بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.
حياكم الله أيها الأكارم والكريمات في مجلس يتجدد بنا في رحلة الإنسان في القرآن؛ نبحث عن ذاتنا في ثنايا كلام ربنا سبحانه وتعالى، نتلمس النصوص والآيات والسور، ونحاول أن نقف على جملي كلام ربنا عز وجل وجملي الرسائل الإلهية التي يريد ربنا منا أن نستوعبها ونتفهمها ونتمسك بها ونحن نسير في هذه الحياة الدنيا.
انتهى بنا الحديث أيها الأكارم إلى سورة النمل. سورة النمل من السور التي ركزت على القضايا العقدية الكبرى المتكررة في كثير من السور؛ ركزت على محورية القرآن الكريم وعلى محورية الرسالة؛ لأن هذه الشبهات كانت هي أبرز الشبهات العقدية والفكرية التي يثيرها كفار قريش في ذلك الزمان: هل القرآن وحي حقيقة من الله سبحانه وتعالى؟ وهل النبي صلى الله عليه وسلم هو رسول حقيقي؟
ترى أحياناً أنت لأنك نشأت في بيئة مسلمة وعند أبوين مسلمين ترى بعض الحقائق جلية واضحة، لكن تخيل لو أنك كنت في ذاك الزمان وجاءك رجل يقول إنه يوحى إليه من السماء ومعه هذا الكتاب وأسمعك آيات الله سبحانه وتعالى، هل ستؤمن أو لن تؤمن؟ هذا هو النقاش، هكذا هي الحالة الفكرية التي كانت تسود في ذاك الوقت.
الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان عقلاً يفكر فيه، وطلب من الإنسان أن يعمل هذا العقل ووسائل التفكير الصحيحة للوصول إلى الحق، والله سبحانه وتعالى يمقت ومن أكثر ما يمقت في القرآن الكريم ذاك الإنسان الذي يأتيه الحق واضحاً جلياً بادلته وبراهينه فيرفض الحق، ليس لعدم وجود الأدلة عليه، بل هو يرفض الحق لعدم نزوله عليه هو أو لأنه لم ياته بالطريقة التي يرغب هو أن يأتي أو يبدأ يماحك في جدليات وأطراف وينسى لب الموضوع.
الله عز وجل لن يسامحك ولن يعذرك يوم القيامة إذا رفضت الشريعة الإلهية ولم تنصع للحق الذي فيها مع كون الحجج والبراهين والأدلة واضحة جلية أمامك، ومهما كان اعتذارك وتبريرك بين يدي الله سبحانه وتعالى عن عدم انصياعك للشريعة وعدم قبولك لها، كل هذه مماحكات لن تنفعك؛ الله سبحانه وتعالى أعطاك عقلاً وأعطاك وسائل للمعرفة والتفكير، وطلب منك أن تثمرها في التأكد وفي معرفة حجية الوحي وصدق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك أيها الإنسان عليك أن تسلم عقلك للوحي ولا تبقى تجادل في آيات الله سبحانه وتعالى ولا تعاند ولا تماحك فيها، هذه مفاهيم كبرى مهم جداً أن الإنسان يعرفها.
الله عز وجل يريدك أن توظف العقل من أجل التأكد من صحة الرسالة، فإذا تأكدت من صدق الوحي وصدق الرسالة هنا العقل يعطي الراية للوحي، والوحي هو الذي يتحكم بعد ذلك في تفاصيل حياتك.
الله سبحانه وتعالى في بداية سورة النمل ما زال يحتفي بهذا الكتاب العظيم كما هو ديدن كثير من السور: طس ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ. تذكروا معي البارحه سورة القصص: طسم ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. الله سبحانه وتعالى يحتفي بهذا القرآن ويبين أن الوظيفه الكبرى له هي الإبانة؛ أن يبين للإنسان سر الوجود وغاية الحياة ونهاية الرحلة وتفاصيل العقائد وكليات الإسلام: هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
تجد سورة النمل من السور التي ركزت على وظيفة الهداية والبشرى للقرآن، شوف السور القرآنية في مطالعها التي تكلمت عن غايات القرآن؛ هناك سور تكلمت أن القرآن هو بشارة ونذارة، وتركزت على وظيفة القرآن للنذر: لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ كما في سورة يس: لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ۞ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. إذاً نجد تنوعاً في عرض القرآن الكريم لوظيفه القرآن ولوظائفه؛ في سياقات ركز أن القرآن نذار، هنا في سورة النمل نجد التركيز على أن القرآن هدى وبشرى للمؤمنين، إذاً هو كتاب مبين، وكتاب فيه هدى لمن يبحث عن الصواب والحق ويريد أن يصل إلى الله بسلام، وفيه بشاره للمؤمنين الثابتين على هذا الهدى بما أعد الله عز وجل لهم في جنات النعيم.
ثم الله سبحانه وتعالى يريد أن يؤكد قضية أن لا تتشكك يا محمد صلى الله عليه وسلم في الوحي الذي ينزل عليك ولا تتشكك في القرآن الذي تسمعه، وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ. هذه آية رقم ستة في سورة النمل: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ يا محمد صلى الله عليه وسلم، القرآن يتنزل عليك من الحكيم العليم، فأنت لست بدعا من الرسل، لست أول رسول في تاريخ الإنسانية، والكتاب الذي بين يديك ليس أول كتاب ينزل من السماء إلى الأرض، فهناك نماذج سابقة. طيب مثل ايش النماذج السابقة من وجود الرسل والرسالات ووجود الكتب؟ نموذج موسى، نموذج داود وسليمان، نموذج صالح، نموذج لوط.
فهنا الله سبحانه وتعالى بدأ يقص علينا نماذج من الذين اختارهم الله واصطفاهم للرسالة، فقال سبحانه في آية سبعة بدأ يذكر قصة موسى: إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصطَلُونَ. فلما جاءها نودي. لو سالتك سؤال: لماذا من كل قصة موسى الطويلة التي جاءت في سورة القصص لماذا اختير هذا المقطع فقط ليكون في سورة النمل؟ مقطع إن موسى مشاهدة موسى وهو يرى ناراً قال لأهل امكثوا وذهب إلى تلك النار وكلم ربه. لماذا هذا المقطع من سورة أو من قصة موسى هو المذكور هنا؟
لأنه هذا المقطع هو المهم هنا في تأكيد أنك يا محمد صلى الله عليه وسلم لست أول من يوحى إليه، فهناك سبقك، هناك موسى عليه السلام راى ناراً وقال لأهله امكثوا وذهب بنفسه إلى ذاك الجبل وعند الوادي في شاطئ الوادي الأيمن كلمه الله سبحانه وتعالى. وهذه التفاصيل كما أنها تثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم لأنك لست بدعا من الرسل وهناك رسل قبلك، هي أيضاً في نفس الوقت تعطي تأكيداً على مصداقيه الوحي؛ لأنه من الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى كلمه الله عز وجل في تلك البقعة؟ ومن الذي أعطاه تفاصيل هذا الكلام والحوار بينه وبين الله؟
النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يقرأ كتباً سابقة ولم يكن يكتب، من أين اخذ كل هذه التفاصيل؟ إذاً أيضاً هذا يؤكد مصداقية الوحي أنه يعطي تفاصيل دقيقة في حياة موسى وفي لقائه مع الله وما الذي حاوره به ربه، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يطلع أبداً على الكتب السابقة ولم يقراها، فهذا من جانب فيه تأكيد على مصداقية القرآن، كما قال ربنا في سورة القصص: وَمَا كُنتَ بِالْجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. أنت ما كنت حاضراً، طيب من وين أخذت المعلومات هذه؟ هذا يدل على أن هناك وحياً ينزل عليه.
فالمهم من قصة موسى يهمنا هذا المشهد؛ مشهد أن موسى أيضاً كلمه ربه، يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وبدأ الله يعطيه آيات ومعجزة ذات، وَأَلْقِ عَصَاكَ، وقضية اليد كأنها وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، يعني مش آية ولا آيتين، الله عز وجل أعطاه كم؟ تسع آيات، أعطاه تسع آيات حتى يذهب بها ليقيم البراهين والحجج على فرعون وقومه، كما أنك يا محمد صلى الله عليه وسلم أعطيت القرآن معجزة وآية لتقيم به الحجة على كفار قريش.
طيب نموذج آخر، طبعا الله عز وجل يخبر ما طب فرعون وجنود فرعون، كم آية جاءتهم؟ تسع آيات. طب هذه التسع آيات كيف قابلوها؟ مش آية ولا آيتين، تسع آيات وعلامات ومعجزات جاءت لفرعون وقومه، بماذا استقبلوها؟ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ. يعني هم في الداخل عارفين أن هذا حق وأن هذه آية، لكن ذاك الكبر الإنساني، عدم رغبة الإنسان بالانصياع للحق وللأدلة الباهرة، رغبة في دنيا، رغبة في ملك، رغبة في الشهوات والطغيان والأهواء، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً.
نرجع على نموذج آخر؛ نموذج داود وسليمان: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّن عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وورث سليمان داود وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ. من معجزات سيدنا سليمان ما هي؟ أنه يستطيع أن يفهم لغة الطيور، والبعض قال لغة جميع الحيوانات. في خلاف: هل سليمان فقط كان يفهم لغة الطير بالتحديد أم لغة جميع الحيوانات؟ يوجد خلاف؛ لأن الله عز وجل ماذا قال؟ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ، ما قال علمنا منطق الحيوانات كلها، وبالتالي هذا قد يكون فيه إشارة أن سليمان كان يفهم لغة الطير وما هو من جنسها. المهم، وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يساقون.
ثم الله عز وجل أعطاك مشهداً جميلا ولطييفاً؛ مشهد تلك النملة الصالحة التي أرادت أن تصلح قومها ومعشرها فكانت نذيراً لهم: حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَت نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.
طبعا أحياناً نرجع نقول السورة القرآنية يكون لها موضوع رئيس، وفي ثنايا هذا الموضوع العام تاتي استطرادات جانبية فيها إصال لبعض الأفكار التي يريد الله سبحانه وتعالى منك أن تدبرها وأن تعقلها ضمن السياق العام. فحقاً قصة سليمان هنا الهدف الأساسي منها هي قصة بلقيس، وكيف أن الله عز وجل منح سليمان من الوحي ومنحه من القدرة ومنحه من الهداية ما جعله يحرج بلقيس ويضطر إلى أن تسلم، وهذا فيه طبعا رسائل لكفار قريش؛ محمد صلى الله عليه وسلم ليس هو أول الرسل، هناك نماذج، والقصص هي من جنود الله، كان يقول: القصص هي ج من جنود الله يثبت الله عز وجل به المؤمنين. لذلك قال سبحانه في سورة هود: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ. القصص تثبت الفؤاد لأنك تعرف أن هناك نماذج سابقة يحتذى بها ويقتدى بها، فسبحان الله أسلوب القصة جميل جداً، يعطيك فكرة مع متعة مع جمالية وتثبيت واقتداء.
المهم تعرف قصة الهدهد الذي ذهب وغاب عن جند سليمان، سليمان توعده، فمكث غير بعيد فقال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ۞ إِنِّي وَجَدتُّمّْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ۞ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ. الحوار الذي حدث، سليمان ماذا قال للهدهد؟ اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ. وصل الكتاب إلى بلقيس، بلقيس جمعت جنودها وحشمها وخدمها، ماذا تأمرون؟ قالوا: احنا طوع أمرك. هي قالت: سأرسل هدية إلى سليمان؛ إذا سليمان قبل الهدية وترك دعوتي إلى دينه، إذا هذا يدل على ماذا؟ على أنه ليس صادقاً. وأما إذا رفض هديتي وأصر على الدعوة إلى دينه، فهذا من أمارة الصادقين.
طيب، يعني هي أرادت تعرف؛ هو سليمان ملك من ملوك الأرض ولا ورسول؟ قالت: إذا كان ملك رح ياخذ الهدية وخلص وينسى موضوع الدعوة ويتركني، لكن إذا كان فعلاً رسول وليس مجرد ملك لا سيصر على موقفه. لما جاءت سليمان الهدية قال: أَتُمَدُّونَنِ بِمَالٍ؟ يعني تظنوني رجل صاحب يعني بدور على مال يعني بتعطوني هدايا؟ أنا صاحب دعوة وصاحب رسالة، فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُمْ ۖ بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ۞ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ. سليمان قال لرسول بلقيس: ارجع ارجع إلى سيدتك، سناتي بجنود لا قبل لهم بها ونخرجن منها أذلة وهم صاغرون.
المهم سليمان أيضاً هنا بدأ يتحدث مع جنوده: من الذي يأتيني بعرش بلقيس؟ قال الذي عنده علم من الكتاب: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ في سرعة عالية جداً. فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ. وفي هناك ميزة في سيدنا سليمان عليه السلام أنه كلما أنعم الله سبحانه وتعالى عليه بنعمة ازداد لها شكراً، لذلك لاحظ الشكر مثلاً في آية 19: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ. في آية 19.
في آية 40 لما رأى العرش عنده، شوف الإنسان الخاضع للإله، الغير مستغني، الغير مستكبر، لما رأى العرش عنده هل قال سليمان والله هذا بشطارتي ودهائي وفهمتي وأنا أعطيت ما لم يعطى غيري؟ ولا قال: هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي؟ إذا رأى النعمة ورأى ما منحه الله راه ماذا؟ بلاءً، كما أن البلاء يكون بالشدة، البلاء يكون بالنعمة. فلما رأى ما منحه الله عز وجل من المعجزات والكرامات والامور العظيمة قال: هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ. شوف نموذج سليمان وداود في مقابل نموذج فرعون؛ فرعون الذي الله سبحانه وتعالى أراه تسع آيات، والأصل كان يقابل هذا بالشكر أن الله عز وجل أعطاك تسع آيات تدلك على الحق -يعني مع أنه آية واحدة كفيلة أن تقيم الحجة عليك، لكن وبرحمته تسع آيات- وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ. بخلاف سليمان، سليمان الذي كان كلما أُعطي معجزة وكلما مُنح عطاءً قابله بالشكر لله سبحانه وتعالى، فهذه أيضاً فيها رسائل للإنسان الذي يستغني عند النعم، وإنما الأصل في الإنسان أن يخضع ويذل لله سبحانه وتعالى أكثر وأكثر كلما ازداد عطاء الله سبحانه وتعالى له: وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ.
طيب، هنا بدأ سليمان أن يختبر بلقيس ويريد أن يؤكد لها أنه يا بلقيس، كل
هذا الملك الذي أنت فيه هذا هزيل جدا وضعيف جدا أمام ما يمنحه الله عز وجل للإنسان من الرسالة. قال: نَكِّرْ لَهَا عَرْشَهَا، ننظر أتهتدي، يعني هل تعرف أن هذا هو عرشه؟ لأنه عرشه كانت بلقيس تحركت من اليمن باتجاه سليمان تريد أن تغزو بلاده وتقاتل سليمان. أتى بعرشها يعني وهي في الطريق، هي مش عارفة إيش اللي بصير، في لمح البصر عرشها انتقل من اليمن وأصبح بين يدي سليمان، فهي الآن جاية لسليمان تريد أن تدخل عليه ستتفاجأ، الكرسي الذي تجلس عليه في اليمن موجود الآن في أين كان؟ في فلسطين، ستتفاجئ.
حاب يعمل لها أيضا شيء من هذا يعني من التمويه في هذا الموضوع، فقال: نَكِّرْ لَهَا عَرْشَهَا، يعني غير في تفاصيل، ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون. لما جاءت، قيل: أَهَكَذَا عَرْشُكِ؟ قال: كَأَنَّهُ هُوَ، يعني شبه عليها لما حصل فيه من التنكير. وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ. وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ. قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ، الصرح هنا القاعة التي كان فيها العرش، قاعة أمر سليمان عليه السلام أن تبنى أرضيتها من الزجاج ويكون تحته الماء. فهي لما أرادت تدخل هذه القاعة ظنت أن الزجاج كان صافي جدا، ظنت أنها تدخل لبحر، فكشفت عن ساقيها. فماذا قال له؟ قال لها سليمان: لا هذا ليس بحرا، قال: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ. هو سليمان لِماذا يفعل كل هذه الأمور؟ لماذا نكر العرش؟ لماذا جاء بالعرش من اليمن إلى فلسطين؟ لماذا وضع البلاط في هذا الصرح؟ لماذا وضعه بطريقة أنه هناك ماء وفوق زجاج؟ هو يريد أن يخبرها أن عطاء الله عز وجل للرسول وللأنبياء يفوق كل قدرات الملوك في التي يستطيعون أن يفعلوها. يعني أنت ملكة يا بلقيس ولك ما لك، وتظنين أنه ما أحد يستطيع أن يفعل فعلك، أراد أن يبرهن لها أن الرسول الذي يوحى إليه من الله، وأن من يؤيده الله عز وجل بالقدرات من عنده، يصنع أمورا عجيبة لا يستطيع ملوك الأرض أن يفعلوها.
فلذلك المشهد الأخير قالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. هي ماذا أدركت في اللحظة الأخيرة لما قالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ هي أدركت أن هذا الرجل إذا هو ليس ملك بالمفهوم الملوكي، يعني ليس مجرد إنسان، لا، هو يفعل أشياء خارجة عن طوق البشر. كيف يكون العرش في اليمن يصبح عنده؟ كيف يستطيع أن يبني كل هذه الأمور؟ يعني هذا الصرح من الذي بناه لسليمان؟ الجن. الجن، هو الله عز وجل أعطى سليمان الجن وأعطاه قدرات هائلة في البناء لا توجد عند الملوك الطبيعيين. فهي لما شهرت هذه القدرات في مثل هذا البناء، وفي مثل هذا الإتقان، وفي مثل كل هذه، كانت بالنسبة لها صدمة، دعونا نقول شيء باهر يدل على أن هذا رجل يوحى إليه من سبحانه وتعالى وأنه صادق في دعوته. طيب، إذن سليمان أقام براهين على صدقه، فاسلمت بلقيس.
موسى عليه السلام في المشهد الأول أتى بتسع آيات بينات، قابلها فرعون بعدم الخضوع والاستكبار. أيضا عندنا نموذج صالح الآن: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا، وصالح بدون ما تذكر تفاصيل آيته، معجزته ظاهرة لكم الله أيده، الله سبحانه وتعالى بماذا أيده؟ الله عز وجل بالناقة التي خرجت من الصخر. ومع ذلك فريق قليل من المستضعفين آمنوا به وجل قومهم مارسوا الاستكبار والعناد، قال: يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ۖ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. تآمروا على صالح، أول شيء تطيروا به تشاءموا به، وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ. قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله، وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا. ربنا بعطيك المشاهد سريعا وهي رسائل للكفار في زمن النبي عليه الصلاه والسلام وإلى قيام الساعة: إذا جاءكم الحق وأصررت على الاستكبار والعناد والتامر على الحق وعلى أهله، فتذكروا فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا، يعني لن تعجزوا الله سبحانه وتعالى ولن يمكن لكم.
هذه فكرة مهم جدا أن نفهمها في القرآن: الله عز وجل يمهل للظالم ويسلطه على المؤمنين ليبتلي به أهل الإيمان، لكنه في اللحظة التي يختارها سبحانه وتعالى يبيد الظلم وأهله. شوف عبارة: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا، كأنها تنقلك إلى ديار ثمود وأنت تدور بين هذه الديار، فلا تجد صوتا، لا تجد إنسانا يتحرك، البيوت خاوية من أهلها، من الذي فعل ذلك؟ والله سبحانه وتعالى. أيضا النموذج الاخير، نموذج لوط: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ أَلَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دونِ النِّسَاءِ. فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: أخرجوا آل لوط من قريتكم. فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا.
هنا يختم المشهد الأبرز في السورة في آية رقم 59: الله عز وجل يختم هذا الدرس الأول: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. إذا نرجع لأول السورة، إحنا قلنا الله عز وجل أراد أن يثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يؤكد لمن يسمع القرآن أن محمدا صلى الله عليه وسلم بالآيات بها ليس بدعا من الرسل، بل هو من جملة البشر الذين اصطفاهم الله ليوحي إليهم من السماء، هو من جملة البشر الذين اصطفاهم الله ليوحي إليهم من السماء. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، في هناك أناس يصطفيهم الله سبحانه وتعالى.
الآن سننتقل إلى مشهد آخر، وهو مشهد أيضا مهم ومحوري في بناء العقيدة: إقامة الحجج على وحدانية الله سبحانه وتعالى. بعد أن ثبتت سورة النمل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن، القضية الأساسية في العقيدة التي يركز عليها القرآن دوما: التوحيد لله سبحانه وتعالى، الذي هو أعظم شيء في الوجود ومن أجله قامت السماوات والأرض. آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ. الله عز وجل هنا يسألهم، وليس سؤال الذي يبحث عن جواب، وإنما سؤال من ينكروا عليهم شركهم: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، يعني أنو أعظم؟ أنو الخير؟ أنو الكمال؟ هل الله بجلاله وكماله الذي يفعل كل هذه الأفعال، أم أصنامكم وأحجاركم التي لا تضر ولا تنفع؟
الآن هنا بدأ الله يتحدث عن نفسه وعن أفعاله العظيمة التي هم يدركون كفار قريش أن أصنامهم لا تستطيع أن تفعل أي شيء منها، وأدنى شيء منها مثل ماذا؟ أفعال عظيمة: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ. أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ. أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ. أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ. أإله مع الله؟ أإله مع الله؟ هل هناك إله يفعل هذه الأمور مع الله؟ هل هناك إله ساعد رب العالمين في جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا؟ هل هناك إله ساعد الله في إجابه المضطر إذا دعا؟ هل هناك إله يهدي الناس في ظلمات البر والبحر؟ طيب، أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ. كله استفزاز وإنكار على هذا الكائن البشري الذي يرى عجائب صنع الله في كل دقيقة من دقائق الكون، ثم بعد كل هذه الحقائق العظمى التي تدل عليه سبحانه وتعالى ربوبية، يصر على أن يشرك معه في العبودية سواه. فيقول سبحانه وتعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. يعني القرآن عم بقدّم براهين واضحة وعلمية وعقلية على أن الذي يفعل هذه الأفعال العظيمة وحده هو الذي يستحق أن يعبد وحده. أنتم الآن ما برهانكم على صلاحية هذه الأصنام للعباده؟ ما حججكم على ما تمارسون من الشرك؟ هاتوا برهانكم، لأن الله عز وجل يريد أن دعونا نقول يكون هناك نقاش علمي معهم، مش بدكم نقاش علمي؟ نحن أقمنا براهيننا العلمية العقلية، أين براهين أنتم؟
قال سبحانه: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ. الدارك، قال العلماء معنى الدارك: تتابع واستحكم، استحكم علمهم في الآخرة. الآن ما معنى بل ادارك علمهم في الآخرة؟ ما معنى أن علمهم بوجود الدار الآخرة تتابع واستحكم؟ البعض قال إن الله عز وجل يستهزئ بهم، مثلا كيف تقول الشخص والله شخص جاهل لا يفهم شيئا ولا يريد أن يفهم تقول والله فلان ما شاء الله ما أعلمه، ما أذكا. فالله عز وجل يريد أن يقول هؤلاء الكفار الذين يجحدون وجود الدار الآخرة ويشككون فيها، يقول ما أعلمهم بوجود الدار الآخرة على سبيل الاستهزاء والتهكم! ما أفهمهم أنه في دار آخرة، بل هم في شك منها، بل هم منها عمون.
شوف هنا أيضا انتقلت الصورة لنقاش موضوع الدار الآخرة. شوف هكذا القرآن، القرآن بيعالج مواضيع العقيدة جميعها، أحيانا في بعض السور، يعني سورة النمل تكلمت عن مصدرية الوحي، القرآن تكلمت عن وسلامنا على عباده الذين اصطفى، صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، تكلمت عن قضية التوحيد، والآن جاءت لتتكلم عن القضية الأخيرة الخطيرة، وهي قضية الدار الآخرة. بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، ما أعلمهم بوجود دار آخرة! على سبيل الاستهزاء. البعض قال لا، هو ليس استهزاء، وإنما المراد ببل ادارك علمهم في الآخرة، أي أن الله سبحانه وتعالى منحهم من وسائل معرفة وجود الدار الآخرة ما كان ينبغي معه أن يستحكم علمهم بها ويتاكد من وجودها. الله عز وجل أقام في هذا الوجود من الأدلة والبراهين على وجود الدار الآخرة ما كان يلزم منه ماذا؟ ما كان يلزم منه أن يستحكم علمهم بها وأن يزدادوا يقينا بوجودها، لكنهم للأسف بل هم في شك منها، استمروا في الشك، استمروا في العماية وعدم التصديق بها.
طيب، وقال الذين كفروا، إيش قالوا؟ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ. نفس قضية اللي هي قضية ليست علمية، يعني معقول إذا أصبحنا ترابا نعود نحيا من جديد؟ أظنك أنت تستطيع أن تجاوبهم عن هذه الحجة، طب ماشي، أنت لما تصير تراب شو المشكله أن ربنا يرجع يحييك من جديد؟ طب ما أنت كنت عدم أصلا! ما أنت أصلا كنت عدم ووجدت، أليس إعادة الخلق من جديد أسهل من خلق خلق جديد من عدم، وهو أهون عليه؟ إعادة الخلق من الناحية المنطقية التفكيرية البسيطة أسهل بكثير بكثير من إنشاء الخلق لأول مرة.
فالله سبحانه وتعالى حتى هنا لم يجيبهم في هذه السورة، بس وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. هنا لم يجيبهم، لأنه أجابهم في صور كثيرة، لكن هنا فقط هو يريد أن يخبرك كم يكررون هذه الحجة على ألسنتهم، كم يكررون هذا النمط من الاحتجاج الضعيف الهزيل الكئيب، ويظنون أنفسهم بيناقشوا نقاش علمي أنه هذا تراب في الأرض كيف يمكن أن يعود إلى حياة جديدة؟ هذا أقصى ما عند في عدم التصديق بالدار الآخرة أنه كيف يمكن للتراب أن يعود مرة أخرى انسانا؟
فالله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: فَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن في ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ، يعني لا تتالم على ما يفعلونه بك، على ما يواجهونه بك. فتذكر موسى وبماذا وجه؟ تذكر سليمان، تذكر صالح، تذكر لوط، هذه هي سنة الله سبحانه وتعالى، أنه عندما يأتي النبي برسالات سيبقى هناك من يعاند هذه الرسائل، سيبقى من لا يخضع لهذه الرسائل، سيبقى من يشكك فيها، هذا صراع بين الحق والباطل إلى أن يقضي الله سبحانه وتعالى أمرا كان مَفْعُولًا.
آية 76: إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. إذا هذا القرآن ليس فقط فائدته لكفار قريش أو للعرب، بل هذا القرآن أيضا سيستفيد منه بنو إسرائيل، لأنه سيقضي بينهم في كثير من الخلافات الفكرية والعقدية التي كانت تدور بين أحبارهم ورهبانهم. وهذا فيه إشارة أن هذا القرآن ليس فقط لجنس واحد من البشر، ليس للعرب فقط، بل هذا الكتاب لجميع البشر، لجميع الأمم، للعربي واليهودي والنصارى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بَحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ.
طيب، هنا الله عز وجل ما زال يثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم في آية 70: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ. تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. في آية 79: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ. يا محمد صلى الله عليه وسلم، أنت وظيفتك البلاغ، وموتى القلوب موتى القلوب لن ينتفعوا بما تدلي به، إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ أي موتى القلوب، وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ. من كان عنده صمم عن سماع الحق، ومن كان عنده عمى عن رؤية الحق، هؤلاء لن يستفيدوا من هذه الدعوة، إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ.
هنا الله عز وجل يريد أن يعطي تخويف لكفار قريش ولكل الكفار في ختام السورة أنه انظروا إلى مشهدكم في الدار الآخرة كيف سيكون تمام؟ أنتم قابلتم القرآن الرسالة الدار الآخرة قضايا التوحيد، قابلتم بالتشكيك والكفران. السلام ورحمة الله، حياك الله. تمام قابلتم بالاشتراك والكفر والإعراض، كيف سيكون مشهدكم في الدار الآخرة؟ قال: حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا. شوف الآن يوم القيامة الله عز وجل يعطيك هؤلاء الكفار يوم القيامة ماذا سيكون؟ وَأَقْبَلُوا. حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
إذا وقفوا بين يدي الله، قال: أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما؟ يعني في الدنيا كنتم تسمعون القرآن، وجاءت البراهين والمعجزات: أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما؟ ماذا كنتم تعملون أنت؟ إيش كنتم بتسووا في الدنيا أمام كل هذه الحقائق، بماذا استقبلتموها؟ ووقع القول عليهم بما ظلموا، وقع القول عليهم يعني وقع عليهم عذاب الله، خلص حق عليهم العذاب.
ظلموا أنفسهم في هذه الحياة الدنيا، ألم يروا أن ذكر الله عز وجل أيضا هنا بعض الآيات الدالة على كماله: جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون. ولكن، وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّمَاوَاتِ وَمَن في الأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتُوهُ دَاخِرِينَ، داخلين بمعنى صاغرين أذلاء. وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ يوم القيامة، الموازين أو الحكم الإلهي واضح: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ.
برجع بقول إنه كثير من هذه الحقائق أنت تراها واضحة يا شيخ، مفهومة، أنك عليك أن تحمد الله سبحانه وتعالى أن هذه القواعد واضحة عندك، لأن أكثر أهل الأرض اليوم، وليس فقط زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ما عندهم هذه القواعد، ما عندهم إيمان أنه في شي اسمه دار آخرة، وأنه في موازين، وأنه من جاء بالحسنة فله خير منها، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار. أكثر أهل الأرض اليوم هم لا يؤمنون بهذه القضايا، فأنت أولا ما تبقى تقول: طب هي بالنسبه لي مفهومة، أنت بالنسبة لك مفهومة، لكن بالنسبة لجل أهل الأرض هم غير مؤمنين بها، فكل إنسان سيدخل في هذا الدين سيحتاج إلى هذه المعلومات حتى تصوب له البوصلة، هذا واحد.
اثنين، أنت أيضا تحتاجها، لماذا تحتاجها؟ لأنه صحيح أنت مؤمن أنه من جاء بالحسنة فله خير منها، ومؤمن أنه من جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار، لكن هل أنت تعمل وفق علمك؟ يعني هل أنت عملك في الحياة الدنيا، تصرفاتك الدنيوية كمسلم، هل هي وفق معرفتك أنه من جاء بالحسنة فلهو خير منها، أم تجد كثير من المسلمين اليوم يقترفون الذنوب والمعاصي والفواحش والغفلة والإعراض، وهم غير مكترثين أنه في عيد من الله أنه من جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار؟ فأنت فعلا ممكن تقول أنا فاهمك معلومة، بس أنت مش عم تعمل فيها، فتحتاج أن تقرا القرآن دوما لتذكرك هذه الآيات بهذه الحقيقة.
يا إخوان ويا أخوات، الذي يعمل السيئات سيكب على وجهه في النار، الذي ينظر إلى الحرام يكب على وجهه في النار، الذي يأكل الربا والحرام يكب على وجهه في النار، الذي يعق والديه يكب على وجهه في النار، الذي يحرم أخته من الميراث يكب على وجهه في النار، وقص على ذلك المعاصي اللي واقع فيها كثير من المسلمين، فلا تقل لي والله هذه المعلومة واضحة، هي كمعلومة...
النبي صلى الله عليه وسلم يأمره الله عز وجل أن يقول شيئا في ختام سورة النمل، آمره الله أن يقول: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ. الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بماذا؟ أولا بعبادة الله: أن أعبد رب هذه البلده، وهذا اعظم مقصد لوجود الإنسان أصلا، عبادة الله. وامر أن يسلم لله سبحانه وتعالى في كل أموره الظاهرة والباطنة الشرعية والقدرية: وأمرت أن أكون من المسلمين. وامر أن يتلو القرآن، وهذا الأمر الثالث، ترى منتبهين له؟ وأمرت، ايش قال؟ وأن أتلو القرآن.
إذا من وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم تلاوة القرآن، لأن القرآن مذكر، القرآن منبه. ممكن بعضكم يقول: شيخ أنا مثلا قرأت القرآن كثير في حياتي، ليش لازم أضلني أقرا القرآن؟ من وظائف الوجود الإنساني أن يبقى الإنسان يتلو القرآن. أنت كنسان وجدت على هذه الأرض، من وظائف وجودك أن تبقى تقرا وتعيد وتقرا، لأن القرآن نزل ليتلى. طب لماذا يريد أن يتلى؟ لأمور عظيمة جدا قد تدركها وقد لا تدركها، لكن من أعظمها أن القرآن منبه ومذكر وموقد للحقائق التي تغافل عنها الإنسان وتشاغل عنها.
فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن من وظائف وجودي تلاوة القرآن، وأنت أيها الإنسان من وظائف وجودك أن تتلو القرآن. هذا مهم جدا أن تفهمه: يريد الله مني كنسان أن أفعله هذا الشيء وأن أداوم عليه. طبعا المراد تلاوة القرآن حق تلاوته، التلاوة التدبرية، التلاوة المبنية على فهم، التلاوة المبنية على إسقاط القرآن على واقع الحياة، وليس مجرد تلاوة القرآن بعيدا عن معانيه وفحواه.
هذه سورة النمل، نذهب أيها الكرام إلى سورة الشعراء. سورة الشعراء ابتدات أيضا بماذا؟ بسم الله الرحمن الرحيم، طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. حقيقة احتفاء الله بكتابه عظيم جدا في القرآن، ومطالع السور بحد ذاتها هي تعطيك هذا الاحتفاء وتعطيك هذا المؤشر: تلك آيات الكتاب المبين. والله يركز على وصف القرآن بأنه مبين، حتى لا يأتي شخص يريد أن يعرف سر الوجود وغاية الحياة من كتب الفلسفة ولا من كلام أرسطو ولا من كلام فلاسفة الهند ولا على طريقة المتكلمين. القرآن كتاب مبين، ما دام الله وصف القرآن بأنه مبين، أعظم شيء سيبينه القرآن للإنسان: العقيدة وغايات الحياة والوجود. مش ممكن يكون القرآن مبين وبعد ذلك نجد كثير من تفاصيل العقيدة والله القرآن ظاهره غير مقبول فيها، ظاهره لا يدل على الحق. طب من وين بدنا ناخذ الحق؟ نبدا ننظر في كلام فلاسفة الشرق والغرب وكلام البشر والكلام الوضعي، ونترك الكلام الالهي الذي يتكلم به ربنا سبحانه وتعالى؟
إذا دائما تذكر، ما دام الله وصف القرآن بأنه مبين، إذن فيه من البيان والشفاء التام لمن يبحث عن الحق. ممكن بعض الناس يقول لك: طب يا شيخ أنا ماشي مامن أن القرآن مبين، لكن مش قادر أفهم القرآن نفسه، يعني أنا محتاج لكتب في العقيدة أدرسها ومحتاج لمشايخ و... طبعا، أنت تحتاج إلى أهل العلم حتى يكشفوا لك هذه الإبانة، أنت كنسان لا تملك أدوات المعرفة القرآنية إذا بدي أسميها: اللغة العربية والقواعد العقلية وضعيف هذه الامور، لن تستطيع أن تفهم وجه الإبانة في القرآن إلا من خلال ماذا؟ أن تتلمذ على يد المشايخ والعلماء في مجالس التدبر، في كل مجلس وفي كل... يمكن أن يكشف لك شيء من بيان القرآن، لأنه فعليا هو بيان القرآن، بيان اعجازي، يعني بيان أنت كنسان في هذا القرن، بعيد جدا عن اللغة التي كانت في ذاك الزمان، ستبقى تشعر أن هناك فجوة بينك وبين فهم بيان القرآن.
يعني سامحوني أنا أزعم أن كفار قريش، كفار قريش كانوا يفهمون بيان القرآن أكثر منا، صح ولا لا؟ لذلك كانوا إذا قرأت السورة أمام أبو جهل ولا الوليد بن المغيرة: مهلا يا أبا القاسم. وكانوا يصفون القرآن بالأوصاف العجيبة وهم مشركو، لانهم كانوا يعرفون الحبكة والقدرات البيانية وكيف القرآن يبني الفكرة، لأنهم أهل اللسان. وبالتالي، مهم جدا لمن يريد أن يبحث عن بيان القرآن أن يتعلم لغة القرآن، كلما كنت متقنا في العربية، فاهما لها، مستوعبا لجوانب كل... من انکشف لك شيء كبير من بيانات القرآن الكريم، أما وأنت ضعيف، خلو الوطاب من اللسان العربي -هذا بلسان عربي مبين، مش شك، في آيات أخرى بلسان ايش؟ عربي مبين- بدك تعرف اللسان العربي عشان تعرف ايش يعني مبين.
أما يفهم بعض الناس بده يصير فاهم القرآن ويعرف دلالاته ما عنده اللسان العربي، وساته على سوري ويلكم ومرحبا ويعني بيحكي في حياته بيحكي أجنبي، في أمثال هؤلاء سيكونون بعيدين جدا عن فهم رسالات الله سبحانه وتعالى.
طيب، بعد هذا الاحتفاء يأتي كالتوطئة لموضوع السورة، هذا الاحتفاء بالقران ياتيك التوطئة: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. بعدين بندخل جو السورة: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ يا محمد صلى الله عليه وسلم، باخع يعني مهلك نفسك متأسف تمام الأسف على قومك ألا يكونوا مؤمنين. الله عز وجل يريد أن يسلي نبيه صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي لشدة رحمته وشده شفقته على قومه كان لا يحب أن يراهم على الكفر، يخشى عليهم من عذاب الله سبحانه. فكان الله عز وجل يقول له: أنت يعني بدك تهلك نفسك لأنهم مش مؤمنين؟ خلص، إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. شوف كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، فالله يقول له: إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً، يعني الله قادر، الله قادر أن ينزل آية واضحة جلية يخضع لها الجميع ويؤمن بسببها الجميع، قادر، قادر، لكنه لم يرد ذلك، أراد سبحانه أن تبقى هناك قضايا من الغيب، غائب عنك أيها الإنسان، وأراد سبحانه أن يعطيك الحق بصورة معينة، ومطلوب منك يا أيها الإنسان تقبل الحق بناء على الأدلة الموجودة، وليس لك أن تشترط على الله أن يأتيك ببراهين وآيات يعني يكشف لك بها الغيب، لا.
هو سبحانه وتعالى لأنه قضى أنه سيملا جهنم من الجنة والناس أجمعين، وخلق خلقا للنار وقضى أن هناك خلق سيكون للجنة، أراد سبحانه حتى يقيم الحجة على البشرية أن يعطيك عدد معين من الأدلة والبراهين. الإنسان الذي سيعمل عقله بشكل صحيح سيعرف دلالة هذه الأدلة والبراهين على الحق، وبالتالي يوفق ويدخل الجنة. والإنسان الذي لن يعمل عقله بالشكل الصحيح وسيبقى يلتف حول هذه الأدلة والبراهين سيخيب وسيدخل نار جهنم، هي هكذا الحياة. وإلا الله عز وجل يقول لنبيه: إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية، يعني أنا قادر أن أنزل آية باهرة يؤمن بها كل البشرية، لكن الله لا يريد أن يفعل ذلك، هو يريد أن تبقى أدلة الحق أدلة على مستوى معين، محدود، ومكشوفة، واضحة، وجلية، من سيعمل عقله بالشكل الصحيح سيعرف دلالتها فيؤمن بالله ويؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم يؤمن بالقران وينصاع للوحي وفوز بالتالي بالجائزة جنات النعيم، والذي سيوار ويخرج عن هذه الأدلة ولن ينصاع لها ويبقى دائما يدندن: أريد آية أوضح، أريد آية من النوع الأعلى كما كان كفار قريش: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ... فالله يقول: لا، احنا لسنا لتحقيق الامنيات، لسنا لتحقيق الامنيات وانه لازم أنزل لك الآية على كيفك وعلى التفاصيل اللي أنت بدك اياها، لا يا أيها الإنسان هذا مش مطلوب من الإله، أنت العبد وأنت الإنسان الضعيف.
الله عز وجل أصلا هو يمن عليك أنه أعطاك هذه المعجزات، معجزة القرآن هذه التي بين يديك، هذه من أعظم كرم وجود الله سبحانه وتعالى عليك، هذه المعجزة باهرة مقنعة تدل على الحق، شغلت عقلك فكرت بشكل جيد تخلصت من هواك وكنت متوازن في التفكير سيكون الحق واضح جلي لا إشكال فيه، بقيت بنفسيه المعاند هي مصير نوح قوم نوح وفرعون وعاد وثمود. بنظركم، يعني بتشعر القرآن الكريم عم يعطيكم الخلاصة هيك؟ فالله عز وجل يقول: وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ، يعني هم ينظرون آيات أخرى أعلى من القرآن، ولما ياتيهم القرآن يستقبلونه بماذا؟ بالإعراض والاستهزاء. فَقَدْ كَذَّبُو... ماشي، كذبتم بالقران مع أنه معجزة باهرة، فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ.
ثم بدأ الله سبحانه وتعالى يعطيك نماذج المستهزئين بالرسل والرسالات وكيف كانت ختاماتهم، حتى لأنه لما تقول فسياتي انباء ما كانوا به يستهزئون كان الكفار سيقولون: إيش سياتينا؟ طيب، تعالوا نقول لكم إيش سياتيكم؟ دعونا نشوف أول نموذج: موسى عليه السلام أتى إلى فرعون بالآيات البينات الواضحات، أتى بعصاه انقلبت حية، وأتى باليد التي تصبح بيضاء، وأتى بتسع آيات، والسحرة رموا العصي، ولما رموا العصي وحاولوا أن يسحروا الناس جاءهم موسى عليه السلام فألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون. ثم بعد ذلك رويدا رويدا فرعون أراد أن يتبع موسى وجنده وأصحابه وأراد أن يهلكهم، شوف ماذا كانت نهاية... أنا ما بدي أقص القصة لأنها واضحة لديكم، ماذا كانت نهاية فرعون وجنوده؟ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ. يعني أنتم بتقولوا: ما هي ما هو الذي تتوعدنا به يا محمد صلى الله عليه وسلم؟ هي أول نموذج على خطى فرعون نوعدكم، على خطى فرعون وجنوده، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ.
شايفين فرعون اللي بتسمعوا عنه بجبروته ومملكته وحشمه؟ فرعون صاحب موسى، اللي دائما بنو إسرائيل يحدثونكم عنه، تذكروا مصير فرعون ونهايته. طيب، ناخذ مثال آخر: إبراهيم عليه السلام مع قومه وكيف جادلهم وحاورهم: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟ قَالُوا: بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. نقاش طويل بين إبراهيم عليه السلام وبين قومه. الله عز وجل يخبر ماذا فعل بقومه، ماذا سيحصل بهم يوم القيامة؟ ربما قوم إبراهيم بالتحديد ما فيش نهاية لعذاب دنيوي لهم في القرآن الكريم، يعني احنا بنعرف نهاية قوم نوح، بنعرف نهاية قوم لوط، بنعرف نهاية قوم فرعون. إبراهيم عليه السلام بنعرف كيف نجاه الله وكيف الله عز وجل انجاه من كيد القوم الكافرين، لكن القرآن لما يتحدث عن قوم إبراهيم يتحدث ماذا سيحصل لهم في الدار الآخرة، ماذا سيحصل لهم في الدار الآخرة، وهذا أيضا من الأنباء التي ستاتي، هو ضروري ضروري يكون
العذاب في الدنيا، كل عذاب الدنيا هو محدود جدا مقارنة بعذاب الآخرة. فلما تكلم الله عن قوم إبراهيم، ما أعطى عذابا دنيويا وقعوا فيه، وإنما تكلم ماذا سيكون حالهم في الدار الآخرة: وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ. هذا الكلام في سقافة قصة إبراهيم: وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ، وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.
أليس إبراهيم كان يقول لقومه: ما هذه الأصنام التي أنتم لها عاكفون؟ قالوا: وجدنا آباءنا لها ععبدين. قال: لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. هم أصروا، قالوا: لا، احنا مش رح نتركه، وزعلوا. ليش إبراهيم كسر أصنامهم وليش حدث ما حدث؟ صح زعلوا وأرادوا أن يحرقوا إبراهيم. هؤلاء ماذا سيكون مصيرهم يوم القيامة في هذا المشهد؟ أينما كنتم تعبدون من دون الله، هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ. قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ، تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، إِذ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. هكذا سيقول قوم إبراهيم لما يدخلون النار: سيقولون أصنام مبين، إذ نسويكم برَب العالمين. وما أضلنا إلا المجرمون، أسيادنا من الجن والإنس. نهاية مأساوية كانت لهم: فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ. فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. الله أخبر أنه كل شيء انتهى. طيب، دقيقة حتى أفصل هذا الهاتف.
نأتي الآن إلى نموذج آخر أيضا من نماذج: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ، أو: فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِم يَسْتَهْزِئُونَ. شوف هذه الكلمة، أو في مطلع سورة الشعراء: فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ في آية ستة. هي تفصيلها، كل ما سياتي إلى آخر سورة الشعراء: فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. بدأ الله يقص بشكل منسق ومترتب أنباء الأمم السابقة وماذا كانت نهاياتها. تيجيك هنا قصة قوم نوح: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ، قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ. فلما يطارد المؤمنين قالوا: لئن لم تنتهي يا نوح لتكونن من المرجومين، قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا. النهاية: ثم أغرقنا بعد الباقين. انتهى قوم نوح: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِه يَسْتَهْزِئُونَ.
طيب، نجي لقوم عاد: أخوهم هود نصحهم، ذكرهم: اتقوا الله وأطيعون، ما أسالكم عليه من اجر. ربنا أنعم عليكم، تتخذون مصانع، أعطاكم أمدكم بأنعام وبنين، جنات وعيون، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. بماذا استقبلوا هذه الدعوة؟ قالوا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ. يعني نصحت أو لم تنصح ما راح تفرق، إن هذا إلا خلق الأولين. وهذه سبحان الله هذه الشبهة، وهذه متكرر جدا في الأمم السابقة وإلى يومنا، أن الإنسان يستدل على باطله بأن من سبقه كان على ذلك، من أقبح القبيح كما قال ابن حزم في مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق. من أقبح القبيح في الحجج الإنسانية أن يستدل الإنسان على شيء بأن من سبقه كان يفعله. هل صحة هذا الشيء، أو هل كون هذا الشيء صحيح أو غير صحيح مبني على أن من سبقك كان يفعل ولا لا؟ أن تقول والله ليش أنت تفعل هذا الشيء؟ هل لديك برهان عليه؟ فتقول: لا، بس أبوي كان يعمل هيك. طيب، أبوك كان يعمل هيك، هذا دليل على صحة ما تفعل أنت؟ لا، ممكن أبوك كان مخطئ، ممكن جدك كان مخطئ، ممكن كل قومك وعشيرتك كانوا مخطئين، فلا تبقوا على منوالنا. إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ. شوف القرآن يعلمك طريقة التفكير الصحيح. القرآن مش فقط يعطيك معلومات واضحة وينتهي، لا، لا، يعطيك معلومات واضحة بيعلمك برضه إنه في طرق في التفكير هذه بدك تجتنبها، إياك أن تستدل على الحق، أو على أن شيئا حق أو غير حق، بماذا؟ بأنك وجدت أبوك يفعله أو جدك كان يفعله. هذه كلمة متكررة: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ.
لذلك ابن القيم رحمه الله عليه يقول: وإن من أسباب الضلال التمسك بالعادات والمألوف. من أسباب الضلال في الجنس البشري ما هو؟ التمسك بالعادات والمالوفات، أنا هيك طلعت على الدنيا ولقيت الناس بيعملوا بكون زيهم. ما بزبط، ما دام هناك حق وبراهين علمية وعقل يفكر، يجب عليك أيها الانسان أن تشغل عقلك وطاقاتك العقلية لتعرف الصواب من الخطا، وليس من الأدلة كون الآباء والأجداد على هذا الشيء، وليس من الأدلة كونك اعتدت على هذا الشيء. فالله يعلمك كيف تفكر، هذه نعمة القرآن لمن يتدبر. يقول لك: أوعدك تفكر في هذه الطريقة، وبحذرك، أوعدك تحكي له أبوي كان يعمل هيك، لا أبوك ولا جدك ولا جد جدك، هذا ما عند الله مش عذر مقبول. الله سبحانه وتعالى أعطاك عقل وأعطاك وسائل للتفكير وأعطاك أدلة واضحة. يعني أدلة الوحدانية أدلة الرسالة مش أدلة صعبة جدا جدا تحتاج لأذكار حتى يفهموها. البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير. يعني أبسط شيء في هذا الوجود، هذه الشمس التي أراها امامي، فقط لو فكرت فيها كم هي عظيمة ستدل على الله صح؟ مش محتاج أنت تكون ذكي وعبقري حتى تعرف أن هناك إلها. وأن من وضع هذه الشمس في هذه السماء، اللي بنى هذه السماء العظيمة، وهذه الجبال والاشجار وهذه الأرض، هذا إله عظيم، ومن فعل هذا هو الذي يستحق أن يعبد. انتهى يعني هكذا العقل السوي يحكي.
أنك تترك كل هذه الأدلة الباهرة أمامك الساطعة وتشرك، وحجتك في الشرك شو هي؟ أبوي كان مشرك! هذه حجة؟ هذه حجة تقابل بها الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؟ هذه حجة مقنعه أنه أبوي كان يفعل كذا؟ هذا ليس فقط في قضايا الشرك بل حتى في قضايا الذنوب والمعاصي والأخلاق. كثير من الناس يفعل معاصي وذنوب وأخلاقيات سيئة، تقول له من لماذا تفعل هذا؟ يقول لك: ما هو أبوي كان يعمل هيك. شوف، تذكروا الطفل الصغير لما يروح على المدرسة، تمام؟ يأتيه المعلم والمدرس ويقول له: ليش بتعمل هيك أنت؟ مش غلط. شو بيجي يحتاج؟ بقول لك: أنا بشوف أبوي في الدار. بكون أبوه مثلا بدخن، أو أبوه بيعمل نوع من المعاصي، فالطفل لما يرتكب خطأ في المدرسة أو أمام الناس ويسأله الناس: أنت ليش تعمل هيك؟ بيجي بيقول لك: هو بابا بيعمل هيك في الدار. هذه حجة الطفولة.
هذه هي عقلية الطفل اللي بيقول أبوي بيعمل هيك، أما لما تصبح رجل بالغ مش رح يمشي عند رب العالمين: أبوي بيعمل هيك، وأبي كان يعبد صنم، وأبي كان يعبد شجر، وأبي يفعل كذا. لا، لا، هذه حجج الأطفال اللي هذا قصار جهدهم، إنه يستدل على شيء معين أنه صواب، إنه أبوه في البيت بيعمله هيك الطفل. أما البالغ العاقل لا يقبل منه ذلك عند الله سبحانه وتعالى. لذلك لما أنت الآن تصبح بالغ ورجل كبير وبقول لك ليش بتمارس هذا الخطا؟ بقبل منك تيجي تحكي أبوي كان يعمل، أبوي بيعمل هيك؟ ما بتقبل صح.
يعني لما يجي طفل صغير بتتفهم، بتقول والله الحق على أبوه لأنه أبوه عوده على الخطا، والرجال خطا، هذا صغير ما عنده قدرة، فقسارة ما عنده من الحجج أنه يقول أمام المعلم ايش أبوي بيسوي، فأنا ليش بأعذر الطفل؟ مش لأنه كلام الطفل مقنع، لأنه هي قدرة استيعاب الطفل أنه يقول أبوي بيسوي، ما بستطيع يخرج عن هذه الدائرة، فبيلوم أبوه. لكن لما يكون إنسان عاقل وكبير ورجل صار عمره 40، 35 سنة، 30 سنة، 20 سنة بيقول لي: أبوي بعمل، بقول لا بينفعش. لما كنت صغير كنا نمشيها، لأنه قدراتك لا تستوعب أكثر من ذلك، ما عندك قدرة أنك تقيم التصرف الصحيح من التصرف الخاطئ. لكن إذا بلغت، ليش البلوغ يبدا عنده التكليف ليه؟ مش احنا الآن بقول في الإسلام الإنسان متى يبدا يكلف؟ عند البلوغ، ليه؟
يا الحارث لماذا عند البلوغ يبدا التكليف؟ لأنه العقل يكتمل، ويصبح بالتالي الإنسان لديه قدرة أن يميز الصواب من الخطا. لذلك ليش البلوغ بتصبح بعد أنت مكلف وتسجل عليك سيئات وحسنات؟ لأنه عندما تبلغ، هذا معيار اكتمال العقل. بالتالي هنا بيكون ربنا منحك قدرات عقلية اللي هي احنا بنسميها الميزان في سورة الحديد: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ. الكتاب الوحي، الميزان القدرات العقلية القواعد العقلية الصحيحه حتى توزن فيها الأمور في حياتك. ربنا أعطاك ميزان ونزله على كل بشر حتى تبدا أنت توازن الأمور، وبالتالي لما تصبح مكلف مش راح يقبل منك: إني وجدت أبوي. لا، أنت عندك عقل وميزان، أوزل اللي فعله أبوك، هل اللي عمله أبوك صح ولا خطا؟ هل اللي عمله جدك صح ولا خطا؟ هذا اللي بيعملوه أهل بلدك، قومك وعشيرتك، صح ولا خطا؟ هنا يبدا الإنسان رحلته الحقيقية، وهذه الرحلة: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ، وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ. أبوك يوم القيامة لن يخدمك، وجدك وعشيرتك وقومك ما حدا راح يخدمك، أنت ستخدم نفسك بنفسك. عندك عقل فكر، أوزن الأمور واعرف الصواب من الخطا.
طيب، هذا كله ذهبنا إليه، قول قوم عاد: إِنْ هَذَا إِلَّا خُلْقُ الْأَوَّلِينَ. فعاد ايش قالوا لنبيهم هود: ما نحن عليه من الشرك هذا خلق الأولين. يعني هذا أسلوب الأولين، كل الأمم قبلنا مشركة، يعني هي وقفت علينا؟ هود: إِنْ هَذَا إِلَّا خُلْقُ الْأَوَّلِينَ. هكذا كان الأولون على الشرك: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. مساكين، فكذبوه فأهلكناهم. فكذبوه أهلكناهم يعني هم نزل العذاب وحق عليهم: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً. اذكروا، انتبهوا يا أيها الكفار إلى قيام الساعة، دعكم من عقلية المستكبر اللي بقول لك: والله هيني صار لي مشرك 60، 70 سنة وما شفت عذاب! ما هو العذاب يجي في لحظه، العذاب هو ماذا؟ لحظه وبعديها لن تقوم لك قائمة، أنت مستعجل على ماذا؟
طيب، ثمود. كذبت ثمود المرسلين. قال لهم أخوهم صالح: أَلَا تَتَّقُونَ؟ المهم صالح ناقش ثمود، ناقش ثمود: تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ. يذكرهم بنعم الله عليهم فيما مكنهم الله سبحانه وتعالى، لا تطيعوا أمر المسرفين. قالوا إنما أنت من المسحرين. رجع الكفار، شوف شبهات الكفار عبر التاريخ متشابهة! قالوا إنما أنت من المسحرين، ايش يعني؟ قالوا من المسحرين يعني المسحر، أي لك حلقوم وبلعوم ومريء مثلك ومثلنا. ايش يعني؟ يعني أنت بتاكل وبتشرب مثلنا ومثلك، طب ايش يعني؟ قال ما بينفع يكون الرسول اللي بدو يحكي معان بشر، احنا بدنا رسول ملائكي، معقول يجينا رسول بشر؟ هاي خصلة واضحة في قوم ثمود بالتحديد، هذا الكلام أكثر من في سورة القمر، ايش قالوا في قوم ثمود؟
قالوا: أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ. قوم ثمود كثيرا في القران ما جاء على ألسنتهم أنهم مش قابلين أن يكون الرسول الذي يأتيهم بشر، مش يعني قد يعني بالنسبة لهم مش مقبولة، قالوا: إنما أنت من المسحرين، يعني أنت رجل لك حلقوم وبلعوم ومريء وتاكل وتشرب مثلنا، طب ايش العجيب يعني إن سؤال اللي بحكيه حق ولا باطل؟ جاءك الحق من ملك، جاءك الحق من جن، جاءك الحق من بشر، أنت ايش علاقتك من أين جاءك الحق؟ سؤال الذي أقوله من حيث الأدلة العقلية كمعلومات صح ولا خطا؟ هنا النقاش.
لذلك لما إبليس، إبليس لما نصح أبا هريرة رضي الله عنه أن يقرا سورة آية الكرسي. النبي صلى الله عليه وسلم ايش قال لأبي هريرة؟ صدقك وهو كذوب. في قصة طويلة أنه إبليس كان يأتي، الشيطان كان يأتي ويفسد على أبي هريرة المستودع اللي كان النبي صلى الله عليه وسلم واضعه فيه، وكل مرة أبو هريرة أدخل على مستودع الزكاة بيمسكه. فيقول له: أعاهدك أنني لا أعود مرة أخرى. فأبو هريرة مسكه ثلاث مرات، المره الثالثة قال له: طيب، أعلِّمك شيء ينجيك الله عز وجل به مني وتكفى شري؟ قال: نعم، علمني. قال: أو يعني أخبرني ايش عندك؟ قال: اقرأ آية الكرسي فإنك إذا قراتها كُفِيت. فأبو هريرة ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال، طبعا أبو هريرة هو ما كان عارف إنه اللي بيمسكه كل يوم إبليس، إبليس كان جاي على صورة بشر وكان يدخل على مستودع الزكاة وكل يوم بيمسكه أبو هريرة وعده أنه لن يأتي مرة أخرى، المره الثالثة نصحه أن يقرا آية الكرسي.
هنا أبو هريرة ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، هيك هيك الموضوع، هيك هيك القصة، في واحد كان بيجي كل مرة بمسكه بحكي إنه مش رح يرجع، المرة الثالثة قال: اقرأ آية الكرسي ويكفيك الله أمري. قال: هذا إبليس كان يأتي كل مرة يفسد عليك، ولما طلب منك أو وجهك أن تقرا آية الكرسي قال: صدقك وهو كذوب. يعني هو رجل إبليس كذوب، لكن في هاي صدق، وبالتالي خذ منه، خذها منه! أنت متخيل إذا أنت كإنسان، أنت كإنسان مطلوب منك أن تأخذ الحق ولا تبدأ تبحث من أين جاء الحق، ما دمت متاكد إنه هذا الشيء هو حق إذا تقبله بالادله والبراهين خلص الحق ما في مشكلة. إياك أن يمنعك عن استقبال الحق أنه اجى عن طريق شيخ والله أنا بحب أسمع له، أو اجى من طريق درس أو شخص أو كذا أنا لا يروق لي، لا، لا، ما دام حق بدك تقبله، هكذا يريد الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يكون.
طيب، عقروا الناقة، أصبحوا نادمين، فأخذهم العذاب، إن في ذلك لآية. هذه نهاية قوم ثمود. قوم لوط، طبعا هنا في سورة الشعراء الله عز
وجل أراد أن يخبرك أن كلام الأنبياء موحد؛ كلام الأنبياء من لدن موسى، نوح، إراهيم، عاد، هود، صالح، لوط، كلهم ايش كانوا يقولون: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. هذه عناوين موحدة بين الأنبياء. أتأتون الآن في مشاكل خاصة في كل قوم؟ مثلاً، قوم لوط شو مشكلتهم الخاصة؟ أنهم قوم كانوا -العياذ بالله- يفعلون الفاحشة مع الرجال: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ.
المهم نقاش طويل، القوم أصروا على كفرهم، فالله قال: ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ. شوف العبارات القرآنية، دمرنا. كلمة دمرنا بتشعر أنها مقلقه، دمرنا، أهلكنا، أخذهم العذاب، هذه الألفاظ اللي في سوره الشعراء: دمرنا، أهلكنا، أخذهم العذاب، أغرقنا في قوم نوح، كلها عبارات تدل على أخذ الصيحة، تمام، التدمير، الإبادة التامة الذي لم يبق شيء يتحرك منهم. فهنا الله عز وجل يريدك أن تشاهده وهو يدمر الظالمين، وهو يهلك الفاسدين، وهذا الأصل إذا احنا لو صفت قلوبنا لخفنا، لو صفت قلوبنا حقيقة لأورث ذلك فينا خوفاً. إذا كانت أمم أبادها الله، طيب أنت بشر وعم تعصي الله في الخلوات والجلوات، ألا تخاف أن يبيد الله يعني أمم وأساطير الأمم؟ عاد وثمود ونوح، قوم نوح قوم جبابره الأرض، وفرعون، أبادهم الله في ثواني معدودة. يعني فرعون وجنوده كم أخذ إهلاك مع رب العالمين؟ كم أخذ؟ دخلوا في البحر، سكر البحر عليهم، انتهى المشهد. فرعون الذي عاش وأطال وبنى واستكبر سنوات سنوات، الموضوع ما أخذ ثواني، يعني ثواني.
وبالتالي هذا يجعل المؤمن يقلق ويخاف أولاً أن يبيده الله سبحانه وتعالى لعطوه، أيضاً يجعلك تثق بالله سبحانه وتعالى عندما ترى الكفر يتجبر اليوم في الأرض؛ أمريكا واليهود والصهيونية والماسونية وصارلهم 60 و200 يعني قرون عم بتامر على المسلمين، صح؟ هل تعرف أن الله سبحانه وتعالى قادر أن يبيد هذه الصهيونية العالمية في ثواني معدودة؟ مش عم بقول لك عم بياخذ معه وقت، يعني في ثواني، ثواني معدودة الله سبحانه وتعالى قادر أن يهلك الصهيونية العالمية اللي صار لهم بيشتغلوا على المكر لهي الأمة مئات السنوات ومؤسسات وبوارج وطائرات وصناعات و و و و وكل التامت هذه التي تاخذ منهم سنوات كمشاريع. تذكر فرعون وجنده انتهوا في ثواني معدودة. تذكر صالح قوم ثمود، انتهوا في ماذا؟ صيحة واحدة، يعني الصيحة الواحدة كم اخذت يا شيخ؟ ثانية، ثانيتين، ثلاث. متخيلين ثمود الذين جابوا الصخر بالواد؟ ثمود الذين كانوا يبنون قرية ضخمة جداً كل بيوتهم من الصخر ومن حوته، انتهوا في ماذا؟ ثانية، نعم.
الله يريدك أن تتذكر هذا المشهد، في ثواني معدودة ينتهي كل شيء للكفار، لكن هذه الثانية الله يؤجلها لوقت معلوم، يعني أنتم لا تستعجلوا. بعض الناس، طب يا رب ليش ما تيجي هالثانية ونخلص من أمريكا واليهود وخلا تفتك؟ لا، ما هو مش أنت من سيحدد متى ستأتي هذه الثانية، الله له حكم، له غايات. الله يريد أن يبتلي أهل الإيمان بالكفار، لأنه سبحانه بده يميز صفوفنا، يميز الخبيث من الطيب، سبحانه بده يتخذ منكم شهداء، سبحانه بده يسمع دعائكم، بده يسمع أيديكم وهي ترفع، سبحانه يريد أن يرى المجاهدين والمرابطين ويقوم سوق الجهاد، يريد أشياء كثيرة تحدث، فلا تاتي تقول يا رب متى هذه؟ عند الله، بس ربنا يعطيك هذه المشاهد في القرآن حتى تكون واثق أنه لما تأتي ستاخذ ثواني، يعني لن تعجزني، إذا جاءت هذه الثانية لن تعجزني شيء، فأنت تثق بالله وبقدرة الله وسيطرة الله وهيمنة الله، وأنه لا شيء يعجز رب العالمين. لكن في نفس الوقت بدك تفهم أنه في ايش؟ في قدر نافذ، وفي حياة بدها تمشي، وفي سنن الله سبحانه وتعالى لابد أن تتحقق.
طيب، قوم شعيب؟ شعيب نفس رسائل الرسل السابقين، ومشكلة قومه كانت في الموازين كانوا يلعبون بها، ونصحهم ووعظهم، دعاهم للتوحيد العدل تقوى الله سبحانه. كذبوا، قالوا نفس الشيء: إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ، زي ما حكى قوم صالح، قوم صالح مش قالوا له أنت من المسحرين؟ يعني أنت زيين بشر، الك بلعوم وسحر ومريء وحلقوم وبتاكل وبترشرب، نفس الشيء قال قوم شعيب لشعيب: إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ. ها، شوف، كأنها تفسير: وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا. أنت بشر مثلنا، طيب ايش يعني أنا بشر مثلكم؟ هل هذا يعني أن الذي أقوله غلط؟ شو هذه الشبهة؟ يا يستدلوا بابائهم: إِنَّ وَجَدْنَا آبَاءَنَا، يا يستدلوا أنه أنت بشر مثلنا. يا جماعة الخير، كون آبائكم ففعلوا شيء هذا مش دلالة إنه حق يا جماعة الخير، كون الحق اجاكم من بشر مش معناته إنه غلط، كون الحق جاءكم من بشر لا يعني هذا أنه خطأ، أنت ايش علاقتك؟ جاءك من بشر ولا مش من بشر؟
المهم، استهزاء، كما تستهزئون يا كفار قريش: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ، هيه قالوا لشعيب: أسقط علينا كسف، قطع من السماء أنت مش توعدنا يا شعيب؟ فالله عز وجل ماذا قال؟ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. احنا ما شفناه يوم الظلة الذي نزل على قوم شعيب، لكن ربنا خبرنا عنه، يوم الظلة الذي ظللهم، عذاب من السماء نزل بهم، ربنا بقول كان يوم رهيب على الكرة الأرضية: إنه كان عذاب يوم عظيم، يوم رهيب شهدته الكرة الأرضية على قوم شعيب. إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً، برجع ربنا بذكر أن هي آية يا جماعة، يا جماعة اتعظوا، انتبهوا، استبصروا.
ثم عاد الله عز وجل خلاص، بعد أن أعطى كل هذه المشاهد لكفار قريش ولكل من يسير على خطى كفار قريش، عاد ليثبت مركزية القرآن الذي يكذب به كفار قريش، وأنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين. هنا، وكفار قريش ايش كانوا يقولون؟ نرجع لأول السورة، دائما امشي في السورة بشكل متتابع، في أول السورة آية رقم خمسة: وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ، كلما جاءهم قرآن ونزل مقطع من القرآن جديد إلا كانوا عنه معرضين وكذبوا، فربنا قال: فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وذكر لهم نماذج. الآن رجع في آخر السورة يثبت مصداقية القرآن؛ يا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا القرآن من الله نزل به جبريل على قلبك لتنذر به بلسان عربي مبين، وهناك آيات تدل على مصداقيته يا كفار قريش، أليس مما يدل على مصداقيته أن هناك علماء من بني إسرائيل في واقعكم شهدوا بمصداقية القرآن كعبد الله بن سلام وغيره؟ أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنُو إِسْرَائِيلَ؟ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ.
طيب هذا القرآن العربي، الآن أنتم ايش مشكلتكم؟ بتقولوا إنه هذا القرآن عربي ومحمد صلى الله عليه وسلم ايش؟ عربي، فأكيد محمد هو ألف القرآن من عنده صلى الله عليه وسلم. الله يقول: بتعرفوا لو نزل القرآن على بعض الأعجمي، لو مسكنا هذا القرآن العربي ونزلناه على أعجمي بيعرف يحكي عربي، لكفرتم بالقران صح؟ ول قلتم كما في سورة فصلت ايش؟ أعجمي وعربي، لكان حكيتوا إنه معقول واحد أعجمي بقرا قران عربي؟ إذا أنتم مشكلتكم بدكم لا تريدون الحق. إذا جبكم قرآن عربي على رجل عربي، ممكن هذا رجل عربي ألف القرآن من عنده. طيب لو جبكم قرآن عربي على رجل أعجمي، رجل أعجمي عربي، كيف؟ هذه مش ضابطة. طيب أنتم ايش اللي بدكم إياه؟ ما الذي تريدونه؟ كيف نقنع أن هذا القرآن من عند الله؟ ماذا تريدون؟ يعني ما هي الآن المقترحات الموجودة عندكم؟ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، ها مقترحاتهم! إذا أنتم بتلاحظوا وين نقاشات الكفار؟ هم مش عم ناقشوا جوى القرآن، عم ناقشوا ليش نزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم مش علينا؟ طب ليش ما ينزل على رجل أعجمي؟ طب لو نزلناه على الأعجمي، رح تصدق؟ مش رح تصدق، رح تقولوا أعجمي وعربي، أنتم عم بتضيعوا لب الموضوع، عم تتجاوزوا النص القراني، وعم تناقشوا في الأمور الجانبية. الله أعلم حيث يجعل رسالته، أنت ما الك علاقة نزل القرآن على فلان ولا على فلان، على ملك ولا على بشر، على عربي ولا على أعجمي، أنت لك علاقة بلب القرآن وفحواه، هناك الأدلة والبراهين.
المهم، الله عز وجل هنا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ؟ يعني هؤلاء يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ممكن نمتع كفار قريش سنين وهم مصرون على استكبارهم وعنادهم، لكن ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ، كل شيء ذهب خلاص انتهى. قوم صالح متعناه سنين، ثم جاهم ما كانوا يوعدون. قوم لوط متعناهم سنين، وهذه أيضاً للإنسان العاصي؛ يعني أنت كإنسان عاصي ماشي بتفعل من الزنا والفواحش والحرام وتفعل وتفعل ما تفعل، لكن إذا جاك العذاب، كل المتعة اللي كنت فيها ذهبت، وهذه طبيعة الحياة أن لذاتها وشهواتها لا تدوم، وللأسف أنها ممزوجه بالقبح عند تناولها، مورثة للالم بعد تناولها. فإذا جاءك العذاب بعد كل هذه السنوات اللي أنت تظن انك كنت مستمتع فيها: مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ، ايش استفدت؟ ستعض أصابع الندم، يا ريت مشيت في درب الاستقامة، يا ريت انتبهت. بعض الناس بوف في التوبة، بوف، بقول لك لسه بعد 10 سنين، بعد 15، بعد 20 سنة، فياتيه عذاب الله على حين بغتة، فيعض أصابع الندم ولا تغنيه كل لذاته التي فعلها.
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ؟ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ. وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. ختام سورة الشعراء أيضاً هو إجابة عن بعض الشبهات اللي كان كفار قريش يطرحونها، فكانوا يقولون مثلاً: النبي صلى الله عليه وسلم ياتيه شيطانه هو الذي يعطيه هذا القرآن، فالله يجيبهم: الشيطان ما بتنزل على رجل صادق أمين مثل محمد صلى الله عليه وسلم. هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ؟ أحكي لكم على مين بتتنزل؟ على كل أفاك كذاب فاحش أثيم، هذا الصنف هم الذين يتعاملون مع الشياطين، أما محمد صلى الله عليه وسلم الذي تعرفون صدقه وأمانته ونزاهته، لا يمكن أن يكون من هؤلاء الذين تتنزل عليهم الشياطين. الشياطين ممكن تتنزل على الشعراء: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، والنبي صلى الله عليه وسلم ليس من الشعراء. أيضاً أنهم كانوا يقول إنه شاعر وبالتالي استطاع أن يأتي، لا، الشعراء بشكل عام: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ. محمد صلى الله عليه وسلم لا ينبغي له أن يكون شاعر أصلاً، وما علمناه الشعر وما ينبغي له، لأنه الشعر بشكل عام هي مشاعر فيها خفة، يدخل فيها غزل، يدخل فيها كلام في غير سياقه، وأما الأنبياء يجب أن يكون كلامهم كله حق، موزون، بعيد عن المجازفات والمبالغات والترهات، فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس شاعراً ولا ينبغي أن يكون شاعراً، فإن الشعراء في العادة يتبعهم من الغاوون.
فهذا كله كان نقاش كبير عظيم فخم مررنا عليه مروراً جميلاً في سورة الشعراء، وأنا برجع بقول طبيعة هذا الدرس هو مرور على القرآن مروراً جميلاً فقط هيك، حتى إخواننا الغير متخصصين في التفسير لما يقرأوا القرآن يفهموا إنه ايش الآيات تتحدث. نحن هنا لسنا في سياق دراسة بلاغية تفصيلية لكل كلمة في القرآن، احنا مشينا من سورة الناس ووصلنا للشعراء خلال هذا الشهر فقط، الهدف المرور الكلي على معاني القرآن.
طيب خلص، ساختصر اليوم إن شاء الله على سورة الشعراء، وغداً بإذن الله نشرع في سورة الفرقان وما يعني الجزء الثامن عشر وما يليه؛ سورة النور والمؤمنون. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. جزاكم الله خيراً على الحضور والاستماع، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل