تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس الثاني والأربعون:سورة آل عمران من الآية 14إلى الآية 32

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا حياكم الله جميعاً أيها الإخوة والأخوات في صبيحة يوم الجمعة. وقبل أن نشرع، إن شاء الله، أرجو أن يكون الصوت واضحاً. حياكم الله واياكم. بسم الله، تمام.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم نج المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ومن كل بلاء عافية.

حياكم الله في صبيحة الجمعة ومع رحلة الإنسان في القرآن، ونحن نتفيأ ظلال هذه السور والآيات العظيمة، وننظر في معاني القرآن، وما أجمل أن يعيش المسلم حياته مع معاني القرآن متبصراً متأملاً متفكراً، بحيث يصلح قلبه وحياته ووجدانه على ضوء هذه المعاني العظيمة. فإن معاني القرآن تمنح الإنسان من القوة والبصيرة ما لا يوجد في أي كلام بشري. سبحان الله، ما أجمل هذا الكلام، وما أعظم هذا الكلام! ويكفي أن هذا الكلام هو كلام ربك سبحانه وتعالى الذي خلقك ويعرف ما يصلح قلبك، فالحمد لله على نعمة التدبر، والحمد لله على نعمة التأمل، والحمد لله على نعمة القرآن.

فإن الإنسان لو أراد أن يتخيل هذه الحياة بدون كتاب الله سبحانه وتعالى، فإنها ستكون حياة كئيبة حقيقة، لو أن الإنسان يتصور هكذا أنه لا يوجد قران في هذه الدنيا، كما هو حال كثير من الناس الذين لا يعرفون هذا الكتاب ولا ينظرون فيه، حقيقة لا أدري كيف ستكون قيمة الحياة وقيمة السير إلى الله سبحانه وتعالى بدونه. فالقرآن كتاب حبيب قريب، فلا لذة للحياة بدونه ولا أنس للإنسان إذا ابتعد عنه، فنسال الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا.

نعيش أيها الكرام في سورة آل عمران، وهذه السورة، كما قلت، في مطلعها وإلى منتصفها، قرابة منتصفها، وهي تتحدث مع اليهود والنصارى، وتصحح الأفكار والمعتقدات، وتنبه المؤمنين على أحوالهم وصفاتهم، وذلك لأن الصراع على هذه الأرض بين هذه الأديان الثلاث، بين الإسلام واليهودية والنصرانية، وأما الأديان الأخرى فإنما هي فروع ليست مؤثرة في حقيقة الصراع. لذلك الله سبحانه وتعالى أراد أن ينبهنا وأن يبصرنا وأن يقيم الحجج على اليهود والنصارى، لتكون الحجة لله سبحانه وتعالى وحده.

في المجلس الماضي بدأنا في سورة آل عمران وتحدثنا في الصفحة الأولى، واليوم أظن أننا سنبدا من عند قوله تعالى في آية 14: بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ.

حقيقة، عندما يتأمل الإنسان بين الصفحة الأولى والصفحة الثانية من آل عمران يجد كأن هذه السورة أرادت أن تبين سبب فساد الإنسان وضياع الإنسان، وضياع الإنسان، كما يذكر علماؤنا، إما من باب الشبهات وإما من باب الشهوات. الصفحة الأولى من آل عمران كانت تخاطب النصارى، ولذلك كان في هناك إشارة وتنبيه منذ قوله تعالى في الآية 6: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ. فإن أصل ضلال النصارى إنما هو اتباع الشبهات، وعدم الاستهداء بكتابهم الذي أنزل عليهم، فضلوا فلم يستطيعوا أن يفهموا كيف يمكن أن يأتي إنسان بدون أب.

فلما جاءت مريم ابنة عمران بعيسى بدون أب، هنا ضاع النصارى أمام هذا الموضوع، وكان شبهة كبيرة لم يستضيئوا فيها بالوحي الإلهي، فأصبحوا يتصورون ويتخيلون في عيسى ابن مريم التخيلات، وجعلوه ابنا لله وبعضهم جعله هو الله، وبدات الأفكار تحتار عندهم وتضطرب. وهذا كله بسبب عدم الاستناره بالمحكمات الواضحات، فهنا لاحظوا في آية 6 لما يقول سبحانه: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ، هي إشارة إلى النصارى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة، أن موضوع عيسى بن مريم لا ينبغي أن يكون شبهة تحتار فيها وتتيه فيها عن ربكم الحق سبحانه وتعالى.

فإن الله عز وجل قادر على أن يصور الإنسان في الرحم كيف يشاء سبحانه وتعالى، فكما يصور عادة الناس في أرحام بالعلاقة بين الأب والأم والتي تنتج البويضة المخصبة ثم يخرج بعد ذلك جنين، هو قادر إذا شاء أن يجعل هذه البويضة المخصبة تحصل في رحم امرأة بدون وجود الأب، وهذه قدرة الله سبحانه وتعالى التي لا تتوقف عند حدود الأسباب، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ.

ثم بعد ذلك جاءت الآية رقم 7: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخُرُ مُتَشَابِهَاتٌ، كأنها أرادت أن تبين أن سبب ضياع النصارى وضلالهم أصالة هو في باب الشبهات، وعدم قدرتهم على معالجة هذه الفكرة لعدم استنارتهم بالوحي الإلهي والطريقه الصحيحة في التفكير برد المتشابه إلى المحكمات.

إذا كانت قضية عيسى بن مريم من المتشابهات ولم تفهموا كيف يأتي شخص بدون أب، فعليكم أن تردوها إلى المحكمات الواضحات، والمحكمات الواضحات تقول إن الله على كل شيء قدير، وتقول إن الله سبحانه وتعالى هو خالق الأسباب وقادر على أن يفعل الشيء بدون سببه. فمن المحكم المتجذر في قلب العبد تجاه الله عز وجل أن الله عز وجل صاحب القدرة المطلقة، وأن الله عز وجل لا يحكمه سبب، فإذا رأيت شيئاً غريباً لم تفهم ابتداء كيف أتى، اعتبره من المتشابهات ورده إلى المحكمات، فستنحل كثير من الأمور وتنتهي تماماً، وأما الذين في قلوبهم زيغ فإنهم سيبقون عند المتشابه يحومون حوله ويضلون أنفسهم وغيرهم بالوقوف لديه دون أن يردوه إلى المحكمات، فهنا ينشا الضلال والزيغ.

ولذا قال سبحانه وتعالى في آية 8 يعلمنا الدعاء الذي ينبغي أن نحرص عليه دوماً: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، لأن من أسباب الزيغ، أسباب الضلال، هو عدم قدرة الإنسان على أن يفهم كيف يتعامل مع أي قضية اشتبهت عليه في ذهنه، سواء في باب العقائد وفي باب الأفكار وفي باب السلوك، أي قضية مصيرية محورية تتعلق بالعقيدة، بالسلوك إلى الله عز وجل، عليك أن تعرف كيف تتعامل معها بردها إلى المحكم الواضح، وألا تبقى تحوم فقط حول المتشابه الذي قد يجعلك تقع في حيرة، بل بالعكس أو أكثر من ذلك بضلال، قد يجعلك أحيانا تخرج خارج أسوار الشريعة.

ثم بعد ذلك لما جاء قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، قلنا هذا كان يتكلم الحوار مع اليهود هنا. هذه الفقرة تتحدث مع اليهود وكيف كانوا يتوعدون النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر، ويقولون له يعني أننا سنقاتل، وأنك لا تظن إذا انتصرت على المشركين في غزوة بدر انك تستطيع أن تنتصر على اليهود، فنحن قوم اصحاب قتال وأصحاب حلقة وأصحاب، وهكذا. الله عز وجل يقول له: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا، يعني أن الله عز وجل قادر على أن ينصر نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم الآيات التي تدل على قدرة الله عز وجل على النصر المبين ما حصل في بدر: فئة قليلة تهزم فئة كبيرة من عتاولة العرب، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ.

ثم تاتي آية رقم 14 لتبين سبب ضلال اليهود، سبب ضلال اليهود، كما يقول علماؤنا، ليس من باب الشبهات، ليس من باب عدم قدرتهم على معالجة القضايا العقدية بشكل صحيح، لا، اليهود كان عندهم علم، لكن مشكلتهم في باب الشهوات. فجاءت آية 14 تبين هذا المسلك وتبين خطورته، فيقول سبحانه وتعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ، يعني الأموال الكثیرة العظيمة مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ، أي المعلمة، وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ، الأرض والزرع، ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

وهنا إذا سورة آل عمران في مطلعها تبين اسباب ضلال اليهود والنصارى ليحذر المسلم من أسبابها، من أسباب الضلال ويجتنبها، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، فان كثيرا من أهل الإسلام إنما يسيرون على خط اليهود والنصارى، فبعضهم يتيه عن الحق والصواب من باب الشبهات، وأكثر يتيه عن الخير والصواب ودرب الاستقامه من باب الشهوات. الصفحة الأولى تكلمت عن الشبهات وخطورة هذه المعالجة الخاطئة للأفكار وبينت المنهج السوي فيها، والصفحة الثانية بينت إشكالية الشهوات وكيف أنها تؤثر على الإنسان وتكون سبباً في ضياعه.

فيخبرنا ربنا سبحانه وتعالى أنه: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ. لماذا قال: زُيِّنَ لِلنَّاسِ؟ طب أنا بدي أسألكم سؤال، من الذي زين للناس حب الشهوات من النساء؟ من الذي زينها؟ لماذا زين؟ نسميه في العربية مبني لما لم يسمى فاعله اللي أنتم عادة بتسموه المبني للمجهول، لكن هو ليس مجهولاً، لكن لم يذكر من الذي زين. لماذا يعني بذوقكم، عندما تتذوق هذه الآية، لماذا لم يذكر من الذي زين؟ يلا ننظر في رايكم. الشيطان، هنا يقولون. نعم هو، سأسال سؤال يعني قبل ذلك يعني هل حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة وغيرها هو شيء في الإنسان أنه يحب يعني هل هذه غرائز في الإنسان أنه يحب شهوة النساء والبنين والأموال والخيل، ولا هو خارج عن يعني قضية الفطره؟

تمام، إذاً جيد، دعونا ننطلق من هذه النقطة. الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى وضع زينة للحياة الدنيا لتكون محطة ابتلاء للإنسان، الله سبحانه وتعالى بواسع علمه لما أراد أن تكون الحياة الدنيا مكاناً للبلاء، الدنيا دار ابتلاء ليبلوكم، وضع في هذه الحياة الدنيا مجموعة من الشهوات هي محط ابتلاء الإنسان. وهذه الآية تجمع هذه الشهوات: شهوة النساء، شهوة الأولاد، حب الولد والحنية عليه وما ذلك وطلبه، شهوة المال بأشكاله، المال إذا كان ذهباً أو فضة، نقود المال الذي هو أعيان محسوسة، كعمارات والسيارات، اللي هي الخيل المسومه والانعام، السيارات حب اقتناء الأموال التي هي عقارات وأراضي ومزروعات الحرث.

تمام، فهذه أمور الله سبحانه وتعالى وضعها في هذا الكون، والشيطان هو الذي يجعل الإنسان يضيع بسبب هذه الشهوات، يعني هي محط ابتلاء، الله سبحانه وتعالى وضع قواعد للتعامل معها، وضع قواعد ومنهجية للتعامل معها. فالله عز وجل وضع قواعد في العلاقة مع النساء لتدار هذه الشهوه بالشكل الصحيح، وضع قواعد للتعامل مع الأبناء لتدار الأمور بالشكل الصحيح، الله عز وجل وضع قواعد للتعامل مع المال لتدار بالشكل الصحيح.

فإذا اردت أن تأتي، حقيقة من الذي خلق هذه الشهوات وأوجدت في هذا الوجود ليبتلى بها الإنسان وجعلها من محطات الابتلاء؟ الله سبحانه وتعالى هو الخالق، والشيطان شوف، الشيطان هو الذي يحاول أن يجعلك تتعامل مع هذه الشهوات بالشكل الخاطئ وتضيع بسببها وتتيه عن درب الاستقامه. لكن الموجد والخالق لها هو الله سبحانه وتعالى، هو الله سبحانه وتعالى، فهي زينة الحياة الدنيا، لكن إذا تعاملت معها بالشكل الصحيح وصلت إلى درب الاستقامه، وإذا جعلت الشيطان يبعدك فيها عن الاتجاه الصحيح ويجعلك تتعامل معها بشكل خاطئ، ضللت وابتعدت عن الله سبحانه وتعالى.

لذلك أول ما دخل النقص في بني إسرائيل، كما جاء في الحديث الصحيح، أول ما دخل النقص في بني إسرائيل كان من باب شهوة النساء، يعني أساس فساد بني إسرائيل هو شهوة النساء اللذائذ، وهذه اللذة بالتحديد كانت بداية ظهور الانحراف العقدي والفكري والسلوكي عند هؤلاء القوم. فلذلك كما قلنا ضلال اليهود مشكلته الشهوات حب اللذائذ وحب الدنيا والاقبال عليها بكل ما فيها من فجور وشهوات، نساء، أموال، استعلاء، تملك، سيطرة، هذا جعل اليهود يتركون وينبذون الرسائل الإالهية وراء ظهورهم. وهذا بالتالي أحد محركات الأفكار، ويجب على الإنسان المسلم أن ينتبه له، أن كثير من أسباب ضلال بني آدم وابتعادهم عن منهج الله عز وجل وابتعادهم عن الأحكام الشرعية والتمسك بالكتاب والسنة إنما هو من باب الشهوات.

يا انسان عنده شهوة مال، يا انسان عنده شهوة ذرية وأولاد، ويا انسان عنده شهوة أموال يحاول أن يحصلها بأي طريقة ويشعر بالاستعلاء والرفاهية، يجعل هذا الإنسان يبتعد عن معاني القرآن، معاني الوحي الإالهي، التمسك بالقيم والأحكام الشرعية، لأنه يريد أن يحصل من اللذائذ والشهوات الكثيرة. فهنا الله عز وجل يقول لهم: ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، هذه الشهوات هي مجرد متاع في الحياة الدنيا، فإذا وقفت معها وعشت من أجلها خسرت دينك ودنياك، هي خسرت دينك ودنياك، وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ.

فهنا كيف الله عز وجل سيعالج قضية الشهوات؟ لما هنا في الصفحة الماضية عالجنا قضية الشبهات، عالجنا قضية الشبهات من خلال رد المتشابه إلى المحكم، خلص، عرفنا كيف نتعامل معها، طب كيف سنعالج قضية الشهوات؟ ما يعين الإنسان المسلم على معالجة قضية الشهوات عدة أمور:

أولاً، تذكر الدار الآخرة، وأن الدار الآخرة الشهوات فيها والملذات فيها على أكمل حال لا نقص فيه، وأما الشهوات في هذه الدنيا فهي مشوب بالنقص والقبائح، ولا تكتمل فيها اللذه مهما كانت، لا تكتمل اللذة في شهوة النساء مهما كانت، ولا في شهوه الابناء، فهناك فراق وهناك اتعاب وهناك نصب وهناك بحث عن عمل ورزق من أجلهم، لا تكتمل الشهوة في المال، فالمال تتعب حتى تحصله، وتتعب في حفظه بعد تحصيله، وتتعب وأنت تصرفه، فشهوات الدنيا مجبولة على نقص. يا أيها الإنسان، فإذا اردت أن تحصل هذه الشهوات والملذات على أكمل حال وأطيب،

حال لا لا نقص فيه ولا ذهاب فيه ولا نصب فيه، فعليك أن تتعامل مع شهوات الدنيا بالشكل الصحيح وبمنهج الرباني، ولا تنحرف ولا تزغ. لذلك جاءت آية رقم 15 لتذكر الإنسان أين تكتمل هذه الشهوات والملذات بالشكل الصحيح، ليكون عينه على ذلك المكان.

قال سبحانه: قُلْ أَأُنَبِّئُكُم بيكر مِّن ذَلِكُمْ، أعطيكم شيئاً أفضل من شهوات الدنيا، خذوا لذائذ الآخرة: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. أبدك المال الحقيقي، الملك الحقيقي التام، تلك الجنات تلك البساتين والحدائق والروع والقصور التي تجري من تحتها الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا.

وكلمة الخلود هي أكبر فارق بين شهوات الدنيا ولذات الآخرة، أن شهوات الدنيا على نقص وتنقضي، أما لذات الآخرة فهي أبدية لا تنقضي إذا الخلود فيها. قال: وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ، وأزواج مطهرة مقابل شهوة النساء في الدنيا، والتي فيها مهما كان الإنسان مقبلا عليها سيجد فيها من النقص والكدر ما يؤذيها الله عز وجل يحفز، بينما لذة النساء في الآخرة هي الأزواج المطهرة طهرت من كل ما يعيب نساء الدنيا، طهرت من كل ما يعيب نساء الدنيا في الباطن والظاهر تمام، وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ.

ولكن العقلاء العقلاء لهم طموح أكبر وأكبر، ويعرفون أن حتى لذات الجنة هناك لذة أعظم من كل اللذات الحسية، وهي لذة الرضا الإلهي والنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. لكن كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أغلب الناس يضعفون عن تصور هذه اللذة، لذة رضوان الله ولذه النظر إلى وجه الله، فيخاطب القرآن على مستواهم، على الأقدار التي تحفزهم، فيتكلم لهم عن الحور العين، عن الجنات، عن الأنهار.

وهذا جميل ورائع، لكن أولياء الله سبحانه وتعالى المحبون لله حقاً والذين عاشوا في الحياة الدنيا، يعرفون جلال الله ويتصورون معنى حب الله سبحانه وتعالى والتعلق به، الذين تعرفوا على الله بأسمائه وصفاته، هم ينتظرون الجنة لمعنى أعظم من معنى الحور العين والطعام والشراب، هم ينتظرون موعد الجنة لأنهم ينتظرون الرؤية لوجه الله سبحانه وتعالى، وينتظرون الدنو من الله عز وجل الذي عاشوا ونصبوا من أجله في الدنيا شوقاً إليه سبحانه.

ينتظرون لحظة الرضا الإلهي، وهذه كلها أعظم من كل لذات الجنة، وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ، أن يرضى الله عنك، وأن تكون قريبا منه، وأن تحظى بشرف النظر إلى وجهه الكريم أكبر أكبر من كل الذ أكبر من الأزواج المطهرة ومن الجنات و و و.

لكن كما قلنا الناس متباينه، هناك من يستشعر عظمة الله وجلال الله وجمال الله سبحانه وتعالى فيشتاق لهذا الجمال، لهذا القرب، لهذا الدنو، فتأتيه وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ تحميس لهذا الصنف من الأولياء المتقين. وهناك أناس قد لا يبلغون هذا المبلغ في التصور لهذه المعاني، معاني جمال الله وجلاله والمعاني المحبة بمعناها العميق، فيكفي لتشويقهم للجنة أن يذكر لهم الأزواج المطهرة والجنات والأنهار واللحم، وهذا أيضاً مقام جميل تمام.

إذاً أولاً على الإنسان أن يحفز نفسه كلما تعلق بشهوات الدنيا وشعر أن الدنيا تبعد عن الصراط المستقيم، أن يذكر آية لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِم، ذكر الجنة بكل ما فيها من النعيم، ثم قال سبحانه: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.

من هم العباد؟ الذين يقولون ربنا العباد الذين اختاروا طريق العبودية لله، يعني والله بصير بالعباد. شوف هذه الآية ما أجملها، يعني الله عز وجل بصير بمن هو عبد حقيقي له سبحانه وتعالى، من يمارس العبودية حقاً لله عز وجل. الآن كل البشرية هم عباد لله بمعنى أنهم معبد لا يخرجون عن قدرة الله وإرادته هذا جالب، لكن هذا عبد التسخير ما يسمى عند العلماء عبد التسخير.

لكن هنا الآية تتكلم عن عبد التخير، وهو العبد الذي اختار بإرادته أن يتعبد الله سبحانه وتعالى تقرب إليه في هذه الحياة الدنيا. فالكلام عن هذا النوع الذي اختار طريق العبودية، الذي اختار طريق العبودية في هذه الحياة الدنيا اختياراً وطوعاً فأقبل على ربه وانشغل بحبه وذكره وطاعته والانصياع لأمره، فالله يقول: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.

البصيرة تمام هنا، لاحظ البصر يطلق على البصر المح على البصر العيني وعلى البصر بمعنى البصيره وكلاهما يصدق هنا ويصلح هنا. فيكون المعنى أن الله سبحانه وتعالى بصير يراهم ومتبصر بأحوالهم ومريد لطاعتهم، لأنه علم منهم أنهم اختاروا طريق العبودية اختياراً، لذلك وصفهم هنا بأعلى الاوصاف فقال: من هم العباد؟ من من هم المقصودون هنا؟ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

نار العباد الذين عاشوا على هذا الشعار، شعار ربنا إننا آمنا آمنا بك وحدناك وآمنا بكتبك ورسلك وملائكتك وشرعت، اعترفوا بذنوبهم وتقصيرهم فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وكان دعائهم في الدنيا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

من صفات هؤلاء العباد أيضاً الذين الله عز وجل على بصير بهم: الصَّابِرِينَ على شهوات الدنيا، وَالصَّادِقِينَ صدق في التعامل مع الله سبحانه وتعالى، صادق صادق في طلب مرضاة ربه، صادق في السين إلى الله عز وجل، صادق في نفي الشرك والذنوب والمعاصي ومجاهده النفس عليها، صادق يسير إلى الله بكل صدق. صابر صادق، وَالْقَانِتِينَ، القانت هو المطيع الخاضع لربه سبحانه وتعالى.

قال: وَالْمُنْفِقِينَ، والإنفاق بالمعنى العام ينفقون الأوقات والجهود والطاقات والأموال، كل شيء يقدمونه من أجل الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، قال: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ، وأصحاب ساعات السحر الذين يجلسون مع الله سبحانه وتعالى مستغفرين لأخطائي وذنوبهم وتقصيرهم.

هؤلاء هم العباد الذين يريد الله سبحانه وتعالى أن نكون منهم. هذا هو النوع إنسان صابر على الشهوات، صادق في التعامل مع الله عز وجل وفي السير إليه، قانه الطاعة الدائمة والخضوع المستمر، منفق لوقته وجهده وماله وعطائه وفكره لهذا الدين.

ومستغل على تقصيره، فهو كما يبذل يشاهد التقصير، كما أنه يبذل لله في ميادين كثيرة لكنه في نفس الوقت يشاهد تقصيره، وأنه يأتي إلى ربه ببضاعة مزجاة، فيستغل ساعات السحر في الاستغفار والعودة إلى الله سبحانه وتعالى. وما دام الله عز وجل ذكر ساعة السحر فإنها ساعة محببة له سبحانه، ما دام أنه ذكرها بالتحديد ما قال وال المستغفرين، قال وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ، ما دام عين هذا الوقت للاستغفار إذا هو وقت محبوب له سبحانه وتعالى أن يستغفر فيه العبد.

طيب، بعد أن عالجت سورة آل عمران موضوع الشبهات والشهوات لأنها سبب أو نع اسباب انحراف اليهود والنصارى، جاءت هنا لتقاعد عقيدة التوحيد الخالص بأعظم طريقة وأجمل طريقة. يقول سبحانه وتعالى: شَهِدَ اللَّهُ، شوف هنا الجلال والعظمة في هذه الآية، شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ويكفي وكفى بالله شهيد اخواني هنا الله عز وجل يذكر شهادة نفسه على أعظم مشهود عليه وهو توحيده.

شوف شوف شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ال وتكفي هذه الشهاده هو سبحانه وتعالى، والله إنه مفتقر عن شهادتنا له بالتوحيد فهو سبحانه وتعالى لا ينتظر منا شهادة، يعني هو غني عنا وعن شهادتنا، غني عن كل البشر، لو أن البشر جميعاً كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكه شيئاً سبحانه وتعالى.

أليس كذلك؟ وأن البشر كانوا على أفجر قلب رجل واحد يعني شوف أكثر واحد فاجر في الأرض لو كانت كل البشر قلوبها في الفجور مثل قلب هذا الرجل الفاجر لم يضر ذلك الله شيئاً. فسبحانه وتعالى بكل جلال وبكل عظمه وبكل هيبه يقول: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.

ثم بعد ذلك تكريماً لملائكته عطفهم عليه فقال: وَالْمَلَائِكَةُ يعني والملائكة تشهد بهذه الشهادة أيضاً، ثم قال تكريماً للعلماء وأهل العلم قال: وَأُولُو الْعِلْمِ، وكذلك أولوا العلم من البشر يشهدون أنه لا إله إلا الله. وهذا هذه الآية يستدل بها العلماء على شرف العالم وعلى فضيلة العالم، أن الله سبحانه وتعالى قرن شهادة العالم بشهاده الله، وماذا تريد أجمل وأعظم من هذا الاقتران، أنه أنت يا أيها العالم تقرن شهادتك بشهادة ملك الملوك سبحانه وتعالى.

لو لم يكن لطلب العلم الشرعي فضل وعظيم ومنقبة عظيمة إلا هذه المنقبة، أن تدخل تحت شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ لكفى بذلك شوقاً لطلب العلم والعكوف عليه حتى أدخل تحت وأولي العلم الذين شهدوا لله سبحانه بالوحدانية. إذاً شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ، لا إله إلا الله حالة كونه سبحانه وتعالى قائماً بالعدل في حكمه للكون السمائي والأرض، لا إله إلا الله مرة أخرى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

لأن هنا الآن السورة ستبدأ تدخل في تحقيق عقيدة التوحيد والرد على اليهود والنصارى، فإذاً لا معبو بحق إلا الله ولا يوجد إله إلا الله، فلا عيسى بن مريم إله ولا العزير إله ولا كل ما تصوره اليهود والنصارى عبر تاريخهم من تصورات في الإله صحيح، إلا أن يكون الإله هو الله سبحانه وتعالى الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، الغالب على الأمر الحكيم في أفعاله وتصرفاته.

ثم عادت تقرر مرة أخرى العقيدة التي يقبلها الله عز وجل ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. خلاص انتهى الآن ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام انتهت كل العقائد المنحرفة، وأصبح الناس جميعاً مطالبين بعقيدة الإسلام العظيم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الإسلام هي عقيدة عيسى وعقيدة موسى وعقيدة إبراهيم وعقيدة نوح وعقيدة الأنبياء جميعاً، لكن الآن خلاص سلمت الراية إلى ختام الأنبياء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأصبحت البشرية جمعاء مطالبة بالدخول تحت هذا اللواء الأخير إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، لن يقبل الله من يهودي ولا نصراني بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن ينضم تحت هذا اللواء.

ثم قال: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. أراد الله عز وجل أن يبين أن سبب اختلاف اليهود والنصارى وعدم قبولهم لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ما دافعه؟ هل هو أنه عليه الصلاة والسلام لا يمتلك الأدلة الكافية التي تدل على بعثته ورسالته حاشاه صلى الله عليه وسلم؟ هل هو قصور في المعجزات التي تشهد بأن محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء حاشاه؟ طب ما سبب عزوف اليهود والنصارى عن هذا الدين الختامي وهذه الرسالة الختامية؟ قال: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ.

البغي وهو الحسد وحب السيطرة والهيمنة. فاليهود والنصارى إنما اختلفوا في دينهم واختلفوا على النبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم جاءهم العلم ويعرفون أنه حق بالأدلة والشواهد في التوراة والإنجيل، سبب ابتعادهم هو الحسد والبغي وحب أن يكون كل شيء لهم وفي هيمنتهم وفي سيطرتهم. هذا هو حقيقة الصراع، حقيقة الصراع ليس عدم اتفاء في الأدلة وعدم وضوح فيها و الأدلة واضحة جلية بينة، بل كانوا في مجالسهم الخاصة يعترفون بصدق النبي عليه الصلاة والسلام في رسالته، لكن هو البغي الحسد حب الاستعلاء حب أن يكون كل شيء لهم هو الذي والعياذ بالله جعلهم ينصرفون عن هذه الدعوة.

لذلك الله عز وجل يخبر وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. إذا قررتم الكفر فإن الله عز وجل سيحاسبكم ليس فقط بل هو سريع الحساب وسريع العقاب سواء في الدنيا وفي الآخرة.

ثم بعد ذلك يقول الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: فَإِنْ حَاجُوكَ إذا جاءك اليهود والنصارى يحتجون ويعالجون ويحاورون ويجادلون ويخاصمون ويساومون فَإِنْ حَاجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِي. قل لهم أما أنا وأتباعي فقد أسلمنا وجهنا لله واختارنا طريق عبودية الله سبحانه وتعالى واتباع الشريعة الختامية.

وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ من اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ من العرب وقيل الأمي هو كل من ليس له كتاب سماوي، فيشمل العرب وغير العرب ممن ليسوا من أصحاب الكتب السماوية. وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلامي ولكل من ليس لهم كتاب أأسلمتم؟ طبعا هذا الاستفهام المراد به الأمر، يعني أسلموا أأسلمتم؟ هذا ليس استفهام يطلب منه الجواب، لا يطلب منه الحث، كأنه يقول له أسلم قبل أن يفوتك الأوان، ادخل في هذه الرسالة الختامية.

فَإِنْ أَسْلَمُوا واختاروا هذا الطريق فَقَدِ اهْتَدَوْا وصلوا وَإِنْ تَوَلَّوْا عَنْهُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ. أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم إذا تولى هؤلاء أنت مطالب بالبلاغ وإصال الرسالة لهم وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.

هنا نقول وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ يجوز أن يكون العباد هنا بمعنى عباد التسخير، يعني في الآية الأولى في آية 15 لما قال وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ قلنا المراد بالعباد عباد التخيل، العباد الذين اختاروا العبودية طوعاً ومنهجاً وسلوكاً. هنا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، هنا الآية تصلح أن تكون المراد بالعباد هنا بعبا التسخير، يعني الله بصير بالعباد بمعنا العام بمؤمن وكافرهم، بصير بمن يسلك درب الاستقامة ومن يسلك درب الضلال. هنا العباد بالمعنى الأعم والأشمل التي الذي يدخل فيه عبد ماذا أو يقصد به عبد التسخير والله تعالى أجل أعلم.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. هنا بدأ الآن الخطاب يوجه لليهود، يقول الله عز وجل الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون أنبياء الله ويقتلون أهل العلم يعني ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، يعني يقتلون أهل العلم والعلماء وأهل الخير والصلاح، الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم بشر هذا الصنف بعذاب أليم.

أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ. ثم سبحانه وتعالى يقول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ. هذه الآية أيها الكرام نزلت في أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوماً

على مدرسة لليهود تسمى يعني المدارس كانوا يتدارسون فيها التوراة، دخل النبي صلى الله عليه وسلم على مدرسة اليهود يتدارسون فيها التوراة، فدعاهم إلى الله. فقال له أحد رجال اليهود اسمه النعمان بن عمرو: وعلى أي دين أنت يا محمد؟ أنت على أي دين من الأديان؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أنا على ملة إبراهيم وعلى دين إبراهيم. فقال له ذاك اليهودي: فإن إبراهيم كان يهوديا! وهذا كذب، فإن إبراهيم كان قبل اليهود والنصارى أصلا.

هذا اليهودي يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: فإن إبراهيم كان يهوديا! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: طيب، ائت بالتوراة، هلم بالتوراة فهي بيننا وبينكم، ننظر هل قالت التوراة الصحيحة أن إبراهيم كان يهوديا؟ فأبى هذا اليهودي، أبى هذا اليهودي أن يحضر التوراة لأنه يعرف أن التوراة الصحيحة لا يوجد فيها أن إبراهيم كان يهوديا. وستأتي معنا في إن شاء الله في سورة آل عمران: مَّا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا.

فأنزل الله عز وجل لما رفض هذا اليهودي أن يأتي بالتوراة، أنزل الله عز وجل هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. المراد بكتاب الله هنا التوراة بناء على سبب النزول الذي ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب. هؤلاء هنا الكلام عن اليهودي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم على أي دين أنت. ولما قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ائت بالتوراة، رفض أن يأتي بها، رفض أن يأتي بها لأنه يعرف أن التوراة ستشهد عليه. قال: يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، الله عز النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى إحضار كتاب الله والمراد بكتاب الله هنا التوراة. يدعون إلى كتاب الله إلى التوراة الصحيحة حتى تحكم، تعال نرى ماذا تقول التوراة الصحيحة.

قال: ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ. لما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ليقيم عليهم الأدلة الواضحة حتى من كتبهم، طريقتهم اليهود الهروب والمطوت وعدم المصداقية وعدم الجدية في البحث عن الأدلة. لأن مشكلة اليهود كما قلت هي ليست مشكلة عدم وضوح الحق، هي مشكلة الشهوات والبغي والحسد وحب أن يكون كل شيء لهم والسيطرة. هي مرض اليهود، جماعة أمراض وليست جماعة حق وبحث عن أدلة. حتى إلى يومنا هذا في تعاملهم مع كل قضايا المسلمين، وفي تعاملهم مع غزة ومع المؤسسات الدولية، اليهود ليسوا أو ليسوا قوما يبحثون عن علم، وليسوا قوما يبحثون عن أدلة، إنما هم قوم فجرة، أصحاب شهوات، أصحاب ملذات، أصحاب بغي وظلم، فلذلك التعامل معهم إنما يكون بالقتال والاستئصال. وهكذا عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الله عز وجل يقيم الحجة على عباده إلى آخر نفس في العباد.

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ. اليهود يعني كانوا يتولون عن الحق مع أنهم كانوا يعلمونه. ومن أسباب توليهم عن الحق كذب كذبوه على أنفسهم. شوف يعني يقول: ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون. لماذا يتولى اليهود ويعرضون؟ ها ويعرضون عن الحقائق مع أنهم يعرفونها، ويتولون عن الإسلام وعن غيره؟

اليهود خدعوا أنفسهم، فقالوا لهم لاتباعهم، قالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات. لأنهم يظنون أنهم أبناء الله وأحباؤه. فكانوا يقولون ويواسي بعضهم بعضا: إنه حتى لو ربنا عذبنا لن يعذبنا إلا أياما معدودات يسيره وسنخرج من النار. طيب، طبعا حتى لو كانت أيام معدودات، ما هي الغمس في نار جهنم تنسي الإنسان كل نعيم الدنيا! يعني هي حتى لو كانت أيام معدودات لكان ذلك يقتضي منكم الطاعة والانقياد. فما بالكم أنه خلود الأبد وليست أيام معدودات كما تتصورون!

ذلك بانهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات، لذلك قال الله: وغلهم في دينهم ما كانوا يفترون. يعني خدعهم الذي غرهم وخدعهم فجعلهم يثبتون على دينهم ويرفضون اتباع دين محمد صلى الله عليه وسلم. الذي خدعهم وجعلهم يثبتون هو ما كانوا يفترون ويكذبون به على أنفسهم. فهم كانوا يقولون: لا تتبعوا محمد صلى الله عليه وسلم حتى وإن كنتم تعلمون أنه على الحق، ولو عذبكم الله فانه لن يعذبكم على عدم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم إلا أياما معدودات لأنكم أبناء الله وأحباؤه. فخلص إذا نثبت على ديننا، ما دام هذا النبي الختامي لم يخرج منا من أمة اليهود، لا نريد أن نتبعه، دع دعوة للعرب ونحن سنبقى ثابتين على ديننا. ما الذي غرهم في هذا؟ أنهم افتروا واختلقوا فكرة أنهم أبناء الله وأحباؤه، وفكره أن النار لن تمسهم إلا أيام معدودة فثبتوا على باطلهم والعياذ بالله. وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون.

فالله عز وجل يهددهم: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ. الله عز وجل هنا يهدد يعني أنتم مش عارفين ما الذي ينتظركم من الحساب الشديد والموقف الإلهي بين يديه سبحانه.

ثم الله عز وجل أراد أن يبين لماذا سحب الملك والرئاسة والنبوة من بني إسرائيل في آخر الزمان. الله عز وجل أخبرنا في آيات قرآنية أن اليهود في زمانهم فضلهم الله على العالمين في زمن موسى وعيسى والأنبياء السابقين. الله عز وجل يخبر اليهود أنني فضلتكم على العالمين وأرسلت فيكم أغلب الرسل والرسالات يصلحوا من شأنكم ومن أحوالكم، فلما جاء الرسول الختامي ليس من جنسكم، من جنس اليهود أتى من جنس العرب، غضبتم واختكم الأنف وظهر منكم البغي. طبعا هم اليهود حتى والأنبياء منهم كانوا يقتلونهم يعني، فالبغي اصلا حاصل بينهم كقبائل، لكن مما زاد بغيهم وإعراضهم عن الدين في الرسالة الختامية أنهم تفاجأوا أن الرسالة الختامية سحبت من جنس اليهود وأعطيت إلى جنس العرب.

فالله عز وجل يخبر أنه صاحب الملك والتصرف، وانه متى شاء وضع النبوة هنا، ومتى شاء نزع النبوة هنا، متى شاء وضع الملك في مكان، ومتى شاء نزع الملك من مكان. فليس لكم يا أيها اليهود والنصارى أن تعترضوا لماذا جاءت النبوة الختامية في جنس العرب. يقول سبحانه: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تشَاء وَتُعِزُّ مَن تشَاء وَتُذِلُّ مَن تشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فالله سبحانه وتعالى نعم شاء أن يذل بني إسرائيل في آخر الزمان على يد محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه. والمراد إذكار بني إسرائيل الذين لم يدخلوا طبعا في ضمن الدعوة المحمدية. أما من دخل من اليهود والنصارى في دعوة الإسلام وانضموا إلى ركاب النبي الاعظم صلوات رب وسلامه عليه فهؤلاء معه ومن أصحابه، لكن الكلام أن الله عز وجل أراد أن ينزع تفضيل أمة اليهود والنصارى على أمة الإسلام، وأن يصبح الملك والخيرية في أمة الإسلام اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. فقال لليهود: فضلنا على عالم زمانكم، الآن سحب هذا التفضيل، وسنعرف إن شاء الله في سورة البقرة لماذا سحب هذا التفضيل لأن طبيعة اليهود ما فعل في تاريخهم المقيت يقتضي كان أن يسحب ذلك التفضيل منهم وأن يعطى لمن هم أحق بأن يفضلوا على العالمين وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب. فكما أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف في الليل والنهار، هو المتصرف في الحي والميت، هو المتصرف في الرزق، فكذلك هو المتصرف في الرسالات والنبوات ورفع الأمم وخفض الأمم ووضع المؤمن ووضع الكافر، هو المتصرف التام في كل هذه الأحوال وفي كل هذه الأحوال.

طيب، بعد ذلك تاتي آية 28 تخبر الصحابة والمؤمنين إلى يوم القيامة، وكان الأوس والخزرج بحاجة إلى هذا التوجيه ثم إلى المؤمنين إلى يوم القيامة عن ضرورة توضيح منهجية الولاء والبراء. الأوس والخزرج قبل أن ياتيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على علاقات قوية باليهود الذين كانوا يسكنون في المدينة: يهود بني قينقاع، بني النضير، بني قريظة. الذين كانوا يسكنون في المدينة كانت لهم ولاءات وعلاقات قوية مع الأوس والخزرج. فهنا النبي جاءت هذه الآية لهم ولكل المؤمنين إلى يوم القيامة عن ضرورة وضوح عقيدة الولاء والبراء. هؤلاء اليهود والنصارى الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واختاروا معاداة هذه الدعوة يجب أن تقفوا منه موقف المعاداه، واياكم أن يكون بينكم وبينهم علاقات ومودات وصداقات وموالاة على حساب الدين والعقيدة. فيقول سبحانه وتعالى: لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.

احذروا يا أهل الإيمان، احذروا يا أيها الأوس والخزرج، احذروا يا رجالات المدينة ويا كل مؤمن إلى يوم القيامة. احذر أن توالي اليهود على حساب إخوانك من المسلمين، احذر أن توالي النصارى على حساب إخوانك من المسلمين. وموالاتهم تكون بتأييده، بتعظيم، بالسفر إلى بلادهم والإقامة بين ظهرانيهم، وترك بلاد المسلمين. تكون بتمجيد وتعظيم وذكر حضارتهم وتفخيمها وازدراء أهل الإسلام وأفكارهم، معتقدات أهل الإسلام. صور الولاية الموالاة متعددة، ليست فقط الموالاة أن تكون عميلا جاسوسا، هذه من أسوئها، لكن هناك صور أخرى من الموالاة تقع اليوم من بينها الإقامة بين ظهرانيهم بدون سبب، من بينها تعظيم أفكارهم والغرب والتطور والتكنولوجيا والحديث دائما عنهم أنهم عظماء وفاعلون وصانعون كالذين يتكلمون عنهم بتمجيد وتشريف وتعظيم، ثم يتكلمون عن أهل الإسلام بازدراء وتنقيص. فهذا كله من الموالاة: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.

ومن يفعل ذلك، الذي يختار موالاة اليهود والنصارى فكريا وسلوكيا وقلبيا، قال: فليس من الله في شيء. فليس من الله في شيء، شوف هذا التهديد المخيف يعني الله سبحانه وتعالى يتبرا منه. أنت لست لله، لست لله، لست عبدا لله. ولذلك كثير من أهل العلم يرون أن بعض بعض صور الموالاة للكافرين تخرج الإنسان من الملة، وبعضها تصل إلى كبائر الذنوب. ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا حالة استثنائية ربنا سامح فيها المؤمنين، قال: إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً. إلا أن تظهروا لهم يعني الاحترام والتقدير من باب التقية في حال الاستضعاف إذا كان مسلم مستضعف ولم يستطع أن يبارزه العداوه ويجاهر بها أو حبس أو اضطر اضطراراً أن يقيم بين ظهرانيهم. فهنا سبحانه وتعالى فهنا سبحانه وتعالى يعذر ويسامح من وقع في هذا الكرب. فيقول: إلا أن تتقوا منهم تقاة يعني بدك تتقي شرهم لأنك مستضعف عندهم، فتحاول أن يعني تظهر لهم أنكم جيدون وكذا من باب مصانعة ليس أكثر، وأما قلبك فهو مطمئن للإيمان وعقيدة الإيمان وقلبك ولاؤه لله وللمؤمنين. هذه حالة استثنائية اضطرارية ربنا يسامح فيها من يرتكب.

لكن ما سوى ذلك غير مقبول أبدا: إلا أن تتقوا منهم تقاة وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ. الله يحذركم يا من توالوا اليهود والنصارى وتجلس في أحضانهم وتعظمهم على حساب المسلمين، وتدفعون لهم الأموال العظيمة الهائلة ليغزوا بلاد المسلمين، يا من تواطأتم ضدهم. الله يحذركم، كل مجرم ومنافق يوالي اليهود والنصارى على حساب الملة المحمدية واتباع محمد صلى الله عليه وسلم يعني هذه الآية أنا لا أعرف الذين يوالون اليهود والنصارى أين تاتي هذه الآية في قلوبهم. ويحذركم الله نفسه، يعني الآية يعني لا تحتاج إلى شرح بل ابقها هكذا على إيقاعها الصوتي والمهيب.

الله سبحانه وتعالى يتوعد المجرمين الذين يوالون اليهود والنصارى على حساب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وعلى حساب المسلمين، وهؤلاء قديما وحديثا في هذه الأمة: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ. قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ. الله عز وجل يقول لكل من يتعامل مع اليهود والنصارى، يقول لهم: القضية مكشوفة للإله واضحة، يمكن تضحكوا على البشر، يمكن تضحكوا علينا بالمجالس الدبلوماسية والكلام. شوف الأمور مكشوفة عند الله عز وجل حتى ولو خدعنا في الإعلام كثيرا لكن الله عز وجل لا يخدع. قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله. لأنه كثير منهم ممن يواطئ اليهود والنصارى يخفي ولاءه لليهود والنصارى ويحاول أن يتصنع أن ما يفعل هو لصالح الإسلام والمسلمين والشعوب المسلمة ويتحدث ويجد من يطبل له ويصفق له، هذا كثير. فالله عز وجل يقول: مكشوفة عند الإله، ما في شيء يخفى، أخفيت، أظهرت يعلمه الله.

الله عز وجل يعني يقول: مش بس اللي في قلبك أنا أعرف يا أيها الموالي لليهود والنصارى، أنا أعرف ما في السماوات وما في الأرض، ما بدي أعرف اللي في قلبك، أنا أعرف ما في السماوات وما في الأرض، ألن أعرف ما في قلبك ماذا أنت بالنسبة للسماوات والأرض وما فيهن؟! فهذا تهويل وتعظيم لعلم الله الذي أحاط بكل شيء وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

ثم يقول سبحانه: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مَّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا. يوم القيامة ستاتي يا من واليت اليهود والنصارى. يوم القيامة الذي فعل خيرا في هذه الحياة الدنيا وقدم خيرا سيجد ما عمله من الخير محضرا فيسر بذلك، وأما الذي كان يعمل السوء ويوالي اليهود والنصارى على حساب أهل الملة فهؤلاء سيتمنى: يا ليتنا بيننا وبين أعمالنا أمدا بعيدا مسافة شاسعة! يعني إشارة إلى أنهم يتبرؤون من أعمالهم يتمنون يا ليتنا لم نفعل هذه الأعمال ولم نسلك هذا المسلك مسلك موالاه اليهود والنصارى ومعاونتهم على حساب اتباع محمد صلى الله.

عليه وسلم، وما عملت من سوء. طبعا هي الآية أعم من ذلك، تشمل كل عمل خير وكل عمل سيء، لكن هنا نحن الآن في سياق معين، فلا بد أن يبقى السياق مكتمل تماماً.

فالذين كان ولاؤهم لله ورسوله وتبرءوا من اليهود والنصارى، ما عملوه من هذا الخير سيجدونه محضرا. والذين والوا اليهود والنصارى وعاونوهم، سيتمنى بعداً مسافات شاسعة. ومرة أخرى يعاد التهديد: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ. ويحذركم الله نفسه، هي لغة تهديد صحيح، والله رءوف بالعباد. طيب، لماذا جاء هنا رءوف؟ يعني ما سياق ذكر الرأفة هنا؟

نقول سياق ذكر الرأفة له معانٍ كثيرة، من معانيه هو أنه سبحانه وتعالى رؤوف، أنه يمهل؛ من رأفته سبحانه وتعالى حتى بالفاسدين من بني جلدتنا الذين يوالون اليهود والنصارى، الله عز وجل يحذرهم نفسه، لكن من رأفته بهم أنه يمهلهم؛ لعل بعضهم يستيقظ، لعل بعضهم يتوب، لعل بعضهم ينتبه، لعل بعضهم يعيد النظر في حساباته من جديد. والله رءوف بالعباد؛ لما بيصبر عليكم ولا يستعجل في الانتقام منكم، بل يعطيك عشرين وثلاثين وأربعين وخمسين سنة وأنت موجود، لعلك في موالاة لليهود والنصارى لعلك تنتبه لعلك تستيقظ، فهذه رأفة أنه لا يعاجل بالعقوبة سبحانه وتعالى، بل يعطي عبده فرصة وفرصتين وثلاث وأربع وخمس.

وهذا أيضاً حتى على مستوى كل إنسان فينا عنده ذنوب ومعاصي وخطايا، تذكر أن الله رءوف بك لما لم يقبضك وأنت على معصية. يعني الكلام ليس فقط على رؤوس الفساد والإجرام، بل كل إنسان مسلم يجب أن ينتبه إلى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وإلى: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ. الله عز وجل يحذرك، ترى كون الله سبحانه وتعالى لم يعاجل بالعقوبة لا يعني أنه تغافل عنك أو أنه نسي موضوعك، لا، الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل. والله سبحانه وتعالى صبور حليم رؤوف، بيعطي العبد فرصة وفرصتين وأربع، ويراك على معصية فلا يعاجل بالعقوبة، ويعطيك فسحة توبة وعودة إليه، لكن إياك أن تتعامل مع الله باستهتار، وإياك تظن أن الله عز وجل غفل أو ما انتبه أو في شيء مشى وربنا ما شافه، لا لا.

وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ؛ انتبه ترى الله عز وجل حاضر ومشاهد ورقيب سبحانه وتعالى، ولكن لأنه رؤوف حليم جواد كريم يصبر علينا لنصلك دربه الاستقامة، ولعلنا نتوب ونستيقظ ونعاود الكرة إلى التوبة والإنابة إليه عز وجل.

ثم سبحانه وتعالى يخاطب اليهود هنا وجميع من يدعي محبة الله: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ. وقيل إنها نزلت حتى في بعض الصحابه الذين قالوا إنهم يحبون الله سبحانه وتعالى، فأراد الله أن يخبر أن المحبة الصادقة لها امتحان: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ. إذاً، المحبة الصادقة لله لها محنة ولها ابتلاء يدل على مصداقيتها، ليس من السهل أن تقول إنك تحب الله. ولذلك مر معنا البارحة في تراث ابن تيمية ذنون المصري وغيره من علماء السلوك، كانوا ماذا يقولون؟ يقولون ليس من السهل أن يدعي الإنسان أنه محب لله، وكانوا يقولون يا أخي لا تدعي هذا المقام كثيراً، يعني ما تجلس أمام الناس تضلك تقول إنك والله يا أخي أنا بحب الله والله يا أخي أنا أحب الله وتبقى تعطي عن مشاعرك في محبة الله، يقول هذا مقام ادعاؤه عسر.

إذا اردت أن تقول إنك تحب الله فيجب أن لا يكون ذلك فقط بالدعاوى اللسانية، بل يجب أن يظهر ذلك سلوكاً عملياً في مقدار اتباعك لشرع الله باطناً وظاهراً، وابتعادك عن المعاصي باطناً وظاهراً. فإنك تقول إنك تحب الله بلسانك هذا سهل، والدعاوى العريضة تسهل، لكن إذا اردت أن تحقق هذا المعنى فعلاً وتكون صادقاً أنك تحب الله، هذا منهج وسلوك في الحياة: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ، فالموضوع مش فقط دعوة لسانية بل فاتبعوني. فمن منا حقق هذا الاتباع على كماله؟ من فينا حقق هذا الاتباع للشريعة الإلهية ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً؟ تسعون بالمئة منه؟ سبعون بالمئة منه؟

لذلك كان السلف يدركون رضوان الله عليهم أن كلمة إنني أحب الله يعني دعوة عريضة شوي، هي واجب وعلى الإنسان أن يحققها ولو على أدنى المستويات، لكن مش من السهل أن تتكلم أمام الناس بكل جرأة أنا أحب الله، ثم بعد أن يبتعد الناس عنك تكون في الخلوات من أصحاب المعاصي والفجور والظلمات، تكون في الخلوات مدمن على النظر للحرام، وتكون في خلواتك تتكلم مع النساء أو الفتيات أو تحادث الرجال، أو تكون في الخلوات هناك مخدرات، أو هناك موالاة لغير الله ورسوله، أو هناك من الذنوب والفحشاء والمنكر، ثم تأتي أمام الناس وتقول إني أحب الله. دعك من الدعاوى ولا تدعي مقامات أنت لست من أربابها، قل والله عندي أصل المحبة لله بفهم ذلك، قل عندي أصل المحبة لله بفهم ذلك وهذه واجب، لكن أن تدعي أنك محب لله حقاً هذا مقام الدعاوى فيه كثيرة ولكن البينات فيه قليلة عند كثير من الناس.

فالله عز وجل ذكر للصّحابة ولكل من يدعي أنه يحب الله حتى من اليهود والنصارى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي؛ بدك تحب الله بدك تتبع محمد صلى الله عليه وسلم. وإذا أحببت الله، عفواً وإذا اتبعت النبي عليه الصلاة والسلام ليس فقط هذا دليل على أنك تحب الله -شوف الجمال وكيف أن العطاء الإلهي أكثر من الفعل الإنساني- قال: إذا اتبعت محمد صلى الله عليه وسلم هذا مش فقط دليل على أنك تحب الله، بل خذ زيادة على ذلك: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ. لاحظ، قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي، ما قال فاتبعوني فهذا دليل على حبكم لله، لا، قال: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، الله بحبك! وهذا عطاء فوق ذاك العطاء، وكرم فوق ذلك الكرم: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.

ليش قال: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ؟ لأنه مهما كان عندك اتباع سيكون عندك تقصير. مهما كان عندك اتباع، الله سبحانه وتعالى إذا راك تجاهد على الاتباع وتقاتل على الاتباع وتحاول تتمسك بالاتباع، ألا يكون فينا هنات لأننا لسنا معصومين من الخطأ؟ ألا تكون زلة عين، زلة لسان، زلة كذا؟ لم تصلي صلاة بكامل خشوعها، لم تقم بالعبادة على أفضل مستويات الأداء؟ في قصور، سيكون في قصور، لكن الله سبحانه وتعالى يحب أن يراك وأنت تقاتل من أجل الوصول إليه، ويحب أن يراك وأنت تقاتل من أجل الاتباع، حتى في لحظات العثرات، حتى في لحظات السقطات، الله سبحانه وتعالى يحب أن يراك وأنت تنهض، ويحب أن يراك وأنت تعود إليه من جديد. فَاتَّبِعُونِي؛ الاتباع على كل ما فيه من عثرات وسقطات ومجاهدة، إذا راك الله على هذه الحالة يحبك ويغفر لك ذنوبك وتقصيرك الذي لا بد وأنه حصل بشكل من الاشكال، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ؛ هذه هي القاعدة العامة؛ الاتباع، طاعة الله وطاعة رسوله، فَإِن تَوَلَّوْا من أعرض عن طاعة الله والرسول فهذا كفر، لذلك قال: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ. قد يكون كفراً أكبر إذا كان إعراضاً عاماً عن اتباع شرع الله سبحانه وتعالى، وقد يكون كفراً أصغر بمعنى أن فيك يا أيها المسلم شعباً من شعب الكفر إذا أعرضت عن العمل ببعض أحكام الله سبحانه وتعالى الفرضية الواجبة عليك. فقد هناك كفر أكبر وهناك كفر أصغر، فبعض المسلمين وقع في صور من الكفر الأصغر في الإعراض عن بعض الواجبات وهذا من كفر النعم كما يسمى، وهناك الكفر الأكبر وهو الإعراض التام الكامل عن الشريعة الإلهية.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الاتباع لشرعه وأن نكون متمسكين بنهجه وأن يثبتنا حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وفي المجلس القادم بإذن الله نبدأ الحديث عن معالجة شبهات النصارى في قضية المسيح عيسى ابن مريم، فنتحدث كيف نشأت مريم ثم كيف نشا عيسى وكيف أتى، وهذا كان فيه معالجة واضحة من النبي صلى الله عليه وسلم للنصارى الذين أتوا ليسألوه عن من هو عيسى ابن مريم في نظر الإسلام وفي عقيدة الإسلام.

اللهم بصرنا وقونا وألهمنا رشدنا وقنا شر نفوسنا، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.