السلام عليكم ورحمة وبركاته، حياكم الله الإخوة والأخوات في صبيحة هذا اليوم الطيب المبارك. هل الصوت جيد؟ خاصة عبر اليوتيوب. اللهم يسر وأعن.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله أيها الأكارم في صبيحة الجمعة ومع رحلة الإنسان في القرآن، هذه الرحلة التي ما زلنا نعيش في أفيائها ونستمد من هداها منذ شهر رمضان بحمد الله سبحانه وتعالى، وقد بدأنا من سورة الناس وانتقلنا إلى سورة سورة، والهدف أن نمر على كليات القرآن وعلى جليات وعلى المعاني العامة التي ينبغي أن نستصحبها ونحن نقرا كلام ربنا ونتفهم، ونحن نسير في ختمة ختمة وفي قراءة قراءة، وحري بالانسان المؤمن الذي يبحث عن درب الاستقامة ويبحث عن المنجيات ويببتعد عن المهلكات ويريد أن يحفظ إيمانه خاصة في هذه الأزمان، حري به أن ينكب على كلام ربه سبحانه وتعالى تدبراً متعلماً متبصراً متفهماً يلتمس النور والنجاه في ثنايا هذه الآيات العظام.
فنسأله سبحانه وتعالى أن يزيدنا إقبالاً على كتابه وفهماً لآياته وتحقيقاً لمعانيها في حياتنا واستثارة، ونسأله سبحانه وتعالى أن ينجي المستضعفين من عباده في مشارق الأرض وفي مغاربها، نسأله أن يجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ومن كل بلاء عافية. نسأله أن ينصر المجاهدين المرابطين، نسأله أن يمكنهم من رقاب الكافرين، نسأله سبحانه وتعالى أن يكتب لهذه الأمة نصراً وعزاً وفرجاً وتمكيناً، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير.
وصل بنا الحديث أيها الكرام إلى سورة آل عمران، وبقي علينا الحديث عن سورة آل عمران وسورة البقرة، الزهراوان، ثم بعد ذلك نختم بفاتحة الكتاب. وسورة آل عمران من السور العظيمة في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وجاءت لتعالج قضيتين أساسيتين؛ جاءت لتناقش ابتداءً أهل الكتاب، فإن هذه الكرة الأرضية أيها الكرام يعمها ثلاثة أديان في الغالب في الجمله دين الإسلام واليهودية والنصرانية. لو نظرتم إلى غالب هذه الأرض فإن الصراع فيها يقوم بين هذه الأديان الثلاث، يوجد أديان أخرى لكنها محدودة؛ البوذية والهندوسية، يوجد أديان صابئة في مكان، لكن الثقل العام والصراع العام على هذه الأرض بين هذه الأديان الثلاث؛ الإسلام واليهودية والنصرانية.
بلا شك أن النبي موسى عليه السلام بعثه الله عز وجل إلى بني إسرائيل وأنزل عليه التوراه، وكانت هذه ديانتهم إلى أن حرفوها وبدلوها، ثم بعث الله سبحانه وتعالى عيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراه ومعالجاً لبعض أحوال بني إسرائيل ومحلاً لهم بعض الذي حرم عليهم، وكان معه الإنجيل فآمن به النصارى، ثم بعد ذلك حرفوا وبدلوا وزعموا في عيسى ما زعموا أنه ابن الله وأن الله ثالث ثلاثة، وبالتالي أصبحت النصرانية محرفة. ثم بعد ذلك بعث الله سبحانه وتعالى خاتم الأنبياء النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم ليكون خاتم الرسالات الإلهية، وليكون كتابه مهيمناً على التوراه والإنجيل وعلى كل الكتب السابقة، ولتكون رسالته الرسالة الخاتمة للبشرية جمعاء.
وبالتالي لن يقبل الله من يهودي ولا نصراني إلا أن يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأن يتبعه؛ فمحمد عليه الصلاة والسلام هو بشارة الأنبياء، وقد اخذ الله عز وجل ميثاق النبيين كما سياتي في سورة آل عمران أنه إذا خرج محمد صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به ولينصرنه، وأخذ عليهم الميثاق على أقوامهم أنه إذا خرج محمد صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به ولا يصدقونه. فسورة آل عمران في قسمها الأول، وهي سورة مدنية بالتاكيد، في قسمها الأول جاءت لتعالج ما يسميه اليوم الحوار بين الإسلام وعقائد الإسلام وعقيدة هذا النبي العظيم محمد عليه الصلاة والسلام، والعقائد المحرفة السابقة، فجاء ليواجه اليهود وجاء ليواجه النصارى في تحريفاتهم، في أكاذيبهم، في تلاعبهم بشرائعهم.
ولذلك القسم الأول من هذه السورة إلى يعني قرابه المنتصف منها هو حوارات متعدده حصلت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود والنصارى في طوال الفترة المدنية، ثم بعد ذلك بعد أن تنهي السورة هذا الملف، ملف الحوار مع اليهود والنصارى في معتقداتهم وأفكارهم تصحح لهم هذه الانحرافات، تعالج السورة في مقطعها الثاني مشهداً عظيماً من المشاهد التي لقي فيها الصحابه الكفار، ألا وهو مشهد غزوة أحد وما وقع فيه من سلوكيات وأمور، وما برز فيه من نفاق، وما برز فيه من أخطاء عند بعض الصحابة.
فجاءت لتعالج موقف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في ثنايا هذه الغزوة معالجة إيمانية نفسية سلوكية حتى ترتب لهم الأوراق وتبين لهم المنطلقات التي يجب أن ينطلقوا منها وليتعلموا من درس غزوة أحد تعلما إيمانيا تزكوى استفاد منه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بعد ذلك لسنوات، وفتحوا به الأمصار، وفتحوا به المدن، وأسقطت به الدول. فكانت سورة آل عمران فيها من الدروس التربوية والإيمانية للصحابة الكرام لما حصل في غزوة أحد من جراحات وآلام وما أصابوا فيه وما أخطأوا وما برز فيه من نفاق، والمعالجات السلوكيه في ثنايا هذه الغزوة ما ظهر أثره في حياة الصحابة بعد ذلك.
فنستطيع أن نقول إن سورة آل عمران تحوم في معانيها حول هاتين القضيتين الكليتين؛ الحوار مع اليهود والنصارى، وتصحيح سلوكيات الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في ثنايا غزوة أحد. نبدأ بالقسم الأول، والقسم الأول كما قلنا هو الذي ابتدأ بمعالجة حوار اليهود والنصارى، فابتداست هذه السورة العظيمة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.
لاحظوا بعد الحروف المقطعة ابتدأت في آيتها الثانية بتحقيق عقيدة التوحيد، وهذا مدخل مهم جداً في حوارنا مع اليهود والنصارى، وهو أننا ندعو إلى توحيد الله عز وجل ورفض أي شكل من أشكال الشرك، سواء بعزير سواء بالمسيح عيسى ابن مريم، فكل هؤلاء إما رجل صالح وإما نبي صالح من أنبياء الله، وأن الدين عند الإسلام وهم دين التوحيد الخالص له عز وجل. الله لا إله إلا هو، لا إله إلا هو لا معبود بحق إلا الله، ولا يستحق العبادة والقصد والطلب والتوجه إليه بسائر أنواع العبادات لا يستحق ذلك إلا الله عز وجل.
فبدأت في الآية الثانية مباشرة بالحديث عن التوحيد، لأن هذا هو دين الإسلام؛ ليس فقط دين محمد عليه الصلاة والسلام، بل دين الأنبياء جميعاً من لدن آدم عليه السلام مرورا بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء الكرام وصولاً إلى النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه. ثم ذكر الحي القيوم، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الحي القيوم هو اسم الله الأعظم، ولذلك في آية الكرسي: اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وكل ما في هذا الكون وكل أسماء الله الحسنى الأخرى هي تبع اسم الله الحي القيوم. فالحي هو صاحب الحياة الكاملة، القيوم هو القائم بنفسه الذي لا يحتاج إلى أحد المقيم لغيره، فكل أحد مفتقر إليه، هذه خلاصه معنى الحي القيوم، وما بعد ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العلى فهي تفرعات عن هذين الاسمين العظيمين.
ثم بدأت هذه السورة بالحديث عن الكتب السماوية، كما قلنا هذا مدخل لطيف إلى موضوعها الأساس في معالجة أفكار اليهود والنصارى فقال عز وجل: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ. نزل القرآن بكل الحقائق التي يحتاجها الإنسان نزل مصدقا لما بين يديه، يعني لما سبقه ولما نزل متقدما عليه من التوراه والإنجيل، لذلك قد نزل عليك الكتاب مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراه والإنجيل. فالقرآن العظيم هو مكمل للتوراه الصحيحة ومكمل للإنجيل الصحيح، مكمل لهذه الرسائل في تعزيز معاني التوحيد والعقيدة والاستسلام لله سبحانه وتعالى، ثم أتى بشرعة ختامية تفصيلية وهي أعلى الشرائع وأعظمها.
قال سبحانه: وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ، أي من قبل القرآن، هُدًى لِّلنَّاسِ، فالتوراة الصحيحة والإنجيل الصحيح إنما نزلا لهداية الناس، نعم هي نزلت لبني إسرائيل نزلت لتكون لهم هداية ورشاد، ثم بعد ذلك نزل القرآن مهيمناً وخاتماً ليكون فارقاً بين الحق والباطل، فارقاً بين الإسلام والكفر، فارقاً بين العقيدة التي يرتضيها الله سبحانه وتعالى والعقائد المحرفة. لذلك قال مرة أخرى معززاً لقيمه القرآن في كونه خاتم الرسائل، قال: وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ. ولاحظ هنا سمى القرآن فرقاناً، لأن القرآن نزل لينهي كل شيء وينهي كل الخلافات ولينهي أي رسالة حتى تاتي بعده، فهو خاتمة الرسائل جاء فارقاً بين الحق والباطل.
ثم قال سبحانه وتعالى مهدداً لمن يكفر بهذه الكتب الثلاث: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، فالمسلم يؤمن بالفرقان وبالتوحيد، من كفر بهذه الكتب الثلاث هو كفر بالله. أراد الله عز وجل أن يبين هذا ابتداءً، أن الذين كفروا بآيات الله، فلا يجوز للمسلم أن يكفر بالتوراة الصحيحة ولا يكفر بالإنجيل الصحيح، ومن كفر بالتوراة الصحيحة فقد كذب الله، ومن كفر بالإنجيل الصحيح فقد كذب الله؛ الله عز وجل هو الذي أخبرنا أنه أنزل هذه الكتب الثلاث، فالمؤمن يؤمن بها جميعاً، والكافر هو الذي يكفر بأحدها.
فمن كفر بالقران كفر بالله، ومن كفر بنزول التوراه الصحيحة كفر بالله، ومن كفر بالإنجيل كفر بالله. إذاً: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، فالله غلاب لا يغلب سبحانه وتعالى قاهر لا يقهر.
ثم قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ، هي تدل على سعة علم الله سبحانه وتعالى الذي لا تخفى عليه خافية. والإشارات الإيمانية التي تتضمنها هذه الآية أن يعلم أن هذه الكتب السماوية الذي أنزلها هو الله عز وجل الذي لا يخفى عليه شيء، وما دام الإله الذي أنزل هذه الكتب الثلاث لا يخفى عليه شيء، هو لا يخفى عليه مصالحنا، لا تخفى عليه مصالحنا وحوائجنا وما يقوم أمرنا وسلوكنا. وبالتالي ينبغي على الإنسان إذا عرف أن هذا الإله الذي أنزل هذه الكتب لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، أن هذه الكتب تتضمن مصالح دينه ودنياه مصالح العاجلة والآجلة، فهي فيها إشارة أولاً إلى ضرورة اتباع الوحي وإلى أن يتعلق الإنسان بهذه الكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
تمام، ثم قوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ. لعل فيها بداية إشارة إلى موضوع عيسى ابن مريم، فإنه قد جاء في أسباب النزول أن مطلع سورة آل عمران، أن مطلع هذه السورة نزل في محاورة النبي صلى الله عليه وسلم لوفد من بني نجران اتوا إلى المدينه؛ منطقة نجران وهي منطقة في جنوب بلاد الحرمين، منطقة كان يسكنها النصارى في زمن النبوة. فجاء وفد من هؤلاء النصارى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم رجلان كبيران من أسيادهم يسميان السيد والعاقب، أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحاوره في قضيه عيسى ابن مريم ويقولان له: سمعنا انك تقول في عيسى ابن مريم غير ما نقول، فنحن نقول إنه ابن الله وأنت تقول إنه عبد الله ورسوله، وإلى غير ذلك من العقائد التي أتيت بها يا محمد صلى الله عليه وسلم.
فكان هذا المطلع هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء فيه بداية إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق البشر كيفما شاء؛ فبعض الناس يخلقهم من أب وأم وهذه هي الحالة المعتاده دعونا نقول، وهو سبحانه أيضاً قادر على أن يخلق بشراً في رحم أمه بدون أب، وهذا الذي حصل مع عيسى بن مريم. فهذه قال بعض أهل العلم فيها إشارة إلى موضوع السورة الأساس أو في في المعالجة الأولى من مواضيع هذه السورة لمحاورة النصارى في قضية عيسى ابن مريم. وأظن أن هذا سياتي مفصلاً كيف خلق الله سبحانه وتعالى عيسى ابن مريم سياتي مفصل المعنى في جنبات هذه السورة.
فالله عز وجل هنا يبين قدرته على أن يفعل ما يشاء، وأنه عز وجل إذا خلق الإنسان بأب وأم فهذا لا يعني أنه ليس قادراً على أن يخلق الإنسان بأم دون أب، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ. أيضاً هي جزء من دلاله علم الله سبحانه وتعالى الذي يدرك الأشياء الخفية، فالأرحام هي منطقة خفاء منطقة لا يطلع عليها البشر في العادة، فالله عز وجل لما قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، أراد أيضاً أن يؤكد هذا المعنى فقال: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ وهي منطقة في ظلمات ثلاث كما جاء في سورة الزمر، منطقة خفية منطقة الظلمات، الله سبحانه وتعالى مطلع على ما في الأحشاء ويعلم ما في الأرحام ويعرف أنه هذا ذكر أو أنثى، وهذا كم له من الصفات الجينية، وهذه كم لها من الصفات الجينية والكروموسومات، وما شاء وكيف سيكون شكله وهيئته وماذا سيكتب له وكيف سيكون. عندما تتخيل وتفكر في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ، وأنتم في الأحشاء هو الذي يعلم ماذا سيكون من حالكم شقي أو سعيد، هذه عظمة الله سبحانه وتعالى، هذا الإله العظيم إذاً الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء والذي يصورنا في...
الأرحام كيف يشاء، هو الذي أنزل الفرقان والتوراة والإنجيل، فيجب على الإنسان المؤمن، وعلى الإنسان الذي يبحث عن صلاح قلبه، أن يرتبط بهذا الإله العظيم، أن يرتبط بوحيه، أن يرتبط بكتبه، أن يرتبط برسالاته، فإنه لا صلاح للإنسان ولا كمال للإنسان إلا بالارتباط بهذا الإله العظيم الذي لا يخفى عليه شيء، والارتباط بوحيه، فإن وحيه هو الذي سيتضمن له سعادة الدارين.
قال سبحانه وتعالى بعد ذلك مبينة لقاعدة عامة ومنهجية عظمى ينبغي على المسلم أن يتعامل بها مع كتاب ربه سبحانه وتعالى، ثم أيضاً يتعامل بها مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أيضاً مع كلام أهل العلم، قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ. أراد الله عز وجل أن يبين منهجية للإنسان وللمؤمن كيف يتعامل مع القرآن، فيقول عز وجل: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ. يخبرنا الله عز وجل أنه أنزل القرآن الكريم وآياته على قسمين: آيات محكمات، والمحكم هو واضح المعنى الذي لا يختلف في معناه اثنان، وهذه الآيات المحكمات الكليات هي تشكل أم الكتاب، يعني أصل القرآن، القواعد الكلية التي ينبغي دائما الرجوع إليها وتذكرها، سواء في التوحيد، سواء في الفقهيات، سواء في الأخلاقيات والسلوكيات.
فهناك قسم من القرآن ومن آيات القرآن تسمى الآيات المحكمات، والمحكم هو الواضح جداً الذي لا يختلف فيه اثنان، وتشكل هي أساس القرآن. وهناك قسم آخر من الآيات تسمى الآيات المتشابهات، والآيات المتشابهات هي الآيات التي تحتمل أكثر من معنى، وبالتالي حتى يعرف الإنسان معناها الصحيح يجب أن يربطها بالآيات المحكمات. تمام، فالآيات المتشابهات هي الآيات التي تحتمل أكثر من دلالة، ولكن هناك دلالات صحيحة وهناك دلالات خاطئة، فحتى تفهم الآيات المتشابهات بدلالاتها الصحيحة وبمعانيها الحقيقية، بعيداً عن أن تختلط عليك الأفكار والرؤى، عليك أن ترد الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات.
وهذه منهجية عظيمة جداً يرسخها كتاب ربنا سبحانه وتعالى في التعامل؛ لأن كثيراً ممن زاغ عن المنهج القويم في تفسير القرآن وفي فهمه، إنما وقف مع الآيات المتشابهات؛ آيات تحتمل أكثر من معنى، لكن لها معان هي الصحيحة ولها معان قد تفهم خاطئة، فحتى تستطيع الوصول إلى معانيها الصحيحة، اشبكها وارربطها مباشرة بالمحكمات، إذا ربطت المتشابهات بالمحكمات سيتضح لك معاني المتشابهات وتنتهي كل الإشكالات التي تدور في ذهنك حول هذه الآيات، لكن إذا بقيت تدور فقط مع المتشابه وتركت المحكم فستضطر.
ولذلك الله عز وجل مثلاً في كثير من آياته تكلم عن أسمائه الحسنى وصفاته العلى، أليس كذلك؟ ثم أعطاك قاعدة عامة كلية فقال: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ. وتكلم أيضاً في سورة الشورى فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. فعندما يقرأ الإنسان في آيات الصفات العلى وفي الأسماء الحسنى، عليه مباشرة -وهو يتدبر معانيها وينظر في مساحاتها- أن يربط هذه الآيات التي تتكلم في الأسماء والصفات بالقواعد الكلية العامة، فإن الله عز وجل مهما ورد من أسمائه ومهما ورد من صفاته ومهما تفكر الإنسان فيها، فعليه أن يعرف في النهاية أنه ليس كمثله شيء، وأنه ليس أو لم يكن له كفواً أحد. فإذا وقف الإنسان مع آيات الصفات دون أن يتذكر قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فإننا نخشى أن يقع إما في تعطيل لهذه الأسماء والصفات وإلغاء لها خوفاً من أن نقول إنه يشبه المخلوقين، أو يقع في تشبيه وتجسيد لله عز وجل بمخلوقاته، فبالتالي يأتي الموقف السليم -موقف أهل السنة والجماعة- أنهم يؤمنون بالآيات التي تتحدث عن أسمائه الحسنى وصفاته العلى وانه مستو على عرشه وأن له وجهاً سبحانه وتعالى وأن له الكثير من الصفات، لكنهم دائماً يربطونها بماذا؟ ومهما ورد في الأسماء والصفات فيعرف المسلم أن صفات الله عز وجل لا يدخل في كيفيتها، فانه ليس كمثله شيء، ومهما آمن الإنسان بمعاني الصفات بأنه متكلم مستو على عرشه يجيء لفصل الحساب وأنه سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر ومهما ورد من الصفات، فانه يبقى متذكراً أنه ليس له كفواً أحد، وبالتالي يبقى تبقى العقيدة متكاملة ولا يقع لا في تعطيل الأسماء الحسنى وإلغائها ولا في تشبيه صفات الله واسمائه بصفات المخلوقين.
وقص على ذلك كثير من المواطن التي وردت في القرآن ويقع فيها الاشتباه، خاصة على الإنسان العامي أو الطالب المبتدئ ولا يعرف كيف يحل الاشكال الوارد في هذه الآيات إلا بمنهج علمنا الله إياه، وهو الذي قال بأن علينا أن نرد الآيات التي تشكل معانيها علينا، أن نردها إلى الآيات المحكمات فتتضح لنا وتنسجم وتصبح كل القرآن واضحاً وكشفاً جلياً بحمد الله.
وأما الذين في قلوبهم زيغ وفي قلوبهم زيغ ولا يبحثون عن الحق لأنه الحق الذي يرضي الحق سبحانه، بل يقفون مع الآيات المتشابهات ولا يربطونها بالايات المحكمات، فالله عز وجل اخبرنا ان هؤلاء هم الذين يريدون الزيغ ويريدون الضلال ويريدون التلبيس على الناس، قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ -هم الأصول الكلية المركزيات إذا صحت التسمية- قَالَ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ تحتمل معاني صحيحه ومعاني قد تفهم غير صحيحة، حتى تفهم المعنى الصحيح لها اربطها بالمحكم.
لذلك قال: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ. والزيغ هو الميلان عن الجادة، فأخبرنا سبحانه أن الذين في قلوبهم زيغ، في قلوبهم مرض، في قلوبهم انحراف، قال: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ. يتبعون ويقفون فقط عند الآيات المتشابهات ولا يردونها إلى المحكمات حتى يبقى لهم مساحة في تأويل زيغه، قال: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ. لماذا يتبعون المتشابه ولا يربطونه بالمحكم؟ قال: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، لانهم يريدون ان يلبسوا على الناس في دينهم، يريدون ان يلبسوا على الناس في دينهم. قال: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، قال: وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ. وكلمة التأويل ايها الكرام لها ثلاثة معاني، عموماً من أشهر معاني كلمة التأويل: التأويل يأتي بمعنى التفسير، ومن هنا الإمام ابن جرير الطبري سمى كتابه جامع البيان في تأويل القرآن، أي التفسير. ويأتي كلمة التأويل بمعنى معرفة حقيقة الشيء في الخارج، من معاني كلمة التأويل هو أن يصل الإنسان إلى حقيقة الشيء وصورة الشيء في الواقع الخارجي كيف هي.
وهناك أمور وردت في القرآن لا يستطيع العقل البشري أن يعرف حقيقة صورتها في الخارج، أما مطلقاً لن يستطيع أن يعرف ذلك، وأما في عالم الدنيا لن يستطيع أن يعرف ذلك، فمما ورد في القرآن من الأمور التي لا يمكن أن نعرف حقيقتها في الخارج، كما قلت لكم قبل قليل: كيفية كيف ذات الله وكيف صفات الله، فنحن نوقن بوجود الذات الإلهية ووجود الصفات العلية ونثبت معانيها على طريقة أهل السنة والجماعة، لكن كيف هي هذه الذات وكيف اتصف الله بالصفات؟ تأويل ذلك -ما معنى تأويله؟ لا نقول تفسيره لا، تأويله يعني حقيقة ذلك في الخارج كيف هو؟ نحن لا نعرفها، فاننا لم نشاهد ذات الله سبحانه وتعالى، وبالتالي لن نستطيع أن نعرف كيف صفاته.
لذلك لما جاء إلى الإمام مالك بن أنس رجل فقال: يا مالك، ما معنى أن الله استوى على العرش؟ فقال له مالك: الاستواء معلوم، يعني معنى الاستواء معلوم كمعنى، لكن الكيف غير معقول، أما كيف يكون استواء الله على عرشه فهذا شيء خارج حدود العقل البشري، نحن لا نستطيع أن نعرف حقيقة ذلك في الخارج، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، يعني نؤمن بأن الله استوى ولا نسأل كيف استوى؛ لأن معرفة تأويل ذلك -إيش يعني تأويله؟ التأويل هنا بمعنى حقيقة الشيء في الخارج.
ولذلك مما ورد بكلمة التأويل بهذا المعنى بمعنى حقيقة الشيء في الخارج قوله سبحانه وتعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ. لاحظوا، يوم يأتي تأويله، يعني حقيقته في الخارج، وهذا كان كلام عن ماذا؟ عن الدار الآخرة. فالآن نحن بالنسبة لنا الدار الآخرة، لو سالتكم الدار الآخرة وما فيها من الجنة والنار، هل أحد فينا يعرف صورتها في الخارج؟ يعني هل أحد فينا راى الدار الآخرة؟ هل أحد فينا راى الجنة والنار؟ ما أحد فينا راى الجنة والنار وما أحد فينا راى الدار الآخرة.
بالتالي نحن عندما نمر على معاني الدار الآخرة في القرآن، نحن نؤمن بها، نصدق بها، ونجزم انه في يوم من الأيام سنراها، لكن الآن الآن إنما نفهم معانيها العامة؛ أن هناك دار آخرة، وأن هناك جنة، وأن الله عز وجل أعطانا ما فيها من النعيم ونؤمن أن هناك نار خلقها الله عز وجل وأخبرنا بما فيها من الجحيم، لكن هل أحد فينا يعرف تأويلها؟ ما معنى تأويلها يا جماعة؟ مهم جداً تعرفوا معنى التأويل في بعض سياقات القرآن: التأويل بمعنى صورتها في الخارج، يعني هل أحد فينا أدرك حقيقة الجنة والنار في الخارج فرأى؟ لا يوجد أحد فينا أدرك حقيقتها في الخارج فرآها، ولكن هذا النوع سياتي تأويله.
لذلك قال سبحانه وتعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ. يعني لما تأتي حقيقة الدار الآخرة ونراها عياناً، سيتذكر الذين نسوا الدار الآخرة -طبعاً نسيان إيش؟ نسيان إعراض وتغافل وتكذيب قد جاءت رسل ربنا بالحق- ساعتها بيتذكرون، بيقولون: إيه والله، الرسل كانت تخبرنا أنه في دار آخرة لكن احنا ما صدقنا فيها. إذا فكلمة التأويل في القرآن كثيراً ما تاتي بمعنى ادراك حقيقة الشيء في الواقع الخارجي.
تمام، طيب، نعود إلى هذا السياق، فقال سبحانه وتعالى: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، يعني مرض، ميلان عن الصواب وعن المنهج العلمي الصحيح في التعامل مع القرآن، فهؤلاء يتبعون الآيات المتشابهات التي يعني يقفون عندها التي لم يتضح معناها؛ لأن الآيات المتشابهات كما قلنا بطبيعتها لا يتضح لك معناها يا أيها المؤمن، ولا ينكشف لك الفهم الصواب لها، إلا كما قلنا بربطها بالمحكمات.
فاذا أنت فقط بقيت تدور حول الآيات المتشابهات فانت من الذين في قلوبهم زيغ؛ لأنك تبتغي الفتنه والضلال لنفسك وللمسلمين. وهناك هدف آخر لهم، قال سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ. هذا مقصد لبعضهم، قال: وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ. وما يعلم تأويله إلا الله. وابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، يعني بعضهم يقف عند الآيات المتشابهات يبتغي أن يعرف حقيقتها في الخارج، والله عز وجل يقول: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.
فهناك كثير من الآيات المتشابهات لا يعلم حقيقتها في الخارج إلا الله، والتشابه فيها قد يكون كما قلنا أنها مثلاً تتكلم عن قضايا عقدية غيبية، تتكلم عن قضايا عقدية غيبية، مثلاً حتى الملائكة، حتى ملك الموت، حتى قضايا البرزخ، هذه الأمور نحن في الدنيا لا أحد فينا يعرف حقيقتها في الخارج ما دمنا على قيد، لا نعرف حقيقتها في الخارج، فالوقوف عند هذه الآيات التي يتطلب فيها أن يعرف الإنسان، هكذا يصبح الإنسان يظن أنه يستطيع أن يعرف حقيقة وصورة اتصاف الله بصفاته حقيقة، وكيف استوى الله على عرشه، كيف الله سبحانه وتعالى يفعل كذا ويفعل كذا، كيف موضوع الجنة والنار، يقول الله عز وجل لهم: هذه الأمور عليكم أن تؤمنوا بها إيماناً.
حتى مثلاً القضاء والقدر، نحن نؤمن أن هناك قضاء وقدر، لكن لماذا اختار الله عز وجل فلاناً لكذا؟ ولماذا اختار الله فلاناً لكذا؟ لماذا الله عز وجل قدر لفلان أن يكون من أهل الجنة؟ ولماذا فلان في سابق الأزل قدر الله عز وجل أن يكون من أهل النار؟ لو أن الإنسان يريد أن يقف مع هذه الأمور ويسبح معه في ذهنه وخاطره سيضيع ولن يستطيع أن يعرف تأويلها، كثير من الناس يريد أن يعرف كل شيء: لماذا يا رب كتب فلان من أهل الجنة؟ يريد أن يعرف حقيقة ذلك في الخارج. لماذا يا رب كتبت فلان من كذا وكذا؟ لماذا يا رب حصل كذا وكذا في القدر لفلان؟ لماذا يا رب فلان يعيش 40 وفلان يعيش 60؟ يا اخي هذه الأمور خلاص أنت تؤمن بها لكن لا تستطيع أن تعرف حقيقتها في الخارج، فهذا من العلم الذي استأثر به ربنا سبحانه وتعالى.
إذاً، في هناك جانب كبير من العقيدة هو الغيب، لذلك أهم منقبة من مناقب المؤمنين والتي ستاتي معنا في مطلع سورة البقرة أن الله عز وجل قال: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ۙ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. نعم، هناك أمور ضمن عالم الشهود يستطيع الإنسان أن يشاهدها ويعرف حقيقتها ويبصر بعينيه، وهناك جزء من العقيدة وهذه قسم كبير ومهم منها هو من جانب الغيب الذي من لا يؤمن به كفر، ومن يتطلب البحث عن حقيقته في الخارج قد تصل به هذه الأفكار وتتسلسل به إلى الكفر.
فما وظيفة أو ما موقف المؤمن من القضايا الغيبية؟ ما موقف المؤمن من القضايا الغيبية؟ أنه لا يتطلب تأويلها، لا يتطلب تأويلها، ايش يعني لا يتطلب تأويلها؟ لا نقصد بلا يتطلب تأويلها يعني لا يتطلب تفسيرها، لا، لازم أفهّم ما معنى أن الله سبحانه وتعالى متصف بالاسماء الحسنى وما معاني هذه الأسماء وما تأثيرها في حياتي، لازم أفهم ما معنى صفات الله سبحانه وتعالى وأؤمن بمعانيها، لكن لا أتطلب تأويله، يعني لا أتطلب وأبحث كيف صورتها في الخارج، لا، لابد أؤمن أن الله سبحانه وتعالى قضى وقدر وكتب كل شيء في كتاب وو... إلى آخره، لكن لا أبحث في تفاصيل لماذا قدر لكذا.
ولماذا قدر لكذا؟ إذا كان هذا من علم الغيب الذي لا يطلع عليه فبعض الناس، للاسف الشيطان يلبس عليه في هذا الباب، فيصبح يبتغي التأويل، يعني يبحث عن تصور الشيء في الخارج، ولا يمكنه أن يتصوره في الخارج لأنه من علم الغيب. فإذا أنت تريد أن تتصور شيئا كيف هو في الواقع الخارجي مع أنه من علم الغيب، فهذا سيجعلك تقع في ضلالات كما حصل مع بعضهم أنه وقع في تشبيه الخالق بالمخلوقين في كيفية إضافته بصفاته وهذه من العقائد التي حاربها أهل السنة أنه أصبح يفكر: كيف بصر؟ كيف وجه الله؟ فأصبح يتخيل أن وجه الله كوجهه، أو كيف استوى الله على العرش، فأصبح يتخيل أن استواء الله كاستوائه، أو أصبح يتخيل كيف ينزل الله إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فأصبح يتخيل أن ذلك كنزول الإنسان، وحاشاه سبحانه وتعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
فابتغوا تأويل هذا بمعنى معرفة كيف صورته في الخارج يورث الضلال. كذلك البعض أراد أن يبحث عن تفاصيل في القضاء والقدر لا يبلغها العقل البشري، ويريد أن يفهمها في الخارج، فوقع في وسواس ديني ووسواس عقدي وأصبح يشك، بل أصبح بعضهم يصاب بالإحباط وترك العمل: إنه كل شيء بقضاء وقدر، إذا لماذا نعمل وما شابه ذلك؟ فالله عز وجل يقول لك: احذر من منهجية أن تقف، احذر مع منهجية أن تقف مع المتشابهات ولا تردها إلى المحكمات.
أما ابتغاء للفتنة، يعني الذين يقفون مع المتشابه إما يبتغون الفتنة لهم ولغيرهم، أو يبتغون معرفة حقائق الشيء في الخارج، والله يقول لك: هناك أمور مَّا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، يعني لا يعرف حقيقتها في الخارج إلا الله سبحانه وتعالى. ثم قال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا. العلماء الراسخون يؤمنون بالمحكمات وبالمتشابهات، ويستطيعون أن يفهموا الآيات المتشابهات في ضوء الآيات المحكمات، فلا تشكل عليهم ويصبح كل شيء واضحا، فيعرفون كل آية كيف يؤمنون بها، كيف يفهمونها، ما هو المقدار المسموح لهم أن يفكروا فيها.
وقالوا في النهاية: كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا، هذه منهجية أهل العلم، لذلك قال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، أي آمنا بهذا الكتاب، كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا، إيش يعني كل؟ يعني المحكمات والمتشابهات كلها من عند ربنا، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. هذه حقيقة قاعدة مهمة جدا، وهذه القاعدة ايها الكرام كما أنها تطبق على القرآن والقرآن هو الكلام المعجز البين الواضح، لكن حتى لما نقول إن القرآن بين واضح هذا لا يعني أنه لا يوجد منهجية علمية في التعامل مع الآيات، إنه بعض الناس يقول: طب يا شيخ، أليس كل القرآن بين؟ والله عز وجل يقول: حَامِمُ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إذا القرآن نزل للبيان، فهل يعقل أن في القرآن آيات مشكلة؟ لا، مو هذا اللي بدي اياك تفهمه أن القرآن لا يعني فيه آيات مشكلة، لا القرآن في منهجية علمية لفهم آياته، في هناك آيات واضحة وهناك آيات متشابهة.
هذه الآيات المتشابهة لا تعني أنها ليست بيانا، بل هي بيان، لكن في منهجية علمية حتى تحصل البيان منها. المنهجية العلمية حتى تحصل البيان منها هو أن تردها إلى المحكم، فإذا رددتها إلى المحكم على طريقة أهل العلم عندئذ حاصل البيان الكامل الشافي التام للإنسان. ووجود الآيات المتشابهات قد يسأل البعض: طب لماذا الله عز وجل أراد وجود آيات متشابهات فهمها ينبني على ربطها بالمحكمات؟ لماذا لم يجعل القرآن كل القرآن من قبيل المحكمات؟
الجواب هو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يمايز بين المتدبرين وبين غير المتدبرين، هذا أول شيء، فأراد أن يكون هناك جزء من الآيات يحتاج إلى جهد وتعب في فتح أقفالها من خلال ربطها بالآيات المحكمات. أيضا أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون بعض الآيات محل ابتلاء ليعرف سبحانه وتعالى من الذين في قلوبهم زيغ فيقفون عند المتشابهات ولا يريدون ردها إلى المحكمات. فإذا هناك جزء من البلاء بآيات القرآن، هناك جزء من البلاء لآيات القرآن لأن الله سبحانه وتعالى وضع هذا القرآن وقسم آياته إلى محكم ومتشابه، واعطاك المنهج وقال لك: هذا المتشابه بدك ترده إلى المحكم.
ثم سبحانه وتعالى يطلع على أفعالكم فينظر من الذي سيلتزم بالمنهج والخطه والرسم الذي وضعه الله سبحانه وتعالى لنا ويرد المتشابه إلى المحكم، فهؤلاء من الراسخين في العلم الموفقين من الهداه المهتدين. ومن الذي سيترك المنهج الرباني ويترك الإرشاد الإلهي وسيوقف مع المتشابه؟ والله أخبرنا أن هناك من في قلوبهم زيغ، وهذا حقيقة الذي وقع مع كثير من الفرق الإسلامية التي ضلت عن جادة أهل السنة والجماعة. فإن كثيرا من الفرق التي ضلت عن جادة أهل السنة والجماعة من الروافض والجهمية والمعتزله ثم الأشعرية والماتريدية، إنما أخطأ هذا المنهج ولم يحكموا رد المتشابهات إلى المحكمات، فنشأ عندهم تعارضات وأقوال مباينة للعقيدة الحقة التي كان عليها سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم.
فنعم، هناك محنه مع بعض آيات الله سبحانه وتعالى، محنة يعني ابتلاء واختبار يريد الله عز وجل وجود الآيات المتشابهات حتى ينظر في أعمالنا وكيفية معالجتنا لها، هل سنتبع ما أمرنا الله به في رد المتشابه إلى المحكم؟ أم سنتبع الزيغ والميلان وطريقة الفلاسفة ونبتعد عن منهج الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة في التعاطي مع هذه الآيات؟ فهذه حقيقة آية عظيمة جدا جدا، لذلك دائما يركز عليها في كتب التفسير، في كتب علوم القرآن، في كتب أصول الفقه، لأنها تشكل منهج.
ثم هذه القضية، قضية وجود المحكم والمتشابه حقيقة أيها الكرام، هذه ليست قضية فقط في القرآن، بل حتى في سنة النبي صلى الله عليه وسلم هناك نفس الفكره، هناك أحاديث محكمات واضحات، هناك أحاديث متشابهات. الأحاديث المتشابهات التي يمكن أن تفهم بشكل صحيح يمكن أن تقدم تصورات خاطئة لها، إذا أردت أن تفهمها بالشكل الصحيح لابد وأن تربطها بالأحاديث المحكمات. فالدين والاسلام لا يؤخذ من آية واحدة، لا يؤخذ من حديث واحد، بل ينبغي أن ينظر في مجموع الأحاديث حتى تتشكل الرؤية الصحيحة، لابد أن ينظر في مجموع القرآن حتى تتشكل الرؤية الصحيحة. وقس على ذلك كلام السلف، وقس على ذلك كلام الأئمة وكلام العلماء من المتقدمين والمتأخرين.
فإذا أردت أن تفهم كلام عالم عليك أن تعرف أن هذا العالم، سواء كان من علماء السلف أو حتى من العلماء المتأخرين، هناك كلمات واضحة له تبين منهجه وهناك كلمات أخرى له متشابهة. إيش يعني متشابهة؟ هناك كلمات تحتمل أكثر من معنى، مثلا عند أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل مثلا كلمات واضحات بينات تشكل دستورا يمثل منهجه وهناك كلمات له وردت في العقائد أو الفقهيات كلمات مشتبهات، إيش يعني أو متشابهات تحتمل أكثر من معنى.
فحتى تفهم معنى هذا الكلام المتشابه عليك أن ترده إلى كلامه المحكم، فتجمع بينهما فيتضح لك بإذن الله كل شيء. وأما الذين في قلوبهم زيغ فكانوا يأتون إلى كلام العلماء المتشابه اللي يحتمل أكثر من معنى، فيوظفون هذا الكلام لصالحهم ولرغباتهم، وتنشأ عقائد المبتدعة من المتأخرين ويتركون المنهج العلمي الصحيح الذي يقتضي أنه لا في النهاية، هؤلاء إذا كان القرآن وهو أعظم كلام، الكلام المعجز فيه متشابهات ومحكمات، فما بالك بكلام البشر حتى ولو كانوا من العلماء؟ شيء طبيعي أن يكون لأي عالم في الدنيا كلمات واضحات تبين حقيقة منهجه العام وكلمات متشابهات.
وسَبَبُ التشابه في كلامنا أن أحيانا الإنسان كعالم قد يتكلم بكلمة يقصد بها شيء لكن العبارة لم تسعفه، فاستخدم عبارة ليعبر بها عن معنى، لكن العبارة شوي فضفاضة ويمكن أن تفهم على أكثر من اتجاه، لكن من يربط هذه العبارة بالكلام المحكم لهذا العالم، خلص يتضح له مقصوده وانتهى بدون فذلكة وبدون، لأنه سبحان الله أهل الباطل يقفون مع عبارة عبارتين ويبقون يخوضون بها يخوضون بها ويشعرونك كأن كل كلام السلف محصور في هاتين العبارتين مع أن هناك العبارات الواضحات البينات التي لا تنطح فيها عنزتان ولا يخترب فيها رجلان.
يتركون كل هذه الكلمات الواضحات التي فيها الشفاء والهداية والنور ويقفزون مباشرة إلى المتشابهات، لأنهم يعرفون سبحان الله أن الكلمات المتشابهات للسلف تحتمل أكثر من معنى، فهذه الفرقة ممكن تحمل هذه الكلمه على ما تفهمها هي، وهذه تحملها على ما تريد، وهذه تحتمل على ما تريد. فإذا جئت تناقشه في منهج السلف يقول لك: يا اخي هي أحمد بن حنبل قال كذا، طب ما هو الشافعي قال كذا؟ يقول ماشي، الشافعي قال كذا، بس للشافعي كلمات واضحة في أماكن أخرى تبين مراده بهذا المتشابه.
هذه حقيقة، هذه الآية هي ليست مجرد آية تتكلم عن منهج علمي في التعامل مع القرآن، بل تتكلم عن منهج علمي في الحياة، آية عظيمة جدا تتكلم عن منهج علمي في الحياة: كيف أنك يا أيها المسلم في الحياة ستجد أشياء تحتمل أكثر من معنى ويمكن أن توظف بأكثر من اتجاه ويمكن أنه تأخذها هذه الطائفة وتأخذها هذه الطائفة؟ طب ما موقفي منها؟ مع من أقف؟ أي الفهوم لهذه الآية هو الفهم الصحيح الذي يمثل منهج السلف؟
عليك إذا أن ترد المتشابهات إلى المحكمات الواضحات، فتعرف منهج السلف وتعرف ما هو الموقف الصحيح من هذه الآية المتشابهة، من هذا الحديث المتشابه، من هذا الكلام لهذا العالم المتشابه. ردوا دائما إلى محكمات القرآن ومحكمات السنة ومحكمات السلف ترى تنحل أمامك الأمور. وأما الذين في قلوبهم زيغ، اللي في قلوبهم مرض، الذين لم تصفى قلوبهم للكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة فلا يحبون إلا الوقوف مع المتشابهات، لا تطيب نفوسهم إلا بالوقوف مع الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم المتشابه، لأنهم يرون أنهم يمكن أن يتسللوا لفكر الأمة ويفسدوا عقائد الأمة من خلال المتشابه، أو أن المتشابه على الأقل يمكن أن تلوي عنقه ليوافق آرائهم.
والذي حصل ما هو أيها الكرام؟ الذي حصل في تاريخ الأمة أن بعض الأفاضل غفر الله لهم وسامحهم تأثروا بعقائد الفلاسفة، تأثروا بعقائد الفلاسفة اليونان وعقائد الفلاسفة الفرس، وبعضهم تأثر بعقائد فلاسفة الهند، فاعتقدوا عقائد فاسدة وألصقوها بالإسلام وقالوا: هكذا هو دين محمد صلى الله عليه وسلم، لكن لم يستطيعوا أن يروجوا هذه العقائد الفاسدة، طبعا هم اجتهادهم يتصورون أنها عقائد صحيحة، يعني لا يشترط أن يكون هو معتقد أنها فاسد، لا هو قد يتصور أن هذا هو الاسلام، لكن لماذا أخطأ؟ لأنه ما اخذ عقيدته من القرآن ومن المنبع الصافي، بل للاسف حاول أن يصور الإسلام على طريقة الفلاسفة وأراد أن يتصور العقide على طريقة ليست هي طريقة السلف الصالح.
فالمهم، هؤلاء لما اخذوا يتصورون عقائد الإسلام وفق منهج فلسفي فقرروا العقيدة وفق هذا المنهج، اصطدموا بآيات القرآن التي تخالف منهجهم والعقائد التي قرروها، اصطدموا بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الواضحة التي تخالف أيضا كما قلت منهجهم والعقائد التي أصلوها سواء من المعتزلة أو الأشاعرة أو ما شابه ذلك، فما وجدوا حلا، ما وجدوا حلا حتى يوافقوا بين الرؤية التي وصلوا إليها وبين القرآن إلا أن يأتون إلى الآيات المتشابهات فيقنعون الناس أن هذه الآيات المتشابهات هي الآيات الصحيحة الواضحة البينة وهي التي تمثل عقائدنا نحن الأشاعرة أو نحن الماتريدية أو نحن المعتزلة أو ما شابه ذلك.
وكذلك أتُوا إلى أحاديث المتشابهات فوجدوا أن المتشابهات هي الحل الوحيد لهم ليؤكدوا للناس أو ليقنعوا الناس أن عقائدهم التي صوروها هي تمثل الإسلام، فوجدوا في الآيات المتشابهات متنفسا أنه هي آية متشابهة لها أكثر من معنى، إذا خليني اجيبها وأصورها للناس بالمعنى الذي يتفق مع رؤيتي الفلسفية. فأصبح الناس بعد ذلك يقتنعون أنه اه والله القرآن يوافق عقيدة الأشاعرة أو يوافق عقيدة المعتزلة أو يوافق عقيدة، وقس على ذلك.
لماذا؟ هذا وهو، شوف هي العالم الفلاني استدل على عقيدته بالقران، هو نعم استدل بالقران، لكن استدل بايش؟ استدل بمشابه القرآن، أتَى لآية متشابهة تحتمل أكثر من معنى فأراد أن يوظفها للمعنى الذي يخدم رؤيته الفلسفية، ولو أنه رد هذه الآية المتشابهة التي تحتمل أكثر إلى المحكم لوجد أن رد المتشابه إلى المحكم يضرب نظريته الفلسفية أو تصوره الفلسفي عن العقيدة الإسلامية، وبالتالي هذا عليك أن تففمه جيدا أن كما قال الأئمة: لا يوجد صاحب بدعة في العقيدة أو حتى صاحب بدعة في العمل إلا ولا بد وأن يستدل على بدعته في العقيدة أو يستدل على بدعته في العمل، يستدل بماذا؟ بآيات قرآنية متشابهة، يعني تحتمل أكثر معنى تدل على عقيدته.
أعطيك مثال حتى تفهم الصورة: قوله سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. الآن هذه الآية للوهلة الأولى، للوهلة الأولى إذا قراها الإنسان وحدها دون أن يربطها بجسد القرآن، قد يفهم منها عدة معان، من المعاني التي قد تفهم معنى باطل: قد يفهم البعض أن الجنة يدخلها الإنسان بايش؟ يلا انظر في عقولكم، هل أنتم متبعين معنا ولا ما انتم متابعين؟ المعنى: ماذا يمكن أن يفهم الإنسان فهما خاطئا لهذه الآية؟ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، كيف يمكن أن تفهم الآية فهما خاطئا يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة حتى تفهموا كيف يقف أهل البدع والأهواء مع الآيات المتشابهات؟
ممتاز، إذا فهمتم علي جزاكم الله خير، البعض فهم من هذه الآية، وهم المعتزلة، أن الجنة يأخذها الإنسان عوضا على عمله، يعني أنت عملت عمل بتيجي عند رب العالمين يوم
القيامة بتقوله: يا رب أنا أريد الجنة عوضاً على عملي. تمام، لكن سؤال: هل الجنة هي خلص يدخلها الإنسان أو يأخذها الإنسان عوضاً على عمله؟ يعني هل عمل الإنسان هو السبب الكامل لدخول الجنة؟ هل عملك الصالح هو سبب دخولك الجنة؟ لا.
صحيح، إذا أنت بدك توقف عند هذي الآية وحدها، هذه الآية من المتشابهات. شو يعني المتشابهات؟ يعني بتحمل أكثر من معنى من معانيها التي يمكن أن يفهمها البعض، وهو معنى غير صحيح وغير مقصود أصلاً بالآية. يفهم البعض أن الجنة إحنا بنأخذ عوض على أعمالنا. ممتاز، وهذا ما أراد المعتزلة أن يصلوا إليه، فالْمُعْتَزِلَةُ وصلوا إلى قناعة ونشروها، أن الجنة هي عوض على العمل. طبعا هم عندهم عدة مشاكل في العمل؛ هم يرون أصلاً أن الإنسان لما يعمل عملاً، الله عز وجل لا يخلق أعمال الإنسان، الإنسان هو الذي يخلق عمله بنفسه، بل بعض المعتزلة وصل إلى أن الله عز وجل أصلاً -والعياذ بالله- لا يعرف أعمالنا حتى نعملها! يعني الله ما عنده علم مسبق ايش إحنا راح نعمل؟ لا، هم بعضهم بعضهم يقول: إن الله أصلاً ما بيعرف شو راح تعمل، هو بيستنى منك تعمل، أنت يا انسان بتخلق فعلك بنفسك، ولما تعمل خلص بتتسجل حسناتك وسيئاتك، إذا عملت أعمال ممتازة الله سبحانه وتعالى بدخلك الجنة عوضاً على عملك الممتاز، عوض هيك، أنا معاوضة، أنت بتشتغل بموضة.
الآن لو بدك توقف مع هاي الآية وحدها وحدها دون أن تقرأ الآيات الأخرى في القرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ستضيع، وستأتي إلى معنى فاسد، وهذا اللي حصل مع المعتزلة، فوصلوا لقناعة أن الإنسان يدخل الجنة عوضاً عن عمله. فجاء أهل السنة والجماعة فقالوا للمعتزلة: ترى هذا الفهم خاطئ، وأنتم وقفتم مع آية متشابهة. الآن شو يعني آية متشابهة؟ يعني آية يمكن أن تحمل على أكثر من معنى، ويمكن تكون بعض المعاني التي تحمل عليها فاسدة إذا لم تربط بالآيات الأخرى. آه، فهناك آيات أخرى وأحاديث أخرى عن النبي عليه الصلاة والسلام تبين أن الجنة لا يدخلها أحد بمجرد العمل، وإنما دخول الجنة برحمة الله. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قال: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته. وهذا يتوافق مع قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ. فكل إيماننا وهجرتنا إلى الله ورسوله وجهادنا هو بحث عن رحمة الله فقط، ورحمة الله هي التي راح تدخلنا الجنة. وإلا فكل أعمالنا المسطرة في الأعمال الصالحه مهما بلغت في الجود والاتقان هي ترى لا تكافئ نعمة من نعم الله علينا، وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا. يعني كل عملك طول حياته من صلاة من جهاد ومن ومن ومن هو لا يكافئ نذراً يسيراً من تفضل الله عليك، وسيكون أصلاً عملك فيه تقصير في الخشوع وفي الاتقان ومسوب بشيء من الرياء ومسوب بعثرات كثيرة، فكل عملك هو لا، يعني سلعة الله غالية، والجنة أعلى بكثير بكثير من كفاءة وجودة عملك.
فإياك أن تظن وتقف مع قوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، تقف مع هذه الآية وتفكر إنه أنا راح أدخل الجنة عوضاً على عملي. احذر! إذا وقفت فقط مع هذه الآية أنت وقفت مع المتشابهات. عليك أن ترد المتشابهات إلى المحكمات التي تبين أن كل عمل الإنسان الجيد النافع هو لا يكافئ نعمة من نعم الله، ولا يستطيع الإنسان أن يؤدي حق الله على التمام، وإنما المطلوب من هذه الأعمال الصالحة أن ننال الرحمة، والرحمة هي التي تدخلنا الجنة. إذاً هذه فقط مثال من الأمثله كيف أن الوقوف مع المتشابهات جعل المعتزلة يضلون في فهم الآية، ويعتقدون أن مرادها أن الجنة هي عوض معاوضة بينك وبين الله على العمل. فجاء أهل السنة فبينوا له أنه ما بصير تفهم الآية في سياقها هكذا. الله عز وجل هنا، طب لماذا قال: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ؟ لماذا إذا قال أنها بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ؟ ليدل لك على قيمة العمل، وأنه نعم، أنت تحتاج إلى عمل، وأن رحمة الله رحمه الله لن تنالها بدون عمل. فقوله بما كنتم تعملون هو إشارة إلى السببية، فهذه قالوا: باء السببيه وليست باء المعاوضة. ايش يعني باء السببية مش المعاوضة؟ يعني الجنة تدخلها بسبب الأعمال، لكن كيف؟ آه، بدي آتي إلى الآيات الأخرى والأحاديث الأخرى فأفهم أنه العمل يحقق لي رحمة الله، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، آه، أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ. فالله يخبرني أن الرحمة لن أنالها إلا بالعمل الصالح، وإذا نلت رحمة الله والله نظر إلي نظرة رحيم رؤوف عندئذ سيدخلون الجنة. كيف أنا وصلت إلى هذه العقيده الكاملة وصوبت رؤيتي العقدية في هذا الجانب؟ من خلال رد هذه الآية المتشابهة إلى الآيات المحكمات الواضحات فتجلت لي الصورة، وقص على ذلك كل أشكال الزيغ.
فبالتالي المعتزله هنا، المعتزلة على عقائدهم الفاسدة، ألم يستدلوا بالقرآن؟ يعني هذه عقيدة لهم فاسدة أن الجنة معاوضة، كيف استدلوا؟ سؤال: كيف استدلوا باية؟ هم راحوا على التوراة والإنجيل استدلوا فيها؟ لا، استدلوا بالقرآن! استدلوا بآية قرآنية، وبالتالي لا تجي تقول لي: طيب يا شيخ ما هم أشاعرة يستدل بالقران، الماردية يستدل بالقران، الجهمية يستدل بالقران. أخي، كل صاحب بدعة يستدل بالقران! مين قال لك كل صاحب بدعة هو يستدل بالقرآن؟ لكن فرق بين من يقف مع متشابهات القرآن ولا يرد المتشابه إلى المحكم، وبين من يتعامل مع القرآن بمنهج متكامل؛ فيتعامل مع هذه الآية في ضوء تلك الآية فيرد هذه إلى هذه إلى هذه، فيكتمل أمامه الجسد فيفهم أمام القرآن فهماً كاملاً واضحاً على طريقة السلف. هذا نعم، وإن أطنب فيه لكن حقيقه لأنه مهم جداً جداً كمنهج علمي يحميكم إن شاء الله، يحميكم من الضلال في حياتكم، يحميكم من الزيغ، يحميكم من أن تعتقدوا أن كل الفرق تستدل بالقران. أريد أن أبين لك أن هناك نعم، كل الفرق ستستدعي، بل حتى قمه الزنادقه في الفرق الإسلامية، أعلى درجات الزنادقة في الفرق الإسلامية استدلت بالقرآن.
ابن سينا، تعرفوا ابن سينا هذا الذي يصورونه لكم أنه طبيب، ولكنه -طبعاً- هو قال عن نفسه إنه من الفرقة الباطنية. طبعاً الفرقة الباطنية هؤلاء كفار تمام، هو قال على نفسه إنه هو أصلاً من الفرق الباطنية، وألف كتب في الفلسفة كفره عليها الغزالي وغيره من أهل العلم، والرجل يستدل على آتاره الفلسفية الكفرية بالقرآن. يعني أنت فلن تجد صاحب فرقة ينسب نفسه إلى الإسلام إلا ستجد أنه يحاول أن يحرف النصوص ويلوي أعناقها ليشبه على الناس أنه: ترى أنا يا جماعه، ترى ما خرجت عن القرآن، ترى كل أفكاري ومعتقداتي موجودة في القرآن! ثم يأتي لك بآية قرآنية، فتجد الإنسان البسيط أو الساذج أو الذي ليس له خبرة في التعامل مع المنهج العلمي القراني تجد آية: طب هي استدل بالقرآن يا شيخ! هو الرجل ما قال: قال الله قال رسول الله؟ نعم، هو مش كل شخص قال الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صحيحاً، بعضهم يأتي إلى الآيات التي يمكن أن تشبع هواه فيقتنصها ويردها، فانت كمسك ماشي السوق عليك. وهذا ليس فقط -عفواً- في الفرق العقدية القديمة، بل حتى اليوم، حتى اليوم مع الأفكار النسوية، حتى اليوم مع الحداثة وما بعد الحداثة، حتى مع العلمانية والليبرالية والمفسرين، كل اللي خرجوا عبر الفترات الماضية من عدنان إبراهيم وشحرور وكل هذه الاشكال وكل هؤلاء أصحاب الانحرافات الذين حرفوا عقول الشباب، في النهاية هو بجيبي بيقول لك: قال الله. صحيح، لكن ليس كل شخص، هذا من أجلكم يا أيها المسلم ويا أختي المسلمة، ليس كل شخص خرج على السوشيال ميديا أو خرج على التلفاز وقال أمامكم: قال الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا، مباشرة بسذاجة إنه: آه، هي بحكي بالقران والسنة، لا أخي!
لذلك الله عز وجل هنا امتدح من قال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. في هناك إنسان راسخ في العلم يجمع الآيات كاملة، اطلع على كل الآيات فربط ببعضها البعض فتشكلت لديه صورة كاملة. هناك العلماء الراسخون الذين تضلعوا وتشبعوا من السنة، فمروا على آيات السنة كاملة أو -عفواً- فقرأوا السنة كاملة فاستطاعوا أن يتشكل لديهم صورة واضحة، فبالتالي هؤلاء هم الذين يقدمون رؤية عن الإسلام وأفكار الإسلام. مش كل شخص قرأ آية آيتين أو وقف مع حديث حديثين من المتشابهات يقدم رؤية عظيمة للإسلام، هو رؤية هواه ومزاجه وذوقه، لكن حتى يسوق تجارياً بين الناس جاب له آية قرآن متشابهة وحديث متشابه ورقع لك اياها وطلع لك بمنتج، وأنت في النهاية بتفكر إنه بتكلم باسم الإسلام وباسم العقيدة، لكنه يتكلم بهواه وبفسد الأخلاق والقيم والدين. إحنا اليوم جداً جداً نحتاج هذه الآية وأن نقف معها: فَمَامَا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ. كل هؤلاء شحرور ولا غيرهم -أسأل الله العفو والعافيه- كلها ينطبق: فَمَا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ. بدك تفهم ما الذي يحصل في هذا العالم، وما الذي ينتجه لك الإعلام والسوشيال ميديا حتى لا تتورط وحتى لا تظن أن الذي يتكلم باسم الدين، لا، هناك عالم رباني هو الذي له الأحقية أن يتحدث ويبين رؤية الإسلام، وهناك صاحب شبهة وصاحب زيغ ميلان انحراف يتبع الآيات المتشابهات ولا يردها إلى المحكمات فيضلك ويضل الناس. احذر يا رعاك الله! احذر يا رعاك الله!
تمام، ثم قال سبحانه وتعالى في الآية التي تليها لما بين في الآية السابعة أن هناك من في قلوبهم زيغ وهوى، أراد أن يعلمك دعاء تدعو به دوماً في صلاتك وفي حياتك، قال سبحانه يعلمنا ماذا ندعو: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مَن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ. كأن الله يقول لك: قل هذا يا مؤمن، قل هذا يا مؤمن: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا. يا رب، لا تجعلنا من الذين في قلوبهم زيغ ميلان، لا تجعلنا ممن يبحث عن الشهرة والاضواء والأهواء والذوقي، اجعلنا يا رب ممن يكون متبعا لا مبتدعا منقاداً لا متفلتاً. رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا. يا رب نسألك أن لا نميل عن الصواب، يا رب نسألك الاستقامة، نسألك الثبات على منهج السلف الصالح حتى نلقاك. رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مَن لَّدُنكَ رَحْمَةً. لأن الرحمة كما قلنا قبل قليل هي هي التي ستدخلك الجنة؛ رحمة الله. وَهَبْ لَنَا مَن لَّدُنكَ رَحْمَةً؛ رحمة الله. إذا كنت في رحمة الله في الدنيا والآخرة فأنت سعيد، وإذا حرمك الله من رحمته فأنت شقي. وَهَبْ لَنَا مَن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ. رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ. دائماً تذكر اليوم الآخر وأن الناس مجموعون ويوقفون بين يدي الله هو الذي يجعل الإنسان حريصاً على تحقيق معاني التوحيد، حريصاً على تلمس طرق الهداية، حريصاً على طريقه السلف الصالح والعلماء الربانيين الذين يدركون أن هناك يوم سيقفون فيه بين يدي الله، يشعرون بمسؤولية هذا اليوم. فتذكر هذا اليوم من أكثر المعاني التي تجعل الإنسان يكون وجلاً خائفاً متلمساً لطرق الهداية والصواب: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
ثم قال سبحانه وتعالى بدأت السورة الآن تدرج رويداً رويداً للحديث عن الكافرين، وأساساً الحديث عن النصارى واليهود. قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ. الله عز وجل يريد أن يبين أن الذين كفروا مهما بلغوا في الغنى، مهما بلغوا من الثروات والأولاد والجاه والسلطان، كل أموالهم وأولادهم لن تغني عنهم من الله شيئاً. ودائماً وأنت تسير في الحياة وتنظر في الحياة الغربية المعاصرة في ذلك الإنسان الغربي المادي المترف الذي يعيش على شواطئ البحار وفي الغابات الجميلة وفي السيارات وفي الملذات و و و، وأنت كمسلم ترى الاستضعاف وترى القهر وترى الفقر يعم كثير من بلاد المسلمين، تذكر هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا. فالله عز وجل يعطي الدنيا للمؤمن والكافر، بل الله عز وجل قد يعطي الكافر أكثر أكثر بكثير مما يعطي المؤمن، لكنه يخبرك: إياك أن تتيه البوصلة لديك يا مؤمن، إياك أن تتزعزع عقيدتك عندما ترى نفسك فقيراً أو معدماً أو مبتلى، وترى الكافر مستكبراً بماله وأولاده، فإن كل هذه الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن هذه الأموال وهذه الأولاد التي منحها الله لهذا الكافر لن تغني عنه من الله شيئاً: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا.
لأنهم ماذا قال؟ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ. هم حطب جهنم والعياذ بالله. وحالهم وعادتهم والسنة التي تجري على هؤلاء الكافرين قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل هي السنة التي جرت على آل فرعون ومن قبل من الطغاة: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. فالكفار المعاصرون والكفار في زمن النبي عليه الصلاة والسلام والكفار في كل زمن وحين، سنة الله فيهم واحدة. قال: كدأب، يعني كسن كعادتنا في آل فرعون واللي قبل آل فرعون من قوم نوح وقوم يعني وغيرهم من الأمم السابقة: كَذَبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ. كل من تعرض لآيات الله بالتكذيب، كل من تعرض لآيات الله
بالاعراض، كل من استهزأ ورفض وأعرض ووقف في وجه هذا الإسلام العظيم، الله عز وجل سيأخذ بذنوبهم، والله شديد العقاب. فلاحظ هنا تهديد ووعيد واضح لكل كافر معرض عن منهج الله سبحانه وتعالى؛ أن هذا الإعراض لن ينفعك، أن إمدادك بالمال والبنين لن تغني عنك من الله شيئاً، أن سنة الله ستلحقك كما لحقت من قبلك، وسيأخذ الله بذنوبك، والله شديد العقاب. قل للذين كفروا عبر التاريخ: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد.
يقولون بعد غزوة بدر وانتصار الساحق للمسلمين؛ يهود بني قينقاع وهم إحدى القبائل اليهودية التي كانت تسكن المدينة، قال للنبي عليه الصلاة والسلام -وهؤلاء يهود يعارضون الإسلام منذ فجره- قالوا يهود بني قينقاع للنبي عليه الصلاة والسلام: لا يغرنك يا محمد أن انتصرت على قريش في بدر، وأن لقيت قوماً غفلاً في القتال، فوالله يا محمد صلى الله عليه وسلم لئن قاتلتنا لتعرفن من نكون. لهجة تهديد؛ يهود بني قينقاع كانوا يسكنون في المدينة يهددون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون له: لا تفرح أن انتصرت على كفار قريش، فإن كفار قريش غفل في القتال، والله إذا رأيتنا لتعرفن كيف قتالنا.
فأنزل الله -قيل هذا سبب نزول هذه الآية-: قل يا محمد صلى الله عليه وسلم لليهود: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. وكما قالها النبي صلى الله عليه وسلم ليهود بني قينقاع، نحن نقولها لليهود اليوم: قل للذين كفروا من بني إسرائيل: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. هي آية وإن خوطب بها اليهود في زمن النبوة، لكنها خطاب لليهود متكرر: ستغلبون يا بني إسرائيل.
نعم، قد تظهرون في بعض الأحيان على المسلمين لما مد لكم من الحبال من الصليبيين؛ ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس. هذا سيأتي معنا؛ أن اليهود قوم ضرب الله عليهم الذلة والمهانة، وإنما علوهم في الأرض يكون بسبب ما مد لهم الناس من حبال. وأنتم تلاحظون أن اليهود اليوم إنما علوهم واستكبارهم بما مدتهم الصليبية العالمية، ووقوف أمريكا رأس الكفر والدول الصليبية الغربية معهم، وابتعادنا نحن أيضاً -حتى نكون واقعيين- ابتعادنا نحن عن ديننا وعن هويتنا الإسلامية وعن قيمنا وعقائدنا، وإنما تفسخنا مع الغرب وأصبحنا نلهث وراءهم، فأصبحنا أمة مغلوبة بعد أن كنا أمة غالبة.
لما ابتعدنا نحن عن ديننا وأمد الصليبيين اليهود بالأرض والعتاد والسلاح، نعم اليهود استطاعوا أن يحصلوا ظهوراً جزئياً، لكن هناك وعد الله الذي يطاردهم في كل مكان، وعد الله الذي يطاردهم في كل مكان: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. يعني المهاد هو الفراش، بئس الفراش الذي ستتوسدونه، جهنم.
قد كان لكم آية يا يهود بني قينقاع، يا من تتعدون محمداً صلى الله عليه وسلم، ترى والله كان لكم عبرة وأيما عبرة في فئتين التقت؛ فئة قليلة العدد، 315 صحابي، لكنهم مرتبطون بالله، تربوا على موائد الإسلام، تربوا على العقيدة الصحيحة، ربوا على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم يقاتلون في سبيل الله، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كثيرة العدد، كثيرة العدد والعدة، 950 مقاتل وقيل 1000 مقاتل كان، أو 1000 مقاتل نعم، 1000 مقاتل كان عدد كفار قريش غزوة بدر، لكنهم كافرون، وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين.
يعني الصحابة يرون الكفار مثليهم رأي العين، يعني عياناً عياناً يرونهم مثليهم؛ المؤمنون 315 والكفار 1000، ومع ذلك العدة والعتاد لم تنفع في مقا- في مواجهة العقيدة الصلبة والقوة الإيمانية لهذه الثلة والعصابة المؤمنة. فإذا أراد الله أن ينصر أولياءه نصرهم مع قلة عدتهم وعتادهم، قال سبحانه: يرونهم مثليهم رأي العين، لكن في النهاية والله يؤيد بنصره من يشاء.
فنعم، المؤمن مأخوذ- مأمور أن يأخذ بالعتاد، ومأمور أن يعد نفسه للجهاد، ومأمور أن يطور أسلحته وإمكانياته وقوته. يعني نحن في النهاية لسنا نقول إن الإنسان لا يأخذ بالاسباب بسذاجة في الطرح؛ أن يكون الإنسان ما أعد العدة اللازمة لعدوه ويقول: إنما انتصر بإيمانه، لا، مو مش هيك ذا الدين. الله عز وجل قال: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ. لكن الإنسان إذا أعد ما يستطيع ومشى وفق قواعد السياسة الشرعية وبذل أقصى طاقته، ثم بعد ذلك واجه الباطل، فليكن واثقاً إذا تحصلت الأسباب أن الله معه، وأن القضية لا تقف عند فقط الأرقام بالعدد والعتاد، بل هناك التدخل الإلهي والوقوف الرباني مع الثلة المؤمنة: والله يؤيد بنصره من يشاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً. يعني هذا فيه درس؛ عدد قليل استطاعوا أن يلحقوا هزيمة ساحقة بأضعاف، يرونهم مثليهم رأي العين.
طبعا هنا كما قلنا، سبب نزول هذه الآية هي رسالة موجهه لليهود؛ أنه نحن اصلا قلنا مطلع سوره آل عمران إلى منتصفه هو حوار مع اليهود والنصارى في مواقف مختلفه لهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، هي مواقف مختلفة لهم في الحياة المدنية، فهذا كان أول موقف من مواقفهم التي أشارت إليها هذه السورة، سورة بني قينقاع وهم يهددون النبي عليه الصلاة والسلام: ألا تفرح بنصرك الكبير. فالنبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه هذه الآيات: قل ليهود بني قينقاع ستغلبون وتحشرون إلى جهنم. وقل لهم أيضا: ترى موقف هذا موقف غزوة بدر، ترى أكبر رسالة لكم، دعوكم من هذه المواجهة، دعوكم من هذا الاستكبار والعتو النفسي، ترى أكبر عبرة وآية يجب أن تتنبه لها أن انتصرت هذه الثلة المؤمنة على صناديد كفار قريش.
لكن طبعا يهود بني قينقاع يعني بقوا يشعرون بالاستعلاء النفسي، وحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وفي النهاية نزلوا عند أقدام النبي صلى الله عليه وسلم يترجونه أن لا يقتلهم. يعني شايفين يهود بني قينقاع اللي يتوعد النبي عليه الصلاة والسلام، والله ووالله لما حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، لما ظهرت منهم أمارات الخيانة حاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام ونزلوا: يا محمد، فقط أخرجنا بذرية ونسائنا وأهلنا، وما بدنا شيء بس خلص، أخرجنا بالأمان ونترك لك المدينة.
نزلوا يترجون، يعني انتم يا يهود بني قينقاع وكنتوا شايفين أنفسكم وتظنون أنكم وأنا، وفي النهاية نزلتم رجاء عند أخذ النبي صلى الله عليه وسلم. قد كان لكم آية، بس ما، اليهود لا يعتبرون، قوم لا يعتبرون، كانت لهم آية وعبرة لعلهم لعلهم، لكن للاسف: وَقَلِيلٌ مِّن عِبَادِي الشَّكُورُ.
أقف اليوم عند هذا القدر إن شاء الله، ونكمل في رحلتنا مع سورة آل عمران في مجالس قادمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل