الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في رحلة الإنسان في القرآن؛ نكتشف ذاتنا، ونعرف غاية وجودنا، وما الذي يريده ربنا سبحانه وتعالى منا في ثنايا هذه الرسائل الإلهية. حديثنا أيها الكرام انتهى إلى الجزء العشرين، ووصلنا إلى سورة العنكبوت.
ونلاحظ أن هناك العديد من سور القرآن الكريم كانت بأسمائها؛ فعندكم هذه السورة جاءت على اسم العنكبوت، وهي إحدى الحشرات المعروفة عندنا، سورة النحل، عندنا سورة النمل، عندنا سورة الفيل. وبالتالي نلاحظ أن هذه الحيوانات، إنما كذلك أيضا عندنا سورة البقرة؛ عندما يختار اسم السورة ليكون على اسم كائن من الكائنات الحية، فهذا يدل أن هذا الكائن له رمزية واضحة في هذه السورة عليك أن تكتشفها.
يعني لا يمكن أن يكون تم اختيار اسم هذه السورة العنكبوت هكذا اعتباطا، لابد وأن له مركزية في هذه السورة، وكذلك سورة النمل، سورة الفيل، سورة البقرة، وهكذا. وهنا يأتي دور المتدبر القارئ لكتاب الله سبحانه وتعالى أن يحاول يعرف ما مركزية هذا الكائن الحي في هذه السورة.
هنا نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى تكلم عن العنكبوت في هذه السورة. وعند كثير من العلماء، وهم الجمهور، اختيار اسم السور كان توقيفيا؛ كان توقيفيا، أي النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر الصحابه أن يسموا هذه السورة بهذا الاسم، حتى ولو كان بعض السور لها عدة اسماء، لكن كما قال جمهور العلماء على أن أكثر أسماء السور توقيفية. وهذا بالتالي أيضا يفتح مساحة أكبر في عملية التدبر؛ لماذا اختير العنكبوت في الوحي الإلهي ليكون اسما لهذه السورة؟
حقيقة، هذا سيظهر معنا عندما نأتي إلى الآية التي ذكر فيها العنكبوت. لكن هذه السورة، عند علماء التدبر والسلوك، هي السورة المؤسسة لقضية واضحة في حياة الإنسان، وهي أنك أيها الإنسان المؤمن ستبتلى. هذه السورة جاءت لتركز على قضية كبرى في حياة الإنسان المؤمن الذي يسير في هذه الدنيا بعد أن أقر لله ربا، وشهد بشهادة التوحيد، واختار الإسلام دينا؛ تاتي هذه السورة لتخبره بحقيقه يجب عليه أن يوطن نفسه عليها، وأن يستعد لاستقبالها، وهي حقيقة الابتلاء: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَن الكاذِبِينَ.
هذه حقيقة عظمى، ويجب على الإنسان أن يستقبلها بكل رضا عن الله سبحانه وتعالى. الله يخبرك أيها الإنسان ما دمت اخترت الإيمان؛ اعلم انك ستبتلى، حتى يعرف معدنك، حتى يعرف هل أنت اخترت الإسلام فعلا بقلبك وروحك وهذا الإسلام متجذر، فأنت لست مستعدا أن تتخلى عنه أمام أي بلاء من بلاءات الحياة الدنيا؟ أم أنت أيها الإنسان ممن يعبد الله على حرف، ممن يعبد الله على جهة واحدة؛ إن أاصابته سراء شكر وعبد الله، واما إذا أوذي في هذا الدين وبتلي ترك هذا الدين وراء ظهره وولى مدبرا؟
ولقد فتنا الذين من قبلهم. إذا الله يخبرنا هنا أن هذه سنة إلهية، ليست مجرد حادث طارئ؛ البلاء هو سنة إلهية. ولقد فتنا الذين من قبلهم، وبالتالي أنتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم لستم بدعا من الناس، سيمر بكم نفس المنوال والمشوار الذي مر بالأمم السابقة، وبالتالي اعد نفسك لهذه اللحظة.
طيب، الله عز وجل حتى يسل قلبك، يعني بعد أن أعطاك هذه الحقيقة العظمى والتي قد تكون متعبة نفسيا لكثير من الناس عندما يسمع أنني ما دمت اخترت الإيمان سابتلى، الله عز وجل يرطب قلبك فيقول: مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ. الذي يرطب قلب الإنسان في ساعات البلاء وأمام حقيقة البلاء هو أنه يوقن كم هذه الدنيا صغيرة في حجمها، وكم هو لقاء الله عز وجل والأنس بالله في جنات النعيم عظيم.
فالله يقول لك أيها الانسان إذا كنت ترجو لقاء الله، وتطمح إلى جنات النعيم، وجعلت هذا نصب عينيك، فهذا هو الذي سيخفف عنك قضية البلاء، وستتقبلها ولن تعطيها مساحة كبيرة في قلبك، وتتعبك وتقلقك؛ لأنك لا تعمل من أجل الدنيا، أو لست متعلقا بالدنيا، أو الدنيا في وجهة نظرك محدودة جدا جدا مقابل الدار الآخرة. مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ.
وبالتالي كل بلاءات الدنيا ستهونه عليه، أما من كان متجذرا بهذه الدنيا، متمسكا بها، متعلقا بها، هذا الذي هذا الذي سيضخم عنده البلاء جدا، ولن يحسن التعامل معه. ثم الله عز وجل يعطينا قاعدة: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ. يعني لما ينزل فيك بلاء، وعندما تجاهد هذا البلاء وتصاب وترابط لآخر ساعة فيه، هذا كله من مصلحتك أيها الإنسان. وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ. يعني أنت هنا لا تنفع رب العالمين، أنت تنفع نفسك، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ. بدك تتقبل هذه الحقيقة.
الله سبحانه وتعالى يأمرك أن تجاهد، والمجاهدة أمام البلاء هي الخيار الوحيد أمامك، ولا يوجد أمامك خيارات أخرى إلا خيارات الهلاك والخسران. ومن صور الجهاد أو المجاهدة التي تعرض لها الصحابه الكرام في سبيل هذا الدين ما حدث مع سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه عندما أسلم سعد بن أبي وقاص؛ أمه قالت: والله يا بني لا أكل طعاما ولا أشرب شرابا حتى تعود عن دينك.
لاحظوا هذه محنة الأم التي هي أحب الناس إلى قلبك، تنظر على نفسها أنها لا تأكل ولا تشرب حتى تعود عن دينك وترتد عن الاسلام. هذه كانت محنة، والمحن كثيرة التي تعرض لها الصحابة. كيف كان موقف الصحابه في التعامل مع هذا البلاء؟ الله عز وجل وجههم فقال: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا. شوف آية ثمانية سورة العنكبوت: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا. شوف يا أيها الإنسان، شوف حتى اختيار كلمة الإنسان هنا: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ، ضع كلمة الإنسان عليها دائرة، أيها الإنسان ربنا عز وجل يطلب منك أنه لا تقصر مع والديك، هذه القاعدة العامة.
لكن، إذا كان الوالدان يريدان منك أن تخالف أمر الله وشرع الله، أو يريدان منك الردة أو الخروج عن الإسلام عموما: وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا. بدك تثبت أمام هذه المحنة. وهذا فعلا ما حدث مع سعد بن أبي وقاص عندما قال لامه: والله يا أمي لو خرجت روحك، لو خرجت روحك أمامي نفسا نفسا، لن أعود عن ديني. ولكن يعني كان حريصا أن يبرها، وأن يطعمها، وأن يشربها، وأن يضغط عليها في هذا الجانب، لكنه كان واضحا مع سعد بن أبي وقاص: لو خرجت روحك أمامي نفسا نفسا، لن أعود عن ديني. وكان نموذجا للإنسان الذي يتحمل البلاء الذي يتعرض له في سبيل دينه.
طيب، الله عز وجل يخبرنا عن نموذج من الناس ممن يعيشون في الوسط الإسلامي، وفي الصف الإسلامي، ممن يقولون آمنا بالله، لكنه في ساعة المحنة وفي ساعة الشدة عندما يتعرض للألم يختار أن يعود أدراجه إلى الوراء، ويرفض هذا الدين وينتكس: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ. في ناس هذا وضعها، فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ. بمجرد أن يؤذى في سبيل الله، أن يؤذى في سبيل هذا الدين الذي حمله في جوانبه: جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ.
إيش يعني جعل فتنة الناس كعذاب الله؟ يعني اختار أن يرتد عن دينه خوفا من فتنة الناس، خوفا من أذى الناس. طب أنت الان لما ارتددت عن الدين خوفا من فتنة الناس، أنت ورطت نفسك في شيء أصعب، وهو عذاب الله يوم القيامة. فعليا أنت لما ارتددت عن دينك، أو انتكست، أو تركت طريق الاستقامة بسبب الأذية التي تعرضت لها في هذا الطريق، جعلت هذه الأذية التي تعرضت لها من الناس جعلتها في عينك وفي قلبك مساوية لعذاب الله يوم القيامة، لدرجة أنك حكيت: يلا مش مشكله، باخذ عذاب الله يوم القيامة مقابل أنه الناس لا تفتنني في الدنيا.
طب هل هذا مقياس صحيح؟ طب فتنة الناس لك في الدنيا مهما بلغت شدتها، لو أنهم وضعوا المنشار على رأسك وقسموك قسمين، لو أنهم أتوا بأمشاط الحديد أزالوا اللحم والعظم، لو أنهم فعلوا ما فعلوا وأحرقوه بالنار؛ مهما أوديت في سبيل هذا الدين، هل فتنة الناس وأذى الناس لك أيها المؤمن يساوي غمسه في عذاب جهنم؟ والله لا يساويها. هكذا تعلمنا من القرآن.
وبالتالي النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا: كان من من الامم قبلنا من اهل الإيمان من يوضع المنشار على رأسه فيفرق قسمين لا يصده ذلك عن دينه، وكان من الأمم قبلنا من توضع أمشاط الحديد فيفصل بين لحمه وعظمه لا يصده ذلك عن دينه. هذه النماذج الناجحة، هذه النماذج الثابتة أمام هذه المحن والبلايا؛ من أسباب ثباتها أنها قارنت، فقالت: عذاب الدنيا عذاب محدود زائل، وعذاب الله عذاب مستقر دائم؛ هذا من حيث الدوام والاستقرار ومن عدمه، فضلا أن عذاب الدنيا هو لا يساوي شيئا أصلا أمام عذاب الله من حيث الشدة والقوة.
فنار الدنيا هي عبارة عن جزء من سبعين جزء من نار يوم القيامة، فلو أنك أحرقت في نار الدنيا إحراقة، فهذا أهون عليك والله من أن تحرق في نار جهنم ولو غمسة واحدة. هذه المقارنات يجب أنها ترسخ في عقليّة الإنسان المؤمن حتى يثبت أمام أي محن تصيبه. المحن قد تكون أمراض، وقد تكون تسلط الكافرين على المسلمين كما يحصل مع إخواننا في غزة فرج الله كربهم، كما يحصل مع إخواننا في السودان، كما يحصل مع إخواننا في الشام.
احذر مهما تعرضت لفتنه في دينك وبلاء؛ احذر أن يكون قرارك هو الردة، احذر أن يكون قرارك هو التراجع، احذر أن يكون قرارك الانتكاس. نعم، الله سبحانه وتعالى يعني إذا نطقت بالكفر فقط حتى تصرف الكفار عنك وقلبك مطمئن بالإيمان يسامحك، لكن المهم ألا تختار الردة والانتكاس وعدم سلوك درب الاستقامة مهيا عن وطريقه.
لذلك الله عز وجل يخبر: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ. هذول نفسهم، هؤلاء المنافقون اللي لما أوذوا شوية في سبيل الله رفعوا الراية البيضاء واستسلموا للكفار ودخلوا في سلكهم؛ إذا نصر الله المسلمين في جولة من الجولات وفي صولة من الصولات، تجدهم أيضا يذهبون إلى المؤمنين يقولون: إنا كنا معكم، طرحنا الحمد لله في صفكم ونقف تحت رايتكم.
شوف هذه الصفة في المنافقين! الله عز وجل تكلم عنها كثيرا كثيرا في القرآن، أن المنافق ذو وجهين، يحاول أن يرضي الكفار حتى يتخذ عندهم وعلا يحمونه بها، ويحاول أن يكون أمام المؤمنين هكذا ودادا لهم يظهر لهم أنه معهم وفي صفهم حتى لا أيضا يقتله أهل الإيمان. ربنا في سورة النساء ماذا يقول عن حالهم: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ.
في ناس في المجتمع المسلم هذا حالهم، مش مستعدين يتحملوا أذى، فبحاولوا يكونوا مع كل الأطراف: مع الكافرين ومع المؤمنين. مع الكافرين إذا كانت الجولة للكافرين يقول الكفار: احنا معكم، اعطيناكم معلومات عن هؤلاء المؤمنين، استخبرنا لكم كل شيء، زودنا فيه؛ هيك ظنوا أنهم سيكون لهم حظوة عند الكفار. إذا شافوا أن المسلمين تقدموا وأن الصولة لهم، أاتوا على المسلمين وقالوا: ترى احنا حمست الناس وشجعناهم وجمعنا لكم صدقات وأموال. يحاولون أن يلعبوا على كل الأطراف والأوتار، وهذه صورة من النفاق يبغضها الله تمام البغض.
حدد موقفك ابتداء، حدد اصطفافك ابتداء، لا يقبل الله سبحانه وتعالى منك أن تلعب على كل الأوتار. أنت يجب أن تحدد هل ستكون مع أولياء الله أو مع أولياء الشيطان؟ هل ستكون مع حزب الله أو مع حزب الشيطان؟ أما المواقف الهزيلة غير الواضحة اللي بتحاول فيها تضمن نفسك على كل الجبهات، هذه صفات المنافقين؛ لأن الله سبحانه يريدك أن تبتلى وأن تتحمل البلاء مرضاة له.
هذه حقيقة في القرآن الكريم؛ الله سبحانه وتعالى يريد أن يبتليك يا أيها المسلم، ويريد منك أن تثبت أمام هذا البلاء؛ لأن هذا هو طريقك، وهذا المهر الذي ستقدمه للجنة. يعني هل تظن أن الجنة عرضها السماوات والأرض، بما فيها من القصور والانهار والجمال والكمال، ستدخلها هكذا بدون تعب بدون بلاء؟
أعطيك مثالا يعني حتى تنظر في حال الدنيا: تخيل أن إنسانا في الدنيا بنى قصرا ضخما عظيما، وحوله من البستان والأنهار والازهار والحياة الجميلة، ووضع فيه من اللذاذ ما وضع، ثم قال للناس: تنافسوا، والذي يعني يقدم علامة جيده أو يقدم مستوى جيد سأعطي هذا القصر بما فيه.
بالله عليكم، هل يعقل أن هذا القصر بكل ما فيه من الجمال والروعه يعطى بدون هكذا منافسة وبدون امتحان يتميز فيه السابقون السابقون والمبادرون المبادرون وأصحاب السبق؟ أنت نفسك ستجيب: ليس من الحكمة، ليس من الحكمة أصلا أن كل هذا الجمال والكمال والتمام يعطى لإنسان لم يبذل جهدا، ولم يتحمل التعب والمرارة من أجل الوصول إلى هذه الواحة الغناء.
فما بالكم بجنة عرضها السماوات والأرض، الله عز وجل وضع فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ ليس من الحكمة فعلا أنها تعطى هكذا للنائم والكسول والبطال، ولاصحاب المواقف الهزيلة والمشوهة، ولمن لا يريد أن يدفع.
الثمن لا، إلا أن سلعة الله غالية، إلا أن سلعة الله الجنة. هذه جنة عظيمة جداً جداً، فيها أمور أنت لا تستطيع تتخيلها، فليس من الحكمة أن تعطاه هكذا وأنت كسور بطال هزيل مهزوز غير صادق في إيمانك بالله سبحانه وتعالى، ولست مستعداً لأن تضحي من أجل مولاك. الله يريد منك التضحية تماماً، فلا بد تكون مواقفك واضحة، وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ.
طيب، هنا الله عز وجل أراد أن يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم ويعطي المؤمنين نماذج من الصابرين أمام البلاء، نماذج لصابرين أمام البلاء، وكانت هذه النماذج في هذه السورة من الأنبياء؛ فهنا ابتدأت السورة بسيدنا نوح الذي صبر أمام بلاء قومه تسعمئة وخمسين سنة. ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه. يا رب، كان النت راجع عاد بس عاد بصورة صغيرة، ما أدري شو المشكلة الأنك اتصال طيب الغينا الاتصال.
طيب، هل الصورة جيده؟ ما أدري لماذا هي الصورة هكذا. يا رب هكذا عادة جيدة، تمام تمام. طيب، معذرة إذا نعود نعود معذرة على انقطاع النت، الشبكة ليست جيدة في هذا المكان.
المهم، الله سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا نماذج من نماذج الصبر؛ فمن أبرز نماذج الصبر سيدنا نوح عليه السلام. ونلاحظ هنا أن الله عز وجل أراد أن يعطيك حجم صبر سيدنا نوح أمام بلاء قومه تسعمئة وخمسين سنة، سيدنا نوح يؤذى من قومه ويهددون بالرجم كما ورد في سورة الشعراء، وبالآخر وبالطرق، كل هذه المعانده وهذا الاستهزاء وهذا التخويف وهذه الأذية. أنت متخيل تسعمئة وخمسين سنة؟
بعض الناس اخواني ترى هو غير مستعد يستحمل الأذية لمدة شهر، شهرين، ثلاث، أو سنة، سنتين، أو ثلاثين، أو خمسين سنة. سيدنا نوح يصبر أمام بلاء قومه تسعمئة وخمسين سنة، لم تفتر همته صلى الله عليه وسلم وبقي يجاهد في سبيل هذه الدعوة، رب إنّي دعوت قومي ليلًا ونهارا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، حتى شكى إلى ربه فقال أني مغلوب فانتصر.
طيب، وكانت النهاية والعاقبة له؛ ترى لأن الله عز وجل يريد أن يخبرك أنه نعم أنت أيها المؤمن تتعرض للبلاء وتؤذى في سبيل الله وتؤذى في سبيل هذه الدعوة، لكن الله ينجي، فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ. فالله عز وجل هو لا يريك فقط مشهد البلاء، بل يريك أيضاً مشهد النجاة من البلاء، وأن الله سبحانه وتعالى يسخر لعباده المؤمنين بعد طول المصابرة والرباط منفذاً ومخرجا وملجأ، فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ.
نموذج آخر، نموذج إبراهيم عليه السلام، وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. وتكلم معهم بنقاش طويل، وفي ضمن النقاش كان في استطراد طبعاً تذكير الناس بقضية الدار الآخرة، وهذه جمالية القرآن أنه بيكون يتكلم في محور معين فيأتي استطراد في فكرة جوهرية أساسية يذهب القرآن يعالجها ثم يعود إلى جسد السورة؛ فمثلاً هنا أولم يروا كيف شوف آية تسع عشرة كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَمَا أَنتُم بمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَّلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مُم رَحْمَتِي.
أنت بتشعر يعني ضمن جسد السورة أنه هذا من نقاشات إبراهيم عليه السلام مع قومه، لكن هنا كما قلنا القرآن أسهب في هذه الجزئية؛ لأن موضوع الدار الآخرة من أكبر المواضيع المشكلة في تاريخ البشرية وهي من أخطر الأمور، بل هي بعد وجود الله سبحانه وتعالى أعظم حقيقة، بعد وجود الله وتوحيده هي حقيقة الدار الآخرة، ولذلك القرآن كلما وجد فرصة ليعالجها ويؤكد ويقيم البراهين عليها يأتي ليعالجها ويخوف ويحذر من عدم الاكتراث بالدار الآخرة، يحذر من هذه القضية.
المهم، ماذا حصل؟ سيدنا إبراهيم ابتلي، فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه. سيدنا إبراهيم أقمت له نار ضخمة جداً جداً، وحاولوا أن يلقوه فيها، وهو بين السماء والأرض يأتيه جبريل فيقول له: هل لك حاجة؟ قال إبراهيم: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم، حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنقذه الله من النار.
يا رب هكذا أظن جيد، بسم الله. يا رب، بسم الله، يا رب.
طيب سامحونا يعني نسدد ونقارب، الله يكرمكم.
إذاً، سيدنا إبراهيم عليه السلام كما قلنا أيضاً نموذج من النماذج الذي تعرض للبلاء الشديد، فنجاه الله من النار، الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تسمع كلمة فنجاه، يريد منك أن تسمع كلمة فنجاه حتى تعلم أن عطاء الله كبير بعد البلاء، أن عطاء الله كبير بعد البلاء، لذلك حتى في آية سبع وعشرين وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذَرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. شوف حجم العطاء الإلهي لسيدنا إبراهيم بسبب ثباته أمام هذا البلاء العظيم.
وهنا إخواننا الكرام اريد أن أنبه على قضية، الله عز وجل في كثير من القرآن، من آيات القرآن الكريم لما يعطينا صور البلاء التي وقعت للأنبياء والصالحين يعطيك صور النجاة مباشرة لتوطن قلبك أنه بعد العسر هناك يسر، وبعد الشدة هناك فرج، لكن في بعض الختامات كان الفرج ليس هو أنه نجا في الدنيا، بل الفرج أنه نال الشهادة في سبيل الله، مثل صاحب قصة ياسين وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. هذا الرجل ماذا كانت ختامه؟ النجاة بالنسبة لهذا الشخص كانت أن يموت شهيداً، أن يموت شهيداً ويرتقي إلى الله سبحانه وتعالى.
مثلاً بالنسبة لأصحاب الأخدود في سورة البروج، الكمال والتمام لهم كانوا أن يموتوا شهداء في سبيل الله، وبالتالي يعني يجب أنك توطن نفسك أن الله عز وجل سيجعل لك من هذا البلاء فرجاً ومخرجاً بالطريقة والصورة التي يختارها الله سبحانه وتعالى لك، وليس بالصورة التي أنت تختارها لنفسك.
يعني في كثير من قصص الأنبياء كان فعلاً هناك نجاة حقيقية في الدنيا، وهذا هو الأكثر، لكن في بعض الأحيان تكون النجاة والختار والاصطفاء الإلهي لك أن تموت شهيداً، وهذا هو نجاة لك، وإن كنا نحن في الحسابات الدنيوية لا نرى هذا نجاة، نراها والله خسارة، مات خسارة، ذهب، بس في معايير القرآن الكريم وفي المعايير الإلهية هي ليست خسارة؛ لأنك ما دمت مت على مبدأك وعلى دينك واختارك الله شهيداً لديه واصطفاك، فهذا والله جمال ونجاة أنك لم تمت على الكفر ولم تمت على الردة ولم تكن من الذين إذا أُوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله.
باختصار، ما أفهمه من القرآن أن النجاة الحقيقية هي أن تنتهي هذه الحياة وأنت موحد لم تخن دينك، وأما قضية أنك تحصل أمان في الدنيا وتنجو بالنجاة الحسية أو أنك تموت شهيداً هذه أمور أخرى يحبها الإنسان ويطمح لها، لكن ليس بالضرورة أن تحدث دوماً؛ فالله عز وجل يصطفي شهداء ويختار، وبعض الناس يبتلى إلى أن يموت، وبعض الناس الله عز وجل يجعل له فرجاً ومخرجاً وينجيه الله سبحانه وتعالى من كربه ويسر له أموره؛ فأنت وطن قلبك أن النجاة الحقيقية الحقيقية هي أن أنجو من النار، وهذه معادلتها واضحة: الثبات ثم الثبات ثم الثبات حتى ألقى الله عز وجل وأنا موحد، وأما أمور الأقدار وهو هل أنني سانجو في الدنيا فعلاً أم أنني سأرتقي شهيداً عند الله سبحانه وتعالى؟ أنت تدعو الله بالعافيه وتدعو الله بالفرج وتدعو الله بالتيسير، لكن داعي الله سبحانه وتعالى بعد أن تفوض الأمور إليه، دعي الله عز وجل هو الذي سيختار ما هو الأصلح لك وما هو الخير لك.
لأننا إذا فقط ركزنا على قضية النجاة الحسية سنصاب، كما قلنا في سورة ياسين أن صاحب ياسين لم ينجو النجاة الحسية، وسنصاب في سورة البروج أن أصحاب الأخدود استشهدوا في سبيل الله وكل أهل قرية أحرقوا؛ فبالتالي بيصبح بعض الناس يقول طب مش نحن حكينا أن اللي بيثبت على دينه ربنا راح ينجيه؟ هنا بيجي دور أن نصوغ المفاهيم الصحيحة: ماذا قصدك أنه ربنا راح ينجيه؟ نحن بنحكي: اللي يثبت على دين الله عز وجل سينجيه من النار وسيجعله من أهل السعادة الأبدية، وأما قضية النجاة بالمعنى الحسي الدنيوي تحصل كثيراً كثيراً كثيراً، كما صار مع سيدنا نوح وسيدنا إبراهيم والقصص الأخرى، ولكن في بعض الأحيان قد لا تحصل وقد تكون شهيداً وترتقي عند الله ويكون هذا هو النجاة لك، وأنك لو بقيت في هذه الدنيا وشفيت من هذا البلاء قد يعلم الله عز وجل في علمه أنك سترتد أو أنك ستتعرض لفتنة أخرى تهزك، أو أنك ستعود سترد على عقبيك في موقف آخر؛ فهذه المفاهيم يجب أن تكون واضحة عند المسلم عموماً.
طيب، مثال آخر لأهل بلاء ونجاة، لوط وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجَالَ، كانوا قوم فُحش.
جاءت الملائكة إلى إبراهيم ثم جاءت إلى لوط كما جاء في آية واحد وثلاثين واثنين وثلاثين وثلاثة وثلاثين وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزِنْ. هو سيء بهم وضاق بهم ذرعاً؛ لأن الملائكة جاءت بصورة جميلة، وقوم لوط قوم والعياذ بالله كانوا يفعلون الفاحشة مع الرجال؛ فسيدنا لوط شعر بالاحراج وضايق أن هؤلاء ضيوفي سيعتدي عليهم، فالملائكة أخبرته أننا لسنا ضيوف بالنوع الاعتيادي، نحن ملائكة، إنَّا منجوك وأهلك. شوف كلمة النجاة، واضح أنها كلمة في سورة العنكبوت متكررة، يريد الله عز وجل منك أن تشاهدها كلمة النجاة إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ إلا طبعا المرأة التي أصرت على الكفر مواطنات كانت من الغابرين.
ثم قال سبحانه وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. ونفس الشيء وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا. طب ماذا حصل مع القوم المكذبين؟ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ. ونجى الله شعيباً، والقصص كثيرة، وعاد وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، وقارون وفرعون وهامان وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّن أَاخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّن خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّن أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
حقيقة في ثنايا قراءتنا لهذه القصص قصة نوح، قصة إبراهيم، قصة شعيب، قصة عاد وثمود، وذكر قارون وفرعون وهامان، وأنواع العذاب والهلاك الاستئصالي الذي تعرض له هؤلاء، تاتينا فكرة مهمة وهي أن الله عز وجل في سورة العنكبوت لا يريد فقط أن يرينا نماذج صبر الأنبياء فقط كنماذج صبرت وثبتت ونجت، لا، هناك أيضاً مشهد آخر يريد الله عز وجل منك أن تراه وهو أن كل الأمم الكافرة، كل الأمم الكافرة التي كادت ووقفت في وجه الدعاة والأنبياء كيف أهلكها الله سبحانه وتعالى وكان تامرهم الذي نسجوه، مفصل السورة؛ يعني نوح عليه السلام جلس مع قومه تسعمئة وخمسين سنة، ماذا حصل مع قومه بعد ذلك؟ أغرقوا تماماً. سيدنا إبراهيم أيضاً نجى من ويلات قومه مرات ومرات، وأهلك الله عز وجل الذين كذبوا ووقفوا في وجهه. سيدنا شعيب، سيدنا لوط، قارون وفرعون وهامان مع سيدنا موسى، قَالَ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ، وكان الله عز وجل في هذه الآية الجامعة لأشكال العذاب يريد أن يريك أنماط العذاب المتعددة: مِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا، وَمِنْهُم مَّن أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُم مَّن خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُم مَّن أَغْرَقْنَا. تعددت صور الهلاك والعذاب الإلهي الذي نزل بهؤلاء الجبابرة.
فالله يريد أن يقول لك أيها الإنسان: شوف حدد اصطفافك، فإن تواطؤك مع الكافرين وخيانتك لهذه الأمة ومحاولتك أن تجد لنفسك مخرجا من خلال الخيانة والنفاق والله لن ينفعك؛ فهؤلاء القوم الجبابرة كل ما بنوه من مؤامرات ضد أنبيائهم كانت أضعف من بيت العنكبوت، وكل من سيوالي الكفار حديثاً هو يتكئ ويرتكز على ما هو أضعف من بيت العنكبوت، مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا. يقولون العنكبوت سواء كأسرة أو كبناء العنكبوت كأسرة أو كبناء بيت مهزوز ضعيف جداً، ويقولون بيت العنكبوت أنت لا تفكر في بيت عنكبوت فقط بالخيوط، لا لا، اقرأوا يعني بعد انتهاء الدرس افتحوا وتعلموا كيف هذه الأسرة ياكل بعضها بعضا، كيف هذه الأسرة ياكل بعضها بعضاً!
وكان الله يقول لك أنت إذا اتكلت على الكافرين وواطأت إليهم خوفاً من الدوائر ترى أنت تاتي إلى بيت العنكبوت وهؤلاء الكفار سياكلونك ويهضمونك، وياكل بعضهم بعضاً كما قال سبحانه في سورة الأنعام وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا أي يسلط الله ظالماً على ظالم وكافراً على كافر، وهذا أملنا بالله سبحانه وتعالى؛ فالله عز وجل قادر أن يسلط روسيا على أمريكا ويسلط أمريكا على فرنسا ويسلط فرنسا على بريطانيا وتصبح بينهم حروب عالمية ويهلك بعضهم بعضاً، هذا هو بيت العنكبوت، بيت العنكبوت ليست فقط تلك الخيوط الهزيلة بل الهزال أيضاً في طبيعة هذا المجتمع، المجتمع المتاكل الهزيل، بخلاف النحل الذي ضربه الله سبحانه وتعالى مثال للمجتمع المتماسك والنمل المجتمع المتماسك، لكن العنكبوت مجتمع هزيل ضعيف.
احذر أيها الإنسان المؤمن أنك تضعف أمام البلايا والمحن وتقرر أن تذهب إلى بيت العنكبوت وتعيش في رحم الكفار وأعداء الأمة وتظن أنهم سيرعونك، سياكلونك، سيدوسونك لأنك خائن، وهذه هي نهاية الخائنين في ميزان الله سبحانه وتعالى يقول سبحانه إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِ مِن شَيْءٍ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ. يعني ربنا عز وجل بيقول لك العنكبوت هذا المثل فهم تطبيقاته في واقع الحياة الإسلامية المعاصرة، هذا لا يعقله إلا عالمون متدبر متفكرون، وهذا ما كثير ما نقرأ.
هذه الآيات ونمر عليها سريعا بدون استخراج ما فيها من الأفكار التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تصل إلينا.
طيب، هنا في آية 45: الله عز وجل يأمر الإنسان بقضية مركزية؛ تتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة. إذا الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نتلو القرآن، فتلاوة القرآن هذه ليس فقط شيء كمالي أنت تفعله والله شيء يعني جميل تتفضل به، هو أمر من الله لي ولك: تتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة. هذان أمران واضحان للانسان.
والله هنا يخبرك عن فائدة الصلاة وانعكاسات الصلاة في حياتك؛ الصلاة التي ملؤها الخشوع وملؤها الخضوع لله سبحانه: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. ولذكر الله أكبر، يعني ذكر الله سبحانه وتعالى أكبر من ذكر أي شيء. الله سبحانه وتعالى يجب أن يكون ذكره هو أكبر شيء في قلبك، أكبر شيء في حياتك، ولا تجعل ذكر الله وأمور الدين والأمور الإلهية على الهامش تفعلها فقط في وقت الراحة والسعة، وفي وقت الشده وفي وقت أو صخب الحياة العام يأخذك بعيدا عن الله سبحانه.
ثم قال عز وجل: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم. في هذه الصفحة الله عز وجل يريد أن يبين مركزية القرآن، لأنه هو في آية 45 قال: تتل ما أوحي إليك من الكتاب. الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبرك قيمة هذا الكتاب.
فقال في آية 47: وكذلك أنزلنا إليك الكتاب كما أنزلنا يعني على موسى وعيسى والرسل الأقدمين كتب، كذلك أنزلنا إليك الكتاب، فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به، ومن هؤلاء من يؤمن به يعني بعض بني إسرائيل يا محمد صلى الله عليه وسلم سيؤمنون بهذا الكتاب الذي بين يديك، ويعلمون أنه مصدق للكتب السابقة، وبعضهم سيبقى معاندا مصرا على جحود هذا الكتاب، والله عز وجل يقول: وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون.
طب من أكبر الأمور التي تدل على مصداقية هذا الكتاب الذي جئت به أنك يا محمد صلى الله عليه وسلم ما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، ترى أنت رجل أمي لا تقرا ولا تكتب، فلا يمكن أن تكون هذا الكتاب أنت ألفته أو أنت صغته أو أنت خططته، فأنت لم تقرا شيئا من الكتب السابقة ولا تخط يمينك شيئا.
طيب إذا لارتاب المبطلون، يعني بتعرف لو كنت تقرا الكتب السابقة أو لو كنت تكتب لارتاب المبطلون وزادوا نقاشا وجدلا في أن هذا الكتاب أكيد أنت ألفته فأنت قارئ أو كاتب. طب جاءكم نبي لا يقرا ولا يكتب حتى ننفي أي شك أو ريب عن مصدرية هذا الكتاب، ومع ذلك بقي الكفار يجادلون، فالله يقول: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم. الذين يستعملون أدوات العلم الصحيح هم يعرفون أن هذا القرآن الكريم آيات بينات واضحات وليست مفتريات. اللي بفكر بشكل صحيح في القرآن يدرك مصداقية هذا القرآن الكريم.
وأما الذي يبقى يعاند ويحاول أن يطرح شبهات، شوف الشبهات لن تنتهي وستبقى تطرح شبهات إلى أن تموت ولن تصل إلى حقيقة. استعمل أدوات المعرفة الصحيحة، وهذا الوحي الإلهي هو من عند الله سبحانه وتعالى حقا ويتضمن كل ما فيه سعادة للإنسان.
الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقراه. الكفار كانوا كثيرا ما يطالبون النبي صلى الله عليه وسلم: طب جيب لنا آية كذا، طب جيب لنا آية كذا، طب نريد آية في سياق كذا، طب نريد في سياق كذا. فالله عز وجل أخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم عفوا ليس المطلوب من تحقيق الأمنيات لكم، آية واحدة تدل على مصداقيته تكفي وتقوم بها الحجة عليكم، ثم بعد ذلك كل منكم يعني سيلقى الله عز وجل ويحاسب على اختياراته، فقال سبحانه: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم.
وقالوا: لولا أنزل عليه آيات من ربه؟ قل قل لهم: إنما الآيات عند الله، يعني الله هو الذي يأتي بالآيات في الوقت الذي يشاء وبالكيف الذي يشاء، وإنما أنا نذير مبين. أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم؟ إيش يريدون آية اعظم من هذا الكتاب الذي أنزل عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم؟ أكبر معجزه في التاريخ البشري هو هذا القرآن الكريم، كلام من الله سبحانه وتعالى معجز تحداهم به ولم يستطيعوا الاتيان بأدنى سورة منه، إن في ذلك لرحمة وذكري لقوم يؤمنون.
دائما الله عز وجل يخبرنا من الذي فعلا يستفيد من القرآن ويستثمر القرآن، لذلك في الآية السابقة: آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم. طيب القرآن فيه رحمة وذكرى لقوم يؤمنون. وهكذا، فالله يخبرك ليس كل الناس فعلا يستفيد من القرآن، وليس كل الناس يستثمر القرآن بالشكل الصحيح.
قال: ويستعجلونك بالعذاب. كفار قريش ما زالوا يستعجلون بالعذاب مع أن الله قص عليهم قصة نوح وقوم إبراهيم وقوم لوط وقوم شعيب، وماذا حصل مع قارون وفرعون وهامان. ومع ذلك كل هذه العبر وكل هذه القصص والتي يرونها في القرآن ويرونها يشاهدون هذه الديار التي أهلكت، لم تجعلهم يتعظوا، وما زالوا يستعجلون بالعذاب، فالله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب، لولا أن الله عز وجل وضع لكل شيء قدرا ولكل أجل كتاب وأن النهايات لها أوقات معلومة، وإلا لكان الله عجل لهم بالعذاب وأهلكهم بغته وهم لا يشعرون.
طيب هنا الله عز وجل أيضا يعطي نصيحة للمؤمنين الذين يخشون من بلاء الكافرين وتسلط الكافرين عليهم، يامرهم بالهجره من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فيقول سبحانه: يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون. اعبدوني في أي مكان يتاح لكم أن تعبدوني فيه. أنت في الدنيا مش المهم رزقك وأمانك، مجتمعي وسعادتك ورفاهية الحياة، المهم أن تستطيع أن تعبد الله كما أراد الله.
وهذه قضية مهمة جدا إخواني وأخواتي، وهي قضية ماذا؟ كثير من اليوم يقرر السفر إلى بلاد الكفار ليعيش بين ظهرانيهم وهو يعلم أنه يعرض دينه ودين أبنائه للخطر، ويعلم كم حجم المدخلات الفاسدة والمناظر القبيحة والدعم الذي يدفعه والضرائب التي يدفعها لهؤلاء الكفار يتقوون بها على أهل الإيمان.
فاذا سالت هذا الشخص: طب انت لماذا تعرض نفسك للفتنة وتعرض أولادك للفتنة في المجتمعات الكافرة وتدفع الضرائب لهم وتعيش بين ظهرانيهم وتعزز اقتصادهم وتقيم في هذه الديار الكافرة؟ بقول لك: يا شيخ، والله الحياة في الغرب أسهل وأيسر وسبل الحياة المرفّهة موفرة. شوف شوف انتم في بلادكم، شوف الطرقات كيف تكون مكسرة، شوف القمامة كيف تكون على جوانب الطريق، شوف يا اخي إذا بدك تعمل معاملة في دائرة من الدوائر الحكومية شوف كم تاخذ وقت، بينما في الغرب في كبسة زر واحدة يا اخي تجد كل المعاملة جهزت وانتهت.
آه، شوف الذي يتكلم بهذا المنظور معك وهذا المنطق، أعلم أن هذا الشخص جعل دينه مرتبة ثانية في حياته. هو المهم عنده في الحياة سعة الرزق، الحياة المرفهة، سبل الحياة المذللة، المهم أن يكون سعيدا طعاما وشرابا وملذات وشهوات والأمور ميسرة له على أقصى الدرجات، بعد ذلك يأتي قضية الدين عنده.
أما أهل الإيمان الذين يقرؤون القرآن ويفهمون رسائل الله، يعرفون أن الله عز وجل لا يريد ذلك من الإنسان، بل يريد من الإنسان أن يجعل الدين هو رقم واحد، وقضية سبل الحياة الميسرة والمدللة هي رقم اثنين. فهنا أنت بدك تشوف نفسك أنت إيش أولوياتك؟ كيف سلم الأولويات في قلبك؟ هل جعلت الله والدين هو رقم واحد، وبالتالي كل شيء يمكن أن يمس جناب دينك أو يمس جناب إيمانك بالله عز وجل مستعد أن تضحي به مهما بلغت ثمنا؟ هذا جزء من التضحية والبلاء، احنا قلنا سورة العنكبوت سورة البلاء: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ من فتنة الله لك أنك تجد سبل الحياة توفرت لك في بلاد الكفار، وتجد الحياة صعبة في بلاد الإيمان أو عند المسلمين.
طبعا لما نقول يا شيخ بعض الناس سيقول: يا شيخ هي بلاد المسلمين اليوم هي بلاد إسلامية؟ طب انت شايف المعاصي والاختلاط والحياة الفاجرة وتسلط الظالمين؟ نقول: مهما بلغ في بلاد المسلمين من المعاصي والذنوب والتقصير والاخلال بكثير من الأحكام الشرعية، يبقى أن جل المجتمع مسلم، ويبقى أنك تشاهد المآذن والمنابر والصلوات والأعياد وأن المدخلات عموما أنك تستطيع تضبطها وتحكمها بشكل كبير جدا. فهي في النهاية بلاد إسلامية باعتبار جمهور القاطنين فيها وباعتبار ظهور شعائر الإسلام فيها، مع ما يوجد من التقصير والخلل والأحكام غير المطبقة في كثير من الزوايا.
لكن لا يجوز أبدا أن تقارن بلاد الكفر بكل ما فيها من المسخ والفحشاء والفجور والتنية وتنحيه كل القيم والأخلاق، وليس فقط الدين، الناس كل القيم والأخلاق بالمجتمعات المسلمة بحجه وجود شيء أو أشكال من القصور فيها. فمن البلاء لك، برجع بقول، أن الله عز وجل يوفر لك أو يهيئ لك حياة رفاه في بلاد الكفار وتجد الحياة فيها نوع صهوبة في بلاد الإيمان أو عند المسلمين، فهنا سياتي محك من محكات حياتك: بماذا ستضحي؟ هل ستضحي بدينك وتجعله هو رقم اثنين وتقول لا أنا بدي حياة واسعة مرفّهة وبالتالي سانتقل لأعيش بلاد الكفار؟ أم ستضحي بالحياة المرفّهة وتقول ديني أغلى ما أملك ودين أولادي أغلى ما أملك ودين أحفادي أغلى ما أملك؟ لن أكون يا رب سببا في نشوء شتلة كافرة في بلاد الكفار.
أنت متخيل لما أنت تنتقل إلى بلاد الكفار، ممكن أنت أبنائك نوعا ما نوعا ما تحافظ عليهم، عند بعضهم، عند بعضهم، لكن أحفادك سيخرجون عن سيطرتك، وأحفاد أحفادك سيخرجون أكثر وأكثر، وستكون سببا عند الله سبحانه وتعالى في نشوء شتلة الكفر في ذريتك ونسلك. تخيل يوم القيامة لما تيجي وتلاقي والله حفيدك، إيه، طلع حفيدي كافر؟ ليه؟ والله لأنه جدي أخذنا لبلاد الكفار وعيشنا هناك، قال لنا: يلا مش مشكلة، بتتحملوا وغضوا بصركم وأنتم كونوا أقوياء أمام هذه الفتن، بس الحمد لله هي شوفوا الحياة المها والخل الرحب وانظروا إلى المعاملات السهلة وانظروا إلى الجمال والخضار خلونا عايشين هنا، وإن شاء الله بنحاول نثبت.
شوف هذا الكلام اللي بيشعلك بالاستهتار وعدم الاكتراث وعدم الاهتمام بدينه ودين أبنائه ودين أحفاده، ستدفع الثمن يوم القيامة.
فالله عز وجل هنا يخبر الذين يفكرون بالهجره إلى بلاد الإسلام، لكن عائق الرزق عم بشكل عندهم يعني شيء مقلق ومخيف، فالله يقول لهم: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون. وكأين من دابة لا تحامل رزقها، الله يرزقها وإياكم.
الله عز وجل يعلم أن الناس إنما يعيشون في بلاد كفار ويرفضون الهجرة إلى بلاد المسلمين أكثرهم بداعي الرزق وسهولة الحياة، فالله يقول: شوف الجنة فيها غرف لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار. هي الغرف لمين؟ للعاملين، نعم أجر العاملين، للمضحين، للي بده يدفع الثمن، للي بده يتحمل ضيق الحياة في الدنيا من أجل غرف واسعة في جنات النعيم، للذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون.
وربنا طمنك: وكأين من دابة، يعني كم من كائن حي على وجه الأرض لا تحامل رزقها؟ يعني يوميا ما فيش عندها ادخار. كم من كائن حي لا يستطيع أن يدخر، وإنما يبحث عن رزقه يوما فيوم مثل الطيور. الطيور لا تدخر، وإنما تستيقظ الصباح تغدو خماصا جائعة وتعود إلى بيوتها ماذا؟ في نهاية النهار شابعة. نادر جدا جدا جدا شفت هكذا طير يعني مَدروخ كما يقولون من الجوع وتعبان وراجع على سكنه ما وجد طعام، مع أن الطيور لا تدخر في جلها. الطيور تذهب في الصباح تبحث عن رزق تعود شابعة، اليوم الثاني ما بتحمل همه، ما بتشيل همه، الله يرزقها وإياكم.
فالله يقول لك يا أيها الإنسان المصر على الإقامة في بلاد الكفار بحجه الرزق، الله بده يذكرك، مش أنا ولا كلام وعظي ولا كلام من مشايخ ولا دعاء، هذا من رب العالمين، خذ هي الرسالة: هناك دواب كثيرة يا أيها الإنسان معهاش أكل بكرة، طبيعتها ما بتدخر. لا يوجد معها أكل الغد، الله يرزقها وإياكم. ترى يقولون الحيوانات التي تدخر ثلاثة: الإنسان والنمل والفارة، وباقي الحيوانات كلياتها على وجه الأرض لا تدخر، من الذي يرزقها؟ الله، صح؟ ومش ميتة من الجوع.
وبالتالي لا تجعل الرزق هو الشماعة التي تعلق عليها إقامتك في بلاد الكفار وتعريض نفسك للبلاء في إيمانك وتعريض أبنائك للبلاء في إيمانهم.
ثم الله عز وجل عاد ليناقش الكفار في قضية مرت مرارا وتكرارا معنا؛ قضية: ما دمتم أيها الكفار تقولون إن الله هو الذي خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر، فإذا إذا أقررتم بهذا فأنّى يؤفكون؟ يعني عجيب كيف تصرفون عن عبادته وتوحيده في العبودية مع أنكم مقرون بأنه المتفرد في الربوبية؟
ثم عاد يخبرهم: الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم. ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله، قل الحمد لله، بل أكثرهم لا يعقلون. أنتم فعلا مش عم بتفكروا بشكل صحيح، لماذا تختارون الكفر والعناد والاستهزاء؟ الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، الكفر بالقران، الكفر.
بالدار الآخرة الإشراك بالله، ما انكم تعلمون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يفعل الأفاعيل العجيبة، وهو الخالق وهو المحيي، وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون. هذه أيضاً حقيقة عظمى، أن الحياة الدنيا -بدك تفهم أيها الإنسان- لهو ولعب، يعني هي ساعات محدودة، ما بين مطعم ومشرب ومنك وملبس، أيام سريعة وستنقضي. وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، الدار الحقيقية التي اكتملت فيها الحياة، عناصر الحياة هي الدار الآخرة. تذكر هذا جيداً حتى لا تتعلق بدار اللهو واللعب.
تمام، مشهد متكرر أيضاً في السور التي مضت، مشهد: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْفِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ. ها الفكرة مرت معنا في سور سابقة. وين مرت معنا؟ من يتذكر قضية الإنسان الذي إذا وقع في ورطة أخلص الدعاء لله، فإذا جاء من الرخاء عاد مشركاً بالله معرضاً عنه؟ وين مرت معنا هذه الفكرة مرارا وتكرارا؟ شوف الفكرة دائماً لما تجدها في القرآن متكررة كثيراً، فهذا يعني أن أكثر البشر يقعون في هذا التصرف. هذا سؤال لكم: مرت معنا البارحة في أي سورة؟
ممتاز يا حازم، مرت في سورة لقمان: وَإِذَا غَشِيَهُم مُّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. أحسنتم، مرت أيضاً في سورة الزمر: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ. أيضاً مرت في سورة الروم: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. وستمر معنا في يونس أيضاً. هي فكرة متكررة متكررة لهذا الإنسان الذي لا يتعامل مع الله بمصداقية، وإنما في لحظة الشدة يفزع إلى الله، وبمجرد أن تعود حياته مرفّهة ينسى الله ويعرض عنه. أحذر أن تكون من هذا النوع من البشر، لأن الله يبغضهم جداً جداً جداً. ولذلك حذر الانسان من هذه الصورة عشرات المرات في القرآن، احذر من هذه الصورة.
طيب، سبحانه ختم سورة العنكبوت فقال: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا. يعني لما قال في بدايتها: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَahed لِنَفْسِهِ، أعطاك هنا برضه فسحة أمل، لما يقول لك الذي يبذل أقصى طاقته من أجل الثبات أمام البلاء، الله سبحانه وتعالى سيهديه ويثبته على هذا الدين، لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، الذين يجاهدون للثبات أمام البلاء. شوف، السورة بدات: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. فانت بداية السورة تعطيك حقيقة أنك ستبتلى، بعض الناس يصيبه فعلاً خوف وذعر لما يسمع أنه سيبتلى، لكن الله عز وجل يأتي بطمأنينة في آخر السورة فيقول لك: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا. إذا أنت جاهدت قدر استطاعتك على الثبات أمام البلاء، لا يمكن أن يدعك الله سبحانه وتعالى. الله عز وجل سيصبر، وَمَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، اللي بيبذل جهده ربنا بيساعده. والله تاتيك المثبتات من جهة وبطريقة لا تعرفها، هذه سنة الله سبحانه وتعالى، مش ممكن تكون أنت انسان عم بتحاول تصبر أقصى طاقتك ثم الله يخذيك ويجعلك تفتن. كلا! إذا راك الله تحاول وتبذل جهدك، الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يدعك: لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ. من يحسن ويتقن ويتقدم في علاقته مع الله، الله عز وجل يكون معه.
طيب، هي سورة العنكبوت، أنا الحقيقة ما قاعد تاخذ معنا ساعة. سريعا خلونا ناتي إلى سورة القصص، سورة القصص لأنها قصة سيكون التعامل معها أسرع وأسهل.
سورة القصص الله سبحانه وتعالى بداها بمدح كتابه، وهذه قضية متكررة في مطالع هذه السور، خاصة السور في آخر عشر أجزاء من القرآن، أيضاً موجودة في الأجزاء الأولى، لكن في آخر عشر أجزاء تجدها ظاهرة عظيمة وواضحة، أن الله سبحانه وتعالى يحتفي بكتابه ويصفه باوصاف متعدده. ففي سورة لقمان مثلاً البارحة وصف الله كتابه بأنه حكيم: الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ. هنا في سورة القصص يصف الله كتابه بأنه ماذا؟ مبين. وهذا الوصف مر معنا في سور سابقة. وصف الكتاب بأنه مبين، في مطلع أي سورة ورد وصف القرآن بأنه مبين؟ يلا، هذا سؤال لكم أيضاً.
في مطلع أي سورة من السور التي سبقت معنا جاء وصف الكتاب والقران بأنه مبين؟ الزخرف، ممتاز. أيضاً في صورة أخرى حوالين الزخرف؟ يلا، هي ساعدنا، صورة إيه يا رب؟ لا، ما في حدا غير الزخرف. طيب، غير الزخرف؟ الدخان، أحسنت. سورة الدخان أيضاً ورد في: حَم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. شوفوا إخواني واخواتي، لما نسمع الله عز وجل يصف القرآن بأنه مبين، لما نسمع الله عز وجل يصف القرآن بأنه مبين، إذا هذا يجب أن يصنع في داخلي أنا كإنسان أثر معين. ما هو؟ أنه هذا الكتاب جاء ليبين لي العديد من الحقائق، وأهمها العقيدة. ما دام الله يقول أن هذا القرآن كتاب مبين، إذا لا يمكن أن يكون القرآن قصر في إبانة شيء يحتاجه الإنسان في صلاح دينه وفي علاقته مع الله، خاصة في أمور العقيدة. وبالتالي لكل من يريد أن يبني عقيدته، العقائد إنما تبنى من الوحي ومن القرآن. واحذر من الذين يبنون عقائدهم من الفلسفة ومن علم الكلام، حتى ولو ادعوا أنهم والله يستعينون بالفلسفة وعلم الكلام لفهم القرآن. لا، هو في الحقيقة أصبح في هناك نوع من الاستغناء عن القرآن والذهاب إلى كلام الفلاسفة وعلماء الكلام، ظناً أن هؤلاء يعني أتوا بالعجائب في العقائد الإلهية. احذر من الذين يعلمونك عقيدتك بعيدا عن القرآن.
القران الله قال هو كتاب مبين، إذا وظيفته البيان، وظيفته الكشف. وأعظم شيء سيبينه القرآن ويكشفه القرآن هي قصة الإنسان، وأعظم شيء في قصة الإنسان هي العقيدة التي تربط هذا الإنسان بالله سبحانه وتعالى. فكن واثقاً أن كل ما أخبر الله عز وجل به عن نفسه، وعن أسمائه الحسنى، وعن صفاته العليا، وعن الدار الآخرة، وعن القضاء والقدر، يجب أن تفهمه كما أعطاك إياه القرآن، بعيداً عن التحريف والتلاعب، وبعيداً عن قول علماء الكلام أن ظاهر القرآن كفر، أو ظاهر القرآن لا يوصل للعقائد الحقة، وتحتاج أن نؤول الآيات حتى نصل للعقائد الحقة. هذا كذب على القرآن. القرآن أيها الكرام، ما دام الله وصفه بأنه كتاب مبين، إذا هذا الكتاب وظيفته البيان، وليس وظيفته الألغاز وطرح الإشكال. وظيفته البيان وليس الألغاز وطرح الإشكال. وبالتالي أيها الكرام، ابنوا عقائدكم من الوحي، تعلم كيف تتعرف على الله من خلال هذا الوحي. قال سبحانه: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. هسه القوم الذي يصدق القرآن هو الذي سيستفيد من ذكر هذه القصص وهذه الحكايات، لكن اللي ما عندوش إيمان بالقران لن يستفيد من ذكر قصة موسى وفرعون وما شابه ذلك.
طيب شو القصة اللي ربنا عز وجل بده يحكيها لنا في سورة القصص؟ بده يحكي لنا قصة أعطانا إياها باختصار ابتداء: قصة رجل عثا في الأرض اسمه فرعون، هذا الرجل اسمه فرعون استضعف من كان تحته من بني إسرائيل، كان يذبح أبناءهم خشية مما قيل إنه رآه في النوم، خروج ذكر من بني إسرائيل سيكون نهايته على يده، فكان يذبح الأبناء ويبقي النساء أحياء. الله عز وجل يريد أن يعطيك نموذج من نماذج الطغيان البشري، وكيف أن هناك الظلمة يتسلطون على مؤمنين، كيف أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً هيا له أسبابه بطرق عجيبة ومن جهة لا يلتفت إليها البشر. قال سبحانه -شوف آية خمسة هي الآية الجوهرية في سورة القصص-: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ. نريد، كلمة نريد، سبحان الله ما أعظمه هنا، هناك إرادة إلهية: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ لِلْأُمَمِ الظَّالِمِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، ويكونوا أصحاب تمكين، وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ -اللي هم رمز الطغيان- وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ.
إيش يعني مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ؟ الله يريد أن يقول لك: مش فرعون وهامان كانوا بقتل ذكور بني إسرائيل خشية من ايش؟ من خروج أحدهم تكون نهاية فرعون على يديه، مش هذا اللي كان خايف منه فرعون؟ الله يقول: إرادتي إرادة الإله أعلى من إرادة البشر، وهؤلاء الطغاة المتجبرون مهما خططوا ومهما مكروا ومهما دفعوا للمؤسسات العالمية، ومهما صمموا من ترسانات عسكرية واستخبارات، ومهما صنعوا ما صنعوا من -طبعاً هم في وجهة نظرهم لماذا يفعلون ذلك؟ حتى يحموا دولهم ويحموا طغيانهم، حتى أمريكا تحمي نفسها، وحتى السوفيات يحموا أنفسهم، وحتى اليهود يحمون أنفسهم، مش هيك هم بيعملوا استخبارات وعملاء وتجنيب وترسانات؟- والله، والله سياتيهم قدر الله سبحانه وتعالى من الجهة التي لا ينتبهون لها.
شوف هذه الكلمه ما أعظمها وما أجملها في هذا السياق: وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ. أنت يا فرعون مش كنت خايف أنه يخرج رجل من بني إسرائيل يكون هلاكه على هلاكك على يده، ومن أجل ذلك أخذت كل التدابير والاحتياط، وبثت الجواسيس وكل ما ولد طفل من بني إسرائيل ذكر ذبحته، وتظن أنك ستستطيع أن تهرب من القدر النافذ ومن الرب المريد؟ لا، لن تستطيع. الشيء اللي كنت خايف منه وتحذر منه أنه أنت وهامان راح يطلع لك ورا يطلع لك بصورة عجيبة، والله ليربى في بيتك، والله ليربى في بيتك، وأنت من ستربي! أنت يا فرعون من سيربي هلاكه؟ أنت من س... يعني شوف عظمه الله سبحانه... يعني ما جعل الله عز وجل هلاك فرعون على يد طفل من بني إسرائيل هيك نفذ ودخل في الغابات وهرب من فرعون. لا لا لا لا، الله يريد أن ترى عظمته وجلاله وجبروته، وأنه هو الذي يريد، وليس فرعون، وليست أمريكا، وليس سي آي إي، وليس السوفيت، وليس بنو إسرائيل، وليس هؤلاء وليس الصهيونية. الله هو الذي يريد: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ... طب متى يريد أن يمن على الذين ضعفوا في الأرض؟ في الوقت الذي يختاره هو، وفي الزمان الذي يختاره هو، وبالتفاصيل التي يختاره هو، هو صاحب الإرادة. ولكن إياك أن تفقد ثقتك بالله، وأن تفقد ثقتك بقدرة الله على التغيير. الحقائق الموجودة حالياً أو الواقع الموجود حالياً، تذكر: وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ، اللي كنتم خايفين منه طلع لكم، اللي كنتم خايفين منه طلع لكم وتربى على أيديكم وفي عقر داركم. هذه هذه عظمه عظمه رب العالمين وجلال رب العالمين.
طيب كيف حصل ذلك؟ شوف القصة: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ. أم موسى أتت بطفل لها رضيع ذكر، ألقى الله في روعها أنه ألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك، والله ليرجعن وليكونن من المرسلين، وليكونن هلاك فرعون على يده. التقطه آل فرعون -شوف ربنا بده يعطيك المشهد، مشهد قدر الله الأعلى من كل تخطيط الجبابرة-: التقطه آل فرعون من البحر ليكون لهم عدواً وحزناً. هم التقطوه مش ليكون لهم عدواً وحزناً، التقطوا موسى حتى يتبناه فرعون ويكون له طفلاً، لكن كانت العاقبة: التقطوا هلاكهم! شوف هي العبارة: التقطوا هلاكهم بأيديهم، إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ. امرأة فرعون آسيا رضي الله عنها تقول لفرعون: إيش رايك ندير بالنا على هذا الطفل الصغير؟ قرة عين لي ولك، لأنه ما عندنا أولاد، لا تقتلوه. وفرعون يقبل، يقول خلص يعني نرعاه.
أم موسى في الجעה المقابلة خائفة وقلبها فارغ، يعني خلص أرادت أن تصرح أن هذا طفلي، لكن هناك قدر نافذ، الله ربط على قلبها ليسير قدر الله النافذ، كما يربط الله على قلوب أهل غزة اليوم. من الذي يربط على قلوب الأمهات الثكلى في غزة؟ من الذي يربط على قلوب المرابطين وهؤلاء الذين استضعفوا في الأرض؟ من الذي يربط على هذه القلوب إلا الله؟ هناك قدر نافذ وهناك إرادة إلهية. نعم، الجراح كثيرة والآلام كثيرة، لكن هناك تدبير إلهي في غزة لا نعلمه، الله يعلمه. لا نعلمه، الله يعلمه. الله يربط على قلوب الأمهات اللي عم تفقد بأولادها، يربط على قلوب الأطفال اللي يفقد آباءهم، الله يربط ويهيئ لهم من سبل الثبات ما يحيئ. هو الذي يربط، ولا هذا ليس ثبات بشري، هذا تثبيت إلهي عجيب. طب لماذا؟ لماذا لا تزول الغمة كما يدور في خلد كثير من الناس؟ لماذا لا يأتي النصر مباشرة؟ هناك قدر للإله يعمل في جهة من الجهات، هيك بتعلمنا سورة القصص. هناك قدر إلهي يعمل في جهة من الجهات، احنا بنظرنا القاصر الضعيف لا نراه، لكن الله يراه.
طيب، وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ. شوف كيف ربنا دبر أن موسى يرجع لأم موسى، ما عاد يقبل أي مرضعة. أخت موسى ذهبت لفرعون، قالت له: أنا بعرف وحدة راح ترضعه. فرعون قال: جيبوا لنا اياها. أجت أم موسى إلى قصر فرعون لتربي ابنها في فك الأسد، لتربي ابنها في هذا الفك. وهناك من هو أعلى من فرعون، هناك الله سبحانه وتعالى، هناك الله سبحانه وتعالى الذي أراد أن يري البشرية إلى يوم القيامة، كيف أن كل هؤلاء البشر الطغاه المتجبرون كلهم بجبروتهم لم يستطيعوا أن يحولوا دون قدر الله النافذ. موسى كبر في بيت... ها، كبر موسى في بيت فرعون، لما بلغ أشده واستوى آتاه الله الحكمة وآتاه العلم. في يوم من الأيام موسى يدخل على مدينة مصر، على المدينة على السوق، ويقدر الله -شوف إذا أراد الله تقدير شيء-: يققدر الله أن موسى يرتكب خطأ، موسى عليه
السلام ضرب قبطي دفاعاً عن الإسرائيلي، فوكزه موسى فقضى عليه. موسى أنتبه، لا استعجلت؟ نعم موسى استعجل وأناب وتاب الله عليه، لكن أراد الله عز وجل أن يحصل هذا الخطأ لأن هناك قدراً يعمل في جهة أخرى. سريعاً جاء رجل من أقصى المدينة يا موسى الجماعة بدهم يقتلوك لأنك قتلت القبطي. موسى يخرج خائفاً، خروج موسى خائفاً كان ينتظره موعد مع الرجل الصالح، هناك قدر نافذ، هناك رجل صالح كان يحتاج إلى رجل يساعده في رعي الغنم. شوف شوف الأقدار، دوامة الأقدار كيف بتتحرك، هناك رجل صالح قيل إنه شعيب وقيل غير ذلك، هناك رجل صالح كان يحتاج إلى من يخدمه، من يعينه، من يساعده وله فتاتان في قمة الروعة، في قمة الأخلاق، في قمة الحياء. فالله عز وجل، شوف رعاية الله أن يقدر أن موسى يقتل القبطي في مصر ليهرب خائفاً إلى مدين، ليكون هناك التقاء بين موسى والرجل الصالح، ليمكث موسى عشر سنوات يخدم هذا الرجل الصالح. إيش هذه العظمة لهذا الرجل الصالح؟
ما الذي بينه وبين الله حتى يجعل الله موسى يقتل قبطياً ليخرج خائفاً ليلتقي بابنتي الرجل الصالح ليخدمه عشر سنوات؟ وكيف أكرم الله هذه الفتاة الصالحة التي تمشي على استحياء، ليست متفكهة ولا تمزح مع موسى بحكم زمالة العمل ولا إنه صار بينهم ملح وزيت ولا خل ولا شو اللي بكوه، لا، تمشي على استحياء، وربنا بدو يقول لك إنه هي الفتاة التقية الحية التي تمشي على استحياء كافأها الله على حيائها وعلى أخلاقها الرفيعة. هاتان الفتاتان اللي ما بدهم يختلطوا بالرجال في سوق العمل وتذود سأله موسى ماذا تفعلان هنا قالت لا نسقي حتى يصدر الرعاء، احنا ما بنختلف مع الرجال في سوق العمل، حيائنا وقيمنا وأخلاقنا وتربيتنا تأبى أن نكون في عمل مختلط، وأبونا شيخ كبير، وإلا الأصل إنه ما خرجنا أصلاً لنعمل في مثل هذه المهنة التي هي لا تصلح إلا للرجال. شوف الفطرة النقية، الفتاتان تعرفان أن هناك مهنة هي طبيعتها للرجال وهناك مهنة طبيعتها للنساء.
يا رب! الآن بلشنا في التليجرام انقطع عنه البث. يا رب! طب أظن أعاد الصوت إلى التليجرام، خلص مشى الحال. هنا يعني سبحان الله فتاتان نقيتان، بس أتأكد الصوت على اليوتيوب والتليجرام واضح صحيح؟ والتليجرام واضح لأنه فصل عندي على التليجرام، بس قولوا لي نعم حتى أمشي. يعني حتى لا أطيل، خلص يعني الأصل إنه واضح على تليجرام يعني ما حدا عم بيكتب لي نعم بشكل سريع. عموماً أي فتاتان نقيتان طاهرتان تعرفان أن هناك أعمالاً لا تصلح للرجال، وليس كما تصورها النسوية اليوم إنه ما في عمل يقف في وجه المرأة، المرأة تستطيع أن تعمل في كل الأماكن، تقود سيارات الأجرة، تعمل في محطات الوقود، تعمل في أي شيء، تصعد إلى الفضاء وتنزل إلى الأرض وتعمل في سكك الحديد وتقطع الألومنيوم، تستطيع تفعل كل شيء، هذه الفطرة المشوهة. الفطرة النقية وأبونا شيخ كبير عارفات إنه هذا العمل هو الأصل مناسب للرجال. طب إيش اللي أخرجكم لعمل هو الأصل أنسب للرجال؟ أبونا شيخ كبير، ما في أحد يرعانا. شوف صفاء النية وطهر القلوب، جعل الله عز وجل سخر موسى ليخرج من مصر خائفاَ لتزوج إحدى الفتاتين العفيف، ليرعى هذا الرجل المسن في غنمه عشر سنوات. شوف وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، الزوج الصالح، الرعاية، الكفالة، هدوء البال. من الذي رعى هاتين الفتاتين ورعى الشيخ الكبير؟ الله سبحانه وتعالى بقدره النافذ. بعد ذلك يعني كأن الله أعطانا هنا درس في التوكل، ثم نعود إلى المشهد الأساس في القصة.
موسى عليه السلام قضى الأجل وسار بزوجته التي تزوجها ابنة الرجل، هناك موعد بينه وبين الإله، موعد في جانب في الشاطئ الوادي الأيمن، الله سيكلم موسى، سيعطيه الآيات، يا موسى ارجع إلى فرعون، الآن سترجع يا موسى إلى فرعون بهذه الآيات لتقيم الحجة النهائية عليه وعلى قومه. قال رب إنّي قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون، وأخي هارون هو أفصح مني، الله يقول سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما. شوف الثقة التي يمنحها الله عز وجل لموسى، فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا، أمضي في طريق الدعوة، اثبت على المنهج، فلا يصلون إليكما بآياتنا أنت ومن اتبعك الغالبون.
جاءهم موسى بالآيات البينة قالوا ما هذا إلا سحر مفترى، وقال هكذا واجهوا موسى. موسى قال ربي أعلم من جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار. فرعون يستهزئ بموسى يقول اجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى، بدي أطلع أفتش على إله موسى الذي أخبر موسى أنه في السماء، استكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق فاخذناه. هي شوف النهاية، نهاية القصة، كيف أن الله أذل ذلك الطاغي المتجبر على يد من كان يخافه، كان يخشى أن يأتيه رجل من بني إسرائيل، جاء هذا الرجل فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار. الله الآن يستهزئ بفرعون، هناك أئمة الدين الذين بدأ بهم في هذه السورة وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، أئمة في الصلاح والدين، وفي المقابل هناك أئمة يدعون إلى نار جهنم، فجعل الله فرعون وقومه أئمة وعلامات لكل من يريد أن يسلك درب النار، ليسوا أئمة في الهدى، أئمة في الجحيم، واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين.
ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ. بعد أن انتهت سورة القصص من سرد هذه القصة، الله عز وجل يريد أن يبرهن على مصداقية القرآن من خلال سرد تفاصيل هذه القصة. فالله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد أنت لم تكن بجانب الغربي، أنت لم تكن في جبل الطور لتشهد الحوار الذي دار بيني وبين موسى. طب كيف نقل النبي صلى الله عليه وسلم وكيف عرف الحوار الذي دار بين الله وبين موسى في جانب الطور؟ في الطور في الجانب الغربي من لم يكن هناك إلا موسى ورب العالمين، الله وموسى هم فقط من كانوا في ذاك المشهد، كيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقل تفاصيل الحوار الذي دار بين ربنا سبحانه وتعالى وبين موسى؟ أليس هذا من أكبر الأدلة على أن هذا القرآن وحي من الله؟ لا يمكن، لا يمكن أن محمد صلى الله عليه وسلم كان حاضراً في ذاك المشهد، وكلام محمد صلى الله عليه وسلم أو ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن من طبيعة الحوار والنقاش هو نفسه نفسه الموجود في التوراة والإنجيل، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ التوراه والإنجيل ولم يكن يكتب، فمن أين عرف تفاصيل هذه الحوارات أو الحوار الذي دار في الوادي المبارك؟ أليس هذا يا كفار قريش من أكبر الأدلة على مصداقية هذا القرآن؟
طيب، لكن مع أن هذه حقيقة علامة واضحة على مصداقية القرآن، لكن كيف قابلها المشركون؟ كما مر معنا في السور السابقة، فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى. أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل؟ قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون. شوف القرآن كثيراً ما يصور لك الكافر وهو يحاول المماحكات، فإخ عليه الكافر الذي كلما أتهته الآيات الواضحات والحق الأبلج يحاول أن خلص بده يطرح شبهة، المهم أن يطرح شبهة ويشوه الحق ولا يريد أن ينصاع له. فالكفار كانوا يقولون لولا أعطي محمد صلى الله عليه وسلم كتاب وآيات كما أوتي موسى من قبل، فلما أعطاه الله الكتاب وأنزل على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وأعطاه الآيات الواضحات، يلا هي جاءكم الآيات الواضحات، قالوا لا موسى عفواً محمد صلى الله عليه وسلم يسحر كما أن موسى كان يسحر، قالوا سحران تظاهرا، هذا كله تعاون بين السحرة، محمد يسحر وموسى يسحر، قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون. إذاً، لا تقولوا لنا إنه بدكم آيات، انتم كذب أيها الكفار، أنتم رأيتم الحق في آيات واضحات وبطرق متنوعات وما زلتم تجادلون وتماحكون، إذاً الحقيقة أنكم لا تنتظرون آية تقنع أو برهان يدلكم، ظهرت لكم الحقائق والبراهين، لا، أنتم مستكبرون، الإنسان المستكبر عن الانصياع للحق هذا إنسان لا يرحمه الله، فالله قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قل لهم قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا، تفضلوا حضراتكم أتونا بكتاب أفضل من القرآن والإنجيل والتوراة، أفضل من الكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب الذي أنزل على موسى، فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، ولن يستجيبوا، لأن الله عز وجل ماذا قال في سورة البقرة فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا؟ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ.
قاعدة عامة للإنسان: احذر، احذر إذا جاءك الحق في الكتاب والسنة، احذر أن ترده وأن تحاول أن تصرفه وأن تشكك فيه لأنك غير راغب باتباعه. يعني لسه أنك تقر للحق بأنه حق ولكنك تقول أنا أضعف عن، أضعف عن اتباعه هذا أرحم لك من أنه ترى الحق واضحاً أبلج في الكتاب والسنة فتشك فيه وتجادل فيه وتعارض عنه وتبقى تطرح شبهات. كثير من الناس مثلاً بتيجي أخت بتتكلم لها عن آيات الحجاب في القرآن بتصير تعترض: لا، بس هو هذي الآية فيها كذا، طب مش ممكن كذا؟ طب متأكدين أن هذا النص يدل على كذا؟ طب ألا يوجد وجه لغوي؟ يعني أنت بتحاولي تلعبي في الآية من أجل إيه؟ هذه مسألة واضحة جلية حق فيها أبلج ما فيها نقاش، فلماذا لا تريدين الإيمان والانصياع لدلالة هذه الآية القرآنية التي تأمر بضرورة الحجاب أو الجلباب؟ كذلك قس عليها الإنسان الذي يأخذ الربا وتعطيه الآيات التي تتكلم عن الربا، بيحاول يخرج الآيات على صور هو مش واقع فيها حتى يبرر لنفسه ارتكاب الحرام. وقس على ذلك، فهذه قضية تكلم عنها القرآن مراراً وتكراراً، الكافر الذي يرى الحق واضحاً أمامه لكنه يبقى يجادل ويجادل ويجادل لأن الحقيقة هي أنه لا يبحث عن الحق وإنما هو مستكبر معارض يبحث عن ذاته.
فالله يقول: وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. شوف وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ، هذه الآية كأن ربنا بيقول: أنا وصلت لكم كلامي، أنا وصلت إليكم أيها البشر كلامي، وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ، هذه نعمه عظيمة جداً جداً لعلهم يتذكرون. وانظروا واعتبروا يا كفار قريش في كثير من اليهود الذين عندما قرأوا القرآن عرفوا أنه كلام الله وأنه موافق للتوراة: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ على مثله فآمَنَ وَاستكْبرْتُمْ، وبعض مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيرهم إذا سمعوا القرآن قالوا آمنا به أنه الحق من ربنا هذا موافق لما عندنا إنا كنا من قبله مسلمين، احنا كنا مسلمين بكتاب موسى وهذا مؤكد، أولئكَ يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا، أنهم صبروا، أي آمنوا بموسى وبكتابه وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبكتابه. لكن في النهاية النبي، الله عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. الهدايه بيد الله سبحانه وتعالى، أنت ستناقش هؤلاء الكفار، ستحاول أن تصلح من نفوسهم قدر المستطاع، ستعطيهم القصص والعبر في القرآن، لكن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى.
طيب، من المشاكل اللي طرحها كفار قريش على النبي عليه الصلاة والسلام، يعني لماذا لا يريدون الإيمان؟ قالوا: يا محمد صلى الله عليه وسلم، إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، إذا احنا مشينا معك وآمنا، كل جزيرة العرب ستقاتل وتخرجنا من مكة، إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا، هم يخشون من البلاء، يخشون من أن يبتلوا في إيمانهم، هذه من مخاوف كفار قريش اللي بتطرح سورة القصص. فالله عز وجل يقول لهم: ترى يا جماعة من الذي أصلاً نمكن؟ شوف كلمة نمكن، أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِمْ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ، يعني هو أنتم يا كفار مكة أصلاً كل الحرم المكي اللي أنتم فيه وأنه اصبحتم أصحاب السدنة، والله عز وجل أخرج لكم فيه من المياه وأعطاكم فيه من الثمرات وجعله من الأمن، ترى كل هذا ترى أنتم حصلتم بدون جهد منكم، من الذي جعل هذا الحرم بكل ما فيه من الأمان وجعل الناس تعذمه والقلوب تهفو إليكم؟ من الذي فعل كل هذا؟ اليس الله سبحانه؟ خايفين أن الله عز وجل يسلب منكم هذه النعم وتنكدر الحياة عليكم بسبب إيمانكم؟ معقول؟ معقول هكذا يكافئ الله على إيمانكم به؟ طريقة التفكير كانت سقيمة جداً، أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِمْ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِّن لَّدُنَّا، يعني رزق من الله ولا أنتم يا كفار قريش وليس لكم أي أثر أو سبب في وجود كل هذا الخير في حياتكم؟ هذا كله رزق من الله، ولكن أكثرهم لا يعلمون.
ثم انتبهوا يا كفار قريش، وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا. كم، انتم تفكروا أن الحالة الرغد والرفاهية اللي أنتم فيها أصلاً هذه حالة تحمدون عليها؟ أصلاً أغلب القرى اللي أهلكها رب العالمين أهلكها بعد أن بطرت معيشتها وصارت هكذا في حالة من الرفاه الاقتصادي والحياتي والتكنولوجيا والتقدم، استغنوا به عن الإله فدمرهم الله سبحانه وتعالى، فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ شوفوها لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا. شوف وهناك قاعدة عظيمة جداً، وما كان.
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا، يا إخواني، من رحمة رب العالمين بالبشرية أنه لا يعذب قرية ولا يهلكها على كفرها حتى يقيم عليها الحجة النهائية بإرسال الرسول الذي يخبرهم برسالة الله. فبعد ذلك خلاص، إذا رفضوا هذا الرسول ورفضوا الانصياع له يكون العذاب الأليم.
طيب، ويَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ، الآن سيأخذ الناس إلى مشاهد يوم القيامة، قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا، المستكبرون المجرمون رؤوس الكفار سيقولون لرب العالمين: يا رب، هؤلاء اتباعنا وجنودنا أغويناهم وضللناهم كما نحن أصلاً كنا غاويين، تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ. الآن سيتبأ الأسياد من الجنود: يا رب، تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ من عبادتهم إيانا ومن اتباعهم لنا.
وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ، شوف الكافر اللي كان معول على سيده أو على أصنامه أو على معبوداته، لما يرى العذاب يوم القيامة يحاول أن يستغيث بمعبوده وبأسياده، لكن فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ أسياده وزعمائه وقادته وأصنامه وأشجاره وبقاره وكل ما كان يعبد من دون الله لم يستجب له، وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ، يا ريتك صحصحت قبل فوات الأوان.
طيب، الله عز وجل يخبر عن شيء من صنيعه هنا، وهذه عادة متكررة في القرآن أن الله في ثنايا كلامه وتنبيهه المشركين أن يتركوا ما هم عليه من الكفر والشرك، يذكرهم بأفعاله العظيمة وآلائه الجزيلة: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ.
هنا يذكرنا الله بنعمه الليل والنهار، يعني من أعظم النعم اللي نحن بنعيش فيها يومياً ولا ننتبه لها وفي غفلة عنها، نعمة تعاقب الليل والنهار لو كان النهار مستمراً دوماً لتعَبتم، ولتبتغوا من الفضل، الفضل هنا التجارة والعمل، وهذا إنما يكون في النهار، وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. نعمة واحدة، نعمة واحدة أصنامكم وشركائكم ما بيقدروا يعملوها، نعمة الليل والنهار وتناوبها، تحتاج لليل تهدا فيه جسمك فيه بيستريح، ونهار حتى تععب فيه وتأتي بلقمة العيش، من الذي خلق هذا التناوب وجعله؟ أعطوني شركائكم، أين شركائكم الذين كنتم تزعمون؟ في حدا فيهم عمل من هذا الشيء؟
طيب، ثم الله عز وجل أعطى للكفار نموذجاً من النماذج اللي كانوا يسمعون فيها، نموذج قارون، وهذا له علاقة أيضاً بقصة موسى ما دام سورة القصص بتتكلم عن موسى، أن قارون كان من قوم موسى من بني إسرائيل. شوف قارون بيختلف عن فرعون وهامان، فرعون وهامان كانوا أقباطاً، قارون كان من بني إسرائيل لكنه خرج عن النص، خرج عن موسى ورسالة موسى، كان من قوم موسى بغى واستكبر، شو سبب كباره؟ المال والثروة اللي هم أحد أبرز أسباب العناد البشري، أن الإنسان لما يرى نفسه أنعم عليه بمال وثروة ينسى أن في إله هو اللي أنعم وهو اللي أعطى، ويصبح يشعر بالاستغناء.
فإيش قال لما ذكره قومه بالله وطلبوا منه الانصياع لموسى: لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغ فيما آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ؟ قَالَ كلمة، نفس الكلمة اللي مرت معنا في سورة الزمر، قال قارون: إنما أوتيته على علم عندي، والله هي المصاري أنا جببتها بشطارتي، أنا دخلت في تجارات وفتحت مشاريع وخططت جيداً ودرست في الجامعة تخصص مناسب، أنا بشطارتي جمعت المصاري ليش ما بدكم إياني يعني أعر بشعور الثقة؟ لا، خطأ، فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ. من أكبر مصائب الإنسان أن ربنا ينعم عليه بنعم عظيمة ويتجاهل أن الله هو المنعم، ويدعي هذا العطاء لنفسه واستحقاقاً له وأنه هو الذي ساقه إلى نفسه.
فخرج على قومه في زينته، نموذج الاستكبار، تخيل هيك قارون ماشي في الأحياء والطرقات وعليه كل الزينة والحلي، الذين هم مفتونون ضعاف العقول صاروا يتمنون: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، نيال قارون، إنه لذو حظ عظيم، مش عارفين أن قارون هو صح في أكثر حالات الغناء لكنه في أكثر حالات البلاء. قارون وإن كان في أكثر حالات الغنى وأن مفاتحه لتنوب العصبه، لكنه في أشد حالات البلاء، ابتلاه الله بالسراء، ابتلاه الله بأن فتح الدنيا عليه، هم مش منتبهين لهذا أصحاب العقول الضعيفة.
مين المنتبه لهذا؟ إن قارون الآن في قمة البلاء وإن كان الظاهر أنه سعيد في حوريه، قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ، دعوكم من قارون ودعوكم من حليه وسياراته وأبراجه وقصوره وما هو فيه، اصبروا ترى هذا الرجل مفتون. فإذا بها ساعات محدوده، فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ، وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس اللي كانوا يقولون يا ليتنا مثل ما أوتي قارون أصبحوا يقولون: ويك، أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر.
هون أنتبهوا أن قضية الرزق هذه من تصرف الله وليس من تصرف البشر، الله هو اللي وسع على قارون هو اللي بيضيق على قارون، وهو الذي يوسع على كل إنسان وبيضيقه على كل إنسان. كانوا يظنون أنهم هم الذي أن قارون بشطارة أتى بالمال، فإذا بهم انتبهوا للحقيقة أن الله هو الذي يبسط ويضيع، فقد تكون في رخاء وينقلب حالك إلى شدة، وقد تكون في شدة وينقلب حالك إلى رخاء، لكن عموماً كل الدنيا بما فيها من الشدة والرخاء ليست شيء، الشيء الحقيقي الذي ينبغي أن يفكر فيه هي الدار الآخرة.
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، أنت أيها الإنسان لا تبحث عن العلو في الأرض، أنت تبحث عن الخضوع لله في الأرض. أنا كإنسان فهمت رسائل الله في القرآن، أعر أنني ليس المطلوب مني أني أكون مستكبراً في الأرض مستعليا على خلق الله، بل بالعكس المطلوب مني أن أكون هيناً ليناً سمحاً خفيفاً لطيفاً، أكون ليناً مع عباد الله منقاداً لشرع الله خاشعاً لله متواضعاً لله أسعى إلى تطبيق شرع الله. هؤلاء هم الذين يستحقون قمة السعادة والتي هي ليست في الدنيا، قمة السعادة في الدار الآخرة.
الله عز وجل يختم بوصايا لنبيه صلى الله عليه وسلم، تمسك بهذا الكتاب، تمسك بهذا الوحي الذي بين يديك، وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ، ترى يا محمد صلى الله عليه وسلم أنت ما كان يخطر في بالك أن الله سيعطيك هذا الكتاب في يوم من الأيام، لكن رحمة من الله أن يختصك بهذا الكتاب، فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ، أوك تضعف أمامهم، وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ، إياك أنك تضعف أمامهم بسبب كثرة استهزائهم بالقرآن وإعراضهم عن القرآن فتهجر القرآن، اثبت على القرآن.
ويا أيها الدعاة تمسكوا بالقرآن، وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ، طبعا ولا تكونن من المشركين ولا تدعو مع الله إلها آخر فيها تقارب في المعنى، لأن الشرك هو أن تدعو مع الله إلها آخر، فكان الآية الثانية هي تفسير إيش يعني لا تكونن من المشركين، إيش يعني؟ يعني لا تدعوع مع الله إلها آخر، لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. شوف له الحكم تناسب ما ورد في بداية السورة: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض. من الذي حكم في نهاية فرعون؟ هل فرعون هو صاحب الحكم؟ هل هو الذي اختار النهاية التي يريدها أم الله جعل نهاية فرعون بالطريقة التي يشاء هو؟ إذا الحكم لمن في الأرض؟ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
لن أطيل أكثر من ذلك، يعني هذا مرور سريع على مقاصد سورة القصص والعنكبوت الجزء العشرين. غداً إن شاء الله نمر على سورة النمل والشعراء، وإن كان وقت أيضاً نمر على سورة الفرقان معها. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، جزاكم الله خيراً على الحضور والاستماع وسامحونا على الإطالة، وصلى الله على سيدنا محمد.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل