بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد في رحلة الإنسان في القرآن؛ نبحث عن ذاتنا في ثنايا كلام ربنا سبحانه وتعالى، ونتدبر رسالات الله عز وجل، ونرجو من الله أن يفتح على عقولنا وقلوبنا لنفهم هذه الرسائل لنصل إليها ثم لننطلق بها إلى فضاء العمل والتطبيق.
وصلنا إلى سورة مريم أيها الكرام، وصلنا إلى سورة مريم، وهي سورة الرحمات والبركات: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. سورة مريم في مطلعها الأول يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن كرمه وجوده ورحمته، ذكر الرحمة كيف يرحم الله عباده الموحدين الثابتين الصادقين الملتجئين الفزعين إليه. لذلك سنلاحظ القصة الأولى التي عالجتها سورة مريم قصة زكريا عليه السلام؛ كيف أن رحمة الله سبحانه وتعالى جاءته ووصلت إليه فحصل الذرية الطيبة مع أن الأسباب لم تكن متاحة بين يديه، كانت قد ماتت الأسباب، الرجل بلغ من الكبر عتياً والمرأة عاقر، فالله عز وجل أراد أن يريد أن يعلمنا وأن تصل إلينا هذه الرسالة: إذا أراد الله عز وجل أن يرحم عبده فانه عز وجل قادر على أن يفعل العجائب وقادر على أن يصنع الأشياء العجيبة ولو كانت الأسباب ميتة، كما هو الحال في قصة زكريا، أو حتى ولو لم تكن هناك أسباب كاملة كما هو الحال في قصة مريم في ولادتها لعيسى، فإن عيسى جاء من دون وجود أب أصلاً.
فالله عز وجل يرسخ هذه الفكرة في الإنسان، ويريد أن تتضح لديك: نعم، الكون يسير على قانون السببيه لتنتظم الحياة، لكن إذا أراد الله عز وجل أن يحدث أمراً وأن يتلطف بعباده فهو سبحانه وتعالى ليس محكوماً بسببية هذا الكون، هو سبحانه خالق السبب وقادر على أن يخلق الأشياء بدون سبب، وقادر على أن يحيي الأسباب الميتة، فهو المدبر وهو المتصرف وهو المتحكم في كل تفاصيل هذا الكون. ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، زكريا عليه السلام الموحد الذي كان يدعو ربه رغباً ورهباً كما في سورة الأنبياء، الله عز وجل منحه الذرية بعد أن كانت الأسباب ميتة مفقودة، الله عز وجل بعث الحياة من جديد في هذه الأسباب ليأتيه يحيى. فهذا مشهد عظيم من مشاهد الرحمة والاشتباء والخير والبركه والصنع العجيب من الله سبحانه وتعالى لعبيده الموحدين.
وهناك لفتتان طيبتان في قصة زكريا: اللفتة الأولى هي أن زكريا إنما صنعت له العجائب بعد إلحاحه في الدعاء، وهذا يعطينا قضية قضية مهمة، أن الدعاء يصنع العجائب، وأن العبد إذ نادى ربه نداء خفيا قال: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا، زكريا أخبرنا ربنا عز وجل أنه كان يدعوه رغباً ورهباً ولم يفتر عن الدعاء، لم يفتر عن الدعاء مع تقدم السن، مع ظهور بدايات الهرم، مع الاقتراب من الموت أكثر وأكثر، لم يفقد حسن ظنه بالله أن الله عز وجل يعطيه سؤله، كان كثيراً كثير الدعاء كثير الالتجاء عظيم الظن بربه، ومع الإلحاح حتى بعد أن فقدت الأسباب بقي يدعوها، حتى بعد أن فقدت الأسباب بقي يدعو وبقي ظنه عظيماً فأعطاه الله عز وجل سؤله بطريقة عجيبة وصورة مهيبة ليخبرنا عز وجل أن الدعاء يصنع كل شيء.
هذه فكرة أخرى أيضاً من أفكار قصة زكريا عليه السلام: أن الله عز وجل بدأ سورة مريم ببيان أن من علامة ضعف الإنسان وافتقاره حاجته إلى الولد، لذلك زكريا ماذا قال؟ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا، فطلب الإنسان للذرية والولد هو ناتج عن ضعف الإنسان، وانه يحب أن يورث يعني يحب إذا مات أن يكون هناك من يرثه ويحمل اسمه ويخلفه في هذا الكون. وفي نهاية سورة مريم الله سبحانه وتعالى نزه نفسه عن الولد تنزيهاً عظيماً وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئاً إداً تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً.
إذأ بدأت قصة أو سورة مريم بطلب الولد، وانتهت سورة مريم بتنزيه الله عن الولد. نعيد هذه الفكرة: بدأت سورة مريم بطلب الولد يحيى، زكريا يطلب ولداً، وانتهت السورة بتنزيه الله عن الولد. فالله عز وجل يريد أن يخبر زكريا لماذا يطلب الولد؟ لأنها صورة من صور الضعف الإنساني والافتقار الإنساني أنه يحتاج إلى ولد وذرية يتكئ عليه وهو كبير ويحمل اسمه بعد موته: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ. واما الله سبحانه وتعالى الأحد الصمد القدير الأزل المستغني عن كل شيء، والدائم الذي لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد، هو ليس مفتقراً إلى ولد، فمن أعظم الشتائم ومن أعظم الاستنقاص لله سبحانه أن تدعي حاجة الله إلى الولد. ولذلك ختمت سورة مريم بتحذير الإنسان من أن يعتقد هذه العقيدة: العقيدة النصرانية حيث يعتقدون أن عيسى ابن الله، والعقيدة اليهودية حيث يعتقدون عزير ابن الله، والعقيدة القرشية الكفرية حيث اعتقدوا أن الملائكة بنات لله سبحانه وتعالى؛ كل هذا من صور الكفر العظيم والاستنقاص لله رب العالمين. طيب، فهاتان فكرتان سريعتان في قصة زكريا؛ وهي أن الدعاء صنع العجائب وأن طلب الولد هو شكل من أشكال الضعف الانساني.
بعد أن ذكرنا رحمة الله عز وجل لعبده زكريا وكيف أنه أعطاه ذلك الولد البار الذي هو يحيى: وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ، أعطانا الله عز وجل صورة رحمة أخرى من رحماته وصنع عجيب من صنعه، وهي مريم مريم البتول العفيفة الطاهرة المطهرة، كيف يأتيها جبريل وهي في حجرتها فينفخ الذرية في فرجها فتحمل عيسى ابن مريم. وفي ثنايا هذه القصة أيضاً العديد من الرسائل، كان من مقاصد هذه القصة بيان كيف خلق عيسى ابن مريم، وفي هذا رد على النصارى الذين يزعمون أن عيسى ابن لله، الله عز وجل بين كيف خلق عيسى بياناً واضحاً شافياً في هذه السورة، التفاصيل منذ البداية منذ أن كانت مريم في حجرتها إلى أن خرج عيسى إلى أن ذهبت مريم إلى قومها، وكيف اتهمها قومها بالفحشاء وكيف الله سبحانه وتعالى أرى بني إسرائيل آية عظمى من آياته وهي كلام عيسى ابن مريم في المهدي.
وعيسى ابن مريم نموذج على صنع الله العجيب أيضاً، كيف أن الله عز وجل خلق عيسى بدون السبب أصلاً، يعني لسه ولادة يحيى كان السبب موجود، هناك أب وهناك أم لكنهما كانا كبيرين في السن فأعاد الله عز وجل الحياة في تواصلهما لينتج يحيى، لكن في قصة عيسى الصنع العجيب أعظم وأعظم، فإن عيسى جاء بدون أب، بدون فكرة التلاقح بين الرجل والمرأة، وهذا يدل على أن الله يصنع العجائب وأن الله عز وجل إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه. فنحن نحن وإن كنا نفكر ضمن دائرة الأسباب لكن سورة مريم تعلمنا عقيدة وتوصل إلينا رسالة أن الله سبحانه وتعالى صنعه فوق الأسباب، ويجب دائماً أن تكون أيها الإنسان فقط تنظر إلى الأسباب الحسية فإذا فقدتها فقدت ثقتك بالله، بل عليك أن تعرف أن الله سبحانه وتعالى قدرته فوق الأسباب الحسية ولا يوجد ما يؤطره أو يحصره أو يحول بينه وبين فعله العجيب سبحانه وتعالى.
ثم ختمت السورة ببيان ما كان لله أن يتخذ من ولد، شوف سبحان الله كيف تناسب بداية السورة مع نهايتها، ذكر قصة عيسى ابن مريم هنا بهذا التفصيل العجيب نفس ما ورد معنا في قصة زكريا، كما أنها تدل على صنع الله العجيب وأن الله يصنع الأشياء خارج الأسباب، كذلك تدل على فكرة عظيمة في أمر عيسى أن الله أراد أن يبين أن عيسى ليس ابناً لله، أن عيسى ليس ابناً لله: مَّا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَّلَدٍ. وتذكروا ختام سورة مريم: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا لَّقَد جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. في ترابط في الأفكار واضح.
طيب، بعد ذلك نذهب إلى إراهيم عليه السلام؛ ذاك النبي الصابر المصابر في الدعوة، والذي دعا أقواماً كثر؛ دعا إبراهيم والده، دعا الصابئة الذين كانوا يعبدون الشمس والقمر والنجوم والكواكب، دعا النمرود. إبراهيم عليه السلام قصص كثر وناقش أناس كثر، وكان رمزا للصبر والثبات وتحمل الأذى في سبيل الله. انظروا إلى هذا الحوار الراقي والأدب الجم بينهم وبين والده وهو يقول: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، شوف يا أبتي، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءني مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ. تعلم من إبراهيم أدب النقاش والحوار حتى مع الكافر: يا أبتي لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان الرحمن، يا أبتي إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن.
هنا الوالد للأسف أصر على موقفه وقال لابنه لئن لم تنتهي لأرجمنك، فالولد لم يجد إلا أن يترك والده وحاول أن يستغفر له لكن الله نهاه عن ذلك، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا. الدعاء الذي يصنع العجائب رسالة تصل إلينا في سورة مريم بصورة بارزة، نفس الكلام الذي قاله زكريا: وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، قاله قبله إبراهيم عليه السلام: عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا. وفعلاً الله سبحانه وتعالى منحه ورحمه وكافاه، فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا. إذاً هي الرحمة الإلهية على عبيده المؤمنين الموحدين الثابتين، نعم المؤمن يبتلى المؤمن يثبت أمام البلاء ويصابر ويبقي حسن ظنه بالله قائماً وعندئذ خذ من الله العطايا، خذ من الله الرحمات، خذ من الله الكرامات، وخذ من الله عز وجل طمأنينة القلب والفؤاد.
أيضاً من رحمة الله عز وجل موسى أنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبياً: وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا. الرحمة مرة أخرى تتجلى كيف أن الله رحم موسى، موسى كان يتمنى أن يكون معه أخوه هارون يساعده في دعوته، فالله عز وجل قال: خذ هارون وليكن معك وسنجعل هارون نبياً أيضاً ومرسلاً، ورحمة الله عز وجل واجتباه وأكرمه بمناجاته عليه السلام.
واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاه وكان عند ربه مرضياً، ويكفي هذه الرحمه يعني لو سألتني ما هو التميز في قصة إسماعيل هنا؟ يكفيه تميزاً وشرفاً وعلياء أنه كان عند ربه مرضياً، ماذا يريد أعظم وأكثر رحمة من أن الله عز وجل أنزل عليه الرضا وجعله من عباده المرضيين المقبولين المصطفين.
كذلك إدريس: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. إلى أن تختم المشهد، هذه الآية ثمانية وخمسون ستختم المشهد: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. أنعم لاحظ إذا كل السياقات السابقة قصة زكريا، قصة عيسى مع أمه، قصة إبراهيم موسى إسماعيل إدريس، هي نماذج من نماذج الذين أنعم الله عليهم ممن يسير على طريقة التوحيد وعلى خطى أهل الإيمان، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا. إذا هي سلسله النور ابتدات من آدم إلى من حملوا مع نوح في السفينة فنجوا من الطوفان إلى من جاء من إبراهيم، وإبراهيم انقسم الناس إلى إسرائيليين من نسل إسحاق وإلى عرب من نسل إسماعيل، وكل هؤلاء كان منهم من هداه الله واجتباه واصطفاه.
ما صفة عباد الله المجتبين؟ ما القاسم المشترك بينهم؟ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرَّاً سُجَّدًا وَبُكِيًّا. هذه سمة عامة في الذرية الصالحة، في ذرية إبراهيم الصالحة الذين هداهم الله واجتباهم، السمة العامة في أهل الإيمان في أهل التوحيد الإخبات والخشوع والهيبة والاجلال لربهم سبحانه وتعالى: إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرَّاً سُجَّدًا وَبُكِيًّا. هذه السمة العامة في ركب النور الذي بدأ من آدم وما زال هذا الركب يسير في الإنسانية، ونسأل الله أن نكون منهم.
في المقابل هناك إذا من هداه الله واجتباه فسار في ركب النور وسار على خطى الأنبياء، ولكن هناك خلف سيء حاد عن المنهج وخرج عن السكة فهؤلاء توعدهم الله: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ. استهتار بالصلوات وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ. تمردوا عن الله سبحانه وتعالى ولم يسيروا على خطى الأنبياء، لم يسيروا على خطى الأنبياء، اتبعوا أهوائهم اتبعوا شهواتهم، فهؤلاء فسوف يلقون غياً.
ثم سبحانه يفتح المجال أمام هؤلاء العصاة وأمام هؤلاء الفاسدين لعلهم يفكرون، لعلهم يفكرون يوماً بالتوبة، فيقول: وأنتم أيها العصاة الذين أتوعدكم أنتم أيضاً أفتح لكم المجال للعودة مادمتم على قيد الحياة: إِلَّا مَن تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا إلى آخر الآيات.
قال وما تنزل إلى آخر الآية أربعة وستين: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ. هنا النبي صلى الله عليه وسلم كان يطلب في تلك المرحلة من مكة كان يطلب من جبريل أن يكثف النزول عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستانس بجبريل ويستانس بآيات الله التي تثبته. فجبريل قال له يا محمد صلى الله عليه وسلم: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ، الأمر والقرار ليس بأيدينا وإنما القرار بيد الله سبحانه وتعالى، ولكن كن واثقا يا محمد: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. إذا تلاحظ هذا الختام هنا: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. ربنا مش رح ينساك، ربنا مش حيتركك.
النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان محتاجاً لسوره مريم من بدايتها حتى يعني يطمئن قلبه وفؤاده ضمن معمعة الدعوة وصخب الحياة الدعوية وأشكالاتها ومنافحتها، النبي صلى الله عليه وسلم كان محتاج ليسمع ذكر رحمة ربك عبده زكريا كان يحتاجها لأنها ستثبت.
قلبه كان يحتاج النبي صلى الله عليه وسلم، يسمع قصة عيسى وكيف خرج بصورة عجيبة. النبي صلى الله عليه وسلم كان محتاج يسمع قصة إبراهيم وكيف ثباته في الدعوة، وأن الله عز وجل اجتباه واصطفاه ورحمه. كان يحتاج سماع قصص الأنبياء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان في تلك الفترة في دعوة مكة يعاني من اضطهاد شديد، ويعاني من قلة السائلين معه وتكالب الأمم عليه. فكانت هذه القصص تنزل على قلبه بلسمًا شفاءً مثبتًا.
وهكذا هذه القصص لكل الدعاة والموحدين ولكل الذين يسيرون على خط الأنبياء، تذكروا رحمة الله عز وجل في هذه القصص فهذه الرحمة تصيبكم والله، وتذكروا ختام الآية 64: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. ربنا ما بيساك إذا كنت موحدًا صادقًا ثابتًا مكافحًا مرابطًا، إياك أن تسيء الظن بربك، وما كان ربك نسيًا.
طيب، ماذا أعمل يا رب حتى أبقى قويًّا حتى أبقى ثابتًا على الرغم مما يحيط بي؟ انظر الآية التي بعدها: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ. هذا الذي عليك أن تلازمه، ثغر العبودية، لازم عتبات العبودية، وستجد الله عز وجل يعطيك العجائب. فاعبده مش فقط فاعبد، فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ يعني بدك تتكلف وتتحمل الصبر على العبودية.
عندئذٍ تأتيك هذه الرحمات العجيبة التي مرت معنا في قصة مريم وفي قصة زكريا وفي قصة إبراهيم، فهؤلاء إنما جاءتهم الرحمات والبركات والخيرات نتيجة وثمرة لماذا؟ لاصطبارهم في مقامات العبودية لله سبحانه وتعالى.
الآن انتهى ذاك المشهد من سورة مريم آية 66، مشهد نعود إلى أرجاء مكة؛ الكفار يشككون في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، يشككون في الدار الآخرة، يشككون في نصرة الله عز وجل لنبيه، وتفاخرون أيضًا، يشعرون بالاستعلاء والاستغناء أنهم أهل لأن ينزل عليهم الخير، وأهل لأن تكون لهم الدنيا والآخرة ولأن تكثر أموالهم وأولادهم. هي شبهات تتكرر في أكثر من سورة، وكان لا بد أن تعالجها سورة مريم تنبيهًا وتذكيرًا.
فقال سبحانه: وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا. شوف هنا عبر بكلمة الإنسان مع والمراد هو حقيقة هنا الإنسان الكافر؛ لأن الإنسان المؤمن لا يشكك في البعث، لكن الإنسان الكافر يشكك في البعث. فلماذا لم يقل ربنا هنا في هذه الآية: ويقول الكافر إذا ما مت؟ لماذا قال: وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ؟
كان هنا تذكير له بأصل خلقته، يعني هذا الإنسان الذي كان في يوم من الأيام عدمًا وكان لا شيء، وأنشأته من العدم وأوجدته، هذا يناقشني في قدرتي على البعث؟ فاختيار كلمة الإنسان هنا ستكون أفخم من اختيار كلمة الكافر؛ لأنها تذكير للانسان بأصل خلقته.
أنت أيها الإنسان الذي كنت عدمًا وأصبحت إنسانًا موجودًا تشكك في البعث وتقول: أإذا ما مت؟ طب ما أنت كنت إنسان عدم وأصبحت إنسانًا تدب على الأرض. والإنسان اختلف في اشتقاقها، فبعضهم قال: الإنسان مشتق من الأنس وهو الظهور بخلاف الجن، فكان الأنس خلاف الجن، الجن تدل على الاستتار والأنس يدل على الظهور. أنت إنسان، يعني أنت أيها الظاهر بعد أن كنت عدمًا، أنت أيها الموجود بعد أن كنت عدمًا، تأتي تقول: أإذا ما مت لسوف أخرج حيًّا؟ ما أنت كنت عدمًا وأصبحت حيًّا! طيب، ما مشكلة أن تعدم مرة أخرى وتخرج حيًّا؟ ما المشكلة لديك؟
أولا يذكر الإنسان، شوف ربنا يذكره بانسانيته، أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا. فهو ربك، هؤلاء يعني الذين يشككون في البعث وقدرة الله على البعث، لا يمتلكون أي منطق وعقل سوي في التفكير. واضح أنه فقط مماحكة مجادلة لا قيمة لها.
الذي خلقك أول مرة يعجز عن إعادتك مرة أخرى؟ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ إلى آخر الآيات التي توعدهم الله سبحانه وتعالى بها بسبب تكذيبهم لقضية البعث.
ثم يخبرنا أيضًا سبحانه عن مشهد آخر من مشاهد كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وكيف كانوا يستقبلون الآيات البينات: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا. من هو أحسن ندي؟ مين مين أحسن انت، احنا ولا انتم؟
طبعا الكفار عبر تاريخ الرسل دائما تجد المترفين وأصحاب الغنى يغلب عليهم الكفر، ودائما كانوا يشعرون بالاستعلاء على الطبقة الضعيفة التي هي في العادة التي تؤمن بالأنبياء. لذلك في كثير من السور: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا. نوع شعور الطبقة المترفة بالاستغناء والاستكبار الداخلي.
ويقولون للمؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم: أينا معه أثاث أكثر؟ أينا ناديه وجمعه أكبر؟ يعتقدون أن المقاييس هكذا بالدنيا. يعتقدون أن رفعتك وعزتك وقوتك أن يكون عندك جمهور أكبر، أثاث، مكنى، معدات، آليات، سيارات، دبابات، فخامة. يظنون أن المقاييس عند الله عز وجل باعتبار القدرة المادية، ولا يعرفون أن الله عز وجل يصنع العجائب مع فناء الأسباب وعدم وجودها.
فالله عز وجل يريد أن يرسل رسالة لكفار قريش: أنتم عم بتقولوا للصحابه: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا؟ طيب، كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا؟ أنتم بتتذكروا قوم عاد؟ بتتذكروا قوم ثمود؟ بتتذكروا الاقوام السابقين؟ طب ما هم كانوا كعدد وعده وقوة وطول وعرض وجبروت في الأرض أحسن أثاثًا وأحسن رؤية منكم، ومع ذلك دمرهم الله عز وجل وأبادهم!
فهل تظنون أن الامور عند الله تقاس بالأشياء الحسية وبالأمور المادية؟ وهذا كلام يقال للكفر اليوم. الكفر اليوم يتجبر بالتكنولوجيا، يتجبر بمعداته وجيوشهم وجبروتهم، يظنون أن الحياة هكذا ستبقى الأمور مادية، والذي معه عدة وعتاد أكثر هو الذي ينتصر، واللي معه سلاح أكثر هو الذي ينتصر. فنرسل الله عز وجل يرسل لنا رسالة: الأمور عند الله ليس كذلك.
كيف الأمور عند الله؟ انظر في آية 75: قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا. هذه سنة ذكرناها في سورة الأنبياء وتعود تتكرر معنا في سورة مريم: الله عز وجل يملي ثم يأخذ، الله يملي للفاسدين ويمدهم ويعطيهم أسباب القوة الدنيوية أيضًا، ثم سبحانه وتعالى يستدرجهم إلى أن يبيد خضراهم.
فهنا قال سبحانه: قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ، الإنسان الكافر الفاجر فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا، خليه ياخذ، والله هو الذي يعطيه، الله يراقبه ويعطيه ويجعله يزداد غيًا، لكن ستاتي ساعة الصفر كما يقولون: حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ، إما العذاب في الدنيا أن ينزل الله عز وجل عليهم عذاب يستاصل شافتهم كما انزل على الأمم السابقة ريح صرصار أو طوفان البحر حار أو ما شابه ذلك، حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب في الدنيا وإما الساعة أو يوم القيامة.
يعني سواء جاءهم العذاب في الدنيا فاستاصلهم قبل أن يأتي يوم القيامة، أو حتى لو فرضا فرضا لم يأتهم عذاب في الدنيا وأجل عذابهم ليوم القيامة، في كلا الحالتين سيعرف الكفار كم كانوا حمقاء وكم كانوا أشقياء عندما كانوا يقارنون مع أهل الإيمان بالأدوات والأمور الحسية.
عندما كانوا يقولون: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا، عندما يرون جنة عرضها السماوات والأرض وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ويرى أهل ويرون أهل الإيمان وهم يتنعمون فيها، وفي المقابل يرون الجحيم والزقوم والماء الذي يشوي الوجوه سعيرًا، سيدركون أنه ما في مقارنة، ما في مقارنة بشكل من الاشكال بين عالم الدنيا وعالم الآخرة الذي كانوا يكذبون.
هنا أيضًا السورة تكلمت عن نموذج من نموذج طغيان كفار قريش، ودائما تذكر حتى تعيش أجواء السورة لا بد تكون الآن أنت تعيش في أرجاء مكة، تتخيل نفسك تعيش في أرجاء مكة وتسمع الحوارات التي كانت تدور بين الملأ كفار قريش الصحابة المستضعفون، هنا النبي صلى الله عليه وسلم، هنا تسمع الكلام وتحاول أن تعرف كيف عالج القرآن النقاشات حتى من الناحية النفسية.
أحد كفار قريش، يعني الوليد بن المغيرة أو أحده، نسي اسمه هنا، كان يقول: لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا. وهذه قضية كثيرا ما تكررت على ألسنة الكفار وهي الشعور أنهم أهل لأن ينعم عليهم، الشعور بأنهم أهل، ليس لا يعتقدون أن عطاء الله لهم فضل وكرم وجود، لا، يعتقدون أن عطاء الله لهم هو أهل هم أهل له، يستحقونه لأنسابهم ومحتدهم وجود منسبهم. يعني يظنون أنهم أهل ويعتقدون أنهم يستحقون هذا العطاء، ومع ذلك يستكبرون عن آيات الله سبحانه وتعالى.
فيقول الله: انظر إلى هذا الشخص الذي هو يكفر باياتنا وفي نفس الوقت يثق بنفسه كثيرًا ويقول: لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا، أَطَّلَعَ الْغَيْبَ فعرف أن الله سيكرمه ويرفعه لاستحقاق لذلك؟ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا؟ يعني الله عاهده أنه سيكرمه؟
كلا، الموضوع مش زي ما هو بفكر، الامور ليست هكذا، سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ من الكفر ومن شعوره بالاستحقاق والاستغناء، وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا، يعني العذاب سياتيه مددًا بعد مدد، وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ، رح نشيله هو وكل الأشياء اللي بفكر أنه رح ياخذها، وَيَأْتِينَا فَرْدًا لحالُه يوم القيامة سنستفرد به ويرى شدة عذاب الله سبحانه وتعالى.
هنا يعني السورة تكلمت عن أن الله عز وجل يتوعد الكافرين: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا.
يهمني هنا المشهد الأخير، وهو المشهد الذي يتناسب مع بداية السورة: قضية وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. هذا ختام السورة الذي يتناسب مع قصة زكريا وقصة عيسى بن مريم. ادعاء الولد لله، الولد ضعف، فلا يمكن أن يكون الله ضعيفًا. وعيسى بن مريم ليس ابنًا لله، والملائكة ليست بنات لله، وعزير ليس ابنًا لله. ترى هذه أعظم كذبات التاريخ، أعظم كذبات التاريخ التي افتراها الانسان على خالق الاكوان أنه ادعى لله الديّان ولدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. أن تدعي لله الولد، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا.
هل هناك إنسان عاقل يدعي لله الولد؟ هل هناك إنسان عاقل يتهم ربه بالنقص والضعف؟ لذلك أيها الكرام، إياك، إياك أنك في يوم من الأيام تقول أن النصارى يدخلون الجنة، أو انك تاتي لشخص نصراني وتقول: الله يرحمه، إذا مات على النصرانية! ترى اخواني، بعض الناس لا يعرف ماذا يقول؛ الله عز وجل يقول: الذين يقولون إن لله ولد كلامهم تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض! يشتمون الله، الذين يقولون لله الولد يشتمون الله.
فلا تجي تقول لي، برجع هذه فكرة ركزت عليها في درس ماضي وبرجع بقول: إنه بعض الناس اليوم متاثرين بالحياة الانسانوية أن الدين على جنب، وأهم شيء الأخلاق الحياتية، ويقول لك: يا اخي، والله هذا النصراني مؤدب واحنا مات وكان اخلاقه منيحة ويدافع عن قضايا المسلمين، ندعو له بالرحمة.
أنت تعرف أن هذا النصراني الذي يعني كان يتكلم عن القضايا العروبية والقومية أو ما شابه ذلك أو عنده أخلاق، هل تعلم أنه يشتم الله؟ هل تعلم أنه يشتم ربك؟ هل تعلم أنه يقول كلامًا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًّا؟
ليس نحن من يحدد الإنسان الجيد من غير الجيد، الله سبحانه وتعالى هو الذي يضع معايير من هو الإنسان الصالح من غير الصالح. فالانسان مهما كانت اخلاقه دمثة في المجتمع، لكنه يشتم خالق الاكوان ويفتري عليه ويدعي له ما تكاد السماوات والارض تنشق منه، هذا إنسان أسوأ إنسان أدبًا وأسوأ إنسان في هذا الوجود؛ لأنه يشتم ربه ويستنقص من قدره.
هكذا القرآن يبني العقيدة في نفوسنا، ويبني سلم الأولويات، ويبني نظرتنا أيضًا للآخرين. اليوم الناس اللي بترحموا على اليهود والنصارى وبيتعاملوا معهم كأنهم يعني الخلاف بيننا وبينهم خلاف ديناميكي، يعني خلاف آيات، ألا يعرفون أنهم يمشون على خلاف طريقة رب العالمين، وعلى طريق مخالف تمامًا لما يرسخه القرآن؟ هذه فائدة اخواني، تدارس القرآن يرتب أولوياتك، يرتب أفكارك، يرتب نظرتك وتوازناتك وعلاقاتك وعقيدتك، كل شيء نتعلمه من القرآن، من قدمه الله يقدم، ومن انزله الله ينزل، من رفعه الله هو الذي يرتفع ومن خفضه الله يخفض. ليس نحن من يحدد المعايير، الله هو الذي يحدد، يحدد المعايير سبحانه وتعالى.
ثم يختم سبحانه بتبجيل كتابه، وهذه عادة أن السور إما أن تفتح بتعظيم الكتاب أو تختتم بتعظيم الكتاب. فقال سبحانه في ختام هذه السورة: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ. هذا الكتاب العظيم يسره الله على لسان نبيه الكريم لماذا؟ قال: لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا. القوم اللد هم القوم كثير الخصومة والجدال. فالله يخبر أن وظيفة القرآن هنا سورة مريم جمعت بين ذكر الوظيفة إلى القرآن: البشارة لأهل الإيمان، والنذارة للذين يجادلون في آيات الله.
والذين يجادلون في آيات الله نرجع، رجع من ذكرهم: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا؟ شوف الختام المهيب والرسالة الواضحة للكافرين والمعاندين للنبي صلى الله عليه وسلم. كل الأمم التي أهلكتها سابقًا، هل تسمعون لهم صوت؟ هل هناك أدنى صوت يسمع لهم اليوم؟ ذهبت الأصوات وذهبت الأجساد والكل الآن تحت التراب ينتظر البعث للديان سبحانه وتعالى.
هذا هو النهاية الرهيبة التي يريب يسمعها كل إنسان مستكبر مستعلي على ربه. تذكر أن جبابرة كثر مروا على الأرض وأنهاهم الله، فلن تعجز الله سبحانه وتعالى.
انتهت سورة مريم. ننتقل الآن إلى سورة الكهف. سورة الكهف ربما سهلة عليكم؛ كونكم كثيرًا ما يعني تقرءونها، خاصة في يوم الجمعة لسنية قراءتها في يوم الجمعة. هذه السورة ابتدأت بتعظيم القرآن، ابتدأت بتعظيم القرآن: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ
على عبده الكتاب، يعني الله عز وجل من أعظم الأمور التي يثنى عليها الحمد هو الثناء على الله، أعظم الأمور التي عليك أن تحمد الله عز وجل عليها هو أنه أنزل عليك هذا الكتاب، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ. دائما في دعائك قل: الحمد لله على نعمة القرآن، أي والله، الحمد لله أن هناك بين أيدينا شيئاً يربطنا بربنا سبحانه وتعالى. الحمد لله الذي أوجد على هذه الأرض كلاماً خرج من الرب سبحانه وتعالى، هذه عظمة هذا الكتاب الذي تقرأونه وتتلونه في رمضان وفي غير رمضان، إنه كلام صدر من الله، وهذا هو الذي من أبرز الأشياء التي يجعل لها أثر ووقع في قلبك، أنك أنت على هذه الأرض. نحن اليوم بحمد الله، صحيح انقطعت الرسل والرسالات عنا، لا يوجد رسول بين أيدينا، لكن يوجد بين أيدينا كلام من الله، يوجد بين أيدينا كلام ليس من الأرض، كلام نزل من فوق سبع سماوات وهو الآن بين أيدينا ونحن نجد القدرة على قراءته. والله فعلاً الحمد لله، الحمد لله الذي أذن لنا أن نقرا كلامه، الحمد لله الذي منّ علينا أن أوجد بيننا وبينه وصلة، إذا قرأناها فنحن نوقن أن هذا الكلام الذي نقراه قاله ربنا سبحانه وتعالى قبل أن نقوله نحن. ما أعظم هذا الشعور الإنساني وما أجمله وما أبهاه أن يشعر بوجود وصلة بينه وبين ربه!
وسورة الكهف ابتدات بما اختتمت به سورة مريم، سورة مريم بماذا اختتمت؟ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدّاً. افتتحت سورة الكهف: قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ. شوف الختامات والبدايات المتشابهة والمركزة، والتي تعيد التركيز على وظيفة القرآن، إذن القرآن يجب أن يكون بشارة لك لما يذكره من مآل المؤمنين، ويعرض لك خوفاً وقشعريرة لما يذكره من مآلات العصاة والكافرين. طيب، وأيضاً جاء، إذن هو لينذر عموم الكفار، ثم ينذر صنَفاً معيناً من الكفار، تم تخصيصهم بالذكر ولما يتناسب مع سورة مريم التي بعدها لما قال في آية أربعة: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، يعني هذا القرآن جاء ينذر الكفار عموماً، وجاء ينذر نوع معين من الكفار محدد هم الكفار الذين ما زالوا يصرون على شتم رب العالمين والعياذ بالله واتهام الله أنه يحتاج إلى ولد، سواء كفار قريش الذين كانوا يقولون البنات الملائكة بنات لله، أو النصارى الذين يقولون عيسى ابن الله، أو اليهود، أو غير ذلك من الأمم، فإن الذين ادعوا لله الولد كثر والعياذ بالله.
فالله يقول: هذا القرآن وإن كان ينذر الكافرين عموماً، لكن فيه رسالة تهديد خاصة لهذا الصنف. طيب، مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ. ادعاء الولد لله هذه من جيوبكم ومن بنات أفكاركم وشياطينكم، ليس لكم بها علم ولا آبائكم بها علم. ثم سبحانه وتعالى يعظم هذه الكلمة، كم هي كلمة قبيحة! كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، يعني ما أكبرهار ما أقبحها، ما أمقتها، ما أصعبها، إِن يَقُولُونَ إِلَّا كِذْباً.
طيب، هون الآن بدأت سورة الكهف في موضوعها الرئيس، سورة الكهف هي سورة تتكلم عن مفهوم التمكين. وحتى أختصر عليكم الكلام في سورة الكهف، أقول إن سورة الكهف رسخت قضية عامة في حياة المسلم يجب أن تزرع فيه، وهو أن الإنسان المسلم عليه أن يمكن لدين الله سبحانه وتعالى على حسب قدرته وعلى حسب موقعه. سورة الكهف أيها الكرام ورد فيها أربعة قصص: القصة الأولى قصة أصحاب الكهف الفتية الذين آمنوا بربهم وزدناهم هدى واعتزلوا في كهف عندما رفضهم قومهم. القصة الثانية قصة صاحب الجنتين؛ أحدهما كان كافراً مستغنياً والآخر كان مؤمناً موحداً، فنصح الموحد صاحبه الكافر. القصة الثالثة قصة موسى مع الخضر، والخضر الرجل الذي مكن الله له فكان يصنع الأفعال العجيبة وكان موسى يتعلم منه. القصة الرابعة والأخيرة قصة ذي القرنين الملك الذي كان ملكاً على كل الأرض شرقاً وغرباً واعطاه الله المكنة.
سورة الكهف من، عفواً، سورة الكهف من خلال التدرج في هذه القصص تخبر الإنسان المسلم بقضية مهمة مركزية في حياته: مطلوب منك أن تمكن لهذا الدين على حسب موقعك وعلى حسب قدرتك. فبدأت بأضعف صور التمكين، أضعف صور التمكين التي يمكن أن تبذلها أيها الإنسان أن تكون كأصحاب الكهف؛ إنسان مؤمن موحد يعيش في مجتمع فاسد كثر فيه الفساد والطغيان وتخاف من أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتنصح وتغير لأن القوم يتوعدونك بالقتل والإنهاك ولا يقبلون منك البتة. فهنا من صور التمكين، وهي أضعف صور التمكين لكنها مقبولة عند الله، أنك إذا كنت في مجتمع وبيئة فاسدة، في أسرة فاسدة، في عشيرة فاسدة، في بلد فاسد، أقل صور التمكين أن تغادر هذا المكان الفاسد الذي لا تستطيع أنت أن تغير فيه لا بلسانك ولا بيدك، وتعتزله وتذهب بعيداً بعيداً. من هنا أنت مكنت للدين، اعتزال القوم الفاسدين أو اعتزال البيئة الفاسدة هو تمكين للدين من عدة جهات.
أولاً: لأنك إذا اعتزلت القوم الفاسدين سيصبح يعرف أن فلان ترك أسرته الفاسدة أو بلد الكفر أو مكان الفساد عموماً لأنه لا يرتضيه، أنت، أنا يا رب مش قادر أحكي معهم، لكن اعتزالي هو بحد ذاته رسالة، أليس كذلك؟ أنت مش قادر توصل رسالة بلسانك، خايف، لكن مجرد اعتزالك وخروجك من البيئة هي أعظم رسالة، أعظم رسالة أنك ترفض الكفر، ترفض الفساد، ترفض أن يعصى الله وتكون مقيماً بين القوم الفاسدين. لذلك أيها الكرام لما نقول للإخوة عن حرمة الإقامة في بلاد الكافرين ووجوب الهجرة إلى بلاد الإسلام، بعض الناس بيجي بيقول لك: يا أخي بس هيني أنا قاعد في بلاد الكفار في أمريكا وبريطانيا وكذا، عم بمارس عبوديتي الشخصية وأموري مثلاً تمام. طبعا كل هذا الكلام أنا ناقشته كثيراً في دروس كثيرة، لكن ما خطر في ذهني أنه مجرد خروجك من بلاد الصليبيين والكفار وهجرتك إلى بلاد الإسلام هي بحد ذاتها رسالة، رسالة أنت توصلها لتلك الديار: أنني لا أقيم بين ظهراني أمم كافرة، لا أقيم في مجتمع كافر، هذه رسالة الله سبحانه يطلب منك أن تؤديها. ما تقول لي أنا محافظ على ديني، وأنا هي أولادي يصلّوا والحمد لله، يعني غير الكلام، تنحنُح، الفاضي هذا الذي تقوله أنه عليه علامات استفهام، أنا بس بدي أوصل لك رسالة أن الله سبحانه وتعالى يريد من المسلم إذا كان يعيش في مجتمع كافر فاسد ولا يستطيع أن يغير من منظومة هذا المجتمع الفاسد الكافر لأن الكفار يملקים زمام الأمور شمالاً وجنوباً وفوقاً وأرضاً وسماءً، أن يعتزل هذا المجتمع ويخرج منه. تقول: طيب يا شيخ، أنا بقيم فيهم بدعوهم للإسلام! يا أخي، ادعوهم من بلدك، ادعوهم بكل الطرق، ما في داعي تدعوهم إلا أنك تعيش بين ظهرانيهم وتربي أولادك في مدارسهم وجامعاتهم وأفكارهم؟ أنت بتضحك على نفسك في هي الفكرة فقط، هذا كلام سريع استطرادي، برجع إلى موضوع ما أنا فيه.
فاذا اعتزال القوم الفاسدين هو تمكين، لأنك باعتزالك توصل رسالة، أنت هنا مكنت للأفكار، يسمى هذا تمكين أفكار، أنت مكنت للفكري أنك أشعرت الفاسدين أنك لا تجانسهم ولا تخالطهم ولا تؤكلهم ولا تعيش بين ظهرانيهم. ولذلك انظر بركة أصحاب الكهف وتمكينهم للأفكار كيف استمر لأجيال لاحقة! أصحاب الكهف لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً. بعد ثلاثمائة وتسع سنوات الله أحياهم من كهفهم وعادوا إلى القرية التي كانت كافرة، وعاد فيها أجيال الأجيال اللاحقة. لاحظ الأجيال اللاحقة التي تعاقبت على قريتهم كانوا يتحدثون بينهم أن هناك مجموعة من الشبان حدثنا أجدادنا عنهم أنهم كانوا يعيشون بين ظهرانيهم وذهبوا إلى كهف واعتزلوا الناس. شوف القصة كيف بتنتقل للأجيال، قصة الثبات كيف انتقلت للأجيال اللاحقة! هؤلاء أهل القرية، هؤلاء أهل القرية، إيه كانوا الجدد، طبعا هذا الجيل الجديد منهم كان آباؤهم يحدثونهم أن هناك شباباً كانوا يعبدون الله وحده، لم يستطيعوا أن يبقوا بين ظهراني مشركين فذهبوا إلى كهف واعتزلوا فيه. بقيت هذه الفكرة في عقود الأجيال وقصة روى لما بعث الله أصحاب الكهف وراهم الأجيال اللاحقة تعجبوا وازداد رسوخ العقيدة في قلوبهم أن أراهم الله هذه الآية العجيبة، كيف أن هؤلاء لأنهم كانوا مؤمنين موحدين حفظ الله أجسامهم وأبدانهم أكثر من ثلاثمائة وتسع سنوات، لذلك قال سبحانه في آية واحد وعشرين في سورة الكهف: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
لماذا أحيا الله أصحاب الكهف بعد ثلاثمائة سنة؟ حتى يعرف الناس أن وعد الله حق، وأن الله هو الذي يدبر لهذا الدين وهو الذي يمكن للأفكار. أصحاب الكهف عملوا اللي عليهم، هذه كانت قدرتهم في التمكين، هذه كانت قدرتهم في التمكين جزاهم الله خيراً، ووصلت رسالتهم للأجيال اللاحقة أن الله سبحانه يحمي الموحدين ويحمي أصحاب العقائد الحقة، جزاهم الله خيراً. تمام، وهذه رسالة برسلها لكل إنسان بيعيش مع ضمن أسرة فاسدة أو مجتمع فاسد: احذر أن تبقى بين ظهرانيهم، بقاؤك بين ظهرانيهم إضعاف للدين، تعلم كيف تعتزل الأماكن والبيئات الفاسدة، تعلم كيف تخرج منها، ولا تقل أنا بيهمني نفسي، لا، عند رب العالمين ما بيكفي أن تقول أنا بيهمني نفسي، الله يطالبك بما هو أعلى من ذلك، يطالبك بأن تخرج وتغادر أي مجتمع فاسد قد تكون أسرة، قد تكون بيئة، أي زملاء لك، أو إذا كانت اخت زميلات لها فاسدات، قد تكون بيئة عمل، أي بيئة فاسدة لا ترضي الله يجب تعتزلها وتتخذ الخطوات الإجرائية للخروج منها، هكذا أنت تمكن للدين.
أما أن تعيش في هذه الدنيا في البيئات الفاسدة، لذلك الله عز وجل أو النبي عليه الصلاة والسلام تكلم أن أول ما دخل النقص على بني اسرائيل كيف كان أحدهم يامر يرى أخاه على معصية فيأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر قال، ثم يأتيه اليوم الثاني وصاحبه ما زال مقيماً على المنكر لم يغير، فلا يمنع ذلك أن يكون جليسه وأكيله وطعيمه، قال: فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، إنه هو اليوم نصح صاحبه، قال: يا فلان، ترى أنت تفعل الفحشاء، أنت في علاقة محرمة، أنت في كذا، أنت في كذا، اليوم الثاني صاحبه ما زال يفعل الحرام ولم يتغير، هو خلص ما عاد تفرق معه، قال لك: خلص نصحته أول يوم، اليوم الثاني عادي بيجلس معه، بيمزح معه، بيضحك معاه، بيأكله، بيشاربه، بيطلع معه رحلات. آه، هذا الأمر لا لا يريده الله ولا يقبله، والله عز وجل يريد منك أن تتخذ موقفا واضحاً ممن هو مقيم على معصية من أسرة أو مجتمع أو أي بيئة فاسدة، يجب أن تمكن للإسلام على الأقل بالاعتزال، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ.
هذه أول صورة من صور التمكين وهي أضعفها. الصورة الثانية وردت في قصة أصحاب الجنتين؛ أصحاب الجنتين فَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً، وكان رجل الكافر الكافر كان غنياً وكان له ثمر، فكان يقول لصاحبه الموحد: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً، أنا أكثر منك، شوف دائماً المقاييس المادية التي تحكم عقلية الإنسان الدنيوي، هو فقط همه: أكثر منك، أنا معي مصاري أكثر، أنا عندي أرض أكثر، أنا عندي مساحة سيارة كذا، أنا أكثر منك. ودخل جنته وهو ظالم لنفسه، لأنه لم يعبد الله ولم يوحد الله وكفر بنعمة الله عليه، قال: مَّا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُدِّدتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً. هذا مثل اللي ورد معنا في سورة مريم، اللي أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً، هذه عقلية متجذرة في الكفار، وهو إيش الكافر؟ إذا وجد الدنيا فتحت له يعتقد أنه أهل ومستحق لأن ينعم عليه. فشوف هذا الرجل الكافر شو بيحكي لصاحبه بيقول: هذه الجنة وهي أرضي وسيارتي وقصري والفيلا اللي أنا فيها هذه ما رح تبيد، هذه سأخذ أخلد فيها، وما أظن الساعة قائمة، ما أعتقد أنه في شيء اسمه دار آخرة، وأقول لك حتى لو في دار آخرة، وَلَئِن رُدِّدتُ إِلَى رَبِّي، حتى لو في دار آخرة أنا في الدار الآخرة رح أكون برضو حالي أحسن منك.
ليش رح تكون حالك أحسن مني؟ لأنه هي شوف في الدنيا، شوف كيف أنا أطيت مال وولد أكثر منك، إذن هذا يدل أنه أنا أهل ومستحق لأن ينعم علي، وأنت لست مستحقاً لأن ينعم عليك. شوف كيف هو يفكر، فكر بطريقة بلهاء دعونا نقول، يعني يعتقد الجدارة والاستحقاق ولا يعرف أن كل ما هو فيه من النعم هو محض توفيق الله ومحض فضل الله سبحانه وتعالى عليه، يظن أنه يمكن أن يعيش في الدنيا مادي لا يعبد الله ولا يوحد الله ولا يخضع لعبودية الله، وأنه كما ربنا أعطاه في الدنيا رح يعطيه في الآخرة.
فهنا شوف صاحبه الآن، صاحبه أراد أن يمكن للأفكار الصحيحة، تمكين الأفكار، أراد أن يمكن الأفكار الصحيحة فماذا قال له الآن هذا صاحبه؟ عنده قدرة أن يحاور ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بشكل علني، مش خايف يعني، يستطيع ولا يخشى من طغيان صاحبه عليه، فسعى أن يمكن للإسلام وللتوحيد من خلال الحوار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان. وهذا النوع الثاني من أنواع التمكين؛ إذن النوع الأضعف أنه أنا مش قادر أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر شو بعمل؟ أعتزل. النوع الثاني لا، أنا قادر أعيش في المجتمع وأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأنصح فلان وأتكلم مع فلان ولا أخشى على نفسي، ففي هذه الحالة نعم، عليك أن تمكن للإسلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال له صاحبه وهو يحاوره: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ.
من نطفة ثم سواك رجلاً، يعني شو أنت باقي؟ شوف، دائماً أي انسان يستعلي ذكره بأصله، هكذا يعلمنا القرآن والسنة. أي انسان عنده نفسية استعلاء على البشر والاستكبار وشايف حاله، ذكره بأصله، قل له: شو، ماذا أنت؟ عبارة عن نطفة. تراه كان أبوك آدم تراباً، وأنت عبارة عن نطفة مني لا تسوى شيء، ثم أصبحت هكذا رجلاً. على إيش شايف حالك على غيرك؟ وعلى ماذا ترى نفسك أعلى من ربك وتستكبر على الله؟
أما لكن، الآن هي لكن، هو الله ربي، هذه الآية، ما تفكيكها؟ لكن أنا، لكن هو الله ربي، هكذا تفكيكها، لكن أنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً. أنا عبد خاضع لله، أنا مش مثلك أنت مستكبر على الإله الذي خلقك وكنت مني، أما أنا فخاضع لهذا الإله. والأصل إذا دخلت جنته قلت: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. إن ترني أنا أقل منك مالاً وولداً، شوف هذا الرجل ما عنده عقدة نقص، شوف المؤمن الموحد لما يشوف الدنيا مش مفتوحة عليه، ما عنده عقدة نقص والشعور بالضعف، لا، بقوة: إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ. يعني ماشي، أنا ربنا عز وجل لم يعطني الآن، لكن أنا موحد لله وثقتي بربي عظيمة أن ربي قادر يعطيني خيراً من جنتك، وأعرف أن عطاء الآخرة خير من عطاء الدنيا.
وأما هذه جنتك التي تقول قبل قليل ما أظن أن تبيد هذه أبداً، وما يدريك أن الله يرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً، أرض جرداء لا يوجد عليها أي شيء؟ أو يصبح ماؤها غوراً، الماء تبعها يغوص في الأرض ولا تجد ماء تسقي به مزروعاتك. وفعلاً هذا اللي حصل، وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها. إذاً، صاحب الجنة يمكن للأفكار الصحيحة من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
نذهب إلى قصة موسى مع الخضر. قدرته أعلى من قدرة صاحب الجنة، الله عز وجل أعطاه قدرة شخصية أن يمكن للأفكار الصحيحة والاعمال الصحيحة من خلال التغيير باليد. يعني هو كان قادر أن يفعل أشياء بيده. فهو عندما ركب السفينة مش جلس مع أهل السفينة ينصحهم: يا ركبان السفينة، ترى في هناك ملك يريد يأخذ سفينتكم، بنصحكم تهربوا. لا، هو عالج الموضوع بيده فخرقها، حتى إن موسى تعجب قال: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ قال له: استنى يا موسى، أنت مش عارف شو بسوي. كذلك لما وجد الغلام الصغير فقتله، مش راح نصح والديه وقال لهم: تخلصوا من ابنكم لأنه سيفسد عليكم حياتكم. لا، ربنا عز وجل أعطاه قدرة على التغيير باليد. هو قtله بنفسه، طبعا هو قtله بنفسه لأنه في رسالة من الله له هو مكلف فيها، لكن هذا بعطيك إشارة على أنك متى استطعت عموماً أن تغير بيدك وتحقق الصلاح فإن عليك أن تفعل.
ولاحظ هنا في قصة الخضر، الخضر يعلمنا قاعدة في التغيير باليد: عندما تريد أن تغير منكراً بيدك، ما هي القاعدة العامة؟ أن التغيير باليد يجب أن يكون الصلاح المترتب عليه أكثر من الفساد المترتب عليه، صح؟ يعني الخضر خرق السفينة، هذا فساد، أفسد في السفينة، لكن الصلاح النتيجة النهائية ستكون أفضل، وهو أنه سيحمي السفينة للفقراء. طيب، الخضر قتل الغلام، والقتل هي عملية في وجهة نظرنا إيش؟ فساد، لكن نتيجتها أن الله عز وجل حمى الوالدين من إرهاق هذا الشاب الذي كان سيكون كافراً لهما. وقس على ذلك، فإذاً هذه قاعدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد، أنه لما بدك تنكر باليد بدك تنظر في المآلات: هل ستكون النتيجة التي ستخرج وتنتج والمصلحة أعلى، أم ستكون المفسدة أعلى؟ إذا كانت المفسدة أعلى، لا يجوز تغير باليد، إذا كان الصالح أو النتائج الصالحة هي الأعلى، عندئذ يكون التغيير باليد هو المطلوب.
كذلك لما هو كان الجدار يريد أن ينقض فأقامه، التغيير باليد أو التمكين باليد قد يكون بتغيير المنكرات، وقد يكون بفعل الأفعال الناجحات. وهذه جميلة في قصة الخضر، يعني لما نقول التغيير باليد أو التمكين باليد، بعض الناس يذهب ذهنه أنه أنكر المنكر بيدي. صحيح، إنكار المنكر بيد هذا جزء من التمكين، لكن أيضاً فعل الأفعال المجتمعية الخيرة باليد، أن تغرس شجرة، أن تعين مكروباً، أن تزيل كربة عن مهموم، أن تقضي حوائج الناس، أيضاً هذا من التمكين باليد. لذلك الخضر فعل كل الأشياء، غير منكراً لما قتل الطفل، وأعان أصحاب السفينة الحفاظ على سفينتهم، وأعان أصحاب الجدار فرفع لهم جدارهم، هذا كله من التمكين. التمكين للإسلام يكون بكافة الاشكال، بتغيير المنكرات والقيام بالمعروفات.
أخيراً القصة الأخيرة من صور التمكين وهي أعلاها، وهو التمكين الحضاري، التمكين للمجتمع، وهذا كان نموذجه الأعلى ذو القرنين. ذو القرنين ملك من ملوك الأرض، وقيل كان يملك الأرض شرقاً وغرباً، استطاع أن يمكن للمشروع الإسلامي إن صحت التابعين، قال سبحانه: وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُل سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ۞ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. شوف العبارة هنا، صرح الله بالتمكين بشكل صريح، إنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. ذو القرنين ملك من ملوك الأرض الكبار الموحدين، ربنا عز وجل مكن له واعطاه الأسباب، أعطاه الأدوات، فماذا فعل؟ فَأَتَبَعَ سَبَبًا. وظف هذه الأسباب لخدمة مشروع الإسلام في زمنه، وظف الأسباب التي منحه الله إياها وظفها لخدمة مشروع الإسلام في زمنه، فَأَتَبَعَ سَبَبًا.
ولاحظوا كيف أنه قال لما أتى إلى أقوام يعبدون الشمس، كيف أنه اراد الآن هو ملك ويستطيع أن ينزل العقاب على الكافرين وأن يقاتلهم بالسنان ويحاربهم ويقهرهم تحت حكم الاسلام، فقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ۞ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا. هنا ذو القرنين لأنه ملك، صاحب دولة، صاحب مؤسسات، إذاً كان نوع التمكين المطلوب منه مش فقط أفعال مجتمعية بسيطة، لا، كان مطلوب منه أن يغزو في الأرض ليقيم شرع الله في كل الأرض، مستوى التمكين المطلوب منه أن يجعل دين الله حاكماً في الأرض جمعاء، لأنه ملك ومسؤول وعنده مؤسسات ودوله، فلذلك ذو القرنين فعل ما أمره الله به وقام بمستوى التمكين الذي يليق به.
لذلك الذي يطالب به العامي البسيط في المجتمع ليس ما يطالب به المسؤول الممكن، ليس ما يطالب به رأس الهرم وهو الملك. دائماً في آية النظر الإسلام الشرعي، الناس متفاوته في قدراتها، أليس كذلك؟ في إنسان بسيط يعيش مستور في مجتمع وفي أسرة، مستوى التمكين المطلوب منه على حسب قدرته، يا مثل أصحاب الكهف، يا مثل صاحب الجنة. في إنسان لا، يصبح مسؤول داخل بناء الدولة زي يوسف عليه السلام، فهذا يغير بيده على حسب استطاعته. وفي إنسان يصبح ملك على رأس الهرم، وهذا بالتالي لا، المطلوب منه أن ينشر التوحيد خارج أرجاء دولته وأن يسعى لنشر التوحيد في كافه الأرض ويقاتل المعاندين الصادين عن سبيل الله، وهذا الذي فعله ذو القرنين.
حارب الكافرين وأعان الفقراء والمساكين. حارب الكافرين لما أتى إلى هؤلاء الذين يعبدون الشمس فقال هم بين أمرين: إما يوحدوا فيلقون منا جزاء حسناً ونقول لهم كلاماً ليناً ونتعامل معهم بالسهولة، وإما يبقوا على كفرهم وسنمحقهم ونبيدهم. هذا كان تعامله مع الكافرين. وأما تعامله مع الفقراء والمستضعفين فكان رحيماً بهم، فاتى إلى قوم مساكين تسلط عليهم يأجوج ومأجوج فطلبوا من الملك الصالح أن يعينهم على صنع سد بينهم وبينه، فأعانهم، وهذا من صور التمكين. فبنرجع بنقول: التمكين ليس فقط هو محاربة كافرين ومعاندين، التمكين أيضاً مساعدة للفقراء، مساعدة للمحتاجين، إقامة الأعمال المجتمعية، إقامة الحضارة، إقامة المصانع والشركات والأفكار، هذا كله من صور التمكين.
فذو القرنين قال، شوف شفت كيف الملك الخاضع لملك الملوك؟ قال: مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ. لما طلبوا منه يبنوا السد، إيش قال؟ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ. الحمد لله، ربنا أعطاني أسباب القوة فأنا رح أساعدكم بس أنتم ساعدوني في مثلاً وفروا لي عمال موظفين، فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ۞ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ۞ فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ۞ قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي.
شوف ذو القرنين مع أنه ملك ممكن وبيديه أسباب القوة، لكن لم يشعر بالاستعلاء على رب العالمين، لم يشعر أنه أعلى أن يخضع لله. شوف يعني، أيهما كان أكثر مكنى وأكثر قدرة؟ صاحب الجنتين ولا ذو القرنين؟ ذو القرنين كان أقوى من صاحب الجنتين. صاحب الجنتين كل اللي أخذها مزرعة وفيلا نقول سيارة وحياة مرفهة، وشعر بالكفر والاستغناء عن الله. ذو القرنين ملك الشرق والغرب وأعطي من المكنة أضعاف أضعاف ما أعطي أصحاب الجنتين ومع ذلك خضع لله.
إذاً، يمكن للإنسان فعلاً، ليس دائماً الغني سيكون فاجراً، هناك أناس أغنياء ولكن فيهم خير وفيهم خضوع، ودائماً يحمدون الله على ما مكنهم فيه من الخير ويوظفون أموالهم وثروتهم في ماذا؟ في خدمة الإسلام والمسلمين. فهذا والله خير الإنسان الغني الثري الذي يسلط ماله وينفقه في أبواب الخير والعطاء، هذا ثوابه عند الله عظيم عظيم، لأنه يمكن للإسلام بماله وبأسباب القوة التي منحها الله سبحانه وتعالى له.
ثم يختم الله سبحانه وتعالى سورة الكهف ببيان عقيدة التوحيد وهي المبدأ والنهاية: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ. يعني في النهاية أنتم أيها البشر، أيها الإنسان، أنت تسعى في هذه الحياة، هل ترجو لقاء الله؟ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا. فبداية الحياة ونهاية الحياة هي التوحيد، وأعظم شيء تفعله في الحياة هو أن تحافظ على توحيدك لله سبحانه وتعالى وتمكن لهذا التوحيد على حسب استطاعتك بناء على الترتيب الذي صنعته سورة الكهف.
سأختم هاتين السورتين، غداً إن شاء الله ننتقل إلى سورة الإسراء وإلى سورة النحل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وأن يبصرنا وأن يفقهنا. جزاكم الله خيراً على الحضور والاستماع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل