشرة انتقل إلى مشهد هؤلاء الكفرة الذين كانوا مكذبين بالدار الآخرة، مشهدهم وهم الآن يقفون أمام نار جهنم، أمام الحقيقة العظمى: وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ، وهم يقفون أمام الله، هنا المشهد وهم يقفون أمام الله ناكسوا رؤوسهم، يعني تخيلوا هذا المشهد، هم الآن وضعوا رؤوسهم في الأرض لأنهم أدركوا أنهم كانوا في الدنيا يستهزئون ويتهكمون بهذا اليوم، هم الآن أمام الحقيقة العظمى، كانوا يقولون: أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، الآن شوف المشهد كيف ينتقل مرة واحدة، هم الآن وهم في خلق جديد وهم الآن بين يدي الله سبحانه وتعالى وقد وضعوا رؤوسهم في الأرض ذلاً ومهانة.
كيف أنت لما تكون دائما تنكر شيء، يعني أعطيك مثالاً تقريبياً، لما أنت دائما تنكر شيء وتصر على إنكاره وتستهزئ بهذه الحقيقة، يا أخي معقول في كذا وكذا في دولة كذا؟ وتبقى تستهزئ وأهل العلم يعطونك معلومات دقيقة، معلومات دقيقة وأنت تتهكم وتستهزئ، وفي يوم من الأيام هذا الشيء الذي تهكمت به واستهزأت به أخذوك أهل العلم وأروك إياه مباشرة، قالوا لك شايف هذا الشيء اللي أنت كنت تضحك علينا وتستهزئ فينا وأنتم مش فاهمين؟ ها هو أمامك، كيف راح يكون موقفك؟ محرج، أنه أنا والله استهزأت فترة طويلة بهذول المشايخ ولأهل العلم وكانوا يقولون في شيء هنا في الدار وهكذا وأنا بقيت أستهزئ بهم، ها والله أروني إياه أمامي، ها هو الآن أصبح شاخصاً أمامي، ستشعر بقمة الإحراج.
إخواني والله الواحد أحيانا يكون في مناظرة علمية ويكتشف أنه مخطئ ويصيبك شيء من الحرج وأنت في مناظرة علمية، يعني مسألة من مسائل الحياة، فما بالك أنت تتعامل مع استهزاء وعدم اكتراث واستخفاف بالرسل والوحي الإلهي، وفجأة تجد نفسك في يوم القيامة اللي كنت تكذب فيه؟ فالله يعطيك مشهدهم: نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ، إيش بقولوا؟ قائلين: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا، يعني ربنا فعلاً طلع موضوع الدار الآخرة شيء حقيقي، أبصرنا وسمعنا، طيب في مجال يا رب ترجعنا للدنيا مرة أخرى حتى نرجع نؤمن بالدار الآخرة بشكل صحيح؟ لا، لأنه الدار الآخرة كان المطلوب منك تؤمن بها وهي غيب، وأما بعد أن أصبحت مشاهدة ما عاد هناك قيمة لأن تؤمن بها، ما هي أصبحت أمامك الآن، تؤمن بإيه؟ ما قيمة الإيمان؟ قيمة الإيمان الحقيقي أن تؤمن بالغيب، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، فهم طالبوا: رَجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا وَنُؤْمِنَ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ، فالله يقول سبحانه وتعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا، الله يقول أنا كنت قادراً أن أجعلكم كلكم على هداية في الحياة الدنيا، لكن لم يرد ذلك سبحانه وأراد أن يكون كل إنسان له إرادة حرة من خلالها يختار طريق الخير وطريق الشر، والله عز وجل قرر أن تكون هناك جنة لمن سيختار طريق الخير ونار لمن سيختار طريق الشر، هكذا هي الدنيا، وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
ثم قال سبحانه: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، الآن من الذي كان يؤمن بالغيب في الحياة الدنيا؟ من الذي كان يؤمن بالقرآن وما أخبر به القرآن؟ من الذي كان إذا سمع الوحي، إذا سمع قال الله، قال رسول الله، ينصاع؟ تتجافى جنوبهم عن المضاجع، أصحاب القلوب الحية، هؤلاء الذين إذا سمعوا الوحي ذلوا له واستقبلوه بقلب واسع وخروا سجداً خاضعين لله سبحانه، باختصار هؤلاء الذين يملكون مشاعر العبودية، في الدنيا كان عندهم مشاعر نحو الوحي الإلهي، يؤمنون به، يخرون سجداً، يعظمونه، يبكون عند تلاوته، هؤلاء هم المؤمنون، هؤلاء الذين سبحانه وتعالى سيكرمهم في الدار الآخرة، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
ثم يخبر ربنا سبحانه وتعالى إياكم أن تعتقدوا يا كفار أن المؤمن والكافر سيستوي في الدار الآخرة، لن يستوي أبداً، الذي قابل القرآن الكريم باستهزاء وتهكم واستخفاف، وقابل قضية الدار الآخرة بتهميش وعدم اكتراث مع إنسان جعل القرآن قضية حياة وجعل الدار الآخرة قضية حياة ونصب عينييه، مش ممكن، مش ممكن يكون هذا عند الله جزاء ومنزلة كالطرف الآخر، أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ، ذكر حال أهل الإيمان: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ، وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ، وشوفوا المشهد المرعب: كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ.
كنتم في الدنيا تكذبون، مش مقتنعين، تستهزئون، بعض الناس للأسف حتى بعض المسلمين بتقول له يا أخي اتق الله ترى في نار جهنم، بقول لك يا أخي مش مشكلة بطلت تفرق معي، بعض الناس والعياذ بالله بتجده يتكلم هذا الكلام وهو مش عارف أنك أنت بتحكي كارثة، إيش مش فارق معك؟ بقول لك يا أخي بندخل النار وبنطلع منها، تجد بعض الناس للأسف يتكلم بكلام مرعب والله يقف شعر رأسك منه، أنت عارف شأن عذاب النار؟ عارف شأن نار جهنم؟ والله لو في الدنيا سلخ جسدك سلخاً، ولو أتي بالمقاريض وقرضك قرضاً، ولو أتي بالمنشار على رأسك ففرقت نصفين، هذا كله ولا شيء، تافه جداً مقابل أن تغمس غمسة في نار جهنم، أنت مدرك هذا الكلام؟ كل هذه الصور البشعة من صور القتل من الناس لبعضهم البعض، كلها لا شيء يذكر مقارنة بغمسة واحدة في نار جهنم، ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ.
ومن رحمته سبحانه أنه يذيق الإنسان بعض البلاءات في الدنيا وبعض المواقف اللي هو العذاب الأدنى، اللي هو بعض البلاءات في الدنيا دون العذاب الأكبر، أي قبل أن يصل إلى العذاب الأكبر إلى جهنم، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، لعل هذا الإنسان يتذكر، لعله ينتبه، لعله يعيد ترتيب الأفكار في هذا الموضوع، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا، أظلم إنسان الذي يتلى عليه القرآن، وربنا أنزل عليه وحي من أجل يسمع، ثم يعرض عن كل هذا، عن كل هذه الحقائق وعن كل هذه الشريعة وما زال لا يتعامل مع الإله على أنه سيد وهو عبد، لا ما زال يناقش رب العالمين ويجادله في آياته ويعترض ولا يقبل بعض الآيات ويقبل بعضها، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ۚ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ.
ثم الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ، ترى يا محمد صلى الله عليه وسلم موضوع القرآن الذي بين يديك ليس أنت أول من يلقى عليه كتاب ويقابل هذا الكتاب بالإعراض، لا، قبلك موسى، وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ، طبعاً إيش يعني فلا تكن في مرية من لقائه؟ فيها خلاف بين المفسرين كثير، البعض قال فلا تكن في مرية أي في شك من أن موسى تلقى كتاباً من عند الله، هكذا قال البقاعي في تناسب الدرر، فلا تكن في مرية من لقائه يعني لا تكن في شك من كون موسى لقيته وأعطي كتابه وهو التوراة، وهذا أنسب لطبيعة سياق الآية، لأنه بعض المفسرين قال فلا تكن في مرية من لقائها أي أنك يا محمد صلى الله عليه وسلم ستلتقي موسى في الدار الآخرة، لكن هذا بعيد عن جو الآية، لا، ما ذكره البقاعي فيه نوع من التناسب، أن الله يريد أن يسلي قلب النبي عليه الصلاة والسلام، ترى يا محمد صلى الله عليه وسلم، ترى إحنا أعطينا موسى كتاباً قبلك، فلا تكن في مرية من لقائه، فلا تكن في شك من أن موسى لقي هذا الكتاب وتلقاه من الله سبحانه وتعالى.
وَجَعَلْنَاهُ هُدًى، يعني أي كتاب ليهدي بني إسرائيل، فكيف تعامل بنو إسرائيل؟ قال: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ، فكلمة منهم هنا تدل على أن ليس كل بني إسرائيل آمن بهذا الكتاب وتعامل معه بجدية، بل بعضهم تعامل معه باليقين، كان يسمع آيات الله فيتيقن ويصبر على العمل بها فهؤلاء جعلهم الله أئمة، وهناك طائفة من بني إسرائيل كذبت بهذا الكتاب وأعرضت عنه، بالتالي متوقع يا محمد صلى الله عليه وسلم أنك عندما تأتي بهذا الكتاب سيكون الناس على فريقين، فريق سيؤمن وهؤلاء سيجعلهم الله أئمة لأنهم تيقنوا بآيات القرآن وصبروا على العمل بها فنالهم الله الإمامة في الدين، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه كثيراً ما يقول: الإمامة في الدين تنال بالصبر واليقين، أن تكون على يقين بآيات الله وصابر ومصابر على العمل بها، هكذا يجعلك الله إماماً للمتقين.
ثم قال سبحانه، يعني كأنه الآن هذا مشهد فصل: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، يعني راح يجي يوم القيامة قضية تكذيبهم بالقرآن سيكشف عوارها وقضية تكذيبهم بالدار الآخرة سيكشف كل شيء. ثم الله عز وجل أعطاهم تهديداً أولاً، فقال: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ؟ تعالوا يا كفار أنتم يعني عم بتكذبوا بهذا الكتاب صح؟ نحن قلنا سورة السجدة بتركز على موضوعين: مصداقية الكتاب ومصداقية الدار الآخرة، فبدأ معهم بمصداقية الكتاب، أنتم عم بتكذبوا بهذا الكتاب وبإرسال محمد صلى الله عليه وسلم به، طيب أليس لكم عبرة في قرى وبلدان أنتم ترونها أمامكم في رحلة الشتاء والصيف؟ ديار عاد، ديار ثمود، ديار لوط، كل هذه الديار ترونها وترون وتعلمون قصصها وتعلمون أن الله أنزل عليهم عذاباً شديداً لما كذبوا برسلهم ورسلهم أتتهم بآيات وأعرضوا عنها، وهذا القرآن هو أعظم آية لكم يا كفار قريش وهو المعجزة الكبرى، أليس لكم فيما مضى عبرة؟ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ؟ يا أخي أنتم ما بتسمعوا قصص السابقين، ألا تعتبرون بها؟
ثم أعطاهم دليلاً أو إشارة إلى الدار الآخرة، طيب أعطيكم أيضاً إشارة إلى الدار الآخرة، أنتم ما بتشوفوا في الأرض وبتمشوا؟ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ؟ أرض الجرز أرض قاحلة، لا يوجد عليها أي شجرة، بتلاقي الأرض تماماً لا مزروعات فيها، يسوق الله إليها الماء فيخرج منها من الأطعمة ما تأكله الأنعام والبشر، طيب أَفَلَا يُبْصِرُونَ؟ طب هذا مش...
دليل بصري حي على الإحياء وعلى الإخراج، فهذا من أدلة الدار الآخرة وهو إخراج المزروعات من الأرض، وهكذا كيف البذرة تشق طريقها ما بين التراب ليخرج هذا الجذع ثم تصبح أغصانًا ثم تأتي ثمار. من يفعل ذلك؟ أليس هو الله الذي يصنع هذه الأمور؟ هل هو عاجز أنه يجعلك تنبت كما تنبت البذرة وتخرج من التراب وتصبح إنسانًا جديدًا؟ قضية ما نشاهده يوميًا من النباتات وحركة أو دورة الحياة الزراعية من أعظم الأدلة على قدرة الله سبحانه وتعالى على الإحياء وعلى سهولة البعث مرة أخرى. فلا تجعل أكبر العقد كيف إذا ضللنا في الأرض أنا لفي خلق جديد.
عمومًا يقولون: مَتَىٰ هَٰذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، متى راح يجي يوم القيامة اللي أتعبتونا فيه؟ فالله يقول لهم: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ. فأعرض عنهم، إذا مصرين هم على هذا الموقف استهزاءً تهكمًا، خلص فأعرض عنهم وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ. انتظر يا محمد صلى الله عليه وسلم، إنهم منتظرون، ينتظرون عذابًا شديدًا مرعبًا سيجعلهم يعضون أصابع الندم على طريقة تعاملهم مع آيات الله في الدنيا.
نذهب أيضًا إلى سورة لقمان، سورة لقمان أيضًا من السور التي اهتمت بالتركيز على يعني هي عدة جوانب لكن جانب الحكمة هو جانب ظاهر فيها. جانب الحكمة جانب ظاهر في سورة لقمان، تأسيس لموضوع الحكمة، بل حتى اختيار اسم لقمان ليكون هو اسم للسورة يعطيك مؤشر على قضية الحكمة، أليس كذلك؟ لأنه لقمان بماذا هو مشهور أيها الكرام؟ يلا هذا سؤال للجمهور، لقمان والصحيح أنه رجل صالح تقي، بماذا مشهور عندكم؟ نحن بنسمي لقمان إيه؟ بالحكمة، بالحكمة، ظاهر التليجرام أسرع من اليوتيوب في استقبال الرسالة، بالحكمة صح؟ إذا لما تسمع اسم السورة لقمان ونسمع لقمان الحكيم، إذا هي السورة ستتكلم عن الحكمة في السياق الأساس لها، وسبحان الله لاحظوا بماذا ابتدأت السورة: الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ.
إذا لأن الموضوع أساسًا هو كلام عن الحكمة، فكان مناسبًا أن تبتدئ بوصف القرآن بأنه حكيم. والقرآن حكيم يعني محكم، محكم الصنعة، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، كما هو مطلع سورة هود، فعليك أنك تستحضر هذه الفكرة؛ القرآن حكيم وسورة لقمان، لقمان حكيم، إذا نحن نتكلم في سياق حكمة. طيب الآن السورة ابتدأت بذكر أن القرآن حكيم، وأنت كإنسان لما تعرف تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ، ما دام القرآن محكم إذا يجب أتعامل بجدية مع هذا الإحكام ولا أتعامل معه باستهتار وعدم انتباه. طيب هذا الكتاب الحكيم ما وظيفته؟ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ. كأن سورة السجدة لما ركزت أن وظيفة القرآن لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ ركزت على النذارة، أتت سورة لقمان لتركز على الجانب الآخر في القرآن وهو جانب الهدى والرحمة، شوف كيف تناسق سور القرآن، سورة لقمان مباشرة ما قالت تلك آيات الكتاب الحكيم نذارة للكافرين، خلص سورة السجدة تكفلت بهذا، هنا خلينا نركز على جانب الهدى والرحمة اللي فيه، كتاب هداية ورحمة لمن يستحقها وهم المحسنون المتقنون، الذين يتعبدون الله ويسيرون على خطى الأنبياء والصالحين، الذي يتقن في عبادته لله سبحانه ويتقن في إخلاصه لله، هؤلاء هم الذين يكون القرآن لهم هداية ورحمة، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
طيب في المقابل الله عز وجل يقول: وَمِنَ النَّاسِ للأسف لا يتعاملون مع هذا القرآن الحكيم بما تقتضيه هذه الحكمة، ولا كيف يتعاملون معه؟ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ، حضرته يذهب يشتري لهو الحديث. اشتراء لهو الحديث هو عبارة عن ماذا أو تعبير عن ماذا؟ عن إبعادك للقرآن والاستعاضة عنه بكل كلام فارغ لا قيمة له؛ من غناء وموسيقى وغيبة ونميمة ومجالس بطالين، بل حتى الانشغال عن القرآن بسماع كلام فلاسفة الشرق والغرب، أنه يصبح كلام البشر أعظم عندك من كلام الله سبحانه، هو ممن اشترى لهو الحديث. تمام، فإذا اشتراء لهو الحديث، كل كلام يصد عن ذكر الله ويشغل عن القرآن فهو داخل تحت عموم قوله وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي يجلب لنفسه لهو الحديث فينشغل به عن القرآن. اليوم للأسف كثير من الناس يعتاد سماع الموسيقى والمعازف والغناء والأناشيد، يعتاد سماع المباريات، يعتاد مجالس الغيبة والنميمة، فإذا جاءه القرآن استثقل، إذا شخص وضع له القرآن في إذاعة أو في البيت 10 دقائق شعر بالثقل وسرعان ما يتمنى أن يزول القرآن. هذه والعياذ بالله حالة من استبدال القلب، أنه قلبك ما عاد يطرب ولا يأنس لكلام الله سبحانه، وإنما يأنس للهو الحديث.
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، شوف شوف تعبير القرآن، ما قال ليضل، لو قال ليضل هو نفسه، لا، الذي يشتري لهو الحديث هو مش فقط يضل هو نفسه، بل هو يضل غيره، عندما أنت تقتني أو تهتم أو يكون حالك في بيتك أو في حياتك العامة لهو الحديث، ترى أنت تفسد نفسك وتفسد أبناءك وتفسد زوجتك وتفسد الحياة من حولك. كذلك أنت أيتها المرأة لما تكوني فقط منشغلة بلهو الحديث، ترى الإضلال ليس فقط لنفسك، هو ضلال لنفسك ولمن يرقبك وينظر إليك ويقتدي بك، فأنت قد تكونين أم، قد تكونين مدرسة، قد تكونين مسؤولة في مكان، فالذي يشتري لهو الحديث يضل نفسه وغيره، قال لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، يعني وهو جاهل، بعيد عن المعرفة الحقيقية، وإلا لو كان عنده علم نافع لما استعاض عن كتاب ربه بلهو الحديث. قال وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا، يتعامل مع آيات الله باستهزاء وتهكم وليس بجدية وانصياع، قال أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ. وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا، شايف حاله أعلى من القرآن، كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا، ثقل ثقيل، أذنك ثقيلة عن سماع القرآن، لكنها خفيفة للمعازف والموسيقى والطرب والكلام الفارغ. طيب مثل هذا بشره بعذاب أليم، اللي هذا حاله ربنا يقول بشره بعذاب أليم ينتظره. أما الذين سمعوا القرآن وأقبلوا على القرآن وأخذوا من معين القرآن، لهم جنات النعيم خالدين فيها، وعد الله حقًا.
ثم بعد أن تكلم عن القرآن الحكيم هنا سنتكلم عن الرب الحكيم، عن الرب الحكيم، خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ جِبَالًا حتى تبقى الأرض متزنة لا تميد بكم، وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ. الذي صنع هذه الأمور بكل هذه الدقة وبكل هذه التفاصيل التي تشاهدونها أمامكم، أليس حكيمًا؟ فإذا تلك آيات الكتاب الحكيم، من هذا الرب؟ الرب الحكيم، الذي ما زال يذكرنا من الذي خلق السماوات بغير عمد؟ من الذي ألقى في الأرض جبالًا لترسخ؟ من الذي خلق الدواب التي تدب على الأرض بكل ما فيها من التفاصيل العظيمة؟ من الذي ينزل من السماء ماء فتخرج المزروعات من الأرض؟ تذكر هذه المشاهد، يجب أن لا تبقى مشاهد مادية محسوسة، بل يجب أن تترجم في حياتك، الله فعل كذا، الله أنزل، الله أخرج، الله وضع الجبال، الله خلق البحر، الله وضع السمك، الله ترى الله في كل مصنوعاته، لازم وإلا أنت في غفلة شديدة.
ثم الله عز وجل حتى يخبرك، يقول لك انظروا إذا أعطيت الحكمة لأحد البشر وليس نبيًا، رجلًا صالحًا، انظروا كيف الحكمة إنما تؤتى من الله، عندما يتصل الإنسان بالله سبحانه، وأنتم عندكم هذا القرآن الحكيم، يعني لقمان نموذج لإنسان حكيم لأنه عرف الله، فكان الله يقول: إذا أردت أن تكون حكيمًا في حياتك فاعرف الله كما عرف لقمان ربه. كما عرف لقمان ربه أنت بين يديك كتاب حكيم، إذا فهمته وتبصرت به وعرفت جوانب حكمته، ستصبح حكيمًا مثل لقمان، ويصبح عندك ما تستطيع أن تتكلم به وتوصي به وتسير عليه على هداية ونور. وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، ودائمًا نقول إذا أنعم الله عز وجل لك بنعمة عليك أن تقابلها بماذا؟ بالقبول وليس بالكفران.
الآن نماذج من حكمة لقمان، وإذ قال لقمان، أول حكمة وعظ بها لقمان ابنه التوحيد، وهذا يدل على أن التوحيد أيها الكرام هو أعظم شيء في السماوات والأرض ومن أجله خلقت السماوات والأرض، لذلك جعل الله على رأس الحكمة اللقمانية حكمة التوحيد: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. احذر، مهما أخطأت كان لقمان يقول لابنه هكذا أتخيله: يا بني مهما ضعفت نفسك في الحياة، مهما أذنبت ومهما أخطأت ومهما ومهما سقطت وانهزمت أمام الشهوات والملذات، احذر من ذلك الظلم العظيم والخطأ الكبير الذي لا يغفره الله، احذر من الشرك إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. نعم احذر الذنوب والمعاصي جميعها، لكن عليك أنك تركز أن هذا الخطأ هو القاصمة الذي إذا مت عليه انتهى كل شيء.
وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِن جَاهَدَاكَ يعني كان لقمان ما زال يقول لابنه: وإن جاهداك على أن تشرك بما ليس لك به علم، طبعًا هنا هذا وإن كان بعض المفسرين يقول هو من كلام لقمان، لكن الله سبحانه وتعالى جعله من كلامه، يعني أنت تشعر بحسب بالضمائر أن الله هو المتحدث وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي الله يتكلم، لكن هي من كلام لقمان لابنه، لكن الموضوع خطير جد خطير، كان الكلام الآن ذهب من لسان لقمان وأصبح الله عز وجل يتحدث معك مباشرة، وهذا من جمالية البلاغة القرآنية كيف يعني تتداخل المشاهد، تتداخل المشاهد بطريقة جميلة خاصة عندما يكون الموضوع ذا أهمية، إذا لقمان قال لابنه: لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم، هنا السياق الله أصبح يتكلم: وَإِن جَاهَدَاكَ يعني والداك اللي أنا وصيتك فيهم ووصيتك أيها الإنسان أنك تدير بالك عليهم وخاصة أمك اللي حملتك على ضعف ووضعتك على ضعف، كل هذه الأم التي وصيت بها وأمرتك أن ترحمها في الضعف وهي حية وبعد أن تموت، شايف هذول الأم والأب اللي هم أغلى شيء في حياتك، حتى هذول الاثنين لو خطر في ذهنهم في يوم من الأيام أن يطلبوا منك أن تشرك بالله، احذر من الشرك، وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا، ولكن كونك لا تطعهما هذا لا يعني أنك تسيء الأدب وأنك لا صاحبهما في الدنيا معروفًا، ما دام والدك لم يحمل السلاح ضد المسلمين وإنما هو فقط مجرد أعرض عنك ودعاك إلى الشرك، لكن لم يقف ضد المسلمين، ما له منك إلا الصحبة الحسنة، لكن تتبع سبيل من قال وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ.
فالآية كأنها ما تقول الشرك ظلم عظيم حتى لو دعاك إليه أعز الناس عليك، وهذه قاعدة عامة في كل المعاصي، احذر أنك تعصي الله بحجة أنه والله أبوي وأمي يعني أحرجوني وطلبوا مني أفعل هالمعصية، إذا مش مشكلة يا رب يعني الأمور بتمشي إن شاء الله، ما دام أنت يا رب وصيت بالوالدين إذا يعني إن شاء الله هذا الأمر بيمشي، وإن كان معصية لا ما بيمشي، يعني لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والدك ووالدتك على الراس والعين لكن إذا أمروك بما هو خطأ لا يسير أمرهم ولا يجوز لك أن تطيعهم، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
استمر لقمان في تذكير ابنه بالله: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ بتعرف يا بني لو تكون حبة خردل فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، علم إحاطة قدرة، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، أدق التفاصيل عند علم الله، أوعك يغيب عن ذهنك رب العالمين. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وَلَا تُصَعِّرْ شوف يعني نصحه بالتوحيد ثم نصحه بالعبادات الشخصية، إقامة الصلاة، ثم نصحه بالأمور المتعدية الأخلاق، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ، نصائح جامعة تشمل كل ما يحتاجه الإنسان سواء في علاقته مع الله، في علاقته مع نفسه، في علاقته مع الناس، هذه هذه الحكمة، الحكمة مش أنه توصي ابنك أنه يسافر لبلاد الغرب ويروح يدرس هناك ويعيش حياته، الحكمة مش أنه تضلك تحدث ابنك عن البزنس والمال وكيف تفتحها كذا وشركات وكذا وكذا وخليك مصحصح وفهيم يابا وكذا، يعني أنا بتخيل لو شخص غير لقمان في واقعنا المعاصر عم بينصح ابنه بماذا سينصح ابنه؟ هذه وصايا الأب لابنه التي خلدها الله عز وجل، أنت لا، أنت كأب وأنت كأم بماذا تنصح ولدك اليوم؟ هل عندما يكبر ولدك وتراه أمامك تقول: يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، ولا يابا يعني دير بالك المشايخ يعني ما تمشي معهم كثير، طل أنا بخاف عليك يعني ما في داعي يا رب تطلق لحيتك، والله يا بنتي الحجاب يعني...
بلاش يتأخر زواجك، وإذا قررت البنت تلبس نقاب؛ والله هذا بيحرمك من الخير، يعني في فرق هائل أظن بين نصائح لقمان لابنه وبين نصائح كثير من المسلمين لأبنائهم. إنما يدور كثير من نصائحك لابنك الدنيا: الجامعة، الشهادة، الدرجة، العمل الوظيفي، السيارة؛ مادية مادية كلها مادة. أما الآخرة يابا يعني صلي يابا، بعض الناس يعني أكثر ما يمكن يقول لابنه: يابا حاول أنك تصلي، إذا ابنه قصر في الجامعة يذبحه ذبحاً، إذا ابنه قصر في كثير من أمور الدنيا مستعد يقيم الدنيا ولا يقعدها، لكن إذا قصر ابنه في صلاة فجر؛ يلا مش مشكلة ما هو تعبان كان على امتحان، ما هو مش مشكلة اليوم كان بيشتغل من الصباح للمساء، الله بعينه. إن شاء الله الأمور سهلة، كل شيء في الدين سهل، وأما أمور الدنيا عندك مش سهلة؛ طب برضه هو مثلاً ما نجح في امتحان ما هي دنيا سهلة. طيب مثلاً الابن مثلاً ما بده يدرس في تخصص جامعي، بده يترك جامعة مختلطة، سهلة ولا مش سهلة هذه؟ فأظن يعني في مقابلة يجب حاضرة في دينك وأنت تقرأ: بماذا أنا أوصي أبنائي؟ وبماذا وصى لقمان الحكيم؟ ما هي الحكمة في المعنى؟ إلا أن الناس تصف اليوم إنساناً بأنه حكيم، والله بينه وبين الحكمة ما بين السماء والأرض.
طيب، المهم أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ؛ هنا الله عز وجل يذكر الإنسان بأيادي الله عليه ونعم الله عليه. الله سخر لك أيها الإنسان ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليك النعم ظاهرة وباطنة، ومع ذلك يا أيها الإنسان ما زلت تجادل في آيات الكتاب الحكيم. الآن يعني خلصنا من سياق لقمان، عاد السياق إلى من لا يزال لا يخضع لآيات الكتاب الحكيم: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ. مع أنني أنعمت على هؤلاء البشر بالنعم الظاهرة، أسبغت عليهم كل ما هو خير وبركة، ما زال هناك أناس يجادلون في آيات الله وغير مقتنعين، بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، يعني ما عنده أي أسس علمية أصلاً في النقاش والحوار، وإنما هي فقط نفس عندها شهوة ورغبة لا تريد أن تتقيد بكتاب ربها سبحانه وتعالى. وإذا قيل لهذه النفوس: اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. نحن والله هذه قضية قرآن، نحن ما بنتبع "أنا وجدنا آباءنا"، وهذه فكرة العادات والتقاليد لما تجعل لها في قلبك مساحة أكبر من مساحة القرآن والوحي.
الوحي الإلهي الحقيقة العظمى، الله عز وجل يقول: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ. شوف فرق بين من يسلم وجهه إلى الله وينصاع للوحي، وبين من يسلم نفسه لتقاليد الآباء والأجداد. في ناس قالوا: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، وفي ناس قالت: أسلمنا وجهنا لله، أنت من أي نوع يا من تتابعني؟ هل أنت ممن انقاد لله ولشرع الله ولو خالف طريقة والدك وجدك وعشيرتك؟ ولا العشيرة والأجداد عندك أعلى؟ طيب، الذي يستمسك بالعروة الوثقى التي لا تنقطع، ومن استمسك بالتوحيد. وَأَمَّا مَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ۚ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. المشكلة في هؤلاء الكفار الذين ما زالوا متمسكين بعادات الآباء وتقاليد الأجداد وما زالوا يجادلون في القرآن بغير علم، المشكلة العويصة أنك إذا سألتهم: مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. يعني كفار قريش، الكفر قمة التناقض، طب أنتم بتقولوا أن الله خلق هذه السماوات العظيمة وهذه الأرض الممهدة وخلق كل شيء، طب إذا كنتم تقرون أنه الخالق لماذا تجادلون في آياته؟ لماذا لا تنصاعون لأمره؟ لماذا لا توحدونه؟
المهم قال: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ. يعني الله يريد أن يظهر قدرته على الكلام، وأن هذا القرآن أصلاً اللي أنتم مكذبين فيه، هذا القرآن هو جزء يسير يسير من كلام الله سبحانه. والله لو كل أشجار الأرض أصبحت أقلاماً، ولو كل بحار الأرض أصبحت حبراً يوضع داخل القلم وكتبت كلمات الله؛ لانتهت الأقلام ولم ينتهِ كلام الله. أنتم فقط أمام جزء بسيط من الحقيقة، كلام الله عظيم جداً جداً جداً ولا نهاية له، ولا يعصيه البشر، وهذا القرآن بين الدفتين إنما هو جزء يسير من كلام ربنا سبحانه، ومع ذلك ما زلتم تعاندون أمام حقيقة الكلام الإلهي.
طيب، مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. الآن بعض المفسرين قال إن هذا من عادة القرآن، أنه إذا تكلم شيئاً عن معاني القرآن أو تعظيم القرآن والتحذير من مخالفته لا بد أن يتكلم عن الدار الآخرة. بتشوف هذه المزاوجه كثيرة في القرآن، الحديث عن القرآن وعظمته، ثم الحديث عن الدار الآخرة. فهنا البعض قال هذا حديث عن الدار الآخرة؛ أن الله لم يكفر، تظنون أن إحياءكم بعد إماتتكم هذا شيء عسير علي؟ كلكم أيها البشر من لدن آدم إلى قيام الساعة مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. يعني أن أحيي ثلاثة تريليون بشر كما لو أحييت بشراً واحداً، يعني من حيث السهولة وعدم العسر والصعوبة على رب العالمين، كل البشرية إحياؤها كنفس واحدة، كن فيكون. يعني لا تظنوا أنه في بشر كثير من لدن آدم إلى قيام الساعة، بالتالي راح يكون صعبة لرب العالمين يعيش هؤلاء التريليونات من البشر؟ كيف سيكون ذلك؟ فالله يقول لهم في سورة السجدة كانوا يقولون: أإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ. هون ربما كان الاستصعاب أنه كيف يمكن لملايين ملايين البشر وتريليونات البشر أن يعيد الله إحياءها من جديد؟ ترى كلياتكم كنفس واحدة، ما في أي مشكلة ولا صعوبة.
ألم ترَ أن الله عز وجل يريد أن يريهم عظمته في هذا الكون؟ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. ثم أعطاهم آية أخرى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ. دائماً إخواني خلوا عندنا هذا المنهج، منهج ونحن نسير في الدنيا يجب أن نشاهد الله عز وجل في كل أفعاله. لما تشوف سفينة في بحر قل: سبحان الله، من الذي جعلها لا تسقط ولا تغرق؟ لما تشوف طائرة تطير في الهواء، لا تستحضروا من هذا الصانع البشري اللي صنع هذه الماتورات والماكينات، لا، تذكر أن هناك إلهاً يمسك هذه الطائرة أن تسقط على الأرض. حاول في كل مشهد تشاهده في حياتك ويطوف حولك أن تستحضر عظمة الله، والقرآن هو الذي يفتح لك بوابة هذا النوع من التدبر.
طيب، ثم الله عز وجل يخبر عن حال العقلية الكافرة: وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ. منهم مقتصد أي يبقى على التوحيد، ومنهم من يكفر، وهؤلاء لم يذكرهم الله لأنهم سفلة لا يستحقون الذكر. فالله يقول: شوف هؤلاء كفار قريش لما يكونوا في بحر وأحاطت بهم الأمواج وشعروا بالهلاك تركوا أصنامهم، تركوا اللات والعزى وهبل، ودعوا الله مخلصين له الدين. بمجرد أن يعود الإنسان إلى الحياة الطبيعية والرخاء، منهم مقتصد، المقتصد هو الذي يستمسك بالتوحيد، ومنهم... منهم سفلة لا يستحقون أن يذكروا، وهم الذين يخونون الله سبحانه وتعالى ما عاهدوه. وهذا ترى ليس في الكفار فقط، والله كثير منا أيها الكرام لما يقع في ورطة، في امتحان صعب، مرض يطول عليه، بلاء بالفقر، بتلاقيه مقبل على الله سبحانه: يا رب اكشف هذه الكربة، يا رب أعطني، يا رب خليها تهون. طيب ممتاز، ربنا فرجها عنك، كيف قابلت الله؟ نفسك نفسك ونفسك أنت، تجد الشاب رجع ينظر للأفلام المحرمة، ورجع سهرات مع الشباب المقاهي، والبنت رجعت تخرج بزينتها وحليها وتضع عطراً في الشوارع، وتخرج متفسخة وعلاقات محرمة. طيب مش أنت نفسك نفسك اللي كنت متورط في يوم من الأيام ودعوت الله سبحانه وتعالى أنه يا رب تهونها، يا رب ارزقني الزوج الصالح، كنت تشعر بكرب أنه في زوج صالح، صح؟ لما ربنا فرجها وجاءك الزوج الصالح كيف قابلت هذه النعمة؟ أسوأ شيء فيك أيها الإنسان أنك تتعامل مع الله وكأنك لا تراه، لكن لما تقع في الورطة تصبح ترى كل شيء، وعندما يعود إلى حالته الطبيعية ينساه.
وهذه مرت معنا في الزمر: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ. بده يرجع للحياة الطبيعية، وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ. في سورة يونس هذه الفكرة ربنا كررها في القرآن كثير كثير، فكرة الإنسان اللي لما يكون في ورطة بيلجأ لرب العالمين، ولما ربنا يسهلها بيرجع لنفس دوامة المعاصي والذنوب، عيب، وهذا قد يسقط فيه أي إنسان فينا حتى كطلاب علم وحتى أي إنسان. بدك تنتبه أنت بتلاحظ نفسك كيف عم تتصرف مع رب العالمين، أنت غير صادق مع الله، عليك أن تعبد الله في الرخاء كما عبدته في الضراء. ثم ذكرهم الله عز وجل بالدار الآخرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
طيب، سريعاً بدنا نأتي على سورة الروم لأنها آخر سورة اليوم سنناقشها بإذن الله. سورة الروم أيها الكرام تتكلم عن ماذا؟ أو تحاول تبرز قضية أن ترى الله في كل شيء، أن ترى في كل شيء هذه الفكرة العامة في سورة الروم. كيف ذلك؟ أولاً أن ترى الله عز وجل هو الذي ينصر من يشاء ويهلك من يشاء، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ. ترى الله عز وجل الناصر هو الذي يمنح النصر في الوقت الذي يشاء وفي المكان الذي يشاء، عليك أن ترى الله في هذا المشهد. طيب طبعاً كثير من الناس لا يرى الله في هذا المشهد، وإنما يرون أن النصر أو الغلبة هي تتعلق بالعدد والعدة والإمكانيات، فالله يقول لهؤلاء الذين لا يرون الله باسمه الناصر: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ. تمام، يعني خلص بعض الناس لا يؤمن إلا بالمادة فقط، بما يشاهده من شركات، من مؤسسات، من ترسانات عسكرية، لا يؤمن أن هناك رب، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ. يعني نستطيع أن نقول محور سورة الروم "لله الأمر من قبل ومن بعد"، كل شيء بيد الله، وهذا المعنى لازم ينغرس فينا حتى نحن كطلاب علم ومحافظين وكذا. صح بنحكي بنحكي، لكن أحياناً بيغيب عنا كثير أنه لله الأمر من قبل ومن بعد، وبتسيطر علينا الحياة المادية. أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً إِلَى آخِرِهِ، فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ. فالله يريك مشهد أيضاً العقوبة للمكذبين، الله عز وجل هو الفاعل في ذلك، ومر السياق سريعاً: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ.
اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ، وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا... يعني كلام وسياق يتحدث فيه أيها الكرام عن قضية الدار الآخرة؛ لأنه لازم، لازم خاصة في السور المكية لا بد يتطرق لموضوع الدار الآخرة لأنه هو بوصلة، هو منبه، هو مذكر. فالله يقول هؤلاء الكفار أو هؤلاء الذين فقط يؤمنون بأن الحياة مادة، وأنه ما في إله، وأنه ليس هناك متنفذ في هذا الكون، هؤلاء عاقبتهم السوءى وهي جهنم، ويوم القيامة سيبلسون أي سيشعرون باليأس والقنوط عندما يروا أن الله هو المتنفذ فعلاً، وأنهم كانوا يستهزئون ويتهكمون ويؤمنون بالمادة ويؤمنون بقدراتهم أو بعقولهم أو بأفكارهم ويستكبرون عن عبادة ربهم، وكيف سينقسم الناس إلى شقين يوم القيامة؛ الذين هم في روضة يحبرون، والذين هم كذبوا بالآيات ولقاء الآخرة. شوف كثيراً ما يكون هناك مزاوجة: "كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة"، "بآياتنا ولقاء الآخرة"، أنه هذه الحقائق العظمى اللي مش مسموح تكذب فيها أيها الإنسان، ومش مسموح أبداً تستهزئ فيها.
طيب، الآن عاد عز وجل يرينا نفسه في أفعاله: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ، يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا. وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ. وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ. وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ. وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ. المثل الأعلى يعني الصفة العليا، الذي له صفة الكمال، الذي لا نظير له هو الله، هذا معنى "وله المثل الأعلى" أي له الصفة العليا، صفة الكمال التي لا نقص فيها في السماوات والأرض وهو العزيز.
الحكيم شوف ومن آياته، ومن آياته يريك نفسه في كل أرجاء هذا الكون، في الليل والنهار، في نفسك، في الأحياء والأموات، في الأزواج، في المطر. كل شيء يجب أن ترى فيه الله في السماوات والأرض، إلى أن تتذكر الذي صنع كل هذه العظمة هو الذي سيعيدك إلى الدار الآخرة.
فتذكر هناك رب، هناك وحي، هناك دار آخرة؛ هناك رب، هناك وحي، هناك دار آخرة. هذه البوصلات لا يجوز أنك تتغاضى عنها أيها الإنسان، وكل الكون يدل عليها. ثم أعطاهم مثالاً، يعني أنتم لماذا تشركون بالله؟ طب أنتم يا كفار قريش، لما أنت تكون سيد وعندك عبد، هل تقبل أنه يكون عبدك مشارك لك في السيادة ويزاحمك في مالك؟ ما في أحد سيد يقبل أنه عبده يشارك في السيادة، فكيف أنتم تقبلون لله أن يكون له أصنام يشارك في العبودية؟
ماشي، أنتم يا كفار قريش بتقولوا الله يخلق ويرزق وما نعبدهم إلا ليقربون إلى الله زلفى، كما مر معنا في الزمر. لكن حتى هذا حق العبادة، حق لله، حق العبادة حق لله لا يجوز أن يصرف لا لقبر ولا لبشر ولا لشجر ولا لمدر ولا لشيء. كما أنكم لا تقبلون أن يشارككم عبيدكم في أي شيء من حقوقكم، كيف ترضون لله أن تجعلوا أصناماً وأحجاراً وبشراً يشاركونه في حق العبودية فتعبدونها؟
ضرب لكم مثلاً من أنفسكم: هَل لَّكُم مِّن مَّلَكَت أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ. العبد أنت ما بتخاف منه على مالك، لأنه الأصل أن العبد لا يشاركك فيه.
بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ. هؤلاء الذين عبدوا مع الله سواه ككفار قريش، هؤلاء اتبعوا الهوى. شوف، الهوى الآبا والأجداد هي نحن بنسميها محركات الأفكار؛ الذي يحركك نحو الأفكار الباطلة هو الهوى. فالله عز وجل بقول لك: أنا انزلت لك وحي حتى يكون الوحي هو الذي يحرك فكرك وتفكر من خلاله. أنت أيها الإنسان عم بتفكر أو الذي يحرك فكرك مش الوحي، اللي عم بحرك فكرك هواك، اللي عم بصّر عليك أنك تتبع عادات وتقاليد الآباء والأجداد.
فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ. خلص، اللي ربنا مش كاتبه الهدايه انتهى. طيب ايش مطلوب مني؟ طب أنا كمسلم موحد أقرأ القرآن: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا. امشي مستقيم، الدين الإسلامي هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. فطر الناس جميعاً على فطرة الإسلام، وإنما يأتي الشرك واليهودية والنصرانية بسبب المدخلات الخارجية، وإلا فكل الناس فطروا يميلون إلى التوحيد ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
طيب، ثم الله عز وجل يخبر مرة أخرى عن نفسه: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرًّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. هي الآية بتذكركم في أي آية؟ هي الآية يلا للمشاهدين معنا: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرًّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. هي بتذكركم بأي آية سريعا؟ يلا بستقبل على التليجرام وعلى الذين يتابعوننا على هذا. في آية قبل شوي مرت معنا بهي الفكرة وقلنا هذا كثير ما حذر الله عز وجل منه.
ممتاز يا حازم، فلما ركبوا في السفي... أي لا، لا آية ذكرتها قبل شوي، وآية الزمر. احسنتم، هي آية الزمر، والآية اللي قرأناها قبل شوي في لقمان: وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْج كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ متمسك بالتوحيد وَمِنْهُم مُّشْرِكٌ. هنا الله عز وجل ذكر المشركين صراحة وترك المقتصدين. سبحان الله، كأن الآيات بتتناوب؛ في سورة لقمان ذكر المقتصد وترك المشرك، وفي سورة الروم ذكر المشرك وترك المقتصد، فقال: كفر الناس.
للأسف هنا الناس إشارة للانسان كبشر وليس فقط هذا الكافر، الإنسان كثير منهم هكذا يفعلون؛ لما بيكون في ورطه يدعو الله مخلصاً يا رب، ولما ربنا يكشف عنه ويرزق ويهدي باله إذا فريق منهم بربهم يشركون. بيرجع بيتواقح وبتغضي الطرف: وإنما أوتيته على علم، وأنا أصلاً أنا شاطر وأنا تعاملت مع الطبيب الفلاني. يا أخي والله الطبيب الفلاني ما يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، والله لولا أن الله أذن لك أن تشفى والله ما شفيت، ولولا أن الله أذن لك أن ترزق والله ما رزقت، ولولا أن الله أذن لك أن يفرج همك والله ما فرج. شاهد الله في كل شيء، ولا تشاهد البشر؛ البشر أسباب، حتى لا تبقى مشركاً، حتى إذا عدت إلى الرخاء لا تعود إلى التطاول على رب العالمين سبحانه.
فالله بتوعدهم اللي هي نكفروا بما آتيناهم؛ اكفر باللي أعطيتك إياه، اكفر! هذا ليس أمر، وإنما هو تهديد: خليك على هي الطريقة من الكفر باللي أنا بنعم عليك وبعدين بتنسبه لغيري، فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. شوف الوعيد المخيف، شوف الوعيد المخيف.
ثم الله عز وجل يقول لكفار قريش مرة أخرى في قضية عبادتهم لغير الله والشرك عموماً: أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ. هل هناك حجة؟ والله نزلت عليكم السلطان، الحجة هي تتكلم بأن ما أنتم عليه من الشرك والله شيء صواب وحقيقي.
الله عز وجل عاد ليرينا نفسه: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ. ثم قال مثلاً في آية أربعين: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ. يا جماعة صحصحوا، الله لله الأمر من قبل، لله ليس لغيره.
لكن للاسف: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ. إصراركم على عقلية أنك تعبد الله في الضراء فإذا ارتخى الأمر وفرجت الكرب تعود إلى الشرك، إصراركم على منهجية الشرك ستسبب فساد ودمار في الأرض يعني في اليابسة وفي البحر، لأن الكون لا يصلحه إلا التوحيد ويفسده الشرك والمعاصي بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. مرة ثانيه أنظروا، انتبهوا، استيقظوا على أنفسكم حتى لا تقعوا في عاقبة الذين من قبل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ. اليوم الذي سيتصدع الناس فيه إلى شقين، وهذه مرة أخرى يذكر الله في هذه الفكرة قضية يوم القيامة؛ سينقسم الناس، لانه هناك من اتعض بايات الله الكونية وآيات الله المقروءة فاتعظ فاستقام للدين القيم وأقام وجهه لله وأناب لله كما طلب الله فهؤلاء سيكونون في روضة يحبرون كما في بيطلع سورة الروم.
وقال سبحانه، شوف التعبير الجميل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ. اللي بيعمل صالح، أنت بتقدم لنفسك، أنت بتمهد لنفسك مكان في الدار الآخرة: فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ. أنت عم بتجهز نفسك، بتجهز لنفسك بيت وقصر وجمال وراحة بتقدم.
وأما الذي كفر، هذا مسكين، مسكين الذي لا يستطيع أن يشاهد رب العالمين في هي السماوات وهي الأرض وفي هذه المخلوقات. وعاد ربنا ليخبرنا عن نفسه: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ. الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ. السنة هذه ما في خضرة، ما في فواكه. فانظر إلى آثار رحمة الله، كما أنها تدل على وجود الله أيضاً هي تدل من جهة أخرى قضية انزال المطر واخراج النبات هي أيضاً تدل على وجود الدار الآخرة. والله عز وجل يأتي بالدليل الواحد ليستدل به على أكثر من قضية، يستدل على وجود الله، قدرة الله، هيمنة الله، علم الله، صفاته، ويستدل فيه أيضاً على وجود الدار الآخرة.
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ.
طيب، بعد كل هذا التعريف واظهار المقدرة الإلهية، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. يوم القيامة بيستمروا في كذبهم وبقولوا يا رب نحن ما عشنا في الدنيا إلا ساعة. لا هو أنت عشت ستين سنة، أنت ما عشت الساعة، أنت عشت ستين سنة، لا تكذب حتى يوم القيامة! فربنا بيقول كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ يعني هي العادة فيهم في الكذب مش راضيين يخلوها حتى في الدار الآخرة. الإفك والكذب هنا يعني كمان يوم القيامة عم تكذبوا أمام رب العالمين وبتقولوا يا رب ما عشنا إلا ساعة في الدنيا مع انك عشت ستين سنة.
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ قالوا له أنتم كذابين: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ في كتاب الله يعني في قدر الله، أنتم ما عشتوا سنة، أنتم عشتوا ستين سنة، صح هي كنمح البصر بس هي ستين سنة، ما تكذبوا عن رب العالمين هذا يوم البعث وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. عشت مادي للدنيا فبالتالي أنت لما عشت المادية، دار الآخرة غابت عن ذهنك وعن بالك، ما كانت في سلم أولوياتك، إذا بك تتفاجا أمام مشهدها المهيب: فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ. يعني لا لو طلبوا العتبة وهي الرجوع إلى الدنيا ليصلحوا لا يستعتبون، لن نستجيب لهم طلبهم في اعادتهم للدنيا من اجل اصلاح الأوراق، لأنه الحياة فرصه واحدة، هكذا أراد الله أن تكون فرصة واحدة، يا بتنجح يا بتفشل، ولذلك القرآن والله عظيم انه بيذكرك انه هي فرصة واحدة، ما رح ترجع، ما رح ترجع: وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ رح تطلب ترجع، ما رح نرجعك، فمن الآن ضبط امورك.
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يا الله، كم في أمثال في القرآن، كم في مفاهيم، كم في أفكار من اجل استيقاظ الاذن. وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ. كل ما تاتيهم بايه: لا هذا باطل، هذا كلام مش صحيح الذي تقوله، هذا سحر، هذا افتراء، هيك قضيتوها في الدنيا! كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.
انت كداعية فاصبر، فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ كن واثق انه في دار آخرة وانه هناك إله وواثق بهذا الكتاب، وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ إياك أن يستخفنك اهل الضعف، ضعف الإيمان، الفتور الإيماني، الكفر، العناد، المنافقين، الحياة المادية، صخب الحياة، إياك أن يستخفك كل هذا الأمر فيجعلك تشكك بقضية الدار الآخرة أو تستهين بها أو تجعلها ليست على سلم أولوياتك.
جزاكم الله خيراً على هذا المجلس الطيب المبارك، مجلس قرآني في نهار رمضان. حقيقة أنا كنت ساقف اليوم ليكون آخر مجلس في رمضان لأنني سادخل في اعتكاف العشر الأواخر إن شاء الله، لكن حقيقة يعني اتيت على نفسي أن استمر في خلال العشر الأواخر في درس بعد صلاة العصر معكم، لو أنهينا في رمضان عشرين جزء من القرآن، واحد وعشرين، ممتاز، ويبقى يعني اجزاء يسيره نكملها بعد رمضان حتى تكون هذه السلسلة سلسلة كاملة.
وهذه السلسلة هو نوع من انواع المرور على القرآن الجملي، اسميه أننا نعم نمر على مفاهيم القرآن جملة، أنا مش عم بفسر تفسير لكل عبارة، أنا بحاول استثير معاني القرآن حتى نعيشها مع بعض، خاصة لأخواننا اللي يكون لك: أنا مش طالب علم وأنا مش متخصص في التفسير الجزئي، أنا بدي أفهم أجواء القرآن عامة. هذا النوع أظن يساعد كثيراً كثيراً على فهم أجواء القرآن العامة من خلال مرور. فبالتالي أنت لما بتقرا في رمضان وفي غير رمضان من خلال هذا الكلام الذي نستثيره، على الاقل يصبح عندك نوع من الاهتمام والاحتفاء، أنه والله أنا، اه والله فهمت هنا، الله يركز على القضية، هنا تركيز على القضية، هنا تركيز وهكذا.
نسال الله سبحانه وتعالى أن يبارك وأن يتقبل منا وأن يجعل أعمالنا خالصاً لوجه الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل