بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في رحلة الإنسان في القرآن؛ نحاول أن نكتشف معالم رحلتنا إلى ربنا سبحانه وتعالى، ونحاول أن نتفهم رسالات القرآن تفهماً جمالياً يليق بهذا المرور السريع.
وهذا نوع من أنواع المدارسة القرآنية التي ينبغي أن يحرص عليها المؤمن في رمضان خصوصاً، وفي ثنايا العام عموماً؛ تدارس القرآن الجملي الذي يمر به الإنسان ويتذكر مع إخوانه معالم كتاب ربه سبحانه وتعالى، ويتفهم أصول المسائل التي يريد الله عز وجل ألا تغيب عن أذهاننا ونحن نسير إليه. هذا القرآن عظيم أيها الكرام، لذلك سبحان الله عندما نقرا القرآن نكون في ضجيج الحياة وصخبها، ونشاهد الحياة المادية كثيراً، حتى للاسف في بعض الأحيان ننسى وجود الله سبحانه وتعالى، وننسى أن الله عز وجل هو المؤثر في حركات هذا الكون.
نشاهد الأمطار وهي تنزل، نشاهد السحب وهي تسير، نشاهد النباتات وهي تخرج، نشاهد صور الحياة وصور الموت، نشاهد بسط الرزق وضيق الرزق، نشاهد كثيراً من الأمور عندما نبتعد عن القرآن قليلاً وندخل في الحياة، نجد أن الحياة المادية تغلب على قلوبنا فلا نعود نشاهد ربنا سبحانه وتعالى في أفعال هذا الكون. يأتي هذا القرآن من وظائفه الأساسية يعيد ترتيب الأولويات، ويعيد توجيه البوصلة: تذكر أيها الإنسان أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً، تذكر أيها الإنسان أن الله عز وجل هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، تذكر أيها الإنسان أن الله هو الذي يحيي ويميت، تذكر أيها الإنسان أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله وأن الله عز وجل لو شاء لجعلها ساكنة أو لأوبقها، تذكر أيها الإنسان أن هذه الدابة التي أنت تركبها، تذكر أن هذا الحيوان الذي تأخذ منه الصوف أو اللبن أو اللحم، يعيد القرآن تذكيرك بهذه المشاهد التي ربما قسا قلبك ونيس على تفهم الشعور المادي الزائد عن القدر المطلوب. فهذه من نعم القرآن فعلاً أنه يعيد تذكير الإنسان بوجود الله في حياته، وأن الله سبحانه وتعالى هو المحرك الحقيقي لكل ما في هذا الوجود.
وصلنا أيها الكرام في رحلة الإنسان إلى سورة الفرقان، وسورة الفرقان من اسمها ستتحدث عن الفارق بين الحق والباطل، وإن كان المراد بهذا الاسم هنا الحديث عن القرآن أساساً، ولكن الفرقان هو الحق الذي يفرق الله عز وجل به بين ما يريده عز وجل شرعاً وما الذي لا يريده شرعاً. وهنا ابتدأ سبحانه وتعالى بتبجيل كتابه كما هي مطالع السور في العادة: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ. فالقران من أسمائه الفرقان، لأن الله سبحانه وتعالى بين فيه المفاهيم الشرعية والمعتقدات الإلهية التي سبحانه وتعالى ميز بينها وبين ما لا يرضيه من صور الشرك والكفر والعقوب وما شابه ذلك.
قال سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. نلاحظ إذاً سورة الفرقان لما ذكرت وظيفة القرآن ركزت على وظيفة النذارة؛ البارحة في سورة النمل قلنا سورة النمل أخبرت أن القرآن هدى وبشرى، هناك سور ذكرت كلا الأمرين عن القرآن أنه بشارة لأهل الإيمان ونذارة لأهل الطغيان. فسور القرآن إذاً تعددت في أساليبها، وهذا ربما يعود إلى طبيعة السياق، إذاً سورة الفرقان ركزت أن وظيفة القرآن الذي أنزله الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم أتى لينذر الناس، ليخوفهم -النذير هو المخوف- ليخوفهم من عاقبة عصيانهم، شركهم، بعدهم عن الله سبحانه وتعالى.
بعد ذلك ستبدأ سورة الفرقان تقدم معالجات لقضية الرسالة، يعني سورة الفرقان من السور المكية التي اهتمت بمعالجة قضية رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيت أن هذا الرجل البشري هو رسول من الله سبحانه وتعالى، وكونه بشراً لا ينفي عنه صلاحية أن يكون رسولاً، فضلاً عن المعالجات الأخرى. يعني دائماً هي السور المكية نرجع بنقول في العادة لا تعالج موضوعاً واحداً، وإنما تعالج عدة مواضيع عقدية متكررة: موضوع القرآن، موضوع رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، موضوع التوحيد، موضوع الدار الآخرة، لكن كل سورة تحاول أن تعرض هذا الموضوع بطريقة ومن زاوية ومن جهة تختلف عن الطريقة أو الزاوية التي تعرض فيها السور الأخرى نفس هذا الموضوع.
فهناه الله عز وجل يخبر في الآية أربعة عن اعتراض المشركين على القرآن: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ. إذاً البعض قال هذا إفك افتراه النبي صلى الله عليه وسلم وهناك من عاونه على اختراع القرآن، والبعض قالوا: أساطير الأولين اكتتبها؛ البعض لا، قال هذا القرآن مما نسخه محمد صلى الله عليه وسلم من أساطير الأولين وأباطلهم، وطبعا اكتتبها وغريب هذا الادعاء محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرا ولم يكن يكتب فمن أين اكتتبها؟ طيب، فالله عز وجل أجاب تكفل هو بالاجابه سبحانه: قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا.
وكانت هناك إجابات أيضاً بتحديهم وإعجازهم: أنتم تدعون أن النبي صلى الله عليه وسلم هذا إفك افتراه أو هي أساطير الأولين؟ طب نحن تحديناكم، إذا ما دامت هي من عمله إذا في وسعكم أن تتحدوا هذا القرآن، في وسعكم أن تأتوا بعشر سور مثله مفتريات، بثلاث سور، بسورة، بآيات من هذا تشبه آيات القرآن الكريم بشكل من الاشكال، والا هي فقط القضية مجرد هكذا أي ادعاء تشويش هدفه تشويش الناس عن هذه الحقيقة العظمى. أنت إذا تريد أن ترد أو تبين كذب شيء أو عدم مصداقيته أنت مطالب بالدليل أيضاً وأن تاتي بالحجج والبراهين على ادعائك، أما مجرد أن تلقي التهم جزافاً وهكذا تغادر هذا ليس منهجا علمياً.
أيضاً إذا كان هذا رد على قضية ادعائهم أن القرآن ليس من عند الله، أيضاً هناك إشكالية أخرى متكررة في خطاب المشركين وهي ادعائهم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بشر يأكل كما ناكل ويشرب كما نشرب: وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا. إذاً نلاحظ القضية المتكررة أنهم لا يناقشون في نفس الحق الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يناقشون في الحواشي والهوامش: لماذا جاء الحق عن طريق رسول بشري يأكل كما ناكل ويشرب كما نشرب ويمشي في الأسواق؟ لولا أنزل إليه ملك ليش ما يكون معه ملك يعززه ويؤيده؟
شوف الله سبحانه وتعالى كثيراً ما قلت هذه الفكرة، الله سبحانه وتعالى يريدك أيها الإنسان أن تعمل عقلك بالوصول إلى الحق، ولن يسامحك الله سبحانه إذا رفضت الحق الذي ظهر أمامك بدون مبررات وبدون حجج، وإنما فقط لأهواء ونظرات شخصية وأذواق، أنه لم تعجبك الطريقة التي أتى بها الحق، أريد طريقة أخرى أنا أقترحها يأتي الحق عليها، هذه من أكبر إشكاليات المشركين وأصحاب الأهواء عموماً، أنهم لا يقبلون الحق إلا إذا أتى بقالب وصورة وبطريقة يريدونها، الله يريد أن يعرف الإنسان بمنهجية في الحياة، اقبل الحق دون النظر إلى الطريقة التي أتى بها.
قال سبحانه: انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا. الله عز وجل قادر أن يجعل لك جنات ويجعل لك قصوراً، لكن الموضوع لو أننا جعلنا لك جنات ولو جعلنا لك قصوراً ولو أنزلنا إليك ملكاً، ترى هؤلاء القوم ليس مشكلتهم في نفس الحق عدم وضوحها يا محمد صلى الله عليه وسلم، هؤلاء قوم بهت، قوم كذبة، قوم يريدون الاستمرار في اهوائهم وملذاتهم وشهواتهم أو ما وجدوا عليه آباءهم، فهم يردون الحق الذي معك مع أنهم يعرفون بالادله الواضحه انه حق، وأنك أن هذا الحق الذي أتيت به لا يقاوم، لكنهم قوم كذبة فجرة طغاة مستكبرون، فكلما أتيتهم بحجة دامغة اقترحوا اقتراحاً آخر وأتوا بطريقة أخرى وهكذا.
طيب، فربنا عز وجل يقول: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا. إذا أرادتم من مكان بعيد، هنا وصف الله عز وجل جهنم، ثم الله سبحانه وتعالى يخبر عن مشهد من مشاهد هؤلاء المشركين وهو يوم القيامة. فالله عز وجل يحذرهم من هذا المشهد يقول: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُم عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَم هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ. الله سبحانه وتعالى سياتي بهذه الأصنام أو بهذه الآلهة التي عبدت من دونه، ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيوجه الله عز وجل خطابه لهذه الآلهة التي عبدت من دونه فيقول: أأنت أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل؟ يا أيها الآلهة التي عبدت من دوني، هل أنتم الذين جعلتم الناس يعبدونكم أم الناس باهوائهم هم عبدوكم؟
فماذا ستقول هذه الآلهة التي ادعي طبعا أنها آلهة: سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً. انت يا رب متعتهم واباءهم انت لما وسع عليهم طغوا استكبروا رفضوا الانصياع للشرع وأصبحوا يريدون أن يعبدوا الله بأمزجتهم وأهوائهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً. فهنا الله عز وجل يوجه خطابه إلى المشركين الذين عبدوا هذه الآلهة فيقول لهم: فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا. يا أيها المشرכים ها هذه أصنامكم وهذه آلهتكم وهذه معبوداتكم كذبوكم بما تقولون؛ هم يقولون إنهم لا يصلحون لأن يكونوا آلهة، فما تستطيعون صرفاً ولا نصراً، يعني أنتم الآن يا كفار يوم القيامة في مأزق لأنكم لا تستطيعون صرفاً أي لا تستطيعون أن تصرفوا العذاب عنكم ولا تجدون من ينصركم، وَمَن يَظْلِم مَّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا.
ثم الله سبحانه وتعالى يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم لئلا يهتز أمام شبهة المشركين السابقة قضية أنك رسول بشري تأكل كما ناكل ونشرب كما نشرب. فقال صلى الله فقال الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأسْوَاقِ. هكذا هي سنة المرسلين عبر تاريخ البشرية، لست أنت بدعاً من الرسل فكنت رسولاً بشرياً، نوح وإراهيم وموسى وعيسى وكل هؤلاء إنما كانوا بشراً يمشون في الأسواق ويأكلون الطعام. لكن هي قضاء الله وقدره سيبقى هناك من يعاند الحق ويقف في وجه الدعوات حتى يكون هناك اختبار وامتحان لأهل الإيمان، فقال سبحانه -شوف هذه قاعدة عامة جداً ركزوا فيها-: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ.
الله يقول: جعلنا بعضكم لبعض فتنة، سنة الله سبحانه وتعالى أنه يسلط الكافرين المعاندين على عباده المؤمنين الموحدين الدين ليحصل ماذا؟ الاختبار، فتنة يعني اختبار. طب لماذا يا رب تسلط الكافرين المجرمين المعاندين للدعوات على الموحدين المؤمنين؟ لتختبرهم قال سبحانه بشكل واضح وصريح: أَتَصْبِرُونَ. يعني هو يريد أن يرى هل ستصبرون عندما أسلط هؤلاء المعاندين عليكم؟ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا. الله يشاهد ويرقب ويعرف من الذي يصبر من المؤمنين في مواجهه الكافرين والمعاندين والمستهزئين، ومن الذي ينتكس ويرفع الراية البيضاء ويستسلم ويرتد على عقبيه.
طيب من صور الاستكبار -يعني شوف كلها حوارات الله عز وجل يخبر ماذا كان يقول المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم، فمثلاً في آية أربعة: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ موضوع القرآن، في آية سبعة: وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، في آية 21: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا هؤلاء الكفار: لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا. فالله سبحانه وتعالى يقدم إجابة واضحة هؤلاء هم يعني يتلاعبون يا محمد صلى الله عليه وسلم الآن يقترحوا لماذا لا تنزل علينا احنا الملائكة؟ طيب ليش يا محمد صلى الله عليه وسلم لماذا لا نرى ربنا عياناً وينتهي القضية؟
فالله عز وجل هنا أجاب أو قدم جملة واضحة تعبر عن نفوس أهل الشرك والكفر قال: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ. هو هذا الاستكبار اللي يعالجه القرآن بدءاً من سورة الناس وإلى هذه السورة ونحن نرى قضية الاستكبار الإنساني، الاستغناء الإنساني، العتو الإنساني. لقد استكبروا، استكبروا على الحق، شعروا أنفسهم أعلى من أن ينصاعوا لرسول من رسول الله سبحانه وتعالى. هذا الاستكبار هو بسبب هم يقترحون هذه الاقتراحات ويحاولون دائماً أن يشوشوا عليك، فالله يقول لهم: أنتم بدكم تشوفوا الملائكة صح؟ رح تشوفوها، لكن اليوم الذي سترون فيه الملائكة سيكون يوماً نهائياً، سيكون يوماً مخيفاً ومرعباً لكم: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا يعني انتهى الخير ولا نستطيع أن نفعله خيراً في حياتنا كأننا حبسنا وحرمنا، وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا.
أيضاً الله عز وجل يهددهم الذين يقولون: لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا. يقول سبحانه: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاوَاتُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا. لما تتنزل الملائكة عليكم الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً، وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتني اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. فهذاك اليوم كلكم أيها الكفرة يا من كنتم تعاندون هذه الدعوة ستعضون أصابع الندم وتتمنون يا ليتنا اتبعنا الرسول، يا ليتنا انصعنا لكلام محمد صلى الله عليه وسلم ولم نعانده ولم نقترح ولم نستكبر.
يَقُولُ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي. كل واحد فيكم أيها المجرمون سيتبرا من صاحبه ويعض أصابع الندم أنه اتخذ هذا الكافر المعاند خليلاً له يسير معه في أقواله لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني. وقال الرسول: يا رب، الرسول يشكو إلى الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاه والسلام كان
يشكو إلى ربه فيقول: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً. اختلفوا: ما معنى مهجوراً؟ البعض قال: مهجوراً أي هجروه وألقوه وراء ظهورهم ولم يعبؤوا يا رب بهذا القرآن. البعض قال: مهجوراً أي جعلوه كلاماً هجراً، أي جعلوه هذياناً وكلاماً فارغاً. إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً، أي جعلوه كلام هذيَان لا قيمة له.
والخلاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم شكى إلى ربه سبحانه وتعالى، ماذا شكى؟ شكى إلى الله أن المشركين تعاملوا مع هذا القرآن بالاستهزاء والتهكم وعدم الجدية. فالله عز وجل يريد أن يطمئن قلب نبيه صلى الله عليه وسلم وقلب الدعاة إلى قيام الساعة. ومن سنة الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ. هذه سنة، لا توجد دعوة ليس لها أعداء، لا يوجد مصلح ليس هناك مفسدون يواجهونه. سنة الحياة الدنيا تقوم على التدافع والاحتكاك بين المصلحين والفاسدين، بين الرسل ودعاة الرسل وبين الكفر والطغيان. وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين، هذه السنة، بالتالي إياك أنك يعني تطمح أيها الداعية إلى الله سبحانه وتعالى بحياة وردية، إياك تطمح بالدعوة إلى الله عز وجل بدون وجود إيذاء، بدون وجود مجرمين يتربصون بك، بدون وجود من يتربص بك الدوائر ويحاول أن يزيلك عن منصبك أو من مكانك.
لكن طب ما هو الحل يا رب في مواجهة المجرمين؟ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا. الله سيهديك لسبل التعامل معهم وسبل مواجهة شبهاتهم، والله هو الناصر سبحانه وتعالى، فاعتمد على الله وتوكل على الله، وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا.
طيب، ننتقل إلى اعتراض من اعتراضات المشركين على القرآن مرة أخرى. شوف، كان لهم اعتراض أو شبهة في آية رقم أربعة: إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ، أو قالوا: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. اكتبها الآن، الاعتراض، لا، الاعتراض على نفس القرآن: أنه لماذا يا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن لا ينزل عليك دفعة واحدة؟ لماذا القرآن عم ينزل مفرق خلال هذه السنوات؟ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً. أنتم، أنتم تلاحظون اخواني وأخواتي من بداية نقاشات الكافرين: نقاشات الكافرين هي نقاشات غير موضوعية، نقاشات غير علمية، يعني أنا هكذا أفكر، يعني أنتم أيها المشركون ايش علاقتكم أن القرآن نزل جملة واحدة ولا نزل مفرق؟ يعني بغض النظر عن الحكمة في ذلك، ايش علاقتك؟ ايش مزعجك في قضية أن القرآن عم ينزل جملة واحدة أو ينزل مفرق؟ أليس حقاً، أليس معجزاً، أليس مبهرةً، أليس يتكلم بما يصلح القلوب والدنيا والآخرة؟ أما تبدأ تعترض لماذا ما نزل جملة واحدة؟ لماذا ينزل مفرق؟
فالله قدم لهم الجواب: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ. نعم، انزلته مفرقا قال: حتى يثبت الفؤاد به. وهذا يدل اخواني على فكرة مهمة يجب على الإنسان أن يعيها، وهو أن القرآن حقيقة ينبغي أن يتلقى رويداً رويداً. الله يخبرنا أن هؤلاء الذين يتعاملون مع القرآن باجزائه وأقسامه رويداً رويداً ويجعلون الآيات تمر على قلوبهم بهدوء، ثباتهم أكبر من هؤلاء الذين يمرون على القرآن هكذا فقط ختمات تلو الختمات مروراً سريعاً ولا يعيشون مع أجزاء القرآن جزءاً بعد جزء.
الله يخبر أن نزول القرآن مفرقا على القلوب إنما هدفه أن يثبت، ما أن تثبت معاني القرآن ويثبت القلب بالقران ويثبت القلب بالقران. هذا يدل إذاً أن القرآن إنما يكون وسيلة للثبات ويقوي العزائم إذا تعاطى الإنسان مع القرآن رويداً رويداً. ترى اخواني، القرآن كلام ثق، ثقيل، كلام عالي. احنا الان نمر على مقاصده الجملية، لكن من يريد أن يعيش مع القرآن صفحة صفحة وكلمة كلمة سيجد أن هذا الكلام عالي، ضخم، رفيع، فيه من المعاني الكثيفة وفيه من المتطلبات وما تحتاج أن توطن قلبك عليه.
القران لما يتكلم عن أعمال القلوب، القرآن عندما يتكلم عن الإخبات لله، القرآن عندما يتكلم عن كثير من الأوامر الظاهرة والباطنة والنواهي الظاهرة والباطنة، ترى كلام ثقيل. وإذا أنت تتلقاه بنية العمل ستجد أن العمل بالقران هو يحتاج وقت ويحتاج زهد حتى تستطيع توطن قلبك عليه. فما نمارسه نحن اليوم للاسف مع القرآن من هكذا القراءة السريعة والختمات المتتالية أو نريد نفهم كامل القرآن بكافه معانيه خلال سنة أو سنتين، هذا ليس هو المنهج الرباني. الله لم ينزل القرآن ليكون بهذه الطريقة يتعامل معه، بل هو بطبيعته لا يعطيك الثبات ولا يعطيك الطمانينة ولا يعطيك الاستقامة إلا إذا أخذته على فترات وأخذت في كل يوم قسطاً تفهمه، تتدبره، تتعايش معه، تحاول أن يكون له أثر في الحياة، ثم تنتقل إلى الثاني والثالث وهكذا. طيب، فهذه منهجية معينة.
طيب، أي الله عز وجل يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم يعني بعد كل هذه الموا، المواجهات والادعاءات والشبهات التي كان يطرحها الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم تهكماً به وبالقران الذي أتى به وبالدعوة التي أتى بها، الله عز وجل يريد أن يؤكد أن هؤلاء المشركين لن يعجزوني. انتبهوا، رسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تثبيتية، ورسالة للكفار إنذارية. الله عز وجل يقول: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا، فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا. يعني كانت هذه النهاية. وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً، وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا. يعني وكل هؤلاء تم تدميرهم وإهلاكهم ولم يعجزوا الله سبحانه، ولم يعجزوا الله عز وجل شيئاً.
أيضاً من القرى التي تشاهدونها يا كفار قريش، من القرى التي دمرتها وأنتم تشاهدونها في رحلتكم إلى الشام، قرى لوط: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ. ما معنى أتوا اخواني؟ كفار قريش كانوا يعرفون مكان قرى لوط التي عذبها الله سبحانه وتعالى. الان نحن اليوم ربما لسنا متأكدين من البقعة التي عذب الله فيها قوم لوط، البعض بقول لك عند البحر الميت، البعض، لكن احنا ما عندنا دليل أو ما عندنا معرفة دقيقة بذلك. لكن الذي يظهر لي من سياقات القرآن أن كفار قريش كانوا يعرفون المكان بالتحديد الذي كان مكان قرية لوط وعذب فيه قوم لوط. لذلك الله عز وجل كثيراً ما نبههم على ذلك، وإنكم في سورة الصافات: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. وهنا في سورة الفرقان يؤكد الله أن كفار قريش كانوا يعرفون اين ديار قوم لوط: وَلَقَدْ أَتَوْا، أي مروا في طريق سفرهم عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ، أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا. يعني انتم مش شايفينها أمامكم ايش فعلنا بهم؟
فالله عز وجل يريد أن يرسل رسالة لكفار قريش واضحة ورسالة للكفار في كل زمان ومكان: انظروا إلى القرى التي دمرتها وأنتم تعرفون قصصها ووصلكم أنباؤها، ما الذي يمنعني أن أنزل بكم كما أنزلت بهم؟ هؤلاء قوم كذبوا رسلهم، هؤلاء قوم كانوا يقولون لرسلهم كما تقولون أنت لمحمد صلى الله عليه وسلم، كانوا يقولون: لماذا يأتينا بشر؟ ويكذبون بالكتب الإلهية ويعترضون على الدار الآخرة وأهلكتهم. مسكين ذلك الإنسان الذي لا يتعلم الدرس الذي سقط فيه غيره. نعم، يا أيها الإنسان، عليك أن تكون إنساناً معتبراً، تستفيد من قصص الآخرين ولا تقع في نفس أخطاء الآخرين. هكذا يعلمنا ربنا، الإنسان ينبغي أن يكون معتبراً متبصراً لا يقع في أخطاء الآخرين.
الله عز وجل يخبرنا أيضاً هنا كيف يتعامل كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم: وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا. اعتراض على الرسول هون. انتم ملاحظين إذا هو يا إما اعتراض على القرآن، يا اعتراض على الرسول صلى الله عليه وسلم: لماذا هو؟ لماذا هو بالتحديد؟ لماذا بشر؟ لماذا كذا؟ وعلى هذا، لماذا يأكل؟ لماذا يشرب؟ أو اعتراض على قضية الدار الآخرة، أو اعتراض على التوحيد الإشكاليات الكبرى في حياتهم.
لاحظوا شدة عنادهم وإصرارهم على الكفر، ايش يقولون: إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا. مساكين، هؤلاء على ماذا يصبرون؟ إن كاد ليضلنا عن آلتنا لولا أن صبرنا عليها. يعني هؤلاء يؤز بعضهم بعضاً ويدفع بعضهم بعضاً على الصبر على الكفر. وحري بنا أهل الإيمان أن نكون صابرين على الإيمان أيضاً. إذا كان الكفار يتواصون بينهم على الصبر على الكفر، أليس حرياً بنا أن يوص، لولا أن صبرنا عليها، كاد محمد صلى الله عليه وسلم أن يعرفنا عنها. على ماذا تصبرون؟ على عنادكم، على كفركم، على جهنم التي تنتظركم. الله يقول: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَّلُ سَبِيلًا.
أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ. هنا الله عز وجل يكشف لنا الحقيقة، حقيقة هؤلاء الكفار: أنهم لا يمتلكون اعتراضات صحيحة على دعوتك، هؤلاء الكفار لا يمتلكون اعتراضات صحيحة ولا شبهات منطقية. طب ماذا يمتلكون؟ إنما هو الهوى الذي يعشعش في قلوبهم وعقولهم، هم عبدوا هواهم، والانسان الذي يعبد هواه يضل. أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، يعني ايش تسوي؟ الإنسان هو يعبد هواه، ما يطلبه هواه وما يستلذه وما يرغبه ذوقه هو الذي يفعله، هذا ليس عبد لله. العبد يعبد مولاه، والشريعة إنما أتت لتخرج الإنسان من داعية هواه إلى طاعة مولاه. هكذا هي الشرائع الإلهية، تاتي لتخرجك أيها الإنسان من عبودية ذاتك وتمركزك حول نفسك ورغباتك لتتمركز حول ربك وحول الوحي الإلهي. هذا هو الإنسان الذي يريده الله، إنسان سلم عقله وقلبه إلى الوحي الإلهي ليديره، ليأمره، لينهاه. وأما ذاك الإنسان المتمرد الذي ما زال يحوم حول عقله وهواه فهذا هو أضل سبيلاً. لذلك قال سبحانه: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. هل تعتقد أن هؤلاء القوم ينتفعون بسمعهم أو ينتفعون بعقولهم؟ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ، بل هم أضل حتى من الانعام، لأن الانعام هي تقوم بالوظيفة الوجودية، أما هذا الإنسان البشري الذي يعبد هواه ويترك مولاه لم يقم بالوظيفة الوجودية له. لذلك قال أولاً: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ، ثم أخبر: بَلْ هُمْ أَضَلُّ، بل هم أضل من الأنعام، بل هم أضل سبيلاً.
ثم الله عز وجل يريد، يريد أن يعني يلفت انتباه الكفرة. نرجع بنقول لاشياء في الحياة، الأصل لو فكر فيها الإنسان بشكل منطقي وسوي لجعلته يقر لله بالوحدانية. أشياء يسيرة تمر معك في يومك ونهارك وليلك، الأصل لو فكرت فيها لجعلتك تخضع للإله وتترك عبادة الهوى وتعبد المولى سبحانه وتعالى ولا تعترض عليه.
فمثلاً هنا يذكرنا الله عز وجل بفكرة الظل، فكرة الظل ظل. يعني كاشياء بسيطة، هذا الظل الذي يأتينا في الصباح من جهة، ثم ينكمش إلى وقت الظهيرة، ثم بعد الظهر يخرج من الجهة الأخرى. هذا الظل، من الذي وضعه؟ وهل تستطيع أنت أن تزيله أيها الإنسان؟ يعني هل يستطيع إنسان يمشي تحت الشمس ولا يكون له ظل؟ يقول: لا، لا أريدك أيها الظل أن تمشي معي. هل يستطيع الإنسان أن يطيل ظله على هواه ويتحكم به؟ هذا الظل اللي هو شيء ربما أنت تراه تافهاً، شيئاً يسيراً، من الذي يتحكم به؟ الله سبحانه وتعالى. من الذي أوجده؟ الله. أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا.
طيب، الليل والنهار، هذه النعم التي تحفكم: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا. نعمة النوم: وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا، حياة يسير فيها الناس في الأرض. نعمة الرياح: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، أي دلالة على أن المطر قد أقبل وأن نعمة المطر: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا، تعيش تحيا به البلدان والأوطان ويقتات ويشرب به الناس.
طيب، آية ثلاث وخمسون: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ. الله عز وجل خلط البحرين، مرج امتزج بحران، يكون أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج. أنت في مرى العين تراهما ممتزج، لكن الله عز وجل يمنع البحر العذب أن يخترط بالمالح، أو يمنع النهر العذب أن يخترط بالبحر المالح. من الذي وضع فاصلاً بين هذين البحرين فيمنع اختلاطهما مع أنهما في مرى العين كأنهما ممتزجان: هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا. فالبحر المالح لا يدخل على البحر العذب والعذب لا يدخل على المالح. من الذي يقدر على هذه الأمور؟ دائماً يذكرنا الله عز وجل من أن نتعرف عليه وأن نستدل على وحدانيته وعلى استحقاقيته من خلال هذه الأفعال اللي احنا نراها يومياً، لكن سبحانه لا تحدث في قلوبنا كثيراً من العبرة والاتعاظ بقدرة الله سبحانه وتعالى وتفرده.
في المقابل ما هي أصنامكم؟ هنا الله تكلم عن أفعاله العظيمة. طيب دعونا نرى أصنامكم هذه التي عبدتموها من دون الله: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ. لا هي تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً ولا تستطيع أن تقدم لكم أي شكل من أشكال المنفعة أو أي شكل من أشكال الضر، هذه الأصنام التي تصبرون عليها ويوصي بعضكم بعضاً بالصبر عليها.
طيب، أيضاً من الخطابات المتكررة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين أن الله عز وجل أمر نبيه أن يقول لهم: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ. لأن أيضاً بعض شبهات المشركين كانوا يقولون: هذا الرجل إنما أتَى ليطلب أجراً على هذه الدعوة، إنما دعا هذه الدعوة ليصبح رئيساً ويكون له حشم وخدم وأموال، فرجل طالب للسيادة، طالب للمال. فالله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل ما أسألكم عليه من اجر، أنا لا أريد منكم أجراً ولا سيادة ولا زعامة، أنا أريد.
لكم فقط أن تتخذوا سبيلا إلى الله سبحانه وتعالى. ثم يا محمد صلى الله عليه وسلم ويا أيها الدعاة، عليكم أن تثبتوا بعد ذلك؛ خلاص يعني أنت ستواجه المشركين، والمواجهة تحتاج إلى اعتماد وتوكل على الله، وتوكل على الحي الذي لا يموت. أي دعوة وأي مسير إلى الله سبحانه يحتاج إلى عبودية التوكل، عبودية الاعتماد على الله سبحانه وتعالى.
أيضاً عاد الله عز وجل يذكرنا بأفعاله، الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، يعني وكأنما هو سبحانه وتعالى قال: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ. هو يريد أن يخبرك لماذا الله سبحانه وتعالى هو الذي يستحق أن تتوكل عليه دون ما سواه؟ لأن الذي يفعل الأفعال العظيمة، خلق السماوات والأرض، الذي هو أكبر من خلق الناس، الذي استوى على عرشه فوق سبع سماوات، هذا الإله بهذه العظمه هو الذي يستحق أن تتخذه وكيلا. توكل على الحي الذي لا يموت ونعم الوكيل.
طيب، الله عز وجل في ختام سورة الفرقان بعد أن ذكر أحوال الكافرين ومناقشاتهم المستمرة للنبي صلى الله عليه وسلم وقدم له الإجابات، أخبر عن حال عباده الموحدين: ما هي صفات الموحدين في مقابل صفات المشركين؟ قال سبحانه: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا. صفات عباد الله، عباد الرحمن وهذه إضافة تشريف. وعباد الرحمن من هم؟ العباد الذين اختصهم الرحمن، عباد الله عز وجل، عباد الحق، عباد الخير، عباد الطوع، الذين يتواضعون، الذين يعرضون عن الجاهلين ولا يشاركونهم في لغوهم وعبثهم واستهزائهم، الذين يقيمون الليل، يبيتون لربهم سجدا وقياما، الذين يخافون من المولى ويلتجئون إليه ورجاؤهم أن يعصمهم الله من عذابه، إن عذابها كان غراما، الذين لا يشركون بالله، يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون. لا يفعلون الزنا، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
طيب، وإذا وقع يعني كأن يقول: ومن صفات عباد الرحمن أنهم إذا وقع منهم تقصير في خصلة من هذه الخصال، فزنى أحدهم أو قتل أحدهم أو أشرك أحدهم شيئاً أو وقع في أي شكل من الأشكال، مباشرة ماذا؟ يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ. وكأنها في هذا النوع أيضاً فتح باب الأمل للإنسان الذي يحب الله لكنه وقع في شيء من الفواحش، أن الله عز وجل يخبره أنه في مجال لأن تبقى في دائرة عباد الرحمن. يعني أنا إذا فعلت معصية من هذه المعاصي الكبيرة أو أخللت بشيء من هذه الأمور هل خلاص سأخرج من عباد الرحمن ولن أعود إليهم أبداً أم هناك مجال لأن أعود مرة أخرى إلى عباد الرحمن؟
هناك مجال لأن تعود إلى عباد الرحمن من خلال ماذا؟ من خلال: إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا. التوبة والتعويض، يبدل الله سيئاتك حسنات وتعود مرة أخرى ضمن فريق عباد الرحمن. ثم يكمل ربنا سبحانه صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ. والزور هنا فسرها كثير من العلماء بالأعياد التي هي غير الشرعية، الأعياد غير الشرعية. وفي هذه الأيام يأتي ما يسمونه عيد الأم والأعياد هذه التي لا ترضي الله سبحانه وتعالى، قال العلماء: والذين لا يشهدون الزور أي لا يحضرون الأعياد غير الشرعية ولا يشاركون فيها، فإن كل عيد وكل اجتماع لم يرضَ به الله عز وجل فهو زور.
ليس الذين لا يشهدون الزور فقط الذين لا يشهدون في المحاكم الشهادة الباطلة، قال العلماء: لا يشهدون الزور هذه آية عامة، أي لا يشهدون كل محفل باطل. وذكروا من أمثلة المحافل الباطلة الأعياد التي لا ترضي الله، خاصة الأعياد التي تأتي من جهة الكفار من بنات عقولهم، وعيد الأم وما شابه ذلك من أعياد الحب وغيره، هذه كلها من الزور الذي لا يفعله عباد الرحمن.
طيب، وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، من صفات عباد الرحمن أيضاً أنهم سريعو الإخبات، سريعو التأثر بآيات الله سبحانه وتعالى، وليس قلوبهم قاسية يسمعون القرآن مرات ومرات ولا يحدث في قلوبهم شيئاً. ومن صفات عباد الرحمن أنهم يدعون لأنفسهم وإخوانهم وأزواجهم وذرياتهم، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. يبحثون دوماً عن الصلاح والعلو في مراتب الإيمان.
هؤلاء عباد الرحمن ماذا سيكافئهم الله عزوجل؟ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ. هناك غرف أعدها الله سبحانه وتعالى لعباده الموحدين في جنات النعيم نسأل الله أن نكون من أهلها. هؤلاء سيجزون الغرفة بما إيش؟ بما صبروا. أولئك يجزون الغرفة بما صبروا، لأن هذه الخصال التي ذكرناها عن عباد الرحمن الثبات عليها يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى ماذا؟ إلى صبر. مش سهل أن تبقى مستمراً على هذه الصفات مرابطاً على ثغرها، تصرف عنك الخطرات والشهوات الردية، تحاول أن تثبت أمام الإغراءات التي يأتي بها المشركون والفاسدون إليك، القضية تحتاج إلى صبر ومجاهدة.
أولئك يجزون الغرفة بما صبروا، ما في جنة إلا بصبر، ما في غرف إلا بصبر على هذه الصفات، وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً.
ثم الله عز وجل بعد أن أنهى الكلام عن عباد الرحمن عاد ليوجه الكلام إلى المشركين الذين ابتدأ الكلام بهم، فإن بداية هذه السوره الخطاب أصلاً هو مع المشركين، مع شبهاتهم وافتراءاتهم. فالله عز وجل يختم سورة الفرقان بختام مهيب فيقول: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا. يقول الله عز وجل رسالة واضحة للكفار عموماً: الله عز وجل لا يعبأ بكم لولا أنكم تدعون وتلتجئون وتوحدونه سبحانه. يعني الله عز وجل يرحمك أيها الإنسان ويساعدك ويعينك ما دمت تدعوه، يعني تعبده، تلتجئ إليه، تتعرف عليه. أما إذا قررت أن تكذب هذا الإله وتعرض عنه وتشرك به وتعرض عن كتابه فهنا العذاب سيحل سيحل. قال: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ.
طيب، هل أنتم دعوتم بمعنى عبدتم وخضعتم لله؟ لا، لم يفعلوا كذلك، فَقَدْ كَذَبْتُمْ هكذا استكبرتم، لم تخضعوا لله، فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا. خلص، العذاب والهلاك لازم، هي أيام معدودة وسنوات في قدر الله سبحانه ويحل عليكم هذا العذاب. طبعا شوف الختام المهيب: فَقَدْ كَذَبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا.
فإذاً السورة أجابت عن شبهات، السورة حذرت الكفار من مصائر الأمم السابقة، ثم ذكرت صفات عباد الرحمن، وذكرت أفعال الله عز وجل العظمى في هذا الكون تنبه الإنسان على ضرورة التوحيد، بعد كل هذا الدرس إذا ما دمتم مصرين على منهجية التكذيب والعناد والاستكبار فسوف يكون لزاماً العذاب حق لا مفر ولا مناص منه.
هذه سورة الفرقان، نذهب أيها الكرام إلى سورة النور. سورة النور مختلفة تماماً في مواضيعها، لأنها سورة مدنية. يعني شوف سورة الفرقان، سورة النمل، الشعراء، ستجد أن الكلام فيها في العادة موجه إلى المشركين، إجابة عن شبهاتهم، أي إنذارهم، تخويفهم، إرعابهم، نقاشات تتلائم مع المرحلة المكية التي نزلت فيها هذه السور. سورة النور أن الخطاب مختلف ويتوجه إلى أفكار أخرى، لأنها في مرحلة المدينة، مرحلة بناء الدولة المسلمه. وبالتالي هناك أحكام وترتيبات وتنظيمات وإشارات يجب أن يتربى عليها المجتمع المسلم الناهض في المدينة النبوية.
النور في يعني القسم الأول منها تقريباً من بدايتها حتى آية رقم 34 لَعِندَ اللَّهِ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، هي عالجت القضية، قضية مرتبطة بعلاقة الرجل بالمراة من جهات متعددة. يعني عالجت الموضوع المرتبط بعلاقة الرجل بالمراة من جهات متعدده. فعالجت أولاً قضية وجود الشهوة التي قد تسول للرجل أو تسول للمرأة الوقوع في جريمة الزنا، وكيف أن الشريعة الإلهية تعظم هذا الموضوع وتجعله خطيراً جداً.
وبالتالي الله سبحانه وتعالى تكفل في كتابه بذكر العقوبة القاسية للذين تسول لهم أنفسهم الوقوع في شراك الزنا، فبدأت هذه السورة بقوله تعالى: سُورَةٍ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. مباشرة: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ. يعني تشعر أن البداية قوية، البداية الواضحة: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ. يعني هذا شيء محتوم، هذه جريمة نكراء لا يقبلها الله سبحانه وتعالى ولا يتسامح بها، لأنها فيها إفساد للمجتمعات وإفساد لأحد مقاصد الشريعة الكبرى، ألا وهي مقصد النسل. بالتالي كانت العقوبة واضحة مباشرة بدون الحاجة إلى أي توطئة أخرى.
الزاني إذا كان بكراً، الزاني إذا كان بكراً لم يحصن والزانية إذا كانت بكراً لم تحصن، فحدها في الشريعة أن تجلد مئة جلدة. والله عز وجل يؤكد: وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ. إياكم تتسامحوا في هذا الحد، وتقولوا كما يقول اليوم الحداثيون والعلمانيون الذين لا يريدون تطبيق الشريعة الإلهية، يقولون: معقول امرأة تجلد؟ معقول رجل يجلد؟ نعم معقول. أقول: ما دام هذا الرجل وهذا المرأة تجاسرا وارتكبا كبيرة عظمى من الكبائر عند الله.
شوف احنا مر معنا في سورة الفرقان أن من صفات عباد الرحمن وَلَا يَزْنُونَ، وبالتالي الذي يزني هو خرج عن صفة عباد الرحمن ويحتاج إلى عقوبة قوية تطهيرية لئلا يفكر بالعودة إلى هذا الموبق مرة أخرى. فالله عز وجل يأمر الإنسان ويأمر أصحاب الأمر: وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. فالذي يؤمن بالله واليوم الآخر هو الذي لا يداهن ولا يجامل في إقامة هذا الحد. وأما الذين لا يؤمنون بالله ولا يعظمون الله حق التعظيم، والذين لا يؤمنون باليوم الآخر ولا يعظمونه حق التعظيم، هؤلاء هم الذين يشفقون عن إقامة هذا الحد ويمتنعون ويستهولون تطبيق شرع الله سبحانه وتعالى.
ويؤكد الله عز وجل أهمية إقامة هذا الحد، وأن يكون معروفا مشهوراً إقامته حتى يتعظ كلنسان، حتى يتعظ كل انسان ولا يقارف هذه الجريمة. فقال: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ. يعني عندما يقام الحد ينبغي أن يكون في منطقة عامة يشهد الناس هذا العذاب وهذا الحد الإلهي ليكون عبرة وليمتنع الجميع من فعل هذه الموبقة.
وحقيقة أيها الكرام، لو أن هذه الحدود أقيمت، ترى حد واحد فقط يقام في المجتمع أمام مرأى الناس يتربى فيه الجميع، أو حدين أو نحن بإقامة هذه الحدود نكافح هذه الجريمة ونقلل منها، أما لما أصبحت هذه الحدود لا تقام ولا يعبأ، ويباح الزنا بالتراضي وتقام له دوره ومراسمه، عند ذلك نعم ستنتشر الفحشاء. ولذلك توعد الله الذين لا يقيمون هذا الحد، وتوعد الله الذين يهون ويستهينون بهانه أنهم يشيعون الفاحشة من خلال تركهم ذلك، فقال في الصفحة الثانية من سورة النور: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
انت كيف تفهم هذه الآية؟ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة، حب إشاعة الفاحشة يكون أولاً بنشر المقاطع المخلة، وإقامة البرامج المخلة بالآداب، والسماح باختلاط الرجال والنساء، والسماح بالمراقص والمحافل، والامتناع عن إقامة حد الزنا. باجتماع هذه الأمور يكون هذا الشخص من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وبالتالي توعدهم الله عز وجل في الصفحة الثانية.
إذاً عموماً، الصفحة الأولى من سورة النور تتكلم عن آية الزنا والعقوبة الشديدة له، لكنها أيضاً تنبه على ضرورة عدم الاستعجال في قذف الرجال والنساء بالزنا. يعني صحيح الزنا له حد كبير عند الله سبحانه، لكن في المقابل أنتم أيضاً لا يجوز لكم أن تستعجلوا في اتهام الناس بالزنا وأنه فلان زانٍ أو فلانة زنت، وبالتالي كل من يستعجل في اتهام الناس بهذه القبيحة أيضاً له حد عند الله سبحانه اسمه حد القذف، لأنه ما لا يجوز للإنسان أن يتهم أخاه بهذه الفاحشة حتى يكون متأكداً رأى رأي العين. وأما القيل والقال فهذه الجريمة جريمة كبرى تخدش العرض والحياء والأسر والمجتمعات، فصيانةً لها، كما أن الزاني له حد، كذلك الذي يتهم الناس أنهم زنوا بدون دليل ولا برهان له حد.
فقال سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً. وهذه الآية نزلت في الذين اتهموا سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها وسيدنا صفوان بن المعطل في عرضهما، اتهموهم بالزنا، فجاءت هذه الآية لتبين حد الذين يقذفون الناس بالزنا وهم براء منه.
طيب، ثم عالجت السورة أيضاً قضية إذا وجد الإنسان امرأته تزني أمامه والعياذ بالله. اه، هذه قضية صعب أن يذهب الإنسان يبحث عن شهود ليشهدوا معه وينظروا امرأته وهي تزني، فراجع الإسلام هذه الحالة النفسية، أن الزوج إذا وجد دخل بيته والعياذ بالله فوجد رجلاً مع امرأته يقترف مع الفاحشة، لا يمكن أن يذهب يبحث عن شهود لينظروا إلى امرأته، هذا يتعلق بعرضه. فهنا جعل الله فرجاً ومخرجاً، فقال: إذا رايت زوجتك تزني فهناك حل ومخرج لك، أنك تاتي إلى القاضي وتشهد أربع شهادات بالله أنها زنت، والخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت كاذباً. فإذا شهدت هذه الشهود الخمسة أو هذه الشهادات الخمسة، هنا القاضي يستدعي المرأة المتهمة فيقول لها: الرجل شهد خمس شهادات أنك زنيت، فهل تشهدين خمس شهادات بتبرئة نفسك أم تقرين؟
فإن شهدت الخمس شهادات أن زوجها كاذب، هنا خلص، هذا يسمى اللعان، هي تذهب في حال سبيلها ولا نقيم عليها الحد، وهو يذهب في حال سبيله ولا نقيم عليه الحد، ويتفرقان أبداً. إذا هي رفضت أن تشهد خمس شهادات بالله أنه كاذب، هنا مباشرة يقام عليها الحد ويؤخذ بشهادات الرجل. فالشريعة الإسلامية إذاً تجد الحلول لكل المشاكل التي يمر بها المجتمع المسلم. ثم بعد أن انتهت الصفحة الأولى من
ذكر هذه الأحكام: أولاً، حد الزاني غير المحصن، وحد الذين يقذفون المحصنات وهم براء، وكيفية معالجة الرجل الذي يرى زوجته على فاحشة، كيف يعالج هذا الموضوع؟ طبعا، فقط تنبيه على قضية، وهي أن الزاني إذا كان محصناً، ما معنى محصناً؟ الزاني إذا زان وهو متزوج هذا حده ليس مئة جلدة، بل حده أن يرجم حتى الموت بالحجارة، وهذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله أبو بكر وعمر.
وقال عمر في خطبته الشهيرة: إن رجم الزاني المحصن كان آية في كتاب الله، ثم نسخ الله تلاوتها وبقي حكمها. فحذر عمر الناس من أن يستهينوا في رجم الزاني المحصن، فإن هذا شرع شرعه الله، وتجاوزه والقفز عنه تلاعب بدين الله سبحانه وتعالى.
هنا الصفحة الثانية من سورة النور؛ أي عالجت قضية أنه يا أيها المجتمع المسلم، إذا انتشرت شاعة حول رجل أو امرأة أنهم زنوا، إياكم يا أفراد هذا المجتمع أن تتلقوا هذا الكلام بالتسليم ويصبح فاكهة المجالس لديكم: شفت فلانة شو سوت؟ شفت فلانة واقفة مع فلان؟ والله سمعت شو عمل فلان؟ والله فلان سمعنا إنه فقع على فلانة!
الله عز وجل يحذر المجتمع المسلم من تكرار الخطأ الذي وقع في قصة عائشة؛ لما وقعت قصة عائشة وعبد الله بن أبي بن سلول -لعنه الله عليه- رأس النفاق، اتهم عائشة في عرضها، وبدأت الأمور تنتشر -للأسف- حتى بعض الصحابة الأكارم تلقف هذه الإشاعة وبدؤوا يتحدثون بها في مجالسهم الخاصة، فالله عز وجل -يعني- يريد أن يعطي عبرة ودرس إلى يوم القيامة، وهو أهمية عدم نشر الشاعات، خصوصاً لما تكون الشاعات تتعلق بالأعراض. احذر أن تتكلم، احذر أن تتكلم في عرض المسلمين والمسلمات.
إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصُبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ. نعم، أحياناً قد يقدر الله عز وجل موقفاً يكون مؤلماً لك، لكن يكون هناك خير كبير من ورائه، فالذي حصل مع عائشة بقدر ما هو مؤلم لنا جميعاً، لكن الله يقول: لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم، لأننا كمجتمعات مسلمة تعلمنا الكثير من الدروس من خلال هذه المواقف، وفي نفس الوقت أيضاً انكشف كثير من المنافقين في مثل هذه المواقف. فأحياناً الشيء قد لا تحبه وقد تكرهه وقد تراه شراً، لكن في طياته خير كثير.
طيب، الله يقول: وَالَّذِي تَوَلى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. الذي تولى اتهام عائشة في عرضها وهو عبد الله بن أبي بن سلول له عذاب عظيم. شوف ربنا الآن كيف بيعلم الإنسان قضية التورع والظن الحسن بإخوانه، وكذلك بأخواته المسلمات: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا. ما معنى بأنفسهم؟ المراد بأنفسهم؛ أي ببعضكم.
والله عز وجل كثيراً ما يعبر عن أخوك المسلم بأنه نفسك، هذا من التعابير القرآنية الجميلة أن الله عز وجل يعبر عن أخوك بأنه نفسك، فمثلا يقول سبحانه في سورة النساء: وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ. ايش يعني لا تقتلوا انفسكم؟ البعض بقول لك يعني لا تنتحر، لا، حقيقة المعنى الأظهر: لا تقتلوا أنفسكم، أي لا تقتل أخوك في الله، فيعبر عن أخوك في الله بأنه نفسك، لا تقتلوا أنفسكم؛ يعني لا يقتل بعضكم بعضاً. وهنا نفس الشيء، هذا هو جمالية النص: لولا إذ سمعتموه، يعني إذا أنت كنت في مجلس ووصلتك أو سمعت شاعة عن أخ أنه والله وقع في معصية مع فتاة، أو أنت أختي الكريمة كنت في مجلس ووصلتك شاعة سمعتي إنه فلانة بتحب فلان أو واقعة في كذا أو تفعل.
لولا إذ سمعتموه لا تقول والله هذا كلام، سامحوني أنا ما بقبله عن أخي المسلم، أو ما بقبل أسمع هاي الإشاعة عن أختي المسلمة: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا. يعني هلا إذا سمعتم إشاعة فيها اتهام لعرض مسلم أو مسلمة، هلا حملت الأمر على حسن الظن، ظن بعضكم ببعض الحسن، ورفضتم هذه الإشاعات وكافحتموها؟ هكذا ينبغي أن يتعامل الإنسان مع إخوانه في دائرة المجتمع المسلم: وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ. وحذرتم، قلت لا، لا، هذا كذب، والله ما أعهد على أخي إلا خيراً، والأخت المسلمة تقول: والله ما أعهد على أختي إلا خيراً. هكذا يعلمنا ربنا.
طيب، في آية 15: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ. الله عز وجل يؤنب بعض الصحابة كيف كانوا يلوكون قصة عائشة على ألسنتهم، كل واحد يلقيها على لسانه ويلقيها على لسان غيره: إذ تلقونه بألسنتكم، يعني أنت بتتلقى القصة وبتحكيها قاعد في المجالس يا أخي صون عرض أخيك ويا أختي صون عرض أختك، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا. يعني حكي مجالس! لا، أخي هذه عرض الأعراض، ليست شيء هين بالمجالس: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ -ربنا بينبهنا مرة أخرى- هلا إذا سمعت اتهام الناس في أعراضهم قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، قلتم: عيب نخوض في أعراض الناس، يا أخي كل إنسان يحفظ لسانه، الله يستر علينا وعلى أخينا. ولو -ولو- كان أخوك قد ضعف أو كانت أختك قد ضعفت، أليس المنهج الإسلامي أن يصون الإنسان لسانه عن عرض أخيه؟ فانت إذا دخلت في عرض أخيك غداً يدخل في عرضك، وإذا عيرت أخاك بذنب غداً الله عز وجل يعاقبك فتسقط في نفس الذنب والناس تدخل في عرضك. تعلم صون اللسان، تعلم ألا تتكلم بشيء لا قيمة له، إذا أنت تريد أن تنكر المنكر على الزناة أنكر عليهم، والله ارفع أمرهم إلى الجهات التي تطبق شرع الله عليهم، هذه شغلتنا، أما أن يصبح الحديث في أعراض الناس هو حديث المجالس وفاكهتها فهذا عند الله عظيم.
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ. يعظكم؛ يعني ينهاكم. ثم يخبر سبحانه أن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم، وقلنا قبل قليل: الذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين أولاً يروجون لها، ويقيمون لها المراكز والمعاهد، ينشرون المقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يرفضون إقامة الحد، الذين ينقلون كلام الفحشاء بينهم، هؤلاء كلهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. الذين يروجون للاختلاط ويشرعون لاختلاط الرجال بالنساء في الجامعات والأماكن العامة ويحللون ذلك، كلهم يدخلون تحت هذا الوعيد: لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة.
طيب، بعد هذا الدرس يأتي درس جديد؛ الله عز وجل يريد أن يعطينا وينبهنا بشكل عام كيف ألا نسقط في جريمة الزنا أصلًا ابتداءً، الله بده يعلمك كيف لا تسقط في الزنا ولا تصل إلى هذه المرحلة فيقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ. الزنا كيف ياتي على ذهن الإنسان؟ الزنا بدايته خطرة، أنت في خطراتك تفكر بفلانة، أو الفتاة بخطراتها تفكر بفلان، هذه الخطرات إذا سبحت معها، هذه أول خطوات الشيطان. الخطرة تولد فكرة، تولد فكرة أنه أنت -أولاً هي خطرة، الخطرة هو الشيء السريع، الفكرة هو الشيء المستقر- فكان الموضوع خطرة، هكذا جاء في ذهنك فلانة الفلانية، الآن الأصل أنك تحارب هذه الخطوة الأولى من خطوات الشيطان، إذا بدأت تسبح بالفكر وأصبحت أنت تحاول استحضار هذه الخطرات -بعض الناس مع الوقت يصبح الخطرات السيئة ليست تأتي على ذهنه عرضاً، لا، هو يستجلبها، فتجده هكذا جالس من أجل أن يستجلب الصورة المحرمة، فيبدا يفكر نفسه وقد أصاب فلانة وقد تعشقها، أو هي تفكر في نفسها وقد أصابت فلاناً وقد تعشقته- اصبحت فكرة.
قال الله عز وجل -أو عفواً أنا ذهبت بعيداً- الفكرة إلى ماذا ستتحول؟ الخطرة تتحول إلى فكرة، الفكرة تتحول إلى هم وعزيمة، أنه من كثرة ما فكرت فيها أو من كثرة ما فكرت فيه مع الوقت سيصبح ماذا؟ الأمر في عزيمة، أنك تصبح تخطط فعلياً كيف في أرض الواقع ألتقي بها، وكيف أفاتحها بالموضوع وكيف نلتقي في مكان معين أو كذا وكذا لنتبادل المشاعر، تبدأ تخطط وتعزم. طيب، العزيمة إذا مشيت معها واستمريت في هذا المنوال ستصبح ماذا؟ واقعاً وفعلاً وستسقط في الفاحشة والعياذ بالله.
فالشيطان خبير، الشيطان أنت مش أول واحد بتمر عليه، مر عليه من تاريخ البشرية ملايين ملايين ملايين واشتغل عليهم، فالشيطان عنده خبرة كبيرة في التعامل مع النفوس البشرية، ويعرف كل إنسان من أين مدخله، فالله عز وجل بقول لك: يا أيها البشر، يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، ربنا عز وجل يعرف الشيطان كيف يفكر وكيف يدير الأمور وهو الذي أذن له أصلاً بهذا ليختبرنا، فالله بعطيك الحل من البداية، من البداية لا تتبع خطوات الشيطان، ليه يا رب؟ قال: وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ.
طيب، ماذا نفعل مقابل عدم اتباع خطوات الشيطان؟ عليكم بالتزكيه، زكي نفسك، تزكية النفس بالقران، بالأذكار، بالرفقة الصالحة، بالخلوات النافعة، بكل الأمور التي ترتقي بمستوى إيمانك وقلبكَ وتطرد الخطرات الرديئة، وتذكر دائماً أن الله هو الذي يمنح الإنسان زكاة القلب، وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِعٌ عَلِيمٌ.
آية 23: وعيد مرة أخرى لمن تسول له نفسه أن يتهم النساء خصوصاً في أعراضهن. شوف، أن تتهم رجل بالزنا مشكلة، لكن أن تتهم امرأة مشكلة أكبر ولا لا؟ يعني أن تقول فلان زنى، حرام وعليك حد إذا لم تكن صادقاً أو لم تأتي بالشهود، لكن الأكثر انكساراً للقلوب أن تتهم امرأة عفيفة طاهرة نقية بأنها ارتكبت الفاحشه، لذلك شدد الله في الوعيد على من يتهمون النساء أكثر من تشديده على من يتهمون الرجال فقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
المحصنات اللي هم العفيفات، إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ كلمة المحصن هنا معناه العفيفات. الغافلات قال العلماء الغافلات؛ يعني الذين أو اللواتي لا يخطر في ذهنه الفاحشة أصلاً، بنت مستورة، بنت ناس، مخدرة، عفيفة، هي أصلاً غافلة ما بتعرف أصلاً شو الزنا وما بتعرف شو العلاقات المحرمة، تروح أنت تتهمها في عرضها هذا والله عظيم! تيجي على فتاة غافلة أي مثلها لا يفكر في الزنا ولا يفكر في الحرام ولا أصلاً تعرف سبل الوصول إلى هذه -بعض النساء لا، هي تعرف هذه الأمور وفي بعض النساء هكذا بسيطات جداً- فالله يقول: هؤلاء المجرمون الذين يرمون النساء العفيفات الغافلات اللي ما بفكروا أصلاً في هذه الأمور المؤمنات، لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم، يشد عليهم أسئلة آيدين فتواعدهم سبحانه وتعالى.
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن قضية عامة تتعلق بعلاقة الرجال بالنساء فقال: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ. المرأة الطيبة الله عز وجل ييسر لها الرجل الطيب الصادق، وفي المقابل المرأة الخبيثة الله عز وجل يرسل إليها الرجل الخبيث يتزوجها أو يقيم معها، والعكس: الرجل الخبيث الله عز وجل يسخر له امرأة خبيثة مثله تجالسه، والرجل الطيب الله عز وجل يسخر له امرأة طيبة، فكن طيباً وكوني طيبة حتى يسخر الله عز وجل لكم من يشاكلكم، حتى يسخر الله لكم من يشاكلكم في نياتكم وأعمالكم وطيبة قلوبكم.
طيب، هنا بدأت سورة النور تتكلم عن أمور أخلاقية سلوكية المحافظة عليها تساعد الإنسان أيضاً أكثر وأكثر على الابتعاد عن خطرات السوء. نحن قلنا الزنا بدايته ايش؟ خطرة، فكرة، فهمنا. هنا بدا الله عز وجل يجتنب بعض المواطن التي التجاسر عليها واقتحامها يولد الخواطر الرديئة. أول شيء يعلمنا الله عز وجل آداب الاستئذان، فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا.
لو سالتك: ايش علاقة آداب الاستئذان بالكلام عن الزنا والخوف من وقوع الإنسان في الزينة؟ هذا سؤال يلا للجمهور الذي يتابعنا، نشوف مصحصحين معنا ولا لا، ايش علاقة آداب الاستئذان في مساله علاقة الرجل بالمراه وصيانه الإنسان وحمايه الإنسان نفسه من الخطرات الرديئة؟ بسألكم برضه مشان أريح شوي أنا حالي برضه من كلام. يا رب.
في هناك مساحه للمشاركه ها هيني بدي أنظر على التليجرام أيضاً. غض البصر، لأنه إذا دخل بيت غير بيته دون استئذان نعم نظر إلى نعم. طبعا هنا اخت تقول: اليس المقصود بالطيبات والطيبين الأعمال الطيبة؟ هذا أحد التفاسير، هذا أحد التفاسير الذي تفضلت به، لكن هناك تفسير آخر أن المراد بالطيبات والطيبين الرجال والنساء، الحقيقة القرآن حمال وجوه. ممتاز، إذا أظنكم فهمتم الموضوع والصورة. كثير من الخطرات وهذه سبحان الله والله أن الإسلام عظيم، كيف يعلمنا أنه نحمي خواطرنا من البداية.
كثير من الخطرات الرديئة كيف تنشا؟ انك تدخل الى مكان فيه امرأة بدون استئذان فتراها على صورة معينة، قد تراها كشفت عن شعرها أو لبست حلياً أو كانت في ثياب خفيفة، فأنت إذا دخلت غرفة أو بيت أو مكان بدون أن تستأذن يخشى عليك أن ترى امرأة في حليتها وزينتها وجمالها وهي غير ساترة نفسها، فتقع صورة هذه المرأة في ذهنك وتصبح الخواطر تتردد عليك دوماً وتقتلك هذه الخواطر بقدر ما فكرت فيها.
والكلام هنا ليس فقط الدخول إلى البيوت، يعني الدخول إلى البيوت صورة، كذلك الدخول إلى الأماكن المغلقة المكاتب في الشغل في أي مكان. تعلم أدب الاستئذان، تعلم أدب الاستئذان؛ لأنك قد تدخل على مكتب في شغل فتكون مثلاً امرأة موظفة في صورة معينة أو قد كشفت أخذت أريحيتها تظن أنه لا يوجد رجل، فإذا أنت تفتح المكتب مباشرة، أو تكون في قاعة في الجامعات وتكون مثلاً أخوات في داخل هذه القاعة وحدهن جلسن بصورة معينة، فأنت كشاب تدخل سريعاً مستعجلاً فتراهن على صورة تقع في قلبك، أو تدخل بيت أعمامك.
أو عماتك أو أخوالك أو خالاتك، فتكون بنت عمك أو بنت خالك في صورة تعلق في ذهنك، وهكذا.
فإذاً منشأ الخواطر النظر، منشأ الخواطر في ذهنك ما هو؟ النظرة. وأحياناً قد تكون نظرة فجأة، ممكن تقول والله يا شيخ طب نظرة فجأة أنا مش محاسب عليها! بقول لك صح، قد تكون نظرة فجأة بس أنت مخطئ في وين؟ أنك استعجلت في اقتحام البيوت. أنت فعلاً قد تكون ما بتعرف أنه في البيت أو في الغرفة ففتحت فجأة، فعلاً جاءت صورة المرأة، هي صح نظرة فجأة، لكن أنت لم تتخذ التدابير السابقة، أنت كان الأصل أنك تدق الباب لتحتاط للبصر، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال في الحديث؟ إنما جعل الاستئذان من أجل البصر. هذه قاعدة، إنما شرع الله الاستئذان من أجل أن نحمي أبصارنا، وحماية الابصار هي حماية للقلوب وللخواطر.
طب وكذلك المرأة نفس الشيء، ممكن المرأة تدخل الغرفة فجاه على ابن عم أو على موظف، يكون الموظف مثلاً يعني مش حاسب أحساس فقد كشف شيئاً من جسده أو جاء جلسة معينة، وتبقى الصورة في خاطر المرأة. فالكلام قد يحصل من كلا الجنسين. فالله يعلمنا: حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ. الله بيقول لك والله الاستئذان خير لكم لقلوبكم وعقولكم وأبصاركم راحة.
طب قال: فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ (ممكن أنت تطرق ثلاث مرات على الباب ما حدا طلع رد عليك، لا تدخل، فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ) وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. يعني هناك بعض الآداب الأخرى، ثم الله عز وجل يصرح ربنا يعلمنا ويصرح لنا بكيف لا تتبعوا خطوات الشيطان، فقال سبحانه: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفُظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ. يعلمنا ربنا كيف نحسن باب الزنا ابتداءً، يعني ليش أنت توصل حالك لمرحلة: وَالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ؟ ليش توصل حالك لهي المرحلة؟ لا، عالج الموضوع من بداياته: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفُظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ. هكذا هي الزكاة، هكذا هي الطهارة. بدك زكاة قلب، بدك صلاح، تريد قلباً ذكياً؟ غض طرفك عن المحارم، فإن من أدمن النظر إلى المحارم قلبه عَثِنٌ لا يصلح. قلب الإنسان الذي ينظر إلى المحرمات من أين يأتيه الخشوع في الصلاة؟ من أين يأتيه الخشوع مع القرآن؟
وكذلك النساء: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ. المرأة لا يجوز أن تنظر إلى الرجل بشهوة، الرجل لا يجوز أن تنظر إلى المرأة الأجنبية مطلقاً بشهوة ولا بدون شهوة، صح؟ إلا في أحوال استثنائية، إذا أراد يخطب المرأة، أو في حالة الشهادة عند القضاء وما شابه ذلك. أما المرأة فالصحيح من أقوال أهل العلم أنها لها أن تنظر إلى الرجل نظراً عفوياً لا شهوة فيه، وأما إذا أصبح فيه شهوة أو تعلق في القلب فيحرم على المرأة أيضاً أن تنظر إلى الرجل.
تمام، فقال سبحانه: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ. بس المرأة في شيء آخر مطلوب منها، شوف الرجل ربنا طلب منه شغلتين: غض البصر، وأيه؟ وحفظ الفرج. المرأة لا، ربنا طلب منها شيء أعلى من هيك، طلب غض البصر وحفظ الفرج، وطلب منها أيضاً الستر، لأن المرأة إغراؤها للرجل في ماذا؟ في شكلها وهندامها. وبالتالي طلب منها أمر آخر غير غض البصر وحفظ الفرج، قال: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ. ما اجا الر... الله عز وجل لم يقل في الرجل أيه: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ولا يبدي الرجل زينته؟ لأنه الرجل مش من عادته أنه يكون ايش متزين ولابس وخواتم وحلق، الرجل لا يخرج هكذا وإنما يخرج بهندامه وشكله الطبيعي.
وعادة المرأة تأثرها بالرجل -عاده أقول ليس دائماً- عادة المرأة تأثرها بالرجل ليس بالشكل بالدرجة الأولى، وإنما باللطافة والكلام الحلو الذي يسمعها إياه والتعامل اللطيف، فالمرأة يعني تذوب في الرجل الذي يححسن التعامل معها ويسمعها الكلام اللطيف. فهي عاده يقولون المرأة سمعية والرجل بصري، الرجل البصر والمنظر هو الذي يغريه أكثر، صح يحب الصوت الحسن وكذا، لكن حجم التأثر بالشكل والصورة أكثر من الصوت. المرأة بالعكس، نعم تحب المظهر الجيد في الرجل، لكن حجم تأثرها بالأسلوب واللباقة وحسن الكلام أعلى من تأثرها بالشكل والهندام، لذلك المرأة قد تاخذ رجلاً ليس بذاك الرجل الوسيم الجيد يعني أو الملفت للنظر، لكن تاخذه لأخلاقه أو لطيب كلامه وانه يحسن التعامل معها وقد تقدي أحياناً فيه.
المهم فلذلك الله عز وجل لم يقل للرجل ولا يبدي زينته، لأن ليس حال الرجل أنه يتزين، وإنما طلب من المرأة هذا الطلب فقال: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ. واختلف العلماء، هذا المراد بالزينة هنا: الزينة الحلي أم المراد بالزينة مواطن الزينة من جسدها وهو نحرها ويداه والساق؟ في خلاف، وليس هذا موطن تحرير هذه المسائل. فأخبر الله عز وجل أن المرأة يجب عليها أن تتستر ولا تظهر عورتها ومواطن زينتها أمام الرجال الأجانب، وإنما لها أن تظهر ذلك أمام محارمها من مين؟ أما لبعولتهن اللي هي زوجها، أو أبوها، أو حماها -عفواً- آباء.. نعم آباء بعولتهن اللي هو حماها، أو أبنائهم، أو أبناء أزواجهم (أبناء أزواجهم إذا كان الزوج له ابن من زوجة أخرى يعني من غيرك مثلاً زوجك متزوج واحدة أخرى غيرك أو كان متزوج قبلك وعنده أبناء منهم، فهذا أيضاً محارمك، فيجوز لك أن تتكشفي لأنه لا يجوز له أن يتزوجك) أو ملك أيمانهن، أو التابعين غير أُولاتِ الإربة من الرجال، أو الطفل.. هؤلاء ما يسمى المخنث الذي لا يوجد لديه تفكير بالمراه لأن الله ابتلاه بمرض التخنث.
ثم قال: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ. يعني حتى هذا الشيء اليسير أنه أنت تضربي برجلك أو تلبسي كعب عالي وتطلعي على الدرج من فوق لتحت وبتضربي بالكعب العالي، هذا كله أيضاً من خطوات الشيطان عليك وعلى الرجل، أنه يريدك أن تفتني هذا الرجل.
ثم الله سبحانه وتعالى بعد أن وجهنا إلى غض البصر باعتباره وسيلة والية مهمة في عدم الوقوع في الزنا، وجهنا أيضاً إلى آية أخرى تحصينية من الوقوع في الزنا وهي ماذا؟ الزواج. فقال: وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ. أيضاً من وسائل مكافحة الزنا في المجتمع أن نزوج الرجل الأيم والمرأة، الرجل غير المتزوج يجب أن يزوج والمرأة غير المتزوجة يجب أن تزوج، فقال: وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ. فالله عز وجل يأمرنا بأن نزوج الشباب ونزوج النساء، فإن الشاب غير المتزوج في فتنة والمرأة غير المتزوجة في فتنة، فتزويجهم وجعل هذا أحد مصارف الزكاة أصلاً من شرع الله سبحانه وتعالى.
طب: إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ. لا تقول أنا ما بدي أتزوج حتى يصبح راتبي عالي، أو تقول لا، أتزوج حتى ولو باقل القليل من المال: إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ. وثلاثة حق على الله أن يعينهم، ومنهم الناكح يريد العفاف.
ثم الله عز وجل ختم فقال: وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ. هنا الله عز وجل يحتفي بكتابه، يقول هذه الآيات التي تلوناها عليكم هي آيات بينات مبينات واضحات، فيها موعظة لأهل الإيمان وأخبار عن الأمم الثالية والسابقه عندما عصوا شرع الله وتعدوا حدود الله ماذا حصل بهم؟ فكان الله عز وجل يريد أن يخبر بعد أن أعطيتكم كل هذه الجرعات من الأحكام الشرعية: تذكروا الذي يتخطى حدود الله فلا يقيم حد الزنا، الذي يتخطى حدود الله فيشيع الفاحشة في الذين آمنوا، التي تتخطى حدود الله فتتهتك في سترها وتخرج بزينتها، كل الذين يخالفون هذه الأحكام التي أمر بها ويتقصدون مخالفتها ولا يعبؤون بها، أذكرهم بمصير الذين خلوا من قبلهم ماذا أنزلت بهم من العذاب الأليم. فالإنسان المؤمن عليه أن ينصاع لشرع الله وأوامره وتعليماته.
الآن هنا بعد آية 34 بدأ سياق جديد في السورة، يحدث الله سبحانه وتعالى به عن نفسه وإن كان ختام السورة سيعود ليتكلم عن آداب الاستئذان، لكن من آية 35 في سورة النور إلى آية 57 كلام عن سياق آخر، كلام عن سياق مسائل الكفر والإيمان وتعظيم الله سبحانه وتعالى وتوحيده. فبدأ بآية جليلة: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. الله عز وجل هو مصدر النور، مصدر الخير، مصدر الضياء، مصدر الهداية للبشرية وللكون جميعاً. وذكر كيف هذا النور الإلهي إذا دخل في قلب المؤمن كيف يضيء قلب الإنسان ويحصل له التزكية، وشبهه بكوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقيه ولا غربيه.
ثم قال سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ. كان هنا السورة بدأت تتكلم عن تزكية القلب وصلاح الإنسان في نفسه، وكيف أن الذهاب إلى المساجد وارتياد دور العباة وارتياد الأماكن الطيبة هكذا تزكي النفس. لما قال سبحانه وتعالى قبل قليل في آية 21: وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ، هنا الله عز وجل يعلمك وسائل التزكية وطرق التزكية وصلاح النفس: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ.
التسبيح، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجاره ولا بيع، والكلام هنا وإن كان مصدر بالرجال لكن المرأة تدخل فيه على سبيل القياس، فكذلك هناك نساء لا تلهيهم تجارة ولا بيع ولا أزياء ولا موضات ولا سوشيال ميديا ولا تفاهات عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار.
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن حال الكافرين الذين لا يزكون قلوبهم ويعرضون عن شرع ربهم فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً. هؤلاء الكفار يظنون أعمالهم الجيدة في الحياة ستنفعهم، يظنون أعمالهم الجيدة في الحياة ستنفعهم كسراب بقيعه يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب. أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكاد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
الله يخبرنا أن الكفار يظنون أن أفعالهم الجيدة ستنفعهم، لكن أفعالهم الجيدة ستخونهم. الكافر يرى أنه فعل أفعال كثيرة جيدة، أنه والله أنشأ جمعيات أيتام، أقام برامج خدم في الأونروا، فعل أفعال كبيرة، لكن يوم القيامة سينصدم. سياتي يوم القيامة يظن أنه سيجد هذه الأعمال الصالحة أمامه تنفع عند الله سبحانه وتعالى، فاذا به ينصدم بالواقع كسراب بقيعه (القيعه هي المكان المنخفض)، سراب بقيعه ياتي اليه الظمآن ليجد ماء، فاذا به لا يجد ماء ولكنه يجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب.
نمط آخر من الكافرين الذين أعمالهم كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض. طبعا الكلام والتعليق على هذه الآيات وما المراد بالنوع الأول وما المراد بالنوع الثاني حقيقه سيطول، لكن هو الله سبحانه وتعالى هنا يخبرنا عن حال الكافرين أولاً: يخبرك عن الكافر الذي فعل أفعال جيدة انسانية وهو يظن أنها ستنفعه، فإذا به يجد الله فيوفيه حسابه ويجد أفعاله أصبحت هباء منثوراً. ويعطيك الكافر الغارق في أوحال الذنوب والمعاصي والشهوات وأعماله كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب.
يعني الكفار اليوم على نوعين: هناك كافر لا يوحد الله وممكن يفعل أفعال انسانية وجيده ويكون قومي وعربي ويدافع عن فلسطين وكذا. وهناك كافر لا، كافر وأيضاً قليل أدب وسيء الأخلاق وقبيح الأفعال. والله عز وجل يخبر كلا النوعين لن يستفيد شيئاً، نعم قد تتفاوت دركات النار لهم نعم، لكنهم كلاهم لن يدخل الجنة ولن يشم رائحتها.
وهذا يدل على أن أعظم حسنة في الوجود هي التوحيد، فمهما كنت إنساناً وطنياً قومياً عروبياً تدافع عن فلسطين والأقصى وتعطي تقارير جيدة و... وكل هذا، إذا كنت مشركاً لن ينفعك شيئاً عند الله: كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ بس وستجد أعمالك هباء منثوراً. الإسلام يعظم أولاً وأعلى شيء التوحيد، ثم بعد ذلك كل شيء يأتي، لكن إذا ما في توحيد وما في إقرار بأن الله هو الرب الواحد الأحد المعورب، كل ما تفعله بعد ذلك هباء منثوراً لا قيمة له.
طب الله عز وجل ككثير من السور ينبه على أسباب في الكون تقود الإنسان إلى التوحيد وتنبه على هذه المعاني: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ (أي أجنحتها في الهواء) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا (يزجي يعني يسوق السحاب) ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ (المطر) يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ.
في كل سورة من السور تجد الله عز وجل بأدنى ملابسة يشير إلى أفعاله العظيمة في هذا الكون الدالة على وحدانيته، وبالتالي الكافر الذي يرى هذه المشاهد ولا يستدل بها على وحدانية الله مهما كان جيداً حسناً في أخلاقه هو لا يستحق إلا النار، لا يستحق إلا النار، لأن الله سبحانه وتعالى قبل أن تكون جيداً في تصرفاتك المجتمعية يريدك أن تعظمه حق التعظيم، فلا يوجد إساءة أدب أكبر من أن تدعي لله الولد، لا يوجد إساءة أدب أكبر من ذلك.
أن تشرك بالله، يعني الإنسان الخلوق المحسن مع الناس، لكنه يشرك بالله، هذا سيء الأدب؛ لأنه أساء الأدب مع الله سبحانه وتعالى. لا يوجد سوء أدب وقبح أعظم من أنك تشرك بالمولى الذي أعطاك النعم وأسبغها عليك ظاهرة وباطنة، وخلق كل مظاهر هذا الكون بكل تفاصيلها، بعد ذلك تشرك به. إذا لا تقول لي في واحد حسن الأخلاق والآداب وهو يشرك بالله، لا يمكن. ماشي، ممكن عنده أخلاق اجتماعية، لكن هل هو مؤدب فعلاً؟ المشرك غير مؤدب، احفظها؛ ولو كان يقطر لسانه عسل معك، هو غير مؤدب.
الله عز وجل يقول: يسبني ابن آدم، يدعي لي الولد. في الحديث القدسي بمعناه أن الله عز وجل يقول: يسبني ابن آدم. كيف يسب ابن آدم الله عز وجل؟ يدعي له الولد. فإذاً، إخواني وأخواتي الكريمات، اياكم أنكم تأثروا بالحياة الإنسانوية اليوم وتظنوا أن الإنسان الاجتماعي الأخلاقه جميلة هذا يعني مؤدب، لا، هو ما دام مشركاً هو ليس مؤدباً، هي قاعدة عامة.
طيب، في الآية سبع وأربعين، الله عز وجل يطلب بالتحاكم إلى شرعه فيقول: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ. لما تكلم الله في بداية السورة عن أحكام الزنا وإقامة شرع الله سبحانه وتعالى على الزناة والذين يقذفون المحصنات وما شابه ذلك، كأنه هون جاء بشيء يناسب الكلام عن تطبيق الحدود، وهو أن بعض الناس الذين يعيشون في المجتمعات المسلمة يقولون: نحن مؤمنين بالله، لكن لما يطلب منه إقامة شرع الله والتحاكم إلى شرع الله في الوقائع، يتولى فريق منهم من بعد ذلك. فالله يقول: هؤلاء اللي يقولون بالسنتهم أننا نؤمن بالله ورسوله ثم عندما يطلب منهم إنزال شرع الله سبحانه وتعالى، هؤلاء أيها الكرام، هؤلاء ليسوا بمؤمنين.
ها، يقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، احنا مؤمنين مسلمين يا جماعة، احنا معكم في المجتمع المسلم، ثم لما يطالبون أو يطلب منكم أن تطبقوا شرع الله على أنفسكم وغيركم، لا تطبقونه. قال: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، حد الزنا، حد القذف، إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ. بقول لك لا، يعني نحن إيماننا إيمان علماني، إيماننا أن نجي نصلي معكم في المسجد، أننا نطلع لنا شوية زكوات في رمضان، نصوم رمضان، هذا الإيمان اللي بنعرفه، أما أن نجي أحكام شرعية نطبقها في المجتمعات، لا. إذا فريق منهم معرضون.
طيب، وَإِن يَكُ لَهُمُ الْحَقُّ، إذا وجدوا شيء في الشريعة لصالحهم يوافق أهوائهم، يأتوا إليه مذعنين بسرعة. لما الشريعة تأتي لشيء لهم، بقول لك: يا اخي، شرع الله هيك، أنت ما بدك تطبق شرع الله؟ طيب ماشي، هو شرع الله علي وعليك، هو شرع الله فقط لما يكون موافق لهواك، ولما يكون مخالف لهواك لا يوجد شرع الله؟
أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا، يعني لماذا تتعاملون هكذا مع شريعة الله؟ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ، ولا تكونوا خايفين أن الله يظلمكم بتطبيق هذه الأحكام الشرعية. إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. المؤمن يقول: سمعنا وأطعنا لشرع الله في كل النتائج ومهما كان الأمر. أن يقولوا سمعنا وأطعنا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
طيب، الله عز وجل يخبر عن النفسيات المنافقة الموجودة في المجتمعات المسلمة: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ. المنافقون قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتنا بأي أمر في غزوة أو سرية لنخرجن معك ولنفعلن ما تريد. فالله عز وجل يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم ويرد عليهم: انتم كذبة، طاعة معروفة، نحن عارفين شو طاعتكم، انتم بس بتحكوا باللسان ولما يأتي وقت الفعل لا تفعلون شيئاً، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، يعني سورة النور عالجت بعض القضايا التي كانت موجودة في المنافقين الذين يتكلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يطيعونه، ولكنهم فعليا في المواقف يتملصون ويتهربون ولا يطيعونه حق الطاعة. فالله عز وجل يأامر بطاعة رسوله: فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا. سبحان الله، ما أجمل هذه الآية: وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا. طاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيها الهدايه، فيها الصلاح، فيها النور، فيها الخير في الدنيا والآخرة. وفي النهاية: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
الله عز وجل يبشر الصحابه ويبشر هذه الأمة أننا على رغم ما عندنا من الضعف وما عندنا من تسلط الأعداء علينا، لكن الله سيستخلفنا: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا.
ختام السورة أيضاً عاد ليتكلم عن قضية الاستئذان، وهنا الاستئذان داخل البيوت. في آية سبعة وعشرين كان الكلام عن الاستئذان لمن يريد أن يدخل إلى البيوت من الخارج: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا، فالكلام عن شخص جاي من الخارج يريد أن يدخل بيتاً. في آية ثمانية وخمسين وتسعة وخمسين، الكلام عن الاستئذان لمن هم داخل البيوت، كيف يستأذنون بعضهم إلى بعض في دخول الغرف لداخل المنزل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَت أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ، اللي هم الأطفال المميزين، سبع سنين، ثمان سنين، تسع سنين.
الله يأمرنا أن نعلم أطفالنا المميزين كيف يستأذنون في دخول غرف الأزواج، الاباء والأمهات والإخوة والأخوات. الأطفال المميزون يجب عليهم أن يستأذنوا على آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم واخواتهم في ثلاث اوقات: مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ. لانه هي الأوقات بيكون الاب والام متخففين من الثياب أو الإخوة والأخوات متخففين، فلازم تعلم طفلك أنه هي الأوقات الثلاث لا يدخل حتى يستاذن. الأدب يتعلم من الصغر، مش تستنى على ابنك يصير عمره خمس عشرة، ست عشرة سنة، ثم تبدأ تعلمه الآداب. الله يأمرنا أن نعلم الآداب وهم صغار حتى ينشأ على هذه الأخلاق، أخلاق الاستئذان وغض البصر.
وأما إذا بلغ الأطفال الحلم وأصبحوا بالغين، فابنُك البالغ اللي بيعيش معك في الدار هذا يجب أن يستأذن طوال الوقت في دخول غرفة نومك، أو دخول غرفة نوم الأم، أو دخوله على غرفة أخيه أو أخواته: وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا، أي إذا أصبح الطفل بالغاً يجب أن يستأذن دائماً في دخول الغرف وليس فقط في الأوقات الثلاث.
طيب، الله عز وجل بعد أن شدد في أمر النساء بعدم أبداء الزينة: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ، عاد في ختام سورة النور ليخفف عن المرأة العجوز حتى لا يظن أن حالها كحال الفتاة الشابة. الفتاة الشابة التفكير فيها يكون أكثر، أما المرأة العجوز التي بلغت آخر الستين أو السبعين أو آخر الخمسين، هذه لو أنها أبدت شيئاً من زينتها على قدر معتدل، قالوا: لا إشكال في ذلك.
الله عز وجل يقول: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا، المرأة العجوز التي يائست من الزواج بتقدمها في السن وصارت ختيارة كبيرة: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ، يعني المراد هذه المرأة لها أن تتخفف من ثيابها وتضع الشيء الخفيف، لكن ليس لها طبعا أن تجمل التجمل القوي وتعمل تسرح شعرها وتضع الحلي بشكل عنيف وتجلس أمام الرجال الأجانب، لا يقبل ذلك منها. لكن لو تخففت شيئاً مثلاً من ماذا؟ مثلاً من نقاب الوجه، أو مثلاً لبست عباية أو ملحفة بدلاً من الجلباب وجلست وراها بعض الرجال الأجانب متخففة، لا إشكال في ذلك، فإن الأمر فيها أيسر وأسهل. ومع ذلك: وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ، يعني حتى هي المرأة أن تحافظ على لباسها الساتر إلى أن تلقى الله خير لها.
طيب، ثم الله عز وجل يخبر أيضاً عن قضية كانت موجودة في المجتمع المدني، كانوا يعني يتحرزون أن يأكلوا مع العميان ومع الأعرج ومع المريض، ويتحرزون أيضاً أن يأكلوا من بيوت آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم وأخواتهم وأقاربهم. فالله عز وجل علمنا أدباً رفيعاً، وهو أولاً: علينا أن ناكل حتى مع أصحاب الإعاقات الموجودة في المجتمع، لأن هذا فيه تطييب لخاطر صاحب الإعاقة ومساعدته على تجاوز هذا الشيء الذي ابتلاه الله سبحانه وتعالى به، وأن المعافى في يوم من الأيام انت قد تحل الإعاقة بك.
فهذه قضية إنسانية. القضية الإنسانية الأخرى التي يعلمنا الله عز وجل إياها، وهو أهمية أنه يكون هناك نوع من التسامح في داخل دائرة الأقارب في قضية الطعام والشراب، فلو أنت دخلت على بيت أمك، أو بيت أبيك، أو بيت أخيك، أو بيت اختك، أو بيت عمك، أو بيت عمتك، أو بيت خالك أو خالتك، شفت مثلاً هيك شغلة من الطعام موجودة فأخذتها هكذا واشتهيتها، يعلم الله الناس أن مثل هذا الأمر ينبغي أن يكون مسامحاً به، لذلك قال: وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ حَرَجٌ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِ آبَائِكُمْ وَبُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ وَبُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ إلى آخر الآية.
فهناك بيوت الله عز وجل أذن لنا أن ناكل ونتناول منها ما نشتهيه، طبعا بالقدر المعتدل، مش انك تحمل والله بضاعة من دار خالك وعمك، لا المراد أن تأكل بشكل معتدل، لقمة لقمتين اشتهيتهم، شيء خفيف بيزبط تمام، أما مشي بوكس همام تمام! طيب قال: فَإِذَا دَخْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً. أعاد الله عز وجل الأمر بالسلام والتحية عند الدخول وعند الخروج من المنازل.
ثم ختم السورة ببيان أعظم صور الاستئذان التي ينبغي أن يهتم بها الصحابة، وهي الاستئذان في مغادره مجلس العلم إذا كانوا بحضره النبي صلى الله عليه وسلم. فكأنه هذا من باب أن الشيء بالشيء يذكر، أمر الصحابة أن يتعلموا أيضاً الاستئذان إذا كانوا في مجلس العلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يفعلوا كما يفعل المنافقون الذين كانوا يتسللون من مجالس النبي عليه الصلاة والسلام بدون استئذان: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
فهنا كأنه ختام الآن، الله عز وجل في سورة النور علمنا كثير من الآداب، صح، علمنا آداب الاستئذان، آداب غض البصر، كثير كثير من الأحكام، وأعظم الأدب الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم. فختمت النور بآداب التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت أولاً: أدب الاستئذان عند الدخول وعند الخروج من مجلسه. ثانياً: أدب مناداته وذكر اسمه، فقال: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِ بَعْضٍ. ما بيصير تنادي النبي صلى الله عليه وسلم تقول: يا محمد، تعال. بعض المنافقين كان سيء الأدب فكان يناديه باسمه: يا محمد. لذلك بعض الأعراب، مش منافقين لكن أطباعهم صعبة، فكان يقول: يا محمد، أعطني من مال الله. لا، شو يا محمد، يا رسول الله، تناديه باسمه الشريف، لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِ بَعْضٍ. لا تنادي على النبي عليه الصلاة والسلام زي ما بتنادي على صاحبك باسمه، بل تناديه باسم الرسالة والنبوة.
ثم يعني في تأتي الختامات أنه بعد كل هذا الدرس العظيم الكثيف: أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ، وهذه قد للتحقيق وليست للتشكيك، قد يعلم، يعني أكيد هو يعلم كل شخص ايش في قلبه، قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا، في كل الأحكام اللي مرت معنا في سورة النور فينبئهم بكل ما عملتم.
هذا ختام دائماً هذه منهجية القرآن أنه بيتكلم في مسألة فقهية بربطها بالعقيدة، بيتكلم في مسألة أخلاقية بربطها في العقيدة، بيتكلم في مسألة اجتماعية بربطها في العقيدة، ودائماً بذكرك أنك في النهاية عبد لهذا الإله الذي ستعود إليه في يوم من الأيام وسينبئك بما عملت. فاعمل لله، أنت ما بتعمل من أجل أنه الناس تمدحك وتقول إنه فلان ما شاء الله انسان سوي، أنت لا تعمل من أجل أن تذكر في الأرض، وإنما تعمل لأنك موقن أنك في يوم من الأيام سترد إلى الله فينبئك بما عملت، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
جزاكم الله خيراً على الحضور والاستماع والاهتمام بهذا المجلس. وغداً إن شاء الله نشرع في سورة أخرى أو سور أخرى من سور القرآن العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل