تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس الرابع والأربعون:سورة آل عمران من الآية 69إلى الآية92

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله. هل الصوت واصل مشايخنا؟ يا رب الصوت وصل. إيه، بارك الله فيكم. تمام.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والاهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم نج المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها. اللهم كن لإخواننا في غزة ناصراً ومعيناً ومؤيداً ونصيراً، اللهم مكن المجاهدين من رقاب الكافرين، لإخواننا في السودان وفي إخواننا المرابطين في الشام ولمستحقيها حيث كانوا. اللهم ابرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه بكتابك وتنصر فيه شريعتك، واجعلنا اللهم من أهل الحق وجنده يا أرحم الراحمين.

حياكم الله في مجلس يتجدد بنا مع القرآن، هذا المجلس الذي ابتدأناه من شهر رمضان، وما زالت الشهر تخطو بنا ونحن نعيش في ظلال هذا الكلام المبارك العظيم في رحلة الإنسان في القرآن، ونحاول أن نأخذ الكليات والجمل من كلام ربنا سبحانه وتعالى لتبقى معاني القرآن حية في نفوسنا، فإن من لا يعرف معاني القرآن لا يعرف الطريق إلى الله. من لا يعرف معاني القرآن لا يمكن أن يعرف الطريق إلى الله، فإن الطريق إلى الله ليس بالعقول ولا بالذوق، وإنما يعبد الله بما شرع، وإنما يسار إليه بما أمر، وهذا يقتضي من كل مؤمن أن يكون محتفياً مهتماً بأن يعرف كيف أراد الله سبحانه وتعالى أن نصل إليه، فإننا لن نصل إليه إلا من الطريق الذي ضبطه لنا وحدده لنا في آياته، فاللهم ارزقنا همة على تدبر القرآن، فكم من مسلم محب للقرآن لكنه لم يعط همة على تدبر معانيه، ويستثني ثقل ذلك، ويستثني ما يبذله في محاولة الوصول إلى المعاني، فهمة الوصول إلى المعاني وحب الجهد في هذا الميدان هذا رزق، هذا رزق من الله سبحانه وتعالى، فاللهم سداداً.

ما زلنا نعيش في أفياء سورة آل عمران أيها الكرام، وكما قلنا المحور الأول من سورة آل عمران هو محور نقاش مع ديان كما نقول، نقاش مع اليهود والنصارى في العديد من القضايا التي كانوا يثيرونها في لقاءاتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. وفي المجلس الماضي تحدثنا عن قصة المسيح عيسى بن مريم، وحددنا المكان الصحيح لهذا النبي العظيم بعيداً عن غلو النصارى وبعيداً عن ظلم اليهود، لأن اليهود كفروا به وأرادوا قتله، والنصارى قفزوا به إلى مرتبة الألوهية، فالمؤمنون بحمد الله وضعوا المسيح عيسى بن مريم في التصور الصحيح الذي يريد الله سبحانه وتعالى منا أن نتصوره. وصلنا إلى آية 69 والحديث عن اليهود في المدينة وكيف كانت أجواء محاربتهم للإسلام وللنبي صلى الله عليه وسلم داخل المدينة، والله عز وجل يكشف للصحابه الكرام نفوس اليهود، يكشف لهم هذه النفوس ليعرفوا كيف يتعامل معها، فقال سبحانه وتعالى: وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ.

الفكرة الأولى هي فكرة الحسد، أن اليهود قوم معروفون بالحسد، فإذا رأوا نعمة على غيرهم سعوا بأتم السعي والجهد لإزالة هذه الننعمة، والحسد مهلك البشرية عموماً، فإنما كفر إبليس بالحسد، وإنما قتل ابن آدم أخاه بالحسد، وإنما انتشر الشر والفساد في الأرض بسبب الحسد، فالحسد من أعظم أسباب الشرور في الأرض وفي الأنفس. قال سبحانه: وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ يعني هم يحبون لكم الضلال، ودت طائفة من أهل الكتاب لو يصرفون عن هذا الخير الذي نحن فيه، لماذا؟ حسداً من عند أنفسهم، وهذا صرحنا به في مواطن كثيرة، وسياتي أيضاً في سورة البقرة مصرحاً به أكثر وأكثر. قال: وَمَا يُضِلُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وهم مساكين في هذا، لأن الإنسان الحاسد عموماً الذي يبذل جهده من أجل إضاعة الآخرين وأفساد أديانهم هو حقيقة يفسد نفسه، يعني أنت بتقول له: أنت بتضيع نفسك، هذه الطريقة في التفكير أن تشغل وقتك بحسد الآخرين وتطلب وتبحث كيف تزيل النعم عنهم، هو حقيقة أنت الذي تسلك بنفسك طريق الضلال وليس هم، أنت الذي تضيع نفسك بهذه المشاعر، بدلا من أن تستثمر الأوقات والأعمار التي منحك الله إياها للبحث عن سبل الرشاد والهدى، عم بتسخر طاقتك وأفكارك وخواطرك فقط لإفساد الآخرين وصرفهم عن الجادة حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق.

فالحسد مشكلة متجذرة في بني إسرائيل، وهي سبب كل هذه الممارسات القديمة والحديثة التي يمارسون بها غيرهم من الأجناس. يا أهل الكتاب، الله عز وجل يعاتبهم: لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون؟ يعني ما سبب هذا الإصرار على الكفر بآيات الله وبما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأنتم تشهدون؟ يعني وأنتم تعرفون وتشهدون في كتبكم أن محمد صلى الله عليه وسلم هو رسول الله، يعني تعرفون أن هذا النبي بالمواصفات التي جاء بها هو بذاته المذكور والموصوف عندكم في كتبكم، لماذا هذا الاستمرار في الكفر؟ وهذا عتاب: يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل؟ لم تغالطون؟ لم تتعمدون خلط الحق بالباطل؟ وهذه إذاً من أساليب أهل الكتاب التي للاسف أيضاً توجد في هذه الأمة وفي متصدريها، وهو خلط الحق بالباطل ليكون ذلك وسيلة لاستدراج أصحاب النفوس الضعيفة لصرفهم عن الحق الكامل.

يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل؟ هذه حقيقة من أكثر السبل لإضلال الناس، أن تأتي إلى أنت تريد أن تنصر باطلاً، وانظر اليوم كيف يمارسونه في الإعلام، وكيف تمارسه الفكر الليبرالي والعلماني والبرغماتي، والمرأة مثلاً عندما يريدون أن يخرجوها من بيتها، وأن تخرج عن وقارها ورزانة ربما حتى يوصلوا لهذه القضية، هم لن يقولوا للمرأة مباشرة: نحن نريدك أن تصبحي سلعة في دنيا الأهواء، نحن نريدك أن تعري وتخرجي من قيمك وأخلاقك لتصبحي بائعة هوى، ولكنهم يأتون إلى ماذا؟ إلى مصطلحات في أصلها مقبوله، وهي مثلاً: تقدير المرأة، تكريم المرأة، حرية المرأة ضمن طبعاً نطاق معين قد نقبل جانباً من هذا الكلام، مكانة المرأة، هذه العبارات يأتون ويخلطون بها الباطل الذي يريدونه، فلما تسمع المرأة مكانة المرأة، حق المرأة، تكريم المرأة تشعر أنه طب هذا صح ولازم المرأة تكون كذا وكذا وكذا، ثم يأتون بعد ذلك بالسم فيضعونه ضمن هذه الكلمات، تلبسون الحق بالباطل.

وقس على ذلك كثير من الأفكار التي يتم مناقشتها وترويجها، لا بد لأهل الباطل حتى يروجوا باطلهم من أن يطعموه بكلمتين ثلاث من الحق، لأنك إذا رأيت الباطل صرفاً واضحاً حتى عوام الناس لن يتبعوه، عوام الناس لهم قدرة إذا رأوا الباطل خالصاً أن ينصرفوا عنه، لكن كما قلنا لا بد من تطعيمه بشيء من الحق، فإذا التبس الحق بالباطل ضاعت البوصلة عند كثير من الناس، ومن الذي يرى الأمر كما هو ويرى الحقائق كما هي؟ أهل العلم الذين يستطيعون أن يفككوا الأمور. مثلاً حتى في جانب البدع، يأتي شخص مثلاً ممن يريد الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ويريد دعاءه: ويا رسول الله اقض لي حوائجي، ويا رسول الله اشف لي مريضي، ويا رسول الله، فتاتي تقول له، كذلك مثلاً الذين يصرون بمقلة على الاحتفال بالمولد وما شابه ذلك، دائماً حتى يروجوا هذه القضية على الناس هذه القضية البدعية لا بد يطعمها بشيء من الحق، يقول لك: يا اخي ألا تحب النبي عليه الصلاة والسلام؟ ألا تعظمه في قلبك؟ أخي أين محبة النبي عليه الصلاة والسلام في القلب؟ فيأتي يركز على معاني صحيحة وكل مؤمن يحبها وينتمي لها، يخلط هذه المعاني -معاني محبة النبي عليه الصلاة والسلام والتعلق به وضرورة الائتساء- ياتي يخلط هذه المعاني بالباطل الذي يريد الوصول إليه، فيقول لك: طب آه، بالتالي إذاً بالتالي نحتفل بمولده، وبالتالي نستغيث بقبره و و و. هذه هي الطرق التي للأسف دائماً يروج بها الباطل، سواء في باب الشهوات أو في باب الشبهات.

السواد الأعظم من العوام ما عنده قدرة على فرز الأمور، السواد الأعظم ما عنده قدرة على فرز الأمور: آه، ما هو ماشي أنا بحب النبي عليه الصلاة والسلام، أنا متعلق به وأحبه أكثر من نفسي، لكن هذه المحبة لا تعني أن أبتدع، لا تعني أن أفعل أموراً هو أصلاً صلى الله عليه وسلم لا يحبها، بل المطلوب مني أن أئتسي به في سنته وأتمسك بهديه وأترك البدع وراء ظهري. يعني هذه الطريقة التفكيكية تحتاج إلى علم، وأكثر الناس ما عندهم قدرة عليها، فبالتالي هذه كانت طريقة اليهود أصلاً، يعني هذه الطريقة جذورها يهودية كما يقولون، جذورها يهودية. الله عز وجل يقول: لم تلبسون الحق بالباطل؟ ليش بتضيعوا الأمور بهذا التلبيس، وتكتمون الحق وأنتم تعلمون؟ وتكتمون الحق تكتمون أن محمد صلى الله عليه وسلم هو فعلاً نبي هذه الأمة، وأنه هو النبي المذكور عندنا في الكتب السابقة، وأنتم تعلمون من الممارسات التي كانوا يمارسونها أيضاً.

وقالت طائفة من أهل الكتاب، شوف حرص اليهود على إفساد المسلمين، هذا الحرص وإن كنا نتكلم عنه في بعد المدينة المنوره في بدايته، لكنه اليوم هو حرص عالمي. اليهود لما أسسوا الصهيونية العالمية والماسونية العالمية، هم أحفاد لهؤلاء اليهود الذين تتكلم عنهم القرآن ابتداءً في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم. فاليهود اليوم في واقعنا المعاصر بذراعها الكبير الصهيونية والماسونية العالمية، هم يمارسون أشد الممارسات لإفساد عقائد المسلمين. شوف قال الله عز وجل هنا: وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. هذا هو طموح اليهود قديماً وحديثاً، طموح اليهود: لعلهم يرجعون. بالتالي كل ما تفعل الصهيونية والماسونية العالمية اليوم من التلاعب بالمناهج في بلاد المسلمين المراد منه والمقصود منه لعلهم يرجعون، من إثارة قضايا مثل قضايا النسوية، قضايا الشذوذ والمثلية وانتكاس الفطر المراد منه لعلهم يرجعون، كل ما يصنعونه لكم في السينما والهوليود والدراما لعلهم يرجعون، الألعاب الإلكترونية الفظيعة التي ينشئون لأبنائنا اليوم وفيها تطور هائل في تفاصيل هذه الألعاب الإلكترونية المراد منها لعلهم يرجعون.

عليك أن تعرف أن اليهود لا يهدا لهم بال حتى يخرجوا الناس، طبعا ليس شرطاً عند اليهود أن تدخل في دينهم، لكن المهم أن تنسحب من دينك، هكذا طبائع القوم، هم يريدون الفساد، هم يريدون الإضلال، هم يريدون الإخراج من عالم الهداية إلى عالم الضلال، ثم بعد ذلك كن ما شئت، كن ملحداً ما عندهم مشكلة، يعني اليهود ليسوا أصحاب دين وإنما أصحاب فساد. الله عز وجل يعطينا ممارسه من ممارسات الفساد لديهم، كيف كانوا حريصين أتم الحرص على إضلال الصحابة وعلى زعزعة الإيمان في قلوبهم، يعني هم لم يكتفوا أنهم لا يريدون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، بل يريدون زعزعة الإيمان في قلوب الصحابة، فمن أساليبهم الشيطانية أنهم قالوا لأتباعهم في الصباح: أظهروا أنكم آمنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم، آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ، يعني ما يستقبلكم به النهار وهو بدايته أظهروا أنكم آمنتم، ثم بعد ذلك بدأتم تقرأون القرآن وتتعاملون معه، فإذا جاء المساء أخبروهم أنكم ارتددتم وما عدتم محبين للاستمرار على هذا الدين، قال: وَاكْفُرُوا آخِرَهُ.

ليه؟ لماذا؟ ارتددتم تظهرون أنكم لم تقتنعوا وأن: هاي هينا حاولنا نسلم، حاولنا نقرا القرآن مثلكم، حاولنا ناخذ هذا النور، لكن يا أخي والله ما هو مقنع، يا أخي والله في كثير قضايا في القرآن مبهمة، في كثير إشكالات في هذا الدين غير واضحة، لا لا، بالتالي نحن قررنا الانسحاب. هذه الآلية -آلية الإيمان وجه النهار في البداية وهي ليس إيماناً حقيقياً وإنما هو دخول ظاهري ولكن الباطن باطن منافق، ثم بعد ذلك محاولة أنه بدانا نحاول أن نمارس الدين مثلكم، ثم في المساء تحصل الردة- هي كفيلة بأن تحدث زعزعة وريبة في قلوب ضعاف الإيمان من الصحابة، ليه؟ لأنهم في موروث الخزرج والأوس أن اليهود أصحاب كتب سماوية سابقه وأن اليهود مطلعون اطلاع كبير يفوق اطلاع العرب، بالتالي إذا اليهودي أسلم أو أظهر الإسلام ثم بدا يمارس الممارسة اللي أنا بمارسها ثم آخر النهار تراجع، ليه؟ لأنه لم يقتنع وظهر لدي أن هذا الذي أتى به هذا النبي ليس مقنعاً بالدرجة الكافيه لاتباعه، سيبدا هذا العربي المسكين أو الأعرابي المسكين فعلاً يتزعزع ويقول: طب هاي اليهود أصحاب كتب سماوية ويعرفون وهي آمن ثم انسحب لأنه مش مقنع الكلام، إذاً أكيد اليهود هم يدركون تماماً خطأ هذا الدين وعدم كفاية الأدلة فيه للإقناع. هي تحدث بلبلة عند ضعاف الإيمان، فالله سبحانه وتعالى نبه الصحابة على ذلك، قال لهم: ترى اليهود يمارسون معكم هذه الممارسة الخبيثة فانتبهوا، يحاولون زعزعة العقائد والأفكار.

لاحظوا الزعزعة هي طموح اليهود، ولذلك كما قلنا وإلى الآن اليهود لا يأتون إلى المسلمين مباشرة يقولون لهم: اكفر، يعرفون أن الأمور أصعب من هذا، لكنهم دائماً يعملون على زعزعة العقائد، لذلك تجدهم يضعون أذرعة لهم في بلاد العرب من الإعلاميين والصحفيين مثقفين وما يسمونهم، هذه الطبقات هذه الأذرعة وظيفتها أيضاً زعزعة العقائد. شوف هذه الفكرة انتبه لها أن القرآن ينبه عليها هي ممارسة يهودية، اليهود لا يأتي لك مباشرة يقول لك اكفر، اليهود يعرفون كيف يتعاملون، أباليس يعرفون قضية الزعزعة، بقول لك: حاول أنك يعني تشتت الثقة بالسنة، حاول أن تشتت ثقته بالإسلام، حاول أن تضع له أمور وشبهات يبقى هو محتاراً متبلباً في كثير من القضايا.

الفكرية والسلوكية والأخلاقية وما شابه ذلك، الزعزعة بالنسبة لهم مكسب، والله عز وجل حذرنا من هذه الممارسة لهم. طيب، أيضاً ماذا كان يقول اليهود بين بعضهم البعض في أروقتهم الخاصة؟ كانوا يقولون: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ. لَا تُؤْمِنُوا يعني لا تأمن، كيقول لك: لا تؤمن، يعني لا تأمن، لا تعطي معلومات إلا لمن تبع دينكم، لا تخبروا الأوس والخزرج بالمعلومات التي لديكم عن نبي آخر الزمان، المعلومات التي تمتلكون في التوراة عن مواصفات نبي آخر الزمان هذه خلوها بيننا، لا تصدروها للأوس والخزرج، لا تعطوهم أي معلومات؛ لأنه هذه قد يحتجون بها علينا. لاحظوا ماذا قال: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ.

طبعا هنا تأتي جملة معترضة ليست من كلامهم، ها، تسمى جملة معترضة، كيف؟ صلى الله عليه وسلم، جملة معترضة، وأن الله سبحانه وتعالى يعطينا جملة معترضة ثم يعود الكلام لليهود: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ. يعني نقول: سبحان الله، ها، لاحظ كيف أنا أقول لك كلام، وفي أثناء كلامي ايش أقول لك؟ يا أخي سبحان الله، فلان قال كذا وكذا، يا أخي سبحان الله، وبعدين برضه قال كذا وكذا. تأتي جملة سبحان الله جملة اعتراضية؛ كأنها تتعجب من حجم فساد هذا الشخص وكيف يصرف نفسه عن الحق بكل قوة. يعني في انسان يبتعد عن الحق وهو يتمنى الوصول إليه، صحيح، وفي انسان لا، هو شايف الحق ويعرف أنه الحق، وعنده الدلائل أنه الحق وهو ينهى عنه وينأى عنه بنفسه.

فالله عز وجل يخبر عن اليهود، اليهود يقولون لبعضهم البعض في الأروقة الخاصة: يا جماعة، المعلومات التي عندكم في كتابكم عن النبي آخر الزمان لا تصدروها للأوس والخزرج، لا تنشروها، لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ. فالله عز وجل يقول: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ. خلاص، يعني فعلاً الهداية من الله، وإذا أراد الله أن يهدي إنسان هدى. سبحان الله، هؤلاء اليهود كيف يملكون يرون الحق أمامهم ويصرون على الانحراف عنه بكامل قوتهم وطاقتهم!

طيب، ثم يعود الكلام على لسان اليهود، فما الآن؟ لذلك حتى تستطيع فهم الآية، حتى تستطيع فهم الآية بدك تتخطى الجملة المعترضة. الآن إذا نقول: إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ جملة معترضة جميلة في مكانها معبرة. الآن حتى نكمل السياق بدنا نتخطى، ايش يعني نتخطى؟ يعني بدك تقرا الآية هكذا في ذهنك: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ. هكذا بدك تقراها.

فماذا يقولون الآن؟ لا تؤمنوا، لا تأمنوا، لا تعطوا معلومات إلا لمن تبع دينكم، لَأَنْ يُؤْتَى، هنا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ، يعني حتى لا يُؤْتَى هذا تقديرها، أي لَأَلَّا يُؤْتَى أَحَدٌ مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم. إذا، ما الهدف لديهم في عدم تسريب المعلومات خارج أروقتهم؟ حتى لا يعطى أحد من المعلومات الصحيحة مثل المعلومات التي عندكم. الآن اليهود يمتلكون معلومات عن النبي آخر الزمان، يعرفون صفته وهيئته ومن أين يخرج و و و، لكن هم ما بدهم يؤمن، فهم يقولون لبعضهم: إذا انتم سربتم هذه المعلومات خارج الدائرة اليهودية، خارج اتباعكم، سيعطى هؤلاء الناس من المعلومات الصحيحة مثل اللي عندكم، واحنا ما بدنا نعطيهم هاي المعلومات؛ لأننا لا نريد لهم أن يسلموا، لا نريد لهم أن يبقوا على الإيمان.

إذن قالوا: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، حتى لا يؤتى أحد (يعني لا يحصل أحد من المعلومات الصحيحة عن نبي آخر الزمان مثل ما عندكم أنتم من المعلومات الصحيحة)، فهم عندهم معلومات صحيحة، لكن هم يكتمون، هم بدهم يتبعوها، ويعرفون أنها ستكون يعني حجة عليهم.

فإذا أولاً حتى لا يُؤْتَى أحد معلومة صحيحة دقيقة عن النبي آخر الزمان كما عندكم، أو يحاجوكم عند ربكم، أو تكون هذه المعلومات (فهم إذا اطلعوا العرب، إذا اطلعوا على المعلومات التي عندكم، ستكون سبب أنهم يحاجوكم عند الله سبحانه وتعالى ويشهدون عليكم عند الله أنكم: أنهم يا رب، والله وال- يا رب، كانوا يعرفون الحقيقة لكنهم لم يتبعوها). لأنه إذا احنا كعرب عرفنا ما عندهم في التوراة، وأن التوراة تشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، ستكون هذه المعلومات حجة نحاج بها اليهود أمام الله، أنه يا رب كان عندهم المعلومات عن هذا النبي، لكنهم هم لم يؤمنوا.

فاليهود إذن كانوا يخشون من هاتين النقطتين: يخشون من نقطة أن يحصل العرب معلومات صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم من خلال التوراة، وهم لا يريدون لهم أن يحصلوا المعلومات الصحيحة، وكانوا يخشون أيضاً من وصول هذه المعلومات الصحيحة أن تكون سبباً في أن نحاج اليهود عند الله يوم القيامة ونقول: يا رب، عرفنا في التوراة أنها تقول كذا وكذا وأنها تؤكد صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت بين أيدي اليهود وهم يا رب لم يؤمنوا مع أن المعلومات عندهم، فكانوا يخشون من هاتين النقطتين.

طيب، إذن أَنْ يُؤْتَى يعني: لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، لَأَلَّا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، وَلَلَّا يُحَاجُوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ. فهمتم سياق الآية كيف يفهم؟ لأنه السياق التركيبي شوي في هذه الآية بدو لغة عربية، فأنا أعدت ترتيب السياق لكم حتى تستطيعوا قراءة الآية قراءة واعية: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ (جملة معترضة سريعة: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ)، بيرجع الكلام لهم: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ حتى لا يؤتى أو لَأَلَّا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ وَلَلَّا يُحَاجُوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ إذا حصلوا هذه المعلومات من توراتهم.

ثم الله عز وجل يعود مرة أخرى ويقول: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. كل هذه التصرفات اليهودية، كما قلنا، دافعها الحسد، كيف يخرج النبي الختامي من العرب؟ كان كل طموح اليهود أن يكون هذا النبي الختامي من جنسهم ومن طبائعهم ومن قومهم، فلما جاء من العرب جن جنونهم وطارت عقولهم، والقوا كتاب الله التوراه وراء ظهورهم، ورفضوا الأخذ بكل المعلومات التي توجد يقيناً في التوراة تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في رسالته، رفضوا كل هذه التوراة وبكل ما فيها، لماذا؟ لماذا يأتي النبي من العرب؟

فالله عز وجل يقول: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ. هذه النبوة وهذه الرسالة من الفضل الذي بيد الله، وبأمره يضعه حيث شاء، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ (واسع في عطائه) عَلِيمٌ (أين يضعه). شوف: وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. واسع في عطائه، عليم من الذي يستحقه وأين يوضع هذا العطاء. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ. اللهم اختصنا برحمتك. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

ومن رحمة الله هنا الهداية ورؤية الطريق الصواب، واختيار أن تكون من اتباع هذا النبي العظيم، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ. من رحمة الله عز وجل أن يكتب لك الهداية، انظر إلى البشرية اليوم، مليارات من البشر، ملايين من البشر، مئات الملايين من البشر، لكن من منهم على دين محمد صلى الله عليه وسلم؟ ومن ومن الذين يزعمون أنهم على دين محمد صلى الله عليه وسلم؟ كم نسبة الذين هم على طريقة أهل السنة والجماعة وعلى الجادة الصحيحة؟ هذا اختصاص، اختصاص من الواسع العليم، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ.

فهو واسع في عطائه، لكنه يختص برحمته في نفس الوقت، لاحظ: واسع عليم يختص. واسع ويختص فيها نوع من التقابل، سبحانه وتعالى يعطي كما يشاء سعة ولا يعجزه شيء، لكنه يصطفي؛ لأنه يعلم من الذي يستحق الرحمات ومن الذين لا يستحقونها.

أيضاً الله سبحانه وتعالى هنا يعلمنا منهجية في الإنصاف على الرغم من كل هذه الطبائع اليهودية المعادية للإسلام، لكن الإسلام يعلمنا الإنصاف حتى مع خصومنا وأعدائنا، فيقول ربنا سبحانه: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.

الله عز وجل أي ما زال يخبر الصحابة عن طبائع اليهود، وحتى نكون منصفين، حتى نكون منصفين، اليهود على نوعين: هناك من منهم أمانة حتى وهو يهودي، لكن هو أمين على المال، فلو وضعت عنده قنطار (والقنطار هو رمز للمبالغ الكبيرة، قيل هو ألف مثقال من الذهب وقيل أقوال أخرى)، وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ بمئات الآلاف من الدنانير، لو وضعتها عنده أمانة يردها إليك، هو يهودي لكنه شخص أمين، حتى ما نظلمه.

لكن بدكم تنتبهوا أن هناك أيضاً قسماً لا باس به من اليهود، لو وضعت عنده ديناراً واحداً ما بيرجع لك إياه ويغدر بك، وهذه طبعا معلومة للصحابة حتى يحسنوا الانتباه لليهود؛ لأنه في النهاية الصحابة لما كانوا في المدينة وكان اليهود في المدينة، كان هناك أسواق مشتركة، وكان لابد من بيع وشراء معهم، فهذا فيه تحذير للصحابة وتنبيه لهم أن اليهود الذين تتاجرون معهم على نوعين: نوع أمين لو وضعت عنده مئات الآلاف أو استدان منك مئات الآلاف يردها، لكن هناك نوع كثير منهم غير أمين (وسنعرف لماذا هو غير أمين، خاصة مع العرب)، لو وضعت عنده ديناراً واحداً أمانة أو ديناً لا يرده إليك، ولا يرجعه إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا، يعني إلا ما دمت ملحاً عليه طالبا منه سداد دينه.

إيش يعني قائماً باللغة العامية؟ يعني واقف فوق راسه، يعني ما بيرجع لك إياه إلا إذا ضليت واقف فوقيه: رجع المال، رجع الدينار، رد إلي حقي. إذا ما طالبت يأكل حقك؛ لأنهم يقولون في أروقتهم الخاصة، وكأن هذه الصفحات تكشف لك الأروقة الخاصة عند اليهود، ماذا يقولون فيما بينهم؟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، ويرون الأميون هم العرب.

وشوف، اليهود دائماً لديهم نظرة عالية على الاجناس الأخرى إلى يومنا هذا، ولذلك دائماً في الاعلام كل ما أحد ينتقد اليهود، ينتقد هؤلاء المجرمين في في بيت المقدس، يقولون: هؤلاء يعادون السامية، هؤلاء يعادون السامية، يعني أنتم تفعلوا كل جرائمكم وإذا شخص جاء يحاسبكم يصبح معادي للسامية؟ نعم، هم هكذا، هكذا فلسفة الطبيعة اليهودية، هم يرون أنفسهم جنساً فوق الجميع، بالتالي يرون كل الأجناس الأخرى، حتى من النصارى والصليبيين، يرون الروم والعرب وغيرهم إنما خلقوا ليخدموا اليهود، واليهود هم طبقة برجوازية. لذلك الله سبحانه عاقبهم على ذلك، فضرب عليهم الذلة والمسكنة، والذلة ضربت عليهم ليست فقط على أيدي المسلمين، بل حتى على أيدي بختنصر لما سباهم سبيًا شنيعًا، حتى ألمانيا النازية وهتلر لما حرقهم في المحرقة، الله عز وجل سلط على هؤلاء القوم أجناس من البشر؛ لأنهم قوم يستحقون الذل، تكبروا في أنفسهم على الناس فاذلهم الله.

فهو ماذا يقولون؟ يقولون: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، إنه مش مشكله نضحك على العرب لو اخذنا منهم أموالهم ولم نردها إليهم، لَيْسَ عَلَيْنَا سَبِيلٌ يعني لا حرج علينا في الأميين ويقصدون بالأميين هنا العرب، لا حرج علينا فيهم، هؤلاء جنس ثاني ثالث لا يستحقون الاحترام، خلقوا ليخدموا، فلو اخذنا أموالهم ولو لم نردها إليهم لا حرج علينا في ذلك.

وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، يفترون على الله سبحانه، كيف ليس عليكم في الأميين سبيل؟ يعني هم هم يجعلون ذلك دينا، همما يقولون: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ يعني لا يؤاخذنا الله سبحانه وتعالى بظلمنا للعرب. أليس هذا كذب على الله؟ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، يعني كيف قلتم إن الله عز وجل لا يؤاخذنا بظلم العرب وأخذ أموالهم؟ أليس كذبًا على الله؟ الله عز وجل يامر بالعدل في أدق أدق الأمور في الحياة، الله عز وجل يأمرنا بالعدل مع خصومنا وأعدائنا ومع كل الناس. هل الله عز وجل يرضى بالظلم، حتى ظلمك للكافر؟ الله عز وجل لا يرضى أن تظلم الكافر، فكيف تقولون إن الله عز وجل لا يؤاخذنا بأخذ أموال العرب ولَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؟ يعني هم عارفين أن الله عز وجل لا يحاسبهم على ظلم العرب كما يحاسب أي انسان على ظلم أي انسان، لكن هي النفسية اليهودية.

بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. الذي يوفي بالعهد، إذا عاهدتك أخذ منك مال وأرجع لك إياه، هؤلاء هم الذين يحبهم الله، من أوفى بعهده، إذا أنت عاهدت شخص تأخذ منه مال أمانة قرضا بأي طريقة وأنك سترد له، هؤلاء هم الذين يحبهم الله يرتضيه. فكيف تقولوا: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ؟ هذا كلام لا يمثل أبدا أي دين من الأديان السماوية.

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا، الذين يعطون الناس عهود باسم الله وأيمان باسم الله: والله كذا وكذا، والله لأردن إليك مالك وإعادتي سافعل كذا وكذا، لكن اعطيني، الذين يأخذون أي شيء باسم الله وبأيمانهم بالله ثم يغدرون، وكل من يغدر باليمين هو يريد أن يحصل مصلحة دنيوية، متاع قليل، الله عز وجل سماه ثمن قليل.

إذا عاهدت شخصا على قضية مالية أو على أي قضية حياتية، وعدته وعد وأعطيت عهد الله أنك تفعل هذا الشيء أو أخذت مال منه أو أي صفقة أو أي شيء وقلت: أقسم بالله أنني سأرد، ثم لم تفعل ولم ترجع له حقه وغدرت به، طبعا لماذا ستقدر به؟ بدك تلصط هذا المال كما يقولون، تريد أن تأخذه لجيبك ولا ترده، وهذا كله دنيا، الله عز وجل يقول: مسكين هذا الذي يعطي أيمانا وعهودا للناس في أموالهم ثم يغدر بها، أنت ايش حصلت؟ ثمن قليل، الدنيا كلها قليل. أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ

لهم يعني لا نصيب لهم في الآخرة. لما يجيء عند رب العالمين يوم القيامة ما له نصيب، لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله، ولا يكلمهم الله. ولاحظ كيف تثبت هذه الآية صفة الكلام لله سبحانه وتعالى، وأن من أهم أشكال الحجب -كما أن من أعظم أشكال الحجب أن يحجب الإنسان عن رؤية وجه الله- كذلك من أعظم الحجب أن تحجب عن كلام الله. طبعا والمراد بالكلام هنا كلام التلطف وكلام الحب والتأنيث، وأما كلام الزجر والقرع فقد يقال لهم من الله إذا وقفوا بين يديه وحاسبهم، لكن المراد لا يكلمهم الله يعني لا يتكلمهم كلام مؤنس لهم كما يكلم أهل الجنة عندما يزورونه في الجنة. فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى متكلم كما يشاء، وأن هذا الكلام لابد وأن يكون بصوت، ولا كيف لا يكلمهم الله ويحمد الكلام على معاني النفس وغيره مما تقوله الأشعرية ومن شابهه من أهل البدع؟ هذا لا يمكن، ولا يكلمهم الله واضحة أن الله عز وجل لا يعطيهم هذه الكرامة، كيف أقول لا يعاقب أنهم لا ينظرون إلى وجه الله؟ كل إنسان فاهم معنى أنه لا ينظر إلى وجه الله، كذلك سنفهم ما معنى لا يكلمهم الله، لا يسمعون صوت الرحمن، فصوته من أحب الأصوات إلى هو أحب الأصوات إلى نفس المؤمنين في جنات النعيم.

ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة. وهنا يقول بعض أهل العلم: ولا ينظر إليهم يوم القيامة يعني لا يرافق بهم ولا يرحمهم، لما يقول لك خلص بنظر في موضوعك، يعني أنا أنظر إليك يوم القيامة وأنظر في موضوعك يعني بتلطف بك وبأعينك وبرحمته سبحانه. يقول: ولا ينظر إليهم يوم القيامة، لا ينظر في أمرهم على النار، هؤلاء قوم لا يستحقون أن ينظر إلى أحوالهم. ولا يزكيهم، لا يعطيهم التوفيق للتزكية. بسم الله، وجعلت اسم الله مطية تأكل أموال الناس بالباطل. كل هذه التهديدات لليهود ولمن يسلك مسالكهم، للأسف من المسلمين، من الذين يعطون الإيمان: أنت أعطيني والله لأردن إليك، والله رح أرجع لك مالك، فيعطيك إيمان بسم الله، ويعاهد بسم الله، ويحلف على المصحف، ثم يتخذ ذلك وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل؛ هؤلاء أيضا داخلون تحت هذه الآية.

طيب، ثم يق ما زالت سورة آل عمران تكشف لنا اليهود، وأن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب. لي الألسن هو نوع من التلاعب يعني اللي هو تلاعب. يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب. يتلاعبون بنص كتبهم السماوية، يتلاعبون بها، يغيرون في الكلمات والأحرف لتحسبوه أنتم من الكتاب، أنه هذه هيك التوراة. والله عز وجل يقول: وما هو من الكتاب. والله ما نطقوا به أنه توراة، والله ليس توراة، وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله، هيك ديننا، وما هو من عند الله. هم يؤلفون ويحرفون ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون.

مرة ثانية ياتي هذا الختام مرت منا هذه الجملة في آية خمس وسبعين، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون، أيضا في آية ثمان وسبعين يعيد الله عز وجل علينا: يجب أن تفهموا اليهود، اليهود يقولون على الله الكذب يعني يفعلون أشياء ثم ينسبونها إلى الله أنه الله أمرنا بهذا، الله قال لنا، هذا ديننا يطلبونك التوراة تقول هكذا وهم كذب. هذا الكشف لابد، فهم اليهود قوم مهارتهم الكذب، وإلى وقتنا هذا في المفاوضات وفي المساومات وفي المعاملات قوم كذب، حتى اليوم انظر ماذا يفعلون في أهلنا في غزة! بعد كل هذه الجرائم يقولون إننا لم نفعل شيئا، وأن جيشنا هو أكثر جيش أخلاقي ويقاتل بكل أخلاقية، وأن كل مكان يقصفون في غزة والله كان فيه مستودع للمرابطين، كان فيه كذا، كان وجدنا أبصر شو، ويقصف ويقتل ويمارس آلة الإجرام ويكذب. فالكذب هو صناعة اليهود وهم أهله ودعاته، فما بالك الكذب على الله؟ هذا أسوأ أنواع الكذب، أن تكذب وتنسب كذبتك إلى الله، يعني هو مش مجرد بس كذب هنا، لا، هنا كذب وينسب كذبه إلى الله وأنه هاك الدين.

الآن جاء في سبب نزول الآية التي تليها: مَّا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّمِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّبِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ. أبو نافع القرظي ومن اليهود، أبو نافع القرظي من اليهود، وأيضا بعض النصارى قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أتريد منا أن نعبدك كما عبدت النصارى المسيح ابن مريم؟ جاء رجل اسمه أبو نافع القرظي وقال للنبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام: أتريد منا أن نعبدك يا محمد كما عبدت النصارى المسيح ابن مريم؟ والله لا يكون ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله عز وجل هذه الآية: يعني مين اللي قال لكم إن محمد صلى الله عليه وسلم يريدكم أن تعبدوه؟ أصلا ما كان لبشر سواء كان محمد صلى الله عليه وسلم أو عيسى ابن مريم أو موسى بن عمران، كلهم جميعا ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة يعطيه الله عز وجل كتب من الكتب السماوية ويعطيه الحكم وهو العقل والاجتهاد الصحيح ويعطيه النبوة ثم بعد ذلك يستغل ذلك ليقول للناس: كونوا عبادا لي من دون الله. لا يحق هذا لأي بشر ولا يحصل هذا لأي نبي من الأنبياء، لا يحصل هذا لأي نبي من الأنبياء أن يعطيه الله كتاب وحكم ونبوة ثم يقول للناس اعبدوني يستغل هذه الموضع لأن يدعو إلى عبادة نفسه من دون الله.

ولكن ما هو قول العلماء، أو عفوا، ما هو قول الأنبياء وقول العلماء الذين هم ورثة الأنبياء؟ ولكن كونوا ربانيين. والرباني اختلف في أصل هذه الكلمه من أين مأخوذة؟ ويرى أبو العباس بن تيمية أنها مأخوذة من ربان السفينة، أن رباني هذه صحيح نسبه لكنها مأخوذة من ماذا؟ الصحيح أنها أو عن المحققين أنها مأخوذة من ربان السفينة. وربان السفينة هو الذي يقودها إلى بر الأمان. فالمطلوب من الأنبياء ومن اتباع الأنبياء من العلماء والدعاة: كونوا ربانيين، كونوا قادة السفن، خذوا سفينة المجتمع إلى بر الأمان، كونوا ربانيين، كونوا قادة لسفينة المجتمعات لتوصلها إلى الله. فالأنبياء والعلماء والدعاة وظيفتهم أن يكونوا ربانيين مصلحين هداة مهتدين، يأخذون بأيدي الناس إلى الله ولا يطالبون الناس أن يعبدوه. العالم والنبي لا يطلب من الناس أن يعبدوه، بل بالعكس هو وظيفته أن يكون قائدا لسفينة النجاة الموصلة إلى الله سبحانه وتعالى.

لذلك الله عز وجل يعطينا هنا صورة أمر: كونوا ربانيين. لماذا؟ لماذا العالم والداعيه والنبي والمصلح يجب أن يكون قائد السفينة وهو الذي يقوم بمسك مقودها؟ قال: بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. لأنكم تعلمون الناس الخير، ولأنكم تدرسون الخير وتعلمونه، فانتم تتعلمون وتدرسون وتعلمون وترشدون، هاتان الخصلتان يجب أن تجعلكم ربانيين. إذا كونوا ربانيين بسبب تعليمكم وعلمكم، فبالتالي هذه آية مفصلية في حياة كل طالب علم وكل داعية وكل مصلح وكل من يحمل شعور الخير في المجتمعات. يجب أن نكون ربانيين، يعني يا طالب العلم يا أيها يا أيها المتعلم للإسلام أنت لا يكن همك فقط أن تتعلم مسألة أو أن تقرا كتابا ثم تضعه على الرف، بل المطلوب منك أنك إذا تعلمت شيئا من أمر دينك أن تصبح ربانيا، يعني ربان سفينة وتبدأ تقود دفة المجتمع، طبعا على حسب طاقتك العلمية؛ ممكن أنت يقود عائلتك للخير، ممكن شخص يقود حي، ممكن شخص يقود أهل مسجد، ممكن شخص يقود بلد وممكن شخص يقود أمة على حسب درجة علمه وكفاءته، لكن المهم أن الدعاة وأن المتعلم الذي درس الكتاب والسنة ودراستها لا ينبغي أن يكون على الهامش ولا يكون له دور في حياة الأمة.

هذه الآية توجهنا إلى أن الإنسان الذي علمه الله الخير وفقهه في الدين وأعطي حظا من العلم ينبغي أن يتصدر المشهد وينبغي أن يأخذ المقود وينبغي عليه أن يسير بالمجتمعات ولا يكون على الهامش ويعطي المساحة لليبراليين والعلمانيين والحداثيين والصحفيين والتافهين يتصدروا المشاهد فيضلوا الناس عن سبيل الله سبحانه وتعالى. فال الله عز وجل يقول: كونوا ربانيين، كونوا قادة السفن، كونوا الموجهين للمجتمعات بما كنتم تعلمون الكتاب. مش أنتم بتعلموا مش بتدرسوا؟ هذا التعليم مش مجرد تعليم في جامعة وخلاص تأخذ راتب وتعود إلى البيت يا معلم يا أيها المدرس الشرعي، ليست شهادة شريعة أو مجالس أنت أخذتها فقط لتتوب بها، لا، الله عز وجل يريد منك دور إصلاحي في المجتمعات، لأنه بعض الناس ممن يتعلمون الخير ويعلمونه تجد كأنه فقط همه في النهاية عفوا أنه كتاب في الفقه، كتاب في اللغة، كتاب في السيرة بس بيشرح الكتاب وكذا ولا ينتبه لإصلاح دين الناس وأحوالهم ويقود سفنهم إلى الله سبحانه وتعالى. لا، أنت بدك تكون قائد سفينة، بدك توجه، بدك تعلم، بدك ترشد. وأما الحالة الاعتزالية هذه أنك تكون فقط هدفك نفسك وأنك تتعلم لنفسك وفقط أحقق بعض المسائل وكذا يكفي، لا، الأصل أن يكون لك دور إصلاحي في بغض النظر طبعا، أنا لا أطالب بشكل عام بأدوار إصلاحية هائلة من الجميع لأن في النهاية طاقات واستعدادات مئة بالمئة، لكن الدور الإصلاحي بعود فأقول يمكن يكون على مستوى عائلة، على مستوى مركز قرآن، على مستوى مسجد، على مستوى مجتمع صغير، على مستوى بلد وهكذا، فكل إنسان على حسب استعداده الذي منحه الله عز وجل إياه.

ثم قال: ولا يأمركم، أي ولا يحق لهذا النبي، ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا. يعني النبي وظيفته أن الأنبياء واتباع الأنبياء وظيفتهم أن يكونوا ربانيين يقودون الناس إلى الله، فلا يقولون للناس: كونوا عبادا لي من دون الله، ولا يؤمر الناس أن تقال ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا. ليس له أن يأمركم بأن تتخذوا ملائكة من ملك من الملائكة رب أو يأمركم أن تتخذوا نبي من الأنبياء رب، يعني لا يدعون لربوبيتكم من الملائكة أو نبي من الأنبياء غيره، لا يكون ذلك. أيامركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون؟ يعني معقول هذا النبي أنا أرسله لكم يدعوكم إلى التوحيد ثم بعد ذلك يأمركم بأن تتخذوا الملائكة أربابا أو النبيين أربابا؟ هذا يأمركم بالكفر بعد أن أسلمتم وهذا لا يتصور في نبي من الأنبياء.

ثم الله سبحانه وتعالى يقول لليهود ونصارى: إن محمد صلى الله عليه وسلم الذي تجادلون وتحكون هذه المحاكة الشديدة وتعترض على نبوته، اخذنا الميثاق على كل الأنبياء أن يؤمنوا برسالته. يقول سبحانه: وَإِذ أخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ. هنا عندنا لام القسم مع ماء الشرطية تداخل القسم مع الشرط، يعني الله عز وجل اخذ ميثاقا وهذا جاء شرحه في أحاديث النبي عليه الصلاه والسلام أن الله أخذ الميثاق على كل الأنبياء الس أحلفوا بالله أو عاهدوا الله: إذا أتيتم الكتاب والحكمة، إذا أتيتم الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسول اسمه محمد صلى الله عليه وسلم مصدق لما بين يديكم من الكتاب والحكمة لتقف معه في أمره ولتنصرنه في دعوته. فمحمد صلى الله عليه وسلم أخذ الميثاق على كل الأنبياء أن يؤمنوا به إذا خرج في زمانهم وأن ينصروه إذا أتاه. فبالتالي محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتمه العقد وهو سيد الأنام والبشر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو سيد الأنبياء. ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ. فقال الله عز وجل لأنبيائه: أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟ أقررتم يا أنبياء وأخذتم على ذلكم الأصر والعهد؟ فقال الأنبياء لربهم إقرارا: كل نبي موسى، عيسى، إبراهيم، إسماعيل، إسحاق، آدم، نوح صلوات ربي وسلامه عليهم، كلهم أقروا بهذا العهد مع الله عز وجل أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا خرج في زمانهم وأن يتبعوه وينصروه. وهذه من مناقب العظيمة للنبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه. قالوا أقررنا. قال: فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ. يعني والله قال: قال فاشهدوا وأنا معكم. شوف الله عز وجل يقول: وأنا معكم من الشاهدين على هذه النبوة. ماذا تريد نبوة يشهد عليها الله ثم تشهد الأنبياء والملائكة عليها؟ كلام عظيم حقيقة هنا.

فمن تولى بعد ذلك، الذي يتولى عن هذه النبوة ولا يتبع هذا النبي العربي العظيم، فأولئك هم الفاسقون. الفاسق هو الخارج عن الطاعة لأن الله أخذ الميثاق على الأنبياء السابقين وعلى اتباع الأنبياء بهذا الميثاق للنبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم. فكل من خرج، فانتم يا يهود الله أخذ الميثاق على موسى، وانتم يا نصارى الله أخذ الميثاق على عيسى، فانتم تزعمون أنكم اتباع موسى، تزعمون أنكم اتباع عيسى، بل انتم فاسقون، انتم خارجون عن هذا الاتباع لأنكم لم تقبلوا بالميثاق والعهد الذي عاهد عليه موسى ربه أن يقف مع محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تأخذوا بميثاق عيسى الذي أخذه عليه رب أن يقف مع محمد صلى الله عليه وسلم، فانتم فسقة أي خارجون عن هذا الميثاق وعن هذه الطاعة. أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ؟ يعني في النهاية أنتم يا يهود ويا نصارى ويا كل الكفر عبر التاريخ -لكن لأنه كان ابتلاء اليهود ونصارى- أفغير دين الله يبغون أن تبحثون عن دين غير دين الله؟ محمد صلى الله عليه وسلم هو متمم لموسى وعيسى، متمم لكل الرسائل السماوية السابقة. أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ.

يبغون والدين ابتداء هو الخضوع، ثم يفسر بمعنى العبادة: قمة الحب مع قمة الخضوع. أفغير الدين لله؟ الخضوع لله سبحانه وتعالى، تبغي والله سبحانه وتعالى خضع له من في السماوات والأرض طوعاً وكَرْهاً. فهناك من هو عبد لله اختياراً، وهناك من هو عبد لله اضطراراً؛ فكل كافر هو عبد لله اضطراراً فإنه معبد له، فالله هو الذي يصرف أمره ويرزقه ويمنعه الأنفاس والخطوات والحياة وهو الذي يميته، فكل شيء في الكون خاضع لله أما طوعاً باختياره وإما جبراً باضطرار، واليه يرجعون يوم القيامة.

قُل في المقابل نحن ماذا نقول؟ قُل يا محمد ويا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، قُل آمنا بالله هذه عقيدتنا وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. هذا الفرق بيننا وبينكم يا يهود ويا نصارى أننا آمنا بكل الرسائل السابقة ولا نفرق بين نبي من الأنبياء، وأما أنتم فرقتم؛ فاليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم، والنصارى كفروا بممحمد صلى الله عليه وسلم. فالله عز وجل يخبر أن أهل الإسلام يؤمنون بجميع الأنبياء وبجميع الرسالات السماوية الصحيحة قبل تحريفها ولا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون.

ثم ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه؛ كل من سيبيتي ديناً غير دين الإسلام فلن يقبل الله عز وجل منه. هذا ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم لزم الجميع أن يسلموا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن لا يختار ومن لا يختار الإسلام ديناً فإن الله عز وجل لن يقبل منه مهما كان، حتى لو كان يدعي أنه من اتباع الأنبياء السابقين ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم انتسخت الشرائع واعلنت الملة الختامية المتممة للاديان السابقة والمهيمن عليها ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.

كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين؟ هذه الآية قيل إنها نزلت في شخص اسمه الحارث بن سويد. الحارث بن سويد خرج مع الصحابة في غزوة أحد لكنه لم يخ... كان رجلاً منافقاً، لم يخرج معهم للجهاد، وإنما خرج ليفتك برجل من المسلمين غدرا؛ فخرج مع الجيش الإسلامي في غزوة أحد، وأظهر أنه يريد القتال معهم، ثم انتظر فرصة سنحت له ليقتل رجلاً من المسلمين زعم أن هذا الرجل قتل أباه في الجاهلية، ثم ارتد وانتقل إلى صف الكفار وذهب إلى مكة. هذا الشخص اسمه الحارث بن سويد، فالله سبحانه وتعالى عاتبه عتاباً شديداً، ويقول كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم؟ كان يظهر الإيمان في المدينة، كان يظهر الإيمان في المدينة لكنه ارتد من أجل أن يثار لرجل قتل أباه في الجاهلية؛ فكان يظهر الإيمان وشهد أن الرسول حق وجاءهم البينات، لكنه بعد ذلك ارتد وانقلب على عقبيه. فالله عز وجل يقول: كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم؟ شهدت أنه حق وأظهرت الإيمان ثم ارتددتم على أعقابكم والله لا يهدي القوم الظالمين. أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون.

إلا الذين تابوا في النهاية يعني الله عز وجل يعطي فسحة الأمل في الدنيا، لأنه في النهاية ممكن شخص يؤمن ويشهد أن النبي حق ثم يرتد فالله عز وجل يقول أنا له الهداية، لكنه لما يقول ذلك: كيف يهدي الله؟ ليس معنى هذا أنه مستحيل، يعني هو سؤال لما نقول كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم هذا عتاب ولوم واستبعاد، ولكنه لا يعني الاستحالة، لأنه حتى هناك بعض الصحابة أسلم ثم ارتد ثم عاد فأسلم وقبل الله منه مثل عبد الله بن أبي السرح. لكن هو الكلام هنا كلام تهويل واستبعاد وأن عادة هؤلاء الذين يرتدون يخذلون، ولكن لو كتبت له هداية وعاد إلى الإسلام مرة أخرى فتاب وأناب في النهاية، ما دمت حياً وتبت إلى الله فالله يقبلك، وهذه من رحمة الله، لكنه يعطيهم هذا استبعاد وليس استحالة، لذلك قال: إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم.

وهذه القصة لها نماذج كثيرة، كثير من الناس خاصة اليوم تجد حالة الارتداد بعدين بفكر يرجع فإنا نقول: كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم؟ الأصل إذا أنت آمنت وعرفت الإيمان وعرفت الإسلام وعرفت معالمه الأصل أن يكون هذا دافع لأن تزداد تشبثاً به، فإذا أنت كفرت على الرغم من كل ما رأيته من الشواهد والدلائل على ككمال الإسلام فهنا نحن نستبعد عودتك مرة أخرى، لأنه مشكلتك إذاً هي ليست مشكلة الافتقار للادله، فالذين يرتدون عن الإسلام إياك أن تعتقد أن هناك ردة سببها عدم إقناع الإسلام بادلته أو أن الإسلام غير واضح بطرحه؛ الإسلام في قمة الوضوح وفي قمة الجلاء وأفكاره في قمة الكمال والتمام، فلما شخص يرتد عن الكمال والتمام اعرف أن مشكلته مشكلة نفسية دنيوية مادية وليست مشكلة علمية فكرية، وبالتالي أمثال هؤلاء يستبعد جداً أن يعودوا كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات؟ واحد جاءته البينات، بينة يعني الحجج الواضحة وشهد أن الرسول حق وآمن فعرف معالم الإيمان ثم يرتد صعب جداً.

لكن في النهاية لو كتب له العودة مرة أخرى، هل نقول لهؤلاء المرتدين الذين يريدون العودة إلى الإسلام لن يقبلكم الله؟ لا، في النهاية وإن كنا نستبعد عودتهم، لكن الله سبحانه وتعالى يعطيهم فسحة الأمل إلا الذين تابوا فإذا تبت قبل أن تغرغر، قبل أن تطلع الشمس من مغربها، قبل أن يفوت ميعاد التوبة، ما دمت في فسحة التوبة فالمساحات. يرسل الكلمات الشديدة: إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون. وهنا لن تقبل توبتهم بمعنى لن يوفقوا للتوبة، وليس المراد أن الإنسان الذي كفر وعتا ثم تاب الله عز وجل لا يقبل توبته، لأن الله عز وجل قال: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فالله يغفر الشرك وما دونه إذا تاب منه الإنسان، فهنا وبالتالي لن تقبل توبتهم يجب أن تحمل على ما يقتضيه السياق: إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً، تمام، فهؤلاء لن يوفقوا إلى التوبة، هو ليس فقط كفر بعد إيمانه بل هو مستمر في الازدياد من الكفر فهؤلاء لا يوفقوا للتوبة وأولئك هم الضالون. إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار، مات على الكفر، فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به، لو جاء يوم القيامة بحجم الأرض الكرة الأرضية ذهب لن يقبل الله سبحانه وتعالى منه أن يفتدي نفسه من النار أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين.

نختم بقوله تعالى هنا الكلام موجه لأهل الإيمان الآن: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ. لن تنال مرتبة الأبرار التي امتدحها الله سبحانه وتعالى وهي مرتبة الولاية وهي أعلى من مطلق الإيمان، لن يصل الإنسان إلى مراتب الأبرار إلا إذا أنفق مما يحب، والانفاق مما يحب؛ الإنفاق من الوقت والجهد والمال، صحيح احنا دائما نحمل الإنفاق على المال، لكن هناك إنفاق أيضاً في الفكر والوقت والجهد. أنت بالنسبة لك قد تكون هناك أوقات تحب أن تستريح فيها، أن تنفق هذه الأوقات لله وتترك الراحة والدعة هو الذي يوصلك إلى مراتب الأبرار. أنت تحب أموال وجمعها وكنزها، أن تترك جزء من هذا المال لتنفقه في سبيل الله هذا الذي يوصلك إلى درجات الأبرار.

فالله عز وجل يقول: لن تنالوا البر حتى يكون لك بذل مما تحب، أنت تحب الراحة فتتركها وتبذل التعب، أنت تحب اللذائذ والأطعمة وأوا... تتركها من أجل أن تطعم مسكيناً وفتيراً، أنت تحب المال تتركه، أنت تحب شهوات وأمور تشتهيها في الحياة لن تنال مراتب الأبرار حتى تنفق مما تحب وتتخلي عن كثير من أشياء تحبها، لكن تبحث فيها عن مرضاة الله سبحانه وتعالى. تخلي الإنسان عن المحبوبات والمرغوبات رضا لرب السماوات سبحانه وتعالى هو الذي يبلغ الإنسان مراتب الأبرار.

ليه؟ لأنه في هناك إنسان مؤمن مسلم جزاه الله خير، لكنه هو يبذل في حد معين، لكن إذا عارض الأمر محبوباته ما عنده قدرة أن يتخلي عنها، هو بقول لك: أخي أنا بصلي وبزكي وبأدي الفرائض، لكن أكثر من كده أنا مش مستعد أضحي، مش مستعد أبذل مما أحب. هذا رضي بهذا المقام، لكن من يريد مراتب الأبرار ومراتب المقربين إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، الذي يريد هذه المراتب هذا يجب عليه إذا أراد أن يبلغها أن ينفق ويبذل من كثير من الأشياء التي يحبها.

ثم الله عز وجل يطمئنك أنه طب يا شيخ أنا ممكن أبذل أبذل عز وجل ما ينتبه علي أو ينسى هذا البذل؟ الله لا ينسى شيئاً وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ، دون وسجله وحافظ عليه ليدخله لك يوم العرض الأكبر. اللهم بلغنا منازل الأبرار واجعلنا من أهلهم إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.