بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في رحلة الإنسان في القرآن، نبحث عن ذاتنا في كلام ربنا سبحانه وتعالى، ونتلمس رسائل الله عز وجل في كتابه، ونسأله أن يهدينا لمرضاته، إنه سبحانه وتعالى الموفق.
وصلنا في هذه الرحلة إلى سورة المؤمنون في الجزء الثامن عشر. نحن بدأنا من سورة الناس ووصلنا إلى سورة المؤمنون في الجزء الثامن عشر. هذه السورة أيها الكرام، من اسمها، المقصد الأساسي لها بيان صفات أهل الإيمان، ثم بعد ذلك عالجت المواضيع التي عادة ما يتم معالجتها في السور المكية؛ مواضيع بعثة النبي صلى الله عليه وسلم والرسالة وتثبيت حجية أنه رسول من عند الله، وأيضاً مسألة الدار الآخرة. كان لابد من إشارة إلى هذا الموضوع، مركزية القرآن، ولا بد من الإشارة إلى هذا الموضوع.
ودائماً عندما نتحدث عن القرآن المكي نحن نتحدث عن أجواء معينة نزلت فيها هذه السور؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب بها الكفار ويحاجج بكتاب ربهم سبحانه وتعالى وببعثته وبهذا الدين الجديد، وكان لابد من وجود شبهات، لابد من وجود معارضات، لابد من وجود أصحاب هوى، لابد من وجود قوم فاسدين، لابد من وجود قوم مستكبرين. كل هذه النفوس القرآن الكريم حاول أن يعالجها معالجة رويداً رويداً؛ سورة بعد سورة ومقطع بعد مقطع. فبداية هذه السورة الله عز وجل بين من هم المؤمنون حقاً، ما هي صفات أهل الإيمان؟ من الآية الأولى إلى الآية الحادية عشرة: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ إلى آخرها، من الآية الأولى إلى الآية الحادية عشرة.
وسورة المؤمنون تعالج صفات أهل الإيمان، ولك أن تتخيل الصحابة الكرام في المجتمع المكي وهم يتلقون هذه السورة ويحتفون بها ويحاولون أن ينزلوها على واقعهم. قضية المحافظة على الصلاة، وليس فقط الصلاة بل الخشوع في الصلاة، والَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، الأعراض عن اللغو واشتغال الانسان بما يقربه من الله، الحرص على الزكاة، حفظ الفرج، الأداء في الأمانات، المحافظة على الصلوات في اوقاتها. الله عز وجل في مطلع هذه السورة قدم مجموعة من الخصال لابد وأن تكون موجودة في هذا المؤمن الذي يؤهل لخلافة الله في الارض، والذي يؤهل ليمكن في هذه الارض. لابد من وجود هذه الخصال فيه، لذلك قال سبحانه في ختام هذا المطلع: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. بالتالي وراثه الفردوس، الوصول إلى هذه المقامات العالية يحتاج منك أيها الانسان إلى جهد وإلى بذل وإلى تعب؛ لا تنال الجنة بالهمم الدنية، وإنما تنال المقامات العلية على قدر تعبك واستمرارك في مقامات العبودية لله سبحانه وتعالى.
بعد أن انتهى المقطع الاول من سورة المؤمنون عند الآية الحادية عشرة، انتقلنا للمقطع الثاني، وهو أن الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يذكر معالم الخلق ليدلنا عليه وعلى أحقيته بالعبودية، فبدأ بذكر خلق الانسان بشكل مفصل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ أي في رحم الأمهات ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً إلى آخر الآيات، ثم قال: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ. تكلم إذن عن خلق الإنسان طوراً بعد طور. طبعا كلما مررت في كتاب الله سبحانه وتعالى على ذكر لخلق الله عز وجل لشيء، اعلم وعليك أن تعرف أن الله سبحانه وتعالى إنما يذكر هذا الخلق لينبه على أحقيته بالعبودية والخضوع؛ يعني يا أيها الإنسان، من الذي خلقك في هذه الأطوار وجعلك تتقلب في طور بعد طور؟ الله سبحانه وتعالى إذاً هو المستحق للعبودية.
نفس الشيء: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ، تكلم عن خلق السماوات؛ سماء فوق سماء، سماء فوق سماء. طيب، ثم تكلم عن انزال الماء وهذا حديث متكرر: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ يعني كمية محسوبة، فأسكناه في الأرض، أصبحت مياه جوفية وتخرج منها الينابيع والعيون، فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب، لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون، وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين، الكلام عن شجرة الزيتون وأشاره إلى ما فيها من البركة والخير. ثم انتقل لذكر نعمة الله في خلق الأنعام: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. طيب، ذكر الفلك السفن وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ.
إذاً، من الآية الثانية عشرة إلى الآية الثانية والعشرين الله سبحانه وتعالى يتحدث عن أفعاله في هذا الكون ليدلنا عليه وليعرفنا به. والإنسان العاقل يجب أن يكون مستبصراً، والكفرة بكل هذه المخلوقات الدالة عليه أراد أن يخبر عن مصائر الأمم السابقة التي كانت ترى هذه المشاهد ولا تعتبر وتكذب الرسل، كيف أن الله دمرهم شر تدمير ولم يأخذ من الله سبحانه وتعالى أي جهد أو تعب. فانظر في القصة المتكررة؛ قصة نوح مع قومه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ. فماذا فعل قومه؟ الاستهزاء والتهكم بالحق: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. وهذه قضية ما هذا إلا بشر مثلكم، إذا تلاحظون في كل السور اللي قرأناها شبهة متكررة عند الكفرة من لدن قوم نوح إلى قوم موسى وعيسى إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ من أكبر مشاكل المشركين أو الشبهات التي لا قيمة لها كانوا يعترضون على الرسل بأنهم بشر.
هؤلاء الكفرة كانوا يريدون رسلاً من عالم آخر، يريدون رسل ملائكة، رسلاً من كوكب آخر يأتون؛ مش قابلين نفسياً أن يكون الرسول بشراً مثلهم، يأكل مما يأكلون منه ويشرب مما يشربون. فلما رأى الرسول جاء على صورة البشر قالوا هذا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم؛ يعني هذا الإنسان يبحث عن التميز فقال لكم إنه مرسل من عند الله سبحانه فدعوه منه. طيب فـ، طبعا هكذا يفكر قوم نوح: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً، لماذا الله لا يرسل لنا ملائكة بدلا من أن يرسل بشراً؟ بغض النظر هل هذه شبهة تردون بها الحق الذي جاء به نوح؟ كون الرسول بشري، ملائكي، من الجن، من أي جنس شاءه الله سبحانه وتعالى، دائماً ناقشوا الحق بذاته، عندكم اعتراض أو شبهة ناقشوا في ذات الحق ولا تناقشوا في الطريقة التي وصل فيها الحق، فليس هذا من دأب العقلاء.
طيب، نوح عليه السلام كما مر معنا في سورة العنكبوت 950 سنة وهو يجادل هؤلاء القوم، قوم البهت والكذب، في النهاية قال: رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ. يعني بعد 950 سنة، يعني ما ضل فيها شيء مع هؤلاء، قال رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ. فأوحينا إليه، الله عز وجل أراد أن تكون نهاية قوم نوح آية تتلى إلى يوم القيامة، فجعل سيدنا نوح يصنع سفينة في صحراء حتى كان قومه يمرون به يستهزئون به؛ يعني نوح سفينة تمشي في صحراء هذه عجيب! قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ كما جاء في سورة هود.
المهم، الله عز وجل قال: فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا، شوف هذه الكلمة، فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا تدل على أن الله هو المهيمن هو المسيطر سبحانه وتعالى، إذا جاء أمر الله باهلاك القوم الظالمين فإن الله يستاصل شافتهم. فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُورُ، الأرض كلها فارت بالمياه وأصبح الطوفان العظيم، نوح حمل ما أمر الله أن يحمله على السفينة ثم قال سبحانه وتعالى له: وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ. يعني خلاص هؤلاء القوم، أوعد يا نوح ترجع تقول خلاص يا رب ارحمهم، خلاص يا رب سامحهم؛ لا، لا تخاطبني فيهم، كيف مثلا أنا بقول لك خلص لا تحكي معي أنا قررت أن أعل هذا الشيء، نفس الشيء تفهم هذه الآية: وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي لا تراجعني فيهم ولا تسترح لهم إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ. هذه نهايات دائماً ينبهنا الله سبحانه وتعالى عليها حتى نعرف أن الظلم والكفر والفجور الله عز وجل يمهل له، يمهل له، والله عز وجل يعذر العباد، لكن إذا جاء أمر الله سبحانه وتعالى فانه لا يقف شيء أمام غضب الجبار سبحانه.
قال سبحانه وتعالى في نهاية قصة نوح: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ. سنة الله عز وجل في البلاء سنة قائمة مستمره، وهو أن الله عز وجل يبتلي الصالحين بالفاجر ويبتلي المؤمنين بالكافرين، ويبقى الصراع والمدافعة بين الحق والباطل إلى فترة معينة، فاذا جاء أمر الله باهلاك القوم الظالمين سينتهي هذه فكرة يريد الله سبحانه وتعالى من الإنسان المسلم أن يستوعبها؛ لأن كثيراً من أهل الإيمان عندما يتاخر النصر يفقدون الثقة بربهم سبحانه وتعالى ويشككون بالله: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا. جاءهم نصرنا، لكن نصر الله سبحانه يأتي في الموعد الذي يختاره الله وليس في الذي نختاره نحن أصحاب العقول القاصرة.
ثم الله عز وجل يخبر عن حركة الكون التي ستبقى مستمرة وحركة المجتمعات الإنسانية: ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ. نفس الشيء قوم جدد، فكانت سنة الله أن ارسل فيهم رسولا منهم بشري، نصحهم نفس النصيحه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ. فقوبل بنفس المقابلة: وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. شوف نفس الجملة اللي قالها قوم نوح كررها قوم عاد، قيل هؤلاء قوم عاد، نفس الجملة: مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ. هو انسان عادي مثلكم، يعني هو الحق حتى يقبل يجب أن يكون أتى بصورة خارقة؟ أنت أيها الإنسان، أنت ككائن ضعيف حتى تقبل الحق تحتاج أن يأتيك الحق بصورة خارقة؟ هل هناك مشكلة أن ياتيك الحق بصورة طبيعية هادئة من خلال انسان مثلك يحاورك ويقيم عليك الحجة وينتهي الأمر؟ فالله عز وجل يخبرنا عن عقلية المشرك، عقلية الكافر الذي لا يريد أن ينصاع على الحق إلا بالطريقة التي هو يريدها.
المسلم يقبل الحق من أي جهة جاء؛ من خصمه، من عدوه، من صديقه، من بعيده، من أي طريق جاء يقبل الحق. وأذكركم بقصه البارحة لما النبي عليه الصلاة والسلام قال لأبي هريرة عن ابليس: صدقك وهو كذوب. ابليس عليه من الله ما يستحق نصح أبا هريرة أن يقرأ سورة أو آية الكرسي حتى يقيه الله سبحانه وتعالى منه في قصة طويلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة: صدقك وهو كذوب ترى النصيحه اللي قال لك اياها ابليس صح؛ آية الكرسي تقي من الجن وتقي من ابليس وجنده، خذها. يجب على الإنسان المؤمن أن يوطن نفسه على فكرة الخضوع للحق والنزول أمامه، وإياك من الاستكبار أمام الحقائق، فإن الله عز وجل من أكثر الصفات التي ذمت في القرآن المستكبرين على الحق، المستعلين، الذين لا يريدون الحق إلا إذا نزل عليهم هم، أما إذا لم يكونوا هم أنبياء مش مستعدين يؤمنوا، إذا لم يأت القرآن عليهم مش مستعدين يتقبلوا. هذه نفسية ذمها الله سبحانه وتعالى وتوعد أصحابها تماماً.
فهم يعني قوم عاد في اثناء مناقشتهم لهود ايش كانوا يقولون لبعضهم؟ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ. يعني معقول بدك تؤمن برسول بشر مثلك ومثله؟ إذا تطيع بشر مثلك أنت خاسر مسكين. أيضاً من مشاكلهم: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتَّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ؟ هذا الرسول مسكين يعدكم أنه في شيء اسمه دار آخرة وأن الانسان بعد ما يتحلل ويصبح تراباً في الارض سياتي يوم يبعث مرة أخرى؟ كانوا يعتبرون هذه نكت ومزح واستهزاء؛ يا اخي دار آخرة ما دار آخرة، ايش تتكلم أنت بهذا الكلام؟ طيب: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. يعني شوف قوم عاد يقولون هود يكذب على الله؛ جعلوا أنفسهم كأنهم هم الذين يدافعون عن الله فيقولون هذا رجل افترى على الله كذبا. أنتم يعني المدافعون عن الله؟
طيب هود عليه السلام قال: رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ. خلاص هؤلاء قوم بهت، مش مستقبلين هذه الدعوة. قال: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ. شوف هذه العبارات الإلهية، الله يقول لنبيه: اصبر عليهم، عما قليل سنوات معدودة رح يندموا على كل هذا الاستهزاء والاستكبار على شرع الله. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً. بتعرفوا ايش الغثاء؟ الغثاء هو الذي يكون فوق السيل؛ لما يجي سيل يكون عليه شويه حصى، شويه أغصان مكسرة، شويه هكذا لمامة لمها هذا السيل من الارض، شيء لا قيمة له، هكذا أصبحت جثثهم فوق الأرض كالغثاء، كالأغصان المهملة التي لا أحد يعبأ بها فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين، الله عز وجل يخبرنا عن حركة التاريخ وعن حركة البشرية وكيف كان قوم نوح، قوم عاد، قوم صالح، قوم شعيب، قوم لوط؛ يأتي النبي تلو النبي. قال سبحانه: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى مَتَتَابِعِينَ. كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ، كل أمة يأتيها رسول للأسف العادة المتكررة القلة الصابرة هي التي تؤمن، وعلية القوم يستكبرون ويأنفون من قبول الحق والإنصياع له. فالله يقول وبسهولة أيضاً رب العالمين قال: فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ؛ يعني صاروا قصصاً في الماضي؛ قوم عاد أصبحت قصة انتهت، قوم صالح أصبحت قصة يتحدث عن العذاب الشديد. اليوم لما تدخل إلى ديار قوم ثمود وهي في منطقة المعلى شمال المدينة النبوية.
انظر مدينة خاوية على عروشها كانت اصبحوا أحاديث حتى الناس تتن كان هنا قوم عذبهم الله قوم لوط اصبحوا أحاديث، والله كان هناك قوم يسكنون في قرية وأبادهم الله هذا معنى وجعلناهم أحاديث أي جعلناهم عبرة يعتبر الناس بها إلى يوم القيامة ولكن أكثر الناس لا يعتبرون إلى يومنا هذا.
أمريكا والصهيونية والماسونية والكفر يعرفون هذه القصص، قرأوا كتابنا في المستشرقين وجامعاتهم أكثر مما قراه بعض المسلمين، لكنهم يظنون هذه القصص من الماضي يعني وأساطير الأولين ولا يمكن أن تعاد هذه الحكايات وستعاد بإذن الله.
أيضا من قصص الجبابرة الذين انتهوا موسى أرسله الله إلى فرعون وملإه فاستكبروا، شوف الاستكبار على الحق قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا نفس الجملة قوم نوح ما هذا إلا بشر مثلكم قوم عاد ما هذا إلا بشر مثلكم فرعون وجنده نفس الفكرة قالوا أنؤمن لبشرين.
إيش مشكلتكم؟ أنكم تنصاع للبشر إذا أتوا بالحقائق وأتوا بما يبهر وأتوا بالمعجزات الدالة على أنهم مرسلون من عند الله فكذبوهما فكانوا من المهلكين، برضه الله عز وجل أنهى وجود فرعون وصحبه.
طيب، يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، الآن عند آية واحد وخمسين سننتقل إلى خطاب جديد، الله عز وجل يخاطب هذه الأمة التي يدعوها محمد صلى الله عليه وسلم، وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، الله بحذر عاد ليحذر الكفرة الذين يخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم أحذروا أنا ربكم فاتقون.
كيف استقبل كفار قريش دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الله عز وجل قص عليهم أحوال الأمم السابقة والإهلاك الشديد؟ كيف استقبلوها؟ للاسف سيبقى أكثر البشر لا يعتبرون هذه حقيقة، أكثر البشر لا يعتبرون.
والله في حياتنا اليومية تجد إنسان يرى قريبه أو ابن عمه أو صديقه الله عز وجل ما قتله وهو شاب بحادث سير وما شابه ذلك وكان لا يصلي، فتجي بتنصح يا فلان ترى تذكر فلان أخوك كان لا يصلي ومات وهو شاب يقول لك لا أنا مش مثله أنا ربنا رح يعطيني عمره إن شاء الله بصلي بس أكبر.
كل الحقائق تراها أمامك وتبقى تتناساها وتظن أنك أنت من ستنجو، كل واحد فينا يظن أنه هو الذي سينجو هو اللي راح تضبط معاه مع عتوه واستكباره وإعراضه عن الله سبحانه وتعالى.
فالله يخبر لا لا أنت لست مميزا من البشر ولست من أعلى البشر، أنت مثلك مثل غيرك، هناك قانون إلهي يحكم هذه البشرية عليك أن تنصاع لشرع الله وكل إنسان يخرج عن النص ويخرج عن السطر سيهلك.
طيب، فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا أي الكفار انقسموا إلى جماعات كله حزب بما لديهم فرحون، كل طائفة وكل شعب يظن يعني فرح بما آتاه الله من العلم والمعرفة والتكنولوجيا ولا يريد أن يؤمن بالله، فالله يقول فذرهم في غمرتهم حتى حين أي اتركهم ما داموا مصرين على هذه الحالة ذرهم في غمرتهم أي في هذا السكر الشعور بالتكنولوجيا والتقدم الحضاري وأننا فعلنا وفعلنا هم في غمره.
اليوم إخوان الصهيونية والعالم الغربي والكفار عموما هم في غمره في سهو في عالم الشهوات والمادة وليسوا منتبهين إلى أمر الله سبحانه وتعالى عندما يأتي بهم، أيحسبون شف كانت الآيات تتكلم عن واقعنا اليوم أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات، يحسبون كل ما نعطيهم من وسائل المعرفة والمال والذرية والحياة الرغيدة أن هذا من باب تعجيل الخيرات لهم بل لا يشعرون مش حاسين مش عارفين الواقع أن الله يستدرجهم للعذاب الأليم وأن كل هذه الدنيا بما فيها من ملذات وساعات وشهوات بمجرد غمسه في نار جهنم تنسى كل ما ذقته من نعيم الحياة الدنيا.
عاد الله عز وجل ليبين صفات المؤمنين الحق قال إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات.
يعني هؤلاء الإنسان الذي يفتح الله عز وجل عليه باب الخشوع وباب العبادة وباب الصلاة وباب التوحيد لله هؤلاء هم الذين يسارعون في الخيرات وليس الذين نمدهم بمال وبنين مع إعراضهم عن الله، لاحظوا كلمة يسارعون في الخيرات في آية إحدى وستين ولاحظ نسارع لهم في الخيرات آية ستة وخمسين.
الله عز وجل يقول من الذي يعجل الله له بالخير؟ هل الذي يفسح له في المال والذرية والحياة الرغيدة مع استكبار وعناده عن شرع الله أم الذي يسارع الله عز وجل له بالخير هو الذي يرزقه الله الخشية منه والإيمان بآياته والتوحيد له والبذل في سبيله؟ نعم قد يكون الإنسان إخواني يبتلى في سبيل الله ويدفع الثمن ويمر بلحظات صعبة وقاسية لكن تثبيت الله عز وجل له على سبيل الاستقامة وعلى سبيل الخير هذا من تعجيل مسارعة الله بالخيرات له.
احنا ربما لنظر القاصر نظن أن البلاء في سبيل الدعوة والبلاء في سبيل الخير نعتقد أنه شيء شر ونريد مباشرة أن ينتهي ويذهب وقصور نظرنا نعتقد أن الوساع في الدنيا وسعة المال والأبناء هو بحد ذاته خير حتى ولو أعرضنا عن شرع ربنا، لكن الله عز وجل يخبرنا أن المعادلة ليست هكذا، الإنسان الموفق الإنسان الذي يعجل الله له بالخير هو الذي يوفقه للطاعة يوفقه للعبادة يوفقه للأعمال الصالحة، والإنسان المخذول هو ذاك الإنسان الذي كلما عتى عن شرع الله أمده الله بالمال وبنين وأمده الله بالدنيا دعاله ياخذ لأن الله يمكر به من حيث لا يشعر، فنسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية.
طيب، الآن الأمر لن ينتهي هنا يعني هل سيبقى المشهد أن هناك كفار يمدون بالمال والبنين ويبقون أبد الآباد؟ كلا هؤلاء الكفار الذين أمدهم الله بالمال والبنين واستدرجوا في لحظة معينة سينزل بهم العذاب الأليم فقال في آية أربعة وستين حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب، يعني الله عز وجل سيعذب هؤلاء المترفين أصحاب الأموال والبنين والتكنولوجيا والوسائل هذين لم يستعملوا هذه النعم في طاعة الله وإنما استكبروا عن شرع الله واستغنوا عن الله عز وجل بما أمدھم الله به من النعم، هؤلاء المترفون سيبدأ الله بهم سيبدأ الله بهم حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجارون، بدأ الصراخ والعويل لا تجار اليوم لا يعني يعني ما في داعي لأي صراخ إنكم منا لا تنصرون بعد كل هذه السنوات والأمة سنوات كلا وسنوات وعقود بعد عقود كم قتلتم من المسلمين كم أيتمتم عباد الله الموحدين كم منحتكم من المعارف والعلوم كل هذه الأمور استعملتم في محاربة الله ورسوله لا الآن ما في مجال للصراخ ولا للعويل إنكم منا لا تنصرون.
قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون يعني بمعنى تعرضون وتستهزئون وتتهكمون ولا تقبلون شرع الله سبحانه وتعالى مستكبرين به سامرا تهجرون.
طيب، هنا الله عز وجل بعد ذلك عاد ليخاطب كفار قريش ما الذي يمنعكم أيها الكفرة من أن تؤمنوا بهذا الرسول العربي العظيم؟ أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون؟ يعني أنتم مش عارفين من هو محمد صلى الله عليه وسلم؟ اليس هو الصادق الأمين الذي كان بين ظهرانيكم؟ أليس هو من هو أشرفكم نسبا وأصلا ولغة؟ يعني محمد صلى الله عليه وسلم ليس إنسانا أتى من كوكب آخر فجأة وجدتموه أمامكم ومن بين أظهركم تعرفون معدنه وصلبه وأخلاقه وسمته أم يقولون به جنة؟ أليس عيب أن تقولوا هذا الرسول به جنة وأنه مجنون ويتكلم بكلام لا يعقله لا هو بل جاءهم بالحق هذا هو الواقع بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون.
إذا محمد صلى الله عليه وسلم أنتم تعرفون صدقه ومحمد صلى الله عليه وسلم أنتم قبل غيركم تعرفون أنه ليس بمجنون، الحقيقة العظمى أنه جاءكم بالحق لكن أكثركم نفسه كارهة للحق لا تريد أن تنصاع لهذا الحق، لماذا يمكن أن يكره الإنسان الحق؟ هذا السؤال لماذا يمكن يكره الإنسان الحق الشرع الإلهي؟ البعض أو كثير من الناس يكره الحق لأنه يراه مقيدا لشهواته يقول أنا أخي أريد أن أعيش الملذات والشهوات والعلاقات المحرمة والنظر للنساء وارتكاب الفواحش أريد أن أعمل وأفعل وأصول وأجول.
هذا الحق الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم يكبلني في شهواتي يمنعني من النظر إلى الحرام يمنعني من اللهو والعبث، يا أخي خمس صلات في كل يوم وليلة فجر ظهر عصر مغرب عشاء وصيام ثلاثين يوم رمضان ولازم أحج ويأمر مني برضه أني أخرج زكاة مالي يا اخي أنا ما بدي أنا بدي أعيش الحياة هكذا على كيفي وهواي.
أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟ لذلك في آخر سورة المؤمنون ماذا قال ربنا أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا يعني هل تظن أن الله خلقك ضيف في ه الحياة الدنيا يعني أنت في ضيافة وخذ راحتك وعيش حياتك كما تريد ترى بعض الناس أو أكثر الناس يظنون أنه في ضيافة وعايش الحياة ضيافة أنه أنا وجدت في الدنيا إلي الحق أإفعل ما أريد ما في شيء اسمه شرع يقيدني ما في شيء اسمه دين يقول لي حرام تعمل كذا ويجب تفعل كذا في نعم وأكثرهم للحق كارهون، تذكروا هذه الآية أكثر الناس كارهون للحق وللشرع وللإسلام لأن الإنسان لا يحب القيود ويحب دائما أن يعيش كيفما شاء لكن هناك دار أخرى ودار خلود، الخلود هي الدار الآخرة سواء الخلود الأبدي في الجنة أو الخلود الأبدي في النار فالإنسان يجب أنه يستبشر وتنبه قبل فوات الأوان.
طيب يقول سبحانه لهؤلاء الذين يكرهون الحق لأنه لا يوافق أهوائهم وأمزجتهم يقول ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، بتعرفوا لو كانت الشريعة على أمزجتهم لكان هذا أكبر فساد عريض في السماوات والأرض لأن سيصبح العالم هو عبارة عن عالم من الشهوات والبشر الحيواني هذا يسعى في الفواحش وهذا يسعى في الخمور وهذا يسعى في الرقص وهذا يسعى في الغناء وهذا في الربا وهذا يأكل حق هذا وهذا يأكل مال هذا، ولو اتبع الحق أهوائهم لفسد قانون السماء والأرض.
الشريعة هي ليست تقييد للإنسان، الشريعة هي حقيقة مصلحة للإنسان، الشريعة ضابطة لوصلة الإنسان، الشريعة مصلحة لهذا المجتمع الإنساني ليسير على وفق منهج الله سبحانه وتعالى بطمأنينة وهدوء.
طيب، لذلك الله عز وجل يؤكد لنبيه صلى الله عليه وسلم و إنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم أنت ما تدعوهم إليه هو الصراط المستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون.
طيب، الله عز وجل يذكرهم مرة أخرى بخلقتهم وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون وهو الذي ذرأكم في الأرض واليه تحشرون وهو الذي شوف وهو وهو وهو الله يدلنا عليه دائما يقول وهو الذي يفعل كذا وهو الذي يخلق كذا وهو الذي ينشئ كذا يعرفك عليه وبما يستحقه سبحانه وتعالى من العبودية.
طيب بل قالوا مثل ما قال الأولون كفار قريش ما زالوا يكررون نفس حجج قوم نوح وعاد أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون، هذه الجملة قبل شوي مرت معنا في كلام مين؟ في كلام قوم عاد لما قالوا لنبيهم أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون؟ نفس الشيء قاله كفار قريش أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين هذه حكايات قصص حج وحجتك وأساطير وسواليف هذه ما في شي اسمه دار آخرة.
فالله عز وجل يريد أن يظهر جلاله قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون بتقولوا فيش دار آخرة وأساطير الأولين هذه الأرض ومن فيها لمن هي؟ سيقولون لله، ترى كفار قريش هذا يجب أن تفهموه جدا في الأسلوب القراني كفار قريش كانوا يعرفون أن الله هو الخالق وأن الله هو الرازق وأن هذا الكون لله كفار قريش هم ما كانوا ملحدين يعني هم مش اقوام لا يؤمنون وجود إله أصلا لا هم كانوا يؤمنون بوجود الله لكنهم كانوا يعبدون أصناما يزعمون أنها تقربهم من الله زلفا هذه مشكلة، وفريق منهم كان يؤمن بالله لكن ما يؤمن بالدار الآخرة يقول ماشي في رب يحيي ويميت بس ما فيش دار آخرة فهذا مهم حتى تفهم السياق القراني لأنه بعض الناس يظن أنه قريش كانوا ملاحدة مش ما آمنين بوجود إله أصلا لا لا كانوا مؤمنين بوجود الله الواحد وأن الله عز وجل هو الذي يعني يخلق ويرزق ويعطي ويمنع لكن كانوا يشركون في العبادة أصناما وأحجار وسحرة وكهنة فكانوا يخلون بالتوحيد في هذه الجهات ومع ذلك قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وحاربهم حتى يكون الدين لله سبحانه وتعالى وحده.
طيب، لمن الأرض ومن فيها؟ سيقولون لله، طيب من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم؟ أيضا سيقولون لله، طيب قل من بيده ملكوت كل شيء؟ هذا هذه أعم عبارة ملكوت كل شيء من السماوات والأرض وهو يجير ولا يجار عليه؟ سيقولون لله، قل فأننى تسحرون؟ طب إذا أنتم عارفين أن الله عز وجل بيده الأرض وبيده السماوات وبيده العرش العظيم وبيده كل شيء لماذا هذا الإصرار على الكفر كيف تصرفون عن الحق؟ هذا يدل أن كفار قريش لم يصرفوا عن الحق لعدم وضوحه بل صرفوا عن الحق لأنهم أصحاب هوى أكثرهم للحق كارهون.
هنا النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب ربه قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين يعني يا رب إذا أنت أردت أن تهلك هؤلاء القوم ربي فلا تجعلني معهم من المهلكين، يا رب أنا دعوتهم وأنا بلغت وبينت ووضحت وكشفت فإذا يا رب قررت أن تنزل وعيدك عليهم فلا تجعلني معهم فقال.
الله عز وجل لنبيه وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ، نحن قادرون على أن نريك يا محمد صلى الله عليه وسلم العذاب الذي حل به، وإن كان ليس شرطا أن يُدرك النبي صلى الله عليه وسلم عذابه.
طيب، حتّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا، الله عز وجل هنا يخبرنا عن حال الإنسان، هذا الإنسان الذي عاش حياته مستكبرا عن الله، كارها للحق، بعيدا، مستهزئا، متهكما، هذا الإنسان في اللحظات الأخيرة وروحه تُقبض، وروحه تُقبض ماذا سيقول؟ رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت، سعيت، رب العالمين ماذا سيقول؟ كَلَّا ۖ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا، آخر شي رح تحكيه في الدنيا رب ارجعون بس ما راح نرجعك وَمِن وُرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
ثم هذا الإنسان سيأتي إلى مشهد الدار الآخرة، إِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، اللي موازينه ثقيلة وعمل صالح هم المفلحون، واللي خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ عابثون، قاطب لشدة العذاب الأليم.
طيب في النار ماذا سيقول لرب العالمين؟ شوف هذه جمالية القرآن، بعطيك مشهد الكافر وهو في الدنيا وهو شايف حاله وهو ما حدا قده وهو يظن أنه مستكبر وكل شيء، بعدين يأخذك هذا الكافر كيف سيكون حواره في نار جهنم، طيب ماذا سيقولون لله وهم في نار جهنم؟ طبعا الله عز وجل سيعتبر، فإيش يقول ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين، ربنا أخرجنا منها، يعني ربنا اعطينا فرصة واحدة، اعطينا فرصة واحدة رح نصلح الأمور فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ، فالله عزوجل يقول لهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون، لا هي فرصة واحدة ولا يوجد فرصة أخرى، وهذه قضية مهم أنه ينتبه لها الإنسان.
الله عز وجل أيها الكرام منحنا فرصة واحدة، أما أن تكون أوراقك صالحة أو تكون أوراقك تالفة، يعني ما فيش مجال أنه إذا ظهر فشلك في الاختبار الأول تطلب من رب العالمين إعادة الاختبار، في الدنيا ممكن أنت تفشل في اختبار تطلب إعادة الاختبار بضبط ممكن، لكن في اختبار الحياة الدنيا هو اختبار واحد، أما أن تخرج منه بالعلامة المرضية، وأما والعياذ بالله أن يكون حالك كحال هؤلاء الذين يقول الله لهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون، ليه اخسؤوا فيها؟ إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا، أنتم ايش كنتوا تعملوا؟ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا كُنْتُمْ تستهزئون بأهل الخير والصلاح وأهل العلم وأهل الإسلام وتسمعهم بالأوصاف المعيبة وترفض الحق، هؤلاء المؤمنون الذين صبروا على بطشكم وعناد واستكبار واستهزائهم إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ، واما أنتم فهذا مصيركم الذي تستحقونه.
طيب، بدات سورة المؤمنون تختم نفسها، قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين، الله عز وجل يخاطبهم لهؤلاء الكفرة، كم لبثتم، كم سنة عشتوا في الأرض؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، قالوا يا رب بس يوم أو بعض يوم ما عشنا فترة طويلة، الله عز وجل قال لهم إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا، انتم ما لبثتم يوم أو بعض يوم لا لا انتم عشتوا 60 سنة أو 50 أو 40، نعم هي قليلة جدا مقارنة بالخلود الأبدي الذي أنتم فيه الآن في نار جهنم بس بدنا نوصل لكم رسالة، أَفَحَسِبْتُمْ، الله عز وجل يكلمهم وهم الآن يُشْوَوْنَ في نار جهنم، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا، يعني كنتم تظنوا أنه قصة الحياة أنه أنت عادي تكفر بالله وتستهزئ بشرع الله وتفعل الشهوات والملذات والمعاصي ولا تريد صلاة ولا صياما وتظن أنه أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا يعني فقط يعني أنه أنت بتستاهل تخلق لذلك خلقتك يا أيها الإنسان وأنت لك الأحقية تعيش حياتك كما تريد وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، لا أنت لم تخلق عبثا، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، هنا الله عز وجل يظهر جلاله أمامهم، تعالى الله أن يكون خلق الخلق عبثا، تعالى أي ترفع سبحانه أن يكون خلقك أيها الإنسان فقط من أجل أنك تكون ضيف تعبث وتلهو، هذا ليس من أفعال الإله الحكيم، وإنما الحكيم سبحانه إنما خلق الخلق لمقصد ولغاية، وإن كان أكثر الناس لا يعيشون لهذه الغاية.
لذلك ختمت السورة وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، هؤلاء لا براهين لهم على آلهتهم، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ، يعني أي إنسان تسول له نفسه أن يشرك بالله شجرا أو بشرا أو حجرا أو كوكبا أو بحرا أو بقرا أو أي شيء من المعبودات أو تسول له نفسه أن ينكر وجود الله ويلحد، هؤلاء لا يفلحون، وأما أنت أيها المؤمن فاجعل ديدنك في هذه الدنيا أن تسأل الله سبحانه وتعالى الرحمة والمغفرة والستر حتى يأتيك اليقين، وقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ، هنا انتهت سورة المؤمنون.
طيب، ننتقل بعد ذلك أيها الكرام إلى سورة الحج.
سورة الحج ركزت على مجموعة أيضا من القضايا العقدية مع أنها تكلمت عن فريضة الحج في ثناياها، سورة الحج أيها الكرام بدأت بإنذار الناس باليوم العظيم، إنذار الناس من ذاك اليوم العظيم وهو يوم القيامة الذي كانوا يستهزئون به ويتهكمون به، وبعض الناس وإن كان في الظاهر يقول لك أنا مؤمن بيوم القيامة لكن حياته وواقعه لا تشير إلى أنه يؤمن به حقا، فالله عز وجل يخوف الناس من هذا اليوم المهيب، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، شوف هنا الله عز وجل ما قال يا أيها الذين آمنوا ولم يقل يا أيها الذين كفروا، نادى البشرية جمعاء، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ.
الله سبحانه وتعالى إذا عظم شيئا فهو عظيم حقه، وإذا سبحانه وتعالى صغر شيئا فهو صغير حقه، الله صغر الدنيا فهي صغيرة وعظم الساعة فهي عظيمة، مع أنه أكثر الناس الأمر عندهم بالعكس، أكثر الناس معظمين الدنيا ويظنون هي الشيء الكبير ويهون أمر الآخرة وبقول لك بس تجي الآخرة بدبر حالنا، هذا تسمعه للاسف من بعض الناس، لا الله عز وجل يقول لهم انتم قلبتّم الموازين، الشيء الحقير هي الدنيا والشيء العظيم هي الدار الآخرة، إِنْ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا.
طيب، ما الذي يجعل الناس أو بعض الناس يكفرون بالدار الآخرة؟ فيقول سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ، يجادل في آيات الله، يجادل في أخبار الله ولا يريد أن يؤمن بها، قضية الجدل في آيات الله كثيرة مرت معنا في سورة غافر الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ، الجدل، الجدل يعني الاعتراض على الشرع، الاعتراض على الوحي، الاعتراض على أخبار الله سبحانه وتعالى وبالتفاصيل الشرعية، الله يقول ومن الناس هذا دابه دائما بيعترض على الشريعة، مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وهو جاهل ويتبع كل شيطان مريد، وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ.
كل إنسان حتى لو نسب نفسه للإسلام تجلس معه تخبره عن شرع الله سبحانه فيجادل يقول لك لا يا اخي والله الربا مش حرام وهذه أمور يعني أنتم فاهمينها خطأ أو أنه مثلا الجلباب ليس بواجب أو أنه كذا وكذا من الأمور المسلمة يناقش فيها، هذا أضل من بعير أهله كما يقولون، لانه الشيطان هو الذي يدفعه لمجادلة ورد الحق، فأنت أيها الإنسان لا تكن بوقا للشيطان، لا تكن بوقا للشيطان، الشيطان يجعلك تناقش في آيات الله وتعترض عليها، بل بالعكس ربي نفسك أيها الإنسان أن تكون منصاعا لشرع الله وللحق ومدافعا عن شرع الله وعن آيات الله وعما يقوله ربنا سبحانه وتعالى.
الله هنا يضع قاعدة، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ، كتب الله عز وجل كتابا قدريا وحكما أزليا أن من يتولى الشيطان ويكون في صفه ويسمع لخطراته وينافح عن أفكاره فإن الله عز وجل يضل هذا الإنسان ويهديه إلى عذاب السعير، أو ويمكن أن يعود الضمير فانه يضله إلى ابليس، يعني كتب عليه يعني كتب على ابليس أنه من تولاه، من تولى ابليس فإن ابليس سيضل، وابليس سيهديه إلى عذاب السعير، سيكون قائدا له إلى نار جهنم.
طيب، الله عز وجل عاد يخاطب الناس بصفتهم بشر، يَا أَيُّهَا النَّاسِ مرة أخرى إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ، انتم ايش اللي مشكك في البعث؟ أنا بدي أطيكم دليل على البعث، إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِّن مَّضْغَةٍ مَّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ، وهكذا الله عز وجل أعطى الإنسان تفاصيل خلقه وكيف أنه خلق طورا بعد طور ليخبره، يا أيها الإنسان الذي خلقت بهذا التفصيل الدقيق وبهذه الأطوار الدقيقة الذي خلقك من العدم بهذه الأطوار، فقد كنت نطفة من مني يمنى ثم اصبحت في رحم أمك ثم أنت اصبحت نطفة علقة مضغة ثم كسوت العظام عظام لحما كما مر معنا، هذا الخلق العظيم من فعله؟ الله، إذا ما الذي يمنع الله عز وجل أن يعيد خلقك مرة أخرى؟
ولماذا يخبرنا عن تفاصيل خلقنا بالدقة؟ لأنه يخبرنا أن من فعل هذا ابتداء ما أسهل أن يعيده انتهاء، من فعل هذا ابتداء بكل هذه التفاصيل ما أسهل أن يعيده انتهاء.
طيب، بدك تأخذ دليل آخر على قدرة الله على الإحياء؟ شوف الآية الأخرى، وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً، الأرض ميتة تماما، ينزل الله عز وجل عليها الماء تهتز تخرج النباتات الخضرة، الآن انظروا إلى الربيع في بلادنا، قبل أشهر كانت الأرض جردة تماما لا يوجد فيها أي عشب أخضر، خلال شهرين ثلاث نزل المطر من السماء بحمد الله، هذه الخضرة في ربوع البلاد كيف الأرض تكون ميتة ثم تحيي؟ من يفعل ذلك؟ الله سبحانه وتعالى ولا يعجزه ذلك، فما الذي يمنع أن يعيد أجسادكم وينبتها مرة أخرى؟
طيب، إذا كل هذه الأدلة لم تكفيكم فانتم قوم بهت، فيكفي أن نقول لكم ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وانه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وإذا جادلتم في هذه القضية فانتم من الناس الذين يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، شوف آية ثمانية وآية ثلاث.
يخبر الله عز وجل فيها عن ذاك الإنسان الذي يجادل ويعترض ويشكك في آيات الله وأحكام الله بغير علم، ففي آية ثلاث قال وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ، وفي آية ثمانية وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ، إذا الله سبحانه وتعالى يعلمنا منهجية الإنسان، إذا أراد أن يناقش في أي مسألة من المسائل يجب أن يكون نقاشه بعد استحواذه على الأدلة ويكون هدف النقاش الوصول إلى الحق والمصداقية، أحذر أن تكون ممن يجادل ولا تملك أدلة وبراهين فقط من باب الهوى والصخب.
أيضا وَمِنَ النَّاسِ، هناك نموذج آخر من الناس، شوف وَمِنَ النَّاسِ آية ثمانية، شوف بعدين وَمِنَ النَّاسِ آية 11 وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ، في ناس بقول لك أنا بعبد الله عز وجل وبنصاع لشرع الله ما بجاد ابتداء إذا كانت الحياة فيها رخاء ويسر، يعبد الله على حرف يعني على جهة واحدة يعبد الله في الرخاء، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، هذا شرح لمعنى يعبد الله على حرف، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ بمرض أو فقر أو فقد أو أو انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، هذا نمط آخر من الناس الذين يعبدون الله في حالة دون حالة وينصاعون لله في صورة دون صورة، وهذا النوع أيضا لا يقبله الله، كما أن الله لا يقبل الذين يعرضون عن كامل الحق فهو سبحانه وتعالى أيضا لا يقبل الذين ينصاعون للحق في حال الرخاء ويرفضون الحق في حال الضراء، الله عز وجل يريد عبدا خاضعا لله في البأساء والضراء وفي الرخاء والسعادة، الله عز وجل يريدك خاضعا له في كل أحوالك وفي كل تفاصيلك.
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، الآن يعني هناك آيات سأخف عنها لأني أنا اريد أن أناقش الأمور الجملية، الله عز وجل يقول في آية 17 وآية 18 يخبر أن الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كل النقاط الجدلية التي والشبهات التي طرحها الكفار والمشركون للمؤمنين واعترضوا عليها الله عز وجل سيفصل تمام الفصل يوم القيامة، سيفصل تمام الفصل يوم القيامة وعند إذ سيعرف كل انسان مع من اصطف، والله عز وجل يريد أن يخبر الإنسان أن كل شيء خاضع لله عز وجل، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ والسجود هو رمز الخضوع مَّن في السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ، أي الله عز وجل خضع له كل شيء وأكثر الناس خاضعون له، هناك أناس من البشر تمردوا عن الله، هناك في وعيد في هذه الآية تشعر أن الآية فيها شيء من الوعيد، هناك أناس خضعوا لله ومشوا مع حركة هذا الكون مع حركة السماوات والارض والشمس والقمر والنجوم مشوا مع الحركة الطبيعية للكون وهي حركة التوحيد، لكن هناك أناس رافضين أن ينصاعوا لهذه الحركة الكونية، يريدون الإشراك، يريدون الكفر، فالله عز وجل ماذا يقول لهؤلاء؟
وكثير حق عليه العذاب، الذين لا ينصاعون لحركة الكون، حركة التوحيد، هؤلاء حق عليهم العذاب. وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مَن مُكْرِمٍ. إذا أراد الله أن يهين إنساناً، وأن يذله، وأن يقته، والله لو وضعه أهل الأرض على رؤوسهم سيبقى ذليلاً مهيناً. وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ، إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
ثم الله عز وجل يخبر، سيكون هناك صراع بين الحق والباطل في هذه الحياة الدنيا، سيكون هناك صراع بين الحق والباطل في هذه الحياة الدنيا، كما ستكون هناك تمايز في الصفوف في الدار الآخرة. يقول سبحانه: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ. هذه الآية نزلت فيمن نزلت؟ في الذين تبارزوا يوم بدر؛ من جهة المسلمين: حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث، وفي جانب الكافرين كان هناك عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.
الله عز وجل يخبر أن الحياة الدنيا سيختصم فيها أهل الإيمان مع أهل الكفر، والخصومة ليست فقط خصومة باللسان، بل ستكون أيضاً خصومة بالسنان وبالقتل وبمداهمة، وَفَوْقَ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمُ وَالْجُلُودُ، وَكُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمِّ أُعِيدُوا فِيهَا. وسيكون هناك المؤمنون: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. فالتميز حاصل في الدنيا وفي الآخرة، لكن في الحياة الدنيا قد يتسلط الكفار على أهل الإيمان، يسومونهم سوء العذاب، ويوقعون بهم، ويفتكون بهم، ليتخذ منهم شهداء، ليتخذ الله من المؤمنين شهداء.
لكن في الجنة تنقلب الحكاية، أو في الدار الآخرة تنقلب الحكاية؛ فالذين كانوا مستضعفين في الأرض سيورثهم الله الجنة يتبؤون منها حيث شاؤوا، والذين كانوا مستكبرين في الأرض سيقول الله لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا. شوف الآن كيف الور، كيف الله عز وجل ببلاغة القرآن العظيمة تنتقل من فكرة إلى فكرة! لما أراد الله عز وجل أن يتكلم عن شريعة الحج وفريضة الحج، تكلم أولاً عن هؤلاء الكفار الذين يصدون محمدا صلى الله عليه وسلم وصحبه عن الوصول إلى بيت الله الحرام. يقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ. الله عز وجل يقول إن هؤلاء.
الذين يصدون الناس عن الدين والتوحيد، ويصدون الناس عن المسجد الحرام والوصول إليه حجاجاً ومعتمرين، هؤلاء لهم عذاب شديد، وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. ذكر المسجد الحرام في الآية خمس وعشرين ليكون توطئة لبيان أن هذا البيت الحرام، هذا البيت العتيق، هذا ليس ملكاً لأحد، وإنما هو لله سبحانه وتعالى، وليس لأحد من البشر أن يمنع الناس من الوصول إليه، وليس لأحد من البشر أن يمنع الناس من عبادة الله في بيت الله. هذا البيت عبادة الله فيه كانت من لدن زمن إبراهيم عليه السلام، الله أمر إبراهيم أن يعيد رفع هذا البيت على قوائم، على القوائم التي بني عليها ابتداءً، وأن يؤذن إبراهيم في الناس بالحج لياتي الناس من أفاق الأرض؛ بعضهم يأتي رجالاً على أقدامهم يعني، وبعضهم يأتون على الحيوانات الضامرة التي أنهكها السفر. المهم أن إبراهيم أذن.
في بيت الله العتيق أن يحج الناس، والله سبحانه وتعالى أوصل نداء إبراهيم إلى البشرية جمعاء، وما زال الرسل بعد إبراهيم يأمرون أقوامهم بالحج إلى بيت الله العتيق، وَإِذْ بَوَّنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ. البيت العتيق لا يجوز أن يشرك فيه شيء، وَلَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا. في الآية التي بعدها: وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتُوكَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. يأتوك رجالاً أي ماشين، وعلى كل ضامر أي راكبين، يأتين من كل فج عميق، من كل طرقات الأرض. لاحظوا اليوم لما يكون موسم الحج كيف الناس سبحان الله تاتي من أفاق الأرض، من روسيا إلى أمريكا، إلى الشمال إلى الجنوب، الكل ياتي ويلبي نداء إبراهيم بعبودية الله عند بيته العتيق، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ. قال: ثم لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ. ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ.
إذاً، الحرم والكعبة بيت وضعه الله في الأرض ليكون رمزا وشعاراً لتوحيد الله، ورمزا وشعاراً لعبودية الله، ورمزا وشعاراً لإقبال البشرية على المعبود الحق سبحانه وتعالى. فلذلك الله عز وجل يقسم كل جبار يحول بين وصول الناس إليه، الله عز وجل يقسم كل جبار يحول دون وصول الناس إلى البيت العتيق، لأن هذا رمز ومعلم من معالم توحيد الله في الأرض، حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ. ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ. هذه الشعائر، هذا البيت العتيق يجب أن يعظم في القلوب وتكون له المكانة الرفيعة، وتبقى النفوس تهفو إليه، لأنه كما قلنا بيت وضعه الله في الأرض ليدل عليه، ليكون رمزا لعبادته وتوحيده، فمنحه ما لم يمنح أي بيت آخر.
طيب، الله عز وجل يخبر عن بعض تفاصيل الحج وكيف أن الله عز وجل شرع لنا أننا في الحج يجب أن يكون هناك هدي لمن كان حاجا متمتعاً أو قارناً، ولمن ليس في الحج يكون هناك أضحية، فيقول: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. الله عز وجل يخبرنا أنه في كل أُمَّةٍ من الأمم جعل هناك مجموعة من المناسك والشعائر التي يفعلونها، فكل أُمَّةٍ لها من الشعائر ما لا توجد للأمة الأخرى، لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا. فالأنبياء.
الأنبياء يتفقون في أصول العقائد، وأما في الشرائع وتفاصيلها من حيث الصلاة والصيام والذبائح وما شابه ذلك، فالله عز وجل وضع لكل نبي شرعة تخص زمانه ومكانه، فقال سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا. كل أُمَّةٍ لها شريعة، لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. كأن الآية تقول إن الله عز وجل جعل لكل أُمَّةٍ شعيرة من الشعائر يكون فيها ذبح وتقديم هدي إلى الله، لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. كأن أقول الآية فيها إشارة إلى أن تقديم الهدي والأضاحي وذبح الانعام لله، الله عز وجل شرعه في كل أُمَّةٍ من الأمم بطريقة وبصورة تتعلق بتلك الأمة.
لكن من معالم الشرائع العامة أن الله يامر بذبح الأضاحي له، وذبح الأضاحي هو نوع من لله عز وجل، هو نوع من شكر الله على هذه النعمة، أنه أباح لنا نحن البشر أن ناكل لحوم كثير من الحيوانات، فَإِلَهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. المخبت هو الخاضع، من هو المخبت؟ المخبت هو الخاضع لشرع الله سبحانه وتعالى. وما صفات المخبت؟ المخبتين الخاضعين، صفات المخبتين الخاضعين سريعا: أنهم يخافون من سيدهم ومولاهم، فالإنسان لا يكون خاضعا إلا إذا خاف من سيده، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ. بمجرد أن يسمعوا اسم السيد وجلت قلوبهم.
ثانياً، لا يعترضون على ربهم وعلى سيدهم في أقداره، لذلك قال: وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ. ثالثاً، هم منقطعون لخدمة سيدهم ومولاهم، وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ، هم دائما في اتصال بالسيد، والمقيم الصلاة، هم دائما في اتصال بالسيد ليس مرة ولا مرتين، بل مقيمي ديمومة، قال: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أي يعلمون أنهم كل ما في أيديهم ليس ملكا لهم، بل هو ملك للسيد، فمتى أمرهم السيد أن يخرجوا من أموالهم وينفقوا منها قالوا سمعنا وأطعنا. هذه أربع صفات من صفات العبد المخبت؛ عبد يخاف سيده، عبد لا يعترض على سيده، عبد منقطع لعبودية سيده، عبد يعلم أن كل ما في يده هو ملك لسيده وليس هو المالك الحقيقي له.
طيب، إذا هنا أخبرنا الله عز وجل ولكل أُمَّةٍ جعلنا منسكا ليذكر اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وأنتم يا أُمَّة محمد صلى الله عليه وسلم جعلنا لكم هذا المنسك، فالبدن جعلناها لكم من شعائر الله، أن تنحر البدن عند بيت الله العتيق، اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ، فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا يعني إذا ذبحتم وسقطت على الأرض، فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، الله لا يريد الدم وهو لا يحتاج إلى اللحم، فهو سبحانه غني، وانما يريد أن يرى عبودية الخضوع له، أنما عندما أمركم أن تذبحوا ذبحتم، وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ. الله سبحانه وتعالى شرع كثير من العبوديات ظاهرة لتكون معالم لخضوع الإنسان لله سبحانه.
يعني الحج، تخيل ذاك الإنسان الذي يخرج من الأردن، أو من مصر، أو من المغرب، أو من أمريكا، أو من أستراليا، يخرج ونداؤه: لبيك اللهم لبيك. تخيل ذاك الإنسان الذي يأتي، يخلع لباسه الاعتيادي ليلبس ملابس الإحرام، وليطوف ويسعى بين الصفا والمروة، ويخرج إلى عرفة، وينزل لمزدلفة ومنى، ويذبح، هذا كله معالم الخضوع لله سبحانه، لذلك جاء هنا: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. هنا، هنا خضوع، هذا مقام خضوع لله سبحانه وتعالى، بشر الذين يخضعون لله سبحانه وتعالى يمارسون الشعائر وهم يستشعرون خضوعهم لسيدهم ومولاهم.
طيب، بعد أن انتهى الكلام عن شعيرة الحج، عاد الله سبحانه وتعالى ليتكلم عن قضية البيت الحرام الذي أخرج منه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وأجبروا على الهجرة منه إلى المدينة النبوية. شوف، كل كلام عن البيت العتيق فيه نوع من الترابط مع الكلام؛ ما الذي حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندما هاجروا؟ فقال سبحانه في الآية ثمانية وثلاثين: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ، أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مِنْ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ مِنْ مَكَّةَ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ.
فالله عز وجل هنا عاد ليتكلم عن المواجهة بين الحق والباطل؛ يا كفار قريش هذا البيت ليس ملكا لكم، والبيت العتيق هذا نداء إبراهيم، والله شرع الحج إليه ليكون معلما للتوحيد لا معلما للشرك، فليس لكم أيها الكفرة أن تصدوا الموحدين عن حج بيت الله العتيق وتخرجوهم منه. والذين أخرجوا من الحرم وصدوا عنه وصدوا عن عبادة الله فيه، الله سينصرهم، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. وما جريمتهم فقط إلا أن قالوا ربنا الله. هؤلاء سيعودون إلى البيت العتيق منصورين ممكنين.
شوف الآية واحد وأربعين: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ، كأن الله يقول لأهل الإيمان الذين أخرجوا من ديار بغير حق: ستعود لكم الصولة، وستعودون إلى بلادكم التي هاجرتم منها، ستعودون إلى البيت العتيق ممكنين رافعي رؤوسكم. وإذا مكنتم يا أهل الإيمان وأعدت لكم الصولة على الكافرين بعد الاستضعاف الذي أنتم فيه، فوظيفتكم ليست أن تطغوا، وليست أن تستغنوا، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.
ثم الله عز وجل يهدد كفار قريش ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كذبوك هؤلاء القوم وأخرجوك من ديارك فلا تقلق، هناك نماذج كثيرة مرت الله عز وجل أهلكها؛ قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى، فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ. هذه لابد كلنا نفهمها إخواني وأخواتي؛ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ، فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ. هذه سنة من سنن القرآن واضحة، الله يملي، الله يمهل، الله لا يستعجل على الكافرين، وليس لنا أن نستعجل الله وأن نستبق وأن نقول يا رب لماذا تمكن لليهود أو الصليبيين؟ أو نحن لا نستعجل، نحن نثبت ونجاهد ونقاتل، نحن نثبت ونجاهد ونقاتل وننتظر الساعة التي يأذن الله عز وجل فيها لنا بالتمكين.
فأمليت للكافرين ثم أخذتهم، لما أخذتهم كيف كان نكير؟ كيف كان أخذي لهم وعقابي؟ ألم يكن عبرة؟ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ، كما في سورة المؤمنون. طيب، فالله عز وجل يقول: انظروا فكأي من قرية، أي كم من قرية أهلكناها وهي ظالمة عاتية، فهي خاوية على عروشها وبئر معطله وقصر مشيد. انظروا إلى هذه الديار والقرى التي أهلكت؛ بئر معطلة ما عاد أحد يرتادها، وقصور مشيدة لكنها فارغة من سكانها، وبلاد خاوية على عروشها. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يا كفار قريش، سيروا في الأرض، انظروا في ديار عاد قريبة منكم في اليمن، ديار ثمود، ديار قوم لوط، كل هذه الديار أنتم تعرفونها، فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا، يا قلوب تفكروا بها، يا على الأقل آذان تسمعون بها وتعرفون ليه القرية مدمرة؟ يا أخي اسمع قصة لماذا دمرت؟ وهذه القرية الأخرى دمرت، اسمع لماذا دمرت؟ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.
ثم قال سبحانه: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا، عاد ربنا لينبه على سنة أنه يملي، أنه يملي، أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها. شوف، كررت مرتين في صفحتين؛ في الآية أربعة وأربعين: فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ، وفي الآية ثمانية وأربعين: أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا. لأن الله يريد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه وجنده إلى يوم القيامة، الله سبحانه يملي، الله عز وجل يمنح الظالم ويمده ويعطيه، لأنه إذا جاء عذابه انتهى كل شيء، فلأن الحياة فرصة واحدة، من رحمه الله بالجنس البشري أنه إذا رأى الإنسان عاتيا مستكبرا بعيداً عنه، يمليه ويمنحه فرصة بعد فرصة بعد فرصة، ويعطيه مساحات لعل هذا الإنسان يتذكر، لأنه ليس إلا فرصة واحدة.
أقرب لك الصورة بمثال إنساني: لما يكون أنت مثلا مشرف على امتحان، وهذا الامتحان ما في مجال أنه يتكرر مرة أخرى، مرة واحدة فقط، ويكون في عندك طالب عم بيتاخر في الإجابة، مش من أخلاقك الرفيعة أنه لما ينتهي وقت الامتحان مثلا تعطيه بعض الدقائق زيادة، تقول ما هو امتحان واحد، ويعني ما راح يتكرر مرة أخرى، وهذا إذا فشل فيه.
خلص راحت عليه، فأنت تشعر أنه من أخلاقك الرفيعة؛ لأنه امتحان واحد لن يكرر أبداً، تقول خليني أعطيه فرصة، خليني أعطيه مساحة لعله يصلح، لعله يعرف خطاه، لعله ينتبه، لعل هذا الرجل يستيقظ في فترة من الفترات. هذا الله العظيم الرحيم، هذه رحمة الله الرحمن الرحيم حتى الكافرين عم يرحمهم لما يملي لهم ولما يعطيهم مساحة ووقت من أجل أن يعيدوا النظر ويفكروا من جديد، لكن إذا ما انصاعوا وما انتبهوا وما استيقظوا وأصروا على استكبارهم ثم أخذتهم، وإلى المصير؛ خلاص يعني أخذتهم وكل شيء نهايته إلى الله.
الله عز وجل يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه كيف يحصل فتنة أحياناً للكافرين في بعض المواقف، يقول الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى ألقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ.
الشيطان كان يحاول أن يلقي على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بعض الكلمات، والنبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن عليهم. كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن في مكة تماماً، وهذه الواقعة حصلت، كان صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن في مكة، وكان الشيطان يسعى دوماً أن يلقي بعض الكلمات الشركية وغير الصحيحة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، حتى تكون خروج هذه الكلمات التي فيها في الظاهر موافقة للمشركين فيما يريدون، يكون فيها امتحان وابتلاء لهؤلاء القوم. قال: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى أي تلى وألقى الوحي، سعى الشيطان أن يلقي في أمنيته أن يلقي بعض الكلمات في أثناء تلاوة النبي، لكن الله سبحانه وتعالى مباشرة ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم وينبهه أن هذه الكلمة التي جرت على لسانك ألقاها الشيطان، فينسخ الله ما يلقي الشيطان.
مباشرة الله ينبه: احذر، الشيطان ألقى كلمة على لسانك، ثم يحكم الله آياته وشرعه الذي يريد. طب، هذا حقيقة هو نوع من الابتلاء ونوع من الاختبار؛ ليجعل ما يلقي الشيطان هذه الكلمات التي يلقيها الشيطان عندما يسمعها بعض الكفرة تحصل لهم فتنة، ويظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم وافقهم على مرادهم وعلى هواهم، وحقيقة هو لم يقل ذلك، وإنما الشيطان سعى لأن تخرج هذه الكلمات، ثم ينبه النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الكلمة من كلمات الشيطان، هو الذي قذفها.
وأما أهل الإيمان الحق الذين عرفوا التوحيد وفهموه وأيقنوا، يعلمون أن الشيطان يحاول أن ينازع النبي صلى الله عليه وسلم في الوحي وفي إيصال الرسالة؛ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك. لأن الإنسان المؤمن الصادق الواعي لما يسمع في القرآن كلمة في غير سياقها، كلمة لا تدعوا إلى الله ولا تدل عليه، يعرف أن هذه الكلمة مش ممكن تكون من القرآن. فلما مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم يبين النسخ ويبين أن الشيطان ألقى هذه الكلمة وأنها ليست من القرآن، أهل العلم يزدادون يقيناً بصدق النبي صلى الله عليه وسلم وبدعوته؛ لأنه أولاً يبين لهم مباشرة أن مثل هذه الكلمة لا تنسجم مع سياق القرآن، ولا تنسجم مع سياق التوحيد ومع معاني القرآن الشريف التي يدعو إليها.
فأهل الإيمان عندما كان يحصل هذا التصرف في مكة يزدادون إيماناً وثقة بوحي الله، ويصبحوا يميزون بين ما هو وحي وبين ما يلقيه الشيطان. وأما الذين هم في شك ومرض وقسوة قلب، هؤلاء كلما جاءتهم شبهة من هذه الشبهات ازدادوا في كفرهم وإعراضهم. الله يبتلي ويمتحن، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يقيني الفتن والشبهات، ولا يزال الذين كفروا في مرية منه وفي شك من أمره ومرية من الوحي الذي جاء به حتى تأتيهم الساعة بغتة أو ياتيهم عذاب يوم عقيم، يوم ليس منتحاً، الملك يومئذ لله يحكم بينهم، ويتميزون كما ذكر ربنا إلى أهل إيمان وأهل كفر.
هنا عادت السورة تتكلم عن المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا على أيدي الكافرين أو ماتوا قبل أن يعودوا إلى أوطانهم: لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا، والرزق الحسن هنا جنات النعيم.
الله سبحانه وتعالى انتقل في مقطع ليبين قدراته وأفعاله سبحانه وتعالى في هذا الكون الدالة على عظمته: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً؟ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ.
ألم تر، ألم تر؟ الله سبحانه وتعالى دائماً في السور ينبهنا، يذكرنا، يعظنا لأن ننتبه إلى الأشياء المحيطة بنا لكننا ننسى دلالتها على الله. هناك كثير من الأشياء محيطة بنا ونحن ننسى دلالتها على الله، وعلى عظمت الله، وعلى جلال الله. الليل والنهار، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل؛ في الشتاء الليل طويل والنهار قصير، في الصيف النهار طويل والليل قصير، من الذي يدخل هذا في هذا ويدخل ذاك في ذاك باختلاف الفصول؟ الله. من الذي ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة؟ الله. من الذي له ما في السماوات وما في الأرض؟ الله. من الذي سخر الأرض وسخر الفلك لتمشي في البحر؟ الله. من الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه؟ الله. يا إخوة، الله وضع لنا من العلامات الدالة على عظمته وجلاله ما نستحي فعلا من ذنوبنا وتقصيرنا، كل هذا العالم الذي تشاهده أمام عينيك اعتبر به وتبصر وازدد به إيماناً.
تماماً، عاد الله عز وجل ينبهنا على فكرة: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ، كل أمة جعل لها شعائر وجعل لها معالم عليهم أن ينسكوها لله سبحانه وتعالى، فلا ينازعنك في الأمر. ما يجي شخص يعترض على شعيرة من الشعائر مثل ما يحصل اليوم، يقول: يا اخي لماذا تذبحون الاضاحي؟ مش هذا تعذيب للحيوانات؟ لماذا تقتلون كل هذه الخرفان والإبل والغنم أمام بيت الله العتيق؟ مش هذا، لماذا تفع، لماذا تحج، تطوفون حول أحجار في الكعبة؟ لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه، فلا ينازعنك في الأمر، ما حدا يناقشك في شعائر الله سبحانه وتعالى، وادع إلى ربك. اثبت يا أيها الداعية إلى الله وادع إلى ربك انك على هدى مستقيم، لا تتزعزع من الحق الذي معك.
وإن جادلوك، وإذا شخص جاي يجادلك في الشعائر: لماذا تذبحون، لماذا تطوفون، لماذا تسعون، لماذا تصلون، تقومون، تنزلون؟ وإن جادلوك فق، يعني خلاص، أنا هذا شرع الله الذي أمرني به، لكل هذه الأفعال حكم وغايات ومقاصد عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون، الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون. انتم مش مقتنعين بهذي المناسك ولا بهذه الشعائر؟ يوم القيامة ستظهر لكم الحقائق الجلية.
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَّصِيرٍ. على علم، على معرفة، على قواعد عقلية ما تمشي في حياتك هكذا بالشهوات والأهواء، لا تحكم هواك، أي شيء بدك تفعله يا أخي آيت بعلم وحجة وبرهان وسلطان عليه تناقش فيه، أما الجدل بدون برهان ولا حجة ولا كتاب منير هذا مذموم من الله سبحانه وتعالى في الإنسان. يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً.
وأما إذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر، الغضب، زعلانين! طب يعني أنتم تعبدون أصناماً ما لكم عليها برهان، وعندما تتلى عليكم آيات الله تكونون في غضب مع أنها قمة البرهان وقمة الإعجاز وتم تحديت تحديكم فيها مرات ومرات ولم تستطيعوا أن، من الذي معه البرهان الحقيقي؟ محمد صلى الله عليه وسلم أم أنتم؟ يعني هذا هو النقاش الآن، من الذي معه البرهان الحقيقي؟ من الذي معه الأدلة العلمية؟ من الذي معه الإعجاز؟ طب شوفوا أصنامكم هذه: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، لو كل أهل الأرض أصناماً وأشجاراً ونجوماً أرادوا يخلقوا أصغر مخلوق وهو الذباب لن يستطيعوا أن يخلقوه، بل أعطيكم ما هو أصعب من ذلك: وَإِن يَسْلُبْهُمُ الضُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذوهُ مِنْهُ. يعني لو أن الذباب نزل على صنم أو على نجم أو كوكب فسحب منه شيئاً وذهب هذا الذباب، لن تستطيع أصنامكم ولا أشجاركم ولا أحجاركم ولا كل آلهتكم أن تستنقذه.
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، ضعف الطالب اللي هي أصنامكم والمطلوب وهي الذبابة، مش الذبابة مطلوبة وأصنام تطلبها، ضعف الطالب والمطلوب! إيش هالآلهة، إيش هال يعني نسميها إحنا المسخرة في هذه الأصنام وهذه الآلهة التي لا تستطيع أن تفعل شيئاً ولا تستطيع أن تقدم شيئاً، لا تستطيع تخلق، بل حتى إذا سلب منها شيء لا تسترده!
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ما عظموا الله حق التعظيم. شوف قبل شوي لما أراك عظمة الله: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وينزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة، وسخر لكم ما في الأرض والفلك، هذا العظيم سبحانه وتعالى أنتم أروني خلق أصغر شيء لآلهتهم.
هنا الله عز وجل ينصحنا ويعلمنا ويوجهنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ. اثبتوا على طريقكم ودافعوا عن دين ربكم، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم، ربنا اصطفاكم على هذا الدين فاثبتوا عليه. والله من أعظم نعمة عليك أيها الانسان أنك موحد، أعظم نعمة عليك أن الله لم يجعل من هؤلاء البشر اللي حدثنا عنهم القرآن الذين يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، من هؤلاء البشر الذين يكذبون بآيات الله يستهزئون بشريعة الله، اليوم أكثر البشر اليوم ترى إخواني هم يصدق عليهم آيات القرآن، يجادلون في الله، يستكبرون عن شرع الله، يستهزئون، يتهكمون، احمد الله أنك لم تكن منهم وإلا انظر في من حولك من الأمم والشعوب أكثرهم من هؤلاء المسلمون قلة، وهو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ، نحن على خطى إبراهيم عليه السلام، خطى الموحد سيدنا إبراهيم، هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
يأمرنا الله أن نتمسك بديننا ونتمسك بشعائرنا ولا نضعف أمام الشبهات وأمام الاستهزاء وأمام الاستضعاف وأمام التهجير وأمام القهر، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا كما مر معنا في سورة الحج. هذه مرور سريع يعني على المعاني الجملية لسورة الحج، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا أكثر وأكثر بمعاني كتابه، وغداً إن شاء الله ناتي إلى سوره الأنبياء وما قبلها إن شاء الله سورة طه. اللهم بصرنا وعلمنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل