الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد بنا في رحلة الإنسان في القرآن؛ نبحث عن رسائل الله سبحانه وتعالى في ثنايا كلامه، ونحاول أن نتفهم جملة معاني كلام ربنا عز وجل. وصل بنا الحديث إلى سورة الأنبياء. نحن بدأنا -طبعا أكرر في كل مجلس- بدأنا من سورة الناس ووصلنا إلى سورة الأنبياء، والهدف هو أن نمر على المعاني الجملية للسور القرآنية دون الدخول في التفاصيل ولا في الإشارات ولا الفوائد ولا النكات؛ فمثل هذا كبير ويحتاج إلى مجالس كثيرة ونظر في كلام المفسرين، لكن هذا يتعلق برمضان، المدارسة الرمضانية تقتضي منا أن نمر جملة هكذا على المسائل والأفكار القرآنية العامة التي ينبغي للإنسان أن يستحضرها في حياته.
سورة الأنبياء يقول ربنا سبحانه وتعالى في مطلعها: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون. بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بسم الله الرحمن الرحيم، اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ. مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا استَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ. لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ. أي لاحظوا كيف أن مطلع سورة الأنبياء قريب من مطالع سور تقدمت معنا، خاصة سورة الشعراء. مر معنا أي في سورة الشعراء في قوله تعالى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ. شوف، أحيانا تشابه الآيات بين السور هذا مهم لقارئ القرآن أن يعرف وحدة بعض السور في الأفكار العامة التي تدرسها. ففي آية خمسة في سورة الشعراء: وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث أي متجدد؛ فالقران كان يتنزل رويدا رويدا، إلا كانوا عنه معرضين. في سورة الأنبياء أيضا في الآية الثانية مع الثالثة: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. إذا هنا يحذر ربنا سبحانه وتعالى الإنسان عن عدم التعامل بالجدية مع كلام ربه سبحانه وتعالى، عن مقابلة كلام الله بالاستهزاء باللعب بالعبث. وهذا يدل أحبابي الكرام أن هذا الكتاب العظيم معانيه عظيمة وثقيلة وكبيرة، والله سبحانه وتعالى يريد من هذا الإنسان أن يفهم ويستوعب هذه المعاني العظيمة الجليلة ويعيش معها في حياتها؛ لأنها هي التي سترسم خارطة المستقبل كما يقولون.
ربما البعض يقول هناك تكرار لبعض الأفكار في القرآن؛ قضية يوم الحساب، اقترب للناس حسابهم، تعظيم القرآن والاحتفاء به. نعم أيها الكرام، الله سبحانه وتعالى في هذا الكتاب أراد أن يركز على المحاور الكبرى التي إذا صلحت في حياة الإنسان كل ما بعدها هين والله ويصلح؛ يعني الانسان الذي يؤمن بالدار الآخرة ويضعها نصب عينيه، بعد ذلك التفاصيل الشرعية الدقيقة والأحكام الفقهية الفرعية تكون سهل التعامل معها فيها، وإقناع بها، وإنزالها على الواقع. المشكلة الكبرى التي تسبب فسادا في حياة الإنسان وغفلة وإعراض هي ضعف اليقين بالدار الآخرة، وهذه ليست فقط عند الكافرين بل حتى عند أكثر المسلمين، وحتى عندنا نتهم أنفسنا، هناك ضعف استحضار لمفهوم الدار الآخرة وحضوره في حياتنا. فعندما نقرر أي قرار حياتي بالعمل أو الزواج أو الدراسة، عندما نخطط لأي شيء، الدار الآخرة هي آخر شيء نفكر به، وقضية أنني ساقف بين يدي الله وسيسالني عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وكل هذه الأمور لا تكون حاضرة عند اتخاذ القرارات.
إذا، لا تستكبر التكرار المستمر لمعاني الدار الآخرة؛ فإنه اليوم المهيب والمشهد الأعظم. يعني لو سالتك ما هو أهم أهم يوم في حياتك؟ هو ليس يوم تخرجك وليس يوم زواجك، أهم يوم في حياتك هو الدار الآخرة. قد لا تكون الحياة الدنيا، لكنها حياة أخرى؛ أخطر يوم، اعظم يوم، أكثر يوم حاسم، أكبر حقيقة مطلقة في حياة الإنسان، سميها ما شئت، هي قضية الدار الآخرة. فقضية بهذا الحجم وبهذه الخطورة وبهذه الحساسية، ويترتب عليها الخلود الابدي، هي فعلا تحتاج أن الله عز وجل ينبهنا: يا أيها الإنسان ترى اقترب للناس حسابهم، يا أيها الإنسان تذكر في دار آخرة، يا أيها الإنسان احذر أن تنكر موضوع الدار الآخرة، يا أيها الإنسان هناك من سياخذ كتابه بيمينه، هناك من سياخذ كتابه بشماله، يا أيها الإنسان هناك جنة، هناك نار. والقران يعيد في هذه الأمور ويعطي في كل سورة جزء من المشهد وجزء من التفاصيل، ويعيد ويكرر حتى يبقى الإنسان الذي يقرأ القرآن يقظا. فالقران سماه ربنا تذكرة، سماه إيقاظ للانسان: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ. ففعلا أنا كإنسان مسلم مهما الإنسان بلغ من العلم ومهما بلغ من الاطلاع والقراءة والسعي في الدنيا والشهادة هو يحتاج القرآن؛ لأن القرآن سيعيد إلى النقطه الأهم والأخطر، فكل شيء في الدنيا على الهامش، والدار الآخرة هي الأساس.
أيضا قضية الاحتفاء بالقران وتحذير رب العالمين الإنسان أن يعرض عن القرآن أو يستهزئ أو يتلاعب بما فيه، هذا واضح وجلي ومتكرر في كل السور. فالله عز وجل في العادة في العادة يبدا السور في مطالعها بتعظيم كتابه والاحتفاء به ووصفه بأنه مبين حكيم، تنزيل من عزيز حكيم، تنزيل من الرحمن الرحيم، دائما أو في جل السور مطالعها احتفاء بالقران؛ لأن القرآن يعطي الحقائق الضخمة في حياة الإنسان. أحيانا إخواني لأننا يعني ولدنا في بيئات مسلمة وفي حياة اعتدنا فيها معاني الدين، بالنسبة لك قد لا تنظر إلى هذه الحقائق أنها شيء جديد، أو لبعض المعلومات القرآنية أنها شيء يعني عظيم؛ تقول هذا درسته وأنا صغير، هذا علمني أباه، أبي. لكن عليك أن تدرك الواقع الذي نزل فيه القرآن؛ نزل القرآن في واقع مليء بالجاهلية، مليء بالمفاهيم المغلوطة، لا يوجد وحي عندهم، لا يوجد رسالة، لا يوجد إيمان بالدار الآخرة. فجاء هذا القرآن ليحدث نقلة هائله في حياة العرب وفي حياة البشرية جمعاء؛ أنه بدأ يعيد ترتيب الحياة الإنسانية بعد أن كانت الجاهلية قد عمت أن هناك الله موجود وهناك رسالة وهناك رسول يأتي بوحي من السماء. وهذه القضية أصلا هي كانت أكبر قضية شائكة للبشر؛ أنه هم مش قادرين يستوعبوا أن رسول بشري ينزل عليه وحي من السماء يحدثه إله الكون.
أنت أحيانا بالنسبة لك مؤمن لأنك نشأت في بيئة مسلمة، لكن لو كنت في ذاك الزمن لا تدري كيف سيكون استقبالك لهذه الفكرة؛ لأنه اليوم عندما ياتيك أي رجل يقول لك أنا يوحى إلي من السماء، أنت بتعرف أنه كاذب من جهة ماذا؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا نبي بعدي، وأن النبي عليه الصلاه والسلام خاتم الانبياء، بالتالي سهل عليك أنك تفند هذا. لكن تخيل هكذا عش انك كنت في زمنهم، وجاء رجل صالح من الاتقياء الأنقياء وقال لك أنه رسول يوحى اليه من السماء، أن هناك ملك من الملائكة ينزل عليه ويحدثه عن ربه سبحانه وتعالى.
الان، كان المطلوب من العرب في ذاك الفترة أو في تلك الحقبه، المطلوب أن تنظروا في براهين الكلام، وهذا الذي كان يخاطبهم القران به؛ هذا الرجل الصادق الامين الذي كان بين ظهرانيكم وتعرفون صدقه ومحدده وحياته وأصله وكل شيء عنه، عندما جاءكم بهذا الكلام هل كان صادقا؟ طب انظروا الآن في القرائن التي تحتف به، انظروا بعد ذلك في الاعجاز، المعجزة التي ايدها الله عز وجل به. الآن المعجزات لماذا يؤيد الله عز وجل بها الانبياء؟ المعجزة هي أكبر دليل على صدق هذا النبي في دعواه؛ حتى العقول الضعيفة أو العقول المهزوزه أو القلوب التي لا تصدق أن رسول يوحى اليه من السماء عندما ياتيه شيء معجز، ليس سحرا ولا تعميه عيون ولا كهانه، لا، شيء خارج عن طوق البشر. الأفضل إذا في كإنسان أولا عرفت هذا الرسول من حيث أصله ونسبه -ولذلك في العادة الرسل كانوا يبعثون من اقوامهم وبلسانه يعني يعرفونهم- لحتى لا يتشكك أنه هذا الرجل من أين أتانا ومن أي كوكب هبط. لا، النبي صلى الله عليه وسلم كان بينهم من اشرفهم نسبا وأصلا، تمام؟ ويعرفون صدقه وذكائه وعقله ونزاهته وعفته وكل اخلاقه الكريمة، فهذه مساعدة من الله لهؤلاء العرب أن اتاهم الرسول من بينهم ومن بين أظهرهم وبهذه الصفات، ثم اتاه الله عز وجل معجزة تؤكد وتوثق مصداقيته فيما يقول.
فجاءهم القرآن، تحداهم الله أن ياتوا بمثل القران، تحداهم أن ياتوا بعشر سور مفتريات، تحداهم أن ياتوا بسوره من مثله، وعجزوا، فوصلوا لمرحلة من إدراك أنه لا يمكن أن يكون هذا النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب أتى بهذا القرآن العظيم وهذا الكلام المهيب من عنده، ولا يمكن أن يكون هذا من كلام البشر. فكانت هذه معجزات، وكان الله سبحانه وتعالى في خلال الفترة المكية في كل مثلا فترة تنزل آيات، النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها في أرجاء مكة حتى يسمعها الكفار تنبههم أنه ما زلتم مصرين على المعاندة، ما زلتم مصرين أن محمد ساحر صلى الله عليه وسلم أو كاذب أو مجنون أو ما شابه، مازلتم مصرين أن القرآن من كلام الشعراء، مازلتم مصرين أن محمدا صلى الله عليه وسلم أتى به. يبقى القرآن يذكر ليقيم العذر النهائي على هؤلاء؛ أولا بكلام معجز، بكلام رفيع، وكان كفار قريش يدركون رفعته وهيبته وجلاله، ويبقى ينذر هؤلاء الكفرة. ولذلك من اعظم مقاصد انزال القرآن أن يكون للعالمين نذيرا. فأنت حتى تفهم ما سر هذا التكرار، ما سر هذه الإعادة في هذه المواضيع، يجب أن تعيش الاجواء التي نزل فيها القرآن، وتتخيل نفسك أحد العرب في أرجاء مكة وأنه هذا الحدث حدث أمامك أنه جاء رجل يقول إنه نبي صلى الله عليه وسلم ويوحى إليه من السماء، بعد ذلك ستفهم سبب هذه الإعادة لهذه الأفكار وكم هي مهم جدا هذه الإعادة بهذه الاساليب.
طيب، إذا اقترب للناس حسابهم وهم في غفله معرضون، ما ياتيهم من ذكر من ربه محدث الا استمعوه وهم يلعبون. الله عز وجل يعني يظهر مقته لهؤلاء الكفر الذين لم يتعاملوا مع بالقران إلا بالاستهزاء والعبث، لاهية قلوبهم. وَأَسَرُّوا النَّجْوَى. أسروا من الكلمات المتضادة؛ تاتي بمعنى أخفى وتاتي بمعنى أظهروا. وأسروا النجوى الذين ظلموا: هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ. وكما قلنا في مجلس البارحه وفي مجالس كثيرة، الكفار من لدن نوح عليه السلام إلى قوم عاد إلى قوم صالح إلى قوم موسى وفرعون، هناك شبهة متكررة في التاريخ الإنساني: عدم تصديق الرسول لأنه بشر. عدم تصديق الرسول والرسالة فقط، ما هي العلة؟ البشرية. طب في الأسس العلمية هل كونه بشر هذا بيسموها في الأصول وصف مؤثر؟ يعني هل كونه بشر أو غير بشر هو الذي يحكم أنه صادق ولا غير صادق؟ ليس وصفا مؤثرا. كان بشرا أو كان من الملائكة أو كان من الجن أو كان من أي خلق خلقه الله، أنت ناقش الفكرة الذي يقوله هذا الرسول، من الدعوة إلى التوحيد ومن دلائل دار الآخرة ومن هل ما يقوله صح أو خطا، أنت ليش بتضلك تناقش في الهوامش؟ لا، ليش الرسول أجاء بشر مثلنا؟ ليش يأكل ويشرب؟ شوفوا الان في السورة: بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ.
مع أنه عندهم أعظم آية اللي هي القرآن بين أيديهم، بس هم بدهم يقترحون على الله الآيات؛ بدهم هكذا آية عظيمة بحجم أنهم يروا الله عيانا كما جاء في بعض السور: لَوْ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً. مش هيك، مر معنا في سورة الفرقان: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا. قالوا احنا بدنا آية بهذا الحجم، مش مقتنعين بالآية العظيمة اللي هي هذه المعجزة الباهرة. لكن هو حقيقة هم قوم ليسوا يطلبون يعني ما عندهم شكوك وشبهات يريدون أن تنجلي عنهم بالآيات، لهم قوم بهت، قوم مستكبرون. وإلا الأصل في الإنسان العاقل إذا جاءه الحق بطريق واضح صريح جلي ولو كان من طريق واحد، المفروض منك أنك تقتنع، وليس المطلوب من الله سبحانه وتعالى أن يحقق الاماني للبشر وكلما رجل اقترح آية خلص انت ايش بدك آية كذا يلا بنزل لك؟ انت ايش رايك ما هي الآية التي تريدها يلا نعطيك؟ انت عندك آية ثالثة تريدها؟ لا، هو الموضوع ليس تلبيه أماني وطموحات، الموضوع الله عز وجل يقيم الحق وأنت لا تعبث مع الله ولا تستهزئ بالله. الله عز وجل عظيم جليل كبير، ما دام أراك آية واحدة عظيمة قاهرة فما نولك إلا أن تؤمن، وليس في سعيك إلا أن تخضع.
وأما منهج اقتراح الآيات: فليأتنا باية كما أرسل الأولون، هذا ليس منهجا مقبولا عند الله سبحانه وتعالى، وإن كان عز وجل يعني رحم بعض البشر عندما اقترحوا هذه الاقتراحات فأنزل عليهم بعض الآيات مثل مثلا الحواريين لما قالوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ. طبعا عيسى صعق من هذا الطلب، خاصة أنا من الحواريين يعني الرعيل الأول قالوا نريد أن نأكل منها ونطمئن قلوبنا. الله عز وجل استجاب، لكن توعد إذا أنزلت آية من السماء ولم تؤمنوا فالله عز وجل سيذلهم في الدنيا والآخرة. فالله عز وجل هنا يقول لكفار قريش: مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ. وفي سورة الأنعام: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا. احنا بس بدنا آية هيك أوضح من القرآن. فالله عز وجل يقول
وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة. إذا حقيقة الموضوع مش إيه الموضوع؟ هو قلب يرفض الخضوع، هو هذا الموضوع، قلب مستكبر، مستعلي، مستغني، رافض الانصياع للدليل الحق والبرهان اللي أمامه. وهذا شوف منهج في حياتك أيضا اتخذه أنت كإنسان مسلم، إذا الله سبحانه وتعالى ساق لك الحق اقبل من أول مرة؛ لأنك لا تعرف هل سيسوقه لك مرة أخرى أو لا. إذا جاءك الحق واضحا جليا اقبله، ولا تقول يلا إن شاء الله بعدين لعلي أشوف هكذا شيء آخر يقنعني أكثر. شوف، إذا كان الشيء الأول دليل واضح وصريح، إياك أن تجادل في آيات الله وتماطل وتطلب شيء آخر، كن خاضعا للحق. طبعا هي تربية قلبية مش سهلة؛ لأن كثير من الحق يخالف الأهواء، وهذه هنا الصعوبة، كثير من الحق يخالف الرغبات. فقضية أن يربي الإنسان نفسه على الخضوع للحق والاعتراف بالخطأ هذه تحتاج إلى تربية عظيمة. لذلك جاء في وصف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فيما وصفه الصحابة: وكان وقافا عند كتاب الله. شوف هذه العبارة: كان وقافا عند كتاب الله، يعني خلص إذا سمع الحق بيخضع ويترك كل آرائه واجتهاداته وأفكاره وانفعالاته، وقف جاء حق، نقطة وسطر جديد.
طيب، ثم الله عز وجل، إذا أجاب الله عز وجل على موضوع اقتراحهم للآيات: وما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها، أفهم يؤمنون؟ حتى ولو جاءتهم الآيات، كانوا كلما جاءت آية اقترحوا آية أخرى، وأكبر نموذج فرعون: وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون، كلما جاءتهم آية قالوا ادع لنا ربك، فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون، كان أسلوبهم الاستهزاء. ثم الله عز وجل يجيب عن شبهة أن الرسول بشري، فقال: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم. يعني أنت لست بدعا من الرسل، كل الذين أرسلناه إلى البشرية كانوا رجالا، فاسألوا أهل الذكر، اسألوا اليهود وبني إسرائيل عن أنبيائهم، هل كان أحد أنبيائهم ملكا أو جنيا أو من مخلوق آخر؟ وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين. الله يقول: أنا ما جعلت الأنبياء أجسادا على صورة مختلفة عن البشر، لا، هم بشر وأجساد يأكلون الطعام ويموتون.
طيب، ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين. يعني الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم وللكافرين: الرسل السابقين الله صدقهم وعده فنصرهم وأيدهم وأنقذهم وأهلكنا المسرفين. طبعا هذا إخبار فيه رسائل وعيد وتهديد، أن الرسل السابقين أنبيائهم قالوا كما قلتم أنتم، يأتي آية ولماذا هو بشر؟ طب ماذا فعلت بهم؟ صدقت رسلي فنصرته وأنجيت المؤمنين معهم وأهلكت المسرفين. يا أيها الكفار، يا كفار قريش، يا كفار العرب، لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم، كتاب فيه شرفكم، عزكم، رفعتكم، إنسان كتاب يعزه ويرفعه ويزيده شرفا. هذا الكتاب إخواني يرفع الله عز وجل به أقواما ويضع به آخرين. كتاب بهذا الحجم وبهذه الضخامة تتخلون عنه وتسمعونه وأنتم تلعبون! ودائما القرآن يهدد ويوعد: وكم قمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين. الله عز وجل يخبر كفار قريش عن مسيرة البشرية في التعامل مع الأنبياء، وكيف سنة الله المتكررة فيهم: وكم قمنا. شوف العبارات الإلهية عندما يعبر عن موضوع تدمير القرى الظالمة: كبرناهم تتبيرًا، دمرناهم تدميرًا، قمنا، يعطيك عبارات تشعرك بالجثث، تشعرك بالاستئصال، تشعرك بقمة الكسر والتفتيت، مش مثلا عبارات خفيفه والله مثلا أنزلنا عليه مطر فمتناول. لأنه هو سياق إنذاري.
إلا أنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدًا خامدين. إذا الله عز وجل غضب فقرر أنزال العذاب عليكم يا كفار قريش في بلدكم، لن ينفعكم التوبة عند ذلك. وكان من قبلكم إذا نزل عليهم عذاب الله يتحسرون ويقولون: إنا كنا ظالمين، ويدعون على أنفسهم بالويل، ولماذا ولماذا؟ وهنا لا يسمعهم الله؛ لأن هذه لحظة أنزال العذاب الإهلاك. الآن، وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين. فالله يحذر قريش من مصارع السابقين، يحذرهم من مصارع السابقين وأن يتكرر نفس ما حدث معهم، فهناك سنة متكررة. ويخبر ربنا أيضا: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا، بل نقذف بالحق على الباطل. إياكم أيها البشر أنكم تعتقدوا أن خلق السماوات والأرض كان من أجل حضراتكم تكونوا ضيوفا لتأكلوا وتشربوا وتنکحوا وتعيشوا الحياة، لا، احنا ما خلقنا السماء والأرض وهذا الكون والكوكب عبثا ولعبا، ما خلقنا، لو أردنا أن نتخذ لهوا، لو أردت، يعني الله يخاطبنا، لو أردت أن نتخذ لهوا لاتخذت لهوا من عندي، ولماذا أتعب يعني أو عفوا أخلق بشرا ونرزقهم ونطعمهم ونشربهم فقط من أجل يعيش هذا البشر؟ فعلا ترى هذه حقيقة عظمى، بالله عليك، هل تعتقد أن الله سبحانه وتعالى خلقك وأوجدك على هذا الكون ويطعمك ويرزقك وأعطاك السمع والبصر والعقل والفؤاد والتفكير ومنحك وسائل المعرفة فقط من أجلك وهو أنت؟ يعني الله عز وجل غني عني وعنك، وهو لا يحتاج إلينا ولا نزيد نحن في ملكه شيئا سبحانه، فليس من أفعال الحكيم أبدا أن يخلق خلقا هكذا عبثا من أجل فقط هذا الخلق يعيش وياكل ويشرب، هو قادر، لكنها ليست حكمة، والله يؤكد لنا أنا أنه الحكيم. لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين، لكن سبحانه وجل أن يكون يتخذ شيئا على سبيل لهو.
ثم قال: وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون. الله يذكرنا: لو أنني اردت فقط أن أخلق أناسا يعبدونني وينقطعون لعبادتي بدون أن يكون لهم أفكار وشهوات ورغبات، فهو أصلا موجود، هم موجودون هناك، الملائكة عندي يسبحون لي بالليل والنهار لا يفترون ولا يصيبهم إعياء ولا تعب ولا ملل. فهذه كلها رسائل للبشر، انتبهوا يا أيها البشر، أنتم خلقتم لتكون عبوديتكم مقاومة الأهواء والخضوع للحق، هذه عبودية البشر. عبودية الملائكة واضحة؛ لأنهم جبلوا على الطاعة، لكن عبودية الإنسان البشري تختلف عن عبودية الملائكة، عبودية الإنسان تتمركز وتتمحور حول مخالفة هواه للدخول في طاعة مولاه، هذه عبوديتك تماما؛ لأنه الله خلقك بطريقة أنه فيك هوى وفيك شهوة وفيك نوازع وفيك رغبة لأمور خاصة وفي وحي وفي شرع. فص لب عبوديتك أنك تستطيع أن تحدث هذا التوازن، وأن تتخلص من عبوديتك لهواك وشهوتك لتنصاع لأمر الله سبحانه وتعالى، وهذا هو محك البشر. وهنا سقط أكثر البشر، وهنا سقط أكثر البشر، وحتى لو نظرت في الدائرة الإسلامية، كثير أيضا من المسلمين يخفقون في تحقيق هذه العبودية، وهي الخروج من دائرة الهوى للانصياع للمولى تماما في أوامره ونواهيه، هذا اختبارنا وهذا محكنا.
طيب، الله سبحانه وتعالى الآن ناقش قضية يعني بعد أن أخبر قريشا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا إشكال أن يكون بشرا مثلكم، وبعد أن حذرهم من مصائر السابقين، وأن تتكلم عن الغاية من خلق السماوات والأرض، جاء ليسفه: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. هذا يسمى دليل إيش؟ التمانع في علم أصول الدين، في علم العقائد. لو كان في السماوات والأرض إله يشارك الله في إلهيته لحصل الفساد، لحصل الفساد في نظام الكون؛ لأن الآلهة ستتنازع، وكل إله يريد أن ينفذ إدارته على الآخرين، فالدنيا ستتخرب ويدمر بعضها بعضا. وهكذا هي، إذا قرأت في آليات الفلاسفة اليونان كيف كانوا يصورون وجود أكثر من إله، وأن هذا الإله غضب على الإله الآخر فدمر مملكته، وهذا الإله تسلط، تحس أن الكون هو عبارة عن محل صراع الآلهة هكذا في آلياتهم وكتبهم. أما عقيدة الإسلام عقيدة واضحة، عقيدة لا تفرض وجود آلهة أخرى، وإنما هو إله واحد، والله ينبهنا: الله هو الذي ينبهك، لا يمكن أيها الانسان أن يكون هناك إله غيري، فلو كان إله غيري لتدافع الآلهة ولفسد نظام الكون. طيب، لذلك لا يسال عما يفعل الله عز وجل، هو الوحيد متنفس والعبد لا يعترض عليه؛ لأن علاقتك مع الله أنه هو السيد وأنت العبد، بالتالي لا يسال ولا يوجد أحد يخاصم ولا ينازع ولا يقول لماذا فعلت يا رب. لا يسال عما يفعل وهم يسالون، أنتم من تسأل، أنت في مقام أن يسألك الله لماذا فعلت كذا وكذا، أما الله سيد الأسياد وملك الملوك لا يناقش. أم اتخذوا من دونه آلهة؟ قل هاتوا برهانكم، أعطوني أدلة.
طيب، ثم الله عز وجل يخبر عن صلب رسالة الأنبياء، صلب رسالة النبي عليه الصلاة والسلام: وما أرسلنا من قبلك طبعا سورة الأنبياء من اسمها سورة إيش؟ الأنبياء. بالتالي أنت ستتوقع أن باقي السورة هو سيتحدث عن مسيرة الأنبياء ودعوة الأنبياء، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم يسير على خطاهم، ويؤكد نفس المفاهيم الكبرى التي أكدوها، فهو لا يأتي بمفاهيم شرعة جديدة من حيث الكليات، وإنما الاختلاف الفروع، أما الكليات واحدة. فالله يقول سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ. هذه هي المحور المشترك بين رسائل جميع الرسل صلوات ربي وسلامه عليهم. وكثير من الأقوام وقالوا اتخذ الرحمن ولدا.
الان هذا نقاش آخر، كفار قريش ماذا كانوا يقولون عن الملائكة؟ أنهم بنات الله. واضحة أن هذه عقيدة كانت متجذرة في كثير من القرشيين، لذلك القرآن عالجها معالجة مستفيضة في سورة الزخرف: أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين، في سورة الشعراء وفي سورة الصافات: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا. في سورة الزخرف، سورة الشعراء، سورة الصافات، وهنا في سورة الأنبياء: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا أي أن الملائكة بنات الله، فنزه الله عز وجل نفسه سبحانه: بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم. وهكذا. فهذه واضحة كانت إحدى الإشكاليات العقدية الكبرى اللي كانت في كفار قريش وكان القرآن يحتاج أن يواجههم بها ويفندها تفنيدا واضحا بينا.
طيب، ثم الله عز وجل، كما يفعل في السور الكثيرة، يذكر دلائل توحيده: أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانت رتقا ففتقناهما، وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا السماء سقفا محفوظا، وهو الذي خلق الليل والنهار وما جعل فهنا الله عز وجل ينبهنا على المظاهر الكونية التي نشاهدها يوميا، لكننا نغفل عن دلالتها على توحيده سبحانه وتعالى، الشمس، القمر، الليل، النهار، السماء، الأرض، هذا شيء أنت تعيشه ويحيط بك، هذا من أعظم وأعظم الأدلة الدالة على تفرد الله سبحانه وتعالى بالصناعة والخلق وبالتالي استحقاقه أن يتفرد بالعبودية والخضوع. لو كان هناك عدة آلهة، هل تتوقع أن تكون السماء بهذا التناسق والتماسك؟ لو كان عدة آلهة تخلق، لوجدت والله جزء من السماء مبني على طريقة، وجزء آخر على طريقة أخرى. لو كانوا في عدة آلهة، لكان جزء من الأرض على نمط والجزء الآخر على نمط آخر، وكذلك الليل والنهار، بيسموها دلالة الاتقان. احنا عندنا شغلتين في علم العقائد تدل على الله عز وجل استنبطها العلماء من القرآن، ما هما؟ دلالة الاختراع ودلالة الاتقان، كما يقول ابن رشد: هذان مسلكان اعتمد عليهما القرآن في تثبيت وحدانية الله ربا ومعبودا. الاختراع اللي هو الخلق، فكل الآيات التي تتكلم عن خلق أي شيء هي تدلك على الله من جهة أنه الخالق. الأمر الآخر، دلالة الاتقان، إتقان الصنعة، فكل الآيات التي تتكلم عن إتقان الصنعة في السماء، في الأرض، في الليل، في النهار، في الشمس، في القمر، هذه أيضا تدلك على الله من هذه الجهة. فاحفظ هذه الفائدة، أن آيات القرآن دلت على الله عن طريق دليلين: الدليل الأول دليل الاختراع، وهو الخلق والإنشاء على غير مثال سابق، والاتقان في الصنعة، فهذان دليلان عظيمان إذا وظفه الإنسان العاقل أَرْشَاه إلى الحقيقة العظمى وهي توحيد رب العالمين.
ثم الله عز وجل ما زال يؤكد بشرية النبي صلى الله عليه وسلم: وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة الموت، ويؤكد سنة الحياة وهي الابتلاء: ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون. لما الله عز وجل يوسع عليك في رزقك هذا بلاء، لما تكون إنسان صاحب جاه وسلطان هذا بلاء، فالحياة كلها قائمة على البلاء بخيرها وشرها، وليس الفقير بأحقية بالبلاء من الغني، قد يبتلى الغني في ماله وقد يبتلى الفقير في فقره. قال سفيان الثوري: ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر. كثير من الناس هو يسقط في امتحان الخير، يسقط في امتحان السراء ويثبت في امتحان الضراء. فإذا سأل الله سبحانه وتعالى أن يختار لك الخير فانت عبد الله وأنت لا تعرف والله أين ثباتك، لذلك كان علمائنا ومشايخنا يقولون لنا: يعني الإنسان يسأل الله عز وجل الخير ولا يشترط أسلوب معين. حتى أحد المشايخ، مشايخنا الأفاضل، كان يقول، لمن كان مسجونا، يقول: سل الله عز وجل أن يختار لك الخير ولا تسأل الخروج من السجن ابتداء؛ فإنك لا تدري، قد يكون الخروج من السجن لك فتنة. تصور أين بعض كيف يفكر بعض المشايخ أنك قل يا رب إن كان خروجي من هذا السجن خير وفيه ثبات لي فأخرجني، وإن كان بقائي هو العصمة والثبات لأثبت. قال؛ لأن سؤال الثبات والتمسك بالدين أولى من سؤال النجاة المحدودة التي لا تعرف عواقبها. فالإنسان دائما يسأل الله عز وجل الخير، فقد تكون الضراء والبلاء في الدنيا.
بالضراء خير لك، والله من أن تفتح عليك الدنيا خير لك من أن يعطيك الله العطاء العظيم. الإنسان لما يمشي في الدنيا وينظر إلى أصحاب الأموال قد يحك في صدره وقد يتمنى ويرغب وتتمنى الأماني، لكن هذا لقصور ولضعفنا؛ فإنك لا تدري لو فتحت عليك الدنيا أين ستكون وماذا سيكون حالك في علاقتك مع الله؟ فالمهم هي العلاقة مع الله، المهم هي العلاقة مع الله. ليس معنى هذا أن الإنسان لا يسعى في طلب الدنيا، النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه: اللهم إني أسألك رزقاً واسعاً، لكن مهم أن تسأل الله الغنى الذي لا يطغي، اجعل دائماً في دعائك الغنى الذي لا يطغي، غنى لا يفسدني، وأنك تختار لي الخير يا رب في كل خطوة من خطوات الحياة.
طيب، الله عز وجل يعني كما قلت سورة الأنبياء محورها الأساس إذا اردت أن أقول هو تثبيت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. ولما نقول محورها الأساس لا يعني أن السورة لا تعالج مواضيع أخرى، فهي عالجت قضية اعتقاد كفار قريش أن الملائكة بنات لله، وعالجت مركزية القرآن، لكن أنا بقول الفكرة الأساسية تثبيت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذه الفكرة كانت محط استهزاء وتلاعب وعدم تصديق من قبل الكفار في ذاك الزمان. فهذا مر في الصفحة الأولى، واضح كان الكلام عن تثبيت بعثته، أيضاً هنا وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ، هنا أيضاً: وَإِذَا رَأَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ، يستهزئون. فالله يقول: خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ، إيش علاقة هي الآية خلق الإنسان من عجل بالسياق السابق؟
أنه أنت يا سار عم تحكي كلام وتستعجل باخراج كلام قد يكون سبب في هلاكك، وأن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً. فأنتم يا كفار قريش لما تستهزئوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وتستتنقصوا منه وتقولوا هذا الذي يذكر آلهتكم، أنتم مش ملاحظين أنكم مستعجلين؟ كان الله يقول: خلق الإنسان من عجل، بيعرف صلاحه. لو أنك ترويت وتفحصت وانتبهت إلى صدق الدلائل الدال عليه لما استعجلتم في تكذيبه والاستهزاء به والتنقيص من أمره. سبحانك، سبحان الله، خلق الإنسان من عجل، دائماً مستعجل، دائماً قراراتك عجلة وتوديك على مآزق. فالله يحذرهم: استنوا، اهدوا، قبل أن تلقوا هذه الاتهامات جزافاً، هناك براهين وأدلة عميقة أتى بها هذا الرسول العظيم، لذلك قال: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي، خلق الإنسان من عجل ساريكم آياتي فلا تستعجلون. تهديد، شوف لغة التهديد: سأريكم آياتي فلا تستعجلون، والله لتأتينكم أيام سوداء، بدر والأحزاب والأيام السوداء فعلا أجتمعت بعد ذلك، لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا برضه الأيام السوداء مش فقط في الدنيا بل حتى في الآخرة أيام سوداء، لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا كف يا ويلهم لو بس تعرف حِين لا يَلُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ. بل تأتيهم بغتة فتبهتهم. ثم مباشرة يتجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تطمينات أبيتا: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ يعني لا تقلق، اثبت يا محمد صلى الله عليه وسلم، فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ.
الله عز وجل يخبرنا: بل متعنا اه، إحنا عارفين مشكلتكم يا كفار قريش، بل متعنا هؤلاء وآباءهم. الراحة اللي كان فيها كفار قريش عن سائر العرب جعلت عندهم نفسية الطغيان. قريش لأنهم كانوا أصحاب الكعبة فكانت محطة الرحال للقبائل العربية، وتجارتهم إلى الشام واليمن كانت قائمة العام، كانوا يعتبرون يعني من أغنياء العرب إذا صحت التسمية أو من الأماكن الأكثر غناء ووفرة وهيبة وإجلالاً. فالله يقول: بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر، ما عادوا بدهم يعني يتذكروا قصص الأنبياء السابقين ولا يعتبروا بالقرى التي يمرون عليها، طول العمر مع المتعة التمتيع اللي هو سعة الحياة ورغد الحياة جعلكم نفوس مستكبرة طاغية متجبرة. طيب، أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّ نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أْتْرَافِهَا، إيش سياق هذه الجملة هنا؟ أنه يا كفار قريش لا تفكروا الأمر سيبقى على ما هو عليه، أنه أنتم متمتعين في مكة والعرب يعني تحط الرحال عندكم ولكم الأمر والفصل في جزيرة العرب، أَوَلَمْ يَرَوْنَ أَنَّ نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أْتْرَافِهَا أي نضيق الممالك على أقوام ونوسع على أقوام آخَرين. فكثير من أهل العلم المفسرين يقولون: ننقصها من أطرافها أي ننقص بلاد الكافرين ونوسع بلاد المسلمين. يعني الأمر ما راح يضل هيك، وهذه رسالة حتى للغرب المعاصر اليوم، أنه أنتم اليوم ماشي ربما أنتم تحكمون العالم بجبروت واستخبارات ودول، لكن أولاً أفلا يرون أنا ناتي الأرض ننقصها من أطرافها يعني كانها بتقول من نققص بلادكم ونجعلها تصبح غنيمة للمسلمين وتنضم إلى الصف الإسلامي بقدرة الله وإرادته. فباختصار هذه الحالة من المتعة التي أنتم فيها ليست دائمة، رويداً رويداً ستبدا تزول عنكم كل هذه الأمور. قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ، في النهاية النبي عليه الصلاة والسلام مطالب أن يقول لهم إنما أنذركم بالوحي، وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ، اللي أصم عمره ما راح يسمع، اللي أصم أصم معنوي عمره ما راح يسمع الحق.
ثم يختم الله عز وجل المشهد الأول في السورة: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، يوم القيامة سنضع الموازين العظمى وستحاسب على كل افتراء وعلى كل استهتار وعلى كل استهزاء قمتم به تجاه هذه الدعوة. الآن المقطع من آية 8 لآخر السورة يعني اللهم إلى آخر صفحة هو مشهد الأنبياء السابقين، المراد منه تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه فعلاً كانت المعركة الموجهة إليه شرسة والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج تثبيتاً من ربه ومولاه سبحانه وتعالى. فالله عز وجل يقص على نبيه قصص الأنبياء، ومن هنا سميت السورة سورة الأنبياء، وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ، وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ، يعني يا محمد صلى الله عليه وسلم لست بدعاً من الرسل وما أعطيته من كتاب وهداية هذه سنة الله سبحانه وتعالى، أنه وَإِن مِّن أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ، لست أولهم، فموسى وهارون أعطاهم الله الفرقان والضياء، أعطاهم التوراة والحكم وأنزل عليهم ما أنزل، وإبراهيم عليه السلام قبلهم أعطاه الله عز وجل الرشد والهداية، وفي سورة الأعلى أخبرنا أنه أعطاه صحفاً، أعطاه صحفاً.
ثم الله عز وجل أراد أن يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم ببعض التفاصيل والمساجلات، فإبراهيم مثلاً ساحل قومه: مَا هَٰذِهِ الْصَّنَامُ الْتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. وشوف الله عز وجل إذا ذكر شيئاً فيكون للأهمية، نفس كلام كفار قريش: إنّا وجدنا آباءنا على أمة، نفس كلامكم ترى قالوه قبلكم كفار سابقون، إنا وجدنا آباءنا فنحن عبدناه مثلهم. طب ماشي، أنت وجدت أبوك على غلط بتعمل مثل الغلط؟ مش الاصل انك تفكر وتنتبه وتستيقظ بما آتاك الله من وسائل المعرفة؟ طيب، قال: رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، دخل معهم في سجال. إبراهيم عليه السلام حطم أصنامهم وترك الصنم الكبير، لما رجعوا من حفلتهم: من فعل هذا؟ سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، اتوا به، صار سجال. إبراهيم عليه السلام قال: فَاسْأَلُوهُ كَبِيرَهُمْ هَٰذَا إِن كَانُوا يَنطِقُونَ. صار السجال، طبعا هم رجعوا إلى أنفسهم، شوف هاي اللحظة سجلها القرآن، لحظة فرجعوا إلى أنفسهم قَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ، لحظة ذلك الإنسان الذي يبهر أمام الحق لكن ايش اللي بخليه يصر على باطله؟
استكبار. شوف كيف ربنا سجل ها النفس ها اللحظة، لحظة رجعوا إلى أنفسهم لما صاروا يحكوا مع بعض والله كلامه صح يا زلم، هذا صنم يعني اصنام لا تضر ولا تنفع، لحظة يقظة كانها لكن هي للاسف ما استمرت. كان الاصل لما رجعوا إلى أنفسهم يستمروا في اليقظة لكنهم لم يستمروا، ثم نكسوا على رؤوسهم، اه، انت عارف ان هذول الأصنام ما بتحكي، كيف أنت بتضحك علينا بتقول لنا اسالوا كبيرهم هذا؟ طيب مش هذا الاصل كان دليل اصنام لا تنطق ولا تتكلم، مش اكبر دليل على عجزها؟ اذا هم شعروا مروا في لحظة يقظة سجلها القرآن حتى يخبرك أن الكافر أو الإنسان المعاند تاتيه هيك دقائق يقظة لازم يستثمرها، وأحذر أن تكبت لحظات اليقظة، أنك تكبتها وترجع تعاند، بس لايش؟ معقول أترك دين أبوي وأجدادي؟ لا لا لا مش رح ينفع، اه، شوف أنت القرار الخطير اللي غلطته أنه انت ظهر الحق امامك وبزغ لكنك رفضت الانصياع له لشهوات ورغبات داخلية.
فكان قرارهم: حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ، والله عز وجل نجاة وهذا تطمين للنبي صلى الله عليه وسلم، وَنَجَّيْنَاهُ مش لحاله بس، وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وهي أرض الشام. ومش بس هيك، شوف العطاء الإلهي للثابتين: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً برضه يعني جعلنا يعقوب خير على خير وك جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا. لما أنت تكون ثابت على دينك الله عز وجل يجعل في ذريتك الخير والبركة. جعل الله في ذرية إبراهيم الخير والبركة؛ لأن إبراهيم رمز من رموز الثبات، فبارك الله سبحانه وتعالى في ذريته وأبنائه وجعلهم أئمة للخير.
لوط أيضاً آتاه الله حكماً وعِلماً، أيضاً من نماذج الأنبياء السابقين، ونجاه الله من القرية التي كانت تعمل الخبائث. نوح أيضاً استجاب الله عز وجل له بعد 50 سنة من طغيان قومه، فانجى الله من الكرب العظيم. داوود وسليمان ممن آتاهم الله عز وجل أيضاً ماذا؟ الحكمة والعلم والفهم، وذكر الله عز وجل فكرة تتعلق بـ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا، يعني كما اعطينا لوط الحكم والعلم أعطينا أيضاً داوود وسليمان حكماً وعِلماً والقدرة والقوة.
أيوب إذ نادى ربه، ولاحظ كيف تنوعت سورة الأنبياء في عرض يعني في عرض قصص الأنبياء، فداود وسليمان مثال على الأنبياء المالكين الملوك، أيوب مثال على الأنبياء اللي ابتلوا باجسادهم وأبدانهم، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ. بعدين سيدنا ذو النون إذ ذهب، مثال على نبي ابتلي وكان ابتلائه نتيجة أنه أخطأ عندما غادر القرية بدون إذن ربه، وكيف نجاه الله عز وجل لأنه كان من المسبحين. إذاً يا محمد صلى الله عليه وسلم الرسل كثر، زكريا الذي كان يتمنى الذرية، يعني الله عز وجل ذكر في قصة كل نبي الصفة الأبرز أو القصة الأبرز في واقعه أو في حياته. فزكريا ايش أبرز مشهد في حياته؟ طلب الذرية وكيف أن الله استجاب وأعطاه. فهذا كله تثبيت لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، يا محمد عليه الصلاة والسلام أعطينا زكريا ونجينا يونس ونجينا أيوب وأعطينا أهله مثلهم معهم. وإبراهيم عليه السلام لما ثبت انجيناه، لوط وأعطيناه يعقوب إسحاق ويعقوب نافلة، ولوط لما ثبت أيضاً نجيناه ونوح برضه نجيناه، والقصص تترى على النبي صلى الله عليه وسلم وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ. القصص هي جند من جنود الله كما قال العلماء.
فهنا أنت تخيل قلب النبي عليه الصلاة والسلام وهو يسمع الله يخبره بهذه القصص، هو مرسل من الله شاعر بالضيق لأنه يستهزأ به ويتهكم به صلوات ربي وسلامه عليه، فانظروا كيف هذه تنزل شفاءً على قلبه أنه هيك فعلنا في فلان، وهيك فعلنا في فلان، وهيك فعلنا في فلان، وهيك فعل وكلهم نجا نجا نجا نجا نجا نجا، وأعطيناه ومنحنا ووسعنا عليه. فهذا كله يعطيه تعزيز، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحتاج هذا بسبب حجم يعني وحيد صلى الله عليه وسلم ضمن عالم كافر، تخيل رجل صلى الله عليه وسلم وحيد ضمن أمة ومجتمع كله كافر، ألا يحتاج إلى مثل هذا التعزيز والتثبيت على مواقفه؟ وهذا ليس فقط له بل هو أيضاً لكل من يسير على خطاه، تثبيت لكل طلاب العلم وأهل العلم والذين يحملون لواء هذا الدين أن هذه القصص لعبرة عظيمة لمن يبحث عن حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته.
ثم الله عز وجل الآن في الصفحة الأخيرة أو قبل الأخيرة في سورة الأنبياء: إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. الآن الله عز وجل أراد أن تكون هذه الأمة أمة ايش؟ واحدة، يعني الأصل أن الكل يستجيب للنبي صلى الله عليه وسلم ونكون أمة واحدة نحمل لواء الدين. لكن هل حصلت الاستجابة من كل الأمة؟ لا، فالله أخبر ماذا حصل: وَتَقَطَّعُو أمْرَهُم بَيْنَهُمْ، يعني الأصل أنكم تكونوا أمة واحدة وتبدوا كلكم أيها البشر إلهاً واحداً، لكن هل هذا حصل؟ لا، البشر لم يكونوا مجتمعين، لم يتفقوا على التوحيد بل وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. أكثر البشر تفرقوا على أهواء وشيع وأفكار ومعتقدات فاسدة وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ. ربنا بقول مش مشكلة، كل إلينا راجعون، الحساب عندنا يوم القيامة: فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ، اللي بيعمل صالحات بينجح، مفهوم المقابل، واللي بيعمل أخطاء سيفشل.
وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ. الله عز وجل قضى قضاء القرية إذا أهلكها الله وأباد هل لها فرصة أخرى أن ترجع إلى الدنيا؟ لا، حرام ممنوع، أي قرية نهلك لا يمكن أنها ترجع مرة أخرى. وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ. طبعا حرام هنا أما أن تكون بمعنى ممنوع واما أن تكون بمعنى ايش يجب. كلمة حرام أما أن تكون بمعنى ممنوع، إذا كانت حرام بمعنى ممنوع فالتي قبل يرجعون لا زائدة، يعني ممنوع على قرية أهلكناها أنها ترجع، وتكون لا زائدة للتاكيد وليست نافيه. إذا قلنا حرام بمعنى
واجب تكون لا هنا نافية وليست زائدة يعني. واجب على قرية أهلكناها أن لا ترجع. طيب، واقترب الوعد الحق شوف هنا في ختام السورة زي بداية السورة. بداية السورة ايش أول كلمة في سورة الأنبياء؟ ما هي اقترب للناس حسابهم. وفي ختام سورة الأنبياء تذكير بنفس البداية، شوف تناسب البدايات مع الختام، وهذا من فنون القرآن أو الفنون المتعلقة بعلوم القرآن التي يجب أن يتقنها طالب العلم، وهي تناسب مطالع السور مع ختاماتها. تناسب مطالع السور بداياتها مع ختاماتها؛ ابتدات سورة الأنبياء اقترب للناس وبدات في سياقها الأخير واقترب الوعد، اقترب واقترب واقترب الوعد الحق، وكيف سيكون حال الكافرين؟ فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا. ليه؟ لأنه لما كانت الآيات تتلى عليكم وما يأتيهم من ذكر من ربهم من أمير إلا كانوا عنه، إلا كانوا عنه معرضين.
سريعاً عفواً اللي استمعوه هنا، اللي استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم، ففعلاً الآن شو بقولوا قد كنا في غفلة من هذا. أنتم اللي كنتم مصرين على العناد والإعراض، أنكم الآن أنتم وكل أصنامكم حصب جهنم، إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم، ولو كانت أصنامكم آلهة ترى ما دخلت جهنم، هس نثبت لكم الآن بعد أن فات الأوان طبعا أنها لا تصلح أن تكون آلهة أن تعبد. ثم أخبر عن النهايات السعيدة، ودائما القرآن إذا أخبر عن النهايات الكئيبة يقابلها بذكر النهايات السعيدة: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون، لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون، لا يحزنهم الفزع الأكبر، لحتى أنت مش فقط تسمع التخويف برضه تسمع إنه في طرف آخر رح يكون سعيد، خليك مع أهل السعادة، خلك مع الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة: هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. خلك مع هؤلاء ودعك من عقلية المعاند المستكبر المصر على المواقف الباطلة.
الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ. وارجع أكد لهم نفس الفكرة: قُلْ إِنَّما يُوحَى إِلَيَّ، اللي هي أعظم فكرة في الوجود، وهي فكرة إيش؟ التوحيد، أعظم فكرة: قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُسْلِمُونَ.
هذا حث وحض: هل أنتم مسلمون، ناويين تسلموا وتخضع لهذه الحقيقة العظمى؟ فإن تولوا وأصروا على كفرهم فقل آذنتكم يعني أعلمت وأصبحنا، خلاص، احنا الآن على سواء، على وضوح، أصبح الأمر على وضوح: أعلمت وأصبح الأمر واضحاً ولا أدري هل ما سينزل بكم من العذاب قريب أو بعيد، الله أعلم، أنا فقط وظيفته البلاغ: وَإِن أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ. لا أدري لعلكم الآن أنتم خلاص في فترة الامتحان والتمحيص، وتمتعوا إلى فترة معينة ثم يستاصل الله ما دمتم مصرين على هذا.
وهنا اختتمت سورة بالنداء العظيم: قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ. خلاص، افصل بيننا يا رب، احكم بيننا وبين القوم الظالمين بالحق: قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ.
هذه أفياء سورة الأنبياء، نذهب إلى أفياء سورة طه.
أيضاً سورة طه يقول ربنا سبحانه وتعالى في مطلعها: طَهَ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى. انظر الاحتفاء بالقرآن، هذا القرآن لم ينزل ليكون سبباً في شقائك وألمك أيها الإنسان، وإنما نزل ليكون سبباً في ماذا -مفهوم المخالفة- في سعادتك ورفعتك. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، هذا القرآن لم ينزل من سبع سماوات ليكون سبباً لشقاء الإنسان وتعذيبه وتقييده ومنعه، لا، نزل ليكون طريقاً إلى سعادته وهدايته ونوره: إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى تَنزِيلًا مِّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى. لما يكون هذا الكلام اللي عم نقراه إخواني تنزيل من الذي خلق هاي السماء اللي بتشوفها والارض اللي بتمشي عليها، ماذا تتوقع أن يكون هذا الكلام؟ تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلا. الله الله بنبه إنه هذا الكلام اللي عم تقراوه هو تنزيل ممن هذه صفته، فهل تظن أن هذا الكلام كلام فقط للتبرك، كلام مش مفهوم؟ بعض المسلمين اليوم بقول لك والله يا اخي انا مش قادر افهم القرآن. ابكي على خطيئتك، ابكي على قلبك انك مش قادر تفهم القرآن، ابكي على عجزك وكسلك انك ما بدك تتعلم وتفهم معاني القرآن، وإلا القرآن: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مْن مُدَّكِرٍ. لكن القرآن ما بعطيك حتى تعطيه، ما بفتح لك اسراره ومعانيه حتى أنت تجلس وتسمع وتقرا وتنظر وتتفحص هكذا القرآن، القرآن كتاب عزيز.
الان كتب البشر ممكن تقرا كتاب تفهمه عادي حتى لو انت انسان ما عندك رغبة، مجرد تفتحه ممكن تفهم كثير منه، لا، القرآن بطبيعته سبحان الله هذا من اعجازه ترى أنه كتاب بس بتعرف السهل الممتنع؟ بقول لك الشيء السهل الممتنع، سهل الممتنع ايش يعني سهل وممتنع؟ إذا أنت أتيته بالطريقة الصحيحة فجلست في مجالس التفسير وقرأت في كتب التفسير وأعدت النظر في معانيه وتدارسه سهل وبعطيك شوي شوي، وممتنع على مين؟ على الذين لا يكلفون أنفسهم إطالة النفس في سماع تفسيره وسماع معانيه والمرور عليها. بعض الناس كيف طريقة تعاطيه مع القرآن يا شباب؟ طريقة تعاطيه أنه خلص بده يفتح القرآن وافهم كل شيء، إذا ما فهمت من أول جلسة خلص بسكر المصحف بقول لك أنا مش قادر أفهم، خلاص مؤمن أنه كلام رب العالمين بس يعني بتبرك فيه ومش قادر، آه ها النفسية ربنا ما بعطيها لأنه أنت ما بدك تدفع ثمن. بس سؤال، لو كنت تريد خطبة امرأة أليس أنت مستعد أن تدفع الثمن والمهر العالي من أجل الوصول إليها وتطرق الابواب وتبحث عن الوسطاء من أجلها؟
لو اردت تشتري سيارة حديثة ألا تسأل وتحتفي بالسؤال عنها أهل الخبرة وأهل الدرااية حتى تتأكد من؟ إذا اردت أن تدرس تخصص جامعي طب هندسه اي علم من العلوم ألا تشعر انك بتاخد دورات ترفع كفاءتك في هذا التخصص؟ بعض الناس بقول لك انا والله عم باخذ زيادة على الجامعة دوره كذا ودوره كذا ودوره كذا ليه يا اخي؟ بدي ارفع كفائتي، بدي أصير أكثر إتقان. طيب وهذا القرآن أنت ايش معطيه من حياتك؟ سؤال، هذا القرآن أنت ايش معطيه من حياتك؟ هل تاخذ دورات بعد دورات لترفع من كفاءة فهمك للقرآن ولا القرآن مش مشكلة، هذا حطه على الرف يعني نتدبر هيك نتبرك به في رمضان، وبعد رمضان ممكن نحفظ السور القصيرة وهذا شو ما بيجي منه خير؟ حقيقة احنا في المجتمعات المسلم بل حتى في الوسط المتدين نعاني من زهد أو حالة من الزهد في تفسير القرآن والعيش مع القرآن ومحاولة فهم معاني القرآن، وهذا نذير شؤم وليس نذير خير، هذا نذير شؤم.
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه ايش كان يقول في آخر عمره؟ إنه يندم على أن ضيع كثيراً من ساعات العمر في غير معاني القرآن، يعني كان يتمنى -طبعا شيخ الإسلام صاحب المصنفات والحوارات والنقاشات والجهاد والرباط- يقول لك أنا كنت أتمنى لو أنني أعطيت القرآن من عمري أكثر وأكثر. هذا كلام عاقل، هذا كلام عاقل، كلام انسان يفهم ما قيمة هذا القرآن ويجله، يجل منزلته ويجل قيمته ويعرف كم فيه من الكنوز. لكن ليه؟ لانه هو ابن تيمية اشتغل على نفسه حتى رفع كفاءته فأصبح بالنسبة له قادر أنه يربط بين آيات القرآن ويفهم الأسرار العجيبة والدقائق الغريبة. إلى الآن بعض الناس لا يريد يأخذ دورة في اللغة العربية مبتدئة حتى يعرف الفرق بين الفاعل والمفعول، تخيل مستعد يأخذ عشر دورات في اللغة الإنجليزية، لكن لغة دورة عربية على الأقل أفهم في القرآن الفاعل من المفعول من المفعول المطلق من الحال من التمييز من لا مش مشكلة، هذه تأتي وحدها، ولن تأتي وحدها وستبقى في كسلك وعجزك. لا اريد أطيل في هذا، لكن الذي ساقني إلى هذا أن الله عز وجل يعظم كتابه فنحن يجب أن نعظمه، وتعظيم القرآن ياتي من أن تتعلمه وتتفheمه وتدرسه، مش تعظيم القرآن فقط تتلوه. أنت صار عمرك 40 و50 سنة وأنت ما زلت تخطئ في معاني سورة الفلق والناس، هذا ليس تعظيماً للقرآن. بالله عليك انسان يعظم القرآن ولا زال إلى الآن لا يعرف معاني قصار قصار السور؟ ايش بقي من عمرك؟ ايش فعلت في حياتك أنت؟ ماذا أنتجت؟ سبحان الله، نعوذ بالله من الغفلة.
الله سبحانه وتعالى في سورة طه الجسد الأعظم من هذه السورة ركز على قصة موسى عليه السلام، لأنه قصة موسى قصة مثيرة مليئة بالأحداث ومليئة بالصعوبات، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج لمثل هذه القصص كما قلنا لتثبيت دعوته، وفي نفس الوقت فيها رسائل للطغاة من كفار قريش فرعون كان أكثر منكم وشوفوا نهايته الكئيبة، فالقصص الكل كان يحتاجها. قصة موسى التي في سورة طه كان يحتاجها النبي عليه الصلاه والسلام تثبيتاً له، وكان بحتاجها كفار قريش تخويفاً من مصير فرعون، وكان بحتاجها الصحابة في نموذج مين؟ السحرة: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّما تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. هذا نموذج كان جداً جداً مناسب للصحابة اللي آمنوا في النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه منزلتهم من النبي صلى الله عليه وسلم كمنزلة سحرة فرعون الذين آمنوا مع موسى أنصاره وأتباعه، فالقصة مفيدة لكل العناصر في المجتمع المكي في تلك الفترة.
وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى؟ شوف أسلوب الإثارة، بتعرف قصة موسى هيك؟ وهل أتاك حديث موسى، بتعرف قصة موسى؟ فهذا أسلوب استثارة، ايش قصة موسى؟ يلا خلينا نذهب إلى قصة موسى. فيبدأ القرآن يسردها بشكل قصصي جميل عذب بتفاصيل وهكذا إيمانية روحانية وليس مجرد صارت قصص يعام. إذ راى نار، طبعا هنا الله عز وجل أتى بقصة موسى من ماذا؟ من هذه الجهة، يعني ابتدا من قصة إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا، مع أنه مش هي أول قصة موسى عليه السلام. أول قصة موسى من وين ابتدات؟ من عند لما أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه، في سورة القصص ابتدأت القصة من وين؟ من أول ما خرج إلى الدنيا موسى، وهي رح تجي هون بس وين رح تجي؟ في الصفحة الثالثة في آية 40، عفواً آية 39: إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ. طب سؤال، ليش القصة ما بدات من بدايتها ثم عادت إلى البداية؟ يعني لماذا قصة موسى في سورة طه ابتدا من لحظة الطور، بعدين بعد صفحتين رجعت القصة من البداية: إِذْ أَوْحَيْنَا لِأُمِّكَ؟ ايش ممكن نقول؟
جميل، أيام عند في حياة النبي صلى الله عليه وسلم نعم كان 40 سنة جميل. فتذكر من باب الإشارة، الإشارة إلى ماذا؟ إلى إلى بداية الم كيف يصنع الأنبياء على عينهما والرعاية؟ جميل.
إذا هل يمكن نقول لو سالتك سؤال ما هي أهم مرحلة في حياة موسى أو أهم جزء في قصة موسى؟ أي جزء هي جزء حديثه مع الله يعني صح موسى عليه السلام اجزاء قصته كلها عظيمة بس أعظم مشهد وأخطر مشهد في في قصة موسى هو مشهد الطور الذي تحدث فيه مع ربه مباشرة وحدثه الله سبحانه وتعالى. فكان البداء بهذا المشهد لأنه هو مشهد البعثة والرسالة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج إلى هذه الانطلاقة، كيف أن موسى نبي يوحى إليه من الله كما أنك يا محمد صلى الله عليه وسلم نبي يوحى إليه من الله. فالمشهد الأساس والذي يحتاج إليه الآن هو مشهد بعثة موسى، وبعثة موسى إنما حصلت في الطور: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا.
ثم الله عز وجل كيف يتلطف مع موسى؟ شوف التلطف الإلهي: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ؟ قال موسى صر لأنه يتحدث مع الله فأسب الكلام قال: يا رب هي عصاي أتوكوا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى. طبعا ربنا سبحانه وتعالى لماذا خلد إجابة موسى هنا؟ ليعطيك كيف موسى كان مطمئناً لأنه يتحدث مع الله، وكان سعيداً لأنه يتحدث مع الله، لذلك في علم البلاغة يقولون هنا موسى أطال الكلام وأتى بالمبتدا هي عصاي، لأنه تلذذ بالحديث مع مولاه فصار يستفيض: يا رب هي عصاي بتوكأ عليها وبرضه بهش فيها على غنمي وبرضه اللي فيها مآرب بده يحكي مبسوط يتحدث مع ربه سبحانه وتعالى، وما ألذ أن يتحدث الإنسان مع الله، هي أعظم شيء يعني حصل لموسى في حياته أن استطاع أن يتكلم مع الله مباشرة. حقيقة شيء عظيم، أنت متخيل تتكلم مع الله وهو على الأرض، يعني كان ينظر إلى السماء ويتحدث مع رب العالمين وسمع صوت رب العالمين هكذا أهل السنة والجماعة يؤمنون بخلاف أهل البدع اللي بقول لك خلق الله صوته في شجرة وخرافات البدع، عظمة هذا المشهد انتم ضيعتوا هيبتها.
زي ما بك ضيعت هيبة المشهد لما جعلت الصوت خلق في شجرة، أو سمعه من جهة، سمعه من الله: أَنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي. فعلا، ما أجمل هذا المشهد وما أروع هذا اللقاء الذي حصل بين موسى وبين رب العالمين! وكيف تتخيل أنك تسمع صوت الله؟
أحيانا أنت تسمع صوت إنسان تحبه، يعني أقول لك، مجرد تتخيل أنك تسمع صوت النبي عليه الصلاة والسلام يطير قلبك فرعا، معقول استطيع أسمع صوت النبي عليه الصلاة والسلام؟ لو كان هناك كاسيتات في أيام الصحابه وسجلوا صوت النبي عليه الصلاة والسلام، لربما اليوم هذا الكاسيت ذبحت الأمة بعضها عليه حتى تحصل فقط تسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم.
متخيل أن هناك بشر على الأرض في منطقة مصر سمع صوت الله سبحانه وتعالى؟ فهذه هي أكبر حقيقة حصلت في حياة موسى، جميلة ومهمة، فكان حق أن يبت بها.
طيب، الآن السياق أن الله عز وجل أراد أن يري موسى آيات كبرى، العصا تتحول لحية واليد البيضاء، وقالوا: يا موسى، هاتان آيتان ستذهب بهما إلى مين؟ إلى فرعون لتخوفه من الله سبحانه وتعالى وتنذر. موسى عليه السلام قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّن أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. وزير أي مساعد.
هارون اخي اجدد به ازري، خاصة أن موسى كان في لسانه، لكنه كان يحتاج من يكون أفصح منه في هذا الموقف، وقيل لأن الله عز وجل شفاه منها. طيب، هنا انتهى المشهد، مشهد دعاء موسى لربه أنه يا رب يسر لي أمري.
الان أنت فهمت أن الله عز وجل سيرسل موسى وهارون إلى مين؟ إلى فرعون، لكن القصة ما تتابعت في المشهد، تركت القصة موسى وهو يدعو ربه أن يشد أزره بهارون، ورجعت للزمن الماضي، موسى وهو رضيع عند أمه: وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ.
لماذا رجعت القصة الآن؟ في آية اثنين وأربعين راح يرجع المشهد، تكملة المشهد، موسى في آية خمسة وثلاثين لما قال: اشْتُدَّ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا. حقيقة تكملة القصة وين؟ ارجع على آية اثنين وأربعين، هناك بيكتمل المشهد، يعني هكذا هو السياق المرتبط أنه إنك كنت بنا بصيرا في آية خمسة وثلاثين.
إيش بعديه قال؟ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ. الآن وين تكملة القصة؟ قال: قد أوتي سؤلك يا موسى، اقرؤوا الآية آية اثنين وأربعين: اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي. لكن صار في فراغ بين هي، بين اذهب أنت وأخوك باياتي وبين آية ستة وثلاثين، فراغ أنه يا موسى، شوف الله عز وجل بده يطمن قلب موسى.
هذا الفراغ هو تطمين لقلب موسى، ثم هو تطمين لقلب النبي صلى الله عليه وسلم: يا موسى، لا تقلق، نعم، أنت خايف من بطش فرعون، والإنسان في موسى عليه السلام بشر خائف من بطش فرعون، أريد أن أذكرك يا موسى، من الذي رعاك منذ الصغر حتى أصبحت رجلا؟ ليزداد يقينك بالله، ليزداد يقينك بالله، يعني موسى طلب من الله أن يشد أزره بهارون، فالله أراد أن يثبت قلب موسى: إحنا معاك يا موسى، والدليل أنه إحنا معاك يا موسى في لحظاتك الأولى عندما خرجت إلى الدنيا، كنت معك، وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ.
مين اللي رعاك ووصلك لبيت فرعون، وخلى فرعون نفسه هو اللي يدير بالك عليك في الرعوية، نفسه هو اللي رعاك؟ وَتَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ.
مين اللي فعله؟ من الذي رعاك ودبر أمرك في أضعف لحظاتك وأنت طفل؟ الله قال: وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي. هناك تدبير إلهي، إذا أراد الله شيئا هيا له أسبابه، ولو اجتمع كل أهل الأرض وجبابرة الأرض على أن يمنعوا شيئا من قدر الله لن يمنعوه.
ولتصنع على عيني، يا الله، هذي العبارة كان فيها ثقة وجمال وتثبيت لقلب موسى وقلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلب الدعاء والسائرين إلى الله. ولتصنع على عيني، أن أنت في رعايتي وحفظي، لا تخاف يا موسى. اذهب أنت، الآن رجع للسياق: اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، اذهبا إلى فرعون وقولا له بالهدوء، ابدءوا معه بالهدوء تمام، لعله يتذكر أو يخشى.
الآن سردت الآيات القرانية الحوار الذي دار بين موسى وفرعون، وهو حوار متكرر في كثير من السور، طبعا كل سورة في جزء مفيد ومهم، لكن أنا ليس همي الآن أن أمر على تفاصيل هذه الحوارات.
فرعون ما اقتنع بموسى عليه السلام، أعرض، كذب، فقال موسى عليه السلام، طبعا أراه الآيات، القى عصاه، أخرج يده، فرعون قال للملأ: إيش رايكم؟ قالوا: بدنا نجيب له السحرة، فموسى عليه السلام قال لهم: جيبوا لي السحرة. قال: موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى، جيبوا الناس من الصبح، يحشر الناس ضحى، جمعوا الناس من الصباح حتى يشهدوا المشهد.
طيب، اجوا السحرة، صار حوار طويل: يا موسى، إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى. موسى عليه السلام قال: بل ألقوا، أنتم بلشوا، نشوف شو طلع معكم. وألقوا يعني سحرهم. الله عز وجل يعطينا نفسية موسى في تلك اللحظة: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ. موسى في النهاية موسى عليه السلام بشر لما رأى عصي السحرة تلعب أمامه هكذا وتتحرك يعني دخله شيء من التوتر خلينا نسميها.
لكن الله عز وجل لا ينسى الداعية ولا ينسى الذي يسير في ركبه: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لَا تَخَفْ. هذه إشارة للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد عليه الصلاة والسلام، لا تقلق، شوف موسى لما خاف طمنا وانزلنا على قلبه التثبيت، فكذلك يا من تحمل هذا الدين ويا من تسير في ركب الثابتين السائرين، لا تخف إنك أنت الأعلى.
شوف، هذا شعار لازم يكون في حياتك: لا تخف إنك أنت الأعلى. الذي يحمل الدين ولواء الدين لا يخاف ولو اذلهمت الخطوب، ولو أحدق به ما أحدق، لا تخف إنك أنت الأعلى، اللي مع ربي العالمين ما بيخاف هيك، انك تقول اللي مع رب العالمين ما بيخاف، الذي يحمل الدين ويملك الحقيقة العظمى ويحمل التوحيد والوحي والرسالة، لا، إنك أنت الأعلى.
والق ما في يمينك. شوف كيف الحق الذي معك سيحط كل هذا زخرف القول، وزخرف الشبهات، وزخرف الزينة، وكل هذا الكلام الفاضي الذي يثيره الكفار.
طيب، الآن مشهد كان يحتاج الصحابة الكرام، مشهد السحرة. السحرة أبهروا، انصاعوا للحق خلال، قالوا بعض المفسرين يقولون: كانوا سحرة في الصباح، مش هو قال وأن يحشر الناس ضحى؟ كانوا سحرة في الصباح، وكانوا شهداء في المساء.
هكذا البعض قال إنه هو في نفس اليوم، لأنه لما السحرة رأوا ماذا فعل موسى، عرفوا أن هذا ليس ساحر، قالوا: هذا، هذا رسول. والسحرة نموذج للإنسان الذي بيكون كافر، لكن لما بيشوف الحق ما بكابر.
السحرة نموذج للإنسان الذي يكون كافرا، لكنه عندما يرى الحق بادلته ما بكابر، بقول لك: يا عمي، هذا حق، ونحنا سنتبع. خلاص، هم وفقوا في هذه، تخيل أنهم كانوا في أول النهار واقفين في وجه الحق يحاربون الله، وفي آخر النهار كانوا في جنات النعيم.
شوف، في يوم واحد اختلفت البوصلة تماما، اختلفت البوصلة تماما، كانوا في صف، وهذا حال كثير من الصحابة أيضا، خالد بن الوليد وين كان؟ في يوم أحد كان بقاتل الصحابة، وين كان في اليرموك والقادسية ومؤتة؟
عكرمة بن أبي جهل، أحد الذين آذوا المسلمين كثيرا، ثم عكرمة بن أبي جهل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة في معركة اليرموك يؤتى إليه بالماء ليشرب، فيقول: أعطوه أخي. كان جنبه أيضا جريح آخر، قال: أعطوا الماء لأخي. فاستشهد قبل أن يشرب شربة ماء.
شوف الإسلام لما تخالط بشاشته القلوب، كيف يغير نفسية الإنسان، مش ثماني عشرة درجة، ثلاث مئة وستين درجة، مش رجع نفس الدائرة تمام، يعني يغير تغيير جذري كلي تماما في نفسيتك ومشاعر، وحرقت.
سبحان الله يا أخي، الذي يسلم بعد أن يكون عرف الكفر، تجد عنده من الاندفاع والحرقة على هذا الدين أفضل بكثير ممن يسلم وهو لم يعرف الباطل، صح؟ لذلك تجد المسلمين اليوم اللي بيسلم بعد أن يكون كافرا في الغرب، عنده من الحرقة على الدين والدفاع والهمه عندك أعلى من كثير من الناس اللي عايشين وولدوا وتربوا في بلاد الاسلام.
لذلك المقولة التي تنسب إلى عمر، وإن كنت يعني لا اعرف لها سند: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. اللي بيعشوا في الإسلام بس هم ما بيعرفوا أفكار الجاهلية وإيش كان عندهم من الشبهات والأفكار والاطروحات، والذين لا يعرفون هذا، ويكون ولد ونشا بين أبوين مسلمين، ما بيعرف قيمة اللي عنده، وهذا حال أكثرنا، كون صادقين.
أكثر المسلمين اليوم اللي تربوا في بلاد المسلمين، هم مش عارفين قيمة ما يمتلكونه، وإنما خلص يعني أنا وجدنا آباءنا على أمة في الإسلام. لكن الذي يعرف قيمة الإسلام، يدفع ثمنه غاليا من أجله، وهذا اللي صار مع السحرة.
موسى فرعون توعدهم، فرعون توعدهم أنه رح اصلبكم في جذوع النخل، يعني مش عليها بس فيها تمام، فقالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا، فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى.
وهنا في شيء مميز في السحرة أنهم بشكل عام ما كانوا يعني خايفين من قضية الشهادة في سبيل الله، يعني قضية أنهم ينجوا ولا لا ينجوا، ما كان بالنسبة لهم مطلب، صح؟ تشعر دعاء السحرة إيش كانوا يعني؟ آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر. فبالنسبة لهم لم يكن النجاة في الدنيا مطلبا، وإنما كان مطلبهم ما هو أيها الكرام؟ المغفرة، المغفرة من الله سبحانه وتعالى.
لذلك ليس كل من سيوحد الله ويختار طريق الله سبحانه وتعالى سيمك يمكن ينجو في الدنيا، ممكن يستشهد في سبيل الله، صح؟ يعني أنت تجد السياقات القرآنية ليس كل من دعا إلى الله وسار في طريق الأنبياء هل الكل نجى في الدنيا؟ لا، مش مهم، الله بده يقول لك مش مهم: وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.
إذا ليس مهمآ أن الكل ينجو من الدنيا، المهم أن تنجو من إيه؟ من النار. المهم، هذه عقيدة ترى، وهذه من قصة الإنسان في القرآن أن الله يعلمنا مبدأ عقديا يجب أن نربي أنفسنا عليه ونوطن أنفسنا عليه. المقصد الأزمى لك أيها الإنسان أن تفكر بالنجاة من النار، وأما أن تخرج من بلاءات الدنيا فقد تكتب لك النجاة كحال كثير من الأنبياء، وقد تكتب لك الشهادة وهذه نجاة أيضا، لأنك خرجت بدينك، نعمة عظيمة.
طيب، الله عز وجل يخبرنا بعد أن أعطانا نموذج للشهادة في سبيل الله نموذج السحرة، أعطانا نموذج للنجاة أيضا في الدنيا وهي نموذج موسى وركبه: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم.
مثال على النجاة، لكن بني إسرائيل للاسف بعد أن نجوا والله عز وجل أراهم هذه الآية العظمى، البحر ينزل على فرعون، أنتم متخيلين شو شاف بنو؟ ماذا راى بنو إسرائيل من فتح الله عز وجل؟ متخيلين هي الآية الكبيرة يا إخوان؟ بحر، بحر أمامكم صار يابسة ومشيت فيه، وعدوكم الذي بينكم وبينه شبر دخل هذا البحر وأغرق.
بعد كل هذا المشهد العظيم، وهي الآية التي لو جلستم طول عمركم ساجدين عليها شكرا لله والله ما أديتم حق شكرها، تخرجوا من البحر وتعبدوا العجل! هذه هي نفوس بني إسرائيل اللي ربنا بده يخبرنا فيها. هؤلاء قوم بهت، قوم مجرمون، بالتالي لا تستعظم ماذا يفعلون باخواننا في غزة، قوم مجرمون، قوم عجنت قلوبهم والعياذ بالله على الإجرام والكفر والطغيان والعناد.
أنتم متخيلين حجم الآية اللي شافوها، وبعدين بس يوم يومين أو ساعة ساعتين عادوا يعبدوا العجل والكفر: وَاجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ. وهنا الله عز وجل يخبرنا عن معاناة موسى عليه السلام، حتى النبي صلى الله عليه وسلم يصبر أنه يا محمد صلى الله عليه وسلم موسى مش عانى فقط مع فرعون، بل عانى حتى مع أصحابه، أو خلينا نقول مع الناس اللي آمنوا معه، حتى النبي صلى الله عليه وسلم يعرف كم صبر موسى ليكون نموذج يحتذى صلوات ربي وسلامه عليه.
تخيل يا محمد صلى الله عليه وسلم موسى بعد كل هذه القصة والعناء مع فرعون، الحمد لله جاءت فترة النجاة، أنت بخطر بالك أنه موسى راح يستريح، خلص الحمد لله خلصنا من فرعون وجنده، إذا به ببلاء أشد، وهو بلاء بقومه بنو إسرائيل، قوم البهت.
بعد قليل موسى ذهب إلى لقاء الله، رجع ولا قوم يعبدون، ماذا يعبدون؟ عجلا. إيش يا جماعه؟ أَلَمْ يَعِدكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَوْعِدِي تعبدون عجل؟
بدأوا يعتذرون ويتفلسفوا: احنا ما اخلفنا موعدك، بس احنا لما ربنا نجانا من فرعون، بعض الذهب اللي استطعنا نحصله من فرعون وقومه أخذوا منا السامري وصنع لنا عجل، فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقال: هَٰذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ.
إيش يعني فنسي؟ هذا إله موسى، موسى نسي أين ربه! شوف افتراء السامري، موسى ذهب إلى الطور ليقابل ربه ونسي أنه هنا ربه في هذا العجل، شوف السامري كم كان فاعشا فاجرا.
طيب.
هارون كان حذرهم، طبعا أنتم بتعرفوا هم ما هي الفترة اللي عبدوا فيها العجل؟ هم طب مش قادرين يعبدوا العجل وموسى موجود؛ لأنه موسى عليه السلام بخلص عليهم، عبدوها في الفترة اللي موسى عليه السلام ذهب للقاء ربه. هارون كان ألين شوي، شخصيته مش بقوة شخصية موسى، في عن فيها، فهارون نصحهم: يا قومي، إنما فتنتم به، ترى هذا ضحك عليكم السامري وإن ربكم الرحمن. موسى عليه السلام رجع شاف قومه على لحاله غضب، غضب مسك مين أول شيء بشف هارون: أنه كيف سمحت لهم يعبدوا العجل؟ أنا تركتك حتى تمسك زمام الأمور ويكون الأمر في يدك، كيف أذنت لهم أن يفعلوا هذه الفعلة؟ هارون اعتذر وعذره مقبول، يعني قال يعني أنا هذا اللي في وسعي وفي طاقتِي، أنا لا أملك قدرتك وسطوتك.
فهنا موسى ترك هارون عليه السلام وذهب يخاطب يا سامري، قال: ما خطبك يا سامري؟ ايش قصتك؟ من أين خرجت بهذه الفكرة؟ قال: بصرت بما لم يبصروا به. شوفوا أحياناً كيف بعض الأمور قد تكون فتنة للإنسان. ما الذي بصر به؟ قيل إن السامري أبصر حافر البراق الذي جاء به جبريل ليأخذ موسى إلى الطور. مش احنا قلنا موسى ذهب إلى لقاء الله في الطور؟ فالسامري كان يترقب من بعيد المشهد، فابصر البراق الذي هو دابة الأنبياء الذي حمل عليه جبريل سيدنا موسى للقاء الله. لما ذهب موسى مع جبريل مع البراق، بقي أثر البراق على الأرض، يعني الرجل البراق زي دابة، فما تركه أثر حافره على الأرض ذهب السامري أخذ هذا الأثر من التراب ما تركه حافره وألقاه على العجل، وكان هذا سبب في ماذا؟ في الفتنة. قال: بصرت بما لم يبصر به، يعني بصرت بما لم يا رب يبصر به، يعني أخذت شيئاً لم يظفر به وأقنعت بذلك، فقبضت قبضة من اثر الرسول، فقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا، وقيل بسبب هذا صوت العجل، وقيل إن الله عز وجل جعله يصوت ليختبر بني إسرائيل.
الله عز وجل هو الذي أذن وهو صاحب الأمر، أذن لهذا العجل أن يخرج صوت خوار؛ لأنه هو عجل مصنوع من ذهب، عجل مصنوع من ذهب. فهم تعجبوا لما صارت يطلع صوت خوار، فقيل: نعم، إن الله سبحانه وتعالى هو الذي جعله يصدر هذا الصوت ليختبر عقولهم ومنطقهم؛ هل سيوحد الله أم مباشرة بعد أيام معدودة من نجاتهم من فرعون سيعبدون ما لا يضر ولا ينفع ولا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضررا ولا نفعا؟ طبعا هنا موسى قال للسامري الكلام المشهور: فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ. العذاب الشديد الذي وقع على السامري: فان لك في الحياة أن تقول لا مساس. ثم ختم موسى بكلمه التوحيد التي هي رسالة الأنبياء: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
الصفحات الثلاثة الأخيرة من سورة طه هي إشارة إلى الدار الآخرة، وهو المشهد المهيب الذي لا يجوز أن يغيب عن ذهن الإنسان في يوم من أيامه، مش في سنة أو شهر، في يوم من أيامه. أي من أعرض عنه قال كذلك نقص، طبعا ربنا بيقول: كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق، هذا دلالة أنه المشهد انتهى، هكذا نقص عليك من أنباء السابقين، وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا. من أعرض عن القرآن وبقي يسمعه وهو يلعب وهو يستهزئ، فانه يحمل يوم القيامة وزرا، أي حملا ثقيلا، خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا. ثم بدا الله عز وجل يشهد مع يرسم مشاهد اليوم الآخر بما فيها من تخويف وإرعاب ولحظات صعبة: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا.
ويخبر عن وظيفة القرآن: وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد، يعني الله يخبر أننا نوعنا أشكال الوعيد في القرآن وسياقات الوعيد، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا. الله عز وجل هنا أرجعنا لبيان الضعف الإنساني بدءا من جذره من آدم عليه السلام، يقول سبحانه: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ. الله عز وجل أراد أن يخبرنا أن قصة الإنسان مع الشيطان بدأت ليس من زمن موسى، واضلال الشيطان للبشرية بدا من لدن أصل البشر، من لدن آدم عليه السلام، وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، أي لم يكن فعله للمعصية وهو أكله من الشجرة عن سبق إصرار وترصد، وإنما ضعف بسبب إغواء الشيطان له، وسماه الله هنا نسيانا.
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أبى، فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك. هنا ربنا بده يعطينا أنه يا أيها الإنسان معركتك في الدنيا مع الشيطان بدأت من البداية، من لدن أبويك آدم، وستبقى هذه المعركة متكررة، إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ، ربنا ببنبهنا ومرارا وتكرارا حذرتكم من الشيطان، وَكَمْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا، وكيف أن الشيطان هو كان اصلا سبب نحن البشر، احنا ما كنا على كوكب الأرض، اصولنا واجدادنا ووجدنا آدم أين كان؟ في الجنة. هذه حقيقة عظمى طرحنا بعض القصص أنها بتصير تدرس في المدارس بتصير مستهلكة عند كثير من الناس المسلمين، لكن هي حقيقة عظمى ترى شيء يعني لو أنت فكرت في شيء مذهل، أنه احنا اصولنا مش من هون، مش من الارض، احنا كنا نسكن في جنة، الله أعلم أين مكانها، والكثير من اه فوق السماوات، المهم أننا في جنة.
انت متاكد انه انت كانسان كنت في جنة وسبب نزولك من الجنة الشيطان الذي غر ابوك؟ فلا تكرر نفس الخطا ولا تكرر نفس التجربة اللي عاش آدم عليه السلام وتخطئ فتسمع له؛ لأنك ستفشل. آدم بعد أن أخطأ ونزل إلى الأرض ربنا عز وجل اجتباه وأعانه على التوبة وبإذن الله يعود إلى الجنة، بس أنتم يا ذرية آدم بدكم تنتبهوا، الشيطان راي يظله يوسوس، سيبقى يحاول أن يصدكم كما صد والدكم، فلا تقعوا في نفس خطأ آدم، وإذا أخطأتم خطأ آدم عليه السلام فماذا تفعلوا؟ بادروا بالتوبة. فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، هي قصة الإنسان، بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، هي سنة الله، نحن والشيطان في عداوة مستمرة. أنت أيها الإنسان يجب تكون عدو للشيطان، لكن للاسف أكثر البشرية اختارت أن لا تكون عدوا له، بل أن تكون في صفه، أرادنا الله إرادة شرعية أن نكون أعداء له، بعضكم لبعض عدو، أنتم الشيطان أعداء أوعى تخرم هذا الميثاق، لكن أكثر البشرية راح دخل في صف الشيطان وترك عداوته وبالتالي لام لأن جهنم من الجنة والناس أجمعين.
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَْتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا. احنا في الدنيا ذكرناك وقلنا لك إنه علاقتك مع الشيطان علاقة عداوة فاتخذوه عدوا، مش هيك ربنا قال في سورة فاطر؟ أنت أصريت انك ترجع في صف الشيطان.
الله سبحانه وتعالى في آية 130 يامر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر، أنت كداعية أمام كل هذا العتو والاستكبار ما في أمامك إلا الصبر حقيقة والاستعانه بالصلاة والذكر، فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَمَنْ آنَاءِ اللَّيْلِ. احنا دائما نقول القرآن يخبرنا مفاتيح الثبات ثلاثة، ذكرها الله في سورة ق: فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ أَدْبَارَ السُّجُودِ. وفي سورة الطور ايش ختام سورة الطور؟ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ. ذكرها في سورة المزمل: فَاصْبِرْ عَلَىٰ ما يق، شيء في سورة المزمل، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا.
فالله عز وجل ذكر في سورة المزمل قيام الليل في أوله، قوم الليل وذكر التسبيح وذكر فاصبر، ها هي المفاتيح الثلاثة اللي دائما تكرر في القرآن مفاتيح الثبات لكل سائر إلى الله، ومن يتصبر يصبره الله، المحافظة على الذكر والأوراد فهذه أقوى سلاح يمتلكها الإنسان وقيام الليل. فرجع ربنا ذبه عليها في سورة طه: فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، وهذا دليل على أن أذكار الصباح والمساء، أن أذكار الصباح قبل طلوع الشمس بعد الفجر، وأذكار المساء قبيل الغروب لأن دائما القر وقبل غروبها وقبل غروبها، فهذا استنبط منه العلماء أن وقت أذكار المساء وقت الأصب الساعات الأخر الدقائق أو ربع ساعة الأخيرة قبل الغروب، وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ، قالوا العلماء: يعني قيام الليل.
ومن الأمور التي تعينك على الثبات أيضا أمام المغريات التي تحاول أن تصدك عن السبيل: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ. السائر إلى الله الداعية إلى الله قد يكون أحيانا سبب فساده أو تركه للطريق ليس تسلط الكفار عليه وتعذيبهم، لا، قد يكون صدك عن سبيلك مغريات الدنيا، أنه أنت تدعو صار لك فترة طويلة والكفار يتمتعون في الملهيات فأنت تضعف وتريد أن يكون لك من الدنيا ما لديهم. فالله يقول له: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، اللي هي الجنة، الدنيا تافهة، فكرش كثير اجت اجت ما اجت يعني لا تقلق، ورزق ربك خير وأبقى.
طيب، ايش أعمل؟ قال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا، شوف التعبير عن مش واصبر على الصلاة، واصطبر، يعني الصلاة محتاجة لجهد، الصلاة محتاجة لتعب، الصلاة محتاجة في خشوعها والمرابط عليها وانتظار الصلاة بعد الصلاة أعظم عبادة تؤديها يوميا وعليك أن تصاب عليها الصلاة وبدك تصبر حتى ياتيك الخشوع والانس واللذه فيها الصلاة زي القران سهل ممتنع ما بتعطيك برضه بسهولة الخش لا بد تتعب من أجلها لذلك ربنا قال: وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا، اتعب وصابر وجاهد نفسك على التمسك بالصلاة منهجا واسلوب.
ختام السورة يعني لا أطيل أكثر من ذلك، ختام السورة بعد كل هذه الجوله والمعركة في يعني تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم، تثبيت الصحابه، إرسال رسائل للكفار بقضية غרק فرعون. بعد كل هذا المشهد المثير الله عز وجل يختم سورة طه فيقول: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا، لأن هي سورة مكية وهي نشات أو نزل ضمن الصراع الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكفار، فكان لابد من هذه الختامات اللي دائما فيها إنذار وتهديد ووعيد: قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابِ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى، يعني رح تعرفوا من الذي كان في الدنيا على استقامة على صلاة على خير، ومن الذي كان فاسدا تائماً حائراً ضائعاً. جزاكم الله خير على هذا المرور الجميل على معاني هذا الجزء، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وأن يفقهنا وأن يعلمنا إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير، نلتقي إن شاء الله على خير في مجلس آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل